← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 13896–13935 · переход к 13901.

стр. 13896

وهكذا ينبغي أن نربط بين الموجود ومَنْ أوجده، فإنْ كان الذي أوجد الواقع رَبٌّ فيجب أنْ نتأمل الحكمة، ولن نتحدث عن الرحمة، لأن النفع ظاهر فيها للجميع، لكن تعال نسأل عن المصيبة التي تُحزِن الناس، فيقنطوا وييأسوا بسببها. ونقول: لو نظرتَ إلى مَنْ أنزلها بك لارتاح بالك، واطمأنتْ نفسك، فالمصيبة تعني الشيء الذي يصيبك، خيراً كان أم شراً، أَلاَ ترى قوله تعالى: ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ... ﴾ [النساء: ٧٩] . فالمصيبة لا تُذَمُّ في ذاتها، إنما بالنتيجة منها، وكلمة أصاب في الحسنة وفي السيئة تدلُّ على أن سهمها أُطلِق عليك، وعمرها مقدار وصولها إليك، فهي لا بُدَّ صائبتك، لن تتخلَّف عنك أبداً، ولن تُخطئك؛ لأن الذي أطلقها إله ورب حكيم، فإنْ كانت حسنة فسوف تأتيك فلا تُتعِب نفسك، ولا تُزاحِم الناس عليها، وإنْ كانت مصيبة فإياك أنْ تقول: أحتاط لها لأدفعها عن نفسي؛ لأنه لا مهربَ لك منها. ثم لماذا تقنط وتيأس إنْ أصابتْك مصيبة؟ لماذا لا تنتظر وتتأمل، لعل لها حكمة، ولعل من ورائها خيراً لا تعلمه الآن، وربما كانت ضائقة سوف يكون لها فرج قريب. ألم تقرأ: ﴿وعسى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وعسى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ... ﴾ [البقرة: ٢١٦] . أتذكرون حادث عمارة الموت وقد طردوا منها البواب وأسرته، وجعلوا منها قضية في المحكمة، وبعد أن انهارتْ العمارة، وتبيَّن للبواب وأسرته أن ما ظنوه شراً ومصيبة كان هو عَيْن الخير.

стр. 13897

إذن: لا تقنط من ضُرٍّ أصابك، واعلم أن الذي أجراه عليك ربك، وأن له حكمة فانتظر حتى تنكشف لك، ولا يقنط إلا مَنْ ليس له ربٌّ يلجأ إليه. ثم تعالَ نناقشك في المصيبة التي قَنَط من أجلها: ألكَ دَخْلٌ فيها؟ أم ليس لك دَخْل؟ إنْ كان لك دَخْل فيها كالتلميذ الذي أهمل دروسه فرسب في الامتحان، فعليك أن تستقبل هذه المصيبة بالرَّضا، فالرسوب يُعدِّل لك خطأك، ويلفتك إلى ما كان منك من إهمال حتى تتدارك الأمر وتجتهد. فإنْ كانت المصيبة لا دَخْلَ لك فيها، كالذي ذاكر واجتهد، ومع ذلك لم يُوفّق لمرض ألمَّ به ليلة الامتحان، أو لعارض عرض له، نقول: إياك أنْ تفصل المصيبة عن مُجريها وفاعلها، بل تأمَّل ما يعقُبها من الخير، ولا تفصل المصيبة عن مُجريها عليك ولا تقنط. وابحث عن حكمة ربك من إنزال هذه المصيبة بك، كالأم التي تقول لابنها: يا بُني أنت دائماً متفوق والناس تحسدك على تفوقك، فلعل رسوبك يصرف عنك حسدهم، ويُنجيك من أعينهم، فيكفوا عنك. وحينما يأتي أبوه يقول له: يا بني هَوِّن عليك، فلعلَّك إنْ نجحت هذا العام لم تحصل على المجموع الذي تريده، وهذه فرصة لتتقوى وتحصل على مجموع أعلى. إذن: لن تُعدم من وراء المصيبة نفعاً، لأن ربك قيوم، لا يريد لك إلا الخير. لذلك حين تستقريء الأحداث تجد أناساً فُضحوا وأُخِذوا بما لم يفعلوا، وذهبوا ضحية شاهد زور، أو قاضٍ حكم عن هوى. . الخ لكن لأن ربك قيوم لا يغفل يُعوِّض هذا المظلوم ويقول له: لقد أصبح

стр. 13898

لك نقطة عندي في حسابك، فأنت اتُّهمْتَ ظلماً، فلك عندي إذا ارتكبتَ جريمة أَنْ أنجيك منها فلا تُعاقَب بها، وأنت يا من عَمَّيْتَ على العدالة، وشهدتَ زوراً، أو: أخذت ما ليس لك، أو أفلتَّ من العقاب فسوف أُوقِعك في جريمة لم تفعلها. إذن: القنوط عند المصيبة لا محلَّ له، ولو ربطتَ المصيبة بمجريها لعلمتَ أنه حكيم، ولا بُدَّ أنْ تكون له حكمة قد تغيب عنك الآن، لكن إذا أدرتَ المسألة في نفسك، فسوف تصل إلى هذه الحكمة. وحين ننظر إلى أسلوب الآية نجد فيه مفارقات عديدة، ففي الكلام عن الرحمة قال ﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا ... ﴾ [الروم: ٣٦] فاستخدم أداة الشرط (إذا) . أما في المصيبة فقال ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] فاستخدم أداة الشرط (إنْ) ، فلماذا عدلَ عن رتابة الأسلوب من إذا إلى إن؟ قالوا: حين تقارن بين النعَم وبين المصائب التي تنزل بالإنسان في دنياه تجد أن النعم كثيرة والمصائب قليلة، فنعم الله متوالية عليك في كل وقت لا تُعدُّ ولا تحصى، أمّا المصائب فربما تُعَدُّ على الأصابع. لذلك استخدم مع النعمَ (إذا) الدالة على التحقيق، ومع المصيبة استخدم (إنْ) الدالة على الشك، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ [النصر: ١] فاستعمل إذا لأنها تدلُّ على التحقيق وتُرجِّح حدوث النصر، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ ... ﴾ [التوبة: ٦] .

стр. 13899

كما نلحظ في أسلوب الآية أنها لم تذكر السبب في إذاقة الرحمة، إنما ذكرت سبب المصيبة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ... ﴾ [الروم: ٣٦] ليدلَّ على عدله تعالى في إنزال المصيبة، وتفضُّله في إذاقة الرحمة؛ لأن الرحمة من الله والنعَم فضل من الله. لكن في المصيبة قال ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ... ﴾ [الروم: ٣٦] فذكر العِلّة حتى لا يظن أحد أن الله تعالى يُجري المصيبة على عبده ظلماً، بل بما قدَّمَتْ يداه، فالمسألة محكومة بالعدل الإلهي. وبين الفضل والعدل بوْن شاسع، فلو جاءك خَصْمان لتحكم بينهما تقول: أحكم بينكما بالعدل، أم بأفضل من العدل؟ يقول: وهل هناك أفضل من العدل؟ إذن: نريد العدل، لكن تنبَّه لأن العدل يعطيك حقك، والفضل يُتِركك حقك. فكأن الحق سبحانه يقول لنا: إياكم أنْ تظنوا أنكم ناجون بأعمالكم، لا إنما بالتفضل عليكم: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] . يعني: مهما جمعتُم من الطاعات فلن تكفيكم، ولا نجاةَ لكم إلا برحمة من الله وفضل. فالحق ﵎ يريد منا أن نعرف أن رحمة الله وسعتْ كل شيء، وأنه مع ما أنعم به عليكم من نِعَم لا تُعَدُّ

стр. 13900

ولا تُحصي لا يُعاقبكم إلا بشيء اقترفتموه يستحق العقاب؛ ذلك لأنه رَبٌّ رحيم حكيم. وما دام الأمر كذلك فانظر إلى آثار رحمة ربك في الكون، وتأمل هذه النعَم، وقفْ عند دِقَّة الأسلوب في قوله سبحانه: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا ... ﴾ [إبراهيم: ٣٤] . فالعَدُّ يقتضي الكثرة و ﴿نِعْمَتَ ... ﴾ [إبراهيم:] مفرد، فكيف نعدُّ يا رب؟ قالوا: نعم هي نعمة واحدة، لكن في طياتها نِعَم فلو فتشتها لوجدتَ عناصر الخيرية فيها لا تُعَد ولا تُحصىَ. لذلك لما تعرضتْ الآيات لِعَدِّ نِعَم الله استخدمتْ (إنْ) الدالة على الشكِّ؛ لأنها لا تقع تحت الحصر ولا العَدِّ، لكن على فرض إنْ حاولت عدَّها فلن تُحصيها، والآن ومع تقدُّم العلوم وتخصُّص كليات بكاملها لدراسة علم الإحصاء، وخرجوا علينا بإحصاءات لأمور ولأشياء كثيرة في حياتنا، لكن لم يتعرض أحد لأنْ يُحصي نعمة الله، لماذا؟ لأن الإقبال على الإحصاء لا يكون إلا مع مظنَّة أنْ تُعدَّ وتستوعب ما تحصيه، فإنْ كان خارج نطاق استيعابك فلن تتعرض لإحصائه كما لم يتعرَّضْ أحد مثلاً لِعَدِّ الرمال في الصحراء؛ لذلك يُشكككم الله في أنْ تعدُّوها ﴿وَإِن تَعُدُّواْ ... ﴾ [إبراهيم: ٣٤] فهو أمر مُستبعد، ولن يكون.

