Полный текст (14 757 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.
стр. 7176
والشَّكُّ معناه: وضَعْ أمرين في كِفَّتين متساويتين.
وهنا يأمر الحق سبحانه رسوله ﷺ َ بأن يعرض على الكافرين قضية الدين، وأن يضعوها في كفة، ويضعوا في الكفة المقابلة ما يؤمنون به.
ويترك لهم الحكم في هذا الأمر.
هم إذن في شك: هل هذا الدين صحيح أم فاسد؟
وعَرْض الرسول ﷺ َ لأمر الدين للحكم عليه، يعني: أن أمر الدين ملحوظ أيضاً عند أيِّ كافر، وهو ينتبه أحياناً إلى قيمة الدين.
стр. 7177
فإن كنتم في شكٍّ من الدين الذي أنزِلَ على رسول الله ﷺ َ، وهل ينتصر الرسول ﷺ َ ومَنْ معه عليهم، أم تكون لهم الغلبة؟
وحين يعرض الرسول ﷺ َ أمر الدين عليهم، ويترك لهم الحكم، فهذه ثقة منه ﷺ َ بأن قضايا دينه إنْ نظر إليها الإنسان ليحكم فيها، فلا بد أن يلتجىء الإنسان إلى الإيمان.
ويحسم الحق أمر قضية الشرك به، ويستمر أمره إلى الرسول ﷺ َ أن يقول:
﴿فَلاَ أَعْبُدُ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ولكن أَعْبُدُ الله﴾ [يونس: ١٠٤] .
أي: أنه ﷺ َ لا يمكن أن يعبد الشركاء وأن يعبد الله؛ لأنه لن يعبد إلا الله ﴿ولكن أَعْبُدُ الله﴾ [يونس: ١٠٤] .
ثم جاء سبحانه بالدليل الذي لا مراء فيه، الدليل القوي، وهو أن الحق وحده هو المستحق للعبادة؛ لأنه ﴿الذي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ ، ولا يوجد مَنْ يقدر أو يتأبى على قَدَر الله سبحانه حين يُميته.
وهنا قضيتان:
الأولى: قضية العبادة في قوله سبحانه: ﴿فَلاَ أَعْبُدُ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ولكن أَعْبُدُ الله الذي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ [يونس: ١٠٤] .
стр. 7178
وكان لا بُدَّ أن يأتي أمر المسألتين معاً: مسألة عدم عبادة الرسول لمن هم من دون الله، ومسألة تخصيص الله تعالى وحده بالعبادة.
والفصل واضح بما يُحدِّد قطع العلاقات بين معسكر الإيمان ومعسكر الشرك، كما أورده الحق سبحانه في قوله:
﴿قُلْ ياأيها الكافرون لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ١٦] .
والذين يقولون: إن في سورة (الكافرون) تكراراً لا يلتفتون إلى أن هذا الأمر تأكيد لقطع العلاقات؛ ليستمر هذا القطع في كل الزمن، فهو ليس قطعاً مؤقَّتاً للعلاقات.
وهذا أول قَطْع للعلاقات في الإسلام، بصورة حاسمة ليست فيها أية فرصة للتفاهم أو للمساومة، ويظل كل معسكر على حاله.
стр. 7179
يقول الحق في سورة النصر:
﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أَفْوَاجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾
[النصر: ١٣] .
هنا يتأكد الأمر، فبعد أن قطع الرسول ﷺ َ العلاقات مع معسكر الشرك، جاء نصر الله وفَتْحه، فَهُرِع الناس من معسكر الشرك إلى معسكر الإيمان.
هم إذن الذين جاءوا إلى الإيمان. . هذه هي القضية الأولى:
﴿فَلاَ أَعْبُدُ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ولكن أَعْبُدُ الله﴾ [يونس: ١٠٤] .
وهم كانوا يعبدون الأصنام المصنوعة من الحجارة.
وأنت إذا نظرتَ إلى الأجناس في الوجود، فأكرمها هو الإنسان الذي سخَّر له الحق سبحانه بقية الأجناس لتكون في خدمته.
والجنس الأقل من الإنسان هو الحيوان.
ثم يأتي الجنس الأقل مرتبةً من الإنسان والحيوان، وهو النبات.
ثم يأتي الجماد كأدنى الأجناس مرتبةً، وهم قد اتخذوا من أدنى الأجناس آلهة، وهذه هي قمة الخيبة.
وتأتي القضية الثانية في قول الحق :
стр. 7180
﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾ [يونس: ١٠٤] فإذا كان رسول الله ﷺ َ قد رفض العبادة لمن هُمْ دون الله سبحانه، فمعنى ذلك أنه لن يعبد سوى الله تعالى.
وليس هذا موقفاً سلبياً، بل هو قمة الإيجاب؛ لأن العبادة تقتضي استقبال منهج الله بأن يطيع أوامره، ويجتنب نواهيه.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾
стр. 7181
وما دام الخطاب مُوجَّهاً لرسول الله ﷺ َ، فهو ككل خطاب مِنَ الحقِّ سبحانه لرسوله ﷺ َ، إنما ينطوي على الأمر لكل مؤمن.
وإذا ما عبد المؤمن الله سبحانه فهو يستقبل أحكامه؛ ولذلك يأتي الأمر هنا بألا يلتفت وجه الإنسان المؤمن إلى غير الله تعالى، فيقول الحق سبحانه:
﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ [يونس: ١٠٥] .
فلا يلتفت في العبادة يميناً ولا يساراً، فما دام المؤمن يعبد الله ولا يبعد غيره، فليعلم المؤمن أن هناك أيضاً شِرْكاً خفياً، كأن يعبد الإنسان مَنْ هم أقوى أو أغنى منه، وغير ذلك من الأشخاص التي يُفتن بها الإنسان.
стр. 7182
ونحن عرفنا من قبل قول الحق سبحانه:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ [النساء: ١٢٥] .
والحنف أصله ميل في الساق، وتجد البعض من الناس حين يسيرون تظهر سيقانهم متباعدة، وأقدامهم مُلْتفَّة، هذا اعوجاج في التكوين.
