← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 11586–11625 · переход к 11591.

стр. 11586

وهكذا. . الحق دَلَّ المؤمن ودَلَّ الكافر على الخير، المؤمن رضي بالله وقَبِل أمره ونَهْيه، وحمد الله على هذه النعمة، فزاده إيماناً وأعانه على مشقة العبادة، وجعل له نوراً يسير على هَدْيه، أما الكافر فقد تركه يتخبّط في ظلمات كفره، ويتردد في متاهات العمى والضلال. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئين والنصارى والمجوس والذين أَشْرَكُوا. .﴾ .

стр. 11587

هذه فئات ست أخبر الله عنها بقوله: ﴿إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة. .﴾ [الحج: ١٧] ومعنى الفصل بينهم أن بينهم خلافاً ومعركة، ولو تتبعتَ الآيات التي ذكرت هذه الفئات تجد أن هناك آيتين في البقرة وفي المائدة. يقول تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والنصارى والصابئين مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] . وفي المائدة يُقدِّم الصابئين على النصارى، وفي هذا الموضع تأتي بالرفع بالواو، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ

стр. 11588

والصابئون والنصارى مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩] . ﴿الذين آمَنُواْ. .﴾ [الحج: ١٧] أي: بمحمد ﷺ َ، ﴿والذين هَادُواْ. .﴾ [الحج: ١٧] أي: اليهود، ثم النصارى وهما قبل الإسلام، أما الصابئون: فهؤلاء جماعة كانوا على دين إبراهيم ﵇، ثم عبدوا الكواكب فَسُمُّوا الصابئة لخروجهم عن الدين الحق. أما المجوس: فهم عبدة النار، والذين أشركوا: هم المشركون عَبَدة الأصنام والأوثان. أما التقديم والتأخير بين النصارى والصابئين، قالوا: لأن النصارى فرقة كبيرة معروفة ولهم نبي، أما الصابئة فكانوا جماعة خرجوا على نبيهم وخالفوه وأتَوْا بعقيدة غير عقيدته، فهم قلَّة، لكن سبقوا النصارى في الترتيب الزمني؛ لذلك حين يراعي السَّبْقَ الزمني يقول: ﴿والصابئين والنصارى. .﴾ [الحج: ١٧] وحين يراعي الكثرة والشهرة، يقول: ﴿والنصارى والصابئين. .﴾ [البقرة: ٦٢] فكلٌّ من التقديم أو التأخير مُراد لمعنى مُعيَّن. أما قوله: ﴿والصابئون. .﴾ [المائدة: ٦٩] بالرفع على خلاف القاعدة في العطف، حيث عطفت على منصوب، والمعطوف تابع للمعطوف عليه في إعرابه، فلماذا وسَّط مرفوعاً بين منصوبات؟ قالوا: لا يتم الرفع بين المنصوبات إلا بعد تمام الجملة، فكأنه قال: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى، والصابئون كذلك، فعطف هنا جملة تامة، فهي مُؤخَّرة في المعنى، مُقدَّمة في اللفظ، وهكذا تشمل الآية التقديم والتأخير السابق. لكن، كيف ينشأ الخلاف بين الأديان؟

стр. 11589

ينشأ الخلاف من أن قوماً يؤمنون بإله ويؤمنون بالنبي المبلِّغ عن هذا الإله، لكنهم يختلفون على أشياء فيما بينهم، كما نرى الخلاف مثلاً بين المعتزلة وأهل السنة، أو الجبرية والقدرية، فجماعة تثبت الصفات، وآخرون يُنكرونها، جماعة يقولون: الإنسان مُجْبَر في تصرفاته، وآخرون يقولون: بل هو مختار. وقد ينشأ الخلاف بين الأديان للاختلاف في النبوات، فأهل الديانات يؤمنون بالإله الفاعل المختار، لكن يختلفون في الأنبياء موسى وعيسى ومحمد مع أنهم جميعاً حَقٌّ. وقد ينشأ الخلاف من الادعاء، كالذين يدَّعُون النبوة كهؤلاء الذين يعبدون النار، أو يعبدون بوذا مثلاً. فهذه ست طوائف مختلفة ذكرتهم الآية، فما حكم هؤلاء جميعاً بعد بعثة محمد ﷺ َ؟ نقول: أما المشركون الذين عبدوا الأصنام، وكذلك الذين عبدوا النبوة المدَّعاة، فهؤلاء كفار ضائعون. أما اليهود والنصارى الذين يؤمنون بإله فاعل مختار، ويؤمنون بنبوة صادقة، فشأنهم بعد ظهور الإسلام، أن الله تعالى أقام لنا تصفية آخر الأمر لهذه الديانات، فمَنْ كان يهودياً قبل الإسلام، ومن كان نصرانياً قبل الإسلام، فإن الله أجْرى لهم تصفية عقدية هي الإسلام، فإنْ كانوا مؤمنين الإيمان الأول بالله تعالى فعليهم أنْ يبدأوا من جديد مؤمنين مسلمين. لذلك قال بعدها: ﴿مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] . فبعد ظهور الإسلام بدأت لهؤلاء جميعاً - اليهود والنصارى

стр. 11590

والمجوس والمشركين - حياة جديدة، وفُتِحَتْ لهم صفحة جديدة هم فيها أولاد اليوم، حيث لزمهم جميعاً الإيمان بالله تعالى والإيمان بنبيه محمد ﷺ َ، وكأن الإسلام تصفية (وأوكازيون إيماني) يجُبُّ ما قبله، وعفا الله عما سلف. والحق - سبحانه - حينما تكلم عن الأجيال السابقة لنبوة محمد ﷺ َ قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي قالوا أَقْرَرْنَا قَالَ فاشهدوا وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشاهدين﴾ [آل عمران: ٨١] لذلك نبَّه كُلٌّ من موسى وعيسى ﵉ بوجود محمد ﷺ َ وبشَّروا به، بدليل قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ. .﴾ [البقرة: ٨٩] والمراد اليهود والنصارى. وقد جاء محمد ﷺ َ رحمة للعالمين، وجامعاً للأديان كلها في الإسلام الذي زاد عليها ما زاد مما تقتضيه أمور الحياة وتطورات العصر، إلى أن تقوم الساعة. جاء الإسلام تصفية لهؤلاء، استأنفوها بإيمان، واستأنفوها بعمل صالح، فكان لهم أجرهم كاملاً عند ربهم لا يطعن فيهم دينهم السابق، ولا عقائدهم الفاسدة الكافرة. أما إنْ حدث خلاف حول النبوات كما تذكر الآية التي نحن بصددها: ﴿إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] والفَصْل أن نعرف مِنَ المحقُّ ومَنِ المبطل، وهكذا جمعتْ

стр. 11591

الآيات بين حالة الاتفاق وحالة الاختلاف وبيَّنَتْ جزاء كل منهما. فالفصل إما فصل أماكن، وإما فصل جزاءات، قالوا: بالطبع فالحكم بينهم: هذا مُحِقٌّ وهذا مُبطِل سيؤدي إلى اختلاف الأماكن واختلاف الجزاءات. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧] لأن الله تعالى هو الحكَم الذي يفصل بين عباده، والحكم يحتاج إما إلى بينة أو شهود، والشهود لا بُدَّ أن يكونوا عُدولاً، ولا يتحقق العدل في الشهادة إلا بدين يمنع الإنسان أنْ يميل عن الحق، فإن كان الحكم هو الله فلا حاجة لبيِّنة، ولا حاجةَ لشهود؛ لأنه سبحانه يحيط علمه بكل شيء، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض. ومن العجيب أن الحُكْم والفَصْل من الحق سبحانه يشمل كل السلطات: التشريعية والقضائية والتنفيذية، فحُكْمه سبحانه لا يُؤجَّل ولا يُتحّايل عليه، ولا تضيع فيه الحقوق كما تضيع في سراديب وأدراج المحاكم. أما حُكْم البشر فينفصل فيه التشريع عن القضاء عن التنفيذ، فربما صدر الحكم وتعطَّل تنفيذه، أما حكم الله فنافذ لا يُؤجِّله شيء. إذن: المسألة لن تمرَّ هكذا، بل هي محسوبة لك أو عليك. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض. .﴾ .

