← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 13406–13445 · переход к 13411.

стр. 13406

فلما دخل عليه الصحابي الجليل عدي بن حاتم قام عن كرامة مجلسه له، يعني: إن كانْ جالساً على (وسادة مثلاً) يقوم عنها، ويعطيها لصاحبه ليجلس هو عليها. وهكذا يحرص رسول الله ﷺ َ على المساواة في المجلس؛ لذلك قال عدي بن حاتم لرسول الله ﷺ َ: أشهد أنك لا تريد عُلُواً في الأرض، وأشهد ألا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأسلم. وعجيب ما نراه مثلاً في مساجدنا، وهي بيوت الله وأَوْلَى الأماكن بهذه المساواة، فتراهم إذا دخل أحد أصحاب النفوذ يفرشون له مُصلّى ليصلي عليها، مع أن المسجد مفروش، وعلى أعلى مستوى من النظافة، فلماذا هذا التمييز؟ ومع ذلك نجد منهم مَنْ يزيح هذه المصلَّى جانباً، ويصلي كما يصلي بقية الناس، وأظن أن الذي يقبل أنْ تُوضع له هذه المصلى أظنه يبتغي علواً في الأرض. والحق سبحانه يريد للإنسان أن يعيش سوىَّ الحركة في أسوياء لتظل القلوب متآلفة، لا يداخلها ضغن، وإذا خلَتْ القلوب من الضِّغن وَسِع الناسَ جميعاً رغيفُ عيشٍ واحد. ثم يقول سبحانه: ﴿والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] أي: العاقبة الخيِّرة، والعاقبة الحسنة في النعيم المقيم الدائم للمتقين. ثم يقول الحق سبحانه:

стр. 13407

﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ ... ﴾ .

стр. 13408

قلنا: إن كلمة (خيرٍ) تُطلق ويُراد بها ما يقابل الشر، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] . وتُطلق ويُراد بها الأحسن في الخير، تقول: هذا خير من هذا، فكلاهما فيه خير، ومنه قول رسول الله ﷺ َ: «المؤمن القوي خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خير» فهي بمعنى التفضيل، أي: أخير منها، ومن ذلك قول الشاعر: زَيْدٌ خِيارُ النَّاسِ ... وابْنُ الأَخْيرِ فجاء بصيغة التفضيل على الأصل، وتقول: هذا حَسَن، وذلك أحسن. فالمعنى هنا: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ... ﴾ [القصص: ٨٤] أي: خير يجيئه من طريقها، أو إذا عمل خيراً أعطاه الله أخير منه وأحسَن، والمراد أن الحسنة بعشر أمثالها. والحق سبحانه يعطينا صورة توضيحية لهذه المسألة، فيقول سبحانه: ﴿مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] .

стр. 13409

فقوله تعالى: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة ... ﴾ [القصص: ٨٤] قضية عقدية، تثبت وتُقرِّر الثواب للمطيع، والعقاب للعاصي، ومعنى ﴿مَن جَآءَ بالحسنة ... ﴾ [القصص: ٨٤] أي: أتى بها حدثاً لم يكُنْ موجوداً، فحين تفعل أنت الحسنة فقد أوجدتَها بما خلق الله فيك من قدرة على الطاعة وطاقة لفعل الخير. أو المعنى: جاء بالحسنة إلى الله أخيراً لينال ثوابها، ولا مانع أن تتجمع له هذه المجيئات كلها ليُقبل بها على الله، فيجازيه بها في الآخرة. لكن، هل ثواب الحسنة مقصور فقط على الآخرة، أم أن الدين بقضاياه جاء لسعادة الدنيا وسعادة الآخرة؟ فما دام الدين لسعادة الدارين فللحسنة أثر أيضاً في الدنيا، لكن مجموعها يكون لك في الآخرة. وهذه الآية جاءت بعد الحديث عن قارون، وبعد أن نصحه قومه، وجاء في نصحهم: ﴿وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ... ﴾ [القصص: ٧٧] إذن: فطلبهم أن يُحسن كما أحسن الله إليه جاء في مجال ذكر الحسنة، والحسنة أهي الشيء الذي يستطيبه الإنسان؟ لا، لأن الإنسان قد يستطيب الشيء ثم يجلب عليه المضرة، وقد يكره الشيء ولا يستطيبه، ويأتي له بالنفع. فمن إذن الذي يحدد الحسنة والسيئة؟ ما دام الناس مختلفين في هذه المسألة، فلا يحددها إلا الله تعالى، الذي خلق الناس، ويعلم ما يُصلحهم، وهو سبحانه الذي يعلم خصائص الأشياء، ويعلم ما يترتب عليها من آثار، أما الإنسان فقد خلقه الله صالحاً للخير، وصالحاً للشر، يعمل الحسن، ويعمل القبيح، وربما اختلطت عليه المسائل.

стр. 13410

لذلك يقولون في تعريف الحسنة: هي ما حسَّنه الشرع، لا ما حسَّنْتها أنت، فنحن مثلاً نستسيغ بعض الأطعمة، ونجد فيها متعة ولذة، مع أنها مُضرة، في حين نأنف مثلاً من أكل الطعام المسلوق، مع أنه أفيد وأنفع؛ لذلك يقول تعالى في صفة الطعام: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً ... ﴾ [النساء: ٤] لأن الطعام قد يكون هنيئاً تجد له متعة، لكنه غير مريء ويُسبِّب لك المتاعب بعد ذلك. الحق سبحانه يقول هنا: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ... ﴾ [القصص: ٨٤] فالحسنة خير، لكن، الثواب عليها خيرٌ منها أي: أخير؛ لأنه عطاء دائم باقٍ لا ينقطع، أو خير يأتيك بسببها. كما يقول أصحاب الألغاز واللعب بالكلمات: محمد خير من ربه، والمعنى: خير يصلنا من الله، ولا داعي لمثل هذه الألغاز طالما تحتمل معنى غير مقبول. ثم يقول سبحانه: ﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة ... ﴾ [القصص: ٨٤] لم يقُل الحق سبحانه: فله أشر منها، قياساً على الحسنة فنضاعف السيئة كما ضاعفنا الحسنة، وهذه المسألة مظهر من مظاهر رحمة الله بخَلْقه، هذه الرحمة التي تتعدَّى حتى إلى العُصَاة من خَلْقه. لذلك قال ﴿فَلاَ يُجْزَى الذين عَمِلُواْ السيئات إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [القصص: ٨٤] أي: على قَدْرها دون زيادة. واقرأ إنْ شئتَ قوله تعالى في سورة (عم) : ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً وَكَأْساً دِهَاقاً لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً جَزَآءً مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَاباً﴾ [النبأ: ٣١ - ٣٦] .