أما المقصود هنا بكلمة (حنيفاً) أي: معوج عن الطريق المعوج، أي: أنه يسير باستقامة.
ولكن: لماذا يأتي مثل هذا التعبير؟
لأن الدين لا يجيء برسول جديد ومعجزة جديدة، إلا إذا كان الفساد قد عَمَّ؛ فيأتي الدين؛ ليدعو الناس إلى الميل عن هذا الفساد. وفي هذا اعتدال لسلوك الأفراد والمجتمع.
ويحذرنا رسول الله ﷺ َ من أن نقع في الشرك الخفي بعد الإيمان بالله تعالى.
стр. 7183
ويأتي الكلام عن هذا الشرك الثاني في قول الحق سبحانه:
﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين﴾ [يونس: ١٠٥] .
وهذا الشرك الثاني هو أقل مرحلة من شرك العبادة، ولكن أن تجعل لإنسان أو لأيِّ شيء مع الله عملاً.
فإن رأيت مثلاً للطبيب أو للدواء عملاً، فَقُل لنفسك: إن الطبيب هو مَنْ يصف الدواء كمعالج، ولكن الله هو الذي يشفي، بدليل أن الطبيب قد يخطىء مرة، ويأمر بدواء تحدث منه مضاعفات ضارة للمريض.
وعلى المؤمن ألا يُفتنَ في أيِّ سبب من الأسباب.
ونذكر مثالاً آخر لذلك، وهو أن بلداً من البلاد ذات الرقعة الزراعية المتسعة أعلنت في أحد الأعوام أنها زرعت مساحة كبيرة من الأراضي بالقمح بما يكفي كل سكان الكرة الأرضية، ونبتت السنابل وأينعتْ، ثم جاءتها ريح عاصف أفسدت محصول القمح، فاضطرت تلك الدولة أن تستورد قمحها من دول أخرى.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُكَ﴾
стр. 7184
والمشرك من هؤلاء لحظة أنْ عبدَ الصنم ودعاه من دون الله تعالى، فهل استجاب له؟ وحين عبده هل قال الصنم له: افعل كذا، ولا تفعل كذا؟
إن الأصنام التي اتخذها المشركون آلهة لم يكُنْ لها منهج، ولا أحد منها
стр. 7185
ينفع أو يضر، وحين يجيْ النفع لا يعرف الصنم كيف بمنعه، وحين يجيء الضُّر لا يقدر الصنم أن يدفعه.
إذن: فمَنْ يدعو من دون الله هو دعاء لمن لا ينفع ولا يضر.
ومَنْ يفعل ذلك يكون من الظالمين؛ لأن الظلم هو إعطاء حقًّ لغير ذي حق، سواء أكان في القمة، أو في غير القمة.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ﴾
стр. 7186
هذا كلام الربوبية المستغنية عن الخلق، فالله خلق الناس، ودعاهم إلى الإيمان به، وأن يحبوه؛ لأنه يحبهم، ويعطيهم، ولا يأخذ منهم؛ لأنه في غِنىً عن كل خلقه.
ويأتي الكلام عن الضُّر هنا بالمسِّ، ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ [يونس: ١٠٧] .
ونحن نعلم أن هناك «مساً» و «لمساً» و «إصابة» .
وقوله سبحانه هنا عن الضر يشير إلى مجرد المسِّ، أي: الضر البسيط، ولا تَقُلْ: إن الضر ما دام صغيراً فالخلق يقدرون عليه، فلا أحد
стр. 7187
يقدر على الضر أو النفع، قَلَّ الضر أم كَبُر، وكَثُر النفع أو قَلَّ، إلا بإذن من الله تعالى.
والحق يذكر الضر هنا بالمسّ، أي: أهو الالتصاقات، ولا يكشفه إلا الله .
ومن عظمته جَلَّ وعلا أنه ذكر مع المس بالضر، الكشفَ عنه، وهذه هي الرحمة.
ثم يأتي سبحانه بالمقابل، وهو «الخير» ، وحين يتحدث عنه الحق سبحانه، يؤكد أنه لا يرده.
ونحن نجد كلمة ﴿يُصَيبُ﴾ في وَصْف مجيْ الخير للإنسان، فالحق سبحانه يصيب به من يشاء مِنْ عباده.
ويُنهي الحق الآية بهذه النهاية الجميلة في قوله تعالى:
﴿وَهُوَ الغفور الرحيم﴾ [يونس: ١٠٧] .
وهكذا تتضح لنا صورة جلال الخير المتجلي على العباد، ففي الشر جاء به مسّاً، ويكشفه، وفي الخير يصيب به العباد، ولا يمنعه.
والله تعالى هو الغفور الرحيم؛ لأنه سبحانه لو عامل الناس حتى المؤمنين منهم بما يفعلون لعاقبهم، ولكنه سبحانه غفور ورحيم؛ لأن رحمته سبقت غضبه؛ ولذلك نجده سبحانه في آيات النعمة يقول:
﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَآ﴾ [النحل: ١٨] .
стр. 7188
وجاء الحق سبحانه بالشكِّ، فقال ﴿إِن﴾ ولم يقل: «إذا تعدون نعمة الله» ؛ لأن أمر لن يحدث، كما أن الإقبال على العَدِّ هو مظنَّة أنه يمكن أن يحصي؛ فقد تُعدُّ النقود، وقد يَعدّ الناظر طلاب المدرسة، لكن أحداً لا يستطيع أن يُعدّ أو يُحصى حبَّات الرمال مثلاً.
وقال الحق :
﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَآ﴾ [النحل: ١٨] .
وهذا شَكُّ في أن تعدوا نِعمة الله.
ومن العجيب أن العدَّ يقتضي التجمع، والجمع لأشياء كثيرة، ولكنه سبحانه جاء هنا بكلمة مفردة هي ﴿نِعْمَةَ﴾ ولم يقل: «نِعَم» فكأن كل نعمة واحدة مطمور فيها نِعَمٌ شتَّى.
إذن: فلن نستطيع أن نعدَّ النِّعَم المطمورة في نعمة واحدة.
