Полный текст (14 757 стр.). Показаны 6476–6515 · переход к 6481.
стр. 6476
ونقول لمثل هذا القائل: لا، إن حروف القرآن التي بدئت بها السور يجب أن ننطقها كما هي، فننطق «ألف» ثم نقف، ونقرأ «ميم» ثم نقف، ونقرأ «لام» ثم نقف، ونقرأ «ميم» ثم نقف؛ لأن هذه الحروف جاءت هكذا، وعلّمها جبريل ﵇ لرسول الله ﷺ َ هكذا، حتى لا نقول رتابة كلام، بل إن لذلك حكمة عند الله سواء فهمتها أنت الآن أم لم تفهمها.
وقد نزل القرآن على أمة عربية وظل أناس على كفرهم، وكانوا يعاندون رسول الله، ويترصدون لأي هفوة؛ ليدخلوا منها للتشييك في القرآن، ولكن أسمعتم رغم وجود الكافرين الصناديد أن واحداً قال: ما معنى ﴿الم﴾ ؟
لم يقل أحد من الكافرين ذلك، رغم حرصهم على أن يأتوا بمطاعن في القرآن، بل اعترفوا بمطلق بلاغة القرآن الكريم، مما يدل على أنهم فهموا شيئاً من ﴿الم﴾ بملكتهم العربية، ولو لم يفهموا منها شيئاً؛ لطعنوا في القرآن. لكنهم لم يفعلوا.
وأيضاً صحابة رسول الله ﷺ َ وهم أهل حرص على الفهم، هل سمعت أن أحداً سأل رسول الله عن معنى ﴿الم﴾ ؟ لم يحدث، مما يدل على أنهم انفعلوا لقائلها بسرِّ الله فيها، لا بفهم عقولهم لها؛ لأن الوارد من عند الله لا يوجد له معارض من النفس، وإن لم العقل فهو يرفضه مع استراحة النفس له.
стр. 6477
وضربنا من قبل مثلاً، فقلنا: إن آل فرعون حين استحيوا نساء بني إسرائيل وذبحوا الذكور، فماذا فعلت أم موسى؟ لقد أوحى لها الله ما جاء خبره في القرآن: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم ... ﴾ [القصص: ٧]
هاتِ أيَّ أمٍّ وقُلْ لها: حين تخافين على وليدك فارميه في البحر، طبعاً لن تنفذ أي أم هذا الاقتراح.
كان من الممكن أن تحاول أم موسى إخفاء موسى بأي وسيلة.
أما أن تلقيه في البحر مظنّة أن تنجيه من الذبح، فهذا أمر غير متخيَّل، ولكن هذا أمر وارد من الرحمن بالإلهام والوحي، فلا يأتي الشيطان؛ ليعارضه أبداً؛ ولذلك طمأنها الحق سبحانه؛ لأن الآيات وردت: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم ... ﴾ [القصص: ٧]
стр. 6478
وكأن هناك تمهيداً يعلِّمها الاستعداد للأمر قبل أن يقع، وحين جاء الأمر: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إلى أُمِّكَ مَا يوحى أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم ... ﴾ [طه: ٣٨ - ٣٩]
والكلام هنا كلام عَجَلَة؛ لأن هذا وقت التنفيذ، وطمأنها سبحانه بأن أصدر أوامره للبحر أن يقذفه إلى الشاطئ:
﴿فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل ... ﴾ [طه: ٣٩]
وأصدر الحق أوامرع إلى العدوِّ أن يأخذه؛ ليربيه: ﴿فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ... ﴾ [طه: ٣٩]
إذن: وارد الرحمن لا يأتي له رد أبداً.
وكذلك يستقبل المؤمن ﴿الم﴾ بسر الله فيها، لا بفهم عقله.
وأنا أنصح من يريد أن يقرأ القرآن تعبداً ألا يشغل نفسه بالمعنى، على خلاف من يقول: «اقرأ لتستنبط» ؛ لأن من يريد أن يستنبط هو الذي يقف عند اللفظ، ويطلب معناه. فإذا قرأت القرآن للتعبد؛ فلتقرأه بسر الله فيه؛ حتى لا تحدد القرآن بمعلوماتك؛ فتأخذه أخذاً ناقصاً بنقصك البشرى؛ لذلك في قراءة التعبد نأخذ اللفظ بسر الله في اللفظ؛ فليس كل قارئ للقرآن متخصصاً في اللغة؛ ليعرف أصل كل كلمة، والكثير منا أمي، يريد التعبد بالقرآن، إذن - فليأخذ القرآن بسر من لقنه إياها.
стр. 6479
وقد فهم العربي القديم عن الحروف التوقيفية في أوائل بعض السور أشياء، وللغته فيها نظائر؛ لأنه مثلاً حين يقرأ الشعر، ويلتفت إلى شاعر يقول:
ألا هُبِّي بِصحْنكِ فَاصبِحينا ... ويقول:
ألا لايَجْهَلنْ أحدٌ عليْنا ... فَنجهَل فوْقَ جَهل الجَاهِلينَا
ما معنى ألا هنا، ولماذا جاءت؟ فالمعنى واضح بدونها، لكن العربي القديم قد نطق هذا البيت، وعرف أن الكلام وسيلة إفهام وفهم بين المتكلم والسامع. والمتكلم هو مالك الزمام في أن يتكلم، أو لا يتكلم، والسامع مفاجأ بالكلام، فإذا ما ألقيت الكلام إلى السامع؛ قد يكون في ذهنه مشغولاً، وإلى أن ينتبه لكلماتك، قد تفوته جزئية من جزئيات الكلام؛ فتنبه أنت إلى ما قلت؛ فيتنبه؛ ليستوعب كل ما قلت.
стр. 6480
إذن: فما المانع أن يكون الحق يريد أن يهيئ الأذهان ب ﴿الم﴾ ؛ حتى نسمع، ثم تأتي الآيات الحاملة للمنهج من بعد ذلك؟
وما المانع في أن نفهم أن النبي الأمي لا يعرف كيف ينطق بأسماء الحروف، فهو إن نطق فإنما يصدر ذلك بعد تعليم الله له؟
ولماذا لا نفهم منها أيضاً أن وسائل الفهم لا تنتهي إلى أن تقوم الساعة؟ وإلا لو انتهت عند البشر؛ لكان كلام الله قد حددت صفته بفهم البشر، وسبحانه قد شاء أن نغترف من معاني كلماته الكثير على مدى الأزمان، والقرآن كلام الله، وكلام الله صفته، وصفته لا تتناهى في الكمال، فإن عرفت كل مدلولاتها، تكون قد حددت الكمال بعلم، لكن القرآن لا نهاية له.
ولماذا لا نفهم أن القرآن الذي بيّن الحق أنه معجزو محمد ﷺ َ هو من جنس ما نبغ فيه قومه؛ فتحداهم من جنس ما برعوا فيه. ويقول لهم: هاتوا مثيلاً له، ولن تستطيعوا، ولو أنه جاء بالقرآن على غير لغتهم في الكلام لقالوا: لا نستطيع؛ لأن حروف هذه اللغة جديدة علينا.
