Полный текст (14 757 стр.). Показаны 14246–14285 · переход к 14251.
стр. 14246
الصحية، ويتهمه بعدم الخبره لكن حين مرض ولده وأحسَّ بالخطر أخذ الولد وتسلَّل به في ظلام الليل، وذهب إلى الطبيب.
فلله وحده العلو، ولله وحده الكبرياء، بدليل أن الكافر حين تضطره أمور الحياة وتُلجئه إلى ضرورة لا مخرجَ منها لا يقول إلا: يالله يا رب.
فالله هو العليُّ بشهادة مَنْ كفر به، ثم أردف صفة (العلى) بصفة (الكبير) ؛ لأن العلى يجوز أنه علا بطغيان وعدم استحقاق للعلو، لكن الحق سبحانه هو العلي، وهو الكبير الذي يستحق هذا العلو.
ثم يلفتنا الحق سبحانه إلى آية أخرى من آياته في الكون: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفلك ... ﴾ .
стр. 14247
بعد أن ذكر الحق سبحانه بعض الآيات الكونية البعيدة عنا أراد سبحانه أنْ يعطينا نموذجاً آخر للآيات التي بيْن أيدينا في الأرض فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الفلك تَجْرِي فِي البحر بِنِعْمَةِ الله. .﴾ [لقمان: ٣١] ألم تر: يعني ألم تعلم ﴿أَنَّ الفلك. .﴾ [لقمان: ٣١] أي: السفن.
وربما أن سيدنا رسول الله لم يَرَ هذه السفن في البحار، ولم تكن قد ظهرت السفن العملاقة التي نراها اليوم كالأعلام، كما في قوله
стр. 14248
سبحانه: ﴿وَلَهُ الجوار المنشئات فِي البحر كالأعلام﴾ [الرحمن: ٢٤]
ومتى وُجِدت البوارج العالية التي تشبه الجبال والمكوَّنة من عدة أدوار. لم توجد إلا حديثاً، إذن: فهذا مظهر من مظاهر إعجاز القرآن، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣]
ومَنْ يبحث في القرآن يجد فيه الكثير من هذه الآيات التي تثبت صِدْق القرآن وصِدْق رسول الله في البلاغ عن الله.
وذكرنا قصة المرأة التي أسلمت لما قرأت التاريخ الإسلامي، وقرأت في سيرة رسول الله أن المؤمنين به كانوا يجعلون عليه حراسة دائمة يتبادلونها حماية له من أعدائه، وفجأة صرف رسول الله هؤلاء الحرس من حوله وقال لهم لقد أنزل الله عليَّ ﴿والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس ... ﴾ [المائدة: ٦٧] فوقفت المرأة عند هذه الآية وقالت: والله لو أن هذا الرجل كان يخدع الناس جميعاً ما خدع نفسه في حياته.
وقلنا في معنى ﴿أَلَمْ تَرَ. .﴾ [لقمان: ٣١] أنها بمعنى ألم تعلم، لأن إعلام الله لك أوثق من رؤية عينيك.
وكلمة ﴿تَجْرِي فِي البحر بِنِعْمَةِ الله. .﴾ [لقمان: ٣١] الجري: حركة تودع فيها مكاناً إلى مكان آخر، هذا التوديع إما أن تمشي الهُوَيْنَا أو تجري. لكن ما هي نعمة الله في جريها؟ أولاً كانت أول سفينة من الخشب المربوط إلى بعضه بالحبال والدُّسُر، وكان
стр. 14249
الغاطس منها في الماء حوالي شبر واحد يزيح من الماء بحجم وزن السفينة، فإذا ما وضعت عليها ثقلاً فإنها تغطس بمقدار هذا الثقل، حتى إذا ما زاد وزن الماء المزاح عن وزن السفينة وحمولتها فإنها تغرق.
وهذه الفكرة هي التي تُستخدم في الغواصات، فبالوزن يتم التحكم في حركة الغواصة تحت الماء. والآن نرى السفن العملاقة والتي تُصنع من الحديد، والعجيب أن هذا الحديد الصلب يحمله الماء السائل الليِّن ويجري به، ثم تأتي الريح فتدفع السفن إلى حيث تريد، حتى وإنْ كانت تسير عكس جريان الماء، ويتمكن ربان السفينة من التحكم في حركتها باستخدام بعض الآلات البسيطة وبتوجيه الشراع بطريقة معينة فتسير السفينة حسب ما أراد حتى لو كان اتجاهها عكس اتجاه الريح، ويسمون هذه الحركة (تسفيح) .
لذلك يقول سبحانه عن حركة السفن: ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الريح فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ على ظَهْرِهِ ... ﴾ [الشورى: ٣٣]
وكأن الحق سبحانه يريد أن يُبيِّن لنا أن أقل الأشياء كثافة بقوة الحق له يحمل أكثر الأشياء كثافة، وانظر إنْ شئتَ إلى جرارات النقل الثقيل، هذه الجرارات العملاقة التي تحمل عدة أطنان من الحديد مثلاً على أي شيء تسير وتتحرك؟ إنها تسير وتتحرك على الهواء المضغوط في عجلاتها، والذي يأخذ قوته من هذا الضغط، بحيث إذا زدتَ في ضغط هذه العجلات تقوي على نفسها فتنفجر.
وقوله تعالى: ﴿لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ. .﴾ [لقمان: ٣١] أي: من عجائبه في كونه في البحار، ففي الماضي كنا لا نرى من المخلوقات في الأعماق إلا السمك الذي يصطاده الصيادون، أما الآن ومع تطور
стр. 14250
علوم البحار وطرق التصوير تحت الماء أصبحنا نرى في أعماق البحار عجائب أكثر مما نراه على اليابسة.
ثم يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان: ٣١] قوله تعالى: ﴿لِّكُلِّ صَبَّارٍ. .﴾ [لقمان: ٣١] توحي بأن آيات الله في كونه كثيرة، لكن على الإنسان أنْ يبذل جهداً في البحث عنها واكتشافها، وعليه أن يكون صبَّاراً على مشقة البحث والغوص تحت الماء، فإذا ما رأينا ما في أعماق البحار من عجائب مخلوقات الله فقد وجب علينا الشكر ﴿لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان: ٣١] والشكر لا يكون إلا عن نعمة جدَّت لم تكُنْ موجودة من قبل.
إذن: الحق ﵎ يريد منا أن نستقبل آياته في الكون استقبالَ بحث وتأمل ونظر، لا استقبال غفلة وإعراض، كما قال سبحانه: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥]
وتقديم صبَّار على شكور دليل على أن الصبر على مشقات العمل والبحث والاستنباط والاكتشاف يُؤتى نعمة كبيرة تدعو الإنسان إلى شكرها.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ ... ﴾ .
стр. 14251
معنى ﴿غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ. .﴾ [لقمان: ٣٢] يعني: غطاهم واحتواهم؛ لذلك قال: ﴿كالظلل. .﴾ [لقمان: ٣٢] جمع ظُلَّة، وهي التي تعلو الإنسان وتظلله، ولا يكون الموج كذلك إلا إذا علا عن مستوى الإنسان، وخرج عن رتابة الماء وسجسجته. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذ نَتَقْنَا الجبل فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ ... ﴾ [الأعراف: ١٧١]
وأنت تشاهد هذه المظاهر إذا كنتَ في عرض البحر، فترى الموجة من بعيد أعلى منك، وأنها حتماً ستطمسك، حتى إذا ما وصلتْ إليك شاهدتَ فيها مظهراً من لطف الله بك، حيث تتلاشى وتمر من تحتك بسلام، وهذا شيء عجيب ونعمة تستوجب الشكر.
فالموج إذن شيء مخيف؛ لذلك لما غشيهم وأيقنوا الهلاك ﴿دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين. .﴾ [لقمان: ٣٢] دعوا الله رغم أنهم كافرون به، لكن المرء في مثل هذه الحال لا يخدع نفسه ولا يكذب عليها، فالأمر جد، فلم يدعوا اللات أو العزى، ولم يقُلْ أحد منهم يا هبل، إنما دعوا الله بإخلاص لله، فإنْ كانوا ملتفتين لدين آخر في عبادة الأصنام، ففي هذا الموقف لا بُدَّ أن يُخلصوا لله؛ لأنهم واثقون أن الأصنام لن تنفعهم، وأنها لا تملك لهم ضراً ولا نفعاً، ولن يكون النفع وكشف البلاء إلا من الله الحق.