وجاء الحق سبحانه بذكر عَدِّ النعم في آيتين:
الآية الأولى تقول:
﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] .
والآية الثانية تقول:
﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[النحل: ١٨] .
стр. 7189
وصَدْر الآيتين واحد، ولكن عَجُزَ كل منهما مختلف، ففي الآية الأولى: ﴿إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] .
وفي الآية الثانية: ﴿إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] .
لأن النعمة لها مُنْعِم؛ ومُنْعَم عليه، والمنعَم عليه بذنوبه لا يستحق النعمة؛ لأنه ظلوم وكفار، ولكن المنعم غفور ورحيم، ففي آية جاء مَلْحظ المنعِم، وفي آية أخرى جاء ملحظ المنعَم عليه.
ومن ناحية المنعَم عليه نجده ظَلُوماً كفَّاراً؛ لأنه يأخذ النعمة، ولا يشكر الله عليها.
ألم تَقْلُ السماء: يارب! ائذن لي أن أسقط كِسَفاً على ابن آدم؛ فقد طَعِم خيرك، ومنع شكرك.
وقالت الأرض: ائذن لي أن أخسف بابن آدم؛ فقد طَعِم خيرك، ومنع شكرك.
وقالت الجبال: ائذن لي أن أسقط على ابن آدم.
وقال البحر: ائذن لي أن أغرق ابن آدم الذي طَعِم خيرك، ومنع شُكْرك.
هذا هو الكون الغيور على الله تعالى يريد أن يعاقب الإنسان، لكن الله سبحانه رب الجميع يقول: «دعوني وعبادي، لو خلقتموهم لرحمتموهم، إنْ تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، وإنْ لم يتوبوا فأنا طبيبهم»
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك:
стр. 7190
﴿قُلْ ياأيها الناس قَدْ جَآءَكُمُ الحق﴾
стр. 7191
إذن: فالحق سبحانه لم يُقصِّر مع الخلق، فقد خلق لكم العقول، وكان يكفي أن تفكّروا بها لتؤمنوا من غير مجيء رسول، وكان على هذه العقول أن تفكر في القويُّ الذي خلق الكون كله، بل هي التي تسعى لتطلب أن يرسل لها القويّ رسولاً بما يطلبه سبحانه من عباده، فإذا ما جاء رسول ليخبرهم أنه رسول من الله ويحمل البلاغ منه، كان يجب أن تستشرف آذانهم لما يقول.
إذن: كان على العباد أن يهتدوا بعقولهم؛ ولذلك نجد أن الفلاسفة حين بحثوا عن المعرفة، قالوا: إن هناك «فلسفة مادية» تحاول أن تتعرف على مادية الكون، وهناك «فلسفة ميتافيزيقية» تبحث عما وراء المادة.
فَمَنْ أعلمَ الفلاسفة إذن أن هناك شيئاً وراء المادة.
وكأن العقل مجرد ساعةً يرى نُظُم الكون الدقيقة كان يجب أن يقول: إن وراء الكون الواضح المُحَسِّ قوة خفية.
ولم يذهب الفلاسفة إلى البحث فيما وراء المادة، إلا لأنهم أخذوا من
стр. 7192
المادة أن وراءها شيئاً مستوراً.
والمستور الذي وراء المادة هو الذي يعلن عن نفسه، فهو أمر لا نعرفه بالعقل.
وقديماً ضربنا مثلاً في ذلك، وقلنا: هَبْ أننا جالسون في حجرة، ودقَّ جرس الباب، فعلم كل مَنْ في الحجرة أن طارقاً بالباب، ولم يختلف أحد منهم على تلك الحقيقة.
وهذا ما قاله الفلاسفة حين أقرُّوا بوجود قوة وراء المادة، ولكنهم تجاوزوا مهمتهم، وأرادوا أن يُعرِّفونا ماهية أو حقيقة هذه القوة، ولم يلتفتوا إلى الحقيقة البديهية التي تؤكد أن هذه القوة لا يمكن أن تُعْرَف بالعقل؛ لأننا ما دُمْنا قد عرفنا أن بالباب طارقاً يدق؛ فنحن لا نقول من هو، ولا نترك المسألة للظن، بل نتركه هو الذي يحدد لنا مَنْ هو، وماذا يطلب؟ لأن عليه هو أن يخبر عن نفسه.
اطلبوا منه أن يعلن عن اسمه وصفاته، وهذه المسائل لا يمكن أن نعرفها بالعقل.
إذن: فخطأ الفلاسفة أنهم لم يقفوا عند تعقُّل أن هناك قوة من وراء المادة، وأرادوا أن ينتقلوا من التعقُّل إلى التصور، والتصورات، لا تأتي بالعقل، بل بالإخبار.
وهنا يقول الحق سبحانه:
﴿قُلْ ياأيها الناس قَدْ جَآءَكُمُ الحق مِن رَّبِّكُمْ﴾ [يونس: ١٠٨] .
والحق كما نعلم هو الشيء الثابت الذي لا يتغير أبداً، وأن يأتي
стр. 7193
الحق من الرب الذي يتولى التربية بعد أن خلق من عدم وأمدَّ من عُدْم، ولا يكلفنا بتكاليف الإيمان إلا بعد البلوغ، وخلق الكون كله، وجعلنا خلفاء فيه.
وهو إذن مأمون علينا، فإذا جاء الحق منه ، فلماذا لا نجعل المنهج من ضمن التربية؟
لماذا أخذنا تربية المأكل والملبس وسيادة الأجناس؟
كان يجب إذن أن نأخذ من المربِّي المنهج الذي ندير به حركة الحياة؛ فلا نفسدها.
وحين يقول الحق سبحانه:
﴿جَآءَكُمُ الحق مِن رَّبِّكُمْ﴾ [يونس: ١٠٨] .
فمعنى ذلك أنه لا عُذْر لأحد أن يقول: «لم يُبلغْني أحدٌ بمراد الله» ، فقد ترك الحق سبحانه العقول لتتعقل، لا أن تتصور.