وقد شاء الحق أن يكون القرآن من نفس الحروف التي يتحدثون بها، وبالكلمات التي يعرفونها في لغتهم، وشاء سبحانه أن يجعل حروف وكلمات وآيات وأساليب القرآن غير قابلة للتقليد؛ لأن المتكلم مختلف، وبهذا جاءت عظمة القرآن لا من ناحية المادة الخام التي تبني منها
стр. 6481
الكلمات وهي الحروف؛ بل المعاني والنسق الذي جاءت به الحروف، فالمادة الخام - وهي الحروف - واحدة. وصار القرآن معجزة؛ لأن المتكلم هو الله.
وضربنا من قبل المثل لنقرب ذلك إلى الأذهان: هب أننا نريد أن نقيس مهارة من ينسجون الأقمشة، ونضع أمام كل منهم مجموعة من غزل الصوف وغزل القطن، وغزل الحرير، وهذه مواد خام يختلف كل منها عن الآخر، ونقول لهم: كل واحد منكم عليه أن ينسج قطعة من كل صنف لنعرف الأفضل في النسج.
وسنسمع من يقول: إن نتيجة نسج الصوف نسيج خشن، وناسج القطن سينسج قطعة تأخذ صفات القطن، وناسج الحرير سينسج لنا نسيجاً ناعماً، أما إن أعطينا كلاّ منهم نوعاً واحداً من الغزل؛ صوفاً أو قطناً أو حريراً، هنا سنعرف من الأقدر على النسج.
إذن: لو أن القرآن جاء بغير حروف العرب، وبغير كلمات العرب؛ لقالوا: لو كانت عندنا هذه الحروف وهذه الكلمات؛ لأتينا بأحسن منها.
стр. 6482
لذلك شاء الحق أن يأتي القرآن من جنس الحروف والكلمات. ولذلك تحوم العقول حول مقدمات آيات السور؛ لتعرف شيئاً من الإيناسات بعد أن تواصلت الثقافات، ولم تعد اللغة العربية متوافرة مثلما كان الحال أيام نزول القرآن، ومن كانوا يملكون هذه الملكة الصافية أيام الرسول ﷺ َ سمعوا الحروف التي في أوائل بعض السور وقبلوها، والحق سبحانه يقول: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم﴾ [يونس: ١]
و ﴿تِلْكَ﴾ : إشارة، ولا بد أن نفرق بين الإشارة والخطاب؛ لأن البعض يخلط بينهما، فالإشارة هي التي تشير إلى شيء مثل قولنا: هذا وذا، أو تلك، وهذا: إشارة لمذكر، والمثال هو قولنا: هذا القلم جميل، أما قولنا: تلك الدواة جميلة، فهذه إشارة لمذكر، والمثال هو قولنا: هذا القلم جميل، أما قولنا: تلك الدواة جميلة، فهذه إشارة لمؤنثة. أما «الكاف» : فهي حرف للخطاب، فالتاء: إشارة للآيات وهي مؤنثة، و «الكاف» في ﴿تِلْكَ﴾ : للمخاطب، وهو محمد ﷺ َ. فالله يقول لرسوله: تلك الآيات يا محمد.
وعلى ضوء الفوارق بين الإشارة والخطاب تختلف أساليب القرآن، مثل قوله الحق: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ ... ﴾ [القصص: ٣٢]
و ﴿فَذَانِكَ﴾ : إشارة لشيئين اثنين: للعصا.
و ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ ... ﴾ [النمل: ١٢]
ويقول الحق أيضاً: ﴿ذلكما مِمَّا عَلَّمَنِي ربي ... ﴾ [يوسف: ٣٧]
стр. 6483
وهذا ما قاله سيدنا يوسف ﵇ للسجينين اللذين كانا معه. وتُظهر لنا العبارة أنه كان يخاطب اثنين، ولكنه يشير إلى التأويل ب «ذا» .
وحين دعت امرأة العزيز النسوة؛ ليشاهدن جمال سيدنا يوسف، وأعطت كل واحدة منهن سكيناً؛ وقالت: اخرج عليهن، ولأنه مفرد مذكر، وهن جماعة إناث، فالعبارة تأتي بخطاب لجماعة الإناث، وإشارة إلى المفرد المذكر فقالت: ﴿فذلكن الذي لُمْتُنَّنِي ... ﴾ [يوسف: ٣٢]
و «ذا» إشارة إلى سيدنا يوسف، و «كن» خطاب للنسوة. والقرآن حين يخاطب جماعة يقول: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الذي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ ... ﴾ [فصلت: ٢٣]
إذن فهناك فرق بين الإشارة والآيات، فال «ت» إشارة للآيات، والآيات مؤنثة، والمخاطب الأول بالتكليف هو رسول الله ﷺ َ.
والآيات - كما عرفنا من قبل - جمع آية، والآية هي الأمر
стр. 6484
العجيب، وكل منا يسمع من يقول: إنها آية في الحسن أو آية في الجمال، أو آية في الفن، أو آية في الروعة.
فالآية إذن هي الشيء العجيب، أو الشيء الذي بلغ من الحسن ومن الجمال درجة هائلة. وتطلق الآيات إطلاقات متعددة: فهي إما أن تكون المعجزات التي أمدَّ الله بها رسله؛ ليثبت صدقهم. ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢]
وإما أن تطلق الآيات على الأشياء العجيبة في الكون مثل قوله الحق: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار ... ﴾ [يس: ٣٧]
وقوله سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا اليل والنهار آيَتَيْنِ ... ﴾ [الإسراء: ١٢]
وقوله الحق: ﴿وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ... ﴾ [المؤمنون: ٥٠]
إذن: فالآية إما أن تكون شيئاً في الكون، وإما أن تطلق على المعجزة التي جاء بها الرسل؛ لتثبت صدقهم في البلاغ عن الله، وقد يكون المقصود بها آيات القرآن.
إذن: فالآيات تطلق على ثلاثة أمور: الآيات الكونية للنظر والاعتبار، وآيات إعجازية لصدق الرسول ﷺ َ في البلاغ عن الله، وآيات قرآنية تحمل الأحكام والتحدي للمشركين أن يأتوا بمثلها.
стр. 6485
وهنا في قوله الحق: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم﴾ المراد بها: الآيات القرآنية، وما دام الله هو خالق الآيات الكونية الحسية، وخالق المعجزات؛ وهو منزَِّل القرآن؛ فلا تعارض بين الآيات؛ لأن مصدرها واحد.
وقوله: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم﴾ [يونس: ١]
وكلمة ﴿الحكيم﴾ معناها: الذي يضع الشيء في موضعه الدقيق بحكمة، فلا ينظر إلى ظاهر معطيات الشيء الآن ويغفل ما قد يأتي به من مضرّة.
ولله المثل الأعلى أقول: إنك قد تصل إلى الشيء، وتظن أنه يخلصك من متاعب أخرى، لكنه قد يؤدي إلى شيء أضر، وهذا هو السبب في اختلاف ألوان ووظائف العقاقير المختلفة، ولذلك نجد الطبيب الحاذق يكتب عدداً من الأدوية؛ ليستخلص المريض منها ما يشفيه، ويحاول بقدر الإمكان أن يُجنبه الآثار الجانبية لتلك الأدوية.