стр. 13411

فحسباناً هنا لا تعني أن الجزاء بحساب على قدر العمل، إنما تعني كافيهم في كل ناحية من نواحي الخير، ومنه قولنا: حسبي الله يعني: كافيني. وفي المقابل يقول سبحانه في السيئة: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾ [النبأ: ٢٦] أي: على قدرها موافقاً لها. إذن: فربنا يعاملنا بالفضل لا بالعدل؛ ليغري الناس بفعل الحسنة، وأنت حين تفعل الحسنة فأنت واحد تُقدِّم حسنتك إلى كل الناس، وفي المقابل يعود عليك أثر حسنات الجماهير كلها، فينالك من كل واحد منهم حسنة، وكأنه (أوكازيون) حسنات يعود عليك أنت. ثم يقول الحق سبحانه لنبيه: ﴿إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ ... ﴾ .

стр. 13412

معنى فرض: ألزم وأوجب وحتَّم. وأصل الفَرْض الحزّ والقطع، كما تقطع شيئاً بالسكين مثلاً تُسمّى فرضاً؛ لأنها خرجتْ عن طبيعة تكوينها، كذلك القرآن يُخرج النفس عن طبيعة مُشْتهاها، ويقطع عليها مشيئتها، ويردّها إلى مشيئة الله؛ لذلك يقول سبحانه في أول سورة النور: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا ... ﴾ [النور: ١] . يعني: حتَّمناها وألزمنا بها، والإلزام يعني ردّ النفس إلى ما يريده خالقها منها، بصرْف النظر عما تشتهيه هي، فقد يأمرها بما تكره، وينهاها عما تحب. إذن: يقطع سيال النفس؛ لأنها عادة

стр. 13413

ما تكون أمَّارة بالسوء، تنظر إلى العاجل، ولا تهتم بالآجل ولا تعمل له حساباً. فالقرآن منهج الله بافعل ولا تفعل، هو الذي يكبح جماح النفس، ويُحدِّد لها مجال مشيئتها؛ لأن الخالق خلق النفس، وجعل مشيئتها صالحة لعمل الخير، ولعمل الشر. وسبق أن تكلمنا عن الفرق بين عباد وعبيد وقلنا: إن الخَلْق جميعاً عبيد الله، المؤمن منهم والكافر، وإنْ تأبَّى الكافر على الله في الإيمان، فهو مقهور له تعالى في مسائل أخرى، كالمرض والموت وغيره، ثم أعطانا الله تعالى مجالاً للاختيار، ليثيب من يُثيب بحق، يُعذِّب بحق. والعاقل حينما يرى أنه مقهور لله في قدريات لا يستطيع منها فكاكاً، وليس له فيها تصرف، فيتنازل عن مراده، وعن اختياره لمراد ربه واختيار ربه، ويرضى أنْ يكون مُسيَّراً في كل شيء، وهنا يتحولون من عبيد إلى عباد. فالعباد إذن هم الذين يخرجون عن اختياراتهم الممنوحة لهم من الله إلى مراد الله في الحكم، وبهذا المنطق يكون الجميع في الآخرة عباداً؛ لأنه لا اختيار لهم، ويستوي في ذلك المؤمن والكافر، يوم يقول سبحانه: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦] . وسُمِّي إنزال القرآن فَرْضاً لما في القرآن من تكاليف، وهي عادةً ما تكون شاقة على النفس، أَلاَ ترى قوله تعالى عن الصلاة، وهي أم العبادات: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين﴾ [البقرة: ٤٥] . فلا يعرف منزلتها ومكانتها إلا خاشع؛ لذلك كان النبي ﷺ َ يقول

стр. 13414

لبلال: «أرحنا بها يا بلال» ويقول: «وجُعِلَتْ قرة عيني في الصلاة» ؛ لأنه أحبها وعشقها، حتى صارت قُرَّة عينه، ومُنْتهى راحته. إذن: أول ما يفرض التكليف لا بُدَّ أن يكون شاقاً؛ لذلك يحتاج إلى صلاة إيمان وجَلَد يقين، بحيث تثق في أن العمل الشاق عليك الآن سيجلب لك الخير والسعادة الباقية الدائمة في الآخرة. ويقول تعالى عن القتال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ... .﴾ [البقرة: ٢١٦] فلا شكَّ أنه مكروه للنفس، لكن إن استحضرت الجزاء، وعرفتَ أنه: إما النصر، وإما الشهادة، فإنه يحلو لك حتى تعشقه، وتبادر أنت إليه، كالصحابي في بدر بعد أن سمع ما للشهيد من الأجر وكان في فمه تمرة يمضغها فقال: «أليس بيني وبين الجنة إلا أنْ أقاتل فأُقتل» ؟ ثم ألقى التمرة وأسرع إلى ساحة القتال. لذلك الحق سبحانه يُضخم الجزاءات في نفس المؤمن؛ ليقبل على العمل بحب وشهوة. ومن هنا يقول بعض العارفين الذين عشقوا الخير حتى أصبح شهوةَ نفْس عندهم: أخشى ألاَّ يُثيبني الله على الطاعة، لماذا؟ يقول: لأنني أصحبتُ أشتهيها، أي: كما يشتهي أهل المعصية المعصية.

стр. 13415

وحين يصل الإيمان بصاحبه إلى درجة أنه يعشق الطاعة، فقد أصبح ربانياً يثق فيما عند الله من الجزاء. «وكان النبي ﷺ َ يقوم الليل حتى تورمَتْ قدماه، فلما سألتْه السيدة عائشة: ألم يغفر لك ربك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال:» أفلا أكون عبداً شكوراً «؟» ومعنى: ﴿لَرَآدُّكَ إلى مَعَادٍ ... ﴾ [القصص: ٨٥] يعني: يجازيك أفضل الجزاء، ونزلتْ هذه الآية لما اضطهد أهلُ مكة رسولَ الله وآذوْه، حتى اضطروه للذهاب إلى الطائف ليبحث فيها عن نصير، لكنهم لم يكونوا أقلَّ قسوة من أهل مكة، فعزَّ على رسول الله النصير فيها، وعاد منكسراً حزيناً لم يجد مَنْ يدخل في جواره، إلى أن أجاره مطعم بن عدي. وتأمل حين يكون رسول الله بجلالة قدره لا يجد مَنْ يناصره، أو يُدخله في جواره، أما الصحابة فلم تكُنْ لهم شوكة بعد، ولا قوة لحماية رسول الله، وفي هذه الفترة لاقوا المشاق في سبيل الدعوة، فحاصرهم الكفار في شِعْب أبي طالب، وفرضوا عليهم المقاطعة التامة حتى عزلوهم عن الناس، ومنعوا عنهم الطعام والشراب، والبيع والشراء، حتى الزواج، وحتى اضطروا إلى أكل المخلَّفات وأوراق الشجر. لذلك أمرهم الله بالهجرة، والهجرة تكون إلى دار أمن، أو إلى دار الإيمان، إلى دار أمن كالهجرة إلى الحبشة حيث قال لهم رسول الله ﷺ َ مُبيِّناً حيثية الهجرة إليها: «إن فيها ملكاً لا يُظلم عنده