فإنْ قُلْتَ: ما دام الأمر كذلك، فما الذي صرفهم عن عبادة الله إلى عبادة الأصنام.
стр. 14252
قلنا: إن التديُّن طبيعة في النفس البشرية، وهذه الطبيعة باقية في ذرات كل إنسان منذ خلق الله آدم، وأخذ من صُلْبه ذريته، وأشهدهم على أنفسهم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ... ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فشهدوا.
فكل واحد منا فيه ذرة شهدتْ هذا العهد، وهذه الذرة هي مصدر الإشراقات في نفس المؤمن، وعليه أنْ يحافظ عليها بأن يأخذ قانون صيانة هذه الذرة ممن خلقها، لا أنْ يطمس نورها بمخالفة قانون صيانته الذي وضعه له ربه فيكون كمَنْ قال الله فيه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القيامة أعمى﴾ [طه: ١٢٤]
النبي ﷺ َ يُوضح لنا هذه المسألة بقوله: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه، أو يُنصرِّانه أو، يُمجِّسانه» .
فالنفس الإنسانية بخير ما دام فيها الإشراقيات الإلهية الأولى التي شهدتْ أن الله هو الرب، لكن إذا تضبَّبت فلا بُدَّ أن تحدث الخيبة ويدخل الفساد.
إذن: التديُّن طَبْع في النفس، لكن التديُّن الحق له مطلوبات ومنهج بافعل كذا، ولا تفعل كذا، وهذا يريد أنْ يُرضي نفسه بأن يكون مُتديناً، لكن يريد أنْ يريح نفسه من مطلوبات هذا التدين، فماذا يفعل؟ يلجأ إلى عبادة إله لا مطلوبات له، وقد توفرت هذه في عبادة الأصنام.
стр. 14253
لكن نقول لمن عبد الأصنام: لا بُدَّ أنْ يأتي عليك الوقت الذي لا تلتفت فيه إلى الأصنام، بل إلى الإله الحق الذي هربتْ من مطلوباته وانصرفت عن عبادته، لا بُدَّ أن تُلجئك الأحداث إلى أنْ تلوذ به؛ لذلك يقولون في المثل (اللي متحبش تشوف وجهه، يُحوجك الزمن لقفاه) .
فأنتم أعرضتم عن الله وكفرتم به، فلما نزلت بكم الأحداث وأحاطت بكم الأمواج صِرْتم أرانب، فلماذا الآن تلجئون إلى الله؟ لماذا لم تستمروا على عنادكم وتكبُّرهم حتى على الله؟
ثم يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ. .﴾ [لقمان: ٣٢] وكان ينبغي عليهم بعد أنْ نجاهم وأسعفهم، كان ينبغي عليهم أن يؤمنوا به، وأنْ يطيعوه، وأن تؤثر فيهم هذه الهزة التي زلزلتهم، إلا أنهم عادوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والإعراض عن الله، وطاوع نفسه وشهوته.
هذه هي حال الكافر حينما يتعرض للابتلاء والتمحيص، فإنه ينتكس ولا يرعوى على خلاف المؤمن، فإنه إن تعرَّض لمثل هذا الاختبار يزداد إيماناً ويقيناً.
والمقتصد هو البين بين، تأخذه الأحداث والخطوب، فتردُّه إلى الله حال الكرب والشدة، لكنه إذا كشف عنه تردد وضعفتْ عنده هذه الروح، بدليل أن الله تعالى يذكر في مقابل المقتصد نوعاً آخر منهم غير مقتصد ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢]
فمنهم من بهت كفره حينما تنبه في الوازع الإيماني، لكنه لما نجا غرَّته الدنيا من جديد، ومنهم الجاحد الختَّار أي: الغادر.
стр. 14254
ولك أنْ تلحظ المقابلة بين صبَّار وختَّار، وبين شكور وكفور.
ثم يخاطب الحق سبحانه الناس، فيقول: ﴿ياأيها الناس اتقوا ... ﴾ .
стр. 14255
خطاب الحق سبحانه لعباده بيأيها الناس يدل على أنه تعالى يريد أنْ يُسعدهم جميعاً في الآخرة، وسبق أنْ ذكرنا الحديث القدسي الذي تقول فيه الأرض: يارب ائذن لي أنْ أخسف بابن آدم، وقالت البحار: نغرقه ... إلخ، فكان الرد من الخالق «دعوني وخلقي، فلو خلقتموهم لرحمتموهم، إنْ تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، وإنْ لم يتوبوا فأنا طبيبهم» .
وقوله تعالى: ﴿اتقوا رَبَّكُمْ. .﴾ [لقمان: ٣٣] التقوى أنْ تجعل بينك وبين ما يضرك وقاية تقيك وتحميك؛ لذلك يقول تعالى في آية
стр. 14256
أخرى ﴿واتقوا النار ... ﴾ [آل عمران: ١٣١] وهما بمعنى واحد؛ لأن معنى اتقوا الله: اجعلوا بينكم وبين صفات جلال ربكم وانتقامه وجبروته وقاية، وكذلك في: اتقوا النار.
فالخطاب هنا عام للناس جميعاً مؤمنهم وكافرهم، فالله تعالى يريد أن يُدخلهم جميعاً حيِّز الإيمان والطاعة، ويريد أنْ يعطيهم ويمنّ عليهم ويعينهم، وكأنه سبحانه يقول لهم: لا أريد لكم نِعَم الدنيا فحسب، إنما أريد أنْ أعطيكم أيضاً نعيم الآخرة.
وكذلك النبي ﷺ َ، كان رحيماً حتى بالكافرين والمعاندين له، كما ذكرنا في قصة اليهودي الذي اتهموه ظلماً بسرقة درع أحد المسلمين، وقد عزَّ على المسلمين أنْ يُرمى واحد منهم بالسرقة، فجعلوها عند اليهودي، وعرضوا الأمر على سيدنا رسول الله، فأداره في رأسه: كيف يتصرف فيه؟
فأسعفه الله، وأنزل عليه: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَآ أَرَاكَ الله ... ﴾ [النساء: ١٠٥] لا بين المؤمنين فحسب ﴿وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾ [النساء: ١٠٥] أي: لا تخاصم لصالح الخائن، وإن كان مسلماً، فالناس جميعاً سواء أمام مسئولية الإيمان.
وفَرْق بين: اتقوا ربكم واتقوا الله؛ لأن عطاء الربوبية غير عطاء الألوهية، عطاء الربوبية إيجاد من عَدَم، وإمداد من عُدْم، وتربية للمؤمن وللكافر، أما عطاء الألوهية فطاعة وعبادة وتنفيذ للأوامر، فاختار هنا الرب الذي خلق وربَّى، وكأنه سبحانه يقول للناس جميعاً: من الواجب عليكم أن تجعلوا تقوى الله شكراً لنعمته عليكم، وإنْ كنتم قد كفرتُم بها.
ولا تنتهي المسألة عند تقوى الرب في الدنيا، إنما ﴿واخشوا يَوْماً
стр. 14257
لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ. .﴾ [لقمان: ٣٣] أي: خافوا يوماً تُرجعون فيه إلى ربكم، وكلمة (يوم) تأتي ظرفاً، وتأتي اسماً مُتصرِّفاً، فهي ظرف إذا كان هناك حدث سيحدث في هذا اليوم كما تقول: خِفْت شدة الملاحظة يوم الامتحان، فالخوف من الحدث، لا من اليوم نفسه، أمَّا لو قلت خفت يوم الامتحان، فالخوف من كل شيء في هذا اليوم، أي من اليوم نفسه.
