Полный текст (14 757 стр.). Показаны 11341–11380 · переход к 11346.
стр. 11341
الخشية: الخوف بتعظيم ومهابة، فقد تخاف من شيء وأنت تكرهه أو تحتقره. فالخشية كأنْ تخاف من أبيك أو من أستاذ كأن يراك مُقصِّراً، وتخجلل منه أنْ يراك على حال تقصير. فمعنى الخوف من الله: أن تخاف أن تكون مُقصِّراً فيما طُلِب منك، وفيماً كلَّفك به؛ لأن مقاييسه تعالى عالية، وربما فاتكَ من ذَلك شيء.
وفي موضع آخر يشرح الحق سبحانه هذه المسألة، فيقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء ... ﴾ [فاطر: ٢٨] لماذا؟ لأنهم الأعلم بالله وبحكمته في كونه، وكلما تكشَّفَتْ لهم حقائق الكون وأسراره ازدادوا لله خشية، ومنه مهابة وإجلالاً؛ لذلك قال عنهم: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ... ﴾ [النحل: ٥٠] أي: أعلى منهم وعلى رؤوسهم، لكن بِحُبٍّ ومهابة.
ومعنى: ﴿بالغيب ... ﴾ [الأنبياء: ٤٩] أنهم يخافون الله، مع أنهم
стр. 11342
لا يَروْنه بأعينهم، إنما يَرَوْنَه في آثار صُنْعه، أو بالغيب يعني: الأمور الغيبية التي لا يشاهدونها، لكن أخبرهم الله بها فأصبحت بَعْد إخبار الله كأنها مشهدٌ لهم يروْنَها بأعينهم.
أو يكون المعنى: يخشون ربهم في خَلَواتِهم عن الخَلْق، فمهابة الله والأدب معه تلازمهم حتى في خَلْوتهم وانفرادهم، على خلاف مَنْ يُظهِر هذا السلوك أمام الناس رياءً، وهو نمرود في خَلْوته.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِّنَ الساعة مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٩] والإشفاق بمعنى الخوف أيضاً، لكنه خَوْفَ يصاحبه الحذر مما تخاف، فالخوف من الله مصحوب بالمهابة، والخوف من الساعة مصحوب بالحذر منها، مخافة أنْ تقوم عليهم قبل أنْ يُعِدوا أنفسهم لها إعداداً كاملاً يُفرحهم بجزاء الله ساعة يلقوْنَه. ﴿وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ ... ﴾ .
стр. 11343
أي: كما جاءت التوراة ﴿ذِكْراً ... ﴾ [الأنبياء: ٤٨] كذلك القرآن الذي نزل عليك يا محمد (ذكر) ، لكنه ﴿ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ. .﴾ [الأنبياء: ٥٠] يقولون: هذا شيء مبارك يعني: فيه البركة، والبركة في الشيء أنْ يعطي من الخير فوق ما يتوقع فيه.
كما كان النبي ﷺ َ يسقي صحابته من قَعْب واحد من اللبن،
стр. 11344
ويُطعِم الجيش كله من الطعام اليسير القليل. وتسمعهم يقولون: فلان راتبة ضئيل، ومع ذلك يعيش هو وأولاده في كذا وكذا فنقول: لأن الله تبارك له في هذا القليل.
فمعنى ﴿ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ ... ﴾ [الأنبياء: ٥٠] أي: فيه من الخير فوق ما تظنون، فإياك أنْ تقولوا: إنه كتاب أحكام وتكاليف فحسْب، فالقرآن فيه صفة الخلود، وفيه من الأسرار ما لا ينتهي، فبركته تشمل جميع النواحي وجميع المجالات إلى أنْ تقوم الساعة. فمهما رددنا آياته نجدها جميلة مُوحِية مُعبّرة. فكل عصر يأتي بجديد، لا يخلق على كثرة الرد ولا تنقَضي عجائبه فهو مبارك لأن ما فيه من الخير يتجاوز عصر الرسول ﷺ َ وكل العصور والأعمار والقرون فيعطي كل يوم سراً جديداً من أسرار قائله سبحانه.
إذن: فالقرآن ﴿ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ ... ﴾ [الأنبياء: ٥٠] لأن ما فيه من وجوه الخير سيتجاوز العصر الذي نزل فيه، ويتجاوز كل الأعمار وكل القرون، فيعطي كل يوم لَوْناً جديداً من أسرار قائله والمتكلِّم به؛ لذلك يتعجّب بعدها من إنكار القوم له: ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠] أَمِثْل هذا الكلام يُنكر؟
وسبق أنْ أوضحنا أقوالهم في القرآن.
منهم مَنْ قال: سحر. ومنهم من قال: شعر. ومنهم من قال
стр. 11345
كذب وأساطير الأولين، وهذا كله إفلاس في الحُجَّة، وتصيُّد لا معنى له، ودليل على تضارب أفكارهم.