стр. 13416

أحد» يعني: النجاشي ملك الحبشة، وفعلاً صدق فيه قول رسول الله، فلما أرسلتْ قريش في إثرهم مَنْ يكلم النجاشي في طلبهم وإعادتهم إلى مكة، رفض أن يسلمهم، وأن يُمكِّن قريشاً منهم، مع أن هدايا قريش كانت عظيمة، والإغراء كان كبيراً. وهذا يدل على عظمة رسول الله، وعلى فكره الواسع، وعلى دراسة الخريطة من حوله، ومعرفة مَنْ يصلح لهجرة صحابته إليه، فاختياره ملك الحبشة لا يأتي إلا إما بإلهام من الله، أو بذكاء كبير، وهو رجل أمي في أمة أمية، ولو لم يذهب وفد قريش في طلب المهاجرين ما ظهر لنا الدليل على صدق مقولة رسول الله. ونتيجة «لا يظلم عنده أحد» فقد شرَّفه الله بالإسلام فأسلم ووكَّله رسول الله في أن يُزوِّجه من السيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت ﵂ من المهاجرين الأوائل إلى الحبشة مع زوجها الذي تنصَّر هناك، وبقيتْ هي على دينها وتمسكتْ بعقيدتها. وفي هذا دليل أولاً: على مدى ما كان يلاقيه المؤمنون من إيذاء الكافرين، ثانياً: دليل على الطاعة الواعية للزوج، فقد آثرت الخروج مع زوجها لا عِشْقاً له، ولا هياماً به، إنما فراراً معه بدينها؛ لذلك لما تنصَّر لم تتردد في تركه؛ لذلك طلبها رسول الله لنفسه، ثم لما مات النجاشي صلى عليه رسول الله وترحَّم عليه. هذه هي هجرة الإيمان إلى دار الأمن.

стр. 13417

ثم كانت الهجرة بعد ذلك إلى دار الإيمان، إلى المدينة، بعد بيعة العقبة الأولى والثانية، وبعد أن وجد رسول الله أنصاراً يتحملون معه أعباء الدعوة، وقد ضرب الأنصار في المدينة أروع مَثَل في التضحية التي ليس لها مثيل في تاريخ البشرية. ذلك أن الرجل أغير ما يكون على زوجته، فلا يضِنّ على غيره بما يملك، فتعطيني سيارتك أركبها، أو بيتك أسكن فيه، أو ثوبك ألبسه، وأتقمَّش به، أما الزوجة فتظل مصونة لا يجرؤ أحد على النظر إليها. لكن كان للأنصار في هذه المسألة نظرة أخرى حين أشركوا إخوانهم المهاجرين في كل شيء حتى في زوجاتهم، فقد راعوا فيهم خروجهم من أهلهم وبلادهم، وراعوا غربتهم وما لهم من إرْبة وحاجة النساء. فكان الواحد منهم يقول لأخيه: انظر إلى زوجاتي، فأيتهنّ أعجبتك أُطلِّقها، وتتزوجها أنت، هذه تضحية لا نجد لها مثيلاً في تاريخ الناس حتى عند الكفرة. ثم أُمِر رسول الله ﷺ َ بالهجرة إلى المدينة، فخرج خُفْية في حين خرج عمر مثلاً جهراً وعلانية، حتى إنه وقف ينادي في أهل مكة بأعلى صوته يتحدى أهلها عند خروجه: مَنْ أراد أنْ تثكله أمه، أو ييُتم ولده، أو تُرمَّل زوجته فليلْقني خلف هذا الوادي. أما رسول الله فقد خرج خُفْية، وهذه المسألة يقف عندها البعض أو تَخْفي عليه الحكمة منها، فرسول الله ﷺ َ كان دائماً أُسْوة للضعيف، أما القوي فلا يحتاج إلى حماية أحد، ولا عليه إنْ خرج علانية؛ لذلك لا يستحي أحد أن يتخفى كما تخفى رسول الله.

стр. 13418

ثم إنك حين تتأمل: نعم خرج رسول الله خُفْية لكنها خُفْية التحدي، فقد خرج من بين فتيانهم المتربصين به، وعفَّر وجوههم بالتراب، وهو يقول: «شاهت الوجوه» . ومع ذلك لم يمنعه تأييد الله له أنْ يأخذ بأسباب النجاة، فخالف الطريق؛ لأن كفار مكة كانوا يعرفون أن وجهته المدينة لما عقد بيعة العقبة مع الأنصار؛ لذلك ترصدوا له على طريقها، وأرسلوا العيون للبحث عنه، وجعلوا جُعْلاً لمن يأتيهم به ﷺ َ. والمتأمل في حادث الهجرة يجد أنها خطة محكمة تراعي كل جوانب الموقف، كأن الله تعالى يريد أنْ يُعلِّمنا في شخص رسول الله ﷺ َ ألاَّ نهمل الأسباب، وألاَّ نتصادم مع الواقع ما دُمْنا قادرين على ذلك. فلما خرج رسول الله ﷺ َ من مكة وهي بلده، وأحب البلاد إلى قلبه قال: «اللهم إنك أخرجتني من أحب البلاد إليَّ، فأسكنِّي أحب البلاد إليك» . لذلك إنْ كانت مكةُ محبوبةً لرسول الله، فالمدينة محبوبة لله؛ لذلك بعد أن خرج رسول الله من مكة وقارب المدينة حَنَّ قلبه إلى مكة، فطمأنه ربه بهذه الآية: ﴿إِنَّ الذي فَرَضَ عَلَيْكَ القرآن لَرَآدُّكَ إلى مَعَادٍ ... ﴾ [القصص: ٨٥] .