стр. 11592

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ. .﴾ [الحج: ١٨] يعني: ألم تعلم؛ لأن السُجود من هذه الأشياء سجود على حقيقته كما نعلمه في السجود من أنفسنا، ولكل جنس من أجناس الكون سجود يناسبه. وسبق أن تحدثنا عن أجناس الكون وهي أربعة: أدناها الجماد، ثم يليه النبات، حيث يزيد عليه خاصية النمو وخاصية الحركة، ثم يليه الحيوان الذي يزيد خاصية الإحساس، ثم يليه الإنسان ويزيد عليه خاصية الفكر والاختيار بين البدائل. وكل جنس من هذه الأجناس يخدم ما هو أعلى منه، حيث تنتهي هذه الدائرة بأن كل مَا في كون الله مُسخَّر لخدمة الإنسان، وفي الخبر: «يا ابن آدم خلقتُ الأشياء من أجلك، وخلقتُكَ من أجلي، فلا تشتغل بما هو لك عَمَّنْ أنت له» . فكان على الإنسان أن يفكر في هذه الميْزة التي منحه ربه إياها، ويعلم أن كل شيء في الوجود مهما صَغُر فله مهمة يؤديها، ودَوْر يقوم به. فأَوْلَى بك أيها الإنسان وأنت سيد هذا الكون أن يكون لك مهمة، وأن يكون لك دور في الحياة فلستَ بأقلَّ من هذه المخلوقات التي سخَّرها الله لك، وإلاَّ صِرْتَ أقلّ منها وأدنى. إن كانت مهمة جميع المخلوقات أنْ تخدمك لأنك أعلى منها، فانظر إلى مهمتك لمَنْ هو أعلى منك، فإذا جاءك رسول من أعلى منك ليُنبِّهك إلى هذه المهمة كان عليك أن تشكره؛ لأنه نبَّهك إلى ما ينبغي لك أن تشتغل به، وإلى مَنْ يجب عليك الاتصال به دائماً لذلك فالرسول لا يصح أن تنصرف عنه أبداً؛ لأنه يُوضِّح لك مسائل كثيرة هي مَحَلٌّ للبحث العقلي.

стр. 11593

وكان على العقل البشري أن يفكر في كل هذه الأجناس التي تخدمه: ألك قدرة عليها؟ لقد خدمتْكَ منذ صِغَرِك قبل أنْ تُوجِّه إليها أمراً، وقبل أنْ توجدَ عندك القدرة لتأمر أو لتتناول هذه الأشياء، كان عليك أنْ تتنبه إلى القوة الأعلى منك ومن هذه المخلوقات، القوة التي سخَّرَتْ الكون كله لخدمتك، وهذا بَحْث طبيعي لا بُدَّ أن يكون. هذه الأشياء في خدمتها لك لم تتأبَّ عليك، ولم تتخلف يوماً عن خدمتك، انظر إلى الشمس والقمر وغيرهما: أقالت الشمس يوماً: إن هؤلاء القوم لا يستحقون المعروف، فلن أطلع عليهم اليوم؟! الأرض: هل ضنَّتْ في يوم على زراعها؟ الريح: هل توقفتْ عن الهبوب. وكلها مخلوقات أقوى منك، ولا قدرةَ لك عليها، ولا تستطيع تسخيرها، إنما هي في قبضة الله ومُسخَّرة لك بأمره سبحانه، ولأنها مُسخَّرة فلا تتخلف أبداً عن أداء مهمتها. أما الإنسان فيأتي منه الفساد، ويأتي منه الخروج عن الطاعة لما منحه الله من منطقة الاختيار. البعض يقول عن سجود هذه المخلوقات أنه سجود دلالة، لا سجوداً على حقيقته، لكن هذا القول يعارضه قول الله تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ. .﴾ [النور: ٤١] . فلكل مخلوق مهما صَغُر صلاة وتسبيح وسجود، يتناسب وطبيعته، إنك لو تأملت سجود الإنسان بجبهته على الأرض لوجدتَ اختلافاً بين الناس باختلاف الأحوال، وهم نوع واحد، فسجود الصحيح غير سجود المريض الذي يسجد وهو على الفراش، أو جالس على مقعد، وربما يشير بعينه، أو أصبعه للدلالة على السجود، فإن لم يستطع أجرى السجود على خاطره.

стр. 11594

فإذا كان السجود يختلف بهذه الصورة في الجنس الواحد حَسْب حالة وقدرته وطاقته، فلماذا نستبعد أن يكون لكل جنس سجوده الخاص به، والذي يتناسب مع طبيعته؟ وإذا كان هذا حال السجود في الإنسان، فهل ننتظر مثلاً أن نرى سجود الشمس أو سجود القمر؟! ما دام الحق قال إنها تسجد، فلا بُدَّ أن نؤمن بسجودها، لكن على هيئة لا يعلمها إلا خالقها . بالله، لو جلس مريض يصلي على مقعد أو على الفراش، أتعرف وهو أمامك أنه يسجد؟ إذن: كيف نطمع في معرفة كيفية سجود هذه المخلوقات؟ ومن معاني السجود: الخضوع والطاعة، فمَنْ يستبعد أن يكون سجود هذه المخلوقات سجوداً على الحقيقة، فليعتبر السجود هنا للخضوع والانقياد والطاعة، كما تقول على إنسان متكبر: جاء ساجداً يعني: خاضعاً ذليلاً، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائتيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] . إذن: لك أن تفهم السجود على أيِّ هذه المعاني تحب، فلن تخرج عن مراده سبحانه، ومن رحمة الله أنْ جعل هذه المخلوقات خاضعة لإرادته، لا تنحلّ عنها أبداً ولا تتخلف، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب: ٧٢] . ونحن نتناقل الآن، ونروي بعض حوارات السالكين وأهل المعرفة وأصحاب الفيوضات الذين فَهِموا عن الله وتذوَّقوا لذَّة قُرْبه، وكانوا يتحاورون

