← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.

стр. 5706

الحق ويقول: إنه وضع منهجا لحياة البشر، ويعلم الإنسان ما يفسد حياته لا ما يصلحها. ونقول لكل من يفعل ذلك: لماذا تلجأ إلى من يصنع التليفزيون ليصلح لك الجهاز إن أصابه عطل، ولماذا لا تلجأ إلى صانعك الذي يصلح لك نفسك؟ إن تردد المسلم على بيت الله ليكون في حضرة ربه دائما هو إصلاح لما في النفس، فحين يقف المؤمن بين يدي الله ويصلي، يمتلىء بالرضا والتوازن النفسي؛ لأن الواحد منا لا يعرف ما الذي يصيب أي ملكة من ملكاته بالارتباك. ولذلك كان رسول الله ﷺ َ إذا حز به أمر يقوم إلى الصلاة، وما معنى حز به؟ . أي: إن جاءه شيء أو أمر، وكان فوق طاقته. وفوق أسبابه، ولا يستطيع أن يفعل شيئا تجاهه، وتضيق عليه الأمور. فلماذا لا يتبع الواحد منا رسول الله ﷺ َ كأسوة حسنة، فإن قابل أمرا مكروها وشاقا يقول: إن لي ربا أذهب إلى بيته وأصلي فأقف في حضرته، فتحل أصعب وأعقد المشكلات. إذن فساعة يأتينا أمر شديد، لا بد أن نتجه إلى الله . وأفضل مكان نلتجىء فيه إلى الله تعالى هو بيته. فقد كان ﷺ َ إذا كانت ليلة ريح شديدة كان مفزعه إلى المسجد حتى تسكن الريح، وإذا حدث في السماء حدث من خسوف شمس أو قمر كان مفزعه إلى الصلاة حتى تنجلي وبعض من الذين يحترفون الجدل واللجاجة يقول: ماذا سيفعل الله لي أو لذلك الذي يعاني من شيء فوق طاقته؟ لقد دخل المسجد وخرج كما هو؟ ونقول: هذا الظاهر من الأمر، ولكنك لا تعرف ماذا حدث في داخله، أنت تتحدث عن العالم المادي الذي فيه العلاجات المادية، ولكن الله سبحانه وتعالى

стр. 5707

يعالج داخل النفس دون أن تحس انت لن المساجد هي مطالع أنوار الله تعالى وهي التي يتنزل فيها النور على النور الذي يُصلح الحياة الدنيا ويرتقي بها؛ لأن أنوار الله تدخل القلوب فتجعلها تطمئن، وتدخل النفوس فتجعلها تحس بالرضا والأمن. إذن فالمساجد لها مهمة العيادة للطبيب الخالق الذي خلق هذه النفس ويعرف كيف يداويها، وليس للطبيب الدارس في كلية الطب الذي يعرف أشياء وتغيب عنه أشياء. ونحن في المساجد إنما نعيش في حضرة الحق ﵎ نتلقى منه التجليات والفيوضات التي تعالج نفوسنا أكثر مما يعالجها أبرع أطباء العالم، على أننا إذا دخلنا المسجد فلنعرف أن لهذا المكان قدسيته، ولا بد أن يحرص الإنسان على نظافته ومظهره، ولنرتد أحسن ثيابنا؛ لأن الله لا ينظر إلى نظافتنا أو أناقتنا، ولكن ليحرص كل منا ألا يتأفف منه من يصلي بجانبه؛ فمن يعمل في مصنع ويحضر إلى المسجد إلا بعد أن يغتسل؛ إن ملابسه شرف له في عمله، ولكن عليه أن يغيرها حين يذهب إلى المسجد، ومن يعمل في مكتب قد يكون الجو حارا أو امتلأ جسده بالعرق، وملابسه التي يوجد بها في وظيفته هي شرف له في عمله، ولكن عليه أن يغتسل، وأن تكون رائحته طيبة حين يدخل المسجد. ولذلك نهى رسول الله ﷺ َ من أكل ثوماً أو بصلاً أن يأتي المسجد حتى لا يتأذى أحد بالرائحة التي تصدر من فمه. وقال ﷺ َ في حديثه الشريف الذي يرويه جابر ﵁: «من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا أو فليعتزل مسجدنا» .

стр. 5708

وفي رواية لمسلم: «من أكل البصل والثوم والكرات فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم» ولذلك على المسلم أن يحرص أن تكون الإقامة في المسجد طيبة، لتكون الأفئدة منشرحة. ويجب أن نراعي جلال المسجد؛ لأننا نعرف أن الرحمات تتنزل على الصف الأول ثم الذي يليه، فلا يحاول واحد منا أن يحجز مكاناً بالصف الأول بأن يضع فيه سجادة خاصة أو كوفية، ثم يأتي أحيانا بعد إقامة الصلاة ويحاول اقتحام الصفوف ليصل إلى الصف الأول. وإياك أن تعتقد أن الصف الأول محجوز لشخص معين ولو أتى متأخرا، فكل إنسان يأتي للمسجد عليه أن يأخذ دوره، ويقعد في المكان الخالي. وإياك أن تعتقد أن الله لا يعرف الذين يتكوَّن منهم الصف الأول، إنهم هؤلاء الذين جاءوا للمسجد أولا. أما أن تحضر إلى المسجد وتحجز مكاناً في الصف الأول لصديق أو قريب بحيث إذا جاء إنسان آخر ليصلي في هذا المكان قلت له: إن المكان محجوز. نقول لك: أنت حر أن تفعل ذلك في الحجز للأماكن في مواسم الحج والعمرة. وعلى من يجد مكاناً قد حُجِزَ بسجادة أو أي شيء آخر أن يزيحها بعيدا ويصلي. وأنت في بيت الله تكون في ضيافة الله. وأنت تعلم أنه إن جاءك أحد في بيتك على غير دعوة فأنت تكرمه، فإذا كان المجيء على موعد فكرمك يكون كبيرا. فما بالنا بكرم من خلقنا جميعاً؟ إن الحق يجزيك من فيض كرمه من ساعة أن تنوي زيارته في بيته، فأنت في صلاة منذ أن تبدأ في الوضوء في بيتك استعداداً للصلاة في المسجد؛ لأنه يريد أن يطيل عليك نعمة أن تكون في حضرته.

стр. 5709

وسبحانه وتعالى حين يدعونا إلى بيته بالأذان، فلك أن تعلم أنك إن خالفت هذه الدعوة تعاقب، ولكن ليس معنى هذا أن الله لم ييسر لك بيته لتزوره في أي وقت. فهذه الدعوة بالأذان للصلاة تمثل الحرص من الله على أن يلقاك ليعطيك من فيوضاته ما تستعين به على مكدرات الحياة. ولكن إن أحببت أن تجلس في المسجد قبل الصلاة أو بعدها فافعل. تعالَ في أي وقت وصلِّ كما تشاء، فإذا قلت: «الله أكبر» تكون في حضرة الله. وإن لم تستطع فصلواتك الخمس في اليوم الواحد هي القسط الضروري لصيانة نفسك المؤمنة؛ لأنك تقابل ربك أثناء الصلاة وتعلن الولاء له. فالصلاة إذن خير أراده الله لك حتى لا تأخذك أسباب الحياة، وأراد سبحانه بها أن تفيق إلى منهجه الذي يصلح بالك، ويصلح الدنيا لك وبك فلا تأخذك الأسباب، بل تأخذ أنت بالأسباب. وحين تسمع «الله أكبر» ينادي بها المؤذن لصلاة الظهر - مثلا - فعليك أن تترك أسباب الدنيا وتذهب لتقف بين يدي الله ، ثم تخرج من الصلاة إلى الأخذ بالأسباب إلى أن تسمع أذان العصر، ثم أذان المغرب، ثم أذان العشاء، وكل هذا تذكير لك بالله الخالق العظيم حتى لا تشغلك الدنيا فتنسى أن صيانة نفسك بيد خالقك سبحانه. وأطول فترة بين العشاء والفجر نكون فيها نائمين فلا يأخذنا متاع الدنيا. إذن فالله يريد من الولاء دائما. فإذا كنت تعتز بالله فأنت تديم الولاء له باستمرار الصلاة، وأنت حين تسجد لله وتتذلل له، فإنه سبحانه يزيدك عزة ويكون معك دائما، ويقيك ذل الدنيا.