إذن: فهذه حكمة؛ لأن الطبيب لا يكتب الدواء الواحد الذي قد يأتي منه أثر ضار، بل يكتب معه دواء يخفّف من ضرره، وهذه حكمة منه لأنه يعمل احتياطات لما قد ينشأ من ضرر أو أثر جانبي.
وفي أوائل الخمسينات، حاول العلماء أن يقللوا من أثر تهديد الحشرات للزروع، واخترعوا مادة اسمها «د. د. ت» لمقاومة الحشرات، وافتخروا بهذا كل الفخر حتى علا كل صوت، وهذا لأن البشرية وصلت إلى مادة تقضي على الحشرات، ولكنهم اكتشفوا أن هذه المادة تضر الكائنات الحية
стр. 6486
الأخرى، والآن تُوقع العقوبة على من يستخدم تلك المادة؛ لأن ذلك عمل قد تم بغير حكمة. قد نأخذ منه ظاهر النفع، لكن له جوانب متعددة من الضرر، فقد سمّم الحيوانات وسمّم الزروع.
إذن: فالحكمة تعني: أن تضع الشيء في موضعه؛ ليعطيك فائدة لا تحدث ضرراً فيما بعد.
وقد أنزل الله المنهج في الكتاب ليقود حياتنا إلى كل صلاح. فإن طبقناه؛ فلسوف يأتي منه كل نفع، ولن يأتي لنا أي ضرر، وضربنا المثل في المعطيات التي أعطاها الحق لنا في الكون، فسبحانه خلق لنا الحيوانات؛ لنأخذ من لبنها، ونأخذ من أصوافها، ونأخذ من أصوافها، ونأخذ من جلودها، ونأكل من لحومها. وهو القائل: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأنفس ... ﴾ [النحل: ٧]
أي: أنها ستعطينا درجة من الراحة، وإذا كان الإنسان قد اخترع أدوات أخرى تحمل عنا هذه المشقات، وتبلغنا غاياتنا بدون تعب؛ فهذه اختراعات تحقق مصلحة البشرية - وقد كانت البشرية تحمل أمتعتها فوق الحمار أو البغل - وقد صنع الإنسان هذه الاختراعات؛ فصارت عندنا السيارات الكبيرة التي تحمل أطناناً من المواد والمتاع، ولكن لم نلتفت إلى ما تحدثه من عوادم تسبب فساد الهواء، وتلوثه على عكس فضلات الحمار أو البغل، التي تفيد في خصوبة الأرض.
стр. 6487
إذن: فصناعة السيارات إن لم تتخلص من عيوب عوادمها بأسلوب ما، فهي اختراع بلا حكمة، ويجب البحث عن وسائل لإزالة أضرار احتراق الوقود، وبذلك نستفيد من سرعة السيارات، وقدرتها على حمل البضائع، ونتخلص مما تسببه من ضرر. وهكذا نعرف أن الحكمة هي: وضع الشيء في موضعه المفيد فائدة دائمة لا يأتي من بعدها ضرر.
ولقائل أن يقول: وما معنى قول الحق: ﴿الكتاب الحكيم﴾ هل الكتاب بمفرده له حكمة؟ أم أن الحكيم هو من أنزل الكتاب؟ ونقول: إن معنى ﴿الكتاب الحكيم﴾ أنه الكتاب الذي يمتلئ بالحكمة الصادرة من الله، أو الكتاب الذي أنزله الرب الحكيم. وكلمة «حكيم» على وزن «فعيل» ، ومثلها مثل «كريم» و «رحيم» وتأتي مرة بصيغة فاعل، ومرة بصيغة فعيل، وموضعها هو الذي يبين لنا ذلك.
ومعنى كلمة «الحكيم» يتضح لنا من سياقها: فإن نسبت الأمر إلى الحكم فهو كتاب صادر من الحق سبحانه، وإن أردت الوصف بمعنى فاعل فهو من حاكم؛ والحاكم هو الذي يحكم في قضايا؛ ليبين وجه الحق فيها، والقرآن يحكم في كل قضايا الإيمان.
وقمة العقيدة التي يحكم فيها القرآن هي لا إله إلا الله. ومن يفعل عكس ذلك هو الظالم، وسبحانه القائل: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]
والقرآن يحسم هذه القضايا، وهو كحاكم فاصل فيها.
стр. 6488
فإن قلت: «محكم» تكون قد نسبته لله، وإن قلت: «حاكم» فهو الفاعل وهو يحكم في قمة العقيدة «لا إله إلا الله» ، وهي شهادة ذات لذات، وشهادة مشهد من الملائكة، وشهادة أدلة من الخلق: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم ... ﴾ [آل عمران: ١٨]
وساعة يفصل القرآن في هذه القضية، فهو يحكم حكماً عدلاً يبين وجه الحق في قمة العقائد. وهو حاكم في الأفعال؛ فيبين الحلال من الحرام ويضع حدّاً فاصلاً في الأحكام بين الحلال والحرام. وحاكم في الأخلاق.
إذن: «حاكم» تعني ما بين وجه الحق فيما تتعارض فيه الآراء والأفكار والمعسكرات المتضاربة.
و «حكيم» : إما أن تكون بمعنى «فاعل» وإما أن تكون بمعنى (مفعول) ووقعت الحكمة من قائله عليه، فصار «محكماً» ، وإن كانت كلمة الحكيم بمعنى فاعل تكون بمعنى «حاكم» وكلمة حاكم تدل على أن هناك فريقين: فريق يقول قضية، وفريق آخر يناقضه، فيأتي الحاكم؛ ليفصل بين الأمرين، وليعدل وينصف.
وقد جاء القرآن هكذا: حاكماً في أمر القمة التي اختلف الخلق فيها؛ فمنهم من أنكر وجود إله وهم الملاحدة. ومنهم من قال: إن الإله هو غير الله، ومنهم من قال: الإله شريك لغيره، فجاء القرآن؛ ليفصل في هذه المسألة، وحكم فيها حكماً واضحاً، وبيِّن: يا من تقولون: لا إله؛ أنتم كذابون، ويا من تقولون: إن الإله غير الله؛ أنتم كذابون، ويا من تقولون: إن الإله غير الله؛ أنتم كذابون، وبا من تقولون: إن الإله له شركاء مع الله؛ أنتم كذابون، بل هو إله
стр. 6489
واحد، وهذا أول حكم في قضية القمة.
وما دام الحكم في قضية القمة قد صح؛ إذن: فالاستقبال للمنهج سيكون واحداً، فلا آلهة متعددة يضارب هذا ذاك، أو يناقضه، بل هو إله واحد، يصدر عنه حكم واحد يحقق الوحدة في التكاليف للناس جميعاً، ويُخرج جميع الناس من أهوائهم إلى مراده هو سبحانه، ويكون القرآن حاكماً أيضاً في الأفعال، فقد يختلف الناس في تقييمهم لفعل واحد. فهذا يقول فعل حسن، وآخر يقول: فعل قبيح، ويحسم القرآن الأمر ويحدد الفعل الحسن؛ فيأمر به؛ ويحدد الفعل القبيح؛ فينهي عنه، ويبين القرآن لنا الحلال من الحرام.