стр. 13419

فالذي فرض عليك مشقة التكاليف، وحمَّلك مشاق الدعوة والإقناع بها، وتنفيذ أحكامها، هو الذي سيردُّك إلى بلدك ردَّ نصر، وردّ فتح، وما أشبهَ ردِّ رسول الله إلى بلده بردِّ موسى ﵇ إلى أمه في قوله تعالى لأم موسى: ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ ... ﴾ [القصص: ٧] ليس رَدَّاً عادياً، إنما ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين﴾ [القصص: ٧] . إذن: سيُردُّ إليك ولدك، لكن سيُرد رسولاً منتصراً. وكما صدق الله في ردِّ موسى يصدق في ردِّ محمد. ومعنى ﴿مَعَادٍ ... ﴾ [القصص: ٨٥] ليس هو الموعد كما يظن البعض، إنما يراد به المكان الذي تعود إليه بعد أن تفارقه، فالمعنى: سنردُّك إلى المكان الذي تحِنُّ إليه، ويتعلق به قلبك. أو نردك إلى (معاد) أي: إلينا، كما قال تعالى: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر: ٧٧] ولا مانع من إرادة المعنيين معاً. ثم يقول سبحانه: ﴿قُل ربي أَعْلَمُ مَن جَآءَ بالهدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [القصص: ٨٥] الحق ﵎ يعلِّم رسوله محمداً ﷺ َ الجدل العفيف، لا الجدل العنيف، يُعلِّمه كيف يردُّ على ما قالوا عن الذي يؤمن به (صبأ فلان) يعني: خرج عن دين آبائه وهم يعتقدون أنه الحق، فكأن الذي يؤمن في نظرهم خرج من الحق إلى الباطل. إذن: فهذه عقول تحتاج إلى سياسة وجدل، كما قال سبحانه: ﴿وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ ... ﴾ [النحل: ١٢٥] ؛ لأن الجدل العنيف يزيد خصمك عناداً ولجاجة، أما الجدل العنيف فيستميل القلوب ويعطفها نحوك؛ لذلك يرد رسول الله بقوله: ﴿قُل ربي أَعْلَمُ مَن جَآءَ بالهدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [القصص: ٨٥] أي: جاء بالهدى من عند الله

стр. 13420

وهو النبي ﷺ َ: ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [القصص: ٨٥] . ثم يعطي الحق ﵎ لنبيه ﷺ َ دليلاً من واقع حياته؛ ليطمئن على أنه مُؤيَّد من ربه، وأنه سبحانه سيفي له بما وعد، ولن يتخلى عنه، وكيف يختاره للرسالة، ثم يتخلى عنه؟

стр. 13421

يعني: إذا كنت تتعجب، أو تستبعد أنْ نردَّك إلى بلدك؛ لأن الكفار يقفون لك بالمرصاد، حتى أصبحت لا تُصدِّق أنْ تعود إليها، فانظر إلى أصل الرسالة معك: هل كنت تفكر أو يتسامى طموحك إلى أنْ تكون رسولاً؟ إنه أمر لم يكُنْ في بالك، ومع ذلك أعطاك الله إياه واختارك له، فالذي أعطاك الرسالة ولم تكُنْ في بالك كيف يحرمك من أمر أنت تحبه وتشتاق إليه؟ إذن: تقوم هذه الآية مقامَ الدليل والبرهان على صِدْق ﴿لَرَآدُّكَ إلى مَعَادٍ ... ﴾ [القصص: ٨٥] وفي موضع آخر يؤكد الحق سبحانه هذا المعنى، فيقول سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ولكن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآء ... ﴾ [الشورى: ٥٢] فالذي أعطاك الرسالة لا يعجز أن يحقق لك ما تريد. وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ... ﴾ [القصص: ٨٦] هذا استثناء يسمونه استثناء منقطعاً. والمعنى: ما كنت ترجو أن يُلْقى إليك الكتاب إنما ألقيناه، وما ألقيناه إليك إلا رحمة لك من ربك.

стр. 13422

وما دام هؤلاء الكفار عاندوك وأخرجوك، فإياك أنْ تلين لهم ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً لِّلْكَافِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦] أي: معيناً لهم مسانداً، وكانوا قد اقترحوا على رسول الله أن يعبد آلهتهم سنة، ويعبدون إلهه سنة، فحذره الله أنْ يُعينهم على ضلالهم، أو يجاريه في باطلهم، لذلك كان النبي ﷺ َ لا يناصر ظالماً أو مجرماً، حتى إن كان من أتباعه. وسبق أن ذكرنا في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَآ أَرَاكَ الله وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ [النساء: ١٠٥] قصة اليهودي زيد بن السمين لما جاءه المسلم طُعْمة بن أبيريق، وأودع عنده دِرْعاً له، وكان هذا الدرع مسروقاً من آخر اسمه قتادة بن النعمانَ، فلما افتقده قتادة بحث عنه حتى وجده في بيت اليهودي، وكان السارق قد وضعه في كيس للدقيق، فدلَّ أثر الدقيق على مكان الدرع فاتهموا اليهودي بالسرقة، ولما عرفوا حقيقة الموقف أشفقوا أن ينتصر اليهودي على المسلم، خاصة وهم حديثو عهد بالإسلام، حريصون على ألاّ تُشوه صورته. لذلك شرحوا لرسول الله هذه المسألة، لعله يجد لها مخرجاً، فأدار رسول الله المسألة في رأسه قبل أنْ يأخذ فيها حُكْماً؛ وعندها نزل الوحي على رسول الله: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق لِتَحْكُمَ

стр. 13423

بَيْنَ الناس ... ﴾ [النساء: ١٠٥] أي: جميع الناس، المؤمن والكافر ﴿بِمَآ أَرَاكَ الله وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ [النساء: ١٠٥] أي: تخاصم من أجلهم ولصالحهم ﴿واستغفر الله إِنَّ الله كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [النساء: ١٠٦] أي: مما خطر ببالك في هذه المسألة. وفي بعض الآيات نجد في ظاهرها قسوة على رسول الله وشدة مثل: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦] . وكل ما يكون في القرآن من هذا القبيل لا يُقصد به سيدنا رسول الله ﷺ َ، إنما الحق سبحانه يريد أن يعطي للأمة نموذجاً يلفت أنظارهم، وكأنه تعالى يقول لنا: انتبهوا فإذا كان الخطاب لرسول الله بهذه الطريقة، فكيف يكون الخطاب لكم؟ كأن يكون عندك خادم يعبث بالأشياء حوله، فتُوجِّه الكلام أنت إلى ولدك: والله لو عبثتَ بشيء لأفعلنَّ بك كذا وكذا، فتوجِّه الزجر إلى الولد، وأنت تقصد الخادم، على حَدِّ المثل القائل (إياك أعني واسمعي يا جارة) . لذلك يقول بعض العارفين: مَا كان في القُرآن مِنْ نِذَارةٍ ... إلى النبيِّ صَاحبِ البشَارةِ فكُنْ لَبيباً وافْهَم الإشَارةَ ... إيّاك أعني واسْمعِي يَا جَارة يعني: اسمعوا يا أمة محمد، كيف أخاطبه، وأُوجِّه إليه النذارة، مع أنه البشير.

стр. 13424

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ الله بَعْدَ ... ﴾ .

стр. 13425

قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ ... ﴾ [القصص: ٨٧] أي: لا يصرفنك ولا يمنعنَّك المشركون ﴿عَنْ آيَاتِ الله ... ﴾ [القصص: ٨٧] أي: قراءتها وتبليغها للناس، وقوله: ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [القصص: ٨٧] هذا أيضاً داخل في (إياك أعني واسمعي يا جارة) لأن رسول الله أبعد ما يكون عن الشرك، وليس مظنة له.