فالمعنى هنا ﴿واخشوا يَوْماً. .﴾ [لقمان: ٣٣] لأن اليوم نفسه مخيف بصرف النظر عن الجزاء فيه، وفي هذا اليوم ﴿لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ. .﴾ [لقمان: ٣٣] خصَّ هنا الوالد والولد؛ لأنه سبحانه نصح الجميع، ثم خصَّ الوالدين في الوصية المعروفة
﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ ... ﴾ [لقمان: ١٤]
ثم ذكر حيثيات هذه الوصية وقال: ﴿أَنِ اشكر لِي وَلِوَالِدَيْكَ ... ﴾ [لقمان: ١٤] فجعل لهما فضلاً ومَيْزة ومنزلة عند الله، حتى أصبحا مظنة النفع حتى يوم القيامة، فأراد سبحانه أنْ يُبينَّ لنا أن نفع الوالد لولده ينقطع في الآخرة، فكلٌّ منهما مشغول بنفسه، فلا ينفع الإنسان حتى أقرب الناس إليه.
وفي سورة البقرة: ﴿واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ... ﴾ [البقرة: ٤٨] أي: مطلق النفس، لا مجرد الوالد والولد، إنما عامة الناس لا ينفع أحد منهم أحداً أيّاً كان.
والآية بهذا اللفظ وردت في موضعين: اتفقا في الصدر، واختلفا في العَجُز، وهي تتحدث عن نَفْسين: الأولى هي النفس الجازية أي: التي تتحمل الجزاء، والأخرى هي النفس المجزَّية التي تستحق العقوبة.
فالآية التي نظرت إلى النفس المجزَّى عنها، جاء عَجُزها ﴿وَلاَ يُقْبَلُ
стр. 14258
مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ ... ﴾ [البقرة: ١٢٣]
ومعنى: عَدْل أي فدية، فالنفس المجزيّ عنها أول مرحلة عندها لتدفع عن نفسها العذاب أن تعرض الفدية، فلا يقبل منها فدية، لكنها لا تيأس، بل تبحث عَمَّنْ يشفع لها من أصحاب الجاه والمنزلة يتوسط لها عند الله، وهذه أيضاً لا تنفع.
أما النفس الجازية، فأول ما تعرض تعرض الشفاعة، فإنْ لم تُقبل عرضت العدل والفدية؛ لذلك جاء عَجز الآية الأخرى الذي اعتبر النفس الجازية بتقديم الشفاعة على العدل. إذن: ذَيْل الآية الأولى عائد على النفس المجزىَّ عنها، وذيل الآية الثانية يعود على النفس الجازية.
وهنا ﴿لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ. .﴾ [لقمان: ٣٣] لأن الوالد مظنّة الحنان على الولد، وحين يرى الوالد ولده يُعذَّب يريد أنْ يفديه، فقدَّم هنا (الوالد) ثم قال: ﴿وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً. .﴾ [لقمان: ٣٣] فقدم المولود، وكان مقتضى الكلام أنْ نقول: ولا يجزي ولده عن والده، فلماذا عدل عن ولد إلى مولود؟
الكلام هنا كلام رب، وفرْق كبير بين ولد ومولود؛ لأن المسلمين الأوائل كان لهم آباء ماتوا على الكفر، فظنوا أن وصية الله بالوالدين تبيح لهم أنْ يجزوا عنهم يوم القيامة، فأنزل الله هذه الآية تبين لهؤلاء ألاَّ يطمعوا في أنْ يدفعوا شيئاً عن آبائهم الذين ماتوا على الكفر.
لذلك لم يقل هنا ولد، إنما مولود، لأن المولود هو المباشر للوالد، والولد يقال للجد وإنْ علا فهو ولده، والجد وإنْ علا والده، فإذا كانت الشفاعة لا تُقبل من المولود لوالده المباشر له، فهي من
стр. 14259
باب أَوْلَى لا تُقبل للجدِّ؛ لذلك عَدل عن ولد إلى مولود، فالمسألة كلام رب حكيم، لا مجرد رَصْف كلام.
لكن، متى يجزي الوالد عن الولد، والمولود عن والده؟ قالوا: الولد ضعيف بالنسبة لوالده يحتاج منه العطف والرعاية، فإذا رأى الوالد ولده يتألم سارع إلى أنْ يشفع له ويدفع عنه الألم، أما الولد فلا يدفع عن أبيه الألم لأنه كبير، إنما يدفع عنه الإهانة، فالوالد يشفع في الإيلام، والولد يشفع في الإهانة، فكل منهما مقام.
ثم يقول سبحانه: ﴿إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ. .﴾ [لقمان: ٣٣] عرفنا أن الوعد: إخبار بشيء يسر لم يَأْت وقته، وضده الوعيد، وهو إخبار بشيء يؤذي لم يأْتِ وقته بعد، لكن ما فائدة كل منهما؟
فائدة الوعد أنْ تستعدَّ له، وتأخذ في أسبابه، فهو يشجعك على العمل والسعي الذي يُحقِّق لك هذا الوعد كأنْ تَعِد ولدك مثلاً بجائزة إنْ نجح في الامتحان، وعلى العكس من ذلك الوعيد؛ لأنه يُخوِّفك من عاقبته فتحترس، وتأخذ بأسباب النجاة منه.
إذن: الوعد حق، وكذلك الوعيد حق، لكنه خصَّ الوعد لأنه يجلب للنفس ما تحب، أمّا الوعيد فقد يمنعها من شهوة تحبها، ووضحنا هذه المسألة بأن الحق يتكلم في النعم أن منها نِعَم إيجاب، ونِعَم سلب.
واقرأ في ذلك قول ربك: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٣٥ - ٣٦]
فإذا كانت الجنة وما فيها نعماً تستحق الشكر، ويمتنّ الله بها علينا، فأيُّ نعمة في الشواظ والنار والعذاب؟ قالوا: هي نعمة من حيث هي تحذير وتخويف من العذاب لتبتعد عن أسبابه، وتنجو منه
стр. 14260
قبل أنْ تقع فيه، نعمة لأن الله لم يأخذنا على غِرَّة، ونبهنا إلى الخطر قبل أنْ نقع فيه.
ووَعْد الله حقٌّ؛ لأنه وعد ممَّنْ يملك الوفاء بما وعد، وإنفاذ ما وعد به، أما غير الله سبحانه فلا يملك أسباب الوفاء، فوعده لا يُوصَف بأنه حق؛ لذلك قال سبحانه في سورة الكهف: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله ... ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]
فأنت وإنْ كنتَ صادقاً فيما وعدتَ به إلا أنك لا تضمن البقاء إلى أنْ تفي بما وعدتَ، فإنْ بقيت فقد تتغير الأسباب فتحول بينك وبين الوفاء، وأنت لا تملك سبباً واحداً من هذه الأسباب.
إذن: تأدب ودَع الأمر لمَنْ يملك كل أسباب إنفاذ الوعد، وقُلْ سأفعل كذا إن شاء الله، حتى إذا لم تنفذ يكون لك حجة فتقول: أردتُ لكن الله لم يشأ.
وكأن ربنا يريد أنْ يداري كذبنا ويستره علينا، يريد ألاَّ يفضحنا به، وأخرجنا من هذه المسئولية بترك المشيئة له سبحانه، وكأن قدر الله في الأشياء صيانة لعبيده من عبيده. لذلك كثيراً ما نقول حينما لا نستطيع الوفاء: هذا قدر الله، وماذا أفعل أنا، والأمر لا يُقضى في الأرض حتى يُقضى في السماء.
وما دمنا قد آمنا بقدر الله والحكمة منه، فلا تغضب مني إنْ لم أفِ لك وأنت كذلك، والعاقل يعلم تماماً حين يقضي أمراً لأحد أن قضاء الأمر جاء معه لا به، فالقدر قضاء، ووافق قضاؤه قضاء الله للأمر، فكأن الله كرَّمه بأنْ يقضي الأمر على يديه، لذلك قلنا: إن الطبيب المؤمن يقول: جاء الشفاء معي لا بي، وأن الطبيب يعالج والله يشفي، إذن: لا يُوصَف الوعد بأنه حقٌّ إلا وعد الله .
стр. 14261
وما دام وعد الله حقاً فعليك أنْ تفعل ما وعدك عليه بالخير وتجتنب ما توعَّدك عليه بشرٍّ، وألاَّ تغرك الحياة ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا. .﴾ [لقمان: ٣٣] أي: بزينتها وزُخْرفها، فهي سراب خادع ليس وراءه شيء، واقرأ قول الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]
والحق سبحانه يضرب لنا مثلاً للدنيا، لا ليُنفِّرنا منها، وإنما لنحتاط في الإقبال عليها، وإلا فحبُّ الحياة أمر مطلوب من حيث هي مجال للعمل للآخرة ومضمار للتسابق إليها.