إذن: فالقرآن حكم في العقائد وفي الأفعال وفي ذوات الأشياء حلاّ وحُرْمة، وهو يحكم أيضاً في قضية هامة تلي قضية الحكم في قمة العقيدة، وهي صدق البلاغ عن الله، فهذا الرسول الذي يحمل البلاغ عن الله لا بد أن يكون صادقاً، وقد جاء القرآن بالحكم في هذه القضية بمعنى أنه قد جاء معجزاً، فإن لم تكونوا قد صدقتم بأن هذا رسول؛ فأتوا بمثل ما جاء به هذا الرسول.
فإن عجزتم؛ فالرسول بنفسه يخبركم أن القرآن ليس من عنده، بل من عند خالقه وخالقكم.
وسواء أكانت «حكيم» بمعنى «فاعل» أم بمعنى «مفعول» فقد دلتنا على أنها تعني وضع الأشياء في نصابها وضعاً يحقق النفع منها دائماً، ولا ينتج عنها ضاراً أبداً.
ثم يقول الحق بعد ذلك:
стр. 6490
﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ ... ﴾
стр. 6491
ما هو العجيب - إذن - في أن الله أوحى إلى رجل منكم أن يبلغكم إنذار الله وبشارته؟ ما الذي تعجبتم منه؟ وما موضع العجب فيه؟ وجاء تحديد العجب فيه ما ذكرته الحيثية في آخر السورة السابقة من أنه: ﴿رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ... ﴾ [التوبة: ١ ٢ ٨]
أي: من البشر، ومن العرب، ومن قبائلكم، ومن أنفسكم ممن تعرفون كل خُلُقه، فما العجيب في أن يرسله الله رسولاً إليكم؟ إنكم قد ائتمنتموه على أموركم من قبل أن ينزل عليه الوحي من الله، فكأنكم احترمتم طبعه الكريم، وأنكم في كثير من الأشياء قبلتم منه ما يصل إليه من أحكام.
ودليل هذا أنكم حين اختلفتم في بناء الكعبة، وقالت كل قبيلة: نحن أولى بأن نضع بأيدينا أقدس شيء في الكعبة، وهو الحجر، حين ذلك اختلفت القبائل؛ فما كان إلا أن حَكَّموا أول داخل؛ فشاء الله أن يكون
стр. 6492
أول داخل هو محمد بن عبد الله، فكيف يحل محمد بن عبد الله هذه المشكلة، ولم يكن قد نزل عليه وحي بعد؟ إنها الفطرة التي جعلته أهلاً لاستقبال وحي الله فيما بعد، فماذا صنع؛ لينهي هذا الخلاف؟
جاء برداء، ووضع الحجر على الرداء، ثم قال لكل قبيلة: أمسكوا بطرف من الرداء، واحملوا الحجر إلى مكانه. وتلك هي الفطرة السليمة. ورأينا أيضاً سيدنا أبا بكر عندما قالوا له وهو راجع من الرحلة التي كان يقوم بها: لقد ادعى صاحبك النبوة، قال: «إن كان قد قالها فقد صدق» .
من أي أحداث جاء حكم أبي بكر. أهو سمع من رسول الله كلاماً معجزاً؟ أسمع منه قرآناً؟ لا، بل صدٌّقه بمجرد أن أعلن أنه رسول. فقد جربه في كل شيء ووجده صادقاً، وجربه في كل شيء ووجد أنه أمين، فما كان محمد لِيصْدُقَ فيما بين البشر، ليكذب على الله.
وكذلك خديجة بنت خويلد حينما قال لها رسول الله ﷺ َ: يأتيني كذا وأخاف أن يكون كذا، فبينت له أن المقدمات التي في حياته لا توحي بأن الله يخذله ويفضحه ويسلط عليه الجن: «إنك لتصل الرحم، وتحمل
стр. 6493
الكَلَّ وتنصف المظلوم، ولن يخزيك الله أبداً» وبذلك كانت السيدة خديجة أول فقيه مستنبط في الإسلام.
وقوله سبحانه: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً﴾ يعني: التعجب من أن يصدر منهم العجب، والقرآن يتعجب كيف يصدر منهم هذا العجب؟ وما دام يتعجب كيف يصدر منهم هذا العجب؟ فمن المنطقي ألا يكونوا قد تعجبوا؛ لأنك حين تتعجب من شيء فإما أن تتعجب منه؛ لأنه بلغ من الحسن مبلغاً فوق مستوى ما تعرف من البشر، مثلما ترى صنعة جميلة وتقول: ما أحسن هذه الصنعة، ونتساءل: ما الذي جعل هذه الصنعة جميلة إلى هذا الحد غير المتصور؟
وأنت تقول ذلك؛ لأن الصنعة قد بلغت من الجمال مبلغاص لا تصدق به أن أحداً من الموجودين في إمكانه أن يصنعها.
والمثال على ذلك: نجد من يقول: ما أحسن السماء؛ وهو يتعجب من الشيء الذي يفوق تصوره. وقد يتعجب من شيء قبيح، ما كان يجب أن يرد على الخاطر، ولذلك يقول القرآن: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله ... ﴾ [البقرة: ٢٨]
стр. 6494
أي: قولوا لنا: كيف قبلتم لأنفسكم الكفر؟
لأن الكفر مسألة عجيبة تتنافى مع الفطرة.
وهنا يقول الحق: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ ... ﴾ [يونس: ٢]
وهنا نتساءل: كيف تتعجبون وقد جئناكم برسول من أنفسكم، ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]
أليس هذا هو المطلوب في الرائد، فكيف تعجبون؟ .
إن عجبكم يدل على أن بصيرتكم غير قادرة على الحكم على الأشياء، وما كان يصح أن يُستقبل الرسول بالعجب، ونحن نتعجب من عجبكم هذا.
وحين تتعجب من العجب؛ فأنت تبطل التعجب.
﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ ... ﴾ [يونس: ٢]
أي: أن إيحاءنا لرجل منكم كان عجيباً عندكم، وما كان يصح أن يكون أمراً عجيباً؛ لأنه أمر منطقي وطبيعي.
ثم ما هو الوحي؟ لقد سبق أن أوضحنا أن الوحي هو الإعلام بخفاء. وهناك إعلام واضح مثل قولك لابنك: يا بني اسمع كذا، وافعل كذا. هذا إعلام واضح. وهناك إعلام بخفاء، كأن يدخل عندك ضيف؛ ثم يسهو خادمك - مثلاً - عن تحيته، فتشير للخادم إشارة؛ تعني بها أن
стр. 6495
يُسرع بتقديم التحية للضيف؛ من مرطبات، أو حلوى، وهكذا تكون قد أعلمت خادمك بخفاء.
والحق يوحي إلى الجماد، فسبحانه يقول: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا وَقَالَ الإنسان مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا﴾ [الزلزلة: ١ - ٥]
أي: أنه قد أعلمها إعلاماً خفيّاً؛ وهي قد فهمت بطريقة لا نعرفها.