وجاء التصوُّر للبلاغ عن الله تعالى، حين أرسل الحق سبحانه رسولاً يقول: أنا رسول من الله، وهو القوة التي خلقت الكون، وكان علينا أن نقول للرسول بعد أن تَصْدُق معجزته: أهلاً، فأنت مَنْ كنا نبحث عنه، فَقُل لنا: ماذا تريد القوة العليا أن تبلغنا به؟
ثم يقول الحق سبحانه في نفس الآية:
стр. 7194
﴿فَمَنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [يونس: ١٠٨] .
لأن حصيلة هدايته لا تعود على مَنْ خلقه وهداه، بل تعود عليه هو نفسه انسجاماً مع الكون، وإصلاحاً لذات النفس، وراحة بال، واطمئناناً، وانتباهاً لتعمير الكون بما لا يفسد فيه، وهذا الحال عكس ما يعيشه مَنْ ضل عن الهداية.
ويقول الحق سبحانه عن هذا الصنف من الناس:
﴿وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس: ١٠٨] .
وكلمة ﴿ضَلَّ﴾ تدل على أن الإنسان الذي يضل كانت به بداية هداية، لكنه ضَلَّ عنها.
ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ [يونس: ١٠٨] .
وأنت لا توكِّل إنساناً إلا لأن وقتك لا يسع، وكذلك قدرتك وعلمك وحركتك، وهنا يُبلغ الرسول القوم: أنا لا أقدر أن أدفع عنكم الضلال، أو أجبركم على الهداية؛ لأني لست وكيلاً عليكم، بل عليَّ فقط مهمة البلاغ عن الله ، وهذا البلاغ إن استمعتم إليه بخلاء القلب من غيره، تهتدوا.
وإذا اهتديتم؛ فالخير لكم؛ لأن الجزاء سيكون خلوداً في نعيم تأخذونه مقابل تطبيق المنهج الذي ضيَّق على شهوات النفس، ولكنه يهدي حياة نعيم لا يفوته الإنسان، ولا تفوت النعم فيه الإنسان.
стр. 7195
وإذا كان الإنسان مِنَّا يقبل أن يتعب؛ ليتعلَّم حرفة أو عملاً أو صنعة أو مهنة؛ ليسكب الإنسان من إتقان هذا العمل بقية عمره.
أليس على هذا الإنسان أن يُقبِل على العبادة التي تصلح باله، وتسرع به إلى الغاية انسجاماً مع النفس، ومع المجتمع، وتقويماً وتهذيباً لشهوات النفس، وينال من بعد ذلك خلود النعيم في الآخرة.
أما من يستكثر على نفسه الجدَّ والاجتهاد في تحصيل العلم، أو تعلُّم مهنة أو حرفة، فهو يحيا في ضيق وعدم ارتقاء، فهو لا يبذل جهداً في التعلّم.
ونرى مَنْ يتعلم ويبذل الجهد، وهو يرتقي في المستوى الاجتماعي والاقتصادي؛ ليصل إلى درجة الدكتوراة مثلاً أو التخصص الدقيق الذي يأتي له بِسعَة الرزق.
وكلما كانت الثمرة التي يريدها الإنسان أينع وأطول عمراً كانت الخدمة من أجلها أطول.
وقارن بين خدمتك لدينك في الدنيا بما ينتظرك من نعيم الآخرة؛ وسوف تجد المسافة بين عطاء الدنيا وعطاء الآخرة شاسعاً، ولا مقارنة.
وقول الحق سبحانه:
﴿وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس: ١٠٨] .
стр. 7196
نجد فيه كلمة ﴿عَلَيْهَا﴾ وهي تفيد الاستعلاء على النفس، أي: أنك بالضلال والعياذ بالله تستعلي على نفسك، وتركب رأسك إلى الهاوية.
وفي المقابل تجد قول الحق سبحانه:
﴿فَمَنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [يونس: ١٠٨] .
وتجد «اللام» هنا تفيد المِلْك؛ لذلك يقال: «فلان له» و «فلان عليه» .
وبعد ذلك يقول الحق سبحانه في ختام سورة يونس: ﴿واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ﴾
стр. 7197
وإذا كان الحق سبحانه قد أورد على لسان رسوله ﷺ َ: ﴿ياأيها الناس قَدْ جَآءَكُمُ الحق مِن رَّبِّكُمْ﴾ [يونس: ١٠٨] .
فهذا يعني البلاغ بمنهج الله تعالى النظري، ولا بُدَّ أن يثق الناس في المنهج، بأن يكون الرسول هو أول المنفذين للمنهج، لأنه معاذ الله لو غشَّ الناس جميعاً لما غشَّ نفسه.
إذن: فبعد البلاغ عن الحق سبحانه، وتعريف الناس بأن الهداية
стр. 7198
لا يعود نفعها على الحق، بل هي للإنسان، فيملك نفسه؛ ويملك زمام حياته، فيسير براحة البال في الدنيا إلى نعيم الآخرة، وأن الضلال لا يعود إلا باستعلاء الإنسان على نفسه؛ ليركبها إلى موارد التهلكة.
والرسول ﷺ َ ليس وكيلاً عنكم، يأتي لكم بالخير حين لا تعملون خيراً، ولا يصرف عنكم الشر وأنتم تعملون ما يستوجب الشر.
ولذلك كان على رسول الله ﷺ َ أن يكون هو النموذج والأسوة.
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ الله واليوم الآخر وَذَكَرَ الله كَثِيراً﴾ [الأحزاب: ٢١] .
وهنا يقول الحق سبحانه:
﴿واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ﴾ [يونس: ١٠٩] .
أي: عليك أن تكون الأسوة، وحين تتَّبع ما يوُحَى إليك؛ ستجد عقبات ممن يعيشون على الفساد، ولا يرضيهم أن يوجد الإصلاح، فَوطِّن العزم على أن تتبع ما يوحى إليك، وأن تصبر.