ألم يقولوا هم أنفسهم: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] إذن: هم يعرفون صِدْق القرآن ومكانته، وأنه من عند الله، ولا يعترضون عليه في شيء، إنما اعتراضهم على مَنْ جاء بالقرآن، وفي هذا دليل على أنهم ليست عندهم يقظة في تغفيلهم.
وتأمل: ﴿وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ. .﴾ [الأنبياء: ٥٠] ولم يقل: هذا القرآن، كأنه لا يُشار إلا إلى القرآن. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ ... ﴾ .
стр. 11346
نلاحظ أن الحق سبحانه بدأ تسليته لرسوله ﷺ َ بذِكْر طرف من قصة موسى، ثم ثنَّى بقصة إبراهيم، مع أن إبراهيم ﵇ سابقٌ لموسى، فلماذا؟ لأن موسى له صِلَة مباشرة باليهود وقريب منهم، وكان اليهود معه أهلَ جَدَل وعناد.
ومعنى ﴿رُشْدَهُ ... ﴾ [الأنبياء: ٥١] الرُّشْد: اهتداء العقل إلى الأكمل في الصلاح والأعلى في الخير، بحيث لا يأتي بعد الصلاح فسادٌ، ولا بعد الخير شر، ولا يُسلمك بعد العُلو إلى الهبوط، هذا هو الرُّشْد. أما أنْ يجرَّك الصلاح الظاهر إلى فساد، أو يُسلِمَك اليخر إلى شر، فليس في ذلك رُشْدٌ.
стр. 11347
والآن نسمعهم يتحدثون عن الفنون الجميلة، ويستميلون الناس بشعارات برّاقة أعجبتْ الناس حتى وصلت بهم الجرأة إلى أنْ قالوا عن الرقص: فنٌّ راقٍ وفنّ جميل. . سبحان الله، الرقص كما قلتم لو أنه فعلاً راقٍ وجميل، وظل كذلك إلى آخر الطريق، ولم ينحدر إلى شيء قبيح وهابط، ماذا يحدث حين يجلس الرجل أمام راقصة تُبدِي من مفاتنها وحركاتها ما لا تُحسنه زوجته في البيت؟ كم بيوت خَرِبَتْ وأُسرَ تهدمت بسبب راقصة، فأيُّ رقيٍّ؟ وأيُّ جمال في هذا الفن؟!
لذلك؛ فالإمام علي - كرَّم الله وجهه - لخَّص هذه المسألة فقال: «لا شَرَّ في شَرٍّ بعده الجنة، ولا خيرَ في خير بعده النار» .
إذن: على الإنسان أن ينتبه إلى الرُّشْد الذي هو اهتداء العقل إلى الصالح الأعلى أو إلى الكمال الأعلى أو الخير الأعلى. وهذا الرُّشْد له اتجاهان: رُشْد البِنْية، ورُشْد المعنى.
رُشْد البِنْية وهو اكتمال تكوين الإنسان بحيث يُؤدِّي كل جهاز فيه وظيفته، وهذا لا يكون إلا بعد سِنِّ البلوغ، وقد جعل الخالق سبحانه استواء الأعضاء التناسلية دليلاً على اكتمال هذا الرُّشْد حين يصير المرء قادراً على إنجاب مثله.
وهذا واضح في الثمار حيث لا يحلو مذاقها إلا بعد نضجها واكتمال بذرتها لتكون صالحة للإنبات إذا زرعتها، وهذا من حكمة الخالق فنأكل الثمرة ونستبقي نوعها ببذرتها الصالحة، أما لو استوت الثمرة للأكل قبل نُضْج بذرتها لأكلنا الثمار الموجودة ولم نستبق نوعها فتنقرض.
لذلك، من حكمة الله أيضاً أن الثمرة إذا استوتْ ونضجَتْ ولم تجد مَنْ يقطفها تسقط من تلقاء نفسها، وتُجدِّد دورتها في الحياة.
стр. 11348
ولأمر ما جعل الله التكليف بعد البلوغ، فلو كلّفك قبل البلوغ لوجدتَ في التكاليف نَهْياً عن بعض الأمور التي لا تعرفها ولا تدركها، وقد تعترض على ربك: كيف أفعل يا ربّ وقد جاءتني هذه الغريزة ففعلتْ بي كذا وكذا.
ولكل آلة وجهاز في جسم الإنسان رُشْد يناسبه، ونمو يناسب تكوينه، فمثلاً عَيْن الطفل وفمه وأصابع يده كلها تنمو نمواً مناسباً لتكوين الطفل.
أما الأسنان ففيها حكمة بالغة من الخالق ، فقد جعل للطفل في المرحلة التي لا يستطيع فيها تنظيفَ أسنانه بنفسه، ولا حتى يستطيع غيره تنظيفها جعل له (طقماً) احتياطياً من الأسنان، يصاحبه في صِغَره تُسمَّى الأسنان اللبنية، حتى إذا ما شَبَّ وكَبر واستطاع أنْ يُنَظّف أسنانه بنفسه أبدله الله (طَقْماً) آخر يصاحبه طوال عمره.