стр. 5710

وقلنا قديما: إن الإنسان إذا ما أراد أن يقابل عظيما من العظماء فهو يطلب المقابلة، وقد يقبل هذا العظيم مبدأ اللقاء وقد لا يقبل، فإن قبل حدد اليوم والساعة والمكان وفترة الزيارة. فإن أردت أن تطيل فهو يقوم واقفاً إعلاناً بأن الزيارة قد انتهت. ولكن الحق بمطلق الكرم لا يعامل خلقه هكذا، فبيته مفتوح دائما حين يدعوك للصلوات الخمس، فهذا أمر ضروري، ولكن بين الصلوات الخمس إن إردت لقاء الله فسبحانه يلقاك في أي وقت وتدعوه بما تشاء، وتطيل في حضرته كما تريد، ولا يقول لك أحد: إن الزيارة قد انتهت. وأذكركم دائما بقول الشاعر: حَسْبُ نفسِي عِزًّا بأنِّي عَبْدٌ ... يَخْتفِي بِي بلا مَواعِيد ربُّ هُوَ في قُدْسهِ الأعزِّ ولكِنْ ... أنَا اَلقَى متَى وأينَ أُحبُّ ونعود إلى قول الحق : ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله﴾ [التوبة: ١٧] . لأن المساجد مخصصة لعباده الله تعالى، فمن غير المنطقي أن يبنيها أو يجلس فيها مشرك أو كافر، وقوله تعالى: «ما كان» أي ما ينبغي، وقوله تعالى: ﴿شَاهِدِينَ على أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ أي هم الذين يشهدون على أنفسهم بالكفر؛

стр. 5711

فشهادتهم بالحال، وبالمقال. كما نشهد على أنفسنا بالإيمان حين نلبي في الحج والعمرة ونقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، أي أننا ننزه الله تعالى عن الشرك. وقوله : ﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ ، وُ ﴿أُوْلَئِكَ﴾ إشارة إلى المشركين الذين شهدوا على أنفسهم بالكفر، وحكم الله ألا يعمروا مساجد الله، و ﴿حَبِطَتْ﴾ أي نزلت من مستوى عال إلى مستواها الحقيقي دون مستواها الشكلي، فتجد العمل وكأنه منفوخ كالبالون الضخم، وهو في حقيقة مجرد فقاعة ضخمة ما تلبث أن تنكمش أو تسقط، فهي أعمال لا قيمة لها،. وليس لها حصيلة؛ لأنها أ‘مال باطلة. ولذلك يقول الحق : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بالأخسرين أَعْمَالاً الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحياوة الدنيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] . وتجد الواحد من هؤلاء يظل يعمل ويعمل، ويظن أنه سوف يجني خيراً كثيراً من هذا العمل، وقد يكون العمل مفيداً لغيره من الناس. ولكنه افتقد النية، ففسد نتيجة لذلك. والقرآن الكريم يعرض لحبوط الأعمال في آيات كثيرة والمثال هو قول الحق ﵎: ﴿والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٩] . والسراب هو ما يخيل إليك بلمعانه أنه ماء في الصحراء. وعندما تذهب إليه لا تجد شيئا. والذي لا يحس بالظمأ قد لا يلتفت إلى ذلك. ولكن الظمآن تتعلق نفسه بالماء، فيجيل بصره في كل مكان يبحث عنه، فإذا رأى أي لمعان حسبه ماء، وعندما يجيء إليه لا يجد شيئاً، وليت الأمر يقتصر على ذلك، بل هو

стр. 5712

يجد الله عنده ليوفيه الحساب. ومثل هذا الانسان لم يضع الله في باله يوماً من الأيام، وليس لمثل هذا الإنسان عند الله تكريم أو ثواب. لأن الإنسان يطلب أجره ممن عمل له، وهو لم يعمل عمله وفي باله الله. وأنت إذا صنعت معروفاً تقصد به وجه الله جزاك الله عنه خيرا، ولكن إن عملت معروفا لتحقق به مصلحة دنيوية خاصة بك أو تأخذ به شهرة فلا جزاء لك عند الله، ولا بد أن يصنع الإنسان المؤمن كل عمل وفي باله الله خالقه والمتفضل عليه بالنعم، فإن أطعمت فقيرا فلتطعمه لوجه الله، وعليك ألا تفعل المروءة من أجل أن يقال عنك: إنك صاحب مرءة. ومن يفعلون الخير عليهم أن يحرصوا على أن يكون الله في بالهم، لا أن ينالوا شهرة من هذا الخير، وألا يأتي منهم خبر هذا الخير لا بمقال ولا بحال. وعلى سبيل المثال تلك اللافتات التي توضع على المساجد بأسماء من قاموا بتأسيسها. فمن بُنِي من أجله المسجد وهو الله عليم بكل شيء، ويعلم اسم من أقام البناء، وعليك أن تسميه بأي اسم لا يمت لك بصلة، حتى لا تدخل في دائرة «عملت ليقال وقد قيل» . وحتى المقاتل الذي يحارب بين صفوف المؤمنين عليه أن يعقد النية لله، لا أن يقاتل من أجل أن يقال إنه شجاع، لأنه إن فعل، حبط عمله وكان من الخاسرين لأن عمله قد شابه الرياء والسمعة. ويبين الرسول ﷺ َ جزاء المرائين في حديثه الشريف الذي يقول فيه ﵊ ُ: «أول الناس يقضى لهم يوم القيامة ثلاثة: رجل استشهد فأتى به فعرَّفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت، ولكنك قاتلت ليقال فلان جرىء، فقد قيل، ثم أُمِر به فسُحِبَ على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل تعلم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن فأُتى به، فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال:

стр. 5713

تعلمت العلم وعلّمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال: عالم، وقرأت القرآن ليقال قارىء فقد قيل، ثم أُمِر به فسُحِب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كله، فأتى به فعرفه نعمه فعرفها فقال: فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال: كذبت، ولكن ليقال؛ إنه جواد فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه فألقي في النار» . وعلى ذلك فالإنسان إن لم يضع الله في باله وهو يعمل فسوف يجد الله يحاسبه على أساس أن عمله غير مقبول. ويقول الحق في آية ثانية: ﴿مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشتدت بِهِ الريح فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ على شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] . ولك أن تتصور ماذا تفعل العاصفة في الرماد؛ إنها لا تبقي منه شيئاً. والمشرك الذي كان يدخل المسجد ويسقي الناس من عصير العنب غير المخمر، ويقوم بعمارة المسجد الحرام قبل تحريم الله لدخول أمثاله إلى هذا المكان، هذا المشرك لم يكن ليأخذ ثواباً؛ لأنه ارتكب خيانة عظمى بأن أشرك بالله، بينما يأخذ المؤمن الثواب لأنه يدخل المسجد ويعمره وهو مؤمن بالله ولا يشرك به شيئاً. ويقول بعد ذلك: ﴿أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النار هُمْ خَالِدُونَ﴾ [التوبة: ١٧] . لأنهم عملوا لغير الله فلقوا الله بلا عمل. ويقول بعد ذلك:

стр. 5714

﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر وَأَقَامَ الصلاوة وآتى الزكاوة ... ﴾

стр. 5715

الإيمان: هو إيمان بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وقمة الإيمان شهادة أن «لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله» . وكانت هناك حساسية عند أهل قريش من مسألة الرسول هذه، وأنه محمد بن عبد الله، وبعضهم قد قال: القرآن جميل ورائع فلماذا جاء على لسان محمد؟ وكان اعتراض كفار قريش على الرسول ﷺ َ بهذا القول الذي حكاه القرآن عنهم: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] . إذن فالمشكلة عندهم لم تكن في القرآن ذاته، بل كانت في شخص رسول الله ﷺ َ. ويرد الحق بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياوة الدنيا﴾ [الزخرف: ٣٢] . أي أن رحمة الله تعالى خاصة به، لا يقسمها إلا هو بمشيئته، يقسمها كيف