стр. 13426

قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ ... ﴾ [القصص: ٨٨] كسابقتها؛ لأن رسول الله ﷺ َ ليس مظنة أن يدعو مع الله إلهاً آخر ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ ... ﴾ [القصص: ٨٨] أي: لا معبودَ بحق إلا هو. ولو كان معه آلهة أخرى لواجهوه: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٤٢] أي: سَعَوْا إليه لينازعوه الألوهية، أو ليتقرَّبوا إليه. ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ... ﴾ [القصص: ٨٨] الوجه في عُرْفنا ما به المواجهة في الإنسان، وكل شيء يصف به الحق سبحانه نفسه علينا أنْ نصفه سبحانه به، بناءً على وصفه في إطار قوله سبحانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ... ﴾ [الشورى: ١١] .

стр. 13427

فالحق سبحانه له وجه، لكن ليس ككل الوجوه، وهكذا في كل الصفات التي يشترك فيها الحق سبحانه مع الخَلْق، وأنت آمنتَ بوجود الله، وأن وجوده ذاتي، ليس كوجودك أنت. وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ ... ﴾ [القصص: ٨٨] كلمة شيء يقولون: إنها جنس الأجناس يعني: أي موجود طرأ عليه الوجود يسمى (شيء) مهما كان تافهاً ضئيلاً. وقد تكلم العلماء في أيطلق على الله تعالى أنه شيء لأنه موجود؟ قالوا: ننظر في أصل الكلمة (شيء) من شاء شيئاً، فالشيء شاءه غيره، فأوجده؛ لذلك لا يقال لله تعالى شيء؛ لأنه سبحانه ما شاءه أحد، بل هو سبحانه موجود بذاته. وفي آية أخرى يقول تعالى في عمومية الشيء: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ... .﴾ [الإسراء: ٤٤] يعني: كل ما يُقال له شيء موجود سبق وجوده عدم، إلا يسبح بحمد الله، البعض قال: هو تسبيح دلالة على موجدها، وليس تسبيح مقالة حقيقية، لكن قوله سبحانه ﴿ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ... ﴾ [الإسراء: ٤٤] يدل على أنه تسبيح حقيقي، فكل شيء يُسبِّح بلغته وبما يناسبه. وقد أثبت الله تعالى منطقاً للطير وتسبيحاً للجبال، ولو فهمتَ لغة هذه الأشياء لأمكنك أنْ تعرف تسبيحها، لكن كيف نطمع في معرفة لغات الحجر والشجر، ونحن لا نفهم لغات بعضنا، فإذا لم تكن تعرف مثلاً الإنجليزية، أتعرف ماذا يقول المتحدث بها لو سبّح بها الله وهو بشر مثلك يتكلَّم بنفس طريقتك وبنفس الأصوات؟ لذلك يقولون في معجزاته ﷺ َ: سبَّح الحصى في يده، والصواب أن نقول: سمع رسول الله تسبيح الحصى في يده، وإلاَّ فالحصى

стр. 13428

يُسبِّح في يد رسول الله، ويُسبِّح في يد أبي جهل. ومن ذلك أيضاً حنين الجذع لرسول الله ﷺ َ. ثم ألم يقل الحق سبحانه: ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل ... ﴾ [النحل: ٦٨] . ألم يَقُلْ عن الأرض: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] ؟ ألم يُثبت للنملة كلاماً؟ ألم يكلم الهدهد سليمان ﵇، وفهم منه سليمان؟ إذن: لكل جنس من المخلوقات لغته التي يفهمها أفراده عن بعض ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ... ﴾ [النور: ٤١] وإنْ شاء الله أطلع بعض خَلْقه على هذه اللغات، وأفهمه إياها. ومعنى: ﴿هَالِكٌ ... ﴾ [القصص: ٨٨] البعض يظن أن الهلاك خاصٌّ بما فيه روح كالإنسان والحيوان، لكن لو وقفنا عند قوله تعالى: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ... ﴾ [الأنفال: ٤٢] . إذن: فالهلاك يقابله الحياة، فكل شيء يهلك كانت له حياة تناسبه، وإنْ كنا لا نفهم إلا حياتنا نحن، والتي تذهب بخروج الروح. ومعنى: ﴿إِلاَّ وَجْهَهُ ... ﴾ [القصص: ٨٨] أي: إلا ذاته تعالى، ولم يقُلْ: إلا هو؛ لأنه تعالى ليس شيئاً، وللوجه هنا معنى آخر، كما نقول: فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجه الله يعني: فعلت والله في بالي، فالمعنى: كل شيء هالك، إلا ما كان لوجه الله، فلا يهلك أبداً؛ لأنه يبقى لك وتنال خيره في الدنيا وثوابه في الآخرة. ثم يقول سبحانه: ﴿لَهُ الحكم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] أي: له الحكم في الآخرة يوم يقول: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم ... ﴾ [غافر: ١٦] لكن

стр. 13429

لماذا خصَّ الملك يوم القيامة، وهو سبحانه له الملْك الدائم في الدنيا وفي الآخرة؟ قالوا: لأن هناك مُلْكاً في الدنيا، يُملِّكه لخَلْقه، كما قال سبحانه في النمرود: ﴿أَنْ آتَاهُ الله الملك ... ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وقال سبحانه: ﴿تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ ... ﴾ [آل عمران: ٢٦] . إذن: فالملْك مُلْك الله، وهو سبحانه الذي يُملِّك خَلْقه في الدنيا دنيا الأسباب، لكن في الآخرة تُنزع الملكية من أيِّ أحد إلا لله وحده. حتى إرادة الإنسان على جوارحه تُسلَب منه، فتشهد عليه بما كان منه في الدنيا. وإنْ أردتَ أن تعرف الآن صِدْق هذه المسألة فانظر إلى الأمور القدرية التي تجري عليك، كالمرَض وكالموت وغيرها، هل تستطيع أن تتأبى عليها؟ ثم يقول سبحانه: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] أي: للحساب في الآخرة؛ لأن الله تعالى لم يخلقنا عَبثاً، ولن يتركنا هملاً، بل لا بد من الرجوع إليه ليحاسب كلاً منكم على ما قدَّم، وما دُمْتم قد عرفتم ذلك، فعليكم أن تحترموا المرجع إلى الله، وتنظروا ماذا طلب منكم. والمتتبع لهذا الفعل في القرآن يجد أنه جاء مرة مبنياً للمجهول (تُرجعون) وهو للكافر الذي تأبَّى على الله، فنقول له: ستُرجع إلى الله، وتٌقذف في النار غَصباً عنك، ورَغْماً عن أنفك، فإنْ تأبَّيْتَ على الله في الدنيا، فلن تتأبَّى عليه في الآخرة، ويأتي مبنياً للمعلوم (ترجعون) وهو للمؤمن الذي يشتاق لثواب الآخرة فيتهافت بنفسه ويُقبل عليه.