стр. 13901

يبسط: يُوسِّع، ويقدِر: يعني يُضيِّق. يعني: ألم يروا هذه المسألة، فواحد يُوسِّع الله عليه الرزق، وآخر يُضيِّق عليه، وربما صاحب السعة لم يتعب فيها، إنما جاءته من ميراث أو خلافة، وصاحب الضيق يكدّ ويتعب، ومع ذلك فعيشته كفاف، لذلك استقبل الفلاسفة هذه المسألة بما في ضمائرهم من إيمان أو إلحاد، فهذا ابن الراوندي الملحد يقول: كَمْ عَالمٍ أعْيَتْ مَذَاهِبه ... وجَاهلٍ جَاهلٍ تَلْقَاهُ مرْزُوقا هَذَا الذِي تركَ الأوهامَ حَائرةً ... وَصيَّر العَالِم النَّحْرير زِنْدِيقا فردَّ عليه آخر ممن امتلأت قلوبهم بالإيمان: كَمْ عَالمٍ قَدْ باتَ في عُسْرٍ ... وجَاهلٍ جاهلٍ قَدْ باتَ في يُسْر تحيَّر الناسُ في هَذا فقُلْتُ لهم ... هَذا الذي أوجبَ الإيمان بالقدرِ فالعالم لا يسير بحركة ميكانيكية ثابتة، إنما بقيومية الخالق سبحانه عليه، فانظر إلى البسط لمن بسط الله له، والقبض لمن قبض الله عنه، ولا تعزل الفعل عن فاعله سبحانه، وتأمل أن الله تعالى واحد، وأن عباده عنده سواء، ومع ذلك يُوسِّع على أحدهم ويُضيِّق على الآخر. إذن: لا بُدَّ أن في هذه حكمة، وفي تلك حكمة أخرى، ولو تتبعتَ عواقب السعة هنا والتضييق هناك لتراءتْ لك الحكمة.

стр. 13902

ألا ترى صاحب سعة ورزق ونعم كثيرة، ومع ذلك لم يستطع تربية أولاده؛ لأن مظاهر الترف جرفتهم إلى الانحراف، ففشلوا في حياتهم العملية، وفي المقابل نرى الفقير الذي يعيش على الكفاف يتفوق أولاده، ويأخذون أعلى المراتب؟ إذن: ﴿يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ... .﴾ [الروم: ٣٧] وفق حكمة يعلمها . وسبق أن ذكرنا أن في ألمانيا مدرستين فلسفيتين في الإلحاد، إحداهما لواحد اسمه (جيبل) ، والأخرى ل (بختر) أحدهما: ينكر أن يكون للعالم إله، يقول: لو كان للعالم إله حكيم ما خلق الأعمى والأعرج والأعور. . الخ فالحكمة في الخَلْق تقتضي المساواة، فأخذ من الشذوذ في الخَلْق دليلاً على إلحاده. أما الآخر فقال: ليس للكون إله، إنما يسير سَيْراً ميكانيكياً رتيباً، ولو كان فيه إله لكان يخلق الخَلْق على صور مختلفة، وتكون له إرادة مطلقة عن الميكانيكا، فأخذ ثبات النظام دليلاً على إلحاده ليناقض مذهب سابقه. إذن: المسألة عندهم رغبة في الإلحاد بأيِّ شكل، وعلى أية صورة، واستخدام منهج مُعْوج يخدم القضية التي يسعون إلى إثباتها. ونقول في الرد على الأول الذي اتخذ من الشذوذ في الكون دليلاً على عدم وجود إله حكيم: الشذوذ الذي ذكرتَ شذوذ في الأفراد الذين يُعوض بعضهم عن بعض، فواحد أعمى، وآخر أعور يقابلهم ملايين المبصرين، فوجود هذه النسبة الضئيلة لا تفسد القاعدة العامة في الخَلْق، ولا تؤثر على حركة البشر في الكون فالصحيح يعوض غير الصحيح.

стр. 13903

أما النظام الثابت الذي يريده الثاني فعليه أن ينظر إلى الملأ الأعلى، وفي الكون الأعلى من شمس وقمر ونجوم. . الخ فسيرى فيه نظاماً ثابتاً لا يتغير، لأن الشذوذ في هذه المخلوقات يفسد الكون كله؛ لذلك خلقه الله على هيئة الثبات وعدم الشذوذ. إذن: في النظام العام للكون نجد الثبات، وفي الأفراد الذين يغني الواحد منهم عن الآخر نجد الشذوذ والاختلاف، فالثبات يثبت حكمة القدرة، والشذوذ يثبت طلاقة القدرة. فيا مَنْ تريد ثبات النظام دليلاً على الإيمان، فالثبات موجود، ويا مَنْ تريد شذوذ النظام دليلاً على الإيمان، فالشذوذ موجود، فما عليككما إلا أن تتفقا وأن ينفتح كل منكما على الآخر لتصلا إلى الصواب. ومسألة الرزق لها فلسفة في الإسلام، فالحق سبحانه أخبرنا بأنه الرزَّاق، فمرة يرزق بالأسباب، ومرة يرزق بلا أسباب، لكن إياك أنْ تغتر بالأسباب، فقد تقدم الأسباب وتسعى ثم لا يأتيك منها رزق، ويخيب سَعْيك كالفلاح الذي يأخذ بالأسباب حتى يقارب الزرع على الاستواء فتأتيه جائحة فتهلكه، فاحذر أن تغتر بالأسباب، وانظر إلى المسبِّب سبحانه. وقلنا: ينبغي أنْ تتحرى إلى الرزق أسبابه ولا تشغلنّ بعدها بالك بأمره، فقد تكفل به خالقك الذي استدعاك للوجود، وقد عبَّر الشاعر عن هذا المعنى بقوله: تَحَرَّ إلى الرزْقِ أَسْبابَهُ ... ولاَ تشغلنْ بعدَهَا بَالَكا فَإنَّك تجهلُ عنوانه ... ورِزْقُكَ يعرِفُ عُنْوانَكا

стр. 13904

ثم يقول سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٣٧] قال (لِقَوْمٍ يُؤمِنُونَ) لأن مسألة الرزق هذه تحتاج إلى إيمان بحكمة الرازق سبحانه في الإعطاء وفي المنع. ونلحظ على أسلوب الآية قوله تعالى في البسط: ﴿لِمَن يَشَآءُ. .﴾ [الروم: ٣٧] وفي التضييق ﴿وَيَقْدِرُ ... ﴾ [الروم: ٣٧] ولم يقُلْ لمن يشاء؛ لأن البسط في نظرنا شيء محبوب نفرح له ونتمناه فقال ﴿لِمَن يَشَآءُ ... ﴾ [الروم: ٣٧] لنطمئن نحن إلى أننا سندخل في هؤلاء الذين سيُبْسط لهم في الرزق، أما في التقتير فلم يقُلْ (لمنْ) ليظل مبهماً يستبعده كلٌّ مِنّا عن نفسه ثم يقول رب العزة سبحانه: ﴿فَآتِ ذَا القربى حَقَّهُ ... ﴾ .