стр. 7199
ومجيء الأمر بالصبر دليل على أن هناك عقبات كثيرة، وعليك أن تصبر وتعطي النموذج لغيرك، والثقة في أنه لو لم يكن هناك خير في اتباع المنهج لما صبرت عليه؛ حتى يأتي حكم الله ﴿واصبر حتى يَحْكُمَ الله وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين﴾ [يونس: ١٠٩] .
وليس هناك أعدل ولا أحكم من الله .
وهذه السورة التي تُخْتَم بهذه الآية الكريمة، تعرضت لقضية الإيمان بالله، قمة في عقيدة لإله واحد يجب أن نأخذ البلاغ منه سبحانه؛ لأنه الرب الذي خلق من عَدَم، وأمدَّ من عُدْم، ولم يكلِّفنا إلا بعد مرور سنوات الطفولة وإلى البلوغ؛ حتى يتأكد أن المكلَّف يستحق أن يُكلَّف بعد أن انتفع بخيرات الوجود كله، وتثبَّت من صدق الربوبية.
ومعنى الربوبية هو التربية، وأن يتولى المربِّي المربَّى إلى أن يبلغ حَدَّ الكمال المرجوّ منه.
وقد صدقتْ هذه القضية في الكون.
إذن: نستمع إلى الرب الذي خلق، حين يُبِّين لنا مهمتنا في الحياة بمنهج تستقيم به حركة الحياة، ويستقيم أمر الإنسان مع الغاية التي يعرفها قبل أن يخطو أي خطوة.
ومن المحال أن يخلق الله المخلوق ثم يُضيِّعه، بل لا بد أن يضع له قانون صيانة نفسه؛ لأن كل صنعة إنما يضع قانونها
стр. 7200
ويحدد الغاية لها مَنْ صنعها، فإذا ما خالفنا ذلك نكون قد أحَلْنا وغيَّرنا الأمور، وأدخلنا العالم في متاهات، وصار لكل امرىء غاية، ولكل امرىء منهج، ولكل عقل فكر، ولَصار الكون متضارباً؛ لأن الأهواء ستتضارب، فتضعف قوة الأفراد؛ لأن الصراع بين الأنداد يُضعِف قوة الفرد عن معالجة الأمر الذي يجب أن يعالجه.
فأراد الله توحيداً في العقيدة، وتوحيداً في المنهج.
وأراد الحق أن يضرب لنا مثلاً تطبيقياً في مواكب الرسالات، فذكر لنا في هذه السورة قصة نوح ﵇ وقصة موسى وهارون ﵉ وذكر بينهما القصص الأخرى.
ثم ذكر قضية يونس ﵇.
ثم ختم السورة بقوله سبحانه:
﴿واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ﴾ [يونس: ١٠٩] .
بلاغاً عن الله تعالى.
وما دُمْتَ تبلّغ، وأمتك أمة محسوبة إلى قيام الساعة أنها وارثة
стр. 7201
النبوة، ولم تَعُدْ هناك نبوة بعدك يا محمد ﷺ َ تسليماً كثيراً.
وأراد الحق سبحانه لأمتك أن يحملوا الدعوة للمنهج الذي نزل إليك.
إذن: فرسول الله ﷺ َ سيكون شهيداً بأنه قد بلّغ، ويجب أن تكون أمته شهيدة بأنها بلغت، وأوصلت رسالة الله إلى الدنيا، وهذا شرف مهمة أمة محمد ﷺ َ.
ولم يكن لأمة غيرها مثل هذا الشرف؛ فقد كان الأمر قبل رسول الله ﷺ َ أن دعوة أيِّ رسول تفتُر، وتبهت تكاليفه، ويغفل عنها الناس، فيرسل الله رسولاً، ولكن الأمر اختلف بعد رسالة محمد ﵊ ُ، فلم تَعُدْ هناك نبوة، ولا رسالة، ولكن صار هناك مَنْ يحملون منهج الله تعالى.
والرسول ﷺ َ هو الأسوة؟ لأنه مُبلغ منهج الله، وهو أسوة في تطبيق قانون صيانة الإنسان وحركته، ونموذج تطبيقي حتى لا يكلف الناس فوق ما تطيقه إنسانيتهم؛ ولذلك كان يُصِر على أنه بشر، وأوضح القرآن الكريم ذلك بلا أدنى غموض:
﴿إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [فصلت: ٦] .
стр. 7202
ليؤكد صدق الأسوة؛ لأنه ﷺ َ لو لم يكن بشراً وطلب من الناس أن يفعلوا مثله لقالوا: لن نستطيع لأنك لست مثلنا.
ولذلك نلحظ أن القرآن يؤكد على بشرية رسول الله ﷺ َ، ولكنه ﷺ َ يزيد عن البشر باصطفاء الله سبحانه له؛ ليكون رسولاً يُوحَى إليه، فمهمته الرسالية الأولى أن يُبلغ هذا الوحي، والمهمة الثانية أن يؤكد بسلوكه أنه مقتنع بهذا الوحي ويُطبِّقه على نفسه.
ويقول الحق :
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] .
وكان رسول الله ﷺ َ من ناحية الثراء أقلَّ الناس مالاً، وهو غير متكبر، ولا جبَّار، وهو كمنوذج سلوكي تتوازن فيه وبه كل الفضائل؛ فلم يطلب لنفسه شيئاً، بل إنه منع أقاربه وأهله من حقوق أقرها لغيرهم من المسلمين، فأقاربه لم يُعِطهم الحق في أن يرثوا شيئاً مما يملكه بعد وفاته وقد حرمهم؛ ليكون كل عمل صادر منه ﷺ َ أو ممن ينتسبون بالقرابة إليه هو عمل خالص لوجه الله تعالى.
وهذا السلوك هو عكس سلوك الرئاسات البشرية، أو السلطات الزمنية، فهذه الرئاسات أو تلك السلطات تفيض أول ما تفيض على نفسها بالخير، ثم تفيضه على الدوائر القريبة منها حسب أقطار القرب؛ فالقريب جداً يأخذ أولاً وكثيراً، ومَنْ يبعد في القرابة يأخذ الأقل حسب درجة بُعْده.