стр. 13430

سبق أنْ تكلمنا كثيراً عن الحروف المقطعة في بدايات سور القرآن، كلما تكررت هذه الظاهرة نتكلم عن مجالات الأذهان في فهمها، وما دام الحق سبحانه يُكررها فعلينا أيضاً أن نُكرِّر الحديث عنها، ولماذا ينثر الله هذه الظاهرة في سور القرآن؟ لتظل دائماً على البال.

стр. 13431

وقلنا: إن القرآن الكريم مبنيٌّ في كل آياته وسوره على الوَصْل، لا على الوقف، اقرأ: ﴿ ﷺ َ - gt;مُدْهَآمَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤ - ٦٧] . فلم يقل ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٦٥] ويقف، إنما وصل: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٦] لأن القرآن موصول، لا فصلَ أبداً بين آياته؛ لذلك ليس في القرآن من وقف واجب، إنما لك أن تقف لضيق النفَس، لكن حينما تعيد تعيد بالوصل. وكذلك القرآن مبنيٌّ على الوَصْل في السور، فحين تنتهي سورة لا تنتهي على سكون، فلم يَقُلْ وإليه ترجعونْ بسكون النون، إنما (تُرْجَعُونَ بسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحيم) ليبدأ سورة أخرى موصولة. فهذه إذن سمة عامة في آيات القرآن وسُوره إلا في الحروف المقطَّعة في أوائل السور، فهي مبنية على الوقف ألفْ لامْ ميمْ هكذا بالسكون ولم يقل: ألفٌ لامٌ ميمٌ على الوَصْل، لماذا؟ لأنها حروف مُقطَّعة، قد يظنها البعض كلمة واحدة، ففصَل بينها بالوقف. لذلك يقول ﷺ َ: «لا أقول الم حرف. ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» وليؤكد هذا المعنى جعلها على الوقف، كل حرف على حدة.

стр. 13432

وتكلمنا على هذه الحروف وقلنا: إنها خامات القرآن، فمن مثل هذه الحروف يُنسج كلام الله، وقلنا: إنك إنْ أردتَ أن تُميِّز مهارة النسْج عند بعض العمال مثلاً لا تعطي أحدهم قطناً، والآخر صوفاً، والآخر حريراً مثلاً؛ لأنك لا تستطيع التمييز بينهم، لأن الخامات مختلفة، فالحرير بطبيعته سيكون أنعم وأرقَّ. فإنْ أردتَ معرفة المهارة فوحِّد المادة الخام عند الجميع. فكأن الحق ﵎ يقول لنا: إن القرآن مُعْجز، بدليل أنكم تملكون نفس حروفه، ومع ذلك عجزتُمْ عن معارضته، فقد استخدم القرآن نفس حروفكم، ونفس كلماتكم وألفاظكم، وجاء بها في صورة بليغة، عَزَّ عليكم الإتيان بمثلها. إذن: اختلف أسلوب القرآن، لأن الله تعالى هو الذي يتكلم. فمعنى (ألم) هذه نفس حروفكم فأتوا بمثلها. أو: (ألم) تحمل معنى من المعاني؛ لأن ألف لام ميم أسماء حروف، وأسماء الحروف لا يعرفها إلا المتعلم، فالأُميُّ يقول (كتب) لكن لا يعرف أسماء حروفها، وتقول للولد الصغير في المدرسة: تهجَّ كتب فيقول لك (كاف فتحة كَ) و (تاء فتحة تَ) و (باء فتحة بَ) . إذن: لا يعرف أسماء الحروف إلا المتعلم، وسيدنا رسول الله ﷺ َ كان أمياً، فمن أين نطق بأسماء الحروف الم، طه، يس، ق. . . إلخ. إذن: لا بُدَّ أن ربه علّمه ولقّنه هذه الحروف، ومن هنا جاءت أهمية التلقين والتلقيّ في تعلُّم القرآن، وإلا فكيف يُفرِّق المتعلم بين (الم) هنا وبين ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] فينطق الأولى

стр. 13433

على الوقْف، والأخرى على الوَصْل، ينطق الأولى بأسماء الحروف، والثانية بمُسمَّياتها؟ وتحمل (الم) أيضاً معنى التنبيه للسامع، فالقرآن نزل بأسلوب العرب ولغتهم، فلا بُدَّ أن تتوفر له خصائص العربية والعربية الراقية، فلو قرأنا مثلاً في الشعر الجاهلي نجد عمرو بن كلثوم يقول: أَلاَ هُبِّي بصَحْنِك فَاصْبِحينَا ... ولاَ تُبقِي خمور الأندرينا نسأل: ماذا أفادت (أَلاَ) هنا، والمعنى يصح بدونها؟ (ألا) لها معنى عند العربي؛ لأنها تنبهه إنْ كان غافلاً حتى لا يفوته شيء من كلام مُحدِّثه، حينما يُفَاجأ به، كما تنادي أنت الآن مَنْ لا تعرفه فتقول: (اسمع يا) كأنك تقول له: تنبه لأنني سأكلمك. والتنبيه جاء في اللغة من أن المتكلم يتكلَّم برغبته في أي وقت، أما السامع فقد يكون غافلاً غير مُنتبه، أو ليس عند استعداد لأنْ يسمعَ، فيحتاج لمن يُنبِّهه ليفهم ما يُقال له، إنما لو فاجأتَه بالمراد، فربما فاته منه شيء قبل أنْ يتنبه لك. وكذلك في (الم) حروف للتنبيه، على أنه سيأتي كلام نفيس اسمعه جيداً، إياك أنْ يضيع منك حرف واحد منه. كما يصح أنْ يكون لهذه الحروف معانٍ أخرى، يفهمها غيرنا ممَّنْ فتح الله عليهم. فهي - إذن - معين لا ينضب، يأخذ منه كُلٌّ على قَدْره.

стр. 13434

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿أَحَسِبَ الناس أَن ... ﴾ .

