Полный текст (14 757 стр.). Показаны 11691–11730 · переход к 11696.
стр. 11691
ثم يقول : ﴿لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ. .﴾ [الحج: ٤٠] صوامع جمع صومعة، وهي مكان خاصٌّ للعبادة عند النصارى، وعندهم مُتعبَّد عام يدخله الجميع هو الكنائس، أما الصَّومعة فهي مكان خاص لينفرد فيه صاحبه وينقطع للعبادة، ولا تكون الصَّوْمعة في حضر، إنما تكون في الجبال والأودية، بعيداً عن العمران لينقطع فيها الراهب عن حركة حياة الناس، وهي التي يسمونها الأديرة وتوجد في الأماكن البعيدة.
وقد حرم الإسلام الرهبانية بهذا المعنى؛ لأنها رهبانية ما شرّعها الله، كما قال سبحانه: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابتغآء رِضْوَانِ الله فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا. .﴾ [الحديد: ٢٧] .
ومعنى: ﴿وَبِيَعٌ. .﴾ [الحج: ٤٠] البِيعَ هي الكنائس.
فالحق مَا نَعَى عليهم الانقطاع للعبادة، لكن نعى عليهم انقطاعهم عن حركة الحياة، وأسباب العيش؛ لذلك قال: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا. .﴾ [الحديد: ٢٧] .
وقد أباح الإسلام أيضاً الترهُّب والانقطاع للعبادة، لكن شريطة أن تكون في جَلْوة يعني: بين الناس، لا تعتزل حركة الحياة، إنما تعبَّد الله في كل حركة من حركات حياتك، وتجعل الله تعالى دائماً في بالك ونُصْب عينيك في كُلِّ ما تأتي، وفي كل ما تدَع، إذن:
стр. 11692
هناك فَرْق بين مَنْ يعبد الله في خَلْوته، ومَنْ يعبد الله في جَلْوته.
لذلك سيدنا عمر ﵁ قال عن الرجل الذي لازم المسجد للعبادة وعرف أن أخاه يتكفّل به ويُنفق عليه، قال: أخوه أعبد منه. كيف؟
قالوا: لأنك تستطيع أنْ تجعل من كل حركة لك في الحياة عبادة، حين تُخِلص النية فيها لله . ولك أن تقارن بين مؤمن وكافر، كلاهما يعمل ويجتهد لِيقُوتَ نفسه وأهل بيته، ويحيا الحياة الكريمة، وهذا هدف الجميع من العمل، لكن لو أن المؤمن اقتصر في عمله على هذا الهدف لاستوى مع الكافر تماماً.
إنما للمؤمن فوق هذا مقاصد أخرى تكمن في نيته وضميره، المؤمن يفعل على قَدْر طاقته، لا على قَدْر حاجته، ثم يأخذ ما يحتاج إليه ويُنفِق من الباقي ويتصدَّق على مَنْ لا يقدر على الحركة الحياتية.
لذلك يقول الحق : ﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ والذين هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٤] هل يعني: مُؤدُّون فقط؟ لا، بل إن المؤمن يتحرك ويعمل ويسعى، وفي نيته مَنْ لا يقدر على السَّعْي والعمل، فكأنه يُقبل على العمل ويجتهد فيه، وفي نيته أنْ يعمل شيئاً لله بما يفيض عن حاجته من ناتج عمله وهذا ما يُميِّز المؤمن في حركة الحياة عن الكافر.
وأذكر مرة أننا جئنا من الريف في الشتاء في الثلاثينيات لزيارة سيدنا الشيخ الحافظ التيجاني، وكان مريضاً ﵀ ورَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وكان يسكن في حارة، وفضَّلنا أن نأخذ (تاكسي) يُوصِّلنا بدل أن نمشي في وَحْل الشتاء، وعند مدخل الحارة رفض سائق (
стр. 11693
التاكسي) الدخول وقال: إن أجرة التوصيل لا تكفي لغسيل السيارة وتنظيفها من هذا الوَحْل، وبعد إلحاح وافق وأوصلنا إلى حيث نريد، فأعطيناه ضِعْف أجرته، لكني قبل أن أنصرف قلتُ له: أنت لماذا تعمل على هذا (التاكسي) ولماذا تتعب؟ قال: من أجل مصالحي ومصالح أولادي، فقلت له: وما يُضيرك إنْ زِدْتَ على ذلك وجعلْتَ في نيتك أنْ تُيسِّر بعملك هذا على الناس؟ فاهتمّ الرجل ولبسته الكلمة فقال: والله لا اردُّ راكباً أبداً.
ومعنى: ﴿والذين هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] لم يقل مؤدون؛ لأن ﴿فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] تعني: أن نيتهم في الفعل أنْ يفعلوا على قَدْر طاقتهم ويجتهدوا لتوفير شيء بعد نفقاتهم يتصدقون منه.
إذن: حرَّم الإسلام الرهبانية التي تَحرِم المجتمع من مشاركة الإنسان فقال ﷺ َ: «لا رهبانية في الإسلام» لأنه اعتبر كل حركة مقصودٍ منها صالحُ المجتمع كله حركةً إيمانية عبادية، ومن هنا كان العمل عبادة.
وقد وضع العلماء شروطاً لمَنْ أراد الانقطاع للعبادة: أولها: ألاَّ يأخذ نفقته من أحد، بمعنى أن يعمل أولاً لِيُوفِّر احتياجاته طوال فترة انقطاعه، وصدق (إقبال) حين قال:
стр. 11694
لَيْسَ زُهْداً تصوف من تقي ... فرَّ من غَمْرة الحيَاةِ بدين
إنما يُعرَفُ التصَوفُ في ال ... سُّوق بمالٍ ومَطْمعٍ وفُتُون
ثم يقول تعالى: ﴿وَصَلَوَاتٌ. .﴾ [الحج: ٤٠] وهذه لليهود يُسمُّون مكان التعبد: صَالوتاً. لكن، لماذا لم يرتبها القرآن ترتيباً زمنياً، فيقول: لهدمت صلوات وصوامع وبيع؟ قالوا: لأن القرآن يُؤرِّخ للقريب منه فالأبعد.
﴿وَمَسَاجِدُ. .﴾ [الحج: ٤٠] وهذه للمسلمين ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً. .﴾ [الحج: ٤٠] .