يقول تعالى في هذا المثل: ﴿واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا ... ﴾ [الكهف: ٤٥] فسماها دنيا، وليس هناك وصف أبلغ في تحقيرها من أنها دنيا ﴿كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرياح ... ﴾ [الكهف: ٤٥] نعم، كذلك الدنيا تزدهي، لكن سرعان ما تزول، تبدأ ابتداءً مقنعاً مغْرياً، وتنتهي انتهاءً مؤسفاً.
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بالله الغرور﴾ [لقمان: ٣٣] والغَرور بالفتح الذي يغرُّك في شيء ما، والغرور يوضحه لنا الشاعر الجاهلي وهو يخاطب محبوبته فيقول:
أَفَاطِمُ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التدَلُّل ... وإنْ كنت قَدْ أَزْمعتِ صَرْمي فأَجْمِلِي
أغرَّك مني أنَ حبَّكِ قَاتِلي ... وأَنَّكِ مَهْما تأْمُري القَلْبَ يفعَلِ
فمعنى غرَّك: أدخل فيك الغرور، بحيث تُقبل على الأشياء،
стр. 14262
وتتصرف فيها في كنف هذا الغرور وعلى ضوئه.
والغَرُور بالفتح هو الشيطان، وله في غروره طرق وألوان، فغرور للطائعين وغرور للعاصين، فلكل منهما مدخل خاص، فيغرّ العاصي بالمعصية، ويوسوس له بأن الله غفور رحيم، وقد عصا أبوه فغفر الله له. لذلك أحد الصالحين سمع قول الله تعالى: ﴿ياأيها الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم الذي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٦ - ٧] فأجاب هو: غرَّني كرمه، لأنه خلقني وسوَّاني في أحسن صورة، وعاملني بكرم ودلَّّلني، حتى أصابني الغرور بذلك، ولو أنه قسا علينا ما اغتررنا.
وكان لأحدهم دَيْن خمسة صاغ فضة عند آخر، فردَّها إليه، فلما نظر فيها الدائن وجدها ممسوحة فأعادها إليه، فقال المدين: والله لو كنت كريماً لقبلتها دون أنْ تنظر فيها.
فأخذ الواعظ هذه الواقعة وأراد أنْ يعظ بها الدائن، وكان يصلي صلاةً لا خشوعَ فيها، فقال له: إن صلاتك هذه لا تعجبني، فهي نَقْر لا خشوع فيها، أرأيت لو أن لك دَيْنا فأعطاك صاحب الدين نقوداً ممسوحة قديمة أكنت تقبلها؟ فقال الرجل: والله لو كنتُ كريماً أقبلها ولا أردها.
ثم يقول الحق سبحانه مختتماً سورة لقمان: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ ... ﴾ .
стр. 14263
بعد أن حذرنا ربنا ﵎ من الغرور في الحياة الدنيا يُذكِّرنا أن بعد هذه الحياة حياة أخرى، وقيامه وساعة ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة. .﴾ [لقمان: ٣٤] والساعة لا تعني القيامة فحسب، إنما لكل منا ساعته، لأنه مَنْ مات فقد قامت قيامته.
لماذا؟ لأنه انقطع عمله، ولا يمكنه تدارك ما فاته من الإيمان أو العمل الصالح، فكأن قيامته قامت بموته.
وقلنا: إن عمر الدنيا بالنسبة لك هو مقدار عمرك فيها، وإنْ كان عمر الدنيا على الحقيقة من لَدُن آدم ﵇ إلى قيام الساعة، لكن ماذا استفدتَ أنت من عمر غيرك؟
إذن: لا ينبغي أن تقول: إن الدنيا طويلة؛ لأن عمرك فيها قصير، ثم إنك لا تعلمه، ولا تستطيع أنْ تتحكم فيه، وكما أبهم الله الساعة أبهم الأجل؛ لأن في إبهامه أنفع البيان، فلما أبهم الله الأجل جعل النفس البشرية تترقبه في كل لحظة، فكل لحظة تمر عليك يمكن أن يأتيك فيها الموت.
وهكذا أشاع الموت في كل الزمن، وما دام الأمر كذلك فلا بُدَّ أن ينتبه الإنسان ويخشى أن يموت وهو على معصية، فالإبهام هنا هو عَيْن البيان.
وقلنا: إن الذين ماتوا من لَدُن آدم ﵇ يلبثون في قبورهم طوال هذه المدة، فإذا ما قامت القيامة ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يلبثوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦] لماذا؟ قالوا: لأن قياس الزمن إنما يتأتى بالأحداث، فحيث لا توجد أحداث لا يوجد زمن.
ومثَّلْنا لذلك بأهل الكهف الذين مكثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً، ومع ذلك لما سأل بعضهم بعضاً ﴿كَم لَبِثْتُمْ قَالُواْ لَبِثْنَا
стр. 14264
يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ... ﴾ [الكهف: ١٩]
لماذا؟ لأن النوم يخلو من الأحداث، فلا يشعر النائم فيه بالزمن، كما أنهم لما رأى بعضهم بعضاً بعد هذه الفترة رآه على حالته التي نام عليها لم يتأثر بمرور هذه المدة، ولم تتغير هيئته، فأقصى ما يمكن تصوُّره أن يقول: لبثنا يوماً أو بعض يوم.
وكذلك الحال في قصة العُزير الذي قال الله عنه: ﴿أَوْ كالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا قَالَ أنى يُحْيِي هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ الله مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ... ﴾ [البقرة: ٢٥٩] ؛ لأن هذه هي أطول مدة يمكن أن ينامها الإنسان.
ثم أخبره ربه ﴿بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ ... ﴾ [البقرة: ٢٥٩] ويريد الحق سبحانه أن يُدلِّل على صدق الرجل في قوله يوماً أو بعض يوم، وعلى صدقه تعالى في قوله مائة عام، فيقول سبحانه: ﴿فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ... ﴾ [البقرة: ٢٥٩] أي: لم يتغير.
وهذا دليل على صِدْقه في يوم أو بعض يوم
﴿وانظر إلى حِمَارِكَ ... ﴾ [البقرة: ٢٥٩]
وهذا دل على صدق الحق ﵎ في قوله ﴿مائَةَ عَامٍ ... ﴾ [البقرة: ٢٥٩] فكلا القولين صادق؛ لأن الله تعالى هو القابض الباسط، يقبض الزمن في حق قوم، ويبسطه في حق آخرين.
وهذه الآية جمعتْ خمسة أمور استأثر الله تعالى بعلمها: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة وَيُنَزِّلُ الغيث وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرحام وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ. .﴾ [لقمان: ٣٤]
فهل هذه هي كل الغيبيات في الكون؟ نقول: في الكون غيبيات
стр. 14265
كثيرة لا نعرفها، فلا بُدَّ أن هذه الخمس هي المسئول عنها، وجاء الجواب على قدر السؤال، بالله لو هَبَّتْ الريح، وحملتْ معها بعض الرمال، أنعرف أين ذهبت هذه الذرات؟ وفي أي ناحية، أنعرف ورق الشجر كم تساقط منها؟
هذه كلها غيبيات لا يعلمها أيضاً إلا الله، أما نحن فلا نعلم حتى عدد النِّعَم التي أنعم الله بها علينا ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا ... ﴾ [إبراهيم: ٣٤]
إذن: فهذه نماذج لما استأثر الله بعلمه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧]
فلله تعالى في كونه أسرار لا تُحصى، أجَّل الله ميلادها؛ لنعلم أننا في كل يوم نجهل ما عند الله، وكل يوم يطلع علينا العلماء والباحثون بجديد من أسرار الكون - هذا ونحن لا نزال في الدنيا، فما بالنا في الآخرة، وفي الجنة إن شاء الله؟
وقد أخبر النبي ﷺ َ عنها فقال: «فيها ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» .