стр. 13905

حينما نتأمل النسق القرآني هنا نجد أن الله تعالى ذكر أولاً البسْطَ في الرزق، ثم التقتير فيه، ثم أكَّد بعده مباشرة على حَقِّ ذي القُرْبى والمسكين وابن السبيل، وكأنه يلفت أنظارنا أن هذه الحقوق لا تقتصر على مَنْ بسط له الرزق، إنما هي على الجميع حتى مَنْ كان في خصاصه، وضُيِّق عليه رزقه، فلا ينسي هؤلاء. لذلك يذيل الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله وأولئك هُمُ المفلحون﴾ [الروم: ٣٨] والجميع: مَنْ بُسِط له، ومَنْ قُتِر عليه يريدون وجه الله. وبمقارنة هذه الآية بآية الزكاة: ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين

стр. 13906

والعاملين عَلَيْهَا والمؤلفة قُلُوبُهُمْ وَفِي الرقاب والغارمين وَفِي سَبِيلِ الله وابن السبيل فَرِيضَةً مِّنَ الله والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠] . فلم تذكر ذا القربى الذي ذكر هنا، وكأن الآية تشير لنا إلى أمر ينبغي أن نلتفت إليه، وهو أن القريب عيب أن نعطيه من مال الزكاة، وهذه آفة وقع فيها كثير من الأغنياء وحتى المتدينين منهم، فكثيراً ما يسألون: لي ابن عم، أو لي قريب أأعطيه شيئاً من زكاة مالي؟ وكنتُ أقول للسائل: والله، لو علم ابن عمك أنك تعطيه من مال الزكاة ما قبله منك؛ لأن للقريب حقاً، سواء أكنتَ غنياً تملك نصاب الزكاة، أو لم تصل إلى حد النِّصَاب. إذن: لا تربط هؤلاء الثلاثة - القريب والمسكين وابن السبيل - بمسألة الزكاة، فلهم حَقٌّ حتى على الفقير الذي لا يملك نصاباً، وعلى مَنْ ضُيِّقْ عليه رزقه. ومع هذا الحق الذي قرره الشرع للقريب نجد كثيرين يأكلون حقوق الأقارب، ويحتالون لحرمانهم منها، فمثلاً بعض الناس لا ينجب ذكوراً، فيكتب أملاكه للبنات ليحرم عمهم أو أبناء عمومتهم من الميراث، مع أن البنت لها نصف التركة، وإنْ كُنَّ أكثر من واحدة فلهُنَّ الثلثان، ويُوزَّع الثلث على العم أو ابن العم؛ ذلك لأن البنات في هذه الحالة ليس لهن ذَكَر عصبة، فيجعلها الشرع في العم أو ابن العم. والشارع الحكيم يوازن بين الأطراف، فيأخذ منك ويعطيك،

стр. 13907

فلماذا في حالة موت الوالد عن هؤلاء البنات، وليس لهُنَّ ميراث يَعُدْن على العم أو ابن العم بالنفقة ويقاضونه في المحاكم، فلماذا نحرمهم حقوقهم ونطالب نحن بحقوقنا، فهذا نوع من التغفيل. لماذا لا نعطي العم أو ابن العم وهو الذي سيحمي البنات ويسهر على راحتهن، ويقف بجوارهن حال شدتهن؟ إيَّاك - إذن - أنْ تُدخِل الأقارب في الزكاة، أو تربط مساعدتهم بالقدرة؛ لأن لهم عليك حقاً حال رخائك وحال شدتك. ويكفي أن الحق سبحانه خصَّهم بقوله ﴿ذَا القربى ... ﴾ [الروم: ٣٨] ولم يقُلْ: ذا المسكنة، أو ذا السبيل، وكلمة (ذو) بمعنى صاحب، تدل على المصاحبة الدائمة والملازمة، فلا نقول: فلان ذو علم لمن علم قضية أو قضيتين، إنما لمن اتصف بالعلم الوسع وتمكَّن منه، كذلك لا نقول فلان ذو خلق إلا إذا كان الخُلُق صفة ملازمة له لا تنفك عنه. ومن ذلك نقول: ذو القربى يعني ملاصقاً لك لا ينفك عنك، فيجب أنْ تراعي حقَّه عليك، فتجعل له نصيباً، حتى إنْ لم تكُنْ تملك نصاباً، وكذلك للمسكين وابن السبيل؛ لأن الله ذكرهم معاً في غير بند الزكاة، فدلَّ ذلك على أن لهم حقاً غير الزكاة الواجبة. ونلحظ أن القرآن رتَّبهم حسب الأهمية والحاجة، فأولهم القريب لقرابته الثابتة منك، ثم المسكين وهو متوطن معروف لك، ثم ابن السبيل العابر الذي تراه يوماً ولا تراه بعد ذلك، فهو حسب موضعه من الحال.

стр. 13908

والمسكين قد يتغير حاله، ويتيسر له الرزق فيُوسِّع الله عليه، وابن السبيل يعود إلى بلده، فالوصف الثابت لذي القربى؛ لذلك وصفه الله تعالى بما يدل على الثبات. ثم قال ﴿حَقَّهُ ... ﴾ [الروم: ٣٨] فالحق ملازم له وهو أَوْلَى به، لذلك لم يَقُل مثلاً: وآت ذا القربى حقه، والمسكين، وابن السبيل حقوقهم. وقد مثَّلوا لذلك بقولهم: قال الأمير: يدخل عليَّ فلان، وفلان، وفلان، فالإذن بالدخول للأول يتبعه في ذلك الباقون. إذن: لهؤلاء الثلاثة خصوصية، فقد أمرك الله أنْ تعطيهم من لحمك، وألاّ تربطهم بالزكاة ولا ببسط الرزق، أما باقي السبعة المستحقون للزكاة فلم يُلزمك نحوهم بشيء غير الزكاة المفروضة. ولما حدث نقاش بين العلماء حول المراد بالمسكين والفقير، أيهما أحوج من الآخر؟ قالوا: المسكين مَنْ له مال، ولكن لا يكفيه، واستشهد أبو حنيفة على هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البحر ... ﴾ [الكهف: ٧٩] فأثبت لهم ملكية وسماهم مساكين. أما الفقير فهو الذي لا شيء له، وعلى هذا فالفقير أحوج من المسكين، فيدخل في هذه الآية من باب أَوْلَى.

стр. 13909

وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ... ﴾ [الروم: ٣٨] أي: الإيفاء لهؤلاء ﴿خَيْرٌ ... ﴾ [الروم: ٣٨] كلمة خير تُطلَق في اللغة، ويُراد بها أحد معنيين: مرة نقول خير ويقابلها شر كما في قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] ، ومرة نقول: خير ونقصد الأخْير كالأحسن أي: أفعل تفضيل، كما جاء في قول الشاعر: زَيْدٌ خِيَارُ النَّاسِ وابْنُ الأَخْير ... لكن الشائع أن تُستعمل خير في أفعل التفضيل كقول النبي ﷺ َ: «المؤمن القوي خير وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خير» فخَيْر الأولى بمعنى أخير. لكن لمن؟ ﴿لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله وأولئك هُمُ المفلحون﴾ [الروم: ٣٨] أي: في الوفاء بحقِّ ذي القربى والمسكين وابن السبيل، يريد بذلك وجه الله، لا يريد رياءً ولا سمعة؛ لأن الذي يفعل خيراً يأخذ أجره مِمَّن فعل من أجله، فمَنْ عمل لله مخلصاً فأجره على الله، ومَنْ عمل للناس رياءً وسمعةَ فليأخذ أجره منهم. وهؤلاء الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ والله سَرِيعُ الحساب﴾ [النور: ٣٩] أي: فوجيء بوجود إله لم يكُنْ في باله ولم يعمل من أجله. فمعنى ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ الله ... ﴾ [الروم: ٣٨] أي: يقصدون بعملهم

стр. 13910

وجه الله، سواء رآه الناس، أو أخفى عمله، حتى لا تعلم شماله ما صنعتْ يمينه؛ لأن الأمر قائم على النية، فقد تعطي أمام الناس ونيتك أنْ يتأسَّوْا بك، أو لتكُفَّ عنك ألسنتهم وقدحهم في حقك. وحين تعطي علانية بنية خالصة لله فإنها صدقة مخصِّبة للعطاء، مخصِّبة للأجر؛ لأنك ستكون أُسْوة لغيرك فيعطي، ويكون لك من الأجر مثله؛ لأن مَنْ سَنَّ حسنة فله أجرها وأجر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة. والقرآن عرض علينا هذه القضية في قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى كالذي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ الناس وَلاَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر ... ﴾ [البقرة: ٢٦٤] . ثم يعطينا مثلاً توضيحياً: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين﴾ [البقرة: ٢٦٤] . فمثَل المرائي كهذا الحجر الناعم الأملس حين يصيبه المطر، وعليه طبقة من التراب يزيحها المطر، ويبقى هو صَلْداً ناعماً لا يحتفظ بشيء، ولا ينبت عليه شيء. وهذا المثَل يُجسِّد لنا خيبة سَعْي المرائي، وأنه مغفل، سعى واجتهد فانتفع الناس بسَعْيه، وتعدّى خيره إلى غيره، وخرج هو خالي الوفاض من الخير ومن الثواب. ثم يذكر الحق سبحانه المقابل: ﴿وَمَثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابتغآء

стр. 13911

مَرْضَاتِ الله وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٦٥] . فالصدقة ابتغاء وجه الله كالأرض الخِصْبة حين ينزل عليها المطر، فيأتي نباتها مضاعفاً مباركاً فيه، فإنْ لم يكُمْ مطر كفاها الطَّل لتنبت وتُؤتي ثمارها، ولو قال: كمثل جنة لكانت كافية لكنها ﴿جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ... ﴾ [البقرة: ٢٦٥] يعني: على مكان مرتفع ليدلَّ على خصوبتها، فكلما كانت الأرض مرتفعة زادتْ خصوبتها، وخلَتْ من المياه الجوفية التي تؤثر على النبات. وهذه الجنة تُرْوى بالمطر يأتيها من أعلى، فيغسل الأوراق والغصون، فتزيد نضارتها وجودتها، والأوراق هي رئة النبات. والله تعالى يترك لآثار الذات في الناس تذكرةً وعبرة، فواحد يفعل الخير بآخر ليشتريه به، أو ليُخضع عنقه بهذا الجميل، فتكون النتيجة الطبيعية أنْ ينكر الآخر جميله، بل ويكرهه ويحقد عليه، وهذا جزاء وفاقٌ لمن عمل العمل لغير وجه الله. وهو معنى قولهم: اتَّقِ شر مَنْ أحسنتَ إليه، لماذا؟ لأنه حين يراك يتذكر ما لك من يَد عليه، وما لك من فضل، فيخزي ويشعر بالذلة؛ لأن وجودك يدكُّ كبرياءه؛ لذلك يكره وجودك، ويكره أنْ يراك. فالحق سبحانه يقول: احذروا أنْ تُبطلوا المعروف بالرياء، أو بالأغراض الدنية؛ لأن معروفك هذا سيُنَكر، وسينقلب ما قدمتَ، من خير شراً عليك. إذن: عليكم بالنظر في أعمالكم إلى وجه الله لا إلى غيره، فإنْ حدث وأنكر جميلك فجزاؤك محفوظ عند الله،

стр. 13912

وكأن ربك يغار عليك، ويريد أنْ يحفظ لك الجميل ويدخره عنده. وهذا المعنى عبَّر عنه الشاعر بقوله: أقُولُ لأصْحاب المرٌوءَاتِ قَوْلةً ... تُريحهُمُ إنْ أحسَنُوا وتفضَّلُوا يَسيرُ ذوو الحَاجَاتِ خَلْفَكَ خُضَّعاً ... فَإِنْ أدْركُوها خلَّفُوكَ وهَرْوَلُوا فَلا تَدعِ المعْروفَ مهما تنكَّروا ... فَإِنَّ ثوابَ الله أربى وأجْزَلُ وسبق أنْ ذكرتُ قصة الرجل الذي قابلنا في الطريق ونحن في الجزائر، فأشار لنا لنوصله في طريقنا، فتوقف صاحب السيارة وفتح له الباب، لكنه قبل أنْ يركب قال (على كام) ؟ يعني: ثمن توصيله. فقال صاحب السيارة: لله. فقال الرجل (غَلِّتها يا شيخ) . لذلك يقول بعض العارفين: إن الذين يريدون بأعمالهم وجه الله هم الذين يُغْلون أعمالهم، أي: يرفعون قيمتها، ويضاعفون ثوابها. وقوله تعالى: ﴿فَآتِ ذَا القربى حَقَّهُ والمسكين وابن السبيل ... ﴾ [الروم: ٣٨] بعد قوله: ﴿وَيَقْدِرُ ... ﴾ [الروم: ٣٧] يدل في ظاهره على أنه يأخذ منك مع أنك مُقِلٌّ، وهذا يدخل في إطار قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ... ﴾ [الحشر: ٩] . وقلنا: إن الشارع حكيم، فإذا ألزمك وأخذ منك فإنما ذلك ليعطيك إنْ احتجت، وكأنه يقول لك: اطمئن فقد أمَّنْتُ لك حياتك، إن أصابك الفقر، أو كنت في يوم من الأيام مسكناً أو ابن سبيل، فكما فعلتَ سيُفعل بك. وهذه المسألة واضحة في كفالة اليتيم، فلو أن المجتمع الإيماني عوَّضه عن أبيه عملاً بقول النبي ﷺ َ: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في

стр. 13913

الجنة» لاطمأنَّ كلُّ أب على أولاده إنْ مات وتركهم؛ لأنهم في مجتمع يُعوضهم عن أبيهم بآباء كثيرين. والإنسان إنْ كان آمناً مُنعَّماً، فإنما يُنغِّص هذه النعمة أنها عُرْضة لأنْ تزول، فيريد الله أنْ يُؤمِّن لعبده الحياة الكريمة في امتداده من بعده، وهذا هو التأمين الحق الذي أرسله الله قضية تأمينية في الكون، ليست في شركات التأمين، إنما في يده سبحانه حيث قال: ﴿وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ الله وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً﴾ [النساء: ٩] فإذا اتقوا الله وقالوا القول السديد، فإن يتيمهم يصادف أناساً يكفلونه، ويخافون عليه، ويتولَّوْن أمره. وسبق أنْ تعرَّضْنا في سورة الكهف لقصة الجدار الذي تبرع الخضر ﵇ ببنائه مع أنه في قرية أهلها لئام منعوهم حتى الطعام. وقلنا: إن سؤال الطعام هو أصدق سؤال، ولا يُرَدُّ سائله، ومع ذلك بناه الخضر، وقال في بيان أمر الجدار: ﴿وَأَمَّا الجدار فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المدينة وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً ... ﴾ [الكهف: ٨٢] . فصلاح الأبويْن ينفع الغلامين، فيُسخِّر الله لهما مَنْ يبني لهما الجدار، ويحافظ لهما على كنزهما حتى يكبرا، ويستطيعا حمايته من

стр. 13914

هؤلاء اللئام الذين إذا علموا بأمره نهبوه من هذْين الصغيريْن. ثم يحدثنا الحق سبحانه عن الفارق بين الهدية والصدقة، فيقول: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ ... ﴾ .

стр. 13915

الحق يعرف أن خَلْقه يفعلون الخير، ويطلبون الأجر عليه، لكن هذا الطلب إذا خلا من الرياء، لكن الحق سبحانه يريد أن يرتفع بالصدقة أو بالزكاة إلى مستوى عَالٍ، فيأخذ صاحبها الثمن من يد الله سبحانه مضاعفاً، وطلب الزيادات يكون في النية. فالمؤمن مثلاً يعلم أنه إذا حُيِّيَ بتحية فعليه أنْ يردَّها بخير منها، فقد يأتي فقير ويقدم لأحد الأغنياء هدية على قدر استطاعته، وفي نيته أنْ يردَّها الغني بما يناسب غِنَاه، إذن: فهو حين أعطى يطمع في الزيادة، وإن كانت غير مشروطة، ويجوز أنْ يردَّ الغنيُّ على الهدية بأفضل منها، ويجوز ألاَّ يردَّها أصلاً. فقوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً ... ﴾ [الروم: ٣٩] أي: الزيادة

стр. 13916

بأيِّ ألوانها عما تعطي، وهذه الزيادة غير مشروطة في عقد، والزيادة تكون في المال، أو بأيِّ وسيلة أخرى فيها نفع؛ لأنهم قالوا في تعريف الربا: كل قرض جَرَّ نفعاً فهو ربا. حتى أن الإمام أبا حنيفة كان يجلس في ظل لجاره، فلما طلب منه جاره مالاً وأقرضه رآه الجار لا يجلس في ظل الجدار كما كان يجلس، فسأله عن ذلك فقال: كنت أجلس في ظل جدارك وأعلم أنه تفضّل منك، أما الآن فأخاف أنْ أجلس فيه حتى لا تظن أن هذه الجلسة للمال الذي أخذتَه مني. فالمعنى: وما آتيتم من ربا تبغون به الزيادة سواء أكانتْ نفعاً، أو مالاً، أو غير مال، سواء أكانت مشروطة أو غير مشروطة. قالوا: فما حكم الهدايا إنْ رُدَّتْ بأحسن منها؟ وما ذنبي أنا المعطي في ذلك؟ قالوا: لا شيء فيها بشرط ألاَّ تكون في نيتك الزيادة، وألا تكون هديتك مشروطة، إنما تكون تحبباً وتودداً ومعروفاً بين الناس، إنما لا تأخذ عليها ثواباً من الله. وقوله ﴿لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ الناس ... ﴾ [الروم: ٣٩] في هنا للظرفية، فالمال ظرف، وما تضعه فيه ينقص منه، ويزيد ما عندك ﴿فَلاَ يَرْبُو عِندَ الله ... ﴾ [الروم: ٣٩] يربو عندك أنت بالزيادة التي تأخذها ممَّنْ حيَّيْته، أمّا عند الله فلا يربو.

