Полный текст (14 757 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.
стр. 6231
ليس فيها ماء، ولا دم، ولم يعد إلا أن تفيض العين على الخد، وذلك إظهار لشدة الحزن في القلب، وهذا المجاهد لا لوم عليه ولا ذنب؛ لأنه فعل ما في وسعه وما في طاقته وعبر عن ذلك بحرقة مواجيده على أنه لم يكن من أهل الجهاد.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّمَا السبيل عَلَى ... ﴾
стр. 6232
هناك قال سبحانه: ﴿مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ﴾ الذين كانت لهم أعذارهم في التخلف عن الجهاد، ولكن كانوا محسنين في تخلفهم هذا فقال تعالى: ﴿إِذَا نَصَحُواْ للَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ . إذن: فعلى من يكون السبيل؟
وهنا تأتي إجابة الحق سبحانه: ﴿إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ﴾ .
أي: أن طريق الإثم واللوم والتعنيف والتوبيخ إنما يتجه إلى هؤلاء الأغنياء الذين استأذنوا في أن يقعدوا عن القتال، ونعلم أن الغني إذا أطلق ينصرف إلى غنى المال، ولكن الغني إذا جاء بالمعنى الخاص، يكون معناه ما يدل عليه النص. فالذي لا يجد ما ينفقه أعْفيَ. إذن: فمن يجد ما ينفقه فهو غنيّ بطعامه. والضعيف قد أعفيَ، إذن: فالقويّ غنيّ بقوته. والمريض أعْفيَ، إذن: فالصحيح غنيّ بصحته، ومن لا يجد ما ينقله إلى مكان الجهاد قد أعفيَ، إذن: فمن يملك راحلة فهو غنيّ براحلته.
стр. 6233
وعلى ذلك لا تأخذ كلمة «الغنى» على المال فقط، بل انظر إلى من تنطبق عليه شروط الجهاد؟ إذن: فاللوم والتوبيخ والتعنيف والإثم على الأغنياء بهذه الأشياء، وطلبوا أن يقعدوا عن الجهاد.
ولسائل أن يقول: ولماذا يستأذنون وهم أغنياء؟
نقول: لأنهم منافقون، وقد وضعهم نفاقهم في موضع الهوان، حتى قال الحق عنهم: ﴿رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف﴾ ومن يَرضَ أن يكون وضعه مع الخوالف، فهو يتصف بدناءة النفس وانحطاط الهمة؛ فهم رضوا ان يُعاملوا معاملة النساء، والخوالف - كما نعلم - جاءت على مراحل، فهم قالوا: ﴿ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ القاعدين﴾ [التوبة: ٨٦]
وقلنا من قبل: إن القعود مقابل للقيام، والقيام من صفات الرجولة؛ لأن الرجل قَيَّم على أهله. والقعود للنساء، والخوالف ليست جمع خالف، وإنما هي جمع «خالفة» ، ولا يجمع بها إلا النساء، وكذلك كلمة «القواعد» يقول سبحانه: ﴿والقواعد مِنَ النسآء ... ﴾ [النور: ٦٠]
أي: أنهم ارتضوا لأنفسهم دناءة وخسة؛ فتنازلوا عن مهام الرجال، وارتضوا أن يكونوا مع النساء هرباً من القتال، والشاعر يقول:
وَمَا أدْرِي ولسْتُ إخَالُ أدْري ... أقوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نسَاءُ
أي: «القوم» في مقابل «النساء» .
ثم يعلمنا الحق بعقابهم، فيقول: ﴿وَطَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ .
стр. 6234
وفي الآية السابقة يقول سبحانه: ﴿وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ... ﴾ [التوبة: ٨٧]
ما الفرق بين النصين؟
إذا رأيت فعلاً تكليفيّاً مبنيّاً للمجهول، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ... ﴾ [البقرة: ٢١٦]
وقوله سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام ... ﴾ [البقرة: ١٨٣]
قد يقول قائل: كان المفروض أن يقال: «كتب الله عليكم القتال» و «كتب الله عليكم الصيام» ، لأنه صار أمراً لازماً مفروضاً، فكان الأولى أن يقول: كتب الله، أي أن الذي يفرض هو الله.
رغم أن الحق سبحانه هو الذي يكلف، إلا أن كل التكليفات تأتي بصيغة المبني للمجهول كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ... ﴾ [البقرة: ١٧٨]
وقوله سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت إِن تَرَكَ خَيْراً الوصية لِلْوَالِدَيْنِ والأقربين ... ﴾ [البقرة: ١٨٠]
والسبب في ذلك أن الله لم يكلف كافراً بأي تكليفات إيمانية؛ فسبحانه لم يكلف بأي حكم من أحكام الإيمان إلا من آمن به وأسلم له؛ لذلك فعندما يخاطب سبحانه بالتكليف يقول: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ... ﴾ [البقرة: ١٧٨]
ومن هذا نعلم أنه سبحانه لم يكتب فرضاً أو مهمة على من لم يؤمن، والإنسان يدخل في الإيمان باختياره، فإذا دخل في الإيمان كتب الله عليه. إذن: فالإيمان هو مدخل الفريضة. وما دُمْتَ قد آمنتَ فقد أصبحتَ طرفاً فيما فرضه الحق عليك؛ لأنك لو لم تؤمن
стр. 6235
فليست عليك فرائض، إذن: فأنت الذي ألزمتَ نفسك بحكم الله؛ لأنك آمنت به إلهاً خالقاً معبوداً. وبإيمانك أنت؛ فرض الله عليك، فأنت طرف في كل فريضة عليك. ورغم أنه هو الذي فرض، فقد أحبَّ فيك أنك دخلْتَ في نطاق التكليف بإيمانك؛ فبنى الفعل للمجهول.
وإذا جئنا إلى قوله : ﴿وَطَبَعَ على قُلُوبِهِمْ﴾ نجد أن الحق يلفتنا هنا إلى أن المنافقين هم الذي جلبوا لأنفسهم هذا الطبع على القلوب؛ لأنهم وضعوا في قلوبهم الكفر، ثم أخذوا يتحدثون بألسنتهم عن الإيمان، ويحاولون خداع المؤمنين، ويخادعون الله؛ فأراد الله أن يوضح لهم: ما دمتم قد اخترتم النفاق والكفر في قلوبكم؛ فسنطبع على هذه القلوب، ونختم عليها حتى لا يخرج الكفر منها ولا يدخل إليها الإيمان.
فسبحانه وتعالى - إذن - هو الذي طبع على قلوبهم، ولكن بعد أن ملأوا قلوبهم بالكفر ونافقوا، وهم الذين تسببوا بهذا الطبع لأنفسهم، بعد أن بدأوا بالكفر، فطبع الحق على قلوبهم بما فيها من مرض، ولو لم يبدأوا بالكفر لما طبع الله على قلوبهم؛ ولهذا جاء الفعل مبيّناً للمجهول، فهم مشتركون فيه.