والإنسان يكتسب المعلومات، إما برؤية العين، أو بسماع الأذن، ومعلوم أن رقعة السمع أوسع من البصر؛ لأنك لا ترى إلا ما تراه عيناك، لكن تسمع لمرائي الآخرين، ثم أنت تسمع وترى موجوداً،
стр. 14266
لكن هناك ما لا يخطر على قلب بشر يعني: أشياء غيبية لم تطرأ على بال أحد، وفي ذلك يقول سبحانه: ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]
وقد ورد في أسباب نزول مفاتح الغيب هذه، أن رجلاً من محارب، اسمه الحارث بن عمرو بن حارثة أتى رسول الله ﷺ َ وقال: يا رسول الله: أريد أنْ أعرف متى الساعة، وقد بذرْت بذري، وأنتظر المطر فمتى ينزل؟ وامرأتي حامل، وأريد أن تلد ذكراً، وقد أعددت لليوم عُدَّته، فماذا أُعِد لغد؟ وقد عرفت موقع حياتي، فكيف أعرف موقع مماتي؟
هذه خمس مسائل مخصوصة جاء بها الجواب من عند الله تعالى ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة وَيُنَزِّلُ الغيث وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرحام وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ.
.﴾ [لقمان: ٣٤] .
وعجيب أنْ نرى من خَلْق الله مَنْ يحاول أن يستدرك على مقولة الله في هذه الغيبيات الخمس، كالذين حاولوا أنْ يتنبأوا بموعد قيام الساعة، وقد كذبوا جميعاً، ولو قُدِّر لهم الإيمان بالله، والعلم كما قاله الله في قيام الساعة ما تجرأ منهم أحد على هذه المسألة.
وقلنا: إن الحق سبحانه أخفى موعد الساعة لكي نستشعرها دائماً، وفي كل وقت، حتى الذين لا يؤمنون بها ويشكُّون فيها، وإذا ما استشعرها الناس عملوا لها، واستعدوا لأهوالها، كما أخفى الله عن الإنسان ساعة موته ومكان أجله، وجعل الموت يدور على
стр. 14267
العباد على غير قاعدة.
فمنهم مَنْ يموت بعد دقائق من مولده، ومنهم مَنْ يعمر مئات السنين، كما أنه سبحانه لم يجعل للموت مقدمات من مرض أو غيره، فكم من مريض يُعافى، وصحيح يموت، كما يقولون: كيف مريضكم؟ قال: سليمنا مات، وصدق القائل:
فلا تَحْسَب السُّقْم كأْسَ الممات ... وإنْ كَان سُقْماً شَديد الأثَر
فرُبَّ عليل تَرَاهُ اسْتفَاق ... ورُبّ سِلَيم تَرَاه اسْتتر
كذلك الموت لا يرتبط بالسِّن:
كم بُودرت غادة كعَابٌ ... وغُودِرَتْ أمُّها العَجُوزُ
يجوُزُ أنْ تبطئ المنَايَا ... والخُلْدُ في الدَّهْرلا لا يَجُوزُ
إذن: أخفى الله القيامة وأخفى الموت؛ لنظل على ذُكْر له نتوقعه في كل لحظة، فنعمل له، ولنتوقع دائماً أننا سنلقى الله، فنعد للأمر عُدته؛ لأن مَنْ مات فقد قامت قيامته؛ لأنه انقطع عمله، ففي إبهام موعد القيامة وساعة الموت عَيْن البيان لكل منهما، فالإبهام أشاعه في كل وقت.
وقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ الغيث. .﴾ [لقمان: ٣٤] وهذا أيضاً، ومع تقدُّم العلوم حاول البعض التنبؤ به بناء على حسابات دقيقة لسرعة الرياح ودرجة الحرارة. . إلخ، وربما صَحَّتْ حساباتهم، لكن فاتهم أن الله أقداراً في الكون تحدث ولا تدخل في حساباتهم، فكثيراً ما نُفَاجأ بتغيُّر درجة الحرارة أو اتجاه الريح، فتنقلب كل حساباتنا.
لذلك من عجائب الخَلْق أنك كلما اقتربتَ من الشمس وهي مصدر الحرارة تقِلُّ درجة الحرارة، وكلما ابتعدت عنها زادت درجة
стр. 14268
الحرارة، إذن: المسألة ليست روتينية، إنما هي قدرة لله سبحانه، والله يجمع لك الأسباب ليثبت لك طلاقة قدرته التي تقول للشيء: كُنْ فيكون.
ألسنا نُؤمر في الحج بأن نُقبِّل حجراً ونرمي آخر، وكل منهما إيمان وطاعة، هذا يُباس وهذا يُداس، هذا يُقبَّل وهذا يقنبل، لماذا؟ لأن الله تعالى يريد منا الالتزام بأمره، وانصياع النفس المؤمنة للرب الذي أحيا، والرب الذي كلَّف.
وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرحام. .﴾ [لقمان: ٣٤] هذه أيضاً من مفاتح الغيب، وستظل كذلك مهما تقدمت العلوم، ومها ادَّعى الخَلْق أنهم يعلمون ما في الأرحام، والذي أحدث إشكالاً في هذه المسألة الآن الأجهزة الحديثة التي استطاعوا بها رؤية الجنين، وتحديد نوعه أذكر أم أنثى، فهذه الخطوة العلمية أحدثتْ بلبلة عند بعض الناس، فتوهموا أن الأطباء يعلمون ما في الأرحام، وبناءً عليه ظنوا أن هذه المسألة لم تَعُدْ من مفاتح الغيب التي استأثر الله بها.
ونقول: أنتم بسلطان العلم علمتم ما في الأرحام بعد أن تكوَّن ووضحتْ معالمه، واكتملتْ خِلْقته، أما الخالق فيعلم ما في الأرحام قبل أنْ تحمل الأم به، ألم يُبشِّر الله تعالى نبيه زكريا ﵇ بولده يحيى قبل أن تحمل فيه أمه؟ ونحن لا نعلم هذا الغيب بذواتنا، إنما بما علّمنا الله، فالطبيب الذي يُخبرك بنوع الجنين لا يعلم الغيب، إنما مُعلَّم غيب.
والله ﵎ يكشف لبعض الخلق بعض الغيبيات،
стр. 14269
ومن ذلك ما كان من الصِّدِّيق أبي بكر ﵁ حين أوصى ابنته عائشة ﵂ قبل أن يموت وقال لها: يا عائشة إنما هما أخواك وأختاك، فتعجبت عائشة حيث لم يكن لها من الإخوة سوى محمد وعبد الرحمن، ومن الأخوات أسماء، لكن كان الصِّديق في هذا الوقت متزوجاً من بنت خارجة، وكانت حاملاً وبعد موته ولدتْ له بنتاً، فهل تقول: إن الصِّدِّيق كان يعلم الغيب؟ لا، إنما أُعِلم من الله. إذن: الممنوع هنا العلم الذاتي أن تعلم بذاتك.
ثم إن الطبيب يعلم الآن نوع الجنين، إما من صورة الأشعة أو التحاليل الي يُجريها على عينة الجنين، وهذا لا يُعتبر علماً للغيب، و (الشطارة) أن تجلس المرأة الحامل أمامك وتقول لها: أنت إنْ شاء الله ستلدين كذا أو كذا، وهذا لا يحدث أبداً.
ثم يقول سبحانه: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً. .﴾ [لقمان: ٣٤] الإنسان يعمل، إما لدنياه، وإما لأُخْراه، فالمعنى إما تكسب من الخير المادي لذاتك لتعيش، وإن كان من مسألة التكليف، فالنفس إما تعمل الخير أو الشر، الحسنة أو السيئة، والإنسان في حياته عُرضَة للتغيُّر.
لذلك يقال في الأثر: «يا ابن آدم، لا تسألني عن رزق غدٍ، كما لو أطالبك بعمل غد» .
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ. .﴾ [لقمان: ٣٤] وهذه المسألة حدث فيها إشكال؛ «لأن رسول الله ﷺ َ أخبر الأنصار
стр. 14270
أنه سيموت بالمدينة حينما وزع الغنائم على الناس جميعاً ما عدا الأنصار؛ لذلك غضبوا ووجدوا في أنفسهم شيئاً؛ لأن رسول الله حرمهم، لكن سيدنا رسول الله جمعهم وتلطَّف معهم في الحديث واعترف لهم بالفضل فقال: والله لو قلتم أني جئت مطروداً فآويتموني فأنتم صادقون، وفقيراً فأغنيتموني فأنتم صادقون. . لكن الأ تحبون أن يرجع الناس بالشاه والبعير، وترجعون أنتم برسول الله» ، وقال في مناسبة أخرى «المحيا محياكم، والممات مماتكم» .