стр. 13917

هكذا قال ابن عباس، وإن كان بعض العلماء قال: هي مطلق في الربا الأصل، وهذه مسألة كان يجب أنْ يُشرّع لها، لكن رأى ابن عباس أن آية الربا معروفة، وهذه للربا في زيادات التحية والمجاملات بين الناس. ثم يقول سبحانه: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ الله فأولئك ... ﴾ [الروم: ٣٩] أي: الذين يؤتون الزكاة ويريدون بها وجه الله ﴿هُمُ المضعفون﴾ [الروم: ٣٩] ليست من الإضعاف، إنما من الأضعاف، فالزكاة أضعاف الفتح كما في قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ ... ﴾ [الحديد: ١١] أما الربا فإضعاف بالكسر. وهذه المسألة وقف عندها بعض المستشرقين الذين يحبون أنْ يستدركوا على كلام الله، قالوا: في القرآن آيات تصادم الحديث النبوي، فالقرآن يقول: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ ... ﴾ [الحديد: ١١] . إذن: القرض الحسن يضاعف به الله الثواب، وعندكم أن الحسنة بعشر أمثالها، وقال النبي ﷺ َ: «مكتوب على باب الجنة: الحسنة بعشر أمثالها، والقرض بثمانية عشر» فلو أن القرض الحسن يضاعف الحسنة بعشر أمثالها، فهو بعشرين لا بثمانية عشر.

стр. 13918

فقلنا له: لو تصدقْتَ بدولار مثلاً فقد عملتَ حسنة تُضَاعف لك إلى عشر، لكن أردُّ إليك دولارك الذي تصدَّقْتَ به؟ لا، إذن حقيقة الأمر أنك أخذتَ تسعة تضاعف إلى ثمانية عشر. قالوا: فلماذا زاد ثواب القرض؟ نقول: لأن المتصدِّق حين يتصدق ينقطع أمله فيما قدَّم، لكن المقرض لا يزال مُعلَّق البال في القرض ينتظر ردّه، فكلما صبر عليه أخذ أجراً، ثم إن المقترض لا يقترض إلا عن حاجة، أما المتصدَّق عليه فقد يقبل الصدقة وهو غير محتاج إليها، وربما كان ممَّنْ يكنزون المال. إذن: فالحق سبحانه يريد أنْ يُنمي القرض لماذا؟ قالوا: لأن الله يريد أن تسير حركة الحياة، وأنْ تتكامل، وأنت تعتز بمالك وتخاف عليه وتريد له النماء، وسوف تجد هذا كله في القرض، فاجعله قرضاً، فهو الباب الذي فتحه الله لك للزيادة وللثواب. ثم إن الله تعالى احترم ملكيتك لمالك، وحرص على حمايته لك، فقال: ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى فاكتبوه ... ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . فالله يحفظ عليك مالك لتهدأ بالاً من ناحيته، ومع ذلك يترك مجالاً لأريحية المعطي ومروءته ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ ... ﴾ [البقرة: ٢٨٣] . وبهذه الفلسفة الإيمانية يدور المال وتسير به حركة الحياة، بحيث يضمن لصاحب المال ماله، لأنه مُحِبٌّ له حريص عليه، ويضمن لمن لا مالَ له أنْ يتحرك من مال الغير، فإذا كانت هناك أمانة أداء، فكل صاحب أمانة عليه أنْ يؤدِّيها لمستحقها. فإن اختلت هذه الموازين، وماطل الفقيرُ الغنيَّ، وضنَّ عليه أنْ

стр. 13919

يردَّ إليه حقه، فقد فسد حال المجتمع وانهارت فيه هذه القيم، وساعتها لا نلوم القادر على العطاء إنْ أمسك ماله عن المحتاجين للقرض ولِمَ لا؟ والناس يأكلون الحقوق، وبذلك تتوقف حركة الحياة ويتراجع المجتمع عن مسايرة حركة التقدم. فإذا كان الربا غير المشروط، وهو الربا في الهدايا والمجاملات والتحية بين الناس جعله الله للمودَّات وللمروءات بين الناس، لا يثيب عليه ولا يعاقب، وقال عنه ﴿فَلاَ يَرْبُو عِندَ الله ... ﴾ [الروم: ٣٩] . أما الربا المشروط فقد وقف معه وقفة حازمة، وشرع له عقاباً وجعل هذا العقاب من جنس ما يضادّ غرض الذي رَابَى، فأنت ترابي لتزيد من مالك، فيقابلك الله بالنقصان ﴿يَمْحَقُ الله الربا ... ﴾ [البقرة: ٢٧٦] لماذا؟ قالوا: لأن المعطي غنيٌّ واجد، لديه فائض من المال يعطي منه، أما الآخذ فمحتاج، فكيف نطلب من المحتاج أنْ يزيد في مال الواجد غير المحتاج؟ وكيف تكون نظرة المحتاج إليك حين يعلم أن عندك مالاً يزيد عن حاجتك، ومع ذلك ترفض أن تُقرضه القرض الحسن، بل تشترط عليه الزيادة، فتأخذ الزيادة منه وهو محتاج؟ ثم افرض أنني أخذت هذا القرض لأثمره وأنميه فخسر، أليس كافياً أنْ أخسر أنا عملي، وأنْ يضيع مجهودي؟ أمن العدل أن أخسر عملي، ثم أكون ضامناً للزيادة أيضاً؟ هذه ليست من العدالة؛ لأن شرط العقد أن يحمي مصلحة الطرفين، أما عقد الربا فلا يحمي إلا مصلحة الدائن. ونحن نرى حتى التشريعات الوضعية في الاقتصاد إذا أعطى البنك مالاً لشخص لعمل مشروع مثلاً ثم خسر وأرادوا تسوية حالته،

стр. 13920

أول شيء في إجراءاتهم أنْ يُسقطوا عنه الفوائد. وهذا يوافق شرع الله في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] (لاتُظلمون) بمعنى: أن نردَّ إليكم رءوس أموالكم؛ (ولا تظلمون) أي: لا نظلمك من ناحية أخرى، فنقول لك: إنْ أردتَ أنْ تتوب فرُدّ ما أخذتَه بالربا بأثر رجعي؛ لأن ما أخذتَه قد صُرِف وتصعب إعادته، وبذلك نراعي مصلحة الدائن حين نعيد إليه رأس المال، ومصلحة المدين، فلا نكلفه ردَّ مَا لا يقدر على ردِّه. وحين نتأمل هذه المسألة: آلدول أقوى أم الأفراد؟ الدول، أرأيتم دولة اقترضت مالاً من دولة أخرى، ثم استطاعت أن تُسدِّد فوائد هذا الدين فضلاً عن أصل الدَّيْن؟ كذلك الأفراد الأقوياء الذين يأخذون القروض، ثم لا يسددون مجرد الفوائد، ولا يستطيعون جدولتها ولا تسوية حالتهم، فيقعون في خصومات ومشاكل. شيء آخر، هَبْ أن رجلاً لديه مثلاً ألف جنيه ورجل لا عند له، صاحب الألف يستطيع أن يديرها، وأن يعيش منها، أما الآخر الذي لا يملك شيئاً فيقترض ليعيش مثل صاحبه، فإنْ قلت له: الألف قرضاً بمائة جنيه، فمن أين يوفر هذه المائة؟ إنْ أخذها من عائد المال يخسر، وإنْ أخذها من السلعة بأنْ يُقلل من الجودة أو من العناصر الفعالة في السلعة، أو في التغليف، جاءت السلعة أقلَّ من مثيلاتها وبارت. إذن: لا بد أن يتحملها المستهلك، وهذا إضرار به، وهو ليس طرفاً في العقد، إذن: العقد باطل.