стр. 5716

يشاء كما قسم بينهم معيشتهم وأعطاهم الرزق المادي، وإذا كان المولى سبحانه قد قسم رزقهم في الأدنى، فكيف يريدون هم أن يتصرفوا في الأعلى؟ لقد قالوا ما جاء في القرآن على ألسنتهم: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] . وكان المنطق الصواب أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، ولكنهم بغبائهم طلبوا الموت بدلاً من الهداية. فقد كانت عصبيتهم - إذن - ضد شخص الرسول ﷺ َ. وكان على من يعلن إيمانه بالله منهم أن يشهد أن محمداً ﷺ َ هو رسول الله. والحق ﵎ يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ الله مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر. .﴾ [التوبة: ١٨] . وهذا القول يحمل في مضمونه إيماناً برسول الله ﷺ َ؛ لأن الله يقول بعدها: ﴿وَأَقَامَ الصلاوة﴾ وإقامه الصلاة لا تصح منهم إلا إذا آمنوا برسول الله ﷺ َ فهو الذي قال لنا إنها خمس، وهو الذي علمنا كيف نؤديها وماذا نقول فيها، وهو الذي نشهد له ونحن نصلي؛ في الإقامة وفي التشهد، إذن فساعة نقيم الصلاة لا بد أن نكون مؤمنين برسول الله ﷺ َ. وعلى ذلك فقوله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصلاوة﴾ يقتضي ضرورة الإيمان برسول الله ﷺ َ. واشترط في هذه الآية

стр. 5717

الكريمة الإيمان به وباليوم الآخر وإقام الصلاة وفي طيها الإيمان برسول الله ﷺ َ ثم إيتاء الزكاة، وطلب منا ألا نخشى غيره، والخشية هي الخوف. وسبحانه وتعالى قد قال لرسوله ﷺ َ: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فانبذ إِلَيْهِمْ على سَوَآءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] . إذن فهناك خوف من أشياء أخرى، ونقول: إن الحق حين قال: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله﴾ أي لم يخش في دينه إلا الله، لكن لا مانع من الخشية التي تجعلك تعد لعدوك وتحذر عدوانه عليك. وانظر إلى دقة القرآن الكريم وعظمته، فقد جمع في آية واحدة بين الإيمان بالله واليوم الآخر والصلاة والزكان، ولم يأت فيها ذكر الإيمان بالرسول؛ لأنه مسألة مطوية في أركان الإيمان. ومن يفعل ذلك يدخل في زمرة من وصفهم الحق بقوله: ﴿فعسى أولئك أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين﴾ [التوبة: ١٨] . ولقائل أن يقول: كيف بعد أن آمنوا بكل هذا نقول: عسى؟ . . إذن فما حكم الذي لم يؤمن؟ ونقول: إن «عسى» و «لعل» أفعال رجاء، وذكرها يعني الرجاء في أن يتحقق ما يأتي بعدها، ومراتب الرجاء بالنسبة للنفس وبالنسبة للغير بالنسبة لله تختلف، أنت تقول مثلاً: اسأل فلاناً لعله يعطيك، هذه مرتبة من الرجاء، وتقول: لعلِّي أعطيك، وهذه أقرب إلى التحقيق من أن أرجو غيري أن يعطيك. إذن فهي مرحلة أعلى في الإجابة، وأن تقول: لعل الله يعطيك مرحلة ثالثة وعالية من الرجاء؛ لأنك ترجو الله ولا ترجو أحداً من البشر. والله سبحانه

стр. 5718

وتعالى كريم يعطي بسخاء. ولكن إذا قال الله عن نفسه: لعلي أعطيك، فيكون هذا توقعاً مؤكداً للعطاء. إذن فمراحل الرجاء؛ رجاء لغيرك من غيرك، ورجاء منك لغيرك، ورجاء من الله لسواك، وقول من الله بالرجاء. فإذا قال الله : ﴿عسى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ﴾ [لإسراء: ٨] . نقول: إنه الرجاء المحقق؛ لأنه كريم يحب أن يرحمنا ولا شيء يمنعه من أن يحقق ذلك. إذن فيكون الرجاء قد تحقق. وقوله تعالى: ﴿فعسى أولئك أَن يَكُونُواْ مِنَ المهتدين﴾ [التوبة: ١٨] . والهداية إما أن تكون هداية إلى سبيل يؤدي لغاية، أي يهدينا الله للمنهج، فإن عملنا به نصل إلى الجنة، لأن المنهج هو الطريق للجنة، بدليل أن الله يقول عن الكفار: ﴿وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النساء: ١٦٨ - ١٦٩] . إذن فالهداية مرة تكون للمنهج فنؤمن به ونعمل به، وإما لطريق يوصل إلى غاية. والذين ذكرهم الله في هذه الآية الكريمة هم كل: ﴿مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر وَأَقَامَ الصلاوة وآتى الزكاوة وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ الله﴾ وما داموا قد فعلوا ذلك؛ فهذا هو تطبيق المنهج، وبذلك فَهُمْ - إن شاء الله - لا بد أن تكون نهايتهم الجنة.

стр. 5719

ويقول الحق بعد ذلك: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج وَعِمَارَةَ المسجد الحرام كَمَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ الله ... ﴾

стр. 5720

جاءت هذه الآية رداً على كفار مكة الذين أسروا في غزوة بدر، وكان منهم العباس عم رسول الله ﷺ َ حين تحدث إليه بعض من الصحابة يدعونه للإسلام وللجهاد في سبيل الله فقال: إننا نسقي الحجيج ونرعى البيت، ونفك العاني، ونقوم بعمارة البيت الحرام قال العباس ذلك ولم يكن قد أسلم بعد. وما قاله العباس هو موجز رأي أهل الشرك من قريش، الذين جعلوا هذه المسائل مقابل الإيمان بالله والجهاد في سبيله. وجاء قول الحق ليؤكد أن الكفة غير راجحة فقال: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج. .﴾ [التوبة: ١٩] . وكلمة ﴿سِقَايَةَ﴾ تطلق ثلاث إطلاقات: فهي المكان الذي يجتمع فيه الماء ليشرب منه الناس والذي نسميه. السبيل. وكذلك تطلق السقاية: على الإناء الذي نشرب منه الماء، والذي يرفع إلى الفم كالكوب والكأس أو يسمى صواع الملك، وفي قصة يوسف ﵇ يأتي القول الكريم: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السقاية فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٠] . أما المعنى الثالث: فهو الحرفة نفسها؛ فنقول: هذه خياطة، وهذه حدادة

стр. 5721

وهذه سقاية، أي أنه عمل يتصل بسقاية الناس، فالسقاية - إذن - هي المكان الواسع الذي يتجمع فيه الماء، أو الإناء الذي نستعمله في الشرب، أو الحرفة التي يقوم بها السقا. وهنا يقول الحق ﵎: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج وَعِمَارَةَ المسجد الحرام كَمَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر﴾ [التوبة: ١٩] . فإن كنتم تفتخرون بأنكم تحترفون سقاية الحاج، وعمارة المسجد الحرام وتجعلون هذا في مقابل الإسلام، فذلك لا يصلح أبدا كمقابل للإيمان، ولا تتساوى كفة الإيمان بالله واليوم الآخر أبداً مع كفة سقاية الحجيج، وعمارة المسجد الحرام. ومن يقدر ذلك هو الله ، وله مطلق المشيئة في أن يتقبل العمل أو لا يتقبله. والمؤمن المجاهد في سبيل الله إنما يطلب الجزاء من الله، أما من يسقي الحجاج؛ ويعمر بيت الله دون أن يعترف بوحدانية الله كالمشركين - قبل الإسلام - فهو يطلب الجزاء ممن عمل من إجلهم، ولأنه سبحانه هو معطي الجزاء، فهو جل وعلا يوضح لنا: أن هذين العملين لا يستويان عنده، أي لا يساوي أحدهما الآخر في الجزاء. ويقال: إن سيدنا الإمام عليا ﵁، وكرم الله وجهه، مر على طلحة بن شيبة؛ والعباس ووجدهما يتفاخران، أي: يفاخر كل منهما الآخر بالمناقب التي يعتز بها؛ ليثبت أنه أحسن وأفضل منه. وكانت المفاخرة من طبع العرب حتى في الأشياء التي ليس لهم فيها فضل، والممنوحة لهم من الله مثل الشكل والنسب إلى آخره، لأن أحداً لا يختار أباه وأمه ليتفاخر بهما، وإنما كل ذلك هو عطاء من الله .