أما الآية التي نحن بصددها فيقول تعالى:
﴿وَطَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ وساعة ينسب الطَّبْع إلى الله يكون أقوى طبع على القلوب، ويأتي الطبع من الله كحكم نهائي من أن الله قضى عليهم به، فلا يخرج من قلوبهم ولو كان قدراً ضئيلاً من النفاق، ولا تغادر قلوبهم ذرة من كفر، ولا يتسرب إلى قلوبهم ذرة من إيمان؛ لأنهم لا يعلمون قدر الإيمان الحق، والإنسان قد لا يفهم شيئاً، أي: لا يفقهه. ولكن قد يفهمه غيره ويعلمه هو عنه.
стр. 6236
لذلك فنفي الفقه أو الفهم لا ينفي العلم، ولكن حين ينفي العلم فهو ينفي الفهم عن الذات، وينفي الفهم عن الغير، ولذلك حين يقال: ﴿لاَ يَفْقَهُونَ﴾ أي: لا يفهمون بذواتهم، ولكن قد يتعلمون العلم من غيرهم.
أما إذا قلنا: ﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾ فالمقصود أنهم يفهمون ولا يتعلمون. إذن: نفي العلم ينسب إلى طبع الله على قلوبهم، أما نفي الفقه فينسب نسبة عامة للفعل المبني للمجهول.
فعندما نفى الحق الفقه عنهم بالفعل المبني للمجهول أوضح أنهم بنفاقهم لا يفقهون، ولكنه لم يَنْف احتمال أن يعلموا من غيرهم في المستقبل. ولكن عندما قال الحق: ﴿فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ قد نفى عنهم - أيضاً - العلم بذواتهم، وكذلك نفى قدرتهم على العلم من غيرهم، وهذه أقوى أثراً، وبذلك يكون الطبع على قلوبهم أقوى؛ لأنهم رفضوا العلم من ذواتهم ورفضوه من غيرهم.
ولذلك نجد ﴿لاَ يَفْقَهُونَ﴾ في موضع، ونجد ﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾ في موضع آخر، وكلُّ تناسب موقعها الذي قيلت فيه.
ثم يقول سبحانه: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ... ﴾
стр. 6237
ومعنى «يعتذر» أي: يبدي عذراً عن شيء يُخرجه من اللوم أو التوبيخ، ويقال: «اعتذر فلان» أي: فعل شيئاً مظنة أنه ذم، فيريد أن يعتذر عنه.
стр. 6238
والحق هنا يقول: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ وفي آية سابقة يقول مخاطباً النبي ﷺ َ: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ الله إلى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ ... ﴾ [التوبة: ٨٣]
وهكذا نلاحظ أنه سبحانه حين نسب الرجوع إلى الصحابة والمجاهدين قال: ﴿رَجَعْتُمْ﴾ ، وعندما نسبه إلى رسول الله ﷺ َ قال: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ الله﴾ مما يدلنا على أن زمام محمد ﷺ َ بيد ربه وحده، ولكن زمام أتباعه يكون باختيارهم.
وهنا يقول الحق: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ ويأتي بعدها ذلك الرد الواضح على محاولة المنافقين في الاعتذار: ﴿قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ﴾ ، وفي هذا رد حاسم، فأنت حين يعتذر إليك إنسان فقد تستمع لعذره ولكنك لا تقبله، ومجرد استماعك للعذر معناه أن هناك احتمالاً في أن يكون هذا العذر مقبولاً أو مرفوضاً، ولكن حين ترفض مجرد سماع العذر، فمعنى ذلك ألاَّ وجه للمعذرة.
والحق يقول لنبيه ﷺ َ: ﴿قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ﴾ فكأنما ساعة أقبل المنافقون على رسول الله ﷺ َ والمرمنين؛ وتهيأوا للاعتذار؛ وقبل أن ينطقوا بالعذر؛ أوضح لهم الرسول ﵊ ُ: لا تعتذروا، ورفض مجرد إبدائهم للعذر. ثم فاجأهم بالحكم في قوله تعالى: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ﴾ ومادة «آمن» تدور حول عدة معان، نقول «آمن» أي: اعتقد وصدق مثل قولنا: «آمن بالله» ، ويقال: «آمن بالشيء» أي: صدَّقه، و «آمن بكذا» أي: صدَّق ما قيل. والحق هو القائل: ﴿فَمَآ آمَنَ لموسى ... ﴾ [يونس: ٨٣]
стр. 6239
وقال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]
أي: لن تصدقنا. وآمن إذا تعدَّت بالباء فمعناها الاعتقاد، وإن تعدَّتْ باللام فمعناها التصديق، وإن تعدت بغير الباء وغير اللام فمعناها إعطاء الأمان، مثل قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ٣ - ٤]
وتجيء أيضاً «آمن» و «أمن» بمعنى الائتمان، مثل قول الحق على لسان يعقوب: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ على أَخِيهِ مِن قَبْلُ ... ﴾ [يوسف: ٦٤]
إذن: ف «آمن» إن تعدت بالباء فيكون معناها الاعتقاد الإيماني، وإنْ تعدَّتْ باللام فمعناها التصديق، وإن تعدَّتْ بنفسها إلى الفعل فهي إعطاء الأمان والسلام والاطمئنان، وإن تعدت بالمفعول أيضاً؛ فمعناها القدرة على أداء الأمانات، مصداقاً لقوله الحق: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً ... ﴾
[آل عمران: ٧٥]
وفي الآية التي نحن بصددها يقول الحق : ﴿قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ﴾ أي: لن نصدقكم. فقد جاء المنافقون ليعتذروا بأعذار كاذبة، ولكن رسول الله ﷺ َ يرفض مجرد سماع الاعتذار، وأعلن لهم: لن نصدقكم. ولو امتلك المنافقون ذرة من ذكاء لفهموا أن رب محمد ﵊ ُ قد أخبره بكل شيء؛ حتى بما في قلوبهم
стр. 6240
قبل أن ينطقوه، ولو امتلكوا ذرة من فطنة لرجعوا عن نفاقهم، ولدخلوا في الإيمان، ولكنهم لم يستوعبوا الدرس، فجاء الحق بالأمر واضحاً في قوله سبحانه: ﴿قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ فكأن المسألة ليست فراسة استنتاج، ولكنها وحي من الله.
ثم يقول الحق ﵎: ﴿وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ .
ما هو العمل الذي سيراه الله ورسوله، بعد أن رفض رسول الله عذرهم، وأخبرهم بأن الله قد أخبره بما يُخْفونه من كذب في صدورهم؟ فسبحانه العالم بالسرائر كلها، لقد شاء سبحانه ألا يغلق أمامهم باب المرجع إليه، وكان يجب من بعد ذلك أن يرتدعوا وأن يتيقنوا أن رب محمد ﷺ َ لا تخفى عليه حتى نواياهم. وما دُمْتم قد علمتم صدق محمد ﷺ َ في كل ما أبلغكم به، أصبح عليكم - إذن - أن ترجعوا وتخرجوا من دائرة النفاق لتدخلوا حظيرة الإيمان؛ وتراكم الدنيا من بعد ذلك وقد اختلفت أعمالكم من النفاق إلى الإيمان، أما إن أصررتم على ما أنتم فيه؛ فمعنى ذلك أنكم لم تستفيدوا من العملية الإعجازية التي أنبأ الله فيها رسوله بكذبكم.