стр. 13921

وحين نقول: إن الإسلام صالح لكل زمان ومكان يجب أن نفهم هذه القضية جيداً، وإياك أن تقول: إن الإسلام لا يصلح في زمان كذا، أو في مكان كذا. والآن نسمع البعض ينصرف عن منهج الإسلام ويقول لك ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ... ﴾ [البقرة: ٢٨٦] أي: ليس في وُسْعه الآن تنفيذ شرع الله. لكن نقول له: مَن الذي يحدد الوُسْع؟ أنت أم المشرِّع سبحانه؟ ما دام الله تعالى قد كلَّف، فاعلم أن التكليف في وُسْعك، فخذ الوُسْع من التكليف، لا أن تُقدِّر أنت الوسع وتنسى ما كلَّفك الله به. لذلك ترى أن الله تعالى إذا ضاق الوُسْع يُخفِّف عنك دون أنْ تطلب أنت التخفيف، كما في صلاة وصوم المريض والمسافر. . الخ وكما في التيمم إنْ تعذَّر استعمال الماء. فلا معنى لأن نقول: إن تعاليم الدين لا تناسب العصر، إذن: اجعل العصر هو المشرِّع، وانصرف عن تشريع السماء إلى ما يحتمله العصر. لذلك قلنا: إن الحق سبحانه حينما يلقي تكاليفه يقول: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ ... ﴾ [الأنعام: ١٥١] فمعنى تعالوا: ارتفعوا عن مستوى أهواء البشر، واعلوا إلى تكاليف الله، فإنْ هبطت بالتكاليف إلى مستواك، وقُلْت ظروف العصر تحتم عليَّ كذا وكذا فقد أخضعتَ منطق السماء لمنطق الأرض، وما جاء منطق السماء إلا ليعلو بك. فإنْ نظرنا إلى مواقف العلماء من مسألة الربا، فمنهم مَنْ يُحلِّل، ومنهم مَنْ يُحرِّم وهم الكثرة، وهَبْ أنهم متساوون مَنْ يحرم ومَنْ يحلل، فما حكم الله فيما تساوتْ فيه الاجتهادات؟

стр. 13922

النبي ﷺ َ أوضح لنا هذه القضية في قوله: «الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرْضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ’ألا وإن لكل ملك حِمىً، ألا وإن حمى الله محارمه» . فهل قال رسول الله: فمَنْ فعل الشبهات أم: فمَنْ ترك الشبهات؟ إذن: مَنْ وقع في الشبهات لم يستبريء، لا لدينه ولا لِعرْضه، وهل يرضى أحد أنْ يُوصَف هذا الوصف؟ وعجيب أن نسمع مَنْ يقول: وما علاقة العِرْض بهذه المسألة؟ نقول: والله حتى غير المؤمن بدين يستنكف أن يقال عنه أنه مُرابٍ، عِرْضه لا يقبلها فضلاً عن دينه. لذلك؛ فالمكارون الذين يريدون أن يُغلوها، ويريدون أن يعيشوا على دماء الناس لا يدرون أن النفعية هي القانون الذي يحكم الله به خَلْقه، فيجعل لهم الحسنة بعشر أمثالها، لذلك يقول اليهود: كيف تُحرِّمون الربا والله يعاملكم به؟ نعم، الحق يعاملنا بالربا، ويعطينا بالزيادة؛ لأن هذه الزيادة لا تُنقِص مما عنده سبحانه، أمّا الزيادة من الناس ومن المحتاجين فإنها ترهقهم وتزيدهم فقراً وحاجة. ثم دَعْكَ من هذا كله، وتأمل في المحيط الذي تعيش فيه، ففي كل بلد أناس يحبون الربا ويتعاملون به، أرأيتم مرابياً مات بخير؟ أمات مرابٍ وثروته كاملة؟ لا، لأن الله تعالى لم يكن ليقول ﴿يَمْحَقُ

стр. 13923

الله الربا ... ﴾ [البقرة: ٢٧٦] ثم يترك مرابياً ينمو ماله، ويسلم له إلى أنْ يموت، فإن اغتنى لحين، فإنما غِنَاه كيد فيه، ومبالغة في إيذائه، كما جاء في الأثر «إذا غضب الله على إنسان رزقه من الحرام، فإن اشتد غضبه عليه بارك له فيه» . واقرأ قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] . لذلك نسمع «فلان ماهر في التجارة» ، «فلان يضع يده في التراب يصير ذهباً» ... الخ. وسبق أن أوضحنا الفرق بين «فتحنا لهم» و «فتحنا عليهم» : «لهم» أي لصالحم بالخير، أما «عليهم» فيعني كيداً لهم وتحدياً وإهلاكاً، فالله تعالى يعطي الكافر ويُوسِّع عليه زهرة الدنيا، حتى إذا أخذه كان أخْذه أليماً، كما قلنا: إنك إنْ أردت أنَ تُوقِع عدوك لا توقعه من على الحصير، إنما من مكان عالٍ حتى يكون السقوط مؤلماً. وقوله تعالى: ﴿حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أوتوا ... ﴾ [الأنعام: ٤٤] والفرح بالنعمة ليس ممنوعاً، لكن هناك فرح يُحب، وفرح يُكره، وإلاَّ فالحق سبحانه نسب الفرح للمؤمنين في قوله تعالى في سورة الروم: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون بِنَصْرِ الله ... ﴾ [الروم: ٤ - ٥] وقال سبحانه: ﴿فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ الله ... ﴾ [آل عمران: ١٧٠] وقال: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ... ﴾ [يونس: ٥٨] فأثبت لهم الفرح المقبول، وهو الفرح الذي يعقبه قولنا: ما شاء الله لا قوة إلا بالله ثم تشكر الله الذي أنعم عليك، أما الفرح المكروه فهوالفرح الذي يُورِثك بَطَراً وأَشَراً وكبراً.

стр. 13924

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿الله الذي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ ... ﴾ .

стр. 13925

سبق أنْ قلنا: إن قضية الخَلْق مُسلَّم بها؛ لأنها قضية لم يدَّعها أحد لنفسه مع كثرة المتبجحين بالكفر والإلحاد؛ لذلك لما ادَّعاها النمروذ الذي حاجَّ إبراهيم في ربه فقال: أنا أحيي وأميت، فعلم إبراهيم ﵇ أنه يريد اللجاج والسفسطة التي لا طائل منها، وإلا فكيف يكون الأمر بقتل واحد إماتة، والأمر بترك الآخر والعفو عنه إحياء؟ ثم ما بال الذين خُلِقوا قبلك وميلادهم قبل ميلادك؟ إذن: أنت لم تخلق ولم تُحي أحداً، وسبق أنْ بيّنا الفرق بين القتل والموت مع أنهما يشتركان في إنهاء الحياة وإزهاق الروح، لكن الموت يكون بإزهاق الروح أولاً، يتبعه نَقْض البنية وتحطم الجسم. أما القتل فينقض البنية أولاً نَقْضاً يترتب عليه إزهاق الروح فالروح لا تقيم إلا في بنية سليمة، ومثَّلنا لذلك بلمبة الكهرباء حين تحرق فينطفيء نورها، فهل يعني ذلك أن التيار انقطع عنها؟ لا بل هو موجود لكنه يحتاج لبنية سليمة بدليل أننا إذا استبدلنا اللمبة تضيء. والحق يبين لنا هذا الفرق في قوله سبحانه:

стр. 13926

﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقلبتم على أَعْقَابِكُمْ ... ﴾ [آل عمران: ١٤٤] إذن: فالنمروذ لا يحيي، بل يُبقِي على الحياة، ولا يُميت بل يقتل ويُزهِق الروح. وكان بمقدور إبراهيم ﵇ أنْ يردَّ عليه هذه الحجة، وأنْ يكشف تزييفه، لكنه أراد أن يأخذه إلى ميدان آخر لا يستطيع التلفيق فيه ولا التمحُّك، فقال له: ﴿فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب فَبُهِتَ الذي كَفَرَ ... ﴾ [البقرة: ٢٥٨] . كذلك مسألة الرزق فهي مُسلَّمة لله لم يدَّعِها أحد: ﴿خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ... ﴾ [الروم: ٤٠] . بدليل أن الله تعالى جعل بعض المناطق جدباء، يجوع فيها القادر والعاجز، ويجوع فيها ذو المال وغير ذو المال، ولو كان هناك رازق غير الله فَلْيْحُي هذه المناطق الجدباء. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ. .﴾ [الروم: ٤٠] ولم يقل: يقتلكم ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذلكم مِّن شَيْءٍ ... ﴾ [الروم: ٤٠] أي: اسألهم هذا السؤال، ودَعْهم يجيبون هم عليه: أتستطيع الأصنام التي تشركونها مع الله أنْ تفعل شيئاً من الخَلْق أو الرزق أو الإحياء أو الإماتة؟ أفي قدرتها شيء من ذلك وأنتم الذين تصنعونها وتنحتون حجارتها بأيديكم، وتُصوِّرونها كما تشاؤون، فإذا هبَّتْ عاصفة أطاحت بها وربما كسرت ذراع أحد الأصنام فتجتمعون لإقامتها وإصلاحها؟ فأين عقولكم؟ وما هذه الخيبة التي أصابتكم؟ لذلك يقول سبحانه عنهم: ﴿والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠]

стр. 13927

ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ ... ﴾ [الحج: ٧٣] بل وأكثر من ذلك ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطالب والمطلوب﴾ [الحج: ٧٣] . بالله، أيستطيع أحد أنْ يستردَّ ما أخذتْه منه الذبابة؟ ونلحظ في الآية تكرار (منْ) وهي للتبعيض: ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذلكم مِّن شَيْءٍ ... ﴾ [الروم: ٤٠] والمعنى: لا يستطيع أحد من شركائكم أن يفعل شيئاً ولو هيِّناً من الخلق، أو الرزق، أو الإحياء، أو الإماتة. لذلك يجب أنْ تُعلِّقوا على هذه القضايا من الله بقول واحد ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٤٠] لا تعليق إلا هذا. لذلك لما تكلم سيدنا إبراهيم عن الأصنام قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ ... ﴾ [الشعراء: ٧٧] أي: أنتم وما تعبدون من دون الله؛ لأنهم كانوا يشركون آلهتهم مع الله، فالله سبحانه داخل في هذه الشركة؛ لذلك استثناه ربه ﴿إِلاَّ رَبَّ العالمين الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٧ - ٧٨] . وتلحظ هنا في قوله ﴿الذي خَلَقَنِي ... ﴾ [الشعراء: ٧٨] أنه لم يؤكدها بشيء، ولم يذكر قبل الخَلْق الضمير (هو) ؛ لأن مسألة الخَلْق كما قُلْنا لم يدَّعها أحد، أمّا في الهداية وهي مجال ادعاء، فقال (فهو) أي: الحق سبحانه يقصر الهداية على الله ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] . وفي هذا إشارة إلى أن القانون الذي يُنظم حياتي والمنهج الذي يهديني قانون ربي لا آخذه من أحد سواه، وكثيراً ما نرى مَنْ يدَّعي الهداية ويقول: إنني وضعتُ قانوناً يُسعِد حياة الناس، ويفعل كذا

стр. 13928

وكذا، سمعنا هذه النغمة مرة من الرأسمالية، ومرة من الاشتراكية، ومن الشيوعية. . الخ. إذن: هذا مجال ادعاء واسع، فقيَّده إبراهيم ﵇ وقصره على الله، حيث لا منهجَ إلا منهجُ الله، ولا قانونَ يحكمنا إلا قانون ربنا، كما نقول في العامية (مفيش إلا هو) . كذلك في مسألة الإطعام قال: ﴿والذي هُوَ يُطْعِمُنِي ... ﴾ [الشعراء: ٧٩] فاستخدم القصر هنا بذكر الاسم الموصول (الذي) ثم الضمير المفرد الغائب (هو) ؛ ليؤكد أن الذي يطعمه إنما هو الله؛ لأن الإنسان قد يظن أن أباه هو الذي يطعمه، أو أن أمه هي التي تُطعمه؛ لأنها تُعِد له طعامه، فهما السببان الظاهران في هذه المسألة، فاحتاج الأمر إلى أكثر من مؤكد. ثم يقول ﵇: ﴿والذي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: ٨١] هكذا دون توكيد؛ لأن الموت والحياة مسألتان مُسلَّمتان لله مفروغ منهما، وكذلك: ﴿والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدين﴾ [الشعراء: ٨٢] وهذه أيضاً لا تكون إلا لله تعالى. إذن: ما كان للغير فيه شبهة عمل يؤكدها ويخصُّها لله تعالى، أما الأخرى التي لا دخْلَ لغير الله فيها فيسوقها مُطْلقة دون اختصاص. فالتعليق في هذا الأمر العجيب لا يكون إلا بقولنا: ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٤٠] أي: تنزيهاً له عن الشركة، وإذا كان رسول الله ﷺ َ قد أخبرنا أن الله تعالى قال: لا إله إلا أنا، ولم يَقُمْ لهذه القضية منازع، ولم يدَّعها أحد لنفسه.

стр. 13929

إذن: فهي مُسلَّمٌ بها، وإلا فإنْ كان هناك إله آخر فأين هو؟ ولماذا لم يدافع عن حقه في الألوهية؟ إن كان لا يدري فهو غافل، وإنْ كان يدري ولم يعارض فهو جبان، وفي كلتا الحالتين لا يصلح أن يكون إلهاً. لذلك ربنا حكمها بقضية واحدة، فقال: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِي العرش سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٤٢] . ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ظَهَرَ الفساد فِي البر ... ﴾ .

стр. 13930

ظهر: بان ووضح. والظهور: أن يُبين شيء موجود بالفعل لكنَّا لا نراه، وما دام الحق سبحانه قال: ﴿ظَهَرَ الفساد ... ﴾ [الروم: ٤١] فلا بُدَّ أن الفساد كان موجوداً، لكن أصحاب الفساد عمُّوه وجَنُّوه إلى أن فقس وفرخ في المجتمع. والفساد لا يظهر إنما يظهر أثره، أتذكرون الزلزال الذي حدث والذي كشف الفساد والغش والتدليس بين المقاول والمهندس، وكانت المباني قائمة والفساد مستتراً إما لغفلتنا عنه، أو لتواطئنا معه، أو لعدم اهتمامنا بالأشياء إلى أن طمَّتْ المسائل، ففضح الله الأرض بالزلزال، ليكشف ما عندنا من فساد. فإذا ازداد الغش، وانتشر وفَاقَ الاحتمال لا بُدَّ أن يُظهره الله للناس، فلم يَعُدْ أحد قادراً على أن يقف في وجه الفساد، أو يمنعه؛ لذلك يتدخَّل الحق سبحانه، ويفضح أهل الفساد ويذيقهم آثار ما عملت أيديهم. وتأتي ظهر بمعنى «الغلبة» كما في قوله تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الذين

стр. 13931

آمَنُواْ على عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٤] أي غالبين. وفي سورة التحريم: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ. .﴾ [التحريم: ٤] . وبمعنى «العلو» في قوله تعالى: ﴿فَمَا اسطاعوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا استطاعوا لَهُ نَقْباً﴾ [الكهف: ٩٧] . فالمعنى ﴿ظَهَرَ الفساد ... ﴾ [الروم: ٤١] أي: غلب الصلاح وعلا عليه، والكون خلقه الله تعالى على هيئة الصلاح، وأعدّه لاستقبال الإنسان إعداداً رائعاً، وللتأكد من صدْق هذه المسألة انظر في الكون وأجناسه وأفلاكه وأجوائه، فلن ترى فساداً إلا فيما تتناوله يد الإنسان. أما ما لا تتناوله يد الإنسان، فلا ترى فيه خللاً؛ لأن الله خلقه منسجمَ الأجناس منسجمَ التكوين: ﴿لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ اليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠] . فهل خلقنا الحق سبحانه وخلق اختيارنا لنفسد في الكون؟ لا، إنما هو ابتلاء الاختيار حين ينزل عليك المنهج ويجعله قانوناً لحركتك بافعل ولا تفعل، وما لم أقُل فيه (افعل) أو (لا تفعل) فأنت حر فيه، فلا يحدث من الفعل أو من عدمه ضرر في الكون، أمّا أنا فقد قلت افعل في الذي يحصل منه ضرر بعدم فعله، وقلت لا تفعل في الذي يحصل ضرر من فعله. فالفساد يأتي حين تُدخِل يدك في شيء وأنت تطرح قانون الله في افعل ولا تفعل، أما الصلاح فموجود وفيه مناعة يكافح بها الفساد، فإنْ علا تيار الفساد وظهر على الصلاح وغلبه بان للناس.