стр. 5722

لقد كان العرب مثلاً يجلسون أمام مكان ممتلىء بالماء يتفاخرون أيهم يغطس في الماء، ويبقى رأسه تحت الماء مدة أطول، أي: أيهم أطول نفساً من الآخر، مع أن هذه مسألة خاضعة لبنية الجسم وتكوينها من الله الخالق، وليس لأحد يد فيها، فهناك من أعطاه الله رئتين أقوى من الآخر، وهو الذي يستطيع أن يغطس مدة أطول، ولكن هذه المسألة كانت من أوجه التفاخر عند العرب. جلس طلحة والعباس يتفاخران، فقال طلحة بن شيبة: بيدي مفتاح الكعبة، ولو شئت أن أنام فيها لنمت. فرد عليه العباس: وأنا معي سقاية الحاج، ولو شئت ألا أسقي أحدا لا ستطعت. ومر الإمام علي كرم الله وجهه عليهما وهما يتفاخران، فلما سمع كلامهما قال: ما أدري ما تقولان لقد صليت ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد فنزلت الآية: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج وَعِمَارَةَ المسجد الحرام كَمَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ الله لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ الله﴾ [التوبة: ١٩] . ولم يكد العباس يسمع هذه الآية حتى قال: «إنَّا قد رضينا، إنَّ قد رضينا» ، قال ذلك لأن الله هو الذي حكم، وفي هذا القول إشارة إلى أن المفاخرة التي كانت بين العباس وطلحة لم تكن في موضعها. وكلمة ﴿عِندَ الله﴾ في الآية الكريمة تفيد: أن المقاييس عند الله تختلف عن المقاييس عند البشر؛ لأن المقاييس عادة تختلف حتى بين الناس، فلك مقاييس وللناس مقاييس. وقد تجامل نفسك في مقاييسك. وقد يجاملك الناس في مقاييسهم، أو قد يقسون عليك. وكل مقياس يكون فيه هوى؛ لأن كل إنسان إنما يؤثر نفسه. وكل إنسان يحاول أن يأخذ كل شيء. ولكن المقاييس

стр. 5723

التي لا هوى فيها والتي ليس فيها إلا العدل المطلق هي مقاييس الله، ولذلك نجدها تَجُبُّ كل شيء، وليس فيها أي فرصة للطعن. ثم يذيل الحق الآية الكريمة بقوله: ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ [التوبة: ١٩] . وهذه أوجدت الحل لمشكلات متعددة يثيرها بعض الناس حول الهداية، وكيف أنها من الله وليست من العبد لقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: ٥٦] . نقول: نعم، إن مشيئة الهدى من الله ، لكنه سبحانه قد أوضح لنا من لا يدخلهم في مشيئة هديه، فقال: ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين﴾ [البقرة: ٢٦٤] . وقال سبحانه: ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ [البقرة: ٢٥٨] . وقال سبحانه: ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾ [المائدة: ١٠٨] . وقد ذكر الحق هذه الحقائق في الكثير من آيات القرآن الكرين. وبعض الناس يقول: إن الهدى من الله، ولو أن الله هداني ما قتلت، وما سرقت وما ارتشيت، ونقول: هذا فهم خاطىء، ولنرجع إلى القرآن الكريم، فالحق ﵎ يقول: ﴿والله لاَ يَهْدِي﴾ أي نفي ما يستوجب الهداية عمن ظلم أو فسق أو كفر؛ لأن الحق سبحانه لاَ يَهْدِي من قام الكفر؛ أو قدم الظلم

стр. 5724

أو قدم الفسق؛ فكأن الكافر أو الظالم أو الفاسق، هو الذي يمنع الهداية عن نفسه. ولو قدم الإنسان الإيمان لدخل في هداية الله تعالى، فكأن خروج الإنسان عن مشيئة هداية الله هي مسألة من عمل الإنسان وباختياره، فقد يختار الإنسان طريق الغواية، ويترك طريق الهداية؛ لذلك لا يهديه الله؛ لأنه سبحانه لا يهدي إلا المؤمن به. وإن اختار الإنسان طريق الهداية، فالحق يعطيه المزيد من الهدى؛ لأنه آمن بالله؛ فاختار طريق الهداية، واستقبل منهج الله بالرضى. وهكذا نفهم قول الحق ﵎: ﴿فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨] . إذن فالحق يهدي من استمع إلى القرآن بروح الإيمان، واستقر في يقينه أن له ربا، واعتقد أن له إلهاً، وقد فصلنا ذلك في مسألة القضاء والقدر، وقلنا: إن الذين يقرأون القرآن لفهم قضية الهداية عليهم أن يستقرئوا كل الآيات المتعلقة بالموضوع، فسبحانه وتعالى قد أوضح أنه لا يهدي الكافر، إذن فهو يهدي المؤمن، وأوضح أنه لا يهدي الظالم، إذن فهو يهدي العادل، وأوضح أنه جل وعلا لا يهدي الفاسق، إذن فهو يهدي الطائع، فلا يقولن أحد: إن الله لم يشَأْ أن يهديني؛ لأن هذا فهم خاطىء لمعنى الهداية من الله؛ فسبحانه وتعالى قد بيَّن لنا من شاء هدايته ومن شاء إضلاله، وهو يهدي من قدم أسباب الهداية، وأسلم مقاليد زمامه للإيمان، والله يقول: ﴿وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً﴾ [مريم: ٧٦] . ويقول أيضا: ﴿والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] .

стр. 5725

إذن فالله أخبرنا مسبقاً بمن يستحق هدايته ومن لا يدخل فيها، وأنت باختيارك طريقك، إما أن تؤمن؛ فتدخل في الهداية، وإما أن تختار طريق الكفر والظلم والعياذ بالله؛ فتمتنع عنك الهداية. فإذا جاء أحد يجادلك؛ ويقول لك: إن الله قد قال: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [المدثر: ٣١] . لك أن تقول له: لقد بيَّن الله من شاء له الهداية، ومن شاء له الضلال، ولقد ضربنا لذلك مثلاً - ولله المثل الأعلى - فقلنا: إن الهداية قد وردت في القرآن الكريم على معنيين: المعنى الأول هو الدلالة على الطريق، وهذه هداية للجميع، فقد دل الله المؤمن والكافر على طريق الإيمان برسله وكتبه، أي: بيَّن لهم ما يرضيه وما يغضبه وما يوجب رحمته وما يوجب لعنته، فالهداية الأولى - إذن - وردت بمعنى الدلالة للجميع، أي: أنها هداية عامة. ثم هناك هداية ثانية خاصة للمؤمنين، وهي التي بيَّنها الله في قوله تعالى: ﴿والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] . أي: أعانهم على منهجه؛ فيسَّر لهم الطاعة وصعَّب عليهم المعاصي، فإذا امتثل المؤمن لمنهج الله وأطاعه، فالحق يشرح صدره بذلك، ويجبب الطاعة إليه؛ فيزداد طاعة. وإذا شرع في ارتكاب المعصية؛ بغَّضها له وجعلها ثقيلة على نفسه حتى يتركها. وضربنا لذلك مثلا بالرجل الذي يقود سيارته ذاهبا لمكان معين. وعند