стр. 13435

الفعل (حسِب) بالكسر في الماضي، وبالفتح في المضارع (يحسَب) يعني: ظن. أما (حسَب) والمضارع (يحسِب) بالكسر أي: عَدَّ. فالمعنى: ﴿أَحَسِبَ الناس ... ﴾ [العنكبوت: ٢] أي: ظنوا. والهمزة للاستفهام، وهي تفيد نفي هذه الظن وإنكاره، لأنهم حَسِبوا وظنوا أنْ يتركهم الله دون فتنة وتمحيص واختبار. والحق سبحانه يريد أن يحمل أولوا العزم رسالة الإسلام؛ لأن الإسلام لا يتصدَّى لحمل دعوته إلا أقوياءُ الإيمان الذين يقدرون على حمل مشاق الدعوة وأمانة تبليغها. والإيمان ليس كلمة تُقال، إنما مسئولية كبرى، هذه المسئولية هي التي منعتْ كفار مكة أنْ يؤمنوا؛ لأنهم يعلمون أن كلمة لا إله إلا الله ليست مجرد كلمة وإلا لَقَالوها، إنما هي منهج حياة له متطلبات. إنها تعني: لا مُطَاعَ إلا الله، ولا معبود بحقٍّ إلا الله، وهم لا يريدون

стр. 13436

هذه المسألة لتظل لهم مكانتهم وسلطتهم الزمنية. لذلك يقول سبحانه هنا: ﴿أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا أَن يقولوا آمَنَّا ... ﴾ [العنكبوت: ٢] فالإيمان ليس قَوْلاً فحسب؛ لأن القول قد يكون صِدْقاً، وقد يكون كذباً، فلا بُدَّ بعد القول من الاختبار وتمحيص الإيمان ﴿وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] فإنْ صبر على الابتلاءات وعلى المحن فهو صادق الإيمان. ويؤكد سبحانه هذا المعنى في آية أخرى: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأن بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلب على وَجْهِهِ خَسِرَ الدنيا والأخرة ... ﴾ [الحج: ١١] . وقد محَّص الله السابقين الأولين من المؤمنين بآيات وخوارق تخالف الناموس الكوني، فكان المؤمن يُصدِّق بها، ويؤمن بصِدْق الرسول الذي جاء بها، أما المتردد المتحيِّر فيُكذِّب بها، ويراها غير معقولة. «ومن ذلك ما كان من الصِّدِّيق أبي بكر في حادثة الإسراء والمعراج، فلمَّا حدَّثوه بما قال رسول الله ﷺ َ قال:» إنْ كان قال فقد صدق «في حين ارتد البعض وكذَّبوا، وكأن الحق ﵎ يريد من هذه الخوارق، التي يقف أمامها العقل - أنْ يُميِّز

стр. 13437

بين الناس ليحمل أمر الدعوة أشداءُ الإيمان والعقيدة، ومَنْ لديهم يقين بصِدْق الرسول في البلاغ عن ربه. وسبق أنْ بيّنا غباء مَنْ كَذَّب بحادثة الإسراء والمعراج من كفار مكة الذين قالوا لرسول الله: أتدَّعي أنك أتيت بيت المقدس في ليلة ونحن نضرب إليها أكباد الإبل شهراً؟ وأنهم غفلوا أو تغافلوا عن نص الآية: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ ... ﴾ [الإسراء: ١] فلم يقل محمد: إني سريت بنفسي إنما أُسْري بي. وقلنا للرد عليهم: لو جاءك رجل يقول لك: لقد صعدتُ بولدي الرضيع قمة إفرست مثلاً، أتقول له: كيف يصعد الرضيع قمة إفرست؟ وسبق أنْ تكلَّمنا في قضية ينبغي أن تظل في أذهانكم جميعاً، وهي أن كل فعل يأخذ نصيبه من الزمن على قَدْر قوة فاعله، فالوزن الذي ينقله الطفل الصغير في عدة مرات تحمله أنت في يد واحدة. فالزمن يتناسب مع القوة تناسباً عكسياً فكلما زادت القوة قلَّ الزمن، فالذي يذهب مثلاً إلى الأسكندرية على حمار غير الذي يذهب في سيارة أو على مَتْن طائرة. وهكذا. إذن: قِسْ على قدر قوة الفاعل، فإنْ كان الإسراء بقوة الله تعالى، وهي قوة القوى فلا زمن، وهذه مسألة يقف عندها العقل، ولا يقبلها إلا بالإيمان. إذن: فالحق سبحانه يُمحِّصكم ويبتليكم؛ لأنه يريدكم لمهمة

стр. 13438

عظيمة، لا يصلح لها إلا الصنديد القوي في إيمانه ويقينه. لذلك يقول سبحانه في أكثر من موضع: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف والجوع وَنَقْصٍ مِّنَ الأموال والأنفس والثمرات وَبَشِّرِ الصابرين﴾ [البقرة: ١٥٥] . وقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] . وقال: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ ... ﴾ [آل عمران: ١٤٢] . فهذه الابتلاءات كالامتحان الذي نُجريه للتلاميذ لنعرف مقدرة كل منهم، والمهمة التي يصلح للقيام بها، ومعلوم أن الابتلاءات لا تُذَمُّ لذاتها، إنما لنتائجها المترتبة عليها، فما جُعِلَتْ الابتلاءات إلا لمعرفة النتائج، وتمييز الأصلح للمهمة التي نُدِب إليها. ومعنى ﴿يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] يُخْتبرون. مأخوذة من فتنة الذهب، حين نصهره في النار؛ لنُخِرج ما فيه من خَبَث، ونُصفِّي معدنه الأصلح، فيما يناسب مهمته. ومن ذلك ما ضربه الله لنا مثلاً للحق وللباطل في قوله تعالى: ﴿أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فاحتمل السيل زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار ابتغآء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال﴾ [الرعد: ١٧] .

стр. 13439

فالفتنة ما كانت إلا لنعرف الصادق من القَوْلة الإيمانية والكاذب فيها: الصادق سيصبر ويتحمل، والكاذب سينكر ويتردد. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ ... ﴾ .

стр. 13440

الحق يُسلِّي السابقين من أمة محمد الذين عُذِّبوا وأوذوا، وضُرِبوا بالسياط تحت حَرِّ الشمس، ووُضِعت الحجارة الثقال على بطونهم، والذين جاعوا حتى أكلوا الميتة وأوراق الشجرة يُسلِّيهم: لَسْتم بدعاً في هذه الابتلاءات فاصمدوا لها كما صمد السابقون من المؤمنين. ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ ... ﴾ [العنكبوت: ٣] فانظر مثلاً إلى ابتلاء بني إسرائيل مع فرعون، إذن فابتلاؤكم أهونِ وأخفّ، وفيه رحمة من الله بكم وأنتم أيسر منهم ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين﴾ [العنكبوت: ٣] . ولك أن تقول: ألم يكُن الله تعالى يعلم حقيقتهم قبل أنْ يبتليهم؟ بلى، يعلم سبحانه حقيقةَ عباده، وليس الهدف من اختبارهم العلم بحقيقتهم، إنما الهدف أنْ يُقر العبد بما عُلِم عنه. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - حينما نقول للمدرس مثلاً: اعْطنا نتيجة هؤلاء التلاميذ، فليس في الوقت سعة للامتحان فيقول من واقع خبرته بهم: هذا ناجح، وهذا راسب، وهذا الأول، وهذا كذا. عندها يقوم الراسب ويقول: لو اختبرتني لكنت ناجحاً، ولو اختبره معلِّمه لرسب فعلاً. إذن: فربنا يختبر

стр. 13441

عباده ليُقر كل منهم بما عُلم عنه. ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين﴾ [العنكبوت: ٣] عِلْم ظهور وإقرار من صاحب الشأن نفسه، بحيث لا يستطيع إنكاراً، حيث سيشهد هو على نفسه حين تشهد عليه جوارحه.