وهناك رُشْد أعلى، رُشْد فكري معنوي، رُشْد يستوي فيه العقل والتفكير ويكتمل الذِّهنْ الذي يختار ويُفَاضل بين البدائل، فقد يكتمل للمرء رُشْد البُنياني الجسماني دون أنْ يكتملَ عقله وفِكْره، وفي هذه الحالة لا نُمكِّنه من التصرف حتى نختبره، لنعلم مدى إحسانه للتصرف فيما يملك، فإنْ نجح في الاختبار فَلْنُعْطِه المال الذي له، يتصرف فيه كما جاء في قول الحق : ﴿وابتلوا اليتامى حتى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فادفعوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ... ﴾ [النساء: ٦] أي: لا تنتظر حتى يكبر، ثم تعطيه
стр. 11349
ماله، يفعل فيه ما يشاء دون خِبْرة ودون تجربة، إنما تختبره وتَشْركه في خِضَمِّ الحياة ومعتركها، فيشبّ مُتمرِّساً قادراً على التصرف السليم.
وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السفهآء أَمْوَالَكُمُ ... ﴾ [النساء: ٥] لأنهم إن بلغوا الرشْد البدنيّ فلم يبلغوا الرُّشد العقلي، وإياك أن تقول: هو ماله يتصرف فيه كما يشاء، فليس للسفيه مال بدليل: ﴿وَلاَ تُؤْتُواْ السفهآء أَمْوَالَكُمُ ... ﴾ [النساء: ٥] ولم يقُلْ: أموالهم، فهو مالُكَ تحافظ عليه كأنه لك، وأنت مسئول عنه أمام الله، ولا يكون مال السَّفيه له إلا إذا أحسنَ التصرف فيه.
ومن الرُّشْد ما سماه القرآن الأشُدّ: ﴿حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أوزعني أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى وَالِدَيَّ ... ﴾ [الأحقاف: ١٥] .
والأشُدُّ هو: التسامي في الرُّشْد وقال هنا (أربعين سنة) مع أننا ذكرنا أن الإنسان يبلغ رُشْد البِنْية ورُشْد العقل بعد سِنَِّ البلوغ في الخامسة عشرة تقريباً، إذن: مَنْ لم يرشُدْ حتى الأربعين فلا أملَ فيه، والنار أَوْلَى به؛ لأنه حين يكفر أو ينحرف عن الطريق في عنفوانه شبابه وقوته نقول: شراسة الشباب والشهوة والمراهقة، إلى آخر هذه الأعذار فإذا ما بلغ الأربعين فما عذره؟
وإذا لم يتلقَّ مبادئ الرُّشْد في صِغَره وفي شبابه، فلا شَكَّ أنه سيجد في أحداث الحياة طوال أربعين سنة واقعاً يُرشده قَهْراً عنه،
стр. 11350
حيث يرى أعماله وعواقبها وأخطاءه وسقطاته، وينبغي أنْ يأخذ منها درساً عملياً نظرياً في الرُّشْد.
ومن ذلك ما نسمعه من مصطلحات معاصرة يقولون «الرشد السياسي» ويقولون «ترشيد الاستهلاك» ، ما معنى هذه المصطلحات؟ معناها أن أحداث الحياة وتجاربها وعدم الرُّشْد في مسيرتهم عضَّت الناس، وألجأتْهم إلى التفكير في ترشيد يُذهب هذا الفساد.
إذن: فالرُّشْد للذات والترشيد للغير كما نفعل في ترشيد استهلاك القمح مثلاً وكنا نعلف به المواشي، حتى أصبحنا لا نجده؛ لذلك بدأنا في ترشيد استهلاك رغيف الخبز وصِرْنا نقسمه أربعة أقسام، ونأكل بحساب، ولا نهدر شيئاً، وما يتبقى يتبقى نظيفاً نأكله في وَجْبة أخرى.
وقد لا يكون عند الخباز نفسه ترشيد، فيُخرج الرغيف قبل استوائه فتجده عجيناً، كله لبابة، فتأتي ربة البيت الواعية فتفتح الرغيف قبل وضعه على المائدة، وتُخرِج منه هذه البابة، وتجمعها ثم تُحمِّصها في الفرن، وتصنع منها طعاماً آخر.
وما يقال في «ترشيد الخبز» يقال في «ترشيد الماء» ، وقد أمرنا رسول الله بترشيد استهلاك الماء حتى في الوضوء الذي هو قربي إلى الله.