стр. 5726

مفترق الطرق وجد رجلا من رجال المرور؛ فدله على الطريق، هذه دلالة عامة. وعندما يقدم الرجل الشكر لجندي المرور. فرجل المرور يُزيد من الإيضاح له: لا تتبع طريق؛ كذا لأن فيها متاعب ومصاعب، واتبع طريق كذا وكذا تصل في سرعة ويسر، وهذه زيادة في الدلالة، أو زيادة في الهداية. لكن إن قال سائق السيارة لنفسه: إن هذا رجل مرور لا يعرف شيئاً، وتجاهل شكره، فرجل المرور يتركه وشأنه. إذن فالحق سبحانه قد هدى المؤمن والكافر إلى طريق الإيمان، فمن اتخذ طريق الإيمان أعانه الله تعالى عليه. ومن اتخذ طريق الكفر - والعياذ بالله - تركه الله يعاني ويضل. ولذلك لا بد لنا أن نتذكر دائما أن الهداية هدايتان؛ هداية دلالة لكل الناس، وهداية معونة للمؤمنين فقط، وفي الدلالة العامة يقول الحق ﵎: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النجدين﴾ [البلد: ١٠] . أما دلالة المعونة: فهي التي يقول فيها المولى : ﴿والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] . وما يكشف لنا أن الهداية عامة، أن الحق حينما تكلم عن قوم ثمود وهم الذين بعث الله إليهم أخاهم صالحاً، قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] . ولو كانت الهداية هنا بمعنى أنهم أصبحوا مهتدين، وسلكوا سبيل الإيمان ما قال الله سبحانه بعدها: ﴿فاستحبوا العمى عَلَى الهدى﴾ [فصلت: ١٧] .

стр. 5727

إذن ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ في هذه الآية الكريمة معناها دللناهم على طريق الإيمان ولكنهم اختاروا طريق العمى والكفر. ويقول المولى بعد ذلك: ﴿الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ... ﴾

стр. 5728

وفي سورة الأنفال تصنيف آخر في قوله تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله والذين آوَواْ ونصروا أولئك هُمُ المؤمنون حَقّاً لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤] . وفي هذه الآية الكريمة من سورة الأنفال كان تصنيف المؤمنين بعد الهجرة مباشرة، وانتهت الهجرة؛ وأصبح الجميع سواء، فجاء التصنيف الجامع في آية التوبة. لقد أوضح المولى أن هذه الأعمال لم تكن مقبولة من المشركين، أما إن قام بها المؤمنون فلهم درجة عند الله. وفي هذه الآية الكريمة يصفهم الحق بأنهم ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ ، ﴿أَعْظَمُ﴾ صيغة أفعل التفضيل، وهي تعطي قدراً زائداً عن الأصل المعترف به، فيقال: فلان أعلم من فلان. وبهذا يكون الشخص الثاني عالما، ولكن الشخص الأول أعلم منه. ويقال: فلان أكرم من فلان، أي أن الموصوف الثاني كريم، والموصوف الأول أكرم منه. والله

стр. 5729

سبحانه وتعالى أراد أن يبين لنا الفوز عنده، فقال: ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله وأولئك هُمُ الفائزون﴾ [التوبة: ٢٠] . فهؤلاء هم الذين يحصلون على أكبر الأجر عند الله تعالى، وهم المؤمنون المهاجرون، والمجاهدون بأموالهم وأنفسهم، والفوز حكم يؤدي إلى أن تأخذ ما تحبه نفسك. فقال الحق موضحاً ما يفوزون به: ﴿الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله وأولئك هُمُ الفائزون﴾ [التوبة: ٢٠] . وما دام هؤلاء هم الفائزون، فالفوز إنما يكون في مضمارين اثنين. فالذين يصنعون أمورا خاصة بالدنيا قد يفوزون فيها بدرجة من النعيم، ولكن نعيمهم على قدر إمكاناتهم؛ وهو نعيم غير دائم؛ لأنه إما أن يزول عنهم بذهاب النعمة، وإما أن يزولوا هم عنه بالموت، إذن فهو نعيم ناقص. أما الذي يؤمن ويهاجر ويجاهد ويعمل لآخرته، فسوف يفوز بنعيم لا على قدر إمكاناته، ولكن على قدر إمكانات الله، ولا مقارنة بين إمكانات الله وإمكانات خلقه. وفوق ذلك فهو نعيم دائم لا يتركك فيزول عنك، ولا تتركه لأنك في الجنة خالد لا تموت. ثم يذكر الحق بعد ذلك قوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وجنات ... ﴾

стр. 5730

إذن فهذا قمة الفوز للقوم الذين يبشرهم الله في هذه الآية بالرحمة منه وبالرضوان المقيم. والبشارة - كما نعلم - هي نوع من الإعلام بشيء سوف يأتي مستقبلاً، أي، أنك حين تبشر إنسانا فأنت تخبره بشيء قادم يسره. إذن ففائدة البشارة أن تغري الإنسان بسلوك السبيل الذي يحققها، فأنا أبشرك بالنجاح إن استقمت وذاكرت واستمعت للأساتذة، ويشجعك كلامي لتجتهد حتى تحقق هذه البشارة، فكأن البشارة تجعلك تتخذ الوسيلة التي توصلك إليها. ولذلك فقد قلنا: إن الأسباب والمسببات والعلة والمعلول والشرط والجواب؛ كلها يجب أن تحرر بشكل آخر، لأننا كنا نتعلم أن الشرط سبب في الجواب؛ كقولك: «إن تذاكر تنجح» ، وعلى ذلك فالشرط هو المذاكرة، وسبب الجواب هو النجاح، ونقول: لا، إن الجواب هو السبب في الشرط لأنك لا تذاكر إلا إذا تمثل لك النجاح بكل ما يحققه لك من فرحة، إذن فالشرط سبب في وجود الجواب واقعا. والجواب سبب في وجود الشرط دافعا، أي: أ: ن الدافع لمذاكرتك هو ما يمثله لك النجاح من قيمة مادية ومعنوية. وكل إنسان يرغب في النجاح، لكن النجاح لا يتحقق بالدعاء فقط، بل بالمذاكرة التي تحقق النجاح كواقع. بمعنى أنك لا تذاكر إلا وقد تمثل لك النجاح بمواهبه ومزاياه وبمكانته ويفرح أهلك بك، وبفرحك بنفسك. ولهذا نقول: إن السبب هو الذي يوجد أولاً في الذهن. ومثال آخر: لنفترض أنك تريد أن تسافر إلى الطائف. فتكون الطائف هي الغاية، وتكون أنت قد خططت للوسيلة وفي ذهنك الغاية، إذن فالجواب يوجد دافعا، والشرط يوجد واقعاً. وقوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم﴾ أي: يخبرهم بالنهاية السارة التي سوف يصلون إليها ليتحملوا مشقة التكاليف التي يأمرهم

стр. 5731

بها المنهج؛ لأن الجنة محفوفة بالمكاره، ولأن التشريع الإلهي تقييد لحرية الاختيار في العبد، والمؤمن مقيد بأوامر الله تعالى في «افعل» و «لا تفعل» . ولكن غير المؤمن إنما يتبع هواه في كل حركاته، ويفعل ما يشاء له من الهوى ويطيع نزواته كما يريد، أما المؤمن فحريته فقط فيما لم يرد فيه تشريع من الله تعالى، أما ما يخضع للمنهج فهو مقيد الحركة فيه بما قضى الله به. فكأن الإيمان جاء ليقيد، ولكن إذا قارنا بين الجزائين، نجد أن الذي يتبع شهواته في الدنيا إنما يحصل على لذة موقوتة، وعمره في الدنيا محدود، إذن فهو الخاسر، لأن الذي قيد حركته بمنهج الله يأخذ اطمئنانا في الدنيا ونعيما مقيما لا يزول ولا ينتهي في الآخرة. والمثال الذي أضر به دائما هو الطالب الذي لا يذهب إلى المدرسة ولا يذاكر، ولكن يقضي وقته في اللعب واللهو، وهو قد أعطى نفسه ما تريد، ولكنه أخذ متعة محدودة، ثم بعد ذلك يعيش في شقاء بقية عمره. أما الذي قيد حركته بالمذاكرة، فقد منع شهوات نفسه في اللعب واللهو. وتكون الثمرة أنه يحقق لنفسه مستقبلا مريحا ومرموقا بقية عمره. إذن فكل من الطالب الذي يجتهد وذلك الذي يلهو ويلعب، كل منهما أخذ لوناً من المتعة. ولكن أحدهما أخذ متعة قصيرة جداً، ثم أصبح من صعاليك الحياة، أما الثاني فقد قيد نفسه سنوات معدودة ليتمتع بمستقبل ناجح. كذلك أنت في الدنيا؛ إن قيدت نفسك بالتكاليف «افعل» و «لا تفعل» ،