وما دام الحق سبحانه ذكر المساجد بعد الفعل ﴿لَّهُدِّمَتْ. .﴾ [الحج: ٤٠] فهذا دليل على أنه لا بُدَّ أن يكون للمسلمين مكان يُحكر للعبادة، وإنْ جُعِلَتْ الأرض كلها لهم مسجداً وطَهُوراً، ومعنى ذلك أنْ تصلي في أيِّ بقعة من الأرض، وإنْ عُدِم الماء تتطهر بترابها، وبذلك تكون الأرض مَحَلاً للعبادة ومَحَلاً لحركة الحياة وللعمل وللسَّعْي، فيمكنك أن تباشر عملك في مصنعك مثلاً وتُصلِّي فيه، لكن الحق سبحانه يريد منا أن نُخصِّص بعض أرضه ليكون بيتاً له تنقطع منه حركة الحياة كلها، ويُوقَف فقط لأمور العبادة.
لذلك قال ﷺ َ: «مَنْ بنى لله مسجداً ولو كمِفْحَصِ قَطَاةٍ بنى الله له بيتاً في الجنة» .
стр. 11695
فقوله تعالى: ﴿لَّهُدِّمَتْ. . وَمَسَاجِدُ. .﴾ [الحج: ٤٠] تدل على مكان خاص للعبادة وإلاَّ لو اعتُبرَتْ الأرضُ كلها مسجداً، فماذا تهدم؟
وعليه، فكل مكان تُزاوَل فيه أمورٌ غير العبادة لا يُعتبر مسجداً، كأماكن الصلاة التي يتخذونها تحت العمارات السكنية، هذه ليست مساجد، والصلاة فيها كالصلاة في الشارع وفي البيت؛ لأن المسجد (مكان) وما يُبنى عليه (مكين) .
والمسجدية تعني: المكان من الأرض إلى السماء، بدليل أننا في بيت الله الحرام نصلي فوق سطح المسجد، ونتجه لجوِّ الكعبة، لا للكعبة ذاتها، لماذا؟ لأن جَوَّ الكعبة إلى السماء كعبة، وكذلك لو كنا في مخابيء أو في مناجم تحت الأرض؛ لأن ما تحت الكعبة من الأرض كعبة. وكذلك في المسْعَى مَسْعَى.
إذن: المسجد ما حُكِر للعبادة، وخُصِّص للمسجدية من أرضه إلى سمائه، وهذا لا يُمارس فيه عمل دنيوي ولا تُعقد فيه صفقة. . إلخ.
أما أنْ نجعل المسجد تحت عمارة سكنية، وفوق المسجد مباشرة يباشر الناس حياتهم ومعيشتهم بما فيها من هَرج ولَهْو، حلال وحرام، وطهارة ونجاسة، ومعاشرة زوجية. . إلخ فهذا كله يتنافى مع المسجدية التي جعلها الله حِكْراً للعبادة من الأرض إلى السماء. فلنُسَمِّ هذه الأماكن: مُصلّى. ولا نقول: مسجد.
ثم يصف الحق سبحانه المساجد بقوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً. .﴾ [الحج: ٤٠] لأن ذِكْر الله في المساجد دائم لا ينقطع، ونحن لا نتحدث عن مسجد، ولا عن مساجد قُطْر من الأقطار، إنما المراد
стр. 11696
مساجد الدنيا كلها من أقصى الشرق لأقصى الغرب، ومن الشمال للجنوب.
ولو نظرتَ إلى أوقات الصلوات لرأيتَ أنها مرتبطة بحركة الفلك وبالشمس في الشروق، وفي الزوال، وفي الغروب، وباعتبار فارق التوقيت في كل بلاد الله تجد أن ذِكْر الله دائم لا ينقطع أبداً في ليل أو نهار، فأنت تُؤذِّن للصلاة، وغيرُك يقيم، وغيركما يصلي، أنت تصلي الظهر، وغيرك يصلي الصبح أو العصر، بل أنت في الركعة الأولى من الصبح، وغيرك في الركعة الثانية، أنت تركع وغيرك يسجد.
إذن: هي منظومة عبادية دائمة في كل وقت، ودائرة في كل مكان من الأرض، فلا ينفكّ الكون ذاكراً لله. أليس هذا ذِكْراً كثيراً؟ أليستْ كلمة (الله أكبرُ) دائرة على ألسنة الخلق لا تنتهي أبداً؟
ثم لما كان دَفْع الله الناسَ بعضهم ببعض ينتج عنه معركة تُسْفر عن منتصر ومنهزم، قال سبحانه: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ. .﴾ [الحج: ٤٠] فإنْ كان التدافع بين الكفار فإنه لا ينتهي، وإنْ كان بين حقٍّ لله وباطل حكم الله بأنه باطل لا بُدَّ أن تنتهي بنُصْرة الحق، وغالباً لا تطول هذه المعركة؛ لأن الحق دائماً في حضانة الله، إنما تطول المعارك بين باطل وباطل، فليس أحدهما أَوْلَى بنُصْرة الله من الآخر، فيظل كل منهما يطحن في الآخر، وإنْ لم تكن حرباً ساخنة كانت حرباً باردة، لماذا؟ لأنه لا يوجد قويٌّ لا هوى له يستطيع أن يفصل فيها، وطالما تدخّل الهوى تستمر المعركة.
يبقى في القسمة العقلية المعركة بين حق وحق، وهذه لا وجودَ لها؛ لأن الحق واحد في الوجود، فلا يمكن أنْ يحدث تصادم أبداً بين أهل الحق.
стр. 11697
والحق ﵎ في نُصْرته لأوليائه يستطيع أن ينصرهم دون حرب، ويُهلك أعداءهم، لكن الحق سبحانه يريد أنْ يأخذوا هم بأسباب النصر؛ لذلك يُعلّمهم أصول هذه المسألة، فيقول سبحانه: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرقاب حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ولكن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ. .﴾ [محمد: ٤] .
ومعنى ﴿أَثْخَنتُمُوهُمْ. .﴾ [محمد: ٤] يعني: جعلتموهم لا يقدرون على الحركة ﴿فَشُدُّواْ الوثاق. .﴾ [محمد: ٤] لا تُجهِزوا عليهم، ولا تقتلوهم، إنما شُدُّوا قيودهم واستأسِروهم، وهذه من رحمة الإسلام وآدابه في الحروب، فليس الهدف القتل وإزهاق الأرواح ثم ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً. .﴾ [محمد: ٤] مَنّاً إنْ كان هناك تبادل للأسرى. فأنت تمنُّ وهو يمنُّ. والفداء أنْ يفدي نفسه.
وكانت هذه المسألة حجة لنا حينما نتحدث عن الرقِّ في الإسلام، ونرد على هؤلاء الذين يحلو لهم اتهام الإسلام، ويستخدمون في ذلك السفسطة والمراوغة اللغوية لإقناع الناس بأن الإسلام ساهم في نِشْر الرقِّ والعبودية.
ونقول: لقد جاء الإسلام والرق موجود ومنتشر لم يُشرِّعه الإسلام، ولم يُوجِدْه بداية، حيث كانت أسباب الرق كثيرة، وأسباب
стр. 11698
الاستعباد متعددة: فَمنْ تحمّل دَيْناً وعجز عن سدادة يُسْتعبد لصاحب الدين، ومَنْ عمل ذنباً وخاف من عقوبته أخذوه عبداً، ومَنْ اختطفه الأشرار في الطريق جعلوه عبداً. . إلخ.
فلما جاء الإسلام عمل على سَدِّ منابع الرقِّ هذه، وجعل الرقَّ مقصوراً على الحرب المشروعة. ثم فتح عدة مصارف شرعية للتخلُّص من الرق القائم، حيث لم يكُنْ موجوداً من أبواب العتق إلا إرادة السيد في أنْ يعتق عبده، فأضاف الإسلام إلى هذا الباب أبواباً أخرى، فجعل العتق كفارة لبعض الذنوب، وكفارة لليمين، وكفارة للظِّهار، وحثَّ على الصدقة في سبيل العتق، ومساعدة المكاتب الذي يريد العتق ويسعى إليه. . إلخ.
فإذا لم تعتق عبدك، فلا أقل من أن تطعمه من طعامك، وتُلْبسه من ملبسك، ولا تُحمِّله ما لا يطيق، وإنْ حمَّلْته فأعِنْه، وكما يقول النبي ﷺ َ «إنما هم إخوانكم» .
ونلاحظ على الذين يعيبون على الإسلام مسألة الرقِّ في الحروب أنهم يقارنون بين الرِّق والحرية، لكن المقارنة هنا ليستْ كذلك،
стр. 11699
المقارنة هنا بين الرق والقتل؛ لأنه لا يُسترقّ إلا مَنْ قدر المسترقُّ عليه وتمكَّن منه في المعركة، وكان باستطاعته قَتْله، لكن رحمة الله بعباده منعتْ قتله، وأباحت أَخْذه رقيقاً، فالنفعية للمقاتل المنتصر يقابلها حَقْن دم الآخر، ثم بعد انتهاء الحرب نحثُّ على عتقه، ونفتح له أبواب الحرية.
إذن: لا تقارن بين عبد وحر، إنما قارن بين العبودية والقتل: أيهما أقلّ ضرراً؟
لذلك قال تعالى:
﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ الله على مَن يَشَآءُ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٤ - ١٥] .
هذه نتائج سِتٌّ للأمر ﴿قَاتِلُوهُمْ. .﴾ [التوبة: ١٤] وجواب الأمر مجزوم بالسكون كما في (يُعذِّبْهم) ومجزوم بحذف حرف العلة كما في (وَيُخْزِهِم) ، والخزي لأنهم كانوا مغترين بقوتهم، ولديهم جبروت مفتعل، يظنون أَلاَّ يقدر عليهم أحد، وكذلك في: ينصركم، ويشف، ويذهب.
ثم قطع السياقُ الحكمَ السابق، واستأنف كلاماً جديداً، وإنْ كان معطوفاً على ما قبله في اللفظ، وهذا مظهر من مظاهر الدقة في الأداء القرآني، ومَلْحَظ لرحمة الله تعالى حتى بالكفار، فقال تعالى: ﴿وَيَتُوبُ الله على مَن يَشَآءُ. .﴾ [التوبة: ١٥] هكذا بالرفع، لا بالجزم فقطع الفعل (يتوب) عما قبله؛ لأن الله تعالى لم يشأ أن يشرِّك بينهم حتى في جواب الأمر.
وحتى على اعتبار أنهم هُزِمُوا، وكُسِرت شوكتهم، وضاعتْ
стр. 11700
هيبتهم، لعلهم يفيقون لأنفسهم، ويعودون للحق، وهذه من رحمة بالكافرين في معاركهم مع الإيمان.
لكن، لماذا يتوب الله على الكفار ويرحمهم وهم أعداء دينه وأعداء نبيه؟ قالوا: لأنه ربهم وخالقهم، وهم عباده وعياله، وهو أرحم بهم، ومرادات الله في الخَلْق أن يكونوا جميعاً طائعين.
لذلك، يقول سبحانه في الحديث القدسي: «قالت السماء: يا رب ائذن لي أن أسقط كسفاً على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت الأرض: يا رب ائذن لي أن أخسف بابن آدم فقد طَعِم خيرك ومنع شكرك، وقالت الجبال: يا رب ائذن لي أن أسقط على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت البحار: يا رب ائذن لي أن أغرق ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك» «.
فالكون كله ناقم على الكافرين، متمرد على العصاة، مغتاظ منهم، فماذا قال الحق ﵎ لهم؟ قال سبحانه:» دعوني وخَلْقي، لو خلقتموهم لرحمتموهم، فإنْ تابوا إليَّ، فأنا حبيبهم، وإنْ لم يتوبوا فأنا طبيبهم «.
نعود إلى قوله تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ. .﴾ [الحج: ٤٠] وما دام أن النصر من عند الله فإياكم أنْ تبحثوا في القوة أو تقيسوا قوتكم بقوة عدوكم، فلربك جنود لا يعلمها إلا هو، ووسائل النصر وأنت في حضانة الله كثيرة تأتيك من حيث لا تحتسب وبأهْون الأسباب، أقلّها أن الله يُريكم أعداءكم قليلاً ويُكثِّر المؤمنين في أعين الكافرين ليفتَّ ذلك في عَضُدهم ويُرهبهم ويُزعزع معنوياتهم، وقد يحدث العكس، فيرى الكفار المؤمنين قليلاً فيجترئون عليهم، ويتقدمون، ثم تفاجئهم الحقيقة.
стр. 11701
إذن: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ. .﴾ [المدثر: ٣١] فلا تُعوِّل فقط على قوتك وتحسب مدى تكافُئِك مع عدوك، دَعْكَ من هذه الحسابات، وما عليك إلا أنْ تستنفد وسائلك وأسبابك، ثم تدع المجال لأسباب السماء.
وأقلُّ جنود ربك أنْ يُلقي الرعب في قلوب أعدائك، وهذه وحدها كافية، ويُرْوى أنهم في إحدى المعارك الإسلامية تغيرت رائحة أفواه المسلمين، وأحسُّوا فيها بالمرارة لطول فترة القتال، فأخرجوا السواك يُنظفِّون أسنانهم، ويُطيِّبون أفواههم، عندها قال الكفار: إنهم يسنُّون أسنانهم ليأكلونا، وقذف الله في قلوبهم الرعب من حيث لا يدرون.
ثم يقول تعالى: ﴿إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠] عزيز: يعني لا يُغلب، وما دام أن الله تعالى ينصر مَنْ نصره فلا بُدَّ أن تنتهي المعركة بالنصر مهما خارتْ القوى ومهما ضَعُفتْ، ألم يكُن المسلمون في مكة ضعفاء مضطهدين، لا يستطيع واحد منهم أن يرفع رأسه بين الكفار؟
ولما نزل قول الله تعالى وهم على هذه الحال: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥] تعجب عمر بفراسته وعبقريته: أيُّ جمع هذا الذي سيُهزم ونحن غير قادرين حتى حماية أنفسنا؟ فلما رأى يوم بدر قال: صدق الله ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥] .
فما دام أن الله قوي عزيز فلا بُدَّ أن ينصركم، وهذه مسألة
стр. 11702
محكوم بها أزلاً: ﴿كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي. .﴾ [المجادلة: ٢١] .
فإذا تمَّتْ لكم الغَلَبة، فاعلموا أن لك دَوْراً، أَلاَ وهو: ﴿الذين إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض أَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة. .﴾ .
стр. 11703
معنى: ﴿مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض. .﴾ [الحج: ٤١] جعلنا لهم سلطاناً وقوة وغَلَبة، فلا يَجترئ أحد عليهم أو يزحزحهم، وعليهم أنْ يعلموا أن الله ما مكَّنهم ونصرهم لذاتهم، وإنما ليقوموا بمهمة الإصلاح وينقوا الخلافة الإنسانية في الأرض من كُلِّ ما يُضعِف صلاحها أو يفسده.
لذلك، سيدنا سليمان ﵇ كان يركب بساط الريح يحمله حيث أراد، فداخله شيء من الزهو، فمال به البساط وأوشك أنْ يُلقيه، ثم سمع من البساط مَنْ يقول له: أُمِرْنا أن نطيعك ما أطعتَ الله.
والممكَّن في الأرض الذي أعطاه الله البأْس والقوة والسلطان، يستطيع أنْ يفرض على مجتمعه ما يشاء، حتى إنْ مُكِّن في الأرض بباطل يستطيع أنْ يفرض باطله ويُخضِع الناس له، ولو إلى حين.
فماذا يُناط بالمؤمن إنْ مُكِّن في الأرض؟
يقول تعالى: ﴿الذين إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض أَقَامُواْ الصلاة. .﴾ [الحج: ٤١] ليكونوا دائماً على ذكْر وولاء من ربهم الذي وهبهم هذا
стр. 11704
التمكين؛ ذلك لأنهم يترددون عليه سبحانه خَمْس مرات في اليوم والليلة.
﴿وَآتَوُاْ الزكاة وَأَمَرُواْ بالمعروف وَنَهَوْاْ عَنِ المنكر﴾ [الحج: ٤١] فهذه أسس الصلاح في المجتمع والميزان الذي يسعد به الجميع.
﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمور﴾ [الحج: ٤١] يعني: النهاية إلينا، وآخر المطاف عندنا، فمَن التزم هذه التوجيهات وأدَّى دوره المنُوط في مجتمعه، فبها ونِعْمتْ، ومَنْ ألقاها وراء ظهره فعاقبته معروفة.
ثم يُسلِّي الحق سبحانه رسوله ﷺ َ حتى لا يهتم بما يفعله قوم من كفر وعناد ومجابهة للدعوة: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ. .﴾ .
стр. 11705
﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ. .﴾ [الحج: ٤٢] يعني: في دعوتك فيواجهونك، ويقفون في سبيل دعوتك ليبطلوها، فاعلم أنك لست في ذلك بِدْعاً من الرسل، فقد كُذِّب كثير من الرسل قبلك، وعليك أَلاَّ تلاحظ مسألة التكذيب منفصلةً عن عاقبته، نعم: كذب القوم لكن كيف كانت العاقبة؟ اتركناهم أم أخذناهم أَخْذ عزيز مقتدر؟
فلا تحزن، فسوف يحلُّ بهم ما حَلَّ بسابقيهم من المكذِّبين والمعاندين.
وقلنا: إن الرسول يتحمّل من مشقة الرسالة وعناء الدعوة على قَدْر رسالته، فكلُّ رسل الله قبل محمد كان الرسول يُرْسَل إلى قومه خاصة، وفي مدة محدودة، وزمان محدود، ومع ذلك تعبوا
стр. 11706
كثيراً في سبيل دعوتهم، فما بالك برسول بُعِثَ إلى الناس كافة في كل زمان وفي كل مكان، لا شَكَّ أنه سيتحمل من التعب والعناء أضعاف ما تحمِّله إخوانه من الرسل السابقين.
وكأن الحق ﵎ يُعد رسوله صلى الله علية وسلم ويُوطِّنه على تحمُّل المشاقِّ من بداية الطريق حتى لا تفتّ في عَضُده حين يواجهها عند مباشرة أمر الدعوة، يقول له: ليست السيادة أمراً سهلاً، إنما دونها متاعب وأهوال ومصاعب فاستعد، كما تنبه ولدك: انتبه، فالامتحانات ستأتي هذا العام صعبة، فالوزارة تريد تقليل عدد المتقدمين للجامعة، فاجتهد حتى تحصل على مجموع مرتفع، وحين يسمع الولد هذا التنبيه يُجمع تماسكه، ويجمع تركيزه، فلا يهتز حين يواجه الامتحانات.
ثم يذكر الحق ﵎ نماذج للمكذِّبين للرسل: ﴿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ موسى فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ. .﴾ .
стр. 11707
نلحظ هنا أن الحق سبحانه ذكر المكذبين، إلا في قصة موسى فذكر المكذَّب، فلم يَقُل: وقوم موسى بل قال: وكُذِّب موسى، لماذا؟ قالوا: لأن مهمته كانت أصعب حيث تعرَّض في دعوته لمنِ ادَّعى الألوهية ذاتها.
وقوله تعالى: ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ. .﴾ [الحج: ٤٤] أمليت: أمهلْتُ حتى ظنوه إهمالاً، وهو إمهال بأنْ يمدّ الله لهم، ويطيل
стр. 11708
في مدتهم، لا إكراماً لهم، ولكن ليأخذهم بعد هذا أخْذ عزيز مقتدر، وفي آية أخرى يُوضِّح لنا هذه البرقية المختصرة، فيقول سبحانه: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً. .﴾ [آل عمران: ١٧٨]
وفي هذا المعنى يقول أيضاً: ﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحياة الدنيا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥] .
إذن: لا تغتر بما في أيديهم؛ لأنه فتنة، حتى إذا أخذهم الله كانت حسرتهم أكبر، فمن عُدم هذه النعم لا يتعلق قلبه بها، ولا يألَم لفقدها.
وقد حدث شيء من هذا في أيام سعد زغلول، وكان أحد معارضيه يشتمه ويتطاول عليه، لكن فوجئ الجميع بأنه يُولِّيه منصباً مرموقاً في القاهرة، فتعجّب الناس وسألوه في ذلك فقال: نعم، وضعته في هذا المنصب ليعرف العلو والمنزلة حتى يتحسَّر عليها حين تُسْلَب منه، وتكون أنكى له. يعني: يرفعه إلى أعلى حتى يهوي على رقبته، لأنه ما فائدة أن توقعه من على الحصيرة مثلا ً؟!!
ثم يقول تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] الحق سبحانه يُلقِي الخبر في صورة استفهام لتقول أنت ما حدث وتشهد به.
والمراد: أعاقبناهم بما يستحقون؟
والنكير: هو الإنكار على شخص بتغيير حاله من نعمة إلى نقمة، كالذي يُكرمك ويُواسيك ويَبَشُّ في وجهك ويُغدق عليك، ثم يقطع عنك هذا كله، فتقول: لماذا تنكَّر لي فلان؟ يعني: قطع عني نعمته.
وكأن الحق ﵎ يريد أن ينتزع مِنَّا الإقرار بقدرته تعالى على عقاب أعدائه ومُكذِّبي رسله، وهذا المعنى جاء أيضاً في
стр. 11709
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ الذين آمَنُواْ يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمُ انقلبوا فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قالوا إِنَّ هؤلاء لَضَالُّونَ وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ فاليوم الذين آمَنُواْ مِنَ الكفار يَضْحَكُونَ عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الكفار مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٦] يعني: هل جُوزي الكفار بما عملوا؟ وهل استطعنا أنْ نعاقبهم بما يستحقون من العذاب؟
﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤] أي: إنكاري لموقفهم من عدم أداء حقوق النعمة فبدَّلها الله عليهم نقمة.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا. .﴾ .
стр. 11710
قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ. .﴾ [الحج: ٤٥] (كأيِّن) أداة تدل على الكَثْرة مثل: كم الخبرية حين تقول: كَمْ أحسنتُ إليك. تعني مرات عديدة تفوق الحصر، فهي تدل على المبالغة في العدد والكمية، ومنها قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ. .﴾ [آل عمران: ١٤٦] .
والقرية: اسم للمكان، وحين يُهلِك الله القرية لا يُهلك المكان، إنما يهلك المكين فيه، فالمراد بالقرية أهلها، كما ورد في قوله تعالى: ﴿وَسْئَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا. .﴾ [يوسف: ٨٢] أي: اسأل أهل القرية.
стр. 11711
ويحتمل أن يكون المعنى: اسأل القرية تُجبك، لأنك لو سألتَ أهل القرية فلربما يكذبون، أمَّا القرية فتسجل الأحداث وتُخبِر بها كما حدثت.
وقد يتعدى الهلاك إلى القرية ذاتها، فيغير معالمها بدليل قوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظلموا. .﴾ [النمل: ٥٢] .
ومعنى: ﴿أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ. .﴾ [الحج: ٤٥] أي: بسبب ظُلْمها، ولا يُغيِّر الله ما بقوم حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم، وفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢] .
فهلاك القُرَى لا بُدَّ أن يكون له سبب، فلما وقع عليها الهلاك أصبحت ﴿خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا. .﴾ [الحج: ٤٥] الشيء الخاوي يعني: الذي سقط وتهدَّم على غيره، وقوله: ﴿على عُرُوشِهَا. .﴾ [الحج: ٤٥] يدل على عِظَم ما حَلَّ بها من هلاك، حيث سقط السقف أولاً، ثم انهارت عليه الجدران، أو: أن الله تعالى قَلَبها رأساً على عَقِب، وجعل عاليها سافلها.
وقوله سبحانه: ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ. .﴾ [الحج: ٤٥] البئر: هو الفجوة العميقة في الأرض، بحيث تصل إلى مستوى الماء الجوفيّ، ومنه يُخرجون الماء للشُّرْب وللزراعة. . إلخ ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ. .﴾ [القصص: ٢٣] أي: البئر الذي يشربون منه.
والبئر حين تكون عاملة ومُسْتفاداً منها تلحظ حولها مظاهر
стр. 11712
حياة، حيث ينتشر الناس حولها، وينمو النبات على بقايا المياه المستخرجة منها، ويحوم حولها الطير ليرتوي منها، أما البئر المعطّلة غير المستعملة فتجدها خَرِبة ليس بها علامات حياة، وربما تسفو عليها الرياح، وتطمسها فتُعطَّل وتُهجَر، فالمراد معطلة عن أداء مهمتها، ومهمة البئر السُّقيا.
﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥] القصر: اسم للمأوى الفَخْم؛ لأن المأوى قد يكون خيمة، أو فسطاطاً، أو عريشة، أو بيتاً، أو عمارة، وعندما يرتقي الإنسان في المأوى فيبني لنفسه شيئاً خاصاً به، لكن لا بُدَّ له أنْ يخرج لقضاء لوازم الحياة من طعام وخلافه، أما القصر فيعني مكان السكن الذي يتوفر لك بداخله كل ما تحتاج إليه، بحيث لا تحتاج إلى الخروج منه، يعني: بداخله كل مُقوِّمات الحياة. ومنه: سميت الحور مقصورات في قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الخيام﴾
[الرحمن: ٧٢] يعني: لا تتعداها ولا تخرج منها.
و ﴿مَّشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥] من الشيد، وهو الجير الذي يستعمل كَمُونَةٍ في بناء الحجر يعني: مادة للصق الحجارة، وجَعْلها على مستوى واحد، وقديماً كان البناء بالطوب اللَّبن، والمونة من الطين، أما في القصور والمساكن الفخمة الراقية فالبناء بالحجر، والمشيد أيضاً العالي المرتفع، ومنه قولهم: أشاد به يعني: رفعه وأعْلى من مكانته، والارتفاع من مَيْزات القصور، ومعلوم أن مقاسات الغرف في العمارات مثلاً غيرها في القصور، هذه ضيقة منخفضة، وهذه واسعة عالية.
стр. 11713
وفي قوله تعالى ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥] دليل على أن هؤلاء المهلْكين كانوا من أصحاب الغِنَى والنعيم، ومن سكان القصور ومِنْ عِلْية القوم.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا. .﴾ .
стр. 11714
السَّيْر: قَطْع مسافات من مكان إلى آخر، ويسمونه السياحة، والحق سبحانه يدعو عباده إلى السياحة في أنحاء الأرض؛ لأن للسياحة فائدتين:
فإما أنْ تكون سياحة استثمارية لاستنباط الرزق إنْ كنتَ في مكان يضيق بك العيش فيه، كهؤلاء الذين يسافرون للبلاد الأخرى للعمل وطلب الرزق.
وإما أن تكون سياحة لأَخْذ العبرة والتأمل في مخلوقات الله في مُلْكه الواسع ليستدل بخَلْق الله وآياته على قدرته تعالى.
والسياحة في البلاد المختلفة تتيح لك فرصة ملاحظة الاختلافات من بيئة لأخرى، فهذه حارة وهذه باردة، وهذه صحراء جرداء وهذه خضراء لا يوجد بها حبة رمل، لذلك يخاطبنا ربنا ﵎: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض ثُمَّ انظروا. .﴾ [الأنعام: ١١]
стр. 11715
فالعطف في الآية ب (ثُمَّ) يدل على أن للسياحة مهمة أخرى، هي الاستثمار وطلب الرزق، ففي الآية إشارة إلى الجمع بين هاتين المهمتين، فحين تذهب للعمل إياك أنْ تغفل عن آيات الله في المكان الذي سافرت إليه، وخُذْ منه عبرة كونية تفيدك في دينك.
وفي آية أخرى يقول سبحانه: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فَاْنظُرُواْ. .﴾ [النمل: ٦٩]
العطف هنا بالفاء التي تفيد الترتيب، يعني: سيروا في الأرض لتنظروا آيات الله، فهي خاصة بسياحة الاعتبار والتأمل، لا سياحة الاستثمار وطلب الرزق.
لذلك يقولون في الأمثال: (اللي يعيش ياما يشوف، واللي يمشي يشوف أكثر) فكلما تعددتْ الأماكن تعددت الآيات والعجائب الدالة على قدرة الله، وقد ترى منظراً لا يؤثر فيك، وترى منظراً آخر يهزُّك ويُحرِّك عواطفك، وتأملاتك في الكون.
وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ. .﴾ [الحج: ٤٦] تعني وتؤكد أنهم ساروا فعلاً، كما تقول: أفلم أُكرمك؟ ولا تقول هذا إلا إذا أكرمته فعلاً، وقد حدث أنهم ساروا فعلاً في البلاد أثناء رحلة الشتاء والصيف، وكانوا يمرون على ديار القوم المهلكين، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ. .﴾ [الصافات: ١٣٧] .
يعني: أنتم أهل سَيْر وترحال وأهل نظر في مصير مَنْ قبلكم، فكيف يقبل منكم الانصراف عن آيات الله؟
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور﴾ [الحج: ٤٦]
стр. 11716
فما داموا قد ساروا وترحلَّوا في البلاد، فكيف لا يعقلون آيات الله؟ وكيف لا تُحرِّك قلوبهم؟
ولنا وقفة عند قوله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ. .﴾ [الحج: ٤٦] وهل يعقِل الإنسانُ بقلبه؟ معلوم أن العقل في المخ، والقلب في الصدر.
نعم، للإنسان وسائل إدراك هي الحواس التي تلتقط المحسَّات يُسمُّونها تأدُّباً مع العلم: الحواس الخمس الظاهرة؛ لأن العلم أثبت للإنسان في وظائف الأعضاء حواساً أخرى غير ظاهرة، فحين تُمسِك بشيئين مختلفين يمكنك أن تُميِّز أيهما أثقل من الآخر، فبأيِّ حاسة من الحواس الخمس المعروفة توصلْتَ إلى هذه النتيجة؟
إنْ قُلْتَ بالعين فدعْها على الأرض وانظر إليها، وإنْ قُلْتَ باللمس فلك أنْ تلمسها دون أنْ ترفعها من مكانها، إذن: فأنت لا تدرك الثقل بهذه الحواس، إنما بشيء آخر وبآلة إدراك أخرى هي حاسة العَضَلِ الذي يُميِّز لك الخفيف من الثقيل.
وحين تذهب لشراء قطعة من القماش تفرك القماش بلطف بين أناملك، فتستطيع أنْ تُميِّز الثخين من الرقيق، مع أن الفارق بينهما لا يكاد يُذْكَر، فبأيِّ حاسة أدركْتَه؟ إنها حاسة البَيْن. كذلك هناك حاسة البُعْد وغيرها من الحواسّ التي يكتشفها العلم الحديث في الإنسان.
فلما يدرك الإنسان هذه الأشياء بوسائل الإدراك يتدخَّل العقل ليغربل هذه المدركات، ويختار من البدائل ما يناسبه، فإنْ كان سيختار ثوباً يقول: هذا أنعم وأرقّ من هذا، وإنْ كان سيختار رائحة يقول: هذه ألطف من هذه، إنْ كان في الصيف اختار
стр. 11717
الخفيف، وإنْ كان في الشتاء اختار السميك.
وبعد أن يختار العقل ويوازن بين البدائل يحكم بقضية تستقر في الذِّهْن وتقتنع بها، ولا تحتاج لإدراك بعد ذلك، ولا لاختيار بين البدائل، وعندها تنفذ ما استقر في نفسك، وارتحْتَ إليه بقلبك.
إذن: إدراك بالحواس وتمييز بالعقل ووقوف عند مبدأ بالقلب، وما دام استقر المبدأ في قلبك فقد أصبح دستوراً لحياتك، وكل جوارحك تخدم هذا المبدأ الذي انتهيتَ إليه، واستقر في قلبك ووجدانك.
لكن، لماذا القلب بالذات؟ قالوا: لأن القلب هو الذي يقوم بعملية ضَخِّ سائل الحياة، وهو الدم في جميع إجزاء الجسم وجوارحه، وهذه الجوارح هي أداة تنفيذ ما استقر في الوجدان؛ لذلك قالوا: الإيمان محلّه القلب، كيف؟ قالوا: لأنك غربلْتَ المسائل وصفَّيْت القضايا إلى أن استقرت العقيدة والإيمان في قلبك، والإيمان أو العقيدة هي ما انعقد في القلب واستقرَّ فيه، ومن القلب تمتد العقيدة إلى جميع الأعضاء والحواس التي تقوم بالعمل بمقتضى هذا الإيمان، وما دُمْتَ قد انتهيتَ إلى مبدأ وعقيدة، فإياك أنْ تخالفه إلى غيره، وإلاَّ فيكون قلبك لم يفهم ولم يفقه.
وكلمة ﴿يَعْقِلُونَ بِهَآ. .﴾ [الحج: ٤٦] تدل على أن للعقل مهام أخرى غير أنه يختار ويفاضل بين البدائل، فالعقل من مهامه أنْ يعقل صاحبه عن الخطأ، ويعقله أنْ يشرد في المتاهات، والبعض يظن أن معنى عقل يعني حرية الفكر وأنْ يشطح المرء بعقله في الأفكار كيف يشاء، لا، العقل من عِقَال الناقة الذي يمنعها، ويحجزها أنْ تشرُدَ منك.
стр. 11718
ثم يقول سبحانه: ﴿أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا. .﴾ [الحج: ٤٦] كيف ولهؤلاء القوم آذان تسمع؟ نعم، لهم آذان تسمع، لكن سماع لا فائدة منه، فكأن الحاسَّة غير موجودة، وإلا ما فائدة شيء سمعتَه لكن لم تستفد به ولم تُوظِّفه في حركة حياتك، إنه سماع كعدمه، بل إن عدمه أفضل منه؛ لأن سماعك يقيم عليك الحجة.
﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور﴾ [الحج: ٤٦] فعمي الأبصار شيء هيِّن، إذا ما قِيسَ بعمى القلوب؛ لأن الإنسان إذا فقد رؤية البصر يمكنه أنْ يسمع، وأنْ يُعمل عقله، وأنْ يهتدي، ومَا لا يراه يمكن أنْ يخبره به غيره، ويَصِفه له وَصْفا دقيقاً وكأنه يراه، لكن ما العمل إذا عَميَتْ القلوب، والأنظار مبصرة؟
وإذا كان لعمى الأبصار بديل وعِوَض، فما البديل إذا عَمي القلب؟ الأعمى يحاول أنْ يتحسَّس طريقه، فإنْ عجز قال لك: خُذْ بيدي، أما أعمى القلب فماذا يفعل؟
لذلك، نقول لمن يغفل عن الشيء الواضح والمبدأ المستقر: أعمى قَلْب. يعني: طُمِس على قلبه فلا يعي شيئاً.
وقوله: ﴿القلوب التي فِي الصدور﴾ [الحج: ٤٦] معلوم أن القلوب في الصدور، فلماذا جاء التعبيرهكذا؟ قالوا: ليؤكد لك على أن المراد القلب الحقيقي، حتى لا تظن أنه القلب التفكيريّ التعقليّ، كما جاء في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم. .﴾ [آل عمران: ١٦٧]
стр. 11719
ومعلوم أن القَوْل من الأفواه، لكنه أراد أن يؤكد على القول والكلام؛ لأن القول قد يكون بالإشارة والدلالة، فالقول بالكلام هو أبلغ أنواع القول وآكده؛ لذلك قال الشاعر:
جِرَاحَاتُ السِّنَانِ لَهَا الْتِئَامٌ ... ولاَ يُلْتَامُ مَا جَرَح اللسَانُ
ويقولون: احفظ لسانك الذي بين فكَّيْك، وهل اللسان إلا بين الفكَّيْن؟ لكن أراد التوكيد على القول والكلام خاصة، لا على طرق التفاهم والتعبير الأخرى.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ. .﴾ .
стр. 11720
ألم يقولوا في استعجال العذاب: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. .﴾ [الأنفال: ٣٢] .
وقالوا: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ [الأعراف: ٧٠] .
ولا يستعجل الإنسانُ العذابَ إلا إذا كان غَيْرَ مؤمن به، المؤمن بالعذاب - حقيقةً - يخاف منه، ويريد أنْ يبطئ عنه أو أنْ ينجوَ منه. والمعنى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب. .﴾ [الحج: ٤٧] أنهم يظنون أنَّه إنْ توعّدهم الله بالعذاب فإنه سيقع لِتَوِّه. لذلك، الحق سبحانه
стр. 11721
يصحح لهم هذا الفهم، فيقول: ﴿وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ. .﴾ [الحج: ٤٧] فلا تتعجلوا توعّدكم به، فهو واقع بكم لا محالة؛ لأنه وَعْد من الله، والله لا يُخلِف وعده، لكن اعلموا أن اليوم عند الله ليس كيومكم، اليوم عندكم أربع وعشرون ساعة، أما عند الله فهو كألف سنة من حسابكم أنتم للأيام.
واليوم زمن يتسع لبعض الأحداث، ولا يسع أكثر مما قدِّر أن يُفعل فيه من الأحداث، أما اليوم عند الله فيسع أحداثاً كثيرة تملأ من الزمن ألف سنة من أيامكم؛ ذلك لأنكم تزاولون الأعمال وتعالجونها، أما الخالق سبحانه فإنه لا يزاول الأفعال بعلاج، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كُنْ فيكون، ففِعْلُك يحتاج إلى وقت، أما فِعْل ربك فبكلمة كُنْ. وقد شاء الحق سبحانه أنْ يعيشَ هؤلاء في عذاب التفكير في هذا الوعيد طول عمرهم، فيُعذّبون به قبل حدوثه.
إذن: لا تظن أن العذاب الذي توعّدكم به سيحدث اليوم أو غداً، لا؛ لأن حساب الوقت مختلف.
ألم تقرأ قول الله تعالى لنبيه موسى ﵇ لمَّا دعا على قومه: ﴿رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ واشدد على قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حتى يَرَوُاْ العذاب الأليم. .﴾ [يونس: ٨٨]
قال له ربه: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا. .﴾ [يونس: ٨٩] .
ويقول المفسرون: حدثتْ هذه الإجابة لموسى بعد أربعين سنة من دعوته عليهم.
стр. 11722
وفي موضع آخر يقول تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأمر مِنَ السمآء إِلَى الأرض ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥] .
وتزيد هذه المدة في قوله سبحانه: ﴿تَعْرُجُ الملائكة والروح إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] لماذا؟ لأن الزمن عندكم في هذه الحالة مُعطَّل، فأنتم من هَوْل ما تروْنَ تستطيلون القصير، ويمر عليكم الوقت ثقيلاً؛ لذلك تتمنون الانصراف ولو إلى النار.
كما أن صاحب النعيم يستقصر الطويل، ويمر عليه الوقت كأنه لمح البصر، ومن ذلك ما تلاحظه من قِصَر الوقت مع الأحبة وطوله مع الأعداء ومَنْ لا يهواه قلبك، ولهذه المسألة شواهد كثيرة في شعرنا العربي، منها قول أحدهم:
حَادِثَاتُ السُّرورِ تُوزَنُ وَزْناً ... وَالبَلايَا تُكَال بالقُفْزَان
وقول الآخر:
لَمْ يَطُلْ لَيْلِي ولكِنْ لَمْ أَنَمْ ... ونَفَى عَنِّي الكَرَى طَيْفٌ أَلَمّ
ويقول ابن زيدون:
إنْ يَطُلْ بعدَكَ لَيْلِي فَلَكَمْ ... بِتُّ أشكُو قِصَرَ الليْلِ مَعَك
стр. 11723
ثم يقول سبحانه: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ. .﴾ .
стр. 11724
﴿وَكَأَيِّن. .﴾ [الحج: ٤٨] قلنا: تدل على الكثرة يعني: كثير من القرى، ﴿أَمْلَيْتُ. .﴾ [الحج: ٤٨] : أمهلتُ، لكن طوال الإمهال لا يعني الإهمال؛ لأن الله تعالى يُملي للكافر ويُمهله لأجل، فإذا جاء الأجل والعقاب أخذه.
﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ [الحج: ٤٨] وأخْذُ الشيء يتناسب مع قوة الآخذ وقدرته وعنف الانتقام بحسب المنتقم، فإذا كان الآخذ هو الله ، فكيف سيكون أَخْذه؟
في آية أخرى يوضح ذلك فيقول: ﴿أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢] لا يُغَالب، ولا يمتنع منه أحد، وكلمة الأَخْذ فيها معنى الشدة والعنف والقَهْر.
ثم يقول سبحانه: ﴿وَإِلَيَّ المصير﴾ [الحج: ٤٨] يعني: المرجع والمآب، فلن يستطيعوا أنْ يُفلِتوا.
إذن: الإملاء: تأخير العذاب إلى أجل معين، كما قال سبحانه: ﴿فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧] .
هذا الأجل قد يكون لمدة، ثم يقع بهم العذاب، كما حدث في الأمم السابقة التي أهلكها الله بالخسْف أو بالغرق. . الخ، أما في أمة محمد ﷺ َ، فيكون الإملاء بأحداث سطحية في الدنيا، كالذي حَلَّ بالكفار من الخِزْي والهوان والهزيمة وانكسار شوكتهم، أمّا العذاب الحقيقي فينتظرهم في الآخرة.
стр. 11725
لذلك يقول الحق ﵎ لنبيه ﷺ َ: لا تستبطئ عذابهم والانتقام منهم في الدنيا، فما لم تَرَهُ فيهم من العذاب في الدنيا ستراه في الآخرة: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر: ٧٧]
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿قُلْ ياأيها الناس إِنَّمَآ. .﴾ .
стр. 11726
والإنذار نوع من الرحمة، لأنك تخبر بشرٍّ قبل أوانه، ليحذره المنذَر، ويحاول أنْ يُنجي نفسه منه، ويبتعد عن أسبابه، فحين أُذكّرك بالله، وأنه يأخذ أعداءه أخْذَ عزيز مقتدر، فعليك أنْ تربأ بنفسك عن هذه النهاية، وأن تنجوَ من دواعي الهلاك.
ومعنى ﴿مُّبِينٌ﴾ [الحج: ٤٩] محيط، لا يترك صغيرة ولا كبيرة.
стр. 11727
وطالما آمنوا وعملوا الصالحات فقد انتفعوا بالنذراة، وأثمرتْ فيهم، فآمنوا بالله إلهاً فاعلاً مختاراً له صفات الكمال المطلق، ثم عملوا على مقتضى أوامره؛ لذلك يكون لهم مغفرة إنْ كانت أَلَمَّتْ نفوسهم بشيء من المعاصي، ويكون لهم رزق كريم. والكريم هو البذَّال، كأن الرزق نفسه وصل إليهم بكرم وزيادة، كما أن الكريم هو الذي تظل يده مبسوطة دائماً بالعطاء، على حَدِّ قول الشاعر:
وَإِنِّي امْرؤٌ لاَ تَسْتَقِرُّ دَرَاهِمِي ... عَلَى الكَفِّ إِلاَّ عَابِرَات سَبِيل
стр. 11728
فالرزق نفسه كريم؛ لأنه ممدود لا ينقطع، كما لو أخذت كوب ماء من ماء جارٍ، فإنه يحلُّ محلَّه غيره على الفور، وهكذا.
стр. 11729
السعي: عمل يذهب إلى غاية، فإنْ كان قطع مسافة نقول: سِرنْا من كذا إلى كذا، وإنْ كان في قضية علمية فكرية، فيعني: أن الحدث يعمل من شيء بداية إلى شيء غاية.
والسَّعْيُ لا يُحمد على إطلاقه، ولا يُذَمُّ على إطلاقه، فإنْ كان في خير فهو محمود ممدوح، كالسعي الذي قال الله فيه: ﴿فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً﴾ [الإسراء: ١٩] ، وإنْ كان في شَرٍّ فهو قبيح مذموم، كالسعي الذي قال الله تعالى فيه: ﴿وَمِنَ الناس مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحياة الدنيا وَيُشْهِدُ الله على مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخصام وَإِذَا تولى سعى فِي الأرض لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الحرث والنسل. .﴾ [البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٥] .
أما السعاية فعادة تأخذ جانب الشر. وتعني: الوشاية والسّعي بين الناس بالنميمة، تقول: فلان سَعَّاء بين الخلق يعني: بالشر ينقله بين الناس بقصْد الأذى، وهؤلاء إنْ عَلِموا الخير أخفَوْه، وإنْ علموا الشر أذاعوه، وإن لم يعلموا كذبوا.
لذلك، نقول عَمَّا ينتج من هذه السعاية من الشر بين الناس: هذا آفة الآخِذ، يعني: الذي سمع الشرَّ ونقله وسعى به، وكان عليه أنْ يحبسه ويُخفِيَه، حتى لا تنتشر هذه الرذيلة بين الخَلْق.
стр. 11730
وقد وشى واشٍ بمهام بن عبد الله السلولي إلى زياد بن أبيه، وكان زياد جباراً فقال للواشي: أأجمع بينك وبينه؟ فلم يجد الواشي بُدَّاً من أنْ يقول: نعم، فكيف ينكر ما قال؟! ولعله قال في نفسه: لعل الله يقضي أمراً يُخرِجني من هذه (الورطة) قبل هذه المواجهة؟ ثم أرسل زياد إلى ابن همام فأُتِي به، وقد جعل زياد الواشي في مجلسه خلف ستار، وأُدخِل همام، فقال له: يا همام بلغني أنك هجوْتني، فقال: كلا، أصلحك الله ما فعلتُ: ولا أنت لذلك بأهْل، فكشف زياد الستار وقال: هذا الرجل أخبرني أنك هجوتني، فنظر ابن همام، فإذا هو صديق له يجالسه، فقال له:
أنتَ امْرؤٌ إمّا ائتمنْتكَ خَالِياً ... فَخُنْتَ وَإِمّا قُلْتَ قَوْلاً بِلاَ عِلْمِ
فَأُبْتَ مِنَ الأَمْرِ الذي كَانَ بينَنَا ... بمنزلةٍ بيْنَ الخِيَانَةِ والإثْمِ
يعني: أنت مذموم في كل الأحوال؛ لأنك إما خُنْتَ أمانة المجلس والحديث ولم تحفظ سِراً فضفضْتُ لك به، وإمَّا اختلقْتَ هذا القوْل كذباً وبلا علم.
وعندها خلع زياد على همام الخُلَع، لكنه لم يعاقب الواشي، وفي هذا إشارة إلى ارتياحهم لمن ينقل إليهم، وأن آذانهم قد أخذتْ على ذلك وتعوَّدَتْ عليه.
следующие страницы →