إذن: فقد فتح الله باب التوبة أمامكم رحمة منه سبحانه، فانتهزوا هذه الفرصة؛ لأنه سبحانه سيرى أعمالكم في المستقبل، وعلى أساس هذه الرؤية يرتب لكم الجزاء على ما يكون منكم.
ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الغيب والشهادة فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ٩٤]
وما دام سبحانه عالم الغيب، فمن باب أوْلى أنه عليم بعالم الشهادة.
стр. 6241
والغيب - كما نعرف - هو ما غاب عنك، فلم تعرف عنه شيئاً. ولكن إنْ غاب عنك ولم يَغِبْ عن غيرك فهو غّيْبٌ نسبي؛ لأن هناك حجباً منعت عنك العلم، والمثَال: إن سُرق منك شيء فأنت لا تعرف السارق؛ ولكن السارق نفسه يعرف، ومن شاركه يعرف. والذي أخفى السارق عنده المسروقات يعرف. والذي ابتاع المسروقات يعرف.
إذن: فهو غيب عنك وليس غيباً على غيرك. أما الغيب المطلق فهو ما غاب عنك وعن غيرك، وهناك من يلجأ إلى الدجالين ممن يدّعون قراءة الأفكار، ويسمونهم المنوِّمين المغناطيسيين، ويطلب المنوّم من أي واحد أن يُخرج ما في جيبه من نقود وأن يقوم بعدّها، ثم يخبره بعددها، وإن أردت أن تكشف ألاعيبه؛ ضع يدك في جيبك وأخرج كمية من النقود لا تعرف أنت مقدارها، واسأله عن هذا المقدار فلن يعرف، لماذا؟ لأنك نقلت المسألة من غيب قد يعرفه غيرك إلى غيب مطلق.
إذن: فالغيب المطلق هو ما غاب عنك عن غيرك، وهو أيضاً ما لا تكون له مقدمات توصلك إليه، فأنت إذا أعطيت ابنك تمريناً هندسيّاً ليحله؛ فالحل غيب عنه ساعة يقرأ المسألة، ثم يستخدم المقدمات والنظريات حتى يصل إلى الحل، فكأن هناك أشياء لها مقدمات توصل إلى النتائج، وهذه ليست غيباً؛ لذلك لا يقال لمن اكتشف الكهرباء والذي اكتشف تفتيت الذرة أنهما علما الغيب. فقد كانت هناك مقدمات في الكون أوصلتهما إلى كشف بعض القوانين الموجودة بالفعل، لكنّنا لم نكُنْ نعرفها.
стр. 6242
وفي بعض التدريبات، نجد من يضع المسألة المطلوب حلّها، ويضع النتيجة الأخيرة بجانبها؛ لأنه لا يهدف إلى معرفة النتيجة، ولكنه يهدف لتعليم التلميذ كيف يصل إلى أسلوب الحل الصحيح.
ولذلك إذا أردت أن تحلّ شيئاً في الهندسة مثلاً، فلا بد لك من معطيات توصلك إلى الحل؛ كأن يُطلب منك - مثلاً - إثبات أن الخطين متوازيان، وفي هذه الحالة يجب أن تكون كل زاويتين متناظرتين متساويتين، وكل زاويتين متبادلتين متساويتين. إذن: فانت قد أخذت مقدمات أو معطيات أوصلتك إلى النتيجة، وكذلك في تساوي ضلعي المثلث أو أضلاعه؛ يكون إثباته بتساوي الزوايا. فهل في هذه الحالة يقال: إنك اهتديت إلى الغيب؟ أم أنك استخدمت مقدمات أوصلتك إلى نتائج؟
وأنت حين تبرهن على صحة النظرية المباشرة، تقول: إن هذا يساوي هذا حسب النظرية رقم تسعة مثلاً، وإن هذا مقابل لهذا حسب النظرية الجديدة، وإذا وصلت في براهينك إلى نظرية رقم واحد فهي النظرية التي لا مقدمات لها، ولا بد أن تكون بديهية.
وهكذا نجد أن كل علم في هذا الكون بُني على نظريات أو مقدمات بديهية، ثم تطورت بعد ذلك إلى اكتشاف ما أودعه الله في كونه من أسرار. أما الحق فهو يقول عن نفسه: ﴿عَالِمِ الغيب والشهادة﴾ أي أنه سبحانه عالم بالغيب المطلق، الذي لا توجد له مقدمات توصلنا إليه؛ ولذلك لا نستطيع أن نعرف الغيب المطلق؛ لأنه ليس معروفاً
стр. 6243
عند البعض، ومجهولاً عند غيرهم، وليس له مقدمات توصلنا إليه؛ لأنه الغيب الذي ينفرد به الحق .
ونجد الحق سبحانه يقول: ﴿عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ ... ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]
فسبحانه عالم الغيب المطلق، وهو يختلف عن الغيب المستور عن البعض، ويقول الحق عن مواعيد الكشف عن أسرار الغيب المستور: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ ... ﴾ [البقرة: ٢٥٥]
وحين يشاء الله أن يكشف عن بعض أسرار الغيب فهو يحدد الوقت الذي يشاؤه لذلك، وكل شيء في الكون له ميعاد ميلاد؛ مثل: الكهرباء، والذرة، والوصول إلى القمر، وغزو الفضاء، وهذه كلها أشياء لها مواعيد ميلاد.
ويبحث العلماء عنها باستخدام المقدمات. ولكنهم لا يصلون إلى سر ميلاد أي اكتشاف إلا بإذن الله حين يلفتهم إلى هذا السرّ؛ إما بالبحث العلمي، وإما أن يتم معرفته صدفة.
وهكذا نجد أن البشر يُحَاطون عِلْماً بهذه الأسرار بعد مقدمات وبإذن من الله.
وما دام الحق سبحانه هو عالم الغيب؛ فيكون سبحانه عالماً بالشهادة من باب أولى، وقد يظن ظان أنه جلس في مكان معزول مستور
стр. 6244
ويفعل ما يريد، فلن يشهده الله؛ لأنه قد يفعل ما يريد دون أن يراه أحد، لكن ذلك غير حقيقي؛ لأن الحق سبحانه عالم الغيب والشهادة، فلا يوجد مستور عنه في هذا الكون، فلا الغيب يغيب عن علمه، ولا العالم المشهود يغيب عن علمه.
وما دام قد جاء الحق هنا بقوله: ﴿عَالِمِ الغيب والشهادة﴾ فلا بد أن يأتي من بعدها ﴿يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: يخبركم مقدماً بجزاء ما ستفعلونه من خير أو شر حتى لا يقول أحد: إنه لم يكن يعرف، أو أنه لو علم أن فعله يؤدي إلى الشر لما فعل؛ وحتى يكون كل إنسان شهيداً على نفسه؛ لأن الله أبلغه بالجزاء، فيكون الجزاء عدلاً لا ظلماً.
ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء: ١٤]
فأنت الذي تحكم على نفسك.
ويقول الحق بعد ذلك: ﴿سَيَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ ... ﴾
стр. 6245
وكلمة ﴿سَيَحْلِفُونَ﴾ فيها سرّ إعجازي من الله؛ لأن حرف «السين» هنا تدلنا على أنهم لم يحلفوا بعد، أي أن الآية نزلت وقُرئت وسمعها المؤمنون والمنافقون قبل أن يحلف المنافقون، وآيات القرآن تُتْلى وتُقرأ في الصلاة، ولا تتغير ولا تتبدل إلى يوم القيامة.
стр. 6246
ولو كان للمنافقين قدرة على التدبر لما جاءوا وحلفوا. ولقالوا: إن رسول الله ﷺ َ قال في قرآن يوحي إليه: إننا سنأتي ونحلف، ونحن لن نأتي ولن نحلف؛ ولكن لأن الله هو القائل وهو الخالق وهو الفاعل، فقد شاء أن تغيب الفطنة عن أذهانهم، مثلما قال سبحانه من قبل: ﴿سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ... ﴾ [البقرة: ١٤٢]
وهم قد قالوا ذلك بعد نزول الآية.
والحق يقول هنا: ﴿سَيَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ إِذَا انقلبتم إِلَيْهِمْ﴾ والانقلاب معناه التحول من حال إلى حال. ومعنى الانقلاب في هذه الآية مقصود به العودة إلى المدينة مقر السلام والأمن بعد الحرب، فكأن الاعتدال في القتال والانقلاب في العودة إلى المدينة. ولكن لماذا سيحلف المنافقون بالله للمؤمنين؟ يقول الحق سبحانه: ﴿لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾ أي: لتعرضوا عن توبيخهم ولومهم وتعنيفهم؛ لأنهم لم يجاهدوا معكم.
فقال الحق: ﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ﴾ أي أعطوهم مطلوبهم من الإعراض ولكنه لون آخر من الإعراض، فلا تولموهم ولا توبخوهم ولا تؤثموهم، بل أعرضوا عنهم إعراض احتقار وإهانة، لا إعراض صفح ومغفرة؛ جزاءً لهم على ما فعلوا؛ لأن التأنيب والتوبيخ هما من ألوان الجزاء على المخالفة، ولكنه قد يحمل الأمل في المخالف ليعود إلى الصواب. فأنت إن لم يذهب ابنك إلى المدرسة مثلاً تُوبِّخه وتُعنِّفه، وأنت تفعل ذلك لأنك تأمل في أن ينصلح حاله، ولكن إذا استمر على مثل هذه الحال فأنت تهمله، والإهمال دليل على أنك فقدت الأمل في إصلاحه.
стр. 6247
كذلك كان الأمر بالنسبة للمنافقين، لو أن التوبيخ والإهانة كانت ستجعلهم يفيقون ويعودون إلى حظيرة الإيمان، فهذا دليل على أن هناك أملاً في الإصلاح، وهم لن ينصلح حالهم، وهم في ذلك يختلفون عن المؤمنين، فالمؤمن إن ارتكب إثماً فهو يستحق العتاب والتوبيخ من إخوته في الإيمان، وفي هذا إيلام له. والمؤمن عرضة أن تصيبه غفلة فيرتكب إثماً، فإذا حدث بعد هذا الألم إيلام له من نفسه، أو بواسطة إخوانه المؤمنين، فهو يفيق ويشعر بالذنب، وشعوره بالذنب وصول إلى التوبة.
أما هؤلاء المنافقون فلا ينفع معهم التوبيخ أو الإيلام النفسي؛ لأنهم لن يعودوا أبداً إلى حظيرة الإيمان، ولذلك جاء الأمر: فأعرضوا عنهم؛ لأنهم لا يستحقون - حتى - اللوم، فالتوبيخ جزاء على ذنب قد يُقلع عنه من ارتكبه. ولكن هؤلاء لا أمل فيهم، والعلة يأتي بها القرآن: ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ والرجس يطلق على معان متعددة، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ أي: هم الخباثة بذاتها، ويقول العلماء: أي أن فيهم خبثاً وقذارة.
وأقول: إن الرجس هو القذارة نفسها، فلا نقول: إنهم قذرون؛ لأننا إن قلنا ذلك فالمعنى يفيد أنهم طُهُرٌ أصابهم قذر، وهم ليسوا كذلك، إنهم «قذر» في حد ذواتهم، ولا يطهرهم شيء؛ لأن الذي يخرج من القذارة يكون مثلها؛ فهم خباثة لا يطهرها لَوْم أو توبيخ. وأطلق الرجس هنا مثلما قال الحق: ﴿إِنَّمَا المشركون نَجَسٌ ... ﴾ [التوبة: ٢٨]
ولم يقل: «نجسون» بل هم أنفسهم نجس.
стр. 6248
والرجس يطلق أيضاً على الشيء القذر حسيّاً؛ مثل الميتة، والحق سبحانه يقول: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ ... ﴾ [الأنعام: ١٤٥]
إذن: فالميتة قذارة حسّية، كذلك الخمر التي يقول فيها الحق: ﴿إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان ... ﴾ [المائدة: ٩٠]
فالخمر نفسها رجس، أي: قذارة حسّية، وعطف عليها الحق - سبحانه - الميسر والأنصاب، والأزلام؛ وأخذوا حكم الخمر، وهكذا نفهم أن الخمر رجس حسّي، بينما الأنصاب والأزلام والميسر رجس معنوي.
وهناك أيضا الرجز، ويطلق على وسوسة الشيطان، فالحق يقول: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النعاس أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السمآء مَآءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان ... ﴾ [الأنفال: ١١]
إذن: فالرجس له متعلقات؛ معناه الكفر، والكافر هو قذارة في حَدّ ذاته لا أنه إنسان أصابته قذارة.
ويقول الحق: ﴿فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ والمأوى: هو المكان الذي يؤويك من شر يلحقك، ويقال: «آوى إلى كذا» أي: هرب من شر يُراد به، فإذا كان المأوى الذي يفزعون إليه هو جهنم، فمعنى ذلك أنهم بحثوا عن منفذ فلم يجدوا منفذاً إلا أن يدخلوا جهنم، وهي بطبيعة الحال بئس المصير.
стр. 6249
وهل ذلك افتئات عليهم أم جزاء؟ يقول الحق: ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ ونعرف أن الحسنة يقال عنها: «كسب» ، والسيئة يقال عنها «اكتسب» ، والحق هو القائل: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ... ﴾ [البقرة: ٢٨٦]
وذلك لأن عمل الحرام المخالف لمنهج الله لا بد أن يشوبه الافتعال، أما عمل الحلال فهو أمر فطري لا يكلف النفس مشقة، ولا تتنازع فيه مَلَكَات، لكن بعض الناس الذين يعملون السيئات يألفونها إلْفَاً بحيث تصبح سهلة؛ فلا تكلفهم شيئاً، ويعتبر الواحد منهم السيئة كسباً، كأن تأتي لإنسان، فيحدثك بمغامراته في الخارج، ويروي عن رحلاته في باريس ولندن، وما فعل فيهما من منكرات. هو يظن أنه يحكي عن مكاسب، ولا يعلم أنه يحكي عن مصائب وقع فيها باختياره.
مثل هذا الإنسان يفعل السيئة، وهو معتاد عليها؛ فتصير كَسْباً. وهو عكس إنسان آخر وقعت عليه المعصية؛ فيظل يبكي ويبكي ويبكي، ويندم، وقد يضرب نفسه كلما تذكر المعصية، ويبدم عليها. فالأول فرح بخطاياه ومعاصيه واعتبرها كسباً وصارت له دُرْبة وله رياضة وله إلْفٌ بتلك المعاصي.
وهنا يقول الحق سبحانه:
стр. 6250
﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ ... ﴾
стр. 6251
والرضا هو اطمئنان القلب إلى أمر فيه نفعٌ؛ فحين أقول: أنا راضٍ بالشيء الفلاني، فمعنى هذا أن كمية النفع التي آخذها منه تكفيني. ومرحلة الإرضاء تختلف من إنسان إلى آخر، فقد ترضى أنت بنفع ما، وعند غيرك ما هو أحسن منه لكنه غير راضٍ، ويتميز المؤمن بأن كل ما يجري عليه من غير كسب منه، لا بد أن يرضى به؛ لأن مجريه رحيم. وقد تكون الرحمة لأمر لا يعلمه المؤمن الآن؛ فقد يُضَن عليه بمال؛ لأنه وقد تكون الرحمة لأمر لا يعلمه المؤمن الآن؛ فقد يُضَن عليه بمال؛ لأنه سبحانه لو زَوَّده بالمال فقد يبعثره على أولاده، ويصبح المال وسيلة انحرافهم، فالحق سبحانه يعطيه المال بقدر ما يطعم أولاده إلى أن يمر أبناؤه من فترة المراهقة، ثم ينعم ربنا عليه بالمال بعد أن وصل الأبناء إلى النضج، وضنَّ الحق على العبد أحياناً هو عين العطاء، ولذلك يقال: «إذا لم يكُنْ ما تريد، فَلْتُرِدْ ما يكون» .
ولماذا يحلف المنافقون؟ وتأتي الإجابة من الحق: ﴿لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ﴾ وماذا يحقق رضا المؤمنين لهؤلاء المنافقين؟ ثم هل للمؤمن رضاء من خلف رضاء رسول الله؟ وهل لرسول الله رضا من خلف رضاء ربه؟
إن ما يُفرح هو رضا مَنْ يملك النفع، فأنتم حين ترضون عنهم بعد أن يحلفوا لكم، وتقتنعوا ببشريتكم؛ فترضوا عنهم، فليس لكم رضا ينفعهم، ولا لرسول الله رضا من وراء رضا ربه، فالرضا الحق هنا هو
стр. 6252
رضا الله، فإياكم أن يخدعوكم بمعسول الكلام، وزيف الأساليب؛ كي ترضوا عنهم.
ثم يقول الحق: ﴿فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ﴾ .
أي: إن تحقق هذا الرضا منكم عنهم، فهو رضاً بعيد عن رضا الله ورسوله، وليس من باطن رضا رسول الله، ولا من باطن رضا الله؛ بذلك يُنْهي الحق الآية بقوله: ﴿فَإِنَّ الله لاَ يرضى عَنِ القوم الفاسقين﴾ وإن لم يَرْضَ الله فرضاكم لن ينفعكم، وطلبهم الرضا منكم غباء منهم، فإن رضاكم عنهم لن يقدم، ولن يؤخر؛ إلا إن كان من باطن رضا الله، ورضا رسوله.
وهنا ملحظ: هم فاسقون أم كافرون؟ نقول: إن الحق سبحانه أوضح لنا: ﴿إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار ... ﴾ [النساء: ١٤٥]
أي أن مكان المنافق في النار أسفل من مكان الكافر. وكيف يكون المنافق فاسقاً مع أن المؤمن قد يكون فاسقاً؟ فالمؤمن قد يفسق بأن يرتكب كبيرة من الكبائر، وسبحانه يقول: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أَيْدِيَهُمَا جَزَآءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ الله ... ﴾ [المائدة: ٣٨]
فالمؤمن قد يسرق، وقد يزني أيضاً. فسبحانه يقول: ﴿الزانية والزاني ... ﴾ [النور: ٢]
وما دام سبحانه قد جرّم الفعل، ووضع له عقوبة؛ فمن الممكن أت يرتكبه المؤمن، ولكن علينا أن نُفرِّق بين الفاسق والعاصي، فمن يرتكب
стр. 6253
الكبائر فهو فاسق، ومن يرتكب الصغائر فهو عاص. فكيف يصف الله المنافقين بالفسق؟ ولنذكر ما نقوله دائماً من أن الكفر، إنما هو كفر بمحمد وبالإسلام، والفسق إذا جاء مع الكفر فهو ليس فسق ارتكاب المعصية والإنسان على دين الإسلام، لكنه الخروج عن الطاعة حتى في الأديان التي يتبعها أي قوم، فالأديان كلها تضم قدراً من القيم، وأتباعها محاسبون على القيم التي في أديانهم، لكنهم أيضاً يفسقون عنها.
ويقول الحق بعد ذلك: ﴿الأعراب أَشَدُّ كُفْراً ... ﴾
стр. 6254
وقد تكلم الحق من قبل في المنافقين من غير الأعراب، وهم العرب الذين نزل لهم وللناس كافة منهج الله، وهنا يتكلم سبحانه من الأعراب، فما الفرق بين العرب والإعراب؟
العرب هم سكان القرى المتوطنون في أماكن، يذهبون منها أو فيها إلى مصالحهم؛ ويأوون إليها؛ وهذه مظهرها البيوت الثابتة، والتأهيل المستقر، لكن الأعراب هم سكان البوادي، وليس لهم استقرار في مكان، إنما يتتبعون مواضع الكلأ؛ وليس لهم توطُّن، ولا أنس لهم بمقام ولا بمكان.
ومعنى ذلك أن كلاّ منهم ليس له سياسة عامة تحكمه في تلك البادية، وكل واحد منهم - كما يقال - صوته من دماغه، أو من دماغ رئيس القبيلة، وما داموا بهذا الشكل، وليس عندهم توطن؛ يوحي بالمعاشرة
стр. 6255
التي تقتضي لين الجانب وحسن التعامل؛ لذلك يقال عن كل واحد منهم «مستوحش» أي: ليس له ألفة بمكان أو جيران أو قانون عام.
أما الذي يحيا في القرية ويتوطنها فله جيران، وله قانون يحكمه، وله إلف بالمكان، وإلف بالمكين، ويتعاون مع غيره، ويتطبع بسكان القرية ويألفهم ويألفونه ومع الإلف والائتلاف يكون اللين في التعامل، عكس من يحيا في البادية، فهو يمتلئ بالقسوة، والفظاظة، والشراسة؛ لأن بيئته نضحت عليه والوحدة عزلته.