هذا الرُّشْد الذي وصفنا رُشْد كل عاقل غير الرسل، وهو أنه يهتدي إلى قضايا حياته، ويتصرّف فيها تصرفاً سليماً، إنما مقتضى نتيجة هذا الصلاح في الدنيا، أما الرسل فلهم رُشْد آخر، رُشْد أعلى للدنيا وللآخرة، وهذه هبة من الله للرسل.
стр. 11351
قال تعالى في حَقٍّ إبراهيم ﵇: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ ... ﴾ [الأنبياء: ٥١] وكأن رُشْد إبراهيم لا يخضع لهذه القواعد، ولا يرتبط ببلوغ، ولا نبوة، بل هو رُشْد سابق لأوانه منذ أنْ كان صغيراً يتأمل في النجوم ويبحث عن ربه: ﴿فَلَمَّآ رَأَى القمر بَازِغاً قَالَ هذا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القوم الضالين فَلَماَّ رَأَى الشمس بَازِغَةً قَالَ هذا رَبِّي هاذآ أَكْبَرُ فَلَمَّآ أَفَلَتْ قَالَ ياقوم إِنِّي برياء مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٧ - ٧٨] .
فكان ﵇ مُؤهِّلاً للرسالة منذ صِغَره، ولما أُرسل ونُبِّيء ظهرتْ مواهب رُشْده حين أُلقِي في النار، وجاءه جبريل ﵇ يعرض عليه المساعدة، فيقول إبراهيم: أما إليك فلا. وهذه أول بشائر الرشد الفكري والعقدي عند إبراهيم.
وفي حَقِّه قال تعالى: ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ... ﴾ [البقرة: ١٢٤] أي: اختبره في أشياء فأتمهُنَّ وأتى بِهنّ على أكمل وجه، منها: أنه طلب منه أنْ يرفعَ قواعد البيت، وكان يلفي أن يرفع إبراهيم قواعد البيت إلى ما تطول يده، إنما إبراهيم قواعد البيت إلى ما تطول يده، إنما إبراهيم ﵇ كان حريصاً أنْ يتم الأمر على أكمل وجه، فيفكر ويحتال في أنْ يأتيَ بحجر ويقف عليه ليرفع البناء بمقدار الحجر، ويساعده ولده الصغير إسماعيل فيناوله الحجارة، لكن الولد الصغير تتزحلق قدماه حينما يرفع الحجارة لأبيه، فيحتال على هذا الأمر فيحفر في الحجر على قَدْر قدميه حتى يثبت، وهاتان القدمان نشاهدهما حتى الآن في حِجْر إسماعيل.
إذن: كان عنده عِشْق لللتكاليف وحِرْص على إتمامها.
стр. 11352
وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١] هذا واضح في قوله تعالى: ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ... ﴾ [الأنعام: ١٢٤] . ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ... ﴾ .
стр. 11353
أي: اذكر يا محمد، إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه ﴿مَا هذه التماثيل ... ﴾ [الأنبياء: ٥٢] .
والتماثيل: جمع تمثال، وهو مأخوذ من مِثْل أو مَثَل، ومِثْل الشيء يعني: شبيهه ونظيره، وكانوا يعمدون إلى الأشياء التي لها جِرْم ويُصورِّونها على صورة أشياء مخلوقة لله تعالى، كصورة الإنسان أو الحيوان، من الحجر أو الحديد أو الخشب أو غيرها ويُسمُّونه تمثالاً، ويُقيمونه ليعبدوه.
وكانوا يبالغون في ذلك: فهذا من الحجر، وهذا من المرمر، وهذا صغير، وهذا كبير، وقد يضعون في عينيه خرزتين ليظهر للرائي أن له نظراً، وهي ألوان من التفنن في هذه الصناعة.
فإبراهيم ﵇ يقول مستنكراً لأبيه وقومه ﴿مَا هذه التماثيل التي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] .
فالاستفهام هنا على غير حقيقته، بل هو استفهام إنكاري يحمل لهجة الاستهزاء والسخرية والتقريع، ولا بد أنه ألقى عليهم هذا السؤال بشكل أدائي يُوحي بالتقريع.
وسبق أنْ تحدّثنا في معنى (أبيه) هنا وقلنا: المراد عَمُّه،
стр. 11354
بدليل قوله في موضع آخر: ﴿لأَبِيهِ آزَرَ ... ﴾ [الأنعام: ٧٤] فقد بدأ المسألة بأبيه أو عمه، وهو أقرَبُ الناس إليه، يريد أن يطمئنَ الناسُ إلى ما يدعو إليه، وأنه خير، وإلا ما بدأ بأبيه.
وأيضاً لأن القوم قد لا يكونُ لهم في نفسه تأثير هَيْبة أو حُبٍّ إنما الهيبة والحب موجود بالنسبة لأبيه أو لعمه، ومع ذلك لم تمنعه هذه الهيبة أنْ يُسقِّه كلامهم وأفعالهم الباطلة، كما جاء في قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقترفتموها وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾ [التوبة: ٢٤] .