стр. 7203
لكن الذي في دائرة القرابة مع رسول الله ﷺ َ لا يأخذ حتى ما يأخذه الفقير في أمة محمد عليه السلاة والسلام، وكأن الله يدلنا بذلك على أنه من العيب أن يكون الإنسان منسوباً لآل بيت النبوة، ويكون موضعاً لأخذ الزكاة.
إذن: فالاتِّباع الذي أمر الله تعالى به، هو اتباع الوحي بلاغاً، واتباع ما يُوحَى به تطبيقاً، وسيتطلب هذا مواجهة متاعب كثيرة، وسيلقى عقبات من الجبابرة المنتفعين بالفساد في الأرض، فلا بُدَّ أن يصادموا هذه الدعوات؛ ليحافظوا على سلطاتهم الزمنية، فيأمر الحق رسوله ﷺ َ بأن يصبر، وفي الأمر بالصبر إشارة إلى أن الرسول ﷺ َ مُقْبِل على عقبات فَلْيُعِدّ نفسه لتحمُّل هذه العقبات بالبصر.
وفي آية أخرى يأمره الحق أن يصبر ويصابر هو والمؤمنون. . يقول سبحانه:
﴿اصبروا وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ﴾ [آل عمران: ٢٠٠] .
أي: إن صبرت، فقد يصبر خَصْمك أيضاً، وهنا عليك أن تصابره، وكلمة «اصبر» توضح أن دعاة منهج الحق سبحانه لا بد أن يتعرضوا لمتاعب، وإلا ما كانت هناك ضرورة لأن يجيء، فلو كان العالم مستقيم الحركة، فما ضرورة المنهج إذن؟
стр. 7204
ولكن المنهج قد جاء؛ لأن الفساد قد عَمَّ الكون، ويحتاج إلى إصلاح، وإلى مواجهة المفسدين، وهذا ما يرهق الداعين إلى الله تعالى، وليُوطّن كل داعية نفسه على ذلك، ما دام قد قام ليدعو إلى منهج الحق .
وكل داع إلى الله لا يصيبه أذى، فهذا يُنقص من حظه في ميراث النبوة؛ لأن الذي يأتي له الأذى هو الذي يأخذ حظاً من ميراث النبوة، فالأذى لا يجيء إلا بمقدار خطورة الداعي إلى الله سبحانه على الفساد والمفسدين، وهم الذين تجتمعون ضده.
ورسول الله ﷺ َ يقول: «نضَّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلَّغها، فرُبَّ حامل فقه إلى مَنْ هو أفقه منه» .
إذن: فنحن أمة محمد ﷺ َ قد ورثنا منه البلاغ، وورثنا منه الأسوة الحسنة:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ الله واليوم الآخر وَذَكَرَ الله كَثِيراً﴾
[الأحزاب: ٢١] .
إذن: فقول الحق :
﴿واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ﴾ [يونس: ١٠٩] .
هو دليل على أن الوحي بصدد الإنزال؛ لأن الوحي لم ينزل بالقرآن
стр. 7205
دَفْعة واحدة، فقد كان الوحي ينزل على رسول الله ﷺ َ طوال حياته.
وهكذا تكون حياة رسول الله ﷺ َ هي مقام الاستقبال للوحي.
وقول الحق سبحانه:
﴿واصبر حتى يَحْكُمَ الله﴾ [يونس: ١٠٩] .
يوضح لنا أنه سبحانه قد وضع حدّاً تؤمل فيه أن الأمر لن يظل صبراً، وأن القضية ستُحسم من قريب بحكم من الله تعالى.
كلمة ﴿يَحْكُمَ﴾ توضح أن هناك فريقين؛ كُلُّ يدَّعي أنه على حق، ثم يأتي مَنْ يفصل في القضية، والحجة إما الإقرار أو الشهود، وبطبيعة الحال لن يُقِرَّ الكفار بكفرهم، والشهود قد يكونون عُدولاً، أو يكونون ممن يُدارونَ فِسْقهم في ظاهر العدالة. فإذا كان الله هو الحاكم، فهو لا يحتاج إلى شهود؛ لأنه خير الشاهدين، والله سبحانه لا يحكم فقط دون قدرة إنفاذ الحكم، لا بل هو يحكم وينفذ.
إذن: فهو سبحانه قد شهد وحكم ونفَّذ، ولا توجد قوة تقف أمام قدرة الله تعالى، أو تقف أمام حكم الله .
ونحن في زماننا نرى القُوى وهي تختلف، فنجد القويَّ من الدول وقد تسلَّط على الضعيف، فيلجأ الضعيف إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ويصدر كل منهما قرارات، وحتى لو افترضنا عدالة الحكم، فأين قوة التنفيذ؟ إنها غير موجودة.
стр. 7206
ولكن قدرة الحق الأعلى سبحانه هي قدرة خير الحاكمين، لأنه هو سبحانه الذي يشهد، وهو سبحانه لا يحتاج إلى مَنْ يُدلِّس عليه في الشهادة؛ لأنك إن عمَّيت على قضاء الأرض، فلن تُعمَّى على قضاء السماء.
وبعد ذلك يحكم الحق سبحانه حُكْماً لا هوى فيه؛ لأن آفة الأحكام أن يدخلها الهوى فتميل، والحق سبحانه لا هوى له؛ لأنه لا مصلحة له عند العباد، فهو الخالق ، ولن يأخذ مصلحة من مخلوق.
ويطمئنا الحق سبحانه على أن رسوله ﷺ َ أيضاً لا ينطق عن الهوى.
فيقول رب العزة سبحانه:
﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يوحى﴾ [النجم: ٣٤] .
стр. 7207
أي: اطمئنوا إلى حكمه؛ لأنه لا ينطق عن هوى فليس في نفسه ما يريد تحقيقه إلا دعوة الخلق إلى حُسْن عبادة الخالق سبحانه.
وقد يقول قائل: ولكن الحق عدَّل للرسول بعضاً من الأحكام.
ونقول: لقد كان رسول الله ﷺ َ يجتهد ببشريته فيما لم يُنزِل الله فيه حُكْماً، وحين يُنزِل الله حُكْماً، فهو ﷺ َ ينزل على أمر الله تعالى، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه سلم يحكم حتى فيما اجتهد فيه عن هوى، بل حكم بما رآه عدلاً، وحين يُنزِل الحق حُكْماً مغايراً فهو يبلغ المسلمين ويُعدِّل من الحكم.
إذن: فالتعديل للحكم هو قمة الأمانة مع البلاغة عن الله ، ورسول الله ﷺ َ قد أقبل على الحكم في أمر لم ينزل فيه حكم من الله، فهو قد حكم بما عنده من الرأي، فيبلغ ﷺ َ الحكم من الله، والذي عدَّل له ليس مساوياً له بل هو خالقه.
ثم إن الذي أخبرنا أن الله سبحانه قد عدَّل له هو النبي ﷺ َ، فهل يوجد مَنْ يُضعِف مركز كلمته، ويبلغ أن الحكم الذي صدر منه قد عُدِّل له؟ ولكن رسول الله ﷺ َ الذي استقبل الوحي تحلّى بأمانة البلاغ عن الله، وهو الذي نقل لنا عتاب ربه له.
стр. 7208
وهذه قمة الصدق في البلاغ عن الله، وكان اجتهاد رسول الله ﷺ َ محصوراً في الأمور التي لم يصدر فيها حكم من الله، وكان في ذلك أسوة حسنة لنا لنتجرأ ونجتهد.
«وقد بعث رسول الله ﷺ َ معاذ بن جبل إلى اليمن فقال: كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله ﷺ َ. قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله ﷺ َ؟ قال: أجتهد رأيي لا آلو. قال: وضرب رسول الله ﷺ َ صدري ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ َ لما يُرضي رسول الله ﷺ َ» .
والحق خير الحاكمين؛ لأنه الشاهد الذي يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، وهو سبحانه لا تخفى عليه خافية، ولا هوى له، وهو الذي يصدر الحكم بمطلق عدله وبفضله، وهو القادر على إنفاذ ما يحكم به، ولا توجد قوة تُجير عليه، ولا يوجد حاكم بقادر
стр. 7209
على كل هذا إلا الله سبحانه.
وشاء الحق أن يكرِّم المؤمنين الذين يحكمون بين الناس بأن جعل ذاته ضمنية بتفوق الخيرية على الحاكمين.
وواقع الأمر أن هناك بشراً يحكمون غيرهم، ولكن الحق سبحانه حكم بأنه خيرهم، فمن الحاكمين مَنْ قد يُدلس عليه غيره، ومن الممكن أن يدخل الهوى في أحكام هؤلاء الحاكمين، لكنه سبحانه لا تَخْفى عليه خافية، ولا يمكن أن يدخل الهوى إلى حكمه، وأحكامه نافذة بطلاقة قدرته سبحانه؛ لذلك فهو خير الحاكمين إطلاقاً.
وإذا سمعت جمعاً يدخل الله ذاته مع خلقه فيه؛ فاعلم أن ذلك إيذان بأن تأخذ من واقع ما تشهد حقيقة مَنْ لا تشهد؛ فالحق سبحانه يقول:
﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤] .
ويقول تعالى:
﴿والله خَيْرُ الرازقين﴾ [الجمعة: ١١] .
ويقول تعالى:
﴿رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين﴾ [الأنبياء: ٨٩] .
ويقول تعالى:
﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ [التين: ٨] .
وكلما وجدت جَمْعاً أدخل الله ذاته مع عباده ممن لهم هذا الوصف، فهذا يَدلُّك على أن الموصوفين معه لهم تلك الصفات المذكورة، ولكنه
стр. 7210
سبحانه وتعالى أزليٌّ مُطلْق الصفات، وهم أحداث وأغيار تنتابهم القوة والتغيُّر والضعف.
وتجد الله وهو يَصِفُ نفسه بأنه:
﴿أَحْسَنُ الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤] .
وكلنا نعلم أن الله سبحانه هو خالق كل شيء من عدم، ولكن هناك من الخلق مَنْ يخلق شيئاً من موجود؛ ولذلك فالله هو أحسن الخالقين.
والحق سبحانه يصف نفسه بأنه:
﴿خَيْرُ الرازقين﴾ [الجمعة: ١١] .
والرزق هو ما به يُنتفع، وقد يأتي لك وليُّ أمرك بالمأكل والمشرب والملبس، ويعطيك ما تنتفع به، ولكن الحق هو الذي خلق الرزق في الكون كله.
ويقول الحق سبحانه واصفاً نفسه:
﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله والله خَيْرُ الماكرين﴾ [آل عمران: ٥٤] .
والإنسان حين يمكر قد يُدارِي مسألة، ويغفل عن ركن فيها، لكن الله تعالى لا يغفل عن شيء.
إذن: فالخيرية في الحكم لها نصيب من طلاقة قدرة الله تعالى، ونحن عرفنا أن الرسول ﷺ َ حين حكم في بعض الأحكام وعدَّلها له الله ، لم يكن لله تعالى حكم قبل أن يحكم رسول الله ﷺ َ.
стр. 7211
ومثال ذلك: «قصة زيد بن حارثة، وكان مولى أو عبداً لخديجة بن خويلد ﵂، ووهبته لسيدنا رسول الله ﷺ َ، ثم علم أهله الذين كانوا يبحثون عنه أنه في مكة، وكان قد خُطف صغيراً من بلده وبيع في مكة، كعادة العرب في الجاهلية مع الرقيق، فلما علموا بذلك ذهبوا إلى رسول الله ﷺ َ ليستردوا ابنهم، فقال لهم رسول الله:» والله إني لأخَيِّره، فإن اختاركم فخذوه، وإن اختارني فهو لي «. فاختار زيد أن يبقى مع رسول الله ﷺ َ.
ولم يكن رسول الله بعد ذلك ليفرِّط فيه؛ فأعطاه شرف البنوَّة، فأسماه زيد بن محمد» .
стр. 7212
وهكذا رأى النبي ﷺ َ في التبنِّي وسيلة تكريم، ولكن الله يريد أمراً غير هذا، فقال :
﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولكن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النبيين وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ [الأحزاب: ٤٠] .
لأن الأبوة بالتبنِّي قد تُحِدث خَلْطاً في الأنساب، فالابن بالتبني له حق الزواج من ابنة مَنْ تبنَّاه، فكيف نمنع عنه هذا الحق، والابن بالتبني قد تحرم عليه زوجة مَنْ تبناه إن رحل عنها أو طلقها.
لذلك شاء الحق أن يحفظ للأنساب حقوقها ومسئولياتها، فقال سبحانه:
﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولكن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النبيين﴾ [الأحزاب: ٤٠] .
ومهمته ﷺ َ كرسول من الله بالنسبة لكم أفضل من الأبوة لكم.
وقال الحق سبحانه في تعديل حكم التبني:
﴿ادعوهم لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ الله﴾ [الأحزاب: ٥] ؟
وهذا رَدُّ لحكم من رسول الله بتكريم لرسول الله، فما صنعه محمد ﷺ َ عَدْلٌ وقسْط بعُرْف البشر، لكن حكم الله هو الأقسط والأعدلَ، فينتهي بذلك نسب زيد بن محمد، ويعود إلى نسبه الفعلي «زيد بن حارثة» .
стр. 7213
وحتى لا يؤثر هذا الأمر في نفس زيد، نجد الحق يكرمه تكريماً لم يُكرِّمه لصحابي غيره، فهو الصحابي الوحيد الذي ذُكِر اسمه بالشخص والعَلَم في القرآن، فقال الحق سبحانه:
﴿فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧] .
وصار اسم «زيد» كلمة في القرآن تُتْلَى ويُجْهَر بها في الصلاة، فإذا كان قد نفي عنه النسب إلى محمد ﷺ َ فقد أعطاه ذِكْراً ثانياً خالداً في القرآن المحفوظ، ومنحه بذلك شرفاً كبيراً.
وقول الحق :
﴿واصبر حتى يَحْكُمَ الله وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين﴾ [يونس: ١٠٩] .
يفيد أن حكم الله تعالى أعمُّ من أن يكون حكماً في الدنيا أو الآخرة فقط، فحكم الله سبحانه في الدنيا نَصْرٌ لدين الله، ومَنْ مات من المؤمنين أو الكفار لهم حكم آخر.
وختم الله تعالى سورة يونس بهذا الحكم، وأهدى الله سبحانه كل مؤمن بيونس كنبي من أنبياء الله تعالى قضية عندما ذهب مغاضباً، قال فيه الحق سبحانه:
﴿وَذَا النون إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فنادى فِي الظلمات أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ [الأنبياء: ٨٧] .
وأهداه الحق سبحانه وساماً بقوله:
стр. 7214
﴿فاستجبنا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغم﴾ [الأنبياء: ٨٨] .
وأشركنا الحق في هذا الوسام بقوله تعالى:
﴿وكذلك نُنجِي المؤمنين﴾ [الأنبياء: ٨٨] .
وهكذا أسدى إلينا سيدنا يونس جميلاً كبيراً، حين هداه الله إلى قوله:
﴿لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين﴾ [الأنبياء: ٨٧] .
واستجاب الله تعالى لدعائه، وأنجاه من الغَمِّ، وهو أعنف جنود الله؛ لأن الشيء الذي يضايقك هو الذي لا تستطيع له دَفْعاً.
ولذلك يقول: إن العدو كلما لَطُفَ عَنُفَ؛ لأن العدو إن كان ضخم الحجم، تكون الوقاية منه أسهل من العدو الصغير سريع الحركة، فإن كان العدو ضخماً، فالإنسان يرى ضخامته من على البُعْد، فيجري منه الإنسان أو يختبىء، لكن إن كان العدو ثعباناً رفيعاً مثلاً فقد لا يراه الإنسان، وقد لا يستطيع الفرار منه، وإنْ كان ميكروباً أو فيروساً لا يُرى بالعين المجرَّدة؛ فهو أعنفُ قدرةً وقوةً في مهاجمة الإنسان.
إذن: كل مُتْعب في الدنيا من الممكن أن تحتاط منه إلا ما يتلصَّص عليك بدقَّة ولُطْف؛ فإنَك لا تعرف مدخله.
ونحن نسمع أن فلاناً قد أصيب بمرض ما، لأنه أخذ عدوى من فيروس ما، هذا الإنسان لا يعرف متى اخترق الفيروس جسده، لكنه فوجىء
стр. 7215
بأعراض المرض تظهر عليه بعد كمون الفيروس في جسده لأسبوعين، وهكذا نجد أن العدو كلما لَطُفَ عَنُفَ.
والغمُّ من أشد وأقسى أنواع البلاء، وكلنا نعرف قصة الإمام علي كرَّم الله وجهه وهو المشهور بالفُتْيا، وكان الناس يستفتونه فيما يعجزون عن العثور على حل له، واجتمع بعض من الناس وقالوا: نريد أن نجمع بعض الأشياء الصعبة ونسأله عنها لنختبره، فلما اجتمعوا قالوا لعليٍّ كرم الله وجهه: نريد أن نستعرض كون الله تعالى، فقد جلسنا معاً لنعرف أقوى ما خلق الله، واختلفنا فقال كل واحد اسم القوة على حَسْب ما يراها.
لم يتروَّ على بن أبي طالب، ولم يَقُلْ كلاماً مَسْروداً بحيث إن وقف، لا يطالبه أحد بزيادة، بل حدَّد من الجملة الأولى عدد القوى حسب ترتيبها وقوتها، حتى تطابق العدد على المعدود، وهذا دليل على أنه مُسْتحضِرٌ للقضية استحضار الواثق. وفرد أصابع يديه وقال:
أشدُّّ جنود الله عشرة: الجبال الرواسي، والحديد يقطع الجبال، والنار تذيب الحديد، والماء يطفىء النار، والسحاب المسخَّر بين السماء والأرض
следующие страницы →