إذن: نُبِّئ رسول الله أنه سيموت بالمدينة، والله يقول: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ.
.﴾ [لقمان: ٣٤] نقول: الأرض منها عام ومنها خاصّ، فأرض المدينة شيء عام، نعم سيموت بالمدينة، لكن في أيِّ بقعة منها، وفي أي حجرة من حجرات زوجاته، إذن: إذا علمتَ الأرض العامة، فإن الأرض
стр. 14271
الخاصة ما زالت مجهولة لا يعلمها أحد.
يُروى أن أبا جعفر المنصور الخليفة العباسي كان يحب الحياة ويحرص عليها، ويخاف الموت، وكان يستشير في ذلك المنجِّمين والعرافين، فأراد الله أنْ يقطع عليه هذه المسألة، فأراه في المنام أن يداً تخرج من البحر وتمتد إليه، وهي مُفرَّجة الأصابع هكذا، فأمر بإحضار مَنْ يُعبِّر له هذه الرؤيا، فكان المتفائل منهم، أو الذي يبغي نفاقه يقول له: هي خمس سنوات وآخرون قالوا: خمسة أشهر، أو خمسة أيام أو دقائق.
إلى أن انتهى الأمر عند أبي حنيفة ﵁ فقال له: إنما يريد الله أن يقول لك: هي خمسة لا يعلمها إلا الله، وهي: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة وَيُنَزِّلُ الغيث وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرحام وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ. .﴾ [لقمان: ٣٤]
وما دامت هذه المسائل كلها مجهولة لا يعلمها أحد، فمن المناسب أن يكون ختام الآية ﴿إِنَّ الله عَلَيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]
إذن: الحق سبحانه يريد أنْ يُريح خَلْقه من الفكر في هذه المسائل الخمس، وكل ما يجب أن نعلمه أن المقادير تجري بأمر الله لحكمة أرادها الله، وأنها إلى أجل مسمى، وأن العلم بها لا يُقدِّم ولا يُؤخِّر، بالله ماذا يحدث لو علمت ميعاد موتك؟ لا شيء أكثر من أنك ستعيش نَكِداً حزيناً طول الوقت لا تجد للحياة لذة.
لذلك أخفى الله عنَّّا هذه المسألة لنُقبِل على الله بثقتنا في مجريات قدر الله فينا.
стр. 14272
هذه من الحروف المقطَّعة المبنية على الوقف، على خلاف آيات القرآن التي بُنِيتْ كما قُلْنا على الوصل من أول القرآن إلى آخره، بل على وصل آخره بأوله؛ لذلك لا ينبغي أن تقرأ القرآن على الوصل، ما دام نَفَسُكَ يساعدك، ولا تقف إلا إذا انقطع النفَس، فتقف وتُسكِّن الحرف الذي وقفتَ عليه.
وقد قال علماء القراءات: وليس في القرآن مِنْ وقف وجب؛ لأنه
стр. 14273
بُني على الوصل، فلا تقف إلا إذا ضاق نَفَسُك؛ لذلك جعلوا في القرآن مواضع للوقف، وتُرسم في المصحف (صِلى، قِلى، ج) ، لكن الأصل الوصل.
وقلنا: إن أوضح مثال على الوصل في القرآن أن كلمة الناس في آخر سورة الناس، وهي آخر القرآن لم تأْتِ ساكنة، إنما متحركة بالكسر (الناسِ) ؛ لأن الله تعالى قدَّر حلَّكَ في الناس فجعلك ترحل إلى بسم الله الرحمن الرحيم في أول الفاتحة، فلا تقطع الصلة بين آخر القرآن وأوله، وسمَّيْنا قارئ القرآن لذلك (الحالّ المرتحل) .
وهنا تأتي ﴿الم﴾ [السجدة: ١] بعد مفاتح الغيب الخمسة التي سبقتْ في آخر سورة لقمان، وكأنها مُلْحقة بها، فهي سِرٌّ استأثر الله تعالى بعلمه، ونحن في تفسيرنا لها نحوم حولها؛ لذَلك كل مَنْ فسَّر الحروف المقطَّعة في بدايات السور لا بُدَّ أن يقول بعدها: والله أعلم بمراده؛ لأن تفسيراتنا كلها اجتهادات تحوم حول المعنى المراد؛ لذلك نحن لا نقول هذه الكلمة في كل آيات القرآن، إنما في هذه الآيات والحروف بالذات.
وكيف بنا حين يجمعنا الله تعالى إنْ شاء الله في مقعد صِدْق عند مليك مقتدر، كيف بنا حين نسمع هذا القرآن مباشرة من الله ؟ لا شكَّ أننا سنسمع كلاماً كثيراً غير الذي سمعناه، ومعاني كثيرة غير التي توصَّلنا إليها في اجتهاداتنا، وعندها سنعرف مرادات الله تعالى في هذه الحروف، وسنعرف كم قَصُرَتْ عقولنا عن فهمها، وكم كنا أغبياء في فَهْمنا لمرادات ربنا.
وقوله تعالى ﴿الم﴾ [السجدة: ١] عادةً يأتي بعد هذه الحروف المقطعة أمر يخصُّ الكتاب العزيز.
стр. 14274
وهنا يقول سبحانه: ﴿تَنزِيلُ الكتاب لاَ ... ﴾ .
стр. 14275
مادة (نزل) وردتْ في القرآن بلفظ: نزل، ونزَّل، وأنزل، أنزل تدل على التعدية، يعني: أن الله تعالى عدَّى القرآن من اللوح المحفوظ، إلى أنْ يباشر مهمته في السماء الدنيا، وهذا الإنزال من الله تعالى.
أما نزَّل فالتنزيل مهمة الملائكة؛ لذلك يقول تعالى في الإنزال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر﴾ [القدر: ١] أي: من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم تتنزَّل به الملائكة مُنجَّماً حسب الأحداث، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعراء: ١٩٣]
ويقول سبحانه: ﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ ... ﴾ [الإسراء: ١٠٥] فقد كان محفوظاً عندنا في اللوح المحفوظ ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون﴾ [الواقعة: ١٩٣] ثم نزل به الروح الأمين جبريل.
وما دام ﴿نَزَلَ بِهِ ... ﴾ [الشعراء: ١٩٣] فهذا يعني أن القرآن نزل معه، فقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعراء: ١٩٣] تساوي تماماً ﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ ... ﴾ [الإسراء: ١٠٥] . فالنزول يُنسَب مرة إلى القرآن، ومرَّة إلى الروح الأمين.
ومادة نزل وما يُشتق منها من إنزال وتنزيل تفيد كلها أنه جاء من جهة العلو إلى جهة أسفل منه، كأنك تتلقّى من جهة أعلى منك وأرفع، وما دُمْتَ تتلقى من جهة أعلى منك، فإيَّاك أنْ يضل بك الفكر لناحية أخرى.
стр. 14276
لذلك يقول تعالى مخاطباً رسوله ﷺ َ في أمر التكليف: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ... ﴾ [الأنعام: ١٥١] فنحن نفهم أن تعالوا بمعنى تعالَ. أي: أقبل، لكنها تحمل مع هذا المعنى معنى العلو: أقبل دانياً إلى متعالٍ، تعالَ من أوضاعك الرضية إلى عُلُو ربك في الملأ الأعلى.
تعالَ يعني: لا تأخذ من نفسك ولا من مُسَاوٍ لك، إنما ارتفع وخُذْ من الأعلى، ارتفع عن مستوى الأرض وعقولهم وأفكارهم، وخُذْ من الذي شرَّع لك؛ لأنه لا بُدَّ أن تكون عنده أمور ومواصفات آمن لك وأسلم؛ لأن علمه أوسع، فلا يُشَرِّع لك اليوم ما ينقضه غداً.
ثم إنَّ شرعه لك يستوعب كل نواحي حياتك وأقضيتها، وهذه المواصفات لا تكون إلا في الحق ﵎ وهو سبحانه أرحم بك من الوالدة بولدها، فلا يُشرِّع لك إلا ما يُصلحك، ثم هو سبحانه ليس له غرض أو مصلحة ذاتية من وراء هذا التشريع، كما نرى في تشريعات البشر للبشر.