فإذا سمعت «أعراب» فاعلم أنهم سكان البادية المشهورون بالغلظة؛ لأنه لا يوجد لهم تجمع يوحي لهم بلطف سلوك، وأدب تعامل، وكلمة «الأعراب» مفردها «أعرابيّ» . وهناك أشياء الفرق بين مفردها وجمعها التاء، مثل «عنب» و «عنبة» هي المفرد، وقد يفرق بين الجمع والمفرد «ياء» مثل «روم» والمفرد «رومي» .
ف «أعراب» - إذن - هي جمع «أعرابي» وليس جمع عرب. وهؤلاء مقسومون قسمين: قسم له إلف بالحضر؛ لأن كل أهل حضر قد يكون لهم بادية يلجأون إليها، أي أن الأعرابي حين يذهب إلى البادية فهو ينزل ضيفاً عليهم، ويسمون «المعارف» ، وكل واحد في البادية قد يكون له واحد في الحضر، إذا اضطر للذهاب للمدينة أو للقرية فهو ينزل عنده. وهناك قسم آخر لا بادية لهم ولا حاضرة.
وبعد أن تكلم الحق عن العرب ونفاقهم، يتكلم هنا عن الأعراب فيقول:
стр. 6256
﴿الأعراب أَشَدُّ كُفْراً وَنِفَاقاً وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
ولماذا هم أشد كفراً ونفاقاً؟ لأنهم بعيدون عن مواطن العلم والدعوة، وعندهم غِلْظة، وعندهم جفاء، وقوله سبحانه: ﴿وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ﴾ يعني: أحق ألاّ يعلموا حدود ما أنزل الله؛ لأن عرفان حدود ما أنزل الله من الأوامر والنواهي، والحلال والحرام، يأتي من التواصل مع العلم، وهذا لا يتأتَّى بالتنقل من مكان إلى آخر، بل لا بد من الاستقرار.
والعلم - كما نعرف - ألا تغيب عن العالم قضية من قضايا الكون؛ وكل واحد منا يعلم علماً على قدر تجربته ومراسه في الحياة، وعلى قدر جلوسه إلى العلماء، لكن الله وحده لا يعلم علم الجميع.
والعلم عند البشر قد يوظِّف، وقد لا يوظِّف، وكثير من الناس عندهم العلم لكنهم لا يوظِّفونه، ومن لا يوظِّف علمه يصير علمه حُجة عليه. أما من يُوظِّف علمه، ويضع الأمر في محله، والنهي في محله، والحلال في محله، والحرام في محله، والمشتبه يضع له حكماً مناسباً، فهو يوصف بالحكيم؛ لأنه وضع كل شيء في محله.
стр. 6257
فإذا شرع الله أمراً، فسبحانه قد شرع عن «علم» وعن «حكمة» ، وما دام قد شرع يجب ألا نخالفه؛ لأن كل تشريع ينزله الله على رسوله إنما هو لتنظيم حركة الحياة؛ لأنه سبحانه هو الذي خلق الحياة وخلق كل المخلوقات، وإياك أن تدس أنت أنفك فتشرِّع ما يغضب الحق؛ لأن فساد الكون كله قد جاء من الذين أرادوا أن يُقِّننوا للخلق، رغم أنهم لم يخلقوهم. ونقول لهم: دعوا التقنين للخلق لمن خلق الخلق، فهو الصانع العالم بحدود ما صنع ووضع قوانين صيانة ما خلق، وهو سبحانه هو الذي يمكنه أن يصلحها إن أصابها عطب أو فساد.
ومن هؤلاء الأعراب - الذين هم أشد كفاراً ونفاقاً، وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله - قوم آخرون يقول عنهم الحق: ﴿وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ ... ﴾
стр. 6258
وعلى سبيل المثال: إذا ذهب إليهم داعية من الدعاة، وقال لهم فكرة عن الإسلام. فالواحد من هؤلاء الأعراب يدَّعي في ظاهر الأمر أنه يتبع الإسلام، وإن عُلِمَ أن في الإسلام زكاة فهو يعطي عامل الزكاة النصاب المقرر عليه، ويعتبر ما دفعه «مغرما» أي غرامة؛ لأنه أعطى النصاب وهو كاره. وما دُمْتُ كارهاً فأنت لا تؤمن بحكمته، وتظن أن ما دفعته مأخوذ منك. وتقول: «أخذوا عرقي» و «أخذوا ناتج حركتي» وأعطوه لمن لم يعرق ولم يتحرك في الحياة، متناسياً أن هذا الأخذ هو تأمين لحياتك؛ لأنك حين تعجز ستجد من يعطيك، والإسلام يأخذ منك وأنت قادر، ويعطيك إذا عجزت، وفي هذا تأمين لحياتك.
стр. 6259
وأنت تعلم أن الأشياء أعراض في الكون؛ القوة عرض، والمرض عرض، والصحة عرض، والعجز عرض، وأنت عُرْضة إن كنت قادراً أن تصير عاجزاً، وإن كنت صحيح الجسد فأنت عرضة لأن تمرض، فإذا ما طمأنك المشرع على أن أخاك العاجز حين عجز أخذنا منك له حين قدرت؛ وبذلك تواجه أنت الحياة برصيد قوي من الإيمان والشجاعة، ويبين الحق لك أنك لا تعيش وحدك، ولكنك تعيش في مجتمع متكافل، إن أصابك شيء من عجز، فقدرة الباقي هي المرجع لك.
وكان الواحد من هؤلاء الأعراب يؤدي نصاب الزكاة وهو كاره ويعتبرها مَغْرماً، ومنهم من كان يتمنى أن تصيب المسلمين كارثة؛ حتى لا يأخذوا منه الزكاة، وهكذا كان الواحد منهم يتربص بالمسلمين الدوائر، مصداقاً لقول الحق: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوائر﴾ . أي يتمنى وينتظر أن يصيب الملسمين كارثة؛ فلا يأخذوا منه الزكاة التي اعتبرها مغرماً.
ولماذا قال الحق: ﴿الدوائر﴾ ؟ نعلم أن الخطْبَ الشديد حين يصيب الإنسان أو القوم إن كان فظيعاً وقويّاً يقال: «دارت عليهم الدوائر» . أي أن المصيبة أحاطت بهم؛ فلا منفذ لهم يخرجون منه، وكان بعض من الأعراب يتربصون بالمسلمين الدوائر؛ لأنهم كارهون لدفع الزكاة ويظنون أنها غرامة، ولا يستوعبون أن الزكاة تُكْتب في الميزان، وأنها تطهير ونماء للمال، وأنها حمل لعجز العاجز، إن عجز الواحد منهم؛ فسوف يجد من يحمله.
والذي يتربص بكم الدوائر، ولا يفطن إلى حكمة الأخذ منه، هو الذي تأتي عليه دائرة السوء مصداقاً لقوله الحق: ﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ؛ لأن أيّاً منهم لم يفطن وينتبه لقيمة الوجود في
стр. 6260
المجتمع الإيماني الذي يعطي له الزكاة إن عجز، فإن تربصت الدائرة بمن يأخذ منك، ولم تفطن إلى أن من يأخذ منك يصح أن يأخذ من الغير لك؛ فسوف تأتي الدائرة عليك.
وقوله الحق: ﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء﴾ تبدو كأنها دعوة، ومن الذي يدعو؟ إنه الله.
وهناك فرق بين أن يدعو غير قادر، وبين أن يدعو قادراً. إن كان ربنا هو من يقول: ﴿عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء﴾ ، فدائرة السوء قادمة لهم لا محالة.
وينهي الحق الآية: ﴿والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ، فسبحانه يسمع كلماتهم حين يأتي عامل الزكاة ليأخذ نصاب الزكاة، وكيف كانوا يستقبلونه بما يكره، وقد يكرهون في طي نفوسهم ولا يتكلمون، فإن تكلموا فالله سميع، وإن لم يتكلموا، وكتموا الكراهية في قلوبهم، فالله عليم، إذن: فهم محاصرون بعلم الله وسمعه.
وبعد ذلك جاء الحق سبحانه للصنف الثاني، وهم من لهم قليل من الإلف، فإن كان من أهل البادية فله أهل من الحضر، أو كان من الحضر فله أهل من البادية فيقول سبحانه: ﴿وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ ... ﴾
стр. 6261
ومن هؤلاء من يؤمن بالله، ويؤمن باليوم الآخر، وما ينفقه من زكاة أو صدقة فهو يتخذه قربى إلى الله الذي آمن به، وكنزاً له في اليوم
стр. 6262
الآخر، و «قربى» : أي: شيء يقربه إلى الله؛ يدخره له في اليوم الآخر، وقوله الحق: ﴿وَصَلَوَاتِ الرسول﴾ أي: يجعل ما ينفق قربة إلى الله وكذلك طلباً لدعاء الرسول؛ لأن الصلاة في الأصل هي الدعاء، فساعة يصل إلى رسول الله ﷺ َ نفقة للمسلمين الضعاف ممن يعتبرها قربة، فهو ﷺ َ يدعو له.
وقد قال ﷺ َ: «اللهم اغفر لآل أبي أوفى، وبارك لهم»
وقد دعا بذلك حين جاء له ما تزكى وتصدق به بنو أبي أوفى، ودعوة الرسول مجابة إلا ما قال الله إنه سبحانه لا يجيبه لحكمة.
ولقائل أن يقول ألا يعلم من يقدم الزكاة والصدقة قربى، أنه سبحانه غير مستفيد من هذا الحمل؟ ألا يعلم أنها قربى له شخصيّاً؟ نعم إنه يعلم، ويعلم أن الله يثيبه على أمر ينتفع به الفقراء، وفي هذه إشارة إلى أن كل تكليف من الله إنما يعود نفعه إلى المكلَّف لا إلى المكلِّف. وما دام العائد إلى المكلَّف؛ فالله يدعو لصالح ذاتك وإلى خير لك.
ومن اعتبرها قربى إلى الله يأت لهم القول الحق: ﴿ألا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ الله فِي رَحْمَتِهِ﴾ وقد قال ذلك للأعراب الذين أنفقوا قربى لله، وطمعاً في دعوات الرسول ﷺ َ، فأوضح لهم سبحانه أنها قربى لهم؛ لأنهم المنتفعون بها، وأنه سيدخلهم في رحمته. ورحمة الله هي نعيم مقيم، وهي دائمة وباقية ببقاء الله الذي لا يُحَدّ، أما الجنة فباقية وخالدة. بإبقاء الله لها. إذن: فدخولك في رحمة الله أعلى من دخولك جنته.
فحين يقال: «دخل في الرحمة» فمعنى ذلك أن الرحمة ستظله إلى ما لا نهاية.
стр. 6263
وحينما يسمع أي أعرابي قول الحق: ﴿وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ الله وَصَلَوَاتِ الرسول ألا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ الله فِي رَحْمَتِهِ﴾ ؛ فعندما سمع الأعرابي هذه الآية جلس يحدث نفسه بالعطاءات الإلهية. فيكبح جماح خطرات السوء في نفسه، أو بالزلات أو بالهفوات التي قد ينطق بها، وقد يقول الأعرابي لنفسه: إني أخاف ألا يغفر الله الخطرات أو السيئات والهفوات، فتأتي الآية مظمئنة له ما دام قد فعل السيئة بغفلة أو بسهو، وعليه أن يعلم أن الله غفور رحيم، ولا داعي أن يعكر على نفسه بالظن بأنه لن يدخل في رحمة الله.
لذلك جاء سبحانه بالقول: ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ لعل واحداً ممن يسمع هذا؛ يظن أن الجزاء والقربى والدخول في رحمة الله خاصٌّ بمن لم يذنب ذلك أبداً، فيوضح له القول: اطمئن. إن كنت قد حصلت منك هفوة أو غفلة، فاعلم أن الله غفور رحيم، فلا يعكر عليك ذنبك إيمانك بأنك سوف تدخل في رحمة الله.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿والسابقون الأولون ... ﴾
стр. 6264
و «السابق» هو الذي حصل منه الفعل - بصدد ما هو فيه - قبل غيره، وكلنا والحمد لله مؤمنون، ومن أمنوا أولاً، ومن آمنوا بعد ذلك كلهم مؤمنون، لكنْ هناك أناس سبقوا إلى الإيمان، فهل كان سبقهم سبق زمان أم سبق اتباع؟ إن سبق الزمان يتحدد في الذين عاصروا رسول الله ﷺ َ، فإن ظن ظان أن المقصود بالسابقين هم الذين سبقونا سبق زمان، فقد يقول منا قائل: وما ذنبنا نحن وقد جئنا بعد زمانهم؟
ولذلك نقول: إنما السبق يعتبر من معاصر، أي: كان معهم أناس غيرهم وهم سبقوهم؛ ولذلك جاء القول: ﴿مِنَ المهاجرين﴾ ونعلم أن الذين هاجروا مع الرسول لم يكن كل مسلمي مكة، وجاء قوله: ﴿مِنَ المهاجرين والأنصار﴾ وأيضاً لم يكن كل الأنصار من أهل المدينة هم من السابقين.
وينحصر المعنى في الذين سبقوا إلى الإيمان في مكة، وسبقوا إلى النصرة في المدينة، هؤلاء هم ﴿السابقون﴾ .
وفي سورة الواقعة يقول الحق: ﴿والسابقون السابقون أولئك المقربون فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٢]
ثم يأتي من بعدهم في المرتبة: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: ٢٧]
ثم يحدد الحق هؤلاء فيقول: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٤]
ولذلك حينما يأتي من يقول: لن يستطيع واحد من أمة محمد ﷺ َ تأخر عن عصر محمد ﷺ َ أن يصل إلى منزلة الصحابة؛ لأن الله قال:
стр. 6265
﴿والسابقون﴾ ، نقول له: لا، بل افطن إلى بقية قوله سبحانه: ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ ، وهذا دليل على أن بعضاً من الذين جاءوا بعد زمان رسول الله صلى الله عليه سينالون المرتبة الرفيعة، وهكذا لم يمنع الحق أن يكون من أمة محمد ﷺ َ سينالون المرتبة الرفيعة، وهكذا لم يمنع الحق أن يكون من أمة محمد ﷺ َ إلى أن تقوم الساعة مَنْ يصل إلى منزلة الصحابة.
وقد طمأن النبي ﷺ َ الناس الذين لم يدركوا عهده حين قال:
«وددت أنِّي لقيت إخواني» . فقال أصحاب النبي ﷺ َ: أو ليس نحن إخوانك؟ . قال: «أنتم أصحابي، ولكن إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني»
وهذا قول صادق من المصطفى ﷺ َ؛ لأن منا من تنحصر أمنيته في أن يحُجَّ ويزور القبر الشريف. ويضيف النبي ﷺ َ في وصف أحبابه:
«عمل الواحد منهم كخمسين» . قالوا: منهم يا رسول الله أم مِنَّا؟ قال: بل منكم؛ لأنكم تجدون على الخير أعواناً، وهم لا يجدون على الخير أعواناً «
وهذا ما يحدث في زماننا بالفعل.
ولكن من هم السَّابِقُونَ المقصودون في الآية التي نحن بصددها؟
﴿والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين﴾ ونعلم أن السابقين من المهاجرين هم أهل بدر، الذين دخلوا أول معركة في الإسلام، مع أنهم خرجوا من المدينة، لا ليشهدوا حرباً، ولكن ليعترضوا عيراً تحمل بضائع، ويرجعوا بالغنائم. ومع ذلك دخلوا الحرب، لا مع القوافل التي ضمَّتْ العير
стр. 6266
والحراس والرعاة، ولكن دخلوا الحرب مع النفير، وهم من جاءوا ونفروا من مكة، وهم صناديد قريش. وهكذا كانت منزلة أهل بدر، أنهم من سبقوا إلى الجهاد في أول معركة للإسلام.
«ولذلك حين وشى حاطب بن أبي بلتعة بغزوة رسول الله ﷺ َ إلى مكة، فجاء به ﷺ َ وقال له: ما الذي حملك على هذا؟ وكان ﷺ َ يريد أن يفتح مكة دون أن يعلم أحد؛ حتى لا يقاتل المسلمون القادمون بعضاً من المؤمنين الموجودين في مكة ولم يعرفهم أحد؛ لذلك أراد ﷺ َ المفاجأة في الفتح؛ حتى تهبط الشراسة الكفرية، لكن حاطب بن أبي بلتعة كتب خطاباً إلى بعض أهل قريش، فأخبر الله نبيه ﷺ َ، فقال النبي ﷺ َ لعليٍّ ﵁ ومن معه: اذهب إلى مكان اسمه» روضة خاخ «في الطريق بين مكة والمدينة، فستجد ظعينة (مسافرة) معها كتاب إلى أهل مكة، خبأته في عقيصتها.
فلما ذهب علي ﵁ ومن معه يبحثون عن المرأة في الموضع الذي ذكره لهم رسول الله ﷺ َ، وجدوا المرأة ولكنها أنكرت أن معها كتاباً، فهددوها؛ فأخرجته من عقيصتها؛ فوجده من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس من مشركي قريش. وعاد به إلى النبي ﷺ َ، فأحضر النبي ﷺ َ حاطبا، وقال له: ما حملك على هذا يا حاطب؟ قال له: يا رسول
стр. 6267
الله: أنا لصيق بقريش ولي فيها أهل ومال، وليس لي بها غزوة؛ فأردت أن أتخذ يداً عند قريش يعرفونها لي؛ فيحافظوا على أهلي وعلى مالي، وعرفت أن ذلك لا يضرك شيئاً وأن الله ناصرك. وما فعلته ينفعني ولا يضرك، قال: صدقت. وأراد عمر ﵁ أن ينزل عله بسيفه، فقال النبي صلى الله عيله وسلم:» إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطّلَع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم «
لأن أهل بدر دخلوا المعركة بدون عُدَّة، وبدون استعداد، ومع ذلك هانت نفوسهم عليهم، فكأن الله قال: أنتم عملتم ما عليكم، وقد غفرت لكم ما تفعلونه من السيئات.
إذن: فالسابقون من المهاجرين هم أهل بدر وأهل الحديبية، وهم أهل بيعة الرضوان الذين رُدُّوا مع رسول الله ﷺ َ عن العمرة، ثم عقد النبي ﷺ َ مع القرشيين المعاهدة.
والسابقون من الأنصار هم من جاءوا للنبي في مكة، وأعطوا له العزوة وأعطوا له الأمان والعهد، وكانوا اثني عشر في بيعة العقبة الأولى، وخمسة وسبعين في العقبة الثانية. هؤلاء هم السابقون، وأضاف الحق إليهم ﴿والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ﴾ أي: من يأتي من بعدهم.
стр. 6268
وسيدنا عمر له وقفة في هذه الآية، فقد ﵁ يقرأها هكذا: «والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار» أي: يعطف كلمة الأنصار على «السابقون» وكانت قد نزلت: ﴿والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار﴾ ويكمل سيدنا عمر بعد «والأنصار» «الذين اتبعوهم بإحسان» أي: أنه جَعل «الذين ابتعوهم» صفة للأنصار.
وجاء زيد بن ثابت ليقول لسيدنا عمر: «قرأناها على غير هذا الوجه يا ابن الخطاب» . قال: فماذا؟ قال: ﴿والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم﴾ .
فقال عمر: ابعث إلى أبيّ بن كعب، وكان ابن كعب حجة في القرآن فقال أبيّ: هكذا سمعتها - كا قال زيد - من رسول الله ﷺ َ وأنت تبيع القَرَظ في البقيع. أي أن أبيّ بن كعب كان ملازماً للنبي ﷺ َ بينما عمر يبيع القرظ، فضحك عمر وقال: لو قلت شَهِدت أنت وغِبْنا نحن، وقرأها عمر من بعد ذلك كما نزلت.
﴿والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ﴾ خصوصاً أن سيدنا أبيّاً البصير بالقرآن جاء بأكثر من دليل من غير هذه الآية فقد قال الحق: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ ... ﴾ [الجمعة: ٣]
стр. 6269
وقوله الحق في سورة الحشر: ﴿والذين جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفر لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذين سَبَقُونَا بالإيمان ... ﴾ [الحشر: ١٠]
وهي معطوفة أيضاً.
وهنا في الآية التي نحن بصددها يقول الحق:
﴿رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذلك الفوز العظيم﴾ [التوبة: ١٠٠]
وفي هذا القول ما يطمئن أمة محمد ﷺ َ فلم يَأتِ لنا فقط بخبر الفئة السيئة من المنافقين من العرب، والمنافقين من الأعراب، ولكنه أوضح لنا أن هناك أناساً وصلوا لنا جمال هذا الإيمان.
ويقول الحق بعد ذلك: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِّنَ الأعراب ... ﴾
стр. 6270
أوضح سبحانه: وطِّنوا أنفسكم على أن من حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون، وهذا التوطين يعطي مناعة اليقظة؛ حتى لا يندس واحد من المنافقين على أصحاب الغفلة الطيبين من المؤمنين، فينبههم
следующие страницы →