وقد وقف المفسرون عند اللام في قوله تعالى: ﴿لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] مع أن المعنى: يعكفون على عبادتها، كما جاء في آية أخرى: ﴿فَأَتَوْاْ على قَوْمٍ يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ ... ﴾ [الأعراف: ١٣٨] وهنا جاءت باللام؛ لذلك قال بعضهم: اللام هنا بمعنى على، فلماذا عدَل عن علي إلى اللام؟
ولو تنبَّهنا لمعطيات الألفاظ ﴿لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] نقول: الاعتكاف: هو الإقامة. فلان عاكف في المسجد يعني: على الإقامة في المسجد، فكلمة عاكفون وحدها تعطي معنى (على) أي: لصالح هذه الآلهة. أمّا اللام فلشيء آخر، اللام هنا لام الملكية والنفعية. وذكروا لها مثالاً آخر في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السمآء كَطَيِّ السجل لِلْكُتُبِ ... ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] .
السِّجل هو: القرطاس والورق الذي نكتب فيه، ومنه قولهم: نُسجِّل كذا يعني: نكتبه في السِّجل أو الورق لتحفظ، ومعنى
стр. 11355
﴿لِلْكُتُبِ ... ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] يعني: الشيء المكتوب، فكأن المعنى: نطوي الورق على ما كُتِب فيه.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا ... ﴾ .
стр. 11356
إذن: لا حُجَّة لهم في عبادتهم لهذه التماثيل التي صنعوها وأقاموها بأنفسهم، إلا أنهم رَأَوْا آباءهم يعبدونها، فحُجَّتهم التقليد الأعمى، ولو كان عندهم حجة لذاتية العمل لَقالُوها.
وفي موضع آخر قالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] إذن: نعيب عليهم هذا التقليد ونعيب على آبائهم أيضاً، فكيف يكون رَدُّ إبراهيم إذن؟
وكلمة ﴿عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٣] هنا تعبير عن أن عبادتهم لهم عبادة عن غير فَهْم، لأن العبادة طاعة عباد لأوامر معبوده، فبماذا أمرتهم الأصنام؟
ثم يقول الحق سبحانه عن إبراهيم أنه قال لقومه: ﴿قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ ... ﴾ .
стр. 11357
أراد أنْ يُرشِّد هذا السِّفَه فقال: أنتم في ضلال؛ لأنكم قلّدتم في الإيمان، والإيمان لا يكون بالتقليد، وآباؤكم لأنهم اخترعوا هذه المسألة وسَنُّوهَا لكم.
ومن العجيب أنْ يُقلِّدوا آباءهم في هذه المسألة بالذات دون غيرها، وإلاَّ فَمن الذي يظل على ما كان عليه أبوه، ونحن نرى كُلَّ جيل يأتي بجديد مِمَّا لم يكُنْ معروفاً للجيل السابق.
стр. 11358
لذلك يقولون: الناس بأزمانهم أشبه منهم بآبائهم، فلكُل زمن وَضْعه وارتقاءاته، وأنت تتحكم في ولدك ما دام صغيراً، فيأكل الولد ويشرب ويلبس حَسْب ما تحب أنت، فإذا ما شبَّ وكَبِر صارتْ له شخصيته الخاصة وفِكْره المستقِلّ، فيختار هو مَأكله ومَلْبسه، والكلية التي يدخلها، وربما انتقدكَ في بعض الأمور.
إذن: هؤلاء قلَّدوا آباؤهم في هذه المسألة دون غيرها، فلماذا مسألة الإيمان بالذات تتمسَّكون فيها بالتقليد؟ ولو أن كُلَّ جيل جاء صورة طِبْق الأصل لسابقه لما تغيَّر وَجْه الحياة، ففي هذا دلالة على أن لكل جيل ذاتيته المستقلة وفِكْره الخاص.
لقد قلَّد هؤلاء آباءهم في هذه العبادة دون غيرها من الأمور؛ لأنها عبادة وتديُّن بلا تكليف، وآلهة بلا منهج، لا تُضيِّق عليهم في شيء، ولا تمنعهم شيئاً مما أَلِفُوه من الشهوات، فهو تديُّن بلا تَبِعة.
لذلك؛ فالحق سبحانه يردُّ عليهم في أسلوبين مختلفين، فمرة يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠] .
وفي موضع آخر يقول: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إلى مَآ أَنزَلَ الله وَإِلَى الرسول قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٤] .
ونلحظ أن عَجُزَ الآيتين مختلف، فمرة: ﴿لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً ... ﴾ [البقرة: ١٧٠] ومرة: ﴿لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً ... ﴾ [المائدة: ١٠٤] فلماذا؟
قالوا: لأن عَجُزَ كل آية مناسب لصَدْرها، وصَدْر الآيتين مختلف، ففي الأولى قالوا: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ ... ﴾ [البقرة: ١٧٠]
стр. 11359
فيمكن أن نتبع هذا أو هذا، دون أنْ يقصروا أنفسهم على شيء واحد.