وقد رأينا الرأسماليين حينما شرّعوا قانوناً جاء يخدمهم، وليكونوا هم أول المنتفعين به؛ لذلك سرعان ما تهاوى؛ لأن شرط المشرِّع الحق ألاَّ ينتفع هو بما يُشرِّع، وعليه فلا مشرِّع حقٍّ إلا الله.
لذلك رأينا حتى غير المؤمنين بالله من الكافرين أو المشركين بعد أنْ تعضَّهم الأحداث، وتخفق قوانينهم في حَلَّ مشاكلهم يلجئون إلى حلول لها من قوانين الإسلام.
ولما سُئلنا في سان فرانسيسكو عن قوله تعالى: ﴿هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المشركون﴾
[التوبة: ٣٣] وفي موضع آخر ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ والله مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون﴾ [الصف: ٨]
стр. 14277
قالوا لنا: هذا يعني أن الإسلام ظاهر على الأديان منذ أربعة عشر قرناً من الزمان، فما بالنا نرى الآن أكثر أهل الأرض من غير المسلمين؟
فقلت في الرد عليهم: والله لو فهمتُم أسرار اللغة، وتأملتُم هذه الآية لوجدتم أن الرَّد فيها، فواحدة تقول: ﴿وَلَوْ كَرِهَ الكافرون﴾ [الصف: ٨] ، والأخرى تقول ﴿وَلَوْ كَرِهَ المشركون﴾ [التوبة: ٣٣]
إذن: فالكفر والشرك موجودان مع وجود الإسلام، وليس معنى الظهور هنا أن يطمس هؤلاء، أو أنْ يُقْضَى عليهم قضاء مبرماً، إنما يظهر عليهم بحيث يُضطرون إليه، ويلجئون إلى أحكامه، رغم عدم إيمانهم به، وهذا أبلغ في الظهور، أنْ تأخذ بما في القرآن وأنت غير مؤمن به؛ لأنك لا تجد حلاً لقضاياك إلا فيه.
وأوضح مثال على ذلك أنهم هاجموا شرع الله في مسألة الطلاق، وفي مسألة تعدُّد الزوجات، واتهموا الإسلام بالوحشية. . إلخ، ثم تضطرهم أقضية الحياة ومشاكلها أنْ يشرِّعوا الطلاق، وأنْ يأخذوا به على مرأى ومَسْمع من الفاتيكان، فماذا جرى؟ فنقول لهم: هل أسلمتم وآمنتم؟ لا، إنما لجأنا إليه؛ لأن فيه الحل لهذه المشاكل التي أحاطتْ بنا.
فهذه إذن شهادة العدو لدين الله، وهذا هو أعظم الإظهار للإسلام على هذه الأديان؛ لأنهم أسلموا، لقالوا عنهم: أخذوا بهذا الشرع لأنهم لو أسلموا، إنما ها هم يأخذون به وهم به كافرون مشركون.
ومعنى ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ. .﴾ [السجدة: ٢] أي: لا شكَّ فيه، وقلنا: إن النسب في القضايا. أي نسبة شيء لشيء إما مجزوم بها أو غير مجزوم بها، فلو قُلْنا: الأرض كروية هذه قضية جزم بها
стр. 14278
الآن، ونستطيع التدليل على صحتها دليلاً حسياً، فهذه قضية واقعة ومجزوم بصحتها، وعليها دليل في الكون.
فإنْ كانت القضية غَيْرَ مجزوم بها، فهي بين ثلاث حالات: إما فيها شكّ، أو ظنّ، أو وهم: الشك أنْ تتساوى الكِفَّتان: الإثبات والنفي، والظن أن تغلب جانب الإثبات فلا تجزم به إنما ترجِّحه، فإنْ غلَّبْتَ الأخرى وجعلتها هي الراجحة، فهذا توهم.
وهنا قال سبحانه ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ. .﴾ [السجدة: ٢] لا شكَّ فيه، فنفى الشكَّ، وهو تساوي النفي والإثبات، وما دام قد نفى التساوي، فهذا يعني أنه أراد أنْ يثبت الأعلى. أي: أنه حقٌّ لا يرقى إليه الشك.
وجملة ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ. .﴾ [السجدة: ٢] جملة اعتراضية بين ﴿الكتاب. .﴾ [السجدة: ٢] ، وبين ﴿مِن رَّبِّ العالمين﴾ [السجدة: ٢] وما دام أنه من ﴿مِن رَّبِّ العالمين﴾ [السجدة: ٢] فلا بُدَّ أنه حقٌّ لا ريب فيه.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه بَلْ ... ﴾ .
стр. 14279
عجيب أنْ يقابلَ العربُ كلامَ الله بهذا الاتهام، وهم أمة فصاحة وبلاغة وبيان، وقد بلغوا في هذا شأناً عظيماً، حتى جعلوا للكلام معارض وأسواقاً، كما نقيم الآن المعارض لمنتجاتنا، ولا يُعرض في المعارض هذه إلا السلع الجيدة محلّ الفخر، فقبل الإسلام كان في عكاظ وذي المجاز مضمار للقول وللأداء البياني بين الأدباء والشعراء.
стр. 14280
فعجيبٌ منهم ألاَّ يميزوا كلام الله عن كلام البشر، خاصة وقد تحدَّاهم وتحدَّى فصاحتهم وبلاغتهم أنْ تأتي بآية واحدة من مثله، ومعلوم أن التحدي يكون للقوي لا للضعيف، فتحدَّى القرآن للعرب يُحسَبُ لهم، وهو اعتراف بمكانتهم ومكانة لغتهم، فهو - إذن - شهادة لهم، ويكفيهم أن الله تعالى أدخلهم معه في مجال التحدي.
ولما عجزوا عن الإتيان بمثله راحوا يتهمونه ويتهمون رسول الله، فمرة يقولون: شاعر، ومرة: ساحر، وأخرى يقولون: مجنون، ومرة يقولون: بل يُعلِّمه ذلك أحد الأعاجم. . إلخ، وهذا كله إفلاس في الحجة، فهم يريدون أنْ يُكذِّبوا رسول الله ﷺ َ، أما القرآن في حدِّ ذاته، فلا يَخْفى عليهم أنه كلام الله، وأن البشر لا يقولون مثل هذا الكلام، بدليل أن الوليد بن المغيرة لما سمعه قال: «والله، إن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغْدِق، وأنه يعلو ولا يُعلى عليه» .
لذلك لما لم يجدوا في القرآن مطعناً اعترفوا بأنه من عند الله، لكن كان اعتراضهم أنْ ينزل على هذا الرجل بالذات: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فكانوا
стр. 14281
ينتظرون أنْ يُنزَّل القرآن على عظيم من عظمائهم او مِلَك من الملوك، لكن أنْ ينزل على محمد هذا اليتيم الفقير، فهذا لا يُرضيهم، وقد ردَّ القرآن عليهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ... ﴾ [الزخرف: ٣٢]
يعني: إذا كنا قد قسمنا بينهم أمور الدنيا وما يتفاضلون به من عرضها، فهل نترك لهم أمور الآخرة يُقسمونها على هواهم وأمزجتهم؟ والرسالة رحمة من الله يختصُّ بها مَنْ يشاء من عباده ﴿والله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ... ﴾ [الأنعام: ١٢٤]
وهذا يعني أنهم انتهوا إلى أن القرآن مُعْجِز، وأنه من عند الله لا غُبَار عليه، والذي قرأه منهم، وأيقن أنه حق قال: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]
وهذا كلام لا يقول به عاقل، وقد دلَّ على غبائهم وحُمْقهم، وكان الأَوْلَى بهم أنْ يقولوا: اللهم إنْ كان هذا هو الحق من عندك فاهْدِنا إليه.
وقد ردَّ القرآن على كل افتراءاتهم على رسول الله، وفنَّدها جميعاً، وأظهر بطلانها، لما قالوا عن رسول الله إنه مجنون ردَّ الله عليهم:
﴿ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ١ - ٤]
والمجنون لا يكون أبداً على خلق عظيم؛ لأنه محكوم بالغريزة لا يختار بين البدائل والتصرفات كالحيوان، ولا ينشأ عن ذلك خُلق كريم.