وسبحانه يوحي للحيوانات، فهو القائل: ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل ... ﴾ [النحل: ٦٨]
أي: أنها فهمت عن الله بما أودع فيها من الغرائز.
وسبحانه يوحي للملائكة وهو القائل: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الملائكة ... ﴾ [الأنفال: ١٢]
ويوحي الحق سبحانه إلى غير الرسل؛ كما أوحى إلى أم موسى
стр. 6496
﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم ... ﴾ [القصص: ٧]
وأوحى سبحانه إلى الرسل جميعاً.
إذن: فسبحانه يوحي للجماد، ويوحي للحيوان، ويوحي للملائكة ويوحي للصالحين من غير الأنبياء، ويوحي للأنبياء وللرسل.
والوحي - كإعلام بخفاء - يقتضي مُعْلِماً، وهو الحق ، ومُعْلَماً؛ وهو إما: الأرض، وإما النحل، وإما الملائكة، وإما إلى بعض الصالحين من غير الأنبياء، وإما إلى الرسل والأنبياء.
وقد يأتي الوحي من غير الله، فسحبحانه يقول:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإنس والجن يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً ... ﴾ [الأنعام: ١١٢]
إذن: فالشياطين يُعلمون بعضهم البعض إعلاماً خفياً.
ويقول الحق: ﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ... ﴾ [النساء: ١٦٣]
والموحى إليه هو محمد ﷺ َ، وهو وحي خاص بالرسول، فلا تقل: أنا لم أسمع ماذا أوحى إلى محمد، ولا أعرف كيف نزل
стр. 6497
الوحي، فقد جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ َ، وبلغه أن يعلن ما أوحي إليه، ولو كنت أنت قادراً على سماع الوحي من جبريل، فما ضرورة إرسال الرسول إذن؟
إن الطاقة والقدرة العالية المرسلة إلى الموحى إليه تحتاج إلى قوة تحمل، وضربنا المثل من قبل بأن الإنسان حين ينقل طاقة من مصدر عال قوى إلى مصدر ضعيف فهو لا يُسرب الطاقة من القويّ إلى الضعيف دفعةً واحدة، وإلا لما تحمَّل الضعيف تلك الطاقة من القادمة إليه من القوى، ولذلك نحن نأتي بمحوِّل يتحمل طاقة قوى، ثم ينقل للضعيف ما يناسب قدرته، ومثال ذلك هو شراؤنا لمحول كهربي حين ننقل الكهرباء من مصدر طاقة عالي الجهد إلى مصدر آخر ضعيف قليل الجهد؛ مثل المصباح الصغير الذي تضيئه في المنزل ليلاً لينير بالقدر المناسب كيلا نرتطم بالأشياء، وهو ما نسميه بالعامية «ونّاسة» . إذن: فمهمة المحول أن يستقبل من مصدر الطاقة القوي؛ ليضيء لمصدر الطاقة الضعيف.
فإذا كان الله هو الذي يوحي للرسول، والرسول من البشر لا يمكنه التلقي المباشر عن الله؛ لذلك لا بد من واسطة تبلغ في الارتقاء بما يمسح لها بالتلقي عن الله، وتستطيع أن تلتقي بالبشر؛ وهذه خاصية المَلَك.
ورغم أن أصاب الجهد والتعب سيدنا رسول ﷺ َ في أول تلقيه للوحي، وكان ﷺ َ يعرف حتى يتفصد العرق من جبينه، وإذا انصرف
стр. 6498
عنه الوحي قال: «زمّلوني. . زملوني» ويرتعد.
وكان الصحابة يقولون: كان إذا نزل الوحي على رسول على رسول الله، وهو قاعد؛ وقد تكون ركبته على فخذ أحد الصحابة، فيجد الصحابي ثقلاً على رجله من شدة وطأة ركبة الرسول ﷺ َ، وإذا نزل الوحي، والرسول يركب مطيه فهي تئط منه.
إذن: كان الوحي يُتعب رسول الله ﷺ َ، وبعد أن يُسرِّي عنه التعب؛ تبقى له حلاوة ما أوحي إليه؛ فيتشوّق ثانية للوحي.
وقد شاء الحق أن يشوّق النبي صلى الله عليه وسلك، للوحي ففتر الوحي لمدة من الزمن. وحين اشتاق النبي للوحي؛ كان ذلك يعني أنه قد شحن نفسه بطاقة متقبلة لاستقبال هذا الوحي؛ بما فيه من تعب.
ولله المثل الأعلى دائماً، قسْ أنت الجهد المبذول في رحلة إلى من تحب، أثناء المطر، والأرض موحلة ومليئة بالشوك، ورغم ذلك أنت تقطع الرحلة دون أن تلتفت لما فيها من إرهاق وتعب.
وشاء سبحانه أن يرغِّب رسوله شوقاً إلى الوحي، رغم ما فيه من جهد؛ لأن التقاء مَلَك ببشر، وهذا اللقاء يكون على صورتين: إما
стр. 6499
أن ينقلب الملَك إلى مرتبة بشرية؛ وهذه الصورة ليس فيها إجهاد على رسول الله ﷺ َ؛ لأن عملية التحويل جاءت في الأعلى بينما يظل رسول الله ﷺ َ كما هو، «مثلاً دخل جبريل على رسول الله، وكان معه بعض من الصحابة، وسأل النبي ﷺ َ: ما الإيمان؟ وما الإسلام؟ وما الإحسان؟ ثم اختفى السائل، فسأل الصحابة رسول الله عن هذا السائل؛ فقال:» هذا جبريل جاءكم يُعلِّمكم أمور دينكم. «
هذه هي الصورة الأولى في الوحي، والتحول فيها كان من جهة الإرسال فلا مشقة فيها على النبي ﷺ َ.
أما الصورة الثانية، فقد كان فيها مشقة على رسول الله ﷺ َ؛ لأن الملك يظل على طبيعته، والتحول إنما يحدث لمحمد ﷺ َ، وكان التحول يقتضي عملية كيمياوية تصيبه بالجهد؛ فيقول بعد أن يُسرى عنه:» زمّلوني. «
وشاء الحق أن يتلطف برسوله، ففتر الوحي فترة من الزمن. وقال الكافرون من العرب: إن رب محمد قد قلاه وهذا غباء منهم؛ لأنهم
стр. 6500
اعترفوا أن لمحمد ربّا. وما داموا قد اعترفوا، فعدم إيمانهم صلف وغباء، وارادوا بذلك أن ينسبوا النقص لمحمد ﷺ َ، فقالوا: إن الله قد قلى محمداً.
وقد شاء الحق أن ينقطع الوحي عن محمد ﷺ َ هذه المدة؛ ليكشفهم أمام أنفسهم وأمام غيرهم، لتنكشف نواياهم، وتثبت قلّة بصيرتهم، وافتقادهم للمنطق السليم، فهم حين اعترفوا أن لمحمد ربَّا، كان عليهم أن يحتكموا إلى عقولهم؛ ليعرفوا أنهم قد أقروا بالألوهية، لكنهم أرادوا بهذا الاعتراف أن ينسبوا النقص لرسول الله ﷺ َ.