وفي الثانية قالوا: ﴿حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ ... ﴾ [المائدة: ١٠٤] يعني: يكفينا، ولا نريد زيادة عليه، فَقصَروا أنفسهم على ما وجدوا عليه آباؤهم.
لذلك قال في عَجُز الأولى: ﴿لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً ... ﴾ [البقرة: ١٧٠] وفي عَجُز الثانية ﴿لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً ... ﴾ [المائدة: ١٠٤] لأن العاقل هو الذي يهتدي إلى الأمر بذاته.
أمّا الذي يعلم فيعلم ما عَقِله هو، وما عَقِله غيره، إذن: فدائرة العلم أوسع من دائرة العقل؛ لأن العقل يهتدي للشيء بذاته، أمَّا العلم فيأخذ اهتداء الآخرين.
فكان ردُّهم: ﴿قالوا أَجِئْتَنَا ... ﴾ .
стр. 11360
يعني: أهذا الكلام يا إبراهيم جدٌّ؟ أم أنك تَهْزِر معنا؟ كأنهم يستبعدون أن يكون كلام إبراهيم جِدّاً؛ لأنه بعيد عن مداركهم. ﴿قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السماوات ... ﴾ .
стр. 11361
يردّ إبراهيم: لقد جئتكم بالحق الذي يقول: إن هذه الأصنام لا تُعبد، بل الذي يستحق العبادة هو الله ربُّ السماوات والأرض: ﴿قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السماوات والأرض الذي فطَرَهُنَّ ... ﴾ [الأنبياء: ٥٦] ف (بل) تُضرب عما قبلها، وتُثبِت الحكم لما بعدها
стр. 11362
﴿الذي فطَرَهُنَّ ... ﴾ [الأنبياء: ٥٦] يعني: خَلق السماوات والأرض والأصنام، وكل ما في الوجود.
﴿وَأَنَاْ على ذلكم مِّنَ الشاهدين﴾ [الأنبياء: ٥٦] والشاهد هو الذي اهتدى إلى الحق، كأنه رَأْى العَيْن، وليس مع العين أَيْن، واهتدى إلى الدليل على هذا الحق، فقال: أنا شاهد على أن ربكم ربّ السماوات والأرض ومعي الدليل على هذه الحقيقة. ﴿وتالله لأَكِيدَنَّ ... ﴾ .
стр. 11363
بعد ما حدث منهم من لجج وجدال بالباطل أقسم إبراهيم ﵇ ﴿وتالله ... ﴾ [الأنبياء: ٥٧] والتاء هنا للقسم ﴿لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ ... ﴾ [الأنبياء: ٥٧] وهل الأصنام تُكَاد؟ أم أن المراد: لأكيدنكم في أصنامكم؟ فالأصنام كمخلوق من مخلوقات الله تُسبِّح لله، وتشكر إبراهيم على هذا العمل.
وما أجمل ما قاله الشاعر في هذا المعنى حين تكلَّم بلسان الأحجار في غار حراء وغار ثور، حيث كانت الحجارة تَغَارُ وتحسد حِراء؛ لأن المصطفى ﷺ َ كان يتعبَّد به قبل البَعْثة، فحِراء شاهدُ تعبُّد لرسول الله يزهو بهذه الصحبة، فلما نزل رسول الله بغار ثور عند الهجرة فرح ثور؛ لأنه صار في منزلة حراء:
كَمْ حَسَدْنَا حِرَاءَ حِينَ تَرَى ... الرُّوحَ أميناً يغزُوك بالأَنْوارِ
فَحِرَاءُ وثَوْرٌ صَارَا سَواءً ... بهِمَا تشفع لدولةِ الأحْجَارِ
عَبَدُونَا ونحْنُ أعبَدُ ... لله مِنَ القائِمينَ بالأسْحَارِ
تخِذُوا صَمْتَنَا عليْنَا دَليلاً ... فَغدَوْنا لَهُمْ وقُودَ النَّارِ
стр. 11364
لأن الله قال: ﴿وَقُودُهَا الناس والحجارة ... ﴾ [البقرة: ٢٤] .
قَدْ تَجَنَّوْا جَهْلاً كما قَدْ ... تَجنَّوْهُ علَى ابْنِ مرْيَم والحَوارِي
لِلْمُغَالِي جَزَاؤُهُ والمغالَي فِيهِ ... تٌنجيهِ رَحْمةُ الغَفَّار
إذن: فتحطيم الأصنام ليس كَيْداً للأصنام، بل لعُبَّادها الذين يعتقدون فيها أنها تضرُّ وتنفع، وكأن إبراهيم ﵇ يقيم لهؤلاء الدليل على بطلان عبادة الأصنام، الدليل العملي الذي لا يُدْفَع وكأن إبراهيم يقول بلسان الحال: حين أُكسِّر الأصنام إنْ كنتُ على باطل فليمنعُوني وليردّوا الفأْسَ من يدي، وإنْ كنتُ على حق تركوني وما أفعل.