стр. 13442

هنا أيضاً ﴿حَسِبَ ... ﴾ [العنكبوت: ٤] أي: ظن الذين يعملون السيئات ﴿أَن يَسْبِقُونَا ... ﴾ [العنكبوت: ٤] أي: يُفلتوا من عقابنا، تقول: سبق فلان فلاناً يعني: أفلت منه وهو يطارده، فالمعنى أنهم لن يستطيعوا الإفلات من العذاب أو الهرب منه، وإنْ كانوا يعتقدون ذلك أو يظنونه، فبئس هذا الظن. ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤] أي: قَبُح حكمهم وبَطُل، وحين نحكم على ظنهم وعلى حكمهم بالبطلان فإنما نثبت قضيتنا، وهي أنهم لن يُفْلِتوا من عقابنا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ الله فَإِنَّ ... ﴾ .

стр. 13443

معنى ﴿يَرْجُو لِقَآءَ الله ... ﴾ [العنكبوت: ٥] يعني: يؤمن به وينتظره ويعمل من أجله، يؤمن بأن الله الذي خلقه وأعدَّ له هذا الكون ليحيا حياته الطيبة، وأنه سبحانه بعد ذلك سيُعيده ويحاسبه؛ لذلك إنْ لم يعبده ويطعْه شُكْراً له على ما وهب، فليعبده خوفاً منه أنْ يناله بسوء في الآخرة. وأهل المعرفة يروْنَ فرقاً بين مَنْ يرجو الثواب ويرجو رحمة الله، ومن يرجو لقاء الله لذات اللقاء، لا خوفاً من نار، ولا طمعاً في جنة؛ لذلك تقول رابعة العدوية: كُلُّهم يَعْبدُونَ مِنْ خَوْفِ نَارٍ ... ويروْنَ النجاةَ حَظَّاً جَزِيلاً أَوْ بِأَنْ يَسْكُنُوا الجِنانَ فيحظَوْا ... بقُصُورٍ ويَشْربُوا سَلْسبِيلا لَيْسَ لي بالجنَانِ والنّارِ حَظٌّ ... أنَا لا أبتغي بحِبي بَديلاَ أي: أحبك يا رب، لأنك تُحَبُّ لذاتك، لا خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، وهي أيضاً القائلة: اللهم إنْ كنتَ تعلم أني أحبك طمعاً في جنتك فاحرمني منها، وإنْ كنتَ تعلم أنِّي أعبدك خوفاً من نارك فاحرقني بها. ويقول تعالى في سورة الكهف: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً﴾ [الكهف: ١١٠] ولو كانت الجنة لأن لقاء الله أعظم، وهو الذي يُرْجى لذاته. والحق سبحانه يؤكد هذه المسألة بأكثر من مؤكد: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ ... ﴾ [العنكبوت: ٥] فأكَّده بإن واللام وصيغة اسم الفاعل الدالة

стр. 13444

على تحقُّق الفعل، كما قال سبحانه: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ [القصص: ٨٨] ولم يقل: سيهلك، وقوله سبحانه مخاطباً نبيه محمداً ﷺ َ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] . يخاطبهم بهذه الصيغة وهم ما يزالون أحياءً؛ لأن الميِّت: مَنْ يؤول أمره وإن طال عمره إلى الموت، أما مَنْ مات فعلاً فيُسمَّى (مَيْت) . وأنت حينما تحكم على شيء مستقبل تقول: يأتي أو سيأتي، وتقول لمن تتوعده: سأفعل بك كذا وكذا، فأنت جازفتَ وتكلمتَ بشيء لا تملك عنصراً من عناصره، فلا تضمن مثلاً أنْ تعيش لغد، وإنْ عشتَ لا تضمن أن يعيش هو، وإنْ عاش ربما يتغير فكرك ناحيته، أو فقدتَ القدرة على تنفيذ ما تكلمت به كأنْ يصيبك مرض أو يِلُم بك حدث. لكن حينما يتكلم مَنْ يملك ازمّة الأمور كلها، ويعلم سبحانه أنه لن يفلت أحد منه، فحين يحكم، فليس للزمن اعتبار في فعله، لذلك لم يقل سبحانه: إن أجل الله سيأتي، بل ﴿لآتٍ ... ﴾ [العنكبوت: ٥] على وجه التحقيق. وسبق أنْ ذكرنا في هذا الصدد قوله تعالى عن القيامة: ﴿أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ... ﴾ [النحل: ١] وقد وقف السطحيون أمام هذه الآية يقولون: وهل يستجعل الإنسان إلا ما لم يَأْتِ بَعْد؟ لأنهم لا يفهمون مراد الله، وليست لديهم مَلَكة العربية، فالله تعالى يحكم على المستقبل، وكأنه ماضٍ أي مُحقّق؛ لأنه تعالى لا يمنعه عن مراده مانع، ولا يحول دونه حائل.

стр. 13445

ولفظ الأجل جاء في القرآن في مواضع كثيرة، منها: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] وفي الآية التي معنا: ﴿فَإِنَّ أَجَلَ الله لآتٍ ... ﴾ [العنكبوت: ٥] . والأجلان مختلفان بالنسبة للحضور الحياتي للإنسان، فالأجل الأول يُنهي الحياة الدنيا، والأجل الآخر يُعيد الحياة في الآخرة للقاء الله ، إذن: فالأجلان مرتبطان. والحق حينما يعرض لنا قضية غيبية يُؤنِسنا فيها بشيء حسيٍّ معلوم لنا، حتى يستطيع العقل أن ينفذ من الحَسيِّ إلى الغيبي غير المشاهد. وأنت ترى أن أعمار بني آدم من هذه الحياة تتفاوت: فواحد تغيض به الأرحام، فلا يخرج للحياة، وواحد يتنفس زفيراً واحداً ويموت. . إلخ. وفي كل لحظة من لحظات الزمن نعاين الموت، مَنْ يموت بعد نفَس واحد، ومَنْ يموت بعد المائة عام. إذن: فلا رتابة في انقضاء الأجل، لا في سِنٍّ ولا في سبب: فهذا يموت بالمرض، وهذا بالغرق، وهذا يموت على فراشه. لذلك يقول الشاعر: فَلا تحسَب السُّقْم كأسَ الممات ... وإنْ كانَ سُقْماً شَديد الأَثَر فَرُبَّ عليلٍ تراهُ اسْتفاقَ ... ورُبَّ سَليمٍ تَراَهُ احتُضرْ وقال آخر: وَقَدْ ذَهَب الممتِلي صحةً ... وصَحَّ السَّقِيمُ فَلَمْ يذْهب وتجد السبب الجامع في الوباءات التي تعتري الناس، فيموت
следующие страницы →