ولو قاضيناهم إلى عقولهم، وإلى الكون الذي عاشوا فيه، وإلى الظواهر المادية المحسوسة لهم، لعرفوا أن الأحداث لا بد لها من زمان ومكان؛ لأن كل حديث يتطلب زماناً ومكاناً، وإذا لم يوجد حدث؛ لا يوجد زمان أو مكان.
ولذلك أقول دائماً لمن يسأل: أين كان الله؟ أقول له: أنت جئت بالأينية من الزمان، والمكانية من المكان، وهذا لا يتأتى إلا بوجود حدث. وما دام الله غير حدث، فلا زمان يحدده، ولا مكان يُجيّزه؛ لأن الزمان كان به، والمكان كان فيه. والأحداث هي عند البشر، فهم من يستقون في المكان، ويتوالى عليهم الزمان.
والزمان الذي يحدث فيه أي حدث اسمه» ظرف زمان «، والمكان
стр. 6501
الذي يحدث فيه الحدث اسمه» ظرف مكان «؛ وظرف المكان ظرف قارّ ثابت، بينما ظرف الزمان غير قارٍ، بل هو حال، وبعد قليل يصبح الحال زمناً ماضياً؛ ويأتي المستقبل ليكون حاضراً، ثم يصبح ماضياً.
وهكذا نعلم أن زمناً يحدث فيه التناوب بين المستقبل والحال والماضي، والليل والنهار هما أوضح صور ظرف الزمان وفيهما اختلاف، فالليل يأتي والنهار خلفه؛ لأن النهار جعله الله ضياء؛ للحركة والكدح والعمل، وجعل سبحانه الليل ظلاماً؛ للسكون والراحة، فإن لم ترتحْ بالليل؛ لا تقوى علة العمل في الصباح، وهكذا يكون الليل مكملاً للنهار لا مناقضاً له.
وكذلك شاء الحق أن يكون الوحي بهذا الشكل، فحين جاء الوحي لأول مرة أجهد رسول الله ﷺ َ، ثم فتر الوحي ليستريح ﷺ َ؛ وتتجدد قدرته على استقبال الوحي من بعد ذلك.
وحين قال الكافرون: إن ربَّ محمد قد قلاه، ردّ عليهم الحق سبحانه
стр. 6502
وتعالى: ﴿والضحى والليل إِذَا سجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى﴾ والضحى ضحوة النهار وهي - كما قلنا - للعمل والحركة، فإذا جاء الليل فهو يبدو وكأنه ضد النهار، لكنه غير ذلك، بل هو مكمل له ويساعده.
إذن: ففتور الوحي لمدة من الزمن كان لمساعدة رسول الله ﷺ َ لتجديد الحيوية. وقد أقسم الحق سبحانه بالضحى والليل، وهو قسم بالظاهرة الكونية المشاهدة والتي يعترف بها كل إنسان، مؤمنهم، وكافرهم!
أقسم الحق بالضحى أنه ما قلى رسوله، بل شاء بفتور الوحي أن يعطيه طاقة تزيد من حركته، وتزيد من جهده ليشتاق ﷺ َ لأمر الوحي. وبذلك أعانه الحق على مهمته، وفي هذا أبلغ ردٍّ على من قالوا: إن رب محمد قد قلاه، وإثبات أن الحق قد شاء لفترة فتور الوحي أن تكون كالليل سكوناً، ليهدأ ﷺ َ بعد الضحى المجهد الذي استقبل به الوحي.
стр. 6503
وبعد أن تتجدد حيويته ﷺ َ يأتي الوحي من جديد؛ لذلك قال الحق: ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ [الضحى: ٤ - ٥]
وبعد هذه السورة يقول الحق سبحانه في سورة الشرح: ﴿والضحى والليل إِذَا سجى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قلى وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الأولى﴾ [الشرح: ١ - ٤]
وهكذا بيَّن لنا الحق أن مسألة فتور الوحي وعودته هي عملية متكاملة، لكن الأغبياء فقط هم من يظنون أنها نتناقضة ويقولون: (ظلمة - وضوء) ، و (ليلٌ - ونهارٌ) والحق أنها متكاملة.
ومثل هذا الأمر تجده أيضاً فيمن يحاولون خَلْق عداوة بين الرجل والمرأة، ولم يتفهَّموا أن الذكر متمّم للأنثى، وأن الأنثى متمّمة للذكر.
وهنا يقول الحق ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناس وَبَشِّرِ الذين آمنوا ... ﴾ [يونس: ٢]
والإنذار - كما نعلم - هو الإخبار بشيء يمكن أن تتلافاه.
أما البشارة فهي الإخبار بخير يحثُّك من يبشرك على أن تقتنيه. وأنت تنذر من يهمل في دراسته بأنه قد يرسب، وأنت حين تنذره إنما تطالبه بأن يجتهد، وفي المقابل فأنت تبشر المجتهد بالنجاح وبالمستقبل الطيب.
إذن: فالإنذار يعني أن تحث الإنسان على ألا يقبل أو يُقْدِمَ على
стр. 6504
ما يضره. والتبشير يعني أن تحث الإنسان على أن يجتهد؛ لينال ما يحبه. والأمور في الأحداث كلها تدور بين سَلْب وإيجاب.
ولسائل أن يقول: ولماذا جاء سبحانه بالإنذار قبل البشارة؟
فنقول: إن كلمة «الإنذار» كلمة عامة لكل الناس، حتى يتجنبوا ما يقودهم إلى النار، لكن البشارة تكون لمن آمن فقط. أو أن الإنذار والبشارة للمؤمنين، ولكن شاء الحق أن يجعل المؤمنين في صف البشارة دائماً، وأن يكون الإنذار لوناً من ضرورة التخلية من العيوب، قبل التحلية بالكمال.
فأنت تدفع عن نفسك الأمر الذي يأتي بالضُرّ أولاً، ثم تتجه إلى ما يجلب النفع من بعد ذلك؛ لأن دَرْء المفسدة مُقدّم على جلب المصلحة.
ونجد الحق سبحانه يحدد الإنذار بأنه للناس، والناس: هم الجنس المنحدر من آدم إلى أن تقوم الساعة. وقد وقف بعض المستشرقين عند كلمة «الناس» ، وأرادوا أن يدخلونا من خلالها إلى متاهات التشكيك في القرآن، وقالوا: إن القرآن فيه تكرار لا لزوم له.
وأهم سورة أخذها هؤلاء المستشرقون هي سورة «الناس» حيث يقول الحق: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس مَلِكِ الناس إله الناس مِن شَرِّ
стр. 6505
الوسواس الخناس الذى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس مِنَ الجنة والناس﴾ [الناس: ١ - ٦]
وهذا الجمع من المستشرقين فهموا أن المعنى لكلمة «الناس» في كل آية من آيات هذه السورة هو معنى واحد. ولنهم لم يتمتعوا بملكة اللغة؛ لم يلتفتوا إلى أن معنى كلمة «الناس» في كل موقع هو معنى مختلف وضروري؛ لأن الحق سبحانه أراد بكل كلمة في القرآن أن تكون جائبة لمعناها، وأن يكون كل معنى جاذباً للكلمة المناسبة له.
والمثال أيضاً في كلمة «الناس» ؛ هو قول الحق سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ الناس على مَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ ... ﴾ [النساء: ٥٤]
فهل كل الناس تتلقى الحسد؟ لو كان الأمر كذلك فمن الحاسد؟ إذن: فقوله الحق: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ الناس ... ﴾ [النساء: ٥٤]
إنما يعني أن هناك أناساً حاسدين، وآخرين محسودين، ولا تكون كلمة «الناس» عامة شاملة لكل الأفراد إلا في حالة الحكم العام.
стр. 6506
والمثال هو قوله الحق: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ... ﴾ [آل عمران: ٩٦]
وهذا القول الحق يحل لنا إشكالاً عاماً، فالبيت الحرام موضوع لكل الناس، من لَدُن آدم، وآدم أبو الناس.
ولا بد - إذن - أن يكون البيت موضوعاً قبل أن يكون آدم، وأن الذي وضعه هو من غير الناس، فالذي وضعه هو بأمر من الحق سبحانه، فلا يقولن أحد: إن إبراهيم ﵇ هو الذي وضع البيت الحرام؛ لأن مهمة إبراهيم ﵇ كانت هي رفع القواعد من البيت؛ لأننا لو قلنا: إن إبراهيم ﵇ هو الذي بنى البيت؛ فكيف ينسجم هذا مع قوله الحق:
﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القواعد مِنَ البيت وَإِسْمَاعِيلُ ... ﴾ [البقرة: ١٢٧]
وهو قول نفهم منه أن إسماعيل كان شريكاً لوالده في الرفع والبناء، ولا بد أن يكون قد امتلك درجة من القوة تجعله قادراً على مساعدة الأب في العمل.
وهذا القول أيضاً نفهم منه أن عملية رفع القواعد من البيت لم تتم وقت أن كان إسماعيل رضيعاً؛ لأن الحق سبحانه قال على لسان إبراهيم ﵇: ﴿رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم ... ﴾ [إبراهيم: ٣٧]
وهذا يعني أن البيت كان موجوداً قبل ذلك.
стр. 6507
وقولنا هذا يرد على بعض العلماء الذين قالوا: إن إبراهيم ﵇ هو أول من بنى الكعبة فنقول لهم: وماذا عن الخلق البشري من قبل إبراهيم إلى لَدُنْ آدم، أليسوا ناساً؛ فلماذا لم يكن لهؤلاء الناس من قبل إبراهيم بيتٌ محرّمٌ؟
وهكذا شاء الحق سبحانه أن يكون البيت الحرام لكل الناس من لدن آدم، وأنه موضوع من قِبَلِ الله.
وكلمة الناس - إذن - عامة حين يتعلق الأمر بحكم عام، وتكون خاصة في مواقع أخرى، مثل قوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ الناس على مَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ ... ﴾ [النساء: ٥٤]
وأما سورة «الناس» بالاستقراء الدقيق في هذه السورة، نجد الحق سبحانه يقول: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس﴾ [الناس: ١]
وهذا إعلان للربوبية لكل الخلق، فهو الرب الذي أوجد وأعطى الصفات لكل مخلوق.
ولا تحسب أنك تستطيع أن تشرد منه؛ فهو سبحانه يقول: ﴿مَلِكِ الناس﴾ [الناس: ٢]
أي: أنه يملك كل الخلق، وجعل لهم الاختيار في أشياء؛ ومنع عنهم
стр. 6508
الاختيار في أشياء، ولم يقل: «مليك النَّاس» ؛ لأن هذا القول يعني أنهم مجبورون على الإيمان، ولا يسعهم غير هذا، ولكن الله جعلهم مختارين في الأمور التي هي مَنَاط للتكليف، وغير مختارين في أمور هي ليست محلاّ لهذا.
وأقول لأي واحد ممن تمرّدوا على الإيمان؛ فكفروا بالله؛ أقول: أنت متمرّد على الله، وتكفر به، وتنكر الألوهية، فلماذا لا تكون منطقيّاً مع نفسك، وتتمرّد على كل الأحداث التي تصيبك، فإن أصابك مرض؛ قل له: لا، لن أمرض.
فلا أحد يستطيع أن يدفع عن نفسه قدراً شاءه الله؛ لأن الأحداث ستنال من كل إنسان من كل إنسان ما قدره الله له.
إذن: فكل إنسان هو مملوك لله.
وهكذا نجد الفرق بين أن يقول سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناس﴾ [الناس: ١]
وان يقول: ﴿مَلِكِ الناس﴾ [الناس: ٢]
و «الناس» في الآية الأولى هم المربون، والناس في الآية الثانية هم «المملوكون لله» فلا أحد يخرج عن قدرة الله في الأمور القهرية.
وتأتي «الناس» في الآية الثالثة: ﴿إله الناس﴾ [الناس: ٣]
стр. 6509
لتؤكد أن الحق هو الإله المعبود بحق، وهو الذي يقيك مما ستأتي به الآية الرابعة: ﴿مِن شَرِّ الوسواس الخناس﴾ [الناس: ٤]
والآية الخامسة: ﴿الذى يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس﴾ [الناس: ٥]
والوسواس الخناس: هو الذي يزين لك أفعال الشر في أذنك، وهو خَنّاس؛ لأنه يخنس ساعة يسمع قولك: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» وهو يوسوس في صدور الناس المُوَسْوَسِ إليهم.
وهكذا نجد أن كلمة «الناس» قد جاءت؛ لتعبر عن المربوبين، والمملوكين، والمأهولين، والموسوس إليهم، وأن من يوسوِس قد يكون من الجن، وقد يكون من الناس.
إذن: فليس هناك تكرار بل جاءت الكلمة الواحدة بمعنى يناسب كل موضع جاءت فيه.
والمثال في حياتنا - ولله المثل الأعلى - قد أكون معلِّماً متميزاً واختارتني الكلية التي أقوم بالتدريس فيها لأكون رائداً للطلاب، ورئيساً لجمعيتهم الصحفية، ومشرفاً عليهم في الرحلات، ومراجعاً لتصحيح أوراق إجاباتهم، وهكذا تكون كلمة «الطلاب» لها معنى مختلف في كل موقع.
стр. 6510
والحق يقول في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿أَنْ أَنذِرِ الناس وَبَشِّرِ الذين آمنوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ ... ﴾ [يونس: ٢]
والحديث موجه لمحمد ﷺ َ وهو الرسول الخاتم.
إذن: فالمراد بإنذار الناس هنا؛ هم جميع الناس.
وما المقصود بقوله: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢]
إن القدم كما نعرفه: هو آلة السعي إلى الحركة، كما أن اليد آلة الإعطاء؛ فتقول: فلان له يد عندي، أو تقول: أنا لا أنسى أياديك عليّ حين يقدم لك صديق هدية ما، وهو قد سار على قدميه؛ ليحضر لك الهدية، ولكنه يناولك لها بيديه.