وقوله تعالى: ﴿بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٧] أي: بعد أنْ تنصرفوا عنها. يعني: على حين غَفْلة منهم.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً ... ﴾ .
стр. 11365
ونلحظ هنا أن السياق القرآني يحذف ما يُفهم من الكلام، كما في قصة سليمان ﵇ والهدهد: ﴿اذهب بِّكِتَابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فانظر مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل: ٢٨] وحَذْف ما كان من الهدهد ورحلته إلى بلقيس، وإلقائه الكتابَ إليها، وأنها أخذتْه وعرضتْه على مستشاريها: ﴿قَالَتْ ياأيها الملأ إني أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] .
ومعنى ﴿جُذَاذاً ... ﴾ [الأنبياء: ٥٨] أي: قطعاً متناثرة وحطاماً،
стр. 11366
بعد أنْ كانت هياكل مجتمعة ﴿إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ. .﴾ [الأنبياء: ٥٨] أي: أنه تركه فلم يحطمه، وقد كانوا يضعون الأصنام على هيئة خاصة و (ديكور) ، بحيث يكون الكبير في الوسط، وحوله الأصنام الصغيرة يعني: كأن له سيطرةً عليهم ومنزلة بينهم، وكانوا يضعون في عينه الزبرجد، حتى يُخيَّل لمَنْ يراه أنه ينظر إليه.
وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٨] فيسألونه عَمَّا حدث لأولاده الآلهة الصغار، ولماذا لم يدافع عنهم خاصةً وقد وجدوا الفأْس على كتفه؟ ﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هذا ... ﴾ .
стр. 11367
أي: لما ذهبوا إلى المعبد الذي يعبدون فيه أصنامهم وجدوها مُحطمة فقالوا: ﴿مَن فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنَآ إِنَّهُ لَمِنَ الظالمين﴾ [الأنبياء: ٥٩] لأنه اعتدى على الآلهة السليمة وكسَّرها.
إذن: هذه الآلهة لا تستطيع أنْ تدفع عن نفسها الضر، وكان عليهم أنْ يتنبّهوا إلى هذه المسألة، كيف يقبَلُون عبادتها، ولو أوقعت الريحُ أحدهم لكسرته، فيحتاج الإله إلى مَنْ يُصلِح ذراعه ويُرمِّمه ويُقيمه في مكانه، فأيُّ ألوهية هذه التي يدافعون عن حقوقها؟!
стр. 11368
أي: تطوع بعضهم وقالوا هذا، وكان للقوم يوم مُحدّد يذهبون
стр. 11369
فيه إلى معبدهم ومكان أصنامهم، ويأخذون طعامهم وشرابهم، ويبدو أنه كان يَوْمَ عيد عندهم، وقد استعدّ آزر لهذا اليوم، وأراد أنْ يأخذ معه إبراهيم لعلَّ الآلهة تجذبه فيهتدي وينصرف عَمَّا هو فيه.
لكن إبراهيم ﵇ ادّعى أنه مريض، لا يستطيع الخروج معهم، فقال ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وعندها عزم إبراهيم على تحطيم أصنامهم وقال: ﴿وتالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٧] سمعه بعض القوم فأخبرهم بأمره.
﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ ... ﴾ [الأنبياء: ٦٠] والذكْر هنا يعني بالشر بالنسبة لهم، ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٠] يعني: اسمه إبراهيم، أو حين نناديه نقول: يا إبراهيم.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ على أَعْيُنِ ... ﴾ .
стр. 11370
ومعنى ﴿على أَعْيُنِ الناس ... ﴾ [الأنبياء: ٦١] يعني: على مَرْأىً منهم ليشاهدوه بأعينهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٦١] أي: يشهدون ما نُوقِعه به من العذاب حتى لا يجترئ أحد آخر أنْ يفعل هذه الفِعْلة، ويكون عبرةً لغيره. ﴿قالوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ ... ﴾ .
стр. 11371
هنا أيضاً كلام محذوف: فأتَوْا به، ثم سألوه هذا السؤال، والاستفهام ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا﴾ [الأنبياء: ٦٢] استفهام عن الفاعل؛
стр. 11372
لأن الفعلَ وضاح لا يحتاج إلى استفهام؛ لذلك لم يقُلْ: أفعلتَ هذا يا إبراهيم، بل اهتم بالفاعل: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا. .﴾ [الأنبياء: ٦٢] كما تقول: أبنيتَ الدار التي كنت تنوي بناءها؟ فهذا استفهام عن الفِعْل، إنما أأنت بنيت الدار، فالمراد الفاعل. ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ ... ﴾ .