стр. 5732

فظاهر الأمر أنك قَيَّدْتَ حريتك، وإن فعلت ذلك برضا، فالله يعطيك راحة واطمئنانا ومتعة في النفس. ولذلك نجد الصلاة وهي التي يؤديها المسلم خمس مرات في اليوم على الأقل؛ هذه الصلاة في ظاهرها أنها تأخذ بعضا من الوقت كل يوم، ولكنها تعطي راحة نفسية، كما أنها تعطي اقتناعا يفوق التصور إن خشع فيها الإنسان وأداها بحقها، وكان ﷺ َ يقول: «يا بلالُ أرِحْنَا بالصلاة» . كما قال ﷺ َ ضمن حديث رواه عنه أنس بن مالك ﵁ «وجُعلَتْ قُرَّة عيني في الصلاة» . لأن التكليف ينتقل من المتعة إلى الراحة. ويتمتع الإنسان فيها بتجليات ربه وفيوضاته فترتاح نفسه وتهدأ. وانظر إلى قول الحق ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم﴾ ، تجد البشارة هنا آتية من رب خالق. والرب هو المالك؛ والمدبر الذي يرتب لك أمورك، وهو مأمون عليك. ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ﴾ [التوبة: ٢١] . والرحمة والرضوان من صفات الله وهي صفات ذاتية في الله، ومتعلقات العبد فيها أنه سبحانه يهبها لمن يشاء. ويتابع المولى قوله: ﴿وجنات لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١] . ونجد أن هذا ترقٍّ وتدرجٌّ في النعمة، فقد بشرهم الله سبحانه أولاً بالرحمة،

стр. 5733

وهي ذاتية فيه، ثم بنعمة دائمة في الحياة. ولنلحظ أن هناك فارقا بين النعمة والمنعم. ونضرب لذلك مثلا - ولله المثل الأعلى - إذا دعاك إنسان في بيته وقت الطعام ثم جاء بطبق فيه تفاح، لا بد أن يكون التفاح في الطبق يكفي كل الجالسين بحيث يأخذ كل واحد منهم تفاحة، فإذا أمسك صاحب البيت بتفاحة وأعطاها لأحد الجالسين. فهذا مظهر من مظاهر رعاية خاصة من صاحب البيت، وتمييز لشخص ضيفه عن بقية الضيوف، وهذه تمثل درجة أعلى من الكرم والاهمتام؛ فهي تمثل الرحمة والرضوان. أما التفاح نفسه فهو النعمة، ومثله مثل الجنات. وهكذا نرى أن هناك اختلافاً في التكريم. والمؤمنون حين يرتقون في درجة الإيمان؛ يعيشون دائما مع النعمة والمنعم، فإذا جاء الطعام قالوا: «بسم الله» ، وإذا أكلوا قالوا: «الحمد لله» ، ولكنهم إذا ارتقوا أكثر في الإيمان عاشوا مع المنعم وحده، ولذلك يباهي الله بعباده الملائكة؛ يباهي بعبادتهم وطاعتهم التي يلتزمون بها على أي حالة يكونون عليها، ولو نزل بهم أشد البلاء وسلبت منهم النعم، وهؤلاء من أصحاب المنزلة العالية. ولذلك «فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل» ؛ ليرى الحق من يحبه لذاته وإن سلب منه نعمة، وهذه منزلة عالية. فمن عبد الله ليدخل الجنة أعطاها له، ومن عبده سبحانه؛ لأنه يستحق أن يعبد، فسوف يرتقي في الجنة ليرى وجه الله في كل وقت؛ وأما الآخرون فيرونه لمحات، ولذلك يكون الجزاء في الآخرة على قدر العمق الإيماني للعبد، لذلك يقول الحق :

стр. 5734

﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً﴾ [الكهف: ١١٠] . وقال أحد الصالحين: «إني لا أشرك بك أحدا حتى الجنة، لأن الجنة أحد» . وهنا يقول الحق : ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ﴾ وقد ترحم ولكنك لا تنال الرضوان، فوضح المولى ذلك وأضاف «الرضوان» إلى «الرحمة» ، ولذلك يقول الحق : ﴿بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ﴾ والرضوان هو ما فوق النعيم. وبعد الرضوان يقول الحق : ﴿وجنات لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾ . ولقائل أن يقول: هل هناك جنة ليس فيها نعيم؟ ولماذا ذكرت النعيم؟ والجنة وجدت أصلا لينعم فيها الإنسان. ونقول لمثل هذا القائل: انتبه والتفت جيدا إلى المعنى، فالمتحدث هو الله . وقد يكون عند الإنسان نعمة واسعة، ولكن يحيا في الكثير من المنغصات، مما يجعله لا يستمتع بالنعمة، كمرض يملؤه بالألم، أو ابن عاق يكدر حياته، أو زوجة تملأ الحياة كدرا ونكدا، قد يحدث كل ذلك فلا يستمتع الإنسان بما يملك من نعمة الله؛ لأن المكدرات قد أحاطت به. وهنا يريد الحق أن يلفتنا إلى أن جنة الآخرة ليس فيها منغصات الدنيا، بل هي صفاء واستمتاع، يعطي فيها الحق لعبده ما تشتهيه نفسه ويبعد عنه جميع المنغصات، وقد يخاف الإنسان ألا يدوم مثل هذا النعيم، لذلك يطمئن الحق العبد المؤمن أنه ﴿نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾ ، قد ينظر إنسان إلى أن الإقامة مقولة تحمل التشكيك، فقد تستغرق الإقامة زمناً طويلاً ثم

стр. 5735

تنتهي، وشاء الله أن يطمئن المؤمن بوعد حق، فوعد المؤمنين بالخلود الأبدي في الجنة. فيقول : ﴿خالدين فِيهَآ أَبَداً إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ... ﴾

стр. 5736

وهذا ما يؤكد الاطمئنان في قول الحق : ﴿لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾ ، وكلمة ﴿لَّهُمْ﴾ أعطت شبه الملكية لهذا النعيم. ولذلك مهما تملك الإنسان في هذه الدنيا، فهذا الامتلاك لا يتجاوز حدود أن يجلس؛ ويقوم الخدم بتنفيذ أوامره؛ لأن المتعة إما أن تكون بيدك، وإما أن تنعم بالراحة ويقدمها لك غيرك. وعلى سبيل المثال حين تريد أن تأكل، فإما أن تعد الطعام لنفسك، وإما أن يعده لك غيرك. ولا يوجد إنسان مهما أوتي من ملك بإمكانه أن يحقق كل ما يريده بيده. بل لا بد من الالتجاء إلى مساعدة الآخرين. ولكن المؤمن في الجنة ينال ما يتمناه بمجرد أن يخر الشيء بباله، وهذا يختلف عن الدنيا؛ لأنك حين ترغب في شيء في دنيانا، لا بد أن تقوم به بنفسك، أو تعتمد على غيرك؛ لينفذه لك، حتى وإن كان ما تطلبه هو مجرد فنجان من القهوة، وأنت تحدد لصانعها الهيئة والنوع إن كنت تريدها بدون سكر، أو بقليل من السكر، أو بكثير من السكر، لأن كلا منا في الدنيا إنما يحيا مع أسباب الله. ولكن المؤمن في الجنة إنما يحيا مع المسبب وهو الله القادر العظيم. وحين يقول المولى : ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وجنات﴾ فنحن نلحظ مقابلة الجمع بالجمع، وهي كما علمنا من قبل تقتضي القسمة آحاداً، فإذا دخل الأستاذ الفصل وقال لتلاميذه: أخرجوا أقلامكم، فكل تلميذ لا يخرج أقلاما، بل يخرج كل قلمه. وإذا قلنا: اركبوا