стр. 11595

ويتنافسون لا للمباهاة والافتخار، إنما للترقي في القرب من الله. جلس اثنان من هؤلاء العارفين وفي فَمِ أحدهم نَخْمة يريد أنْ يبصقها، وبدتْ عليه الحيرة، وهو ينظر هنا وهناك فقال لَه صاحبه: أَلْقِها واسترحِ، فقال: كيف وكلما أردتُ أنْ أبصقها سمعت الأرض تُسبِّح فاستحيْتُ أنْ أُلقيها على مُسبِّح، فقال الآخر - ويبدو أنه كان في منزلة أعلى منه - وقد افتعل البَصْق وقال: مُسبِّح في مُسبِّح. إذن: فأهل الكشف والعارفون بالله يدركون هذا التسبيح، ويعترفون به، وعلى قدر ما لديك من معرفة بالله، وما لديك من فَهْم وإدراك يكون تلقِّيك وتقبُّلك لمثل هذه الأمور الإيمانية. والحق حين قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض. .﴾ [الحج: ١٨] معلوم أن مَنْ في السموات هم الملائكة ولسنْا منهم، لكن نحن من أهل الأرض ويشملنا حكم السجود وندخل في مدلولة، فلماذا قال بعدها: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب. .﴾ [الحج: ١٨] . كلمة: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب. .﴾ [الحج: ١٨] تُبيّن أن لنا قهريةً وتسخيراً وسجوداً كباقي أجناس الكون، ولنا أيضاً نطقة اختيار. فالكافر الذي يتعوَّد التمرُّد على خالقه: يأمره بالإيمان فيكفر، ويأمره بالطاعة فيعصي، فلماذا لا يتمرد على طول الخط؟ لماذا لا يرفض المرض إنْ أمرضه الله؟ ولماذا لا يرفض الموت إنْ حَلَّ به؟ إذن: الإنسان مُؤتمِر بأمر الله مثل الشجر والحجر والحيوان، ومنطقة الاختيار هي التي نشأ عنها هذا الانقسام: كثير آمن، وكثير حَقَّ عليه العذاب.

стр. 11596

لكن، لماذا لم يجعل الله الخَلْق جميعاً مُسخَّرين؟ قالوا: لأن صفة التسخير وعدم الخروج عن مرادات الله تثبت لله تعالى صفة القدرة على الكل، إنما لا تُثبت لله المحبوبية، المحبوبية لا تكون إلا مع الاختيار: أن تكون حُرَّا مختاراً في أنْ تُؤمنَ أو تكفر فتختار الإيمان، وأنْ تكون حُراً وقادراً على المعصية، لكنك تطيع. وضربنا لذلك مثلاً - ولله المثل الأعلى -: هَبْ أن عندك عبدين، تربط أحدهما إليك في سلسلة مثلاً، وتترك الآخر حُراً، فإن ناديتَ عليهما أجاباك، فأيهما يكون أطْوعَ لك: المقهور المجبر، أم الحر الطليق؟ . إذن: التسخير والقهر يُثبت القدرة، والاختيار يُثبت المحبة. والخلاف الذي حدث من الناس، فكثير منهم آمن، وكثير منهم حَقَّ عليه العذاب، من أين هذا الاختلاف يا رب؟ مما خلقتُه فيك من اختيار، فمَنْ شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، فكأن كفر الكافر واختياره؛ لأن الله سَخَّره للاختيار، فهو حتى في اختياره مُسخَّر. أما قوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس. .﴾ [الحج: ١٨] يعني: باختياراتهم، وكان المفروض أن يقول في مقابلها: وقليل، لكن هؤلاء كثير، وهؤلاء كثير أيضاً. ومعنى: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ العذاب. .﴾ [الحج: ١٨] حقَّ: يعني ثبتَ، فهذا أمر لا بُدَّ منه، حتى لا يستوي المؤمن والكافر: ﴿أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين﴾ [القلم: ٣٥] إذن: لا بُدَّ أنْ يعاقب هؤلاء، والحق يقتضي ذلك. وقوله سبحانه: ﴿وَمَن يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا

стр. 11597

يَشَآءُ﴾ [الحج: ١٨] لأن أحقيَّة العذاب من مُساوٍ لك. قد يأتي مَنْ هو أقوى منه فيمنعه، أو يأتي شافع يشفع له، وكأن الحق يُيئَّسُ هؤلاء من النجاة من عذابه، فلن يمنعهم أحد. فمَنْ أراد الله إهانته فلن يُكرمه أحد، لابنُصْرته ولا بالشفاعة له، فالمعنى: ﴿وَمَن يُهِنِ الله. .﴾ [الحج: ١٨] أي: بالعذاب الذي حَقَّ عليه وثبت ﴿فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ. .﴾ [الحج: ١٨] يعني: يكرمه ويُخلِّصه من هذا العذاب، كذلك لا يوجد مَنْ يُعِزه؛ لأن عِزَّته لا تكون إلا قَهْراً عن الله، وهذا مُحَال، أو يكون بشافع يشفع له عند الله، ولا يشفع أحد عند الله إلا بإذنه سبحانه. لذلك، نقول: إن الحق سبحانه يُجير على خَلْقه ولا يُجَار عليه، يعني: لا أحد يقول لله: هذا في جواري؛ لذلك ذيَّلَ الآية بقوله تعالى: ﴿الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ [الحج: ١٨] . ثم يقول الحق : ﴿هذان خَصْمَانِ اختصموا فِي رَبِّهِمْ فالذين كَفَرُواْ. .﴾ .

стр. 11598

كلمة خَصْم من الألفاظ التي يستوي فيها المفرد والمثنى

стр. 11599

والجمع، وكذلك المذكر والمؤنث كما في قوله تعالى ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الخصم إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب﴾ [ص: ٢١] . ويقول تعالى: ﴿خَصْمَانِ بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ. .﴾ [ص: ٢٢] . والمراد بقوله: ﴿خَصْمَانِ. .﴾ [الحج: ١٩] قوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب. .﴾ [الحج: ١٨] والخصومة تحتاج إلى فَصْل بين المتخاصمين، والفَصْل يحتاج إلى شهود، لكن إنْ جاء الفَصْل من الله تعالى فلن يحتاج إلى شهود ﴿وكفى بالله شَهِيداً. .﴾ [النساء: ٧٩] وإنْ جاء عليهم بشهود من أنفسهم، فإنما لإقامة الحجة ولتقريعهم، يقول تعالى: ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قالوا أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ. .﴾ [فصلت: ٢١] . فإنْ قلتَ: كيف تشهد الجوارح على صاحبها يوم القيامة وهي التي فعلت؟ نقول: هناك فَرْق بين عمل أريده وعمل أؤديه، وأنا أبغضه وضربنا لذلك مثلاً - ولله المثل الأعلى - بالقائد الذي يأمر جنوده، وعليهم أنْ يُطيعوه حتى إنْ كانت الأوامر خاطئة، فإنْ رجعوا إلى القائد الأعلى حكَوْا له مَا كان من قائدهم؛ ذلك لأن القائد الأعلى جعل له ولاية عليهم، وألزمهم طاعته والائتمار بأمره. فالخالق جعل لإرادة الإنسان ولاية على جوارحه، فالفعل - إذن - للإرادة، وما الجوارح إلا أداة للتنفيذ. فحينما تريد مثلاً أنْ تقوم، مجرد أن تريد ذلك تجد نفسك قائماً دون أنْ تفكر في حركة القيام أو العضلات التي تحركتْ لتؤدي هذا العمل، مع أنها