стр. 13932

وعندها يُنبِّهنا الحق سبحانه بالأحداث تطرقنا وتقول لنا: انظروا إلى مَنْ خالف منهج الله ماذا حدث له؛ لذلك في أعقاب الأحداث نزداد عشقاً لله، وحباً لطاعته، وترى الناس (تمشي على العجين متلخبطه) ، لكن سرعان ما يعودون إلى ما كانوا عليه من الإهمال والغفلة، على حَدِّ قول الشاعر: تُروِّعنا الجناَئِزُ مُقْبِلاتٍ ... ونلهُو حِين تَذهَبُ مُدبراتِ كَروْعَةِ ثُلَّةٍ لمغَارِ ذِئْبٍ ... فَلما غابَ عادتْ راتعاتِ فالحق يقول: ﴿ظَهَرَ الفساد ... ﴾ [الروم: ٤١] أي: غلب على قانون الصلاح الذي أقام الله عليه نظام هذا الكون، الذي لو نالتْه يد الإنسان لَفسد هو الآخر، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوِ اتبع الحق أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ السماوات والأرض ... .﴾ [المؤمنون: ٧١] . فظواهر الكون أشياء وقضايا لكل العامة، ومن الحكمة إلاّ تنالها يد الإنسان؛ لأن الله تعالى يريد للكون البقاء، ولم يأْتِ أوان انتهائه، لذلك الحق سبحانه يجعل فينا مناعة تجعلنا نقبل الفساد إلى حين، إلى أن يصل إلى درجة التشبُّع، فتتفجر الأوضاع. فقوله: ﴿ظَهَرَ الفساد فِي البر ... ﴾ [الروم: ٤١] نتيجة لدعوته ﷺ َ؛ لأن كلمة (ظهر) تدل على أن شيئاً وقع، فكأنه يقول لنا: إنْ كررتم الفساد والغفلة تكرَّر ظهور الفساد، فهو يعطينا مُلخصاً لما حدث بالفعل من عداوتهم لرسول الله، ومقاطعته وعزله وإغراء السفهاء منهم للتحرش به، ثم عداوة أصحابه وإجبارهم على الهجرة إلى الحبشة حتى لا يستقر لهم قرار بمكة.

стр. 13933

لذلك دعا عليهم رسول الله: «اللهم اشْدُد وطأتك على مُضَر، واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف» فأصابهم الجَدْب والقحط، حتى رُوِي أنهم كانوا يذهبون للبحر لصيد السمك، فيبتعد عنهم ولا يستقيم لهم فيعودون كما أتوا. وهذا معنى ﴿ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر ... ﴾ [الروم: ٤١] . ثم يوضح الحق سبحانه سبب هذا الفساد: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس ... ﴾ [الروم: ٤١] فتلحظ هنا أن الحق سبانه لما يذكرالرحمة لا يذكر عِلَّتها، لكن يذكر عِلَّة الفساد؛ لأن الرحمة من الله سبحانه أولاً وأخيراً تفضُّل، أما الأخذ والعذاب فبَعدله تعالى؛ لذلك يُبِّين لك أنك فعلت كذا، وتستحق كذا، فالعلَّة واضحة. هناك قضية أخرى أحب أن أوضحها لكم، وهي أن الحق سبحانه يعامل خَلْقه معاملته في الجزاء، فالله يقول: ﴿مَن جَآءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ... ﴾ [الأنعام: ١٦٠] . إذن: فالحسنة الواحدة تستر عشر سيئات، وكذلك في جسم الإنسان، فيقول بعض علماء وظائف الأعضاء والتشريح: إن الكلية بها مليون خلية يعمل منها العُشْر بالتبادل، فمجموعة تعمل، والباقي يرتاح وهكذا. فانظر كم ترتاح الخلية حتى يأتي عليها الدور في العمل. فكأن ربنا خلق لها العشر يقوم مقام المليون؛ لذلك قالوا لو أن في أحد الدواوين عشرة موظفين، منهم

стр. 13934

واحد واحد محسن، يستر إساءة الباقين، وكثيراً ما تلاحظ هذه الظاهرة في دواوين الحكومة، فترى غالبية الموظفين منشغلين: هذا يقرأ الجرائد، وهذا يشرب الشاي، وآخر لم يأْتِ أصلاً. وخلف كومة من الملفات تجد موظفاً نحيلاً غارقاً في العمل، يقصده الجميع، ويتحمل هو تقصير الآخرين، ويؤدي عنهم، وبه تسير دفَّة الأمور، لكن إنْ فقدنا هذا أيضاً، فلا بُدَّ أن تأتي ﴿ظَهَرَ الفساد ... ﴾ [الروم: ٤١] إذن: إن رأيت الفساد فاعلم أنه نتيجة إهمال وغفلة فاقت كل الحدود. وما دام الحق سبحانه قال: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس ... ﴾ [الروم: ٤١] فلا بُدّ أن الفساد جاء من ناحيتهم، وبالله هل اشتكينا أزمة في الهواء مثلاً؟ لكن نشتكي تلوث الهواء بما كسبتْ أيدي الناس، أمّا حين نذهب إلى الخلاء حيث لا يوجد الإنسان، نجد الهواء نقياً كما خلقه الله. الحق سبحانه تكفَّل لنا بالغذاء فقال: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا ... ﴾ [فصلت: ١٠] لكنا نشتكي أزمة طعام، لماذا؟ لأن الطعام يحتاج إلى عمل، ونحن تكاسلنا، وأسأنا التصرُّف في الكون، إما بالكسل والخمول عن استخراج خيرات الأرض وأقواتها، وإما بالأنانية حيث يضنُّ الواجد على غير الواجد. وقد قرأنا مثلاً أن أمريكا تسكب اللبن في البحر، وتعدم الكثير من المحصولات، وفي العالم أُناس يموتون جوعاً، إذن: هذه أنانية، أما التكاسل فقد حدث منا في الماضي. وانظر الآن إلى صحرائنا التي كانت جرداء قاحلة، كيف اخضرت الآن، وصارت مصدراً للخيرات لما اهتممنا بها ويسَّرنا ملكيتها

стр. 13935

للناس، فإنْ ضنَّتْ الأرض في منقطة ما فقد جعل الله لنا سعة في غيرها، فالخالق سبحانه لم يجعل الأرض لجنس ولا لوطن، إنما جعلها مشاعاً لخَلْق الله جميعاً. واقرأ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ... ﴾ [النساء: ٩٧] . ولذلك قلت في هيئة الأمم: إن في القرآن آية واحدة، لو أخذ العالم بها لضمنت له الرخاء والاستقرار والأمان، إنها قوله تعالى: ﴿والأرض وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠] فالأرض كل الأرض للأنام كل الأنام، لكن الواقع خلاف ذلك، فقد وضعوا للأرض حدوداً، وأقاموا عليها الحواجز والأسوار، فإنْ أردتَ التنقّل من قطر إلى آخر تجشَّمت في سبيل ذلك كثيراً من المشاق في إجراءات وتأشيرات. . إلخ. وكانت نتيجة ذلك أن يوجد في الكون رجال ازدحموا بلا أرض، وفي موضع آخر أرض بلا رجال، ولو حدث التكامل بين هذه وتلك لاستقامت الأمور. إذن: الذين وضعوا الحدود والحواجز في أرض الله أخذوها لأنفسهم، فلم تَعُدْ أرض الله الواسعة التي تستقبل خَلْق الله من أي مكان آخر، إنما جعلوها أرضهم، وأخضعوها لقوانينهم هم، وتعجب حين تتأمل حدود الدول على الخريطة، فهي متداخلة، فترى جزءاً من هذه الدولة يدخل في نطاق دولة أخرى، على شكل مثلث مثلاً، أو تمتد أرض دولة في دولة أخرى على شكل لسان أو مناطق متعرجة، فماذ دُمْتم قد وضعتم بينكم حدوداً، فلماذا لا تجعلونها مستقيمة؟ وكأن واضعي هذه الحدود أرادوها بُؤراً للخلاف بين الدول،
следующие страницы →