стр. 11373
وكأنه يريد أنْ ينتزعَ منهم الإقرار بأن هذا الكبير لا يفعل شيئاً، فيُواجههم: فلماذا - إذن - تعبدونهم؟
وقَوْل إبراهيم ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا ... ﴾ [الأنبياء: ٦٣] فيه توبيخ وتبكيت لهم، حيث رَدَّ الأمر إلى مَنْ لا يستطيعه ولا يتأتّى منه، وقد ضرب الزمخشري ﵀ مثلاً لذلك برجل جميل الخطِّ، وآخر لا يُحسِن الكتابة، فيرى الأخيرُ لوحة جميلة، فيقول للأول: أأنت كاتب هذه اللوحة؟ فيقول: لا بل أنت الذي كتبتَها!! تبكيتاً له وتوبيخاً.
ثم يُصرِّح إبراهيم لهم بما يريد: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣] وهم لن يسألوهم؛ لأنهم يعرفون حقيقتهم. ﴿فرجعوا إلى أَنفُسِهِمْ ... ﴾ .
стр. 11374
أي: تنبّهوا وعادوا إلى عقولهم، ونطقوا بالحق: ﴿إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظالمون﴾ [الأنبياء: ٦٤] يعني: بعبادتكم هذه الأصنام، وأنتم تعلمون أنها لا تنفع ولا تضرُّ، ولا ترى ولا تتكلم.
هكذا واجهوا أنفسهم بهذه الحقيقة وكشفوا عن بطلان هذه
стр. 11375
العبادة، لكن هذه الصحوة ستكون على حسابهم، وخسارتهم بها ستكون كبيرة، هذه الصحوة ستُفقِدهم السُّلْطة الزمنية التي يعيشون في ظلها، وينتفعون من ورائها بما يُهدَي للأصنام؛ لذلك سرعان ما يتراجعون ويعودون على أعقابهم بعد أن غلبهم الواقع وتذكَّروا ما تجرُّه هذه الصحوة. ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ على رُءُوسِهِمْ ... ﴾ .
стр. 11376
فبعد أنْ جابهوا أنفسهم بالحق ﴿نُكِسُواْ على رُءُوسِهِمْ ... ﴾ [الأنبياء: ٦٥] والنكسة: أن الأعلى يأتي في الأسفل، وأنتم تعلمونها طبعاً!! ورجعوا يقولون له نفس حجته عليهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هؤلاء يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥] وهذا هو التغفيل بعينه.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ... ﴾ .
стр. 11377
يعني: لا ينفعكم بشيء إنْ عبدتموه ولا يضرّكم بشيء إنْ تركتم عبادته. ﴿أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ ... ﴾ .
стр. 11378
أفٍّ: اسم فعل بمعنى أتضجر، فليس اسماً، ولا فعلاً، ولا حرفاً، إنما (أف) اسمٌ مدلوله فعل، ففيه من الاسمية، وفيه من الفعلية؛ لذلك يسمونها «الخالفة» لأن كلام العرب يدور على اسم أو فعل أو حرف، مثل هيهات: اسم فعل بمعنى بَعُدَ. فإبراهيم ﵇ يعبِّر بهذه الكلمة (أُفٍّ) عن ضيقه وتضجُّره ممَّا يفعل قومه من عبادة الأصنام من دون الله. ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وانصروا ... ﴾ .
стр. 11379
ونلحظ قولهم ﴿حَرِّقُوهُ. .﴾ [الأنبياء: ٦٨] بالتضعيف الدالّ على المبالغة، ولم يقولوا مثلاً: احْرٍقوه، وقد اجتمعوا على هذا الفعل فبنَوْا بناءً وضعوا فيه النار، ومكثوا أربعين يوماً يسجرونها بكل ما يمكن أن يشتعل، وبذلك اشتدت حرارة النار، حتى إن الطير الذي يمرُّ فوق هذه النار كان يسقط مشوياً من شدة حرها.
والدليل على ذلك أنهم لما أرادوا إلقاء إبراهيم في النار لم يستطيعوا الاقتراب منها لشدة لَفْحها، فصنعوا له منِجنيقاً لِيُلْقُوه به في النار من بعيد.
وقولهم: ﴿وانصروا آلِهَتَكُمْ ... ﴾ [الأنبياء: ٦٨] حسب اعتقادهم كأن المعركةَ بين إبراهيم والآلهة، والحقيقة أن الآلهة التي يعبدونها مع إبراهيم وليست ضده، فالمعركة - إذن - بين إبراهيم وبين عُبَّاد الأصنام.
стр. 11380
وقولهم: ﴿إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨] يعني: إنْ فعلتم شيئاً بإبراهيم فَحرِّقوه.
ثم يقول الحق سبحانه عن إنجائه لإبراهيم ﵇ من هذه المَحْرقَة: ﴿قُلْنَا يانار كُونِي ... ﴾ .
следующие страницы →