إذن: فكل جارحة لها ظاهر في الحركة؛ وفي الأعمال. فالقدم تسعى إلى الأشياء، واليد تتحرك في العطاء، والأذن في السمع، والعين في الرؤية. وهكذا يكون معنى ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ هو سابقة فضل؛ لأنهم حين استمعوا إلى منهج الله، وأدَّوْا مطلوبات هذا المنهج كما يحب الله؛ فعليك
стр. 6511
يا محمد ان تبشرهم بالجنة. ذلك أن لهم سابق قدم، سعي إلى الخير، وهو قدم صدق.
لكن هل هناك ما يمكن أن نسميه «قدم كذب» ؟
نعم، وهو ما يخلعه الأفاقون على تواريخ الناس، فيصفونهم بما لم يكن فيهم، وهكذا نفرق بين قدم الصدق وقدم الكذب.
قدم الصدق - إذن - هو سابقة في الفضل أهّلتهم لأن يكونوا موضع البشارة، فهم قد صدقوا المنهج، وأعطوا من واعد حق.
والصدق - كما نعلم - هو الخصلة التي لا يمكن لمؤمن أن يتنحى عنها؛ لأنه لو تنّحى عنها، فهذا يعني التنحّي عن الإيمان. وحينما سئل رسول الله ﷺ َ: أيكون المؤمن جباناً؟ فقال: نعم، فقيل له: أيكون المؤمن بخيلاً؟ فقال: نعم، فقيل له: أيكون المؤمن كذاباً؟
فقال: لا.
إذن: فالصدق هو جماع الخير. وعلى الصدق تدور الحركة النافعة في الكون.
وحين يصدق التاجر في ثمن الأشياء؛ ويصدق العامل في إخلاصه للعمل؛ ويصدق الصحفي في نقل الخبر، ويصدق كل فرد في المجتمع، هنا يتكامل المجتمع وينسجم؛ لأن الفساد في الكون إنما ينشأ من الكذب، والكذب هو الذي يخل بحركة الحياة.
لذلك أتى الله بكلمة الصدق في القرآن في أكثر من موضع، فهو القائل: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بني إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ... ﴾ [يونس: ٩٣]
стр. 6512
فحين قالوا: ﴿لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ وَاحِدٍ ... ﴾ [البقرة: ٦١]
أنزلهم الله بمكان يحقق لهم ما طلبوا من طعام، فلم يخدعهم سبحانه، ويأتي الحق مرة ثانية بكلمة الصدق فيقول: ﴿واجعل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخرين﴾ [الشعراء: ٨٤]
أي: اجعل لي ذكْراً حسناً فيمن يأتون من بعدي، فلا يقال في تاريخي كلام كذب، وألا يخلع عليَّ الناس ما ليسَ فيّ.
وقد قال الحق حينما تكلم عن الإنسان: ﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أوزعني أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذريتي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ المسلمين﴾ [الأحقاف: ١٥]
стр. 6513
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿أولئك الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ في أَصْحَابِ الجنة وَعْدَ الصدق الذي كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦]
ولماذا يصف الحق الوعد هنا بأنه وعد حق؟ لأن هناك من يعد الوعد الكاذب، حين يعد أحدهم بما لا يملك، أو أن تعد بما لا تقدر عليه، أو أن تعد بما لا تمهلك الحياة لإنفاذه.
ولذلك قال الحق لنا: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله ... ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]
إذن: لا بد أن تسبق أي وعد بمشيئة الله؛ لأنك حين تَعد؛ قد لا تملك إنفاذ ما وعدت به، فقد تعد إنساناً بأن تلقاه في الغد في مكان ما لتتحدثا في أمرٍ ما.
ونقول: أضمنت أن تستمر حياتك إلى الغد؟ ها هو أول عنصر قد يُفقد؛ أضمنت أن تستمر حياته؟ هذا هو العنصر الثاني الذي قد يُفقد، ثم أضمنت ألا يتغير السبب الذي من أجله تلقاه؟ ثم أضمنت إن اجتمعت كل هذه العناصر ألا تُغير أنت رأيك في هذه المسألة؟
إذن: لا تجازف بأن تعد بشيء ليس عندك عنصر من عناصر الوفاء له، وأسند كل عمل إلى من يملك كل العناصر، وقل:
﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله ... ﴾ [الكهف: ٢٤]
إذن: فوعد الصدق معناه أن يكون الوعد ممن هو قادر على أن يحققه قطعاً؛ ولا تخرج الأشياء مهما كانت عن قدرته، ولم يترك الأشياء؛
стр. 6514
لأنه باقٍ. ولن يتغير رأيه؛ لأنه ليس حدثاً يتغير. بل بيده كل شي وهو على كل شيء قدير. وسبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥]
هكذا وعد الحق عباده المتقين بأنهم سوف يقعدون في حضرته مقعد صدق وهو المليك المقتدر. وسبحانه يقول: ﴿أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ... ﴾ [الإسراء: ٨٠]
أي: أدخلني في هذه البلدة مدخل صدق للغاية التي لا أستحي من أن أقولها، لا أن أدخل بغرض أمام الناس وأن أخفي غرضاً آخر، وكذلك أخرجني منها مخرج صدق.
إذن: فكلمة الصدق دائرة ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ و ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ و ﴿مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ و ﴿مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ و ﴿مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ وكل هذا يُحببنا في الصدق؛ لأن كل أمور الحياة؛ وفضائلها؛ وخيراتها، وما ينتظر الناس من سعادة؛ كل ذلك قائم على كلمة الصدق.
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الذين آمنوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢]
أي: أن لهم سابقة فَضْلٍ عند ربهم يجازيهم بها؛ لأنهم عملوا بمقتضى
стр. 6515
منهجه، أما موقف الكافرين فهو مختلف؛ لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿قَالَ الكافرون إِنَّ هذا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ﴾ [يونس: ٢]
ولماذا جاء سبحانه بخبر الكافرين هنا رغم أن الموقف هو إنذار وبشارة؟
ونقول إن الرسول ﷺ َ حين أبلغ المنهج عن الله، استقبله أهل الإيمان بالتصديق، أما الكافرون فقد اختلف موقفهم، فَإِتَّهمَ بعضهم رسول الله ﷺ َ بأنه ساحر.
وجاء قول الحق على هذه الصورة المبينة بالآية؛ لأن القرآن يحذف أشياء أحياناً، لأن لباقة السامع ستنتهي إليها، فلا يريد أن يكرر القول. وانظر إلى قصة بلقيس، حيث نجد الهدهد يقول لسيدنا سليمان: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ ... ﴾ [النمل: ٢٢]
هذا هو الهدهد وهو المخلوق الأقل من سليمان ﵇ يقول له: لقد عرفت ما لم تعرفه أنت، وكأن هذا القول قد جاء؛ ليعلمنا حسن الأدب مع من هو دوننا، فهو يهب لمن دوننا ما يُعَلِّمُه لنا، ألم يُعلِّمنا الغراب كيف نواري سوأة الميت؟
следующие страницы →