стр. 5737

سياراتكم فليس معنى هذا أن يركب كل واحد كل السيارات، ولكن معناه أن يركب كل واحد سيارته. وقول الحق: ﴿جنات﴾ ليس معناه أن يدخل كل مؤمن كل الجنات، ولكن المعنى والمقصود أن يدخل كل منهم جنته على حسب الأعمال التي اكتسبها والمنزلة التي وصل إليها. ومن المهم أن نعلم أن صاحب الجنة عالية المنزلة لن يتلقى حسدا من صاحب الجنة متوسطة المنزلة. وصاحب الجنة الدنيا لن يحسد من هو أعلى منه، وكذلك لن يزهو صاحب الجنة عالية المنزلة على غيره. وكل واحد منهم يفرح بمكانة الآخر. مثلما يحدث أحيانا في الدنيا حين يتفوق إنسان في دراسته فقد نجد من هو أقل منه درجة يفرح له بصفاء نفس، وكذلك لا يزهو متفوق بمكانته على الأدنى منه، وإذا كان ذلك هو ما يحدث في الدنيا، فما بالنا بالآخرة؟ حيث يقول الحق : ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً على سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] . أي: أن كلا من أهل الجنة يفرح بمنزلته، ويفرح بمنزلة الأعلى منه، لأنه سينال من فيوضات الخير، التي عند الأعلى منزلة. عندما يأتي لزيارته وقد قالوا في قول الحق : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] . إن كل من علت منزلته في الجنة له جنة خاصة به، وجنة أخرى ليتكرم بها على من هم دونه، وكأنها مضيفة لمن يحبهم، إذن ففي الآخرة يفرح أهل الجنة

стр. 5738

بمن هم أعلى منهم، لأنهم سينالون منهم خيرا. وفي الدنيا إذا أراد إنسان أن ينال نعم كل الخلق، فلا بد أن يفرح بالنعمة عند صاحبها؛ لأنه حين يفرح بالنعمة عند صاحبها أتت إليه واستفاد منها، وعلينا أن نوقن بأن النعمة تعشق صاحبها أكثر من عشق صاحبها لها، لأنها تعرف أن الله قد أرسلها إليه، ولذلك يقول الحق ﵎: ﴿تؤتي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥] . وأنت حين تبذر بذرة الشجرة، تعطيك الشجرة الثمار، وهي التي تعطيك نتاجها. ولست أنت الذي تنتزعه منها، ولذلك نقول دائما: إن الرزق يعرف عنوانك جيدا ولكنك لا تعرف مكانه أبدا، فأنت تبحث عن الرزق في كل مكان وقد لا تجده. ولكن ما قسمه الله لك من الرزق تجده يسعى إليك ويأتيك حتما. وأهل الجنة لا يعرفون الحقد ولا الحسد ولا الغل. وقد قال رسول الله ﷺ َ لأصحابه وهم جالسون معه ذات يوم: «يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة» . ودخل الرجل وعرفه الصحابة، فأرادوا أن يعرفوا ماذا يعمله هذا الصحابي حتى يستحق بشارة رسول الله ﷺ َ بالجنة. قالوا له: ونحن نريد أن نعرف ماذا تفعل لنكون معك. فقال الرجل: إني لأصلي كما تصلون وأصوم كما تصومون وأزكي كما تزكون. ولكني أبيت وليس في قلبي غل لأحد. فذهبوا إلى رسول الله ﷺ َ وقالوا له: لقد قال الرجل كذا وكذا. فقال ﷺ َ: «وهل فضلت الجنة على الدنيا إلا بهذا»

стр. 5739

فالله يقول فيها: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: ٤٧] . ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تتخذوا آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ استحبوا الكفر عَلَى الإيمان ... ﴾

стр. 5740

والولي هو الذي يليك وينجز ما تحبه، وتلجأ إليه في كل أمر، وتأخذ منه النصيحة، كما أنه القادر أن يجيرك حين تفزع إليه، ويكون دائما بمثابة المعين لك، والقريب الذي يسمع منك، إذا استغثت يغيثك وينصرك، ويكون معك في كل أمورك. إن قارنا بين طلب المخلوق وطلب الخالق. والحق يوضح لنا هنا: إن أردتم أن يكون بناء الإسلام قويا لا خلل فيه، فإياكم أن يكون انتماؤكم غير انتماء الإيمان، فهو فوق انتماء النسب والحسب وغير ذلك، وإن قارنا بين طلب المخلوق وطلب الخالق، فما يطلبه الخالق فوق ما يطلبه المخلوق؛ لأنك إن أغضبت المخلوق في رضا الخالق تكون أنت الفائز، ويقذف الله في قلب كل من حولك رضاهم عنك، وسيقال عنك صاحب مبدأ وضمير، ولا ترضى أن تغضب الله ليرضى عنك أحد. وإن أسخطت الله لإرضاء مخلوق مهما كان، تجد أن الله يجعل هذا المخلوق يسخط عليك ويحتقرك. فإن شهدت زورا لصالح بشر. يعرف عنك هذا الذي شهدت زوراً في حقه أنك شاهد زور فلا يأمنك، وإن جئت بالصدفة لتشهد

стр. 5741

عنده فهو لا يقبل شهادتك ويحتقر كلامك. ولذلك قال الحكماء: شاهد الزور قد يرفع رأسك على الخصم بشهادته، ولكنك تدوس بقدمك على كرامته لأنه سقط في نظرك. والانتماء إذن هو انتماء لله، فإن صادفك قريب يريد منك أن تفعل ما يغضب الله فلا تطعه، ولكن لا تكن فظا معه. وخصوصا مع الوالدين لأن الله يقول عنهما: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ على أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان: ١٥] . والحق يقول هنا: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تتخذوا آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ استحبوا الكفر عَلَى الإيمان﴾ [التوبة: ٢٣] . إذن فالذي يربط كل شيء هو الكفر أو الإيمان. وقد أعطانا صحابة رسول الله ﷺ َ - المثل الخالد. فقد كان سيدنا مصعب بن عمير أكثر الفتيان تدللا في مكة، وكانت حياته في مكة قبل إسلامه غاية في الترف، وكان يرفل في الثياب الفاخرة، فلما هاجر إلى المدينة عاش ظروف الفقر المادي الصعب، لدرجة أن رسول الله ﷺ َ - رآه في الطريق ساترا عورته بجلد شاة فلفت النبي ﵊ ُ نظر الصحابة إلى حالته هذه وكيف فعل الإينما بمصعب حيث فضل الإيمان على نعيم الدنيا كلها. لقد رأى مصعب ﵁ أن شرفه بالانتماء إلى الإسلام أكبر من فاخر الثياب، وترف العيش وانطبق عليه قول الحق ﵎:

стр. 5742

﴿الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وجاهدوا فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ الله وأولئك هُمُ الفائزون يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً إِنَّ الله عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: ٢٠ - ٢٢] . وأعطانا سيدنا مصعب ومن معه المثل العظيم في الانتماء الإيماني، والمجاهدة في سبيل الله بالمال والنفس، وكيف نجعل اختيارنا مع منهج الله، هذا المنهج الذي يقيد الإنسان فيما له اختيار فيه. فالإنسان مقهور في أشياء ومخير في أشياء. ونعلم أن التكليف لا يأتي في الأمور التي نحن مقهورون عليها. وإنما يأتي فيما لنا فيه اختيار. فإذا ما كان لنا اختيار، فلنراع أن نختار بين البدائل في إطار منهج الله تعالى، ولا نخرج بعيدا عن هذا الإطار. وكان المسلمون الأوائل يضحون بالبيت والمال والولد، ويهاجرون في سبيل الله. واستقبلوا كل هذه التضحيات الصعبة بصدور مؤمنة، وصبر واحتمال شديدين؛ لأنهم وثقوا في البشارة من الله بأن لهم الجنة والرضوان، والنعيم المقيم؛ خالدين فيه لا يفارقهم ولا يفارقونه. وبهذا أقيم بناء الإسلام. وبعد أن بيَّن لنا الحق أسس الانتماء للدين، وجزاء هذا الانتماء، حذرنا أن ننحرف عنه لنرضى أبا أو إخوة أو أقارب، فقال: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تتخذوا آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ استحبوا الكفر عَلَى الإيمان وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فأولئك هُمُ الظالمون﴾ [التوبة: ٢٣] . ويريدنا الله أن نعرف أن الانتماء لله لا يعلو عليه شيء، فإذا مِلْناَ عن الحق لنرضي أقارب، أو لنحتفظ بمال أو منصب، فذلك ظلم للنفس؛ لأن جزاء الحق ونعيمه أكبر، فلا ينصرن أحد الباطل، ولا يجعل

стр. 5743

أحدنا الإيمان خادما لكفار لا يؤمنون بالله. ويوضح الحق هذه الصورة بقوله تعالى: ﴿إِنِ استحبوا الكفر عَلَى الإيمان﴾ ، وكلمة «استحب» أي: طلب الحب ومثلها مثل «استخرج» أي: طلب إخراج الشيء. وإذا قلنا «استجاب الله» معناها: أجاب. إذن ف «استحب» معناها: أحب، ولكن «استحب» فيها افتعال. و «أحب» فيها اندفاع بلا افتعال. وقول الحق ﵎ ﴿إِنِ استحبوا الكفر عَلَى الإيمان﴾ يدل على أن الكفر مخالف للفطرة الإيمانية للإنسان، لأن الإنسان بفطرته مؤمن محب للإيمان، فإن حاول أن يحب غير الإيمان، لا بد أن يتكلف ذلك؛ وأن يفتعله لأنه غير مفطور عليه؛ وليس من طبيعته. ولذلك يقول القرآن الكريم: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله﴾ [البقرة: ٢٨] . وهذا التساؤل والتعجب يوضح لنا أن الذين يحكّمون المنطق والفكر والعقل يصعب عليهم الكفر بالله، لماذا؟؛ لأن الكون وجد أولا، ثم وجد الإنسان، فكان من الواجب حين نأتي إلى كون لم نصنع فيه شيئا أن نسأل: من الذي أوجده؟ وكان من الطبعي أن يبحث العقل عن الموجدة، وخصوصا أن في الكون أشياء، لا قدرة للبشر على إيجادها؛ كالشمس، والأرض، والماء، والهواء، والنبات، والحيوان. وكلها تمثل الاستقبال الجامع لمقومات حياتك. كان من الطبعي - إذن - أن نسأل: من الذي أوجد هذا الكون؟ . خصوصاً أننا نفتش عمن اخترع لنا اختراعا بسيطا مثل: مصباح الكهرباء وندرس تاريخ حياته، وكيفية اكتشافه، لمجرد أنه أضاف إلى حياتنا اختراعا استفدنا منه، فما بالنا بمن خلق هذا الكون؟ . ولقد رحمنا من ضلالات الحيرة، فأرسل لنا رسولا برحمة منه؛ لينبهنا ويقول لنا: إن هذا الكون

стр. 5744

من خلق الله العظيم. لماذا إذن لا نصدق الرسول، ونتبع المنهج الذي أنزل إلينا؟ ولقد ضربنا مثلاً - ولله المثل الأعلى - بشخص سقطت به الطائرة وسط الصحراء وبقي حيا، لكن لا ماء ولا طعام، ثم أخذته سِنَةٌ من النوم واستيقظ ليجد الطعام والشراب، وكل ما يحتاج إليه حوله؛ ألا يفكر قبل أن يأكل من كل هذا: من الذي جاء به؟ . وأنت أيها الإنسان قد جئت إلى هذا الكون العظيم وقد أُعِدَّ إعداداً مثالياً لحياتك، وهو إعداد فوق القدرة البشرية، فكان يجب أن تفكر من الذي أوجد هذا الكون؟ . إذن: فالإيمان ضرورة فطرية؛ وضرورة عقلية أيضا، وإن ابتعدت عن الإيمان فهذا يحتاج إلى تكلف؛ لأنك تبتعد عن منطق الفطرة والعقل؛ لتحقق شهوات نفسك. وما دمت قد اتبعت هواك وخضعت لشهوات النفس، فهذا لون من التكلف الذي يصيب ملكاتك بالخلل، وعقلك بالخبل، فحب الكفر لا يكون عاطفياً، أو فطرياً، كما لا يكون منسجما مع العقل السليم، بل هو حب متكلَّف. فالذي يفعل حلالاً يحيا وملكاته كلها منسجمة، والذي يفعل حراما يعيش وملكاته مضطربة، والمثال: حين ينظر الرجل إلى زوجته، فهو ينظر إلى حلاله ويشعر أن ملكاته منسجمة، ولكن إن نظر إلى امرأة أخرى، فهو. . يشعر باضطراب الملكات. فالسلوك المتفق مه الإيمان سلوك سوي. أما السلوك الخارج عن منهج الإيمان فهو الذي يحتاج إلى تكلف، وهذا التكلف يعارض الطباع الإنسانية. بينما توابع الإيمان من الاستقامة لا تكلف شيئا، فالمؤمن يكون مستقيماً فلا يرتشي، ولا يسرق، ولا يدخل بنفسه إلى مزالق الهوى أو الشهوة، ويحيا حياة طيبة، فإن فتح «دولابه» الخاص، وأخذ منه شيئا فهو

стр. 5745

يأخذ ما يريد بهدوء واطمئنان، لكن المنحرف من يدخل إلى غير حجرته ليأخذ شيئا من «دولاب» ما، حتى ولو كان «دولاب» الأب النائم، لذلك نجده يسير على أطراف أصابعه متلصصا ليفتح «دولاب» أبيه. إذن: فالاستقامة لا تحتاج إلى تكلف، ولكن الانحراف هو الذي يحتاج إلى تكلف، ولذلك قال الله سبحانه: ﴿استحبوا﴾ ولم يقل؛ «أحبوا» ، لأن الحب أمر فطري، فالإنسان - مثلا - يحب ابنه حبا فطرياً عاطفياً، والحب العاطفي لا يقنن. فأنت لا تستطيع أن تقول: سأحب فلاناً وسأكره فلاناً؛ لأن العاطفة لا تأتي بهذه الطريقة؛ لذلك أنت تحب ابنك عاطفياً، حتى وإن كان فاشلاً في دراسته. لكنك تحب ابن عدوك عقليا إن كان متفوقاً، إذن فالحب العقلي هو الذي يقنن له. وكذلك أنت تكره الدواء المر بعاطفتك، لكنك تحبه بعقلك إن كان فيه شفاؤك، فتبحث عنه، وتدفع المال من أجله، وتحرص على أن تتناوله، وكلنا نعلم أن رسول الله ﷺ َ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون عنده أحب إليه من نفسه» . ووقف عند هذه سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ وقال: يا رسول الله: أنا أحبك عن مالي وأحبك عن ولدي، ولكن كيف أحبك عن نفسي؟ فكرر رسول الله ﷺ َ الحديث قائلا: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون عنده أحب إليه من نفسه» . وكررها ﵊ ُ ثلاثا، فعلم عمر بن الخطاب ﵁ أن هذا تكليف. والتكليف لا يأتي إلا بالحب العقلي الذي يمكن أن يقنن. وقد يتسامى المؤمن في الحب لرسول الله ﷺ َ ليصير حباً عقلياً
следующие страницы →