стр. 11600

عملية مُعقَّدة تتضافر فيها الإرادة والعقل والأعصاب والأعضاء، وأنت نفسك لا تشعر بشيء من هذا كله، وهل في قيامك أمرتَ الجوارح أنْ تتحرَّك فتحركتْ؟ فإذا كانت جوارحك تنفعل لك وتطاوعك لمجرد الإرادة، أفلا يكون أوْلى من هذا أنْ ينفعل خَلْق الله لإرادة الله؟ إذن: العمدة في الأفعال ليستْ الجوارح وإنما الإرادة، بدليل أن الله تعالى إذا أراد أنْ يُعطِّل جارحة من الجوارح عطّل الإرادة الآمرة، وقطعها عن الجارحة، فإذا هي مشلولة لا حركةَ فيها، فإنْ أراد الإنسان تحريكها بعد ذلك فلن يستطيع، لماذا؟ لأنه لا يعلم الأبعاض التي تُحرِّك هذه الجارحة، ولو سألتَ أعلم الناس في علم الحركة والذين صنعوا الإنسان الآلي: ما الحركة الآلية التي تتم في جسم الإنسان كي يقوم من نومه أو من جِلْسته؟ ولن يستطيع أحد أنْ يصفَ لك ما يتم بداخل الجسم في هذه المسألة. أما لو نظرتَ مثلاً إلى الحفَّار، وهو يُؤدِّي حركات أشبه بحركات الجسم البشري لوجدتَ صبياً يشغله باستخدام بعض الأزرار، ويستطيع أنْ يصِفَ لك كل حركة فيه، وما الآلات التي تشترك في كل حركة. فَقُلْ لي بالله: ما الزر الذي تضغط عليه لتحرك يدك أو ذراعك؟ ما الزر الذي تُحرِّك به عينيك، أو لسانك، أو قدمك؟ إنها مجرد إرادة منك فينفعل لك ما تريد؛ لأن الله تعالى خلقك، وجعل لإرادتك السيطرة الكاملة على جوارحك، فلا تستبعد أنْ تنفعل المخلوقات لله إنْ أراد منها أنْ تفعلَ. حتى العذاب في الآخرة ليس لهذه الجوارح والأبعاض، إنما العذاب للنفس الواعية، بدليل أن الإنسان إذا تعرَّض لألم شديد

стр. 11601

لا يستريح منه لا أنْ ينام، فإذا استيقظ عاوده الألم، إذن: فالنفس هي التي تألم وتتعذَّب لا الجوارح. والحق سبحانه هو الذي يفصل بين هذيْن الخصميْن، كما قال سبحانه في آية أخرى ﴿إِنَّ الله يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة. .﴾ [الحج: ١٧] . لذلك يقول الإمام علي ﵁ وكرَّم الله وجهه: أنا أول مَنْ يجثو بين يدي الله يوم القيامة للفصل ومعي عبيدة بن الحارث وحمزة بن عبد المطلب. هؤلاء في جانب وفي الجانب المقابل: عتبة ابن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة. لماذا؟ لأن بين هؤلاء كانت أول معركة في الإسلام، وهذه أول خصومة وقعتْ فيه، ذلك لأنهم في معركة بدر أخرج رسول الله ﷺ َ قوماً للمبارزة، وكانت عادتهم في الحروب أنْ يخرج أقوياء القوم وأبطالهم للمبارزة بدل أنْ يُعذِّبوا القوم ويشركوا الجميع في القتال، ويعرِّضوا أرواح الناس جميعاً للخطر. ومن ذلك ما حدث بين علي ومعاوية ﵄ في موقعة صِفِّين حيث قال علي لمعاوية: ابرز إليَّ يا معاويةُ، فإنْ غلبتني فالأمر لك، وإنْ غلبتُك فاجعل الأمر لي، فقال عمرو بن العاص وكان في صفوف معاوية: والله، يا معاوية لقد أنصفك الرجل، وفي هذا حَقْنٌ لدماء المسلمين في الجانبين. فنظر معاوية إلى عمرو وقال: والله يا عمرو ما أردْتَ إلا إن أبرز

стр. 11602

له فيقتلني، ويكون لك الأمر من بعدي، وما دُمْتَ قد قلتَ ما قلتَ فلا يبارزه غيرك فاخرج إليه. فقام عمرو لمبارزة علي، لكن أين عمرو من شجاعة علي وقوته؟ وحمل عليٌّ على عمرو حملة قوية، فلما أحسَّ عمرو أن علياً سيضربه ضربة تميته لجأ إلى حيلة، واستعمل دهاءه في صَرْف عليٍّ عنه، فكشف عمرو عن عورته، وهو يعلم تماماً أن علياً يتورع عن النظر إلى العورة، وفعلاً تركه علي وانصرف عنه، ونجا عمرو بحيلته هذه. وقد عبَّر الشاعر عن هذا الموقف فقال: وَلاَخَيْرَ في رَدٍّ الرَّدَى بِدَنيَّةٍ ... كَما رَدَّهَا يَوْماً بِسَوْأَتِهِ عَمْرُو ويقول الشريف الرضي - وهو من آل البيت - في القصيدة التي مطلعها: أرَاكَ عَصِيَّ الدَّمْعِ شِيمَتُكَ الصَّبْر ... أَما لِلْهَوَى نَهْيُ عليْكَ ولاَ أَمْر

стр. 11603

بَلَى أَنَا مُشْتَاقٌ وعِنْدي لَوْعَةٌ ... وَلكِنْ مِثْلي لاَ يُذَاعُ لَهُ سِرُّ وفيها يقول: وَإنَّا أُنَاسٌ لاَ تَوسُّطَ بَيْنَنَا ... لَنَا الصَّدْرُ دُون العَالَمينَ أو القَبْرُ نعود إلى بدر، حيث اعترض الكفار حينما أخرج لهم رسول الله بعض رجال الأنصار فقالوا: هؤلاء نكرات من الأنصار، نريد أن تُخرِج لنا أَكْفَاءنا من رجال قريش، فأخرج لهم رسول الله ﷺ َ علياً وحمزة وعبيد بن الحارث بن عبد المطلب، وأخرجوا هم عتبة وشيبة والوليد، وكان ما كان من نُصْرة المسلمين وهزيمة المشركين. وهذا هو اليوم الذي قال الله فيه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فاتقوا الله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣] . إذن: فبدر كانت فَصْلاً دنيوياً بين هذيْ الخصْمين، ويبقى فَصْل الآخرة الذي قال فيه الإمام علي: «أنا أول مَنْ يجثو بين يدي الله يوم القيامة للفصل» . ومعنى: ﴿اختصموا فِي رَبِّهِمْ. .﴾ [الحج: ١٩] أي: بسبب اختلافهم في ربهم، ففريقٌ يؤمن بوجود إله، وفريقٌ يُنكره، فريق يُثبت له الصفات، وفريق ينفي عنه هذه الصفات، يعني: انقسموا بين إيمان وكفر.

стр. 11604

ثم يُفصِّل القول: ﴿فالذين كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم﴾ [الحج: ١٩] . ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ. .﴾ [الحج: ١٩] كأن النار تفصيل على قَدْر جسومهم إحكاماً للعذاب، ومبالغةً فيه، فليس فيها اتساع يمكن أنْ يُقلِّل من شِدَّتها، وليست فضفاضة عليهم. ثم ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحميم﴾ [الحج: ١٩] والحميم: الماء الذي بلغ منتهى الحرارة، حتى صار هو نفسه مُحْرِقاً من شِدَّة حَرّه، ولكَ أنْ تتصور ماءً يَغليه ربنا !! وهكذا يجمع الله عليهم ألوان العذاب؛ لأن الثياب يرتديها الإنسان لتستر عورته، وتقيه الحر والبرد، ففيها شمول لمنفعة الجسم، يقول تعالى: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] . فالإذاقة ليستْ في اللباس، إنما بشيء آخر، واللباس يعطي الإحاطة والشمول، لتعم الإذاقة كُلَّ أطراف البدن، وتحكم عليه مبالغةً في العذاب.

стр. 11605

قلنا: إن هذا الماء بلغ من الحرارة منتهاها، فلم يغْلِ عند درجة الحرارة التي نعرفها، إنما يُغلِيه ربه الذي لا يُطيق عذابَه أحدٌ. وأنت إذا صببتَ الماء المغلي على جسم إنسان فإنه يشوي جسمه من الخارج، إنما لا يصل إلى داخله، أمّا هذا الماء حين يُصَبُّ عليهم

стр. 11606

فإنه يصهر ما في بطونهم أولاً، ثم جلودهم بعد ذلك، فاللهم قِنَا عذابك يوم تبعث عبادك.

стр. 11607

المقامع: هي السياط التي تقمع بها الدابة، وتَرْدعها لتطاوعك، أو الإنسان حين تعاقبه، لكنها سياط من حديد، ففيها دلالة على الذِّلَّة والانكسار، فضلاً عن العذاب. ثم يُبيِّن الحق سبحانه مهمة هذه المقامع، فيقول: ﴿كُلَّمَآ أرادوا أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا. .﴾ .

стр. 11608

الحق يُصوّر حال أهل النار وما هم فيه من العذاب ومن اليأس في أن يُخفف عنهم، فإذا ما حاولوا الخروج من غَمِّ العذاب جاءتهم هذه السياط فأعادتهم حيث كانوا، والإنسان قد يتعود على نوع من العذاب فيهون عليه الأمر، كالمسجون مثلاً الذي يُضْرب بالسياط على ظهره، فبعد عدة ضربات يفقد الإحساس ولا يؤثر فيه ضَرْب بعد ذلك. وقد أجاد المتنبي في وصف هذا المعنى حين قال: رَمَاني الدَّهْرُ بالأَرْزَاءِ حتّى ... كَأنِّي فِي غِشَاءٍ مِنْ نِبَالِ

стр. 11609

فكنتُ إذا أَصَابتْني سِهَامٌ ... تكسَّرتْ النِّصَالُ علَى النِّصَال لكن أنَّى يُخفَّف عن أهل النار، والحق يقول: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب. .﴾ [النساء: ٥٦] . ففي إعادتهم تيئيس لهم بعد أنْ طمِعوا في النجاة، وما أشدّ اليأس بعد الطمع على النفس؛ لذلك يقولون: لا أفجعَ من يأسٍ مقمع، بعد أمل مُقْمِع. كما يقول تعالى: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ. .﴾ [الكهف: ٢٩] ساعة يسمعون الإغاثة يأملون ويستبشرون، فيأتيهم اليأس في ﴿بِمَآءٍ كالمهل يَشْوِي الوجوه. .﴾ [الكهف: ٢٩] . وقوله تعالى: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾ [الحج: ٢٢] الحريق: الشيء الذي يحرق غيره لشدته. وبعد أن تحدثتْ الآياتُ عن الكافرين، وما حاق بهم من العذاب كان لا بُدَّ أنْ تتحدَّث عن المقابل، عن المؤمنين ليُجري العقلُ مقارنةً بين هذا وذاك، فيزداد المؤمن تشبُّثاً بالإيمان ونُفْرةً من الكفر، وكذلك الكافر ينتبه لعاقبة كُفْره فيزهد فيه ويرجع إلى الإيمان، وهكذا ينتفع الجميع بهذه المقابلة، وكأن الحق يعطينا في آيات القرآن وفي المقابلات وسائل النجاة والرحمة. يقول الحق : ﴿إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جَنَّاتٍ. .﴾ .

стр. 11610

يُبيِّن الحق مَا أعدّه لعباده المؤمنين حيث السكن: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار. .﴾ [الحج: ٢٣] والزينة: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً. .﴾ [الحج: ٢٣] واللباس: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣] فجمع لهم نعيم السَّكَن والزينة واللباس. وفي الآخرة يُنعَّم الرجال بالحرير وبالذهب الذي حُرِّم عليهم في الدنيا، وهنا قد يعترض النساء، وما النعيم في شيء تنعّمنا به في الدنيا وهو الحرير والذهب؟ نعم تتمتعْن بالحرير والذهب في الدنيا، أمّا في الآخرة فهو نوع آخر ومتعة كاملة لا يُنغِّصها شيء، فالحلي للمرأة خالصٌ من المكدِّرات، وباقٍ معها لا يأخذه أحد، ولا تحتاج إلى تغييره أو بيعه؛ لأنه يتجدّد في يدها كل يوم، فتراه على صياغة جديدة وشكل جديد غير الذي كان عليه. كما قلنا سابقاً في قوله تعالى عن أهل الجنة: ﴿قَالُواْ هذا الذي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ. .﴾ [البقرة: ٢٥] . فحسبوا أن طعام الجنة وفاكهتها كفاكهة الدنيا التي أكلوها من قبل، فيُبيِّن لهم ربهم أنها ليستْ كفاكهة الدنيا ﴿وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً. .﴾ [البقرة: ٢٥] يعني: أنواعاً مختلفة للصنف الواحد. ثم يقول الحق: ﴿وهدوا إِلَى الطيب مِنَ القول. .﴾ .

стр. 11611

(هُدُوا) هداهم الله، فالذي دلّهم على وسائل دخول الجنة والتمتّع فيها بالسكن والزينة واللباس كذلك يهديهم الآن في الجنة ويدلّهم على كيفية شُكر المنعم على هذه النعمة، هذا معنى: ﴿وهدوا إِلَى الطيب مِنَ القول. .﴾ [الحج: ٢٤] هذا القول الطيب لخَّصته آيات أخرى، ومنها قوله تعالى: ﴿الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ. .﴾ [الزمر: ٧٤] . وقوله: ﴿الحمد للَّهِ. . الذي أَحَلَّنَا دَارَ المقامة مِن فَضْلِهِ. .﴾ [فاطر: ٣٤ - ٣٥] . وقوله: ﴿الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن. .﴾ [فاطر: ٣٤] فحين يدخل أهل الجنةِ الجنةَ، ويباشرون النعيم المقيم لا يملكون إلا أنْ يقولوا: الحمد لله، كما يقول الحق سبحانه عنهم: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [يونس: ١٠] . وقالوا: ﴿الطيب مِنَ القول. .﴾ [الحج: ٢٤] هو كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، فهذه الكلمة هي المعشوقة التي أتتْ بنا إلى الجنة، والمعنى يسَع كل كلام طيب، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السمآء﴾ [إبراهيم: ٢٤] . ثم يقول تعالى: ﴿وهدوا إلى صِرَاطِ الحميد﴾ [الحج: ٢٤] أي: هداهم الله إلى طريق الجنة، أو إلى الجنة ذاتها، كما قال في آية الكافرين:

стр. 11612

﴿وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ. .﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩] . ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله والمسجد الحرام. .﴾ .

стр. 11613

انتقلتْ بنا الآيات إلى موضوع جديد: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ. .﴾ [الحج: ٢٥] بصيغة الماضي، لأن الكفر وقع منهم فعلاً ﴿وَيَصُدُّونَ. .﴾ [الحج: ٢٥] بصيغة المضارع، والقياس أن نقول: كفروا وصَدُّوا، لكن المسألة ليست قاعدة ولا هي عملية آلية؛ لأن الصدَّ عن سبيل الله ناشيء عن الكفر وما يزال صدُّهم مستمراً. ومعنى ﴿عَن سَبِيلِ الله. .﴾ [الحج: ٢٥] أي: عن الجهاد ﴿والمسجد الحرام. .﴾ [الحج: ٢٥] لأنهم منعوا المسلمين من دخوله، وكان في قبضتهم وتحت سيطرتهم، وهذا ما حدث فعلاً في الحديبية حينما اشتاق صحابة رسول الله إلى أداء العمرة والطواف بالبيت الذي طالت مدة حرمانهم منه، فلما ذهبوا منعهم كفار مكة، وصدُّوهم عن دخوله. ﴿والمسجد الحرام. .﴾ [الحج: ٢٥] كلمة حرام يُستفاد منها أنه

стр. 11614

مُحرَّم أنْ تفعل فيه خطأ، أو تهينه، أو تعتدي فيه. وكلمة (الحَرَام) وصف بها بعض المكان وبعض الزمان، وهي خمسة أشياء: نقول: البيت الحرام وهو الكعبة، والمسجد الحرام، والبلد الحرام، ثم المشعر الحرام. وهذه عبارة عن دوائر مركز الكعبة، هذه أماكن، ثم الخامس وهو زمن: الشهر الحرام الذي قال الله فيه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام قِتَالٍ فِيهِ. .﴾ [الحج: ٢٥] وحُرْمة الزمان والمكان هنا لحكمة أرادها الخالق سبحانه؛ لأنه رَبٌ رحيم بخَلْقه يريد أن يجعل لهم فرصة لِستْر كبريائهم، والحدّ من غرورهم، وكانت تنتشر بين القوم الحروب والصراعات التي كانت تُذْكي نارها عادات قبلية وسعار الحرب، حتى أن كِلاَ الفريقين يريد أنْ يُفني الآخر، وربما استمروا في الحرب وهم كارهون لها، لكن يمنعهم كبرياؤهم من التراجع والانسحاب. لذلك جعل الله سبحانه لهذه الأماكن والأزمنة حُرْمة لتكون ستاراً لهذا الكبرياء الزائف، ولهذه العزة البغيضة. وكل حَدَث يحتاج إلى زمان وإلى مكان، فحرَّم الله القتال في الأشهر الحرم، حتى إذا ما استعرت بينهم حرب جاء شهر حرام، فأنقذ الضعيف من قبضة القوى دون أنْ يجرح كبرياءه، وربما هَزّ رأسه قائلاً: لولا الشهر الحرام كنت فعلتُ بهم كذا وكذا. فهذه - إذن - رحمة من الله بعباده، وستار يحميهم من شرور أنفسهم ونزواتها ويَحْقِن دماءهم. وما أشبه كبرياءَ العرب في هذه المسألة بكبرياء زوجيْن تخاصما على مَضَض، ويريد كل منهم أنْ يأتي صاحبه، لكن يمنعه كبرياءه أن يتنازل، فجلس الرجل في غرفته، وأغلق الباب على نفسه، فنظرتْ الزوجة، فإذا به يرفع يديه يدعو الله أنْ تُصالحه زوجته،

стр. 11615

فذهبتْ وتزيَّنَتْ له، ثم دفعت الباب عليه وقالت - وكأن أحداً يُجبرها على الدخول - (مُوديَّانِي فين يا أم هاشم) وكذلك، جعل في المكان محرماً؛ لأن الزمن الحرام الذي حرم فيه قتال أربعة أشهر: ثلاثة سرد وواحد فرد، الفرد هو رجب، والسرد هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. فحرَّم أيضاً القتال في هذه الأماكن ليعصم دماء الخَلْق أنْ تُراقَ بسبب تناحر القبائل بالغِلِّ والحِقْد والكبرياء والغرور. يقول تعالى في تحريم القتال في البيت الحرام: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ المسجد الحرام حتى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فاقتلوهم كَذَلِكَ جَزَآءُ الكافرين﴾ [البقرة: ١٩١] . فلعلَّهم حين تأتي شهور التحريم، أو يأتي مكانه يستريحون من الحرب، فيدركون لذة السلام وأهمية الصلح، فيقضون على أسباب النزاع بينهم دون حرب، فسُعَار الحرب يجُرُّ حرباً، ولذة السلام وراحة الأمن والشعور بهدوء الحياة يَجُرُّ مَيْلاً للتصالح وفضّ مثل هذه المنازعات بالطرق السلمية. والمتأمل في هذه الأماكن التي حرَّمها الله يجدها على مراتب، وكأنها دوائر مركزها بيت الله الحرام وهو الكعبة، ثم المسجد الحرام حولها، ثم البلد الحرام وهي مكة، ثم المشعر الحرام الذي يأخذ جزءاً من الزمن فقط في أيام الحج. أما الكعبة فليست كما يظنُّ البعض أنها هذا البناء الذي نراه، الكعبة هي المكان، أما هذا البناء فهو المكين، فلو نقضْتَ هذا البناء القائم الآن فمكان البناء هو البيت، هذا مكانه إنْ نزلْتَ في أعماق الأرض أو صعدْتَ في طبقات السماء.

стр. 11616

إذن: فبيت الله الحرام هو هذه البقعة من الأرض حتى السماء، أَلاَ ترى الناس يُصَلُّون في الأدوار العليا، وهم أعلى من هذا البناء بكثير؟ إنهم يواجهون جَوَّ الكعبة، لا يواجهون الكعبة ذاتها، لماذا؟ لأن الكعبة ممتدة في الجو إلى ما شاء الله. ثم يلي البيت المسجد، وهو قطعة أرض حُكرت على المسجدية، لكن هناك مسجد بالمكان حين تقيمه أنت، وتجعل له بناء مثل هذا البناء الذي نتحدث فيه الآن يسمى «مسجد» بالمكان، أو مسجد بالمكين حين يضيق علينا هذا المسجد فنخرج نصلي في الشارع فهو في هذه الحالة مسجد، قالوا: ولو امتد إلى صنعاء وتواصلتْ الصفوف فكلُّه مسجد. نعود إلى «ما دار بين المسلمين والمشركين يوم الحديبية، فقد صدَّ الكفار المسلمين عن بيت الله الحرام وهم على مَرْمى البصر منه، فاغتاظ المسلمون لذلك، ورأى بعضهم أن يدخل مكة عُنْوة ورَغْماً عنهم. لكن كان لرسول الله ﷺ َ سِرٌّ بينه وبين ربه ، فنزل على شروطهم، وعقد معهم صُلْحاً هو» صلح الحديبية «الذي أثار حفيظة الصحابة، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب، فقال لرسول الله: يا رسول الله، ألسنا على الحق؟ قال ﷺ َ:» بلى «قال: أليسوا هم على باطل؟ قال: فلِمَ نُعْطِى الدنيّة في ديننا؟» . وكان من بنود هذا الصلح: إذا أسلم كافر ودخل في صفوف

стр. 11617

المسلمين يرده محمد ﷺ َ، وإذا ذهب مسلم إليهم لا يردونه إلى المسلمين. وكان للسيدة أم المؤمنين أم سلمة - رضوان الله عليها - موقف عظيم في هذه الشدة، ورَأْي سديد ردَّ آراء الرجال إلى الرُّشْد وإلى الصواب، وهذا مما نفخر به للمرأة في الإسلام، ونردّ به على المتشدِّقين بحقوق المرأة. فلما عاد رسول الله ﷺ َ إلى فُسْطاطه مُغْضباً فقال لأم سلمة: «هلك المسلمون يا أم سلمة، لقد أمرتهم فلم يمتثلوا» يعني امرهم بالعودة دون أداء العمرة هذا العام. فقالت السيدة أم المؤمنين: يا رسول الله، إنهم مكروبون، فقد مُنِعُوا عن بيت الله وهم على مَرْأىً منه، لكن اذهب يا رسول الله إلى ما أمرك به ربك، فافعل فإذا رأوْك فعلْتَهُ علموا أن الأمر عزيمة - يعني لا رجعةَ فيه - وفعلاً أخذ رسول الله بهذه النصيحة، فذهب فحلق، وذبح هدية وفعل الناس مثله، وانتهت هذه المسألة. لكن قبل أنْ يعودوا إلى المدينة شاءتْ إرادة الله أنْ يخبرهم بالحكمة في قبول رسول الله لشروط المشركين مع أنها شروط ظالمة مُجْحفة: أولاً: في هذا الصلح وهذه المعاهدة اعتراف منهم بمحمد ومكانته ومنزلته، وأنه أصبح مساوياً لهم، وهذا مكسب في حَدِّ ذاته. ثانياً: اتفق الطرفان على وقف القتال بينهم لعدة سنوات، وهذه

стр. 11618

الفترة أعطتْ المسلمين فرصة كي يتفرغوا لاستقبال الوفود ونَشْر دين الله. ثالثاً: كان في إمكان رسول الله ﷺ َ أنْ يدخلهم مكة رَغْماً عن أهلها، وكان في مقدوره أن يقتلهم جميعاً، لكن ماذا سيكون موقف المؤمنين من أهل مكة والذين يسترون إيمانهم ولا يعرفهم أحد؟ إنهم وسط هؤلاء الكفار، وسينالهم ما ينال الكفار، ولو تميَّز المؤمنون من الكفار أو خرجوا في جانب لأمكن تفاديهم. اقرأ قوله تعالى: ﴿هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام والهدي مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ الله فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الفتح: ٢٥] . ثم يقول تعالى عن المسجد الحرام: ﴿الذي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ. .﴾ [الحج: ٢٥] أي: جميعاً ﴿سَوَآءً العاكف فِيهِ والباد. .﴾ [الحج: ٢٥] العاكف فيه يعني: المقيم، والباد: القادم إليه من خارج مكة، ومعنى ﴿سَوَآءً. .﴾ [الحج: ٢٥] يعني: هذان النوعان متساويان تماماً. لذلك نقول للذين يحجزون الأماكن لحسابهم في بيت الله الحرام خاصة، وفي بيوت الله عامة: أريحوا أنفسكم، فالمكان محجوز عند الله لمن سبق، لا لمن وضع سجادته، وشغل بها المكان. وقد دَعَتْ هذه الآية: ﴿سَوَآءً العاكف فِيهِ والباد. .﴾ [الحج: ٢٥]

стр. 11619

البعض لأنْ يقول: لا يجوز تأجير البيوت في مكة، فمَنْ أراد أن ينزل في بيت ينزل فيه دون أجرة حتى يستوي المقيم والغريب. وهذا الرأي مردود عليه بأن البيوت مكان ومكين، وأرض مكة كانت للجميع حين كان المكان حُراً يبني فيه من أراد، أمَّا بعد أن بنى بيتاً، وسكنه أصبح مكيناً فيه، لا يجوز لأحد دخوله إلا بإذنه وإرادته. وقد دار حول هذه المسألة نقاش بين الحنظلي في مكة والإمام الشافعي، حيث يرى الحنظلي أنه لا يجوز تأجير البيوت في مكة؛ لأنها حسب هذه الآية للجميع، فردَّ عليه الشافعي ﵁: لو كان الأمر كذلك لما قال سبحانه في المهاجرين: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ. .﴾ [الحشر: ٨] .

стр. 11620

فنسب الديار إليهم. ولَمَا قال رسول الله ﷺ َ لما نزل مكة: «وهل ترك لنا عقيل من دار أو من ربع؟» وكوْنُ عقيل يبيع دُورهم بعد أن هاجروا، فهذا دليل على ملكيتهم لها. لذلك رجع الحنظلي إلى رأي الشافعي. هذا مع أن الآية تعني البيت فقط، لا مكة كلها، فما كان الخلاف ليصل إلى مكة كلها. ثم يقول تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] الإلحاد قد يكون في الحق الأعلى، وهو الإلحاد في الله ، أما هنا فيُراد بالإلحاد: الميْل عن طريق الحقِّ، وقوله: ﴿بِظُلْمٍ. .﴾ [الحج: ٢٥] الظلم في شيء لا يسمو إلى درجة الكفر، والإلحاد بظلم إنْ حدث في بيت الله فهو أمر عظيم؛ لأنك في بيت ربك (الكعبة) . وكان يجب عليك أن تستحي من مجرد حديث النفس بمعصية، مجرد الإرادة هنا تُعَدُّ ذنباً؛ لأنك في مقام يجب أنْ تستشعر فيه الجلال والمهابة، فكما أعطى الله لبيته مَيْزة في مضاعفة الحسنات، كذلك عظَّم أمر المعصية وأنت في رحاب بيته، فتنبَّه لهذه المسألة.

стр. 11621

حتى في أمثال أهل الريف يقولون: (تيجي في بيت العالم وتسكر) يعني: السُّكْر يُتصوَّر في بيت أحد العصاة، في بيت فاسق، في خمارة، لكن في بيت عالم، فهذا شيء كبير، وجرأة عظيمة. لماذا؟ فللمكان حُرْمة بحُرمة صاحبة، فإذا كان للمكان حُرْمة بحُرْمة صاحبه، والبيت منسوب إلى الله، فأنت تعصي ربك في عُقْر داره، وأيْ جرأة أعظم من الجرأة على الله؟ وهذه خاصية للمسجد الحرام، فكُلُّ المساجد في أي مكان بيوت الله، لكن هناك فَرْق بين بيت الله باختيار الله، وبيت الله باختيار عباد الله؛ لذلك جُعل بيتُ الله باختيار الله (البيت الحرام) هو القِبْلة التي تتجه إليها كل بيوت الله في الأرض. فما عاقبة الإلحاد في بيت الله؟ ﴿نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] إنهم سيذوقون العذاب بأمر من الحق دائماً وأبداً، والإذاقة أشد الإدراكات تأثيراً، وذلك هو العذاب المهين، والذوق هو الإحساس بالمطعوم شراباً كان أو طعاماً، إلا أنه تعدى كل مُحسٍّ به، ولو لم يكن مطعوماً أو مشروباً، ويقول ربنا : ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٩] . أي: ذق الإهانة والمذلة، لا مما يُطعم أو مما يُشرب، ولكن بالإحساس، فالإذاقة تتعدى إلى كل البدن، فالأنامل تذوق، والرِّجْل تذوق، والصدر يذوق، والرقبة تذوق. وهذا اللون من إذاقة الذل والإهانة في الدنيا لهؤلاء مجرد نموذج بسيط لشدة عقاب الله. وعذاب الآخرة سيكون مهولاً، والعذاب هو إيلام الحس. إذا أحببت أن تديم ألمه، فأبْقِ فيه آلة الإحساس بالألم.

стр. 11622

ما دام الكلام السابق كان حول البيت الحرام، فمن المناسب أنْ يتكلم عن تاريخه وبنائه، فقال سبحانه: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ والقآئمين والركع السجود﴾ [الحج: ٢٦] معنى بَوَّأه: أي: جعله مَبَاءةً يعني: يذهب لعمله ومصالحه، ثم يبوء إليه ويعود، كالبيت للإنسان يرجع إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ الله. .﴾ [البقرة: ٦١] . وإذ: ظرف زمان لحدث يأتي بعده الإخبار بهذا الحدث، والمعنى خطاب لرسول الله ﷺ َ: اذكر يا محمد الوقت الذي قيل فيه لإبراهيم كذا وكذا. وهكذا في كل آيات القرآن تأتي (إذ) في خطاب لرسول الله ﷺ َ بحدث وقع في ذلك الظرف. لكن، ما علاقة المباءة أو المكان المتبوّأ بمسألة البيت؟ قالوا: لأن المكان المتبوّأ بقعة من الأرض يختارها الإنسان؛ ليرجع إليها من متاعب حياته، ولا يختار الإنسان مثل هذا المكان إلا توفرتْ فيه كل مُقوِّمات الحياة. لذلك يقول تعالى في قصة يوسف ﵇: ﴿وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ. .﴾ [يوسف: ٥٦] وقال في شأن بني إسرائيل: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بني إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ. .﴾ [يونس: ٩٣] فمعنى: ﴿بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت. .﴾ [الحج: ٢٦]

стр. 11623

أي: جعلناه مبَاءة له، يرجع إليه من حركة حياته بعد أنْ أعلمنَاهُ، ودَلَلْناه على مكانه. وقلنا: إن المكان غير المكين، المكان هو البقعة التي يقع فيه ويحلُّ بها المكين، فأرض هذا المسجد مكان، والبناء القائم على هذه الأرض يُسمَّى «مكين في هذا المكان» . وعلى هذا فقد دَلَّ الله إبراهيم ﵇ على المكان الذي سيأمره بإقامة البيت عليه. وقد كان للعلماء كلام طويل حول هذه المسألة: فبعضهم يذهب إلى أن إبراهيم ﵇ هو أول مَنْ بنى البيت. ونقول لأصحاب هذا الرأي: الحق ﵎ بوَّأ لإبراهيم مكان البيت، يعني: بيَّنه له؛ كأن البيت كان موجوداً، بدليل أن الله تعالى يقول في القصة على لسان إبراهيم: ﴿إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم. .﴾ [إبراهيم: ٣٧] . وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القواعد مِنَ البيت وَإِسْمَاعِيلُ. .﴾ [البقرة: ١٢٧] ومعلوم أن إسماعيل قد شارك أباه وساعده في البناء لما شَبَّ، وأصبح لديه القدرة على معاونة أبيه، أمّا مسألة السكن فكانت وإسماعيل ما يزال رضيعاً، وقوله تعالى: ﴿عِندَ بَيْتِكَ المحرم. .﴾ [إبراهيم: ٣٧] يدل على أن العِنْدية موجودة قبل أنْ يبلغَ إسماعيل أنْ يساعد أباه في بناية البيت، إذن: هذا دليل على أن البيت كان موجوداً قبل إبراهيم.

стр. 11624

وقد أوضح الحق هذه المسألة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] . وحتى نتفق على فَهْم الآية نسأل: مَنْ هُم الناس؟ الناس هم آدم وذريته إلى أن تقوم الساعة، إذن: فآدم من الناس، فلماذا لا يشمله عموم الآية، فالبيت وُضِع للناس، وآدم من الناس، فلا بُدَّ أن يكون وَُضِع لآدم أيضاً. إذن: يمكنك القول بأن البيت وَُضِع حتى قبل آدم؛ لذلك نُصدِّق بالرأي الذي يقول: إن الملائكة هي التي وضعتْ البيت أولاً، ثم طمسَ الطوفانُ معالم البيت، فدلَّ الله إبراهيم بوحي منه على مكان البيت، وأمره أنْ يرفعه من جديد في هذا الوادي. ويُقال: إن الله تعالى أرسل إلى إبراهيم سحابة دَلَّتْه على المكان، ونطقتْ: يا إبراهيم خُذْ على قدري، أي: البناء. ولو تدبرتَ معنى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القواعد مِنَ البيت. .﴾ [البقرة: ١٢٧] الرَّفْع يعني: الارتفاع، وهو البعد الثالث، فكأن القواعد كان لها طُول وعَرْض موجود فعلاً، وعلى إبراهيم أنْ يرفعها. لكن لماذا بوَّأ الله لإبراهيم مكان البيت؟ لما أسكن إبراهيم ذريته عند البيت قال: ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة. .﴾ [إبراهيم: ٣٧] كأن المسألة من بدايتها مسألة عبادة وإقامة للصلاة،

стр. 11625

الصلاة للإله الحقِ والربِّ الصِّدْق؛ لذلك أمره أولاً: ﴿أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ والقآئمين والركع السجود﴾ [الحج: ٢٦] والمراد: طَهِّر هذا المكان من كل ما يُشعِر بالشرك، فهذه هي البداية الصحيحة لإقامة بيت الله. وهل كان يُعقل أنْ يدخل إبراهيم ﵇ في الشرك؟ بالطبع لا، وما أبعدَ إبراهيمَ عن الشرك، لكن حين يُرسِل الله رسولاً، فإنه أول مَنْ يتلقَّى عن الله الأوامر ليُبلِّغ أمته، فهو أول مَنْ يتلقى، وأول مَنْ يُنفذ ليكون قدوةً لقومه فيُصدِّقوه ويثقوا به؛ لأنه أمرهم بأمر هو ليس بنَجْوة عنه. ألا ترى قوله تعالى لنبيه محمد ﷺ َ: ﴿ياأيها النبي اتق الله. .﴾ [الأحزاب: ١] وهل خرج محمد ﷺ َ عن تقوى الله؟ إنما الأمر للأمة في شخص رسولها، حتى يسهُلَ علينا الأمر حين يأمرنا ربنا بتقواه، ولا نرى غضاضةً في هذا الأمر الذي سبقنا إليه رسول الله؛ لأنك تلحظ أن البعض يأنف أن تقول له: يا فلان اتق الله، وربما اعتبرها إهانة واتهاماً، وظن أنها لا تُقال إلا لمَنْ بدر منه ما يخالف التقوى. وهذا فَهْم خاطئ للأمر بالتقوى، فحين أقول لك: اتق الله. لا يعني أنني أنفي عنك التقوى، إنما أُذكِّرك أنْ تبدأ حركة حياتك بتقوى الله. إذن: قوله تعالى لإبراهيم ﵇: ﴿أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً. .﴾ [الحج: ٢٦] لا تعني تصوُّر حدوث الشرك من إبراهيم، وقال ﴿شَيْئاً. .﴾ [الحج: ٢٦] ليشمل النهيُ كُلَّ ألوان الشرك، أياً كانت صورته: شجر، أو حجر، أو وثن، أو نجوم، أو كواكب.
следующие страницы →