стр. 14282
أما الإنسان السَّويُّ فإنه يختار بين البدائل المتعددة، فلو اعتدى عليه إنسان فقد يردُّ عليه. بمثل هذا الاعتداء، وقد يفكر في المثلية، وأن اعتداءه قد يزيد فيميل إلى التسامح، واحد يكظم غيظه وآخر يزيل كل أثر للغيظ، ويبغي الأجر على ذلك من الله، عملاً بقوله تعالى: ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ ... ﴾ [النور: ٢٢] وكأن الله يشجعنا على عمل الخير.
لذلك لما سُئل الحسن البصري: كيف يطلب الله منَّا أنْ نُحسن إلى مَنْ أساء إلينا؟ قال: هذه مَرَاق في مجال الفضائل، وقد أباح الله لك أنْ تردَّ الإساءة بمثلها ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ... ﴾ [الشورى: ٤٠] لكن بترك الباب مفتوحاً أمام أريحية النفس المؤمنة ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله ... ﴾ [الشورى: ٤٠]
ثم إذا حسبنا هذه المسألة بمقاييس العقل، فإن الخَلْق كلهم عيال الله، وهم عنده سبحانه سواء، فماذا لو اعتدى أحد عيالك على الآخر؟ لا شكَّ أنك ستكون في جانب المظلوم، فتأخذه في حضنك وترعاه وتعطف عليه، وكذلك الحق ﵎ يكون في جانب عبده إذا ظلم. وقد قال أحدهم: ألاَ أُحسن إلى مَنْ جعل الله في جانبي؟
من هنا يقولون: أنت لا تكسب كثيراً من الأخيار، إنما كل كسب
стр. 14283
لك يأتي من الأشرار حين يسيئون إليك وتحسِن إليهم؛ لذلك يقولون: فلان هذا رجل طيب، لكن مَنْ يمشي معه لا يستفيد منه حسنة أبداً، لماذا؟ يقولون: لأنه خادم للجميع، وجعل خدَّه (مداساً) لمن معه، فلا يجعل أحد (يستفتح) منه بحسنة.
ورُوي عن سيدنا رسول الله ﷺ َ أنه تبسَّم في مجلس مع أصحابه، فقالوا: ما يُضحك يا رسول الله؟ فقال: «رأيتُ ربي، وقد أجلس بين يديه خَصْمين، فقال أحدهما: يا ربِّ إن هذا ظلمني فخُذْ لي حقِّي منه، فقال: كيف آخذ لك حقك منه؟ قال: أعطني من حسناته بقدر ما أساء إليّ، فقال: ليست له حسنات، فقال: فخُذْ من سيئاتي واطرح عليه، فقال أَوَيرضيك ألاَّ تكون لك سيئة؟ قال: إذن، يا رب كيف أقضي حقي منه؟ قال: انظر يمينك، فنظر الرجل يمينه، فوجد قصوراً وبساتين وجِنَاناً، مما لا عَيْنٌ رأت، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر، فقال: لمَنْ هذه يا ربِّ؟ قال: لمن يدفع ثمنها، فقال: وما ثمنها يا رب؟ قال: أنْ تأخذَ بيد أخيك إلى الجنة، فعجبتُ من رَبِّ يُصِلح بين عباده» .
هذا عن قولهم عن رسول الله: مجنون، أما قولهم: ساحر.
فالردُّ عليها ميسور، فإذا كان محمد ساحراً، سحر مَنْ آمن به، فلماذا لم يَسْحركم أنتم أيضاً؟ فكونكم سالمين من السحر دليل على أنه ﷺ َ ليس ساحراً، بل هذا كذب وافتراء على رسول الله.
أما قولهم: شاعر، فهذا عجيب منهم، وهم أمة كلام وبلاغة،
стр. 14284
وهم أكثر خَلْق الله تمييزاً للشعر من النثر، وخير مَنْ يفرق بين الأساليب وطرق الأداء، وقد تولى الله تعالى الردَّ عليهم، فقال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ ... ﴾ [يس: ٦٩]
وفي سورة الحاقة، يقول سبحانه: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤١ - ٤٢]
فلما خابتْ كُلُّ هذه الحيل، وكذبتْ كل هذه الافتراءات قالوا: بل له شيطان يُعلِّمه، وكانوا يقولون ذلك للشاعر البليغ الذي لا يُشَقُّ له غبار في الفصاحة وحُسْن الأداء، حتى جعلوا لهؤلاء الجن مكاناً خاصاً بهم، فقالوا (وادي عبقر) ، وهو مسكن هؤلاء الجن الذي يُلْهِمون البشر ويُعلِّمونهم.
والشعر كلام موزون مُقفَّى، وله بحور معروفة، فهل القرآن على هذه الشاكلة؟ لا، إنما هو افتراء على رسول الله، كافترائهم عليه هنا: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه. .﴾ [السجدة: ٣]
فقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ. .﴾ [السجدة: ٣] أم تعني أن لها مقابلاً: يعني: أيقولون كذا؟ أم يقولون: افتراه، فماذا هذا المقابل؟ المقابل ﴿تَنزِيلُ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العالمين﴾ [السجدة: ٢] فالمعنى: أيُصدِّقون بأن هذا الكتاب من عند رب العالمين، وأنه لا رَيْبَ فيه؟ أم يقولون افتراه محمد، فأَمْ هنا جاءت لتنقض ما يُفهَم من الكلام السابق عليها.
وقوله: ﴿بَلْ هُوَ الحق مِن رَّبِّكَ. .﴾ [السجدة: ٣] نعرف أن (بل) تأتي للاستدراك، لكنها هنا ليست للاستدراك، إنما لإبطال قولهم: ﴿افتراه. .﴾ [السجدة: ٣] كما لو قُلْت: زيد ليس عندي بل
стр. 14285
عمرو، فأفادتْ الإضراب عما قبلها، وإثبات الحكم لما بعدها، وهم يقولون افتراه والله يقول: ﴿بَلْ هُوَ الحق مِن رَّبِّكَ. .﴾ [السجدة: ٣ٍ فكلامهم واتهامهم باطل، والقرآن هو الحق من عند الله.
وقُلْنا: إن ﴿الحق. .﴾ [السجدة: ٣] هو الشيء الثابت الذي لا يطرأ عليه التغيير؛ لذلك فالحقائق ثابتة لا تتغير أبداً، كيف؟ هَبْ أن حادثة وقعتْ نتج عنها مُدَّع ومُدَّعًى عليه وشهود، واجتمعوا جميعاً أمام القاضي، وقد يحدث أن يُغيِّر أحدهم أقواله، أو يشهد الشهود شهادة زور.
لكن خبرة القاضي ودُرْبته تكشف الحقائق وتُظهِر كذبهم حين يضرب أقوال بعضهم ببعض، ويسألهم ويحاورهم إلى أنْ يصل إلى الحقيقة؛ ذلك لأن الواقع شيء واحد، ولو أنهم يصفون واقعاً لا تفقوا فيه، ولباقة القاضي هي التي تُظهِر الباطل المتناقض وتُبِطله وتُحِقّ وتغلب الحق الذي لا يمكن أن يتناقض.
كالقاضي الذي اجتمع أمامه خَصمْان، يدَّعي أحدهما على الاخر أنه أخذ منه مالاً ولم يردّه إليه، فقال المدَّعَي عليه: بل رددته إليه في مكان كذا وكذا، فأنكر المدَّعى، فقال القاضي للمدَّعَى عليه: اذهب إلى هذا المكان، فلعل هذا المال وقع منك هناك، فذهب الرجل وأبطأ بعض الوقت، فقال القاضي للمدعى: لقد أبطأ صاحبك، فقال: أبطأ؛ لأن المكان بعيد، فوقع في الحقيقة التي كان ينكرها.
ثم يقول سبحانه: ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ. .﴾ [السجدة: ٣] ومعلوم أنه سيدنا رسول الله جاء بشيراً ونذيراً، لكن خصَّ هنا النذير؛ لأنه جاء ليصلح معتقدات فاسدة، وإصلاح الفاسدلا بُدَّ أن يسبق ما يُبشر به، ولم يأْتِ ذكر البشارة هنا؛ لأنهم
следующие страницы →