← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 7351–7390 · переход к 7356.

стр. 7351

وهنا يحدثنا القرآن عن هؤلاء الذين كفروا بالله وآياته ورسوله ﷺ َ، ولم يكتفوا بكفرهم، بل تمادوا وأرادوا أن يصدوا غيرهم عن الإيمان. وبذلك تعدَّوا في الجريمة، فبعد أن أجرموا في ذواتهم؛ أرادوا لغيرهم أن يُجرم. وسبق أن أنزل الحق سبحانه خطاباً خاصّاً بأهل الكتاب، الذين سبق لهم الإيمان برسول سابق على رسول الله ﷺ َ، ولكن أعماهم الطمع في السلطة الزمنية فطمسوا الآيات المبشرة برسول الله في كتبهم، وهم بذلك إنما صدُّوا عن سبيل الله، وأرادوا أن تسير الحياة معوجَّة. يقول الحق سبحانه: ﴿قُلْ ياأهل الكتاب لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَآءُ وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٩] . وقد أرسل الحق سبحانه رسوله ﷺ َ ليعدل المُعوجَّ من أمور المنهج. والعوج هو عدم الاستقامة والسوائية، وقد يكون في القيم، وهي ما قد خفي من المعنويات، فتقول: أخلاق فلان فيها عوج، وأمانة فلان فيها عوج. ويقول الحق سبحانه: ﴿الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا﴾ [الكهف: ١] . وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الله سبحانه: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ [هود: ١٩] .

стр. 7352

أما في الأمور المحسة فلا يقال: «عِوَج» ، بل يقال: «عَوَج، فأنت إذا رأيت شيئاً معوجاً في الأمور المحسة تقَول: عَوَج. لكننا نقرأ في القرآن قول الحق سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولا أَمْتاً﴾ [طه: ١٠٥١٠٧] . وقد أوردها الحق سبحانه هنا بهذا الشكل لدقة الأداء القرآني؛ لأن هناك عوجاً حسياً يحسه الإنسان، مثلما يسير الإنسان في الصحراء؛ فيجد الطريق منبسطاً ثم يرتفع إلى ربوة ثم ينبسط مرة أخرى، ثم يقف في الطريق جبل، ثم ينزل إلى وادٍ، وأي إنسان يرى مثل هذا الطريق يجد فيه عوجاً. أما إذا كنت ترى الأرض مبسوطة مسطوحة كالأرض الزراعية، فقد تظن أنها أرض مستوية، ولكنها ليست كذلك؛ بدليل أن الفلاح حين يغمر الأرض بالمياه، يجد بقعة من الأرض قد غرقت بالماء، وقطعة أخرى من نفس الأرض لهم تمسها المياه، وبذلك نعرف أن الأرض فيها عوج لحظة أن جاء الماء، والماء كما نعلم هو ميزان كل الأشياء المسطوحة.

стр. 7353

ولذلك حين نريد أن نحكم استواء جدار أو أرض، فنحن نأتي بميزان الماء؛ لأنه يمنع حدوث أي عوج مهما بلغ هذا العوج من اللطف والدقة التي قد لا تراها العين المجردة. وفي يوم القيامة يأتي أصحاب العوج في العقيدة، ويصورهم الحق سبحانه في قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الداعي لاَ عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً﴾ [طه: ١٠٨] . هم إذن يصطفُّون بلا اعوجاج، كما يصطف المجرمون تبعاً لأوامر من يقودهم إلى السجن، في ذلة وصَغَار ولا ينطقون إلا همساً. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُمْ بالآخرة هُمْ كَافِرُونَ﴾ [هود: ١٩] . والسبب في صَدِّهم عن سبيل الله أنهم يريدون الحال مُعْوجاً ومائلاً، وأن يُنفِّروا الناس من الإيمان ليضمنوا لأنفسهم السلطة الزمنية ويفسدون في الأرض؛ لأن مجيء الإصلاح بالإيمان أمر يزعجهم تماماً، ويسلب منهم ما ينتفعون به بالفساد. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك:

стр. 7354

﴿أولئك لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأرض﴾

стр. 7355

والإعجاز هو الامتناع، وأعجزت فلاناً، أي: برهنت على أنه ممتنع عن الأمر وغير قادر عليه. وقد تجلَّى الإعجاز على سبيل المثال في عجز هؤلاء الذين أنكروا أن القرآن معجزة أن يأتي بآية من مثله. والمعجز في الأرض هو من لا تقدر عليه. ويبيِّن لنا الحق سبحانه في هذه الآية أن هؤلاء الكافرين لا يُعجزون الله في الأرض، بدليل أن هناك نماذج من أمم قد سبقت وكفرت، فمنهم من أخذته الريح، ومنهم من خسف الله بهم الأرض، ومنهم من غرق، وإذا انتقلوا إلى الآخرة فليس لهم ولي أو نصير من دون الله؛ لأن الولي هو القريب منك، ولا يقرب منك إلا من تحبه، ومن ترجو خيره. فإذا قَرُب منك إنسان له مواهب فوق مواهبك، نضح عليك من مواهبه، وإذا كان من يقرب منك قوياً وأنت ضعيف، ففي قوته سياج لك، وإن كان غنياً، فغناه ينضح عليك، وإن كان عالماً أفادك بعلمه، إن كان حليماً أفادك بحلمه لحظة غضبك، وكل صاحب موهبة تعلو موهبتك وأنت قريب منه، فسوف يفيدك من موهبته.

стр. 7356

والولي هو النصير أيضاً؛ لأنك أول ما تستصرخ سيأتي لك القريب منك. وهؤلاء الذين يصدُّون عن سبيل الله لن يجدوا وليّاً ولا نصيراً في الآخرة وإن وجدوه في الدنيا لأن كل إنسان في الآخرة سيكون مشغولاً بنفسه: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى الناس سكارى وَمَا هُم بسكارى ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] . ويقول الحق سبحانه: ﴿ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ واخشوا يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ [لقمان: ٣٣] . وكذلك يقول الحق سبحانه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المرء مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وصاحبته وَبَنِيهِ لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤٣٧] . إذن: فهؤلاء الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله لا يُعجزون الله في الأرض، ولا يجدون الولي أو النصير في الآخرة، بل: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب﴾ [هود: ٢٠] .

стр. 7357

ونحن نفهم الضِّعْفَ على أنه الشيء يصير مرتين، ونظن أن في ذلك قوة، ونقول: لا؛ لأن الذي يأتي ليسند الشيء الأول ويشفع له، كان الأول بالنسبة له ضعيف. إذن: فالمُضَاعفة هي التي تظهر ضعف الشيء الذي يحتاج إلى ما يدعمه. ومُضَاعفة العذاب أمر منطقي لهؤلاء الذين أرادوا الأمر عوجاً، وصدوا عن سبيل الله تعالى، وأرادوا بذلك إضلال غيرهم. وقول الحق سبحانه: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب﴾ [هود: ٢٠] . لا يتناقض مع قوله الحق: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . لأن هؤلاء الذين صدوا عن سبيل الله ليس لهم وزر واحد، بل لهم وِزْران: ووزر الضلال في ذواتهم، ووزر الإضلال لغيرهم. وهناك آية تقول: ﴿والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العذاب﴾ [الفرقان: ٦٨٦٩] . أي: أن مَنْ يفعل ذلك يَلْقَ مضاعفة للعذاب. . لماذا؟

стр. 7358

لأنه كان أسوة لغيره في أن يرتكب نفس الجرم. والحق لا يريد للذنوب أن تنتشر، ولذلك نجد الحق يحض على أن يرى المؤمنون من ارتكب الجُرْم لحظةَ العقاب، مثلما يقول سبحانه في الزنا: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين﴾ [النور: ٢] . وحين يرى المؤمنون وقوع العقوبة على جريمة ما، ففي ذلك تحذير من ارتكاب الجُرْم، وحدّ من وقوع الجرائم. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يضاعف العذاب لأولئك الذين صَدُّوا عن سبيل الله، وأرادوا إضلال غيرهم، فارتكبوا جريمتين: أولاهما: ضلالهم. والثانية: إضلالهم لغيرهم. ولذلك تجد بعضاً من الذين أضلُّوا يقولون يوم القيامة: ﴿رَبَّنَآ أَرِنَا الذين أَضَلاَّنَا مِنَ الجن والإنس نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأسفلين﴾ [فصلت: ٢٩] . ويقولون أيضاً: ﴿رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السبيلا رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العذاب والعنهم لَعْناً كَبِيراً﴾ [الأحزاب: ٦٧٦٨] .

стр. 7359

إذن: فالدعوة إلى الانحراف إضلال، وعمل الشيء بالانحراف إضلال؛ لأنه أسوة أمام الغير. ومضاعفة العذاب لا تعني الإحراق مرة واحدة في النار؛ لأن الحق سبحانه لو تركنا للنار لتحرقنا مرة واحدة لانتهى الإيلام؛ ولذلك أراد الحق سبحانه أن يكون هناك عذاب بعد عذاب. يقول الحق سبحانه: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ العذاب﴾ [النساء: ٥٦] . فهو عذاب على الدوام. أو أن العذاب الذي يضاعف له لون آخر، فهناك عذاب للكفر، وهناك عذاب للإفساد. يقول الحق سبحانه: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ العذاب بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨] . فالعذاب على الكفر لا يلغي العذاب على المعاصي التي يرتكبها الكافر. فإذا كانت الشاة القرناء يُقتصُّ للشاة الجلحاء منها، أي: أن الشاة التي لها قرون وتنطح الشاة التي لا قرون لها، فيوم القيامة يتم القصاص

стр. 7360

منها، رغم أنه لا حساب للحيوانات؛ لأنها لا تملك الاختيار، ولكنها سوف تُستخدم كوسيلة إيضاح لميزان العدالة. ويقول الحق سبحانه: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠] . أي: ما كانوا يستطيعون الاستفادة من السمع رغم وجود آلة السمع، فلم يستمعوا لبلاغ الرسول ﷺ َ، ولا استطاعوا الاستفادة من أبصارهم ليروا آيات الله في الكون، فكأنهم صُمٌّ عُمْيٌ، أو يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم السمع والإبصار. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] . أي: أن سمعهم وأبصارهم ستكون سليمة وجيدة في الآخرة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿أولئك الذين خسروا أَنْفُسَهُمْ﴾

стр. 7361

إذن: فهم خسروا أنفسهم؛ لأنهم بظلم النفس وإعطائها شهوة عاجلة زمنها قليل، أخذوا عذاباً آجلاً زمنه خالد. وفي هذا ظلم للنفس، وهذه قمة الخيبة، وهذا يدل على اختلال الموازين، وأنت قد تظلم غيرك فتأخذ من عنده بعضاً من الخير لتستفيد به، وبذلك تظلم الغير لصالح نفسك. وظلم النفس يعني أنك تعطيها متعة عاجلة وتغفل عنها عذاباً آجلاً، والمتعة العاجلة لها مدة محدودة، أما العذاب فلا مدة تحدده. ولذلك يقول الحق : ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [هود: ٢١] . أي: لم يهتد إليهم ما كانوا يعبدونهم من دون الله، ولو كان لهؤلاء الذين عبدوهم قوة يوم القيامة؛ لهرعوا إليهم ليستنقذوهم من العذاب، ولكنهم بلا حول ولا قوة؛ لأن الحق سبحانه قد حكم على هؤلاء الكافرين، وقال: ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الأرض مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ٧٤] . وكذلك هؤلاء الآلهة المعبودة من دون الله تعالى، أو شركاء مع الله، لا يهتدون إليهم، حتى بفرض قدرتهم على النصرة، فتلك الآلهة أو الشركاء لا يهتدون إليهم، ولا يعرفون لهم مكاناً. وقول الحق سبحانه: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ [هود: ٢١] . أي: غاب وتاه عنهم.

стр. 7362

وقوله سبحانه: ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [هود: ٢١] . أي: ما كانوا يدَّعونه كذباً. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة﴾

стр. 7363

واختلف العلماء في معنى كلمة ﴿لاَ جَرَمَ﴾ ، والمعنى العام حين تسمع كلمة ﴿لاَ جَرَمَ﴾ أي: حق وثابت، أو لا بد من حصول شيء محدد. وحين يقول الحق سبحانه: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار﴾ [النحل: ٦٢] . أي: حَقَّ وثبت أن لهم النار؛ نتيجة ما فعلوا من أعمال، وتلك الأعمال مقدمة بين يدي عذابهم، فحين نسمع ﴿لاَ جَرَمَ﴾ ومعها العمل الذي ارتكبوه، تثق في أنه يحق على الله سبحانه أن يعذبهم. وقال بعض العلماء: إن معنى: ﴿لاَ جَرَمَ﴾ حق وثبت. وقال آخرون: إن معنى ﴿لاَ جَرَمَ﴾ هو لا بد ولا مفر.

стр. 7364

والمعنيان ملتقيان لأن انتفاء البُدِّية يدل على أنها ثابتة. وكان يجب على العلماء أن يبحثوا في مادة الكلمة، ومادة الكلمة هي «الجرم» ، والجرم: هو القطع، ويقال: جرم يده، أي: قطع يده. وقول الحق سبحانه هنا: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون﴾ [هود: ٢٢] . أي: لا قَطْع لقول الله فيهم بأن لهم النار، ولا شيء يحول دون ذلك أبداً، ولا بد أن ينالوا هذا الوعيد؛ وهكذا التقى المعنى ب «لا بد» . إذن: فساعة تسمع كلمة «لا جرم» ، أي: ثبت، أو لا بد من حدوث الوعيد. وأيضاً تجد كلمة «الجريمة» مأخوذة من «الجرم» ، وهي قطع ناموس مستقيم، فحين نقرر ألا يسرق أحد من أحد شيئاً، فهذا ناموس مستقيم، فإن سرق واحد من آخر، فهو قد قطع الأمن والسلام للناس، وأيُّ جريمة هي قَطْع للمألوف الذي يحيا عليه الناس. وأيضاً يقال: جرم الشيء أي: اكتسب شرَّه، ومنه الجريمة، ولذلك يقال: من الناس من هو «جارم» وهي اسم فاعل من الفعل: «جرم» ، مثل كلمة «كاتب» من الفعل «كتب» و «مجروم عليه» وهي اسم مفعول، مثلها مثل «مكتوب» . فإن أخذت الجريمة من قطع الأمر السائد في النظام، فهؤلاء الذين افتروا على الله وظلموا وصدوا عن سبيل الله، فلا جريمة في أن يعذبهم الله بالنار.

стр. 7365

ومثل هذه العقوبة ليست جريمة؛ لأن العقوبة على الجريمة ليست جريمة، بل هي مَنْع للجريمة. وهكذا تلتقي المعاني كلها، فحين نقول: ﴿لاَ جَرَمَ﴾ فذلك يعني أنه لا جريمة في الجزاء؛ لأن الجريمة هي الآثام العظيمة التي ارتكبوها. ولذلك يقول الحق : ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] . وقد سمَّاها الحق سيئة؛ لأنها تسيء إلى المجتمع أو تسيء إلى الفرد نفسه. ولهذا يقول الحق سبحانه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] . وهكذا نجد أن هناك معاني متعددة لتأويل قول الحق سبحانه: ﴿لاَ جَرَمَ﴾ ، فهي تعني: لا قطع لقول الله في أن المشركين سيدخلون النار، أو لا بد أن يدخلوا النار، أو حق وثبت أن يدخلوا النار، أو لا جريمة من الحق سبحانه عليهم أن يفعل بهم هكذا؛ لأنهم هم الذين فعلوا ما يستحق عقابهم. ويقول الحق سبحانه: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون﴾ [هود: ٢٢] . وكلمة (الأخسرون) جمع «أخسر» وهي أفعل تفضيل لخاسر، وخاسر اسم فاعل مأخوذ من الخسارة.

стр. 7366

والخسارة في أمور الدنيا أن تكون المبادلة إجحافاً لواحد، كأن يشتري شيئاً بخمسة قروش وكان يجب أن يبيعها بأكثر من خمسة قروش، لكنه باعها بثلاثة قروش فقط، فبعد أن كان يرغب في الزيادة، باع الشيء بمنا ينقص عن قيمته الأصلية. ومن يفعل ذلك يسمى «خاسر» ، والخسارة في الدنيا موقوتة بالدنيا، ومن يخسر في صفقة قد يربح في صفقة أخرى. ولنفترض أنه قد خسر في كل صفقات الدنيا، فما أقصر وقت الدنيا! لأن كل ما ينتهي فهو قصير، لكن خسارة الآخرة لا نهاية لها. ويقول الحق : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بالأخسرين أَعْمَالاً الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحياة الدنيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف: ١٠٣١٠٤] . وهكذا وصفهم الحق سبحانه مرة بأنهم الأخسرون، ومرة يقول سبحانه واصفاً الحكم عليهم: ﴿أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخسران المبين﴾ [الزمر: ١٥] .

стр. 7367

وهو خسران محيط يستوعب كل الأمكنة. وشاء الحق سبحانه بعد ذلك أن يأتي بالمقابل لهؤلاء، وفي ذلك فيض من الإيناسات المعنوية؛ لأن النفس حين ترى حكماً على شيء تأنس أن تأخذ الحكم المقابل على الشيء المقابل. فحين يسمع الإنسان قول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] . فلا بد أن يأتي إلى الذهن تساؤل عن مصير الفُجَّار، فيقول الحق سبحانه: ﴿وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] . وهذا التقابل يعطي بسطة النفس الأولى وقبضة النفس الثانية، وبين البسطة والقبضة توجد الموعظة، ويوجد الاعتبار. ويأتي الحق سبحانه هنا بالمقابل للمشركين الذين صدوا عن سبيل الله، فصاروا إلى النار، والمقابل هم المؤمنون أصحاب العمل الصالح. فيقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾

стр. 7368

الإيمان كما نعلم أمر عقدي، يعلن فيه الإنسان إيمانه بإله واحد موجود، ويلتزم بالمنهج الذي أنزله الله على الرسول ﷺ َ، ومن آمن بالله تعالى ولم يعمل العمل الصالح يتلقَّ العقاب؛ لأن فائدة الإيمان إنما تتحقق بالعمل الصالح. لذلك نجد الحق يقول لنا: ﴿قَالَتِ الأعراب آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] . أي: اتبعتم ظاهر الإسلام. وهكذا نعرف أنه يوجد مُتيقِّن بصحة واعتقاد بأن الإله الواحد الأحد موجود، وأن الرسول ﷺ َ مُبلِّغ عن الله ؛ لكن العمل الذي يقوم به الإنسان هو الفيصل بين مرتبة المؤمن، ومرتبة المعلم. فالذي يُحسن العمل هو مؤمن، أما من يؤدي العمل بتكاسل واتِّباع لظواهر الدين، فهو المسلم، وكلاهما يختلف عن المنافق الذي يدَّعي الحماس إلى أداء العبادات، لكنه يمكر ويبِّيت العداء للإسلام الذي لا يؤمن به. وكان المنافقون على عهد رسول الله ﷺ َ أسبق الناس إلى صفوف الصلاة، وكانوا مع هذا يكتمون الكيد ويدبرون المؤامرات ضد النبي ﷺ َ.

стр. 7369

وهنا يقول الحق : ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وأخبتوا إلى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٢٣] . هذا القول يبيِّن لنا أن معيار الإيمان إنما يعتمد على التوحيد، وإتقان أداء ما يتطلبه منهج الله سبحانه، وأن يكون كل ذلك بإخبات وخضوع، ولذلك يقال: رُبَّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً، خير من عبادة أورثت عزّاً واستكباراً. أي: أن المؤمن عليه ألا يأخذ العبادة وسيلة للاستكبار. وكلمة ﴿وأخبتوا﴾ أي: خضعوا خشية لله تعالى، فهم لا يؤدون فروض الإيمان لمجرد رغبتهم في ألاَّ يعاقبهم الله، لا بل يؤدون فروض الإيمان والعمل الصالح خشية لله. وأصل الكلمة من «الخبت» وهي الأرض السهلة المطمئنة المتواضعة، وكذلك الخبت في الإيمان. ويصف الحق سبحانه أهل الإيمان المخبتين بأنهم: ﴿أولئك أَصْحَابُ الجنة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [هود: ٢٣] . أي: الملازمون لها، وخلودهم في الجنة يعني أنهم يقيمون في النعيم أبداً، ونعيم الجنة مقيم ودائم، على عكس نعيم الدنيا الذي قد يفوته الإنسان بالموت، أو يفوت النعيم الإنسان بالسلب؛ لأن الإنسان في الدنيا عرضة للأغيار، أما في الآخرة، فأهل الإيمان أصحاب العمل الصالح المخبتون لربهم، فهم أهل النعيم المقيم أبداً.

стр. 7370

وهكذا عرض الحق سبحانه حال الفريقين: الفريق الذي ظلم نفسه بافتراء الكذب وعلى الله، وصدوا عن سبيل الله، وابتغوا الأمر عوجاً، هؤلاء لن يُعجزوا الله، وليس لهم أولياء يحمونهم من العذاب المضاعف. وهم الذين خسروا أنفسهم، ولن يجدوا عوناً من الآلهة التي عبدوها من دون الله، ولا شيء بقادر على أن يفصل بينهم وبين العذاب، وهم الأخسرون. أما الفريق الثاني فهم الذين آمنوا وعملوا الصالحة بخشوع وخشية ومحبة لله ، وهم أصحاب الجنة الخالدون فيها. إذن: فلكل فريق مسلكه وغايته. لذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿مَثَلُ الفريقين كالأعمى والأصم﴾

стр. 7371

والفريقان هما من تحدثنا عنهما من قبل. وكلمة «الفريق» تعني: جماعة يلتقون عند غاية وهدف واحد، مثلما نقول: فريق كرة القدم أو غيره من الفرق، فهي جماعات، كل جماعة منها لها هدف يجمعها. ونحن نجد الحق يقول: ﴿فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير﴾ [الشورى: ٧] .

стр. 7372

وكلمة ﴿الفريقين﴾ جاءت في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؛ لأن كل فرقة تضم جماعة مختلفة عن الجماعة الأخرى، ولهؤلاء متعصبون، وللآخرين متعصبون. ويضرب الحق في هذه الآية المثل بسَيِّدَي الحواس الإداركية في الإنسان، وهما السمع والبصر، فهما المصدران الأساسيان عند الإنسان لأخذ المعلومات، إما مسموعة، أو مرئية، ثم تتكون لدى الإنسان قدرة الاستنباط والتوليد مما سمعه بالأذن ورآه بالعين. ولذلك قال لنا الحق سبحانه: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] . إذن فما دام الحق سبحانه قد جعل السمع والأبصار والأفئدة مصادر تأتي منها ثمرة، هي المعلومات وتمحيصها، فالحق سبحانه يستحق الشكر عليها. ونحن نعلم أن الطفرات الحضارية وارتقاءات العلم، إنما تأتي بمن سمع ومن رأى، ثم جاءت من الاستنباط أفكار تطبيقية تفيد البشرية.

стр. 7373

ومثال ذلك: هو من رأى إناء طعام وله غطاء، وكان بالإناء ماء يغلي، فارتفع الغطاء عن الإناء. هذا الإنسان اكتشف طاقة البخار، واستنبط أن البخار يحتاج حيِّزاً أكبر من حيز السائل الموجود في الإناء؛ لذلك ارتفع الغطاء عن الإناء، وارتقى هذا الاكتشاف ليطور كثيراً من أوجه الحياة. ولو أن كل إنسان وقف عند ما يسمعه أو يراه ولم يستنبط منه شيئاً لما تطورت الحياة بكل تلك الارتقاءات الحضارية. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿مَثَلُ الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً﴾ [هود: ٢٤] . ولن يشك كل من الأعمى أو الأصم أن من يرى أو من يسمع هو خير منه، ولا يمكن أن يستوي الأعمى بالبصير، أو الأصم بمن يسمع. وهكذا جاء الحق بالأشياء المتناقضة، ليحكم الإنسان السامع أو القارىء لهذه الآية، وليفصل بحكم يُذكِّره بالفارق بين الذي يرى ومن هو أعمى، وكذلك بين من يسمع ومن هو أصم، ومن الطبيعي ألا يستويان. لذلك يُنهي الحق سبحانه الآية بقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي: ألا تعتبرون بوجود هذه الأشياء. ونحن نعلم أن الله قد قال لنا: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور﴾ [الحج: ٤٦] .

стр. 7374

أي: أن الإنسان قد يكون مبصراً، أو له أذن تسمع، لكنه لا يستخدم حاسة الإبصار أو حاسة السمع فيما خلقت من أجله في التقاط مجاهيل الأشياء. وبعد أن بيَّن الحق سبحانه وَصْفَ كل طرف وصراعه مع الآخر، واختلاف كل منهما في الغاية، والصراع الذي بينهما تشرحه قصص الرسل ﵈. ويقول الحق سبحانه في بعض من مواضع القرآن الكريم، وفي كل موضع لقطات من قصة أي رسول، واللقطة التي توجد في سورة قد تختلف عن اللقطة التي في سورة أخرى. ومثال ذلك: أن الحق سبحانه قد تكلم في سورة يونس عن نوح وموسى وهارون ويونس ﵈، وهنا في سورة هود تأتي مرة أخرى قصة نوح ﵇، فيقول : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ﴾

стр. 7375

والآية توضِّح مسألة إرسال نوح ﵇ كرسول لقومه، وعلى نوح الرسول أن يمارس مهمته وهي البلاغ، فيقول: ﴿إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] . ونحن نلحظ أن همزة (إن) في إحدى قِرَاءَتَى الآية تكون مكسورة، وفي قراءة أخرى تكون مفتوحة، أما في القراءة بالكسر فتعني أن نوحاً عليه

стр. 7376

السلام قد جاء بالرسالة فبلغ قومه وقال: ﴿إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] . وأما في القراءة الأخرى بالفتح فتعني أن الرسالة هي: ﴿إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] . فكأن القراءة الأولى تعني الرواية عن قصة البلاغ، والقراءة الثانية تحدد مضمون الرسالة: ﴿إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] . والقراءة الأولى فيها حذف القول، وحذف القول كثير في القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٣٢٤] . وهذا يعني أن الملائكة يدخلون على المؤمنين في الجنة من كل باب، وساعة الدخول يقول الملائكة: ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤] .

стр. 7377

وقول نوح ﵇: ﴿إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] . نعلم منه أن النذير كما قلنا من قبل هو من يخبر بشرٍّ لم يأت وقته بعد، حتى يستعد السامع لملاقاته، وما دام أن نبي الله نوحاً قد جاء نذيراً، فالسياق مستمر؛ لأن الحق سبحانه قال في الآية التي قبلها: ﴿مَثَلُ الفريقين﴾ [هود: ٢٤] . أي: أن هناك فريقاً عاصياً وكافراً وله نذير، أما الفريق الآخر فله بشير، يخبر بخير قادم ليستعد السامع أيضاً لاستقباله بنفس مطمئنة. والفريق الكافر الذي يستحق الإنذار، يأتي لهم الحق سبحانه بنص الإنذار في قوله تعالى: ﴿أَن لاَّ تعبدوا إِلاَّ الله﴾

стр. 7378

ونحن نعلم أن نوحاً ﵇ محسوب على قومه، وهم محسوبون عليه؛ ولذلك نجده خائفاً عليهم؛ لأن الرباط الذي يربطه بهم رباط جامع قوي. وكذلك نجد الحق سبحانه يُحنِّن قلوب الرسل إليهم لعلهم يحسنون استقبال الرسول. ومثال ذلك: قول الحق سبحانه: ﴿وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً﴾ [الأعراف: ٦٥] . ولأن الرسول أخ لهم فلن يغشَّهم أو يخدعهم.

стр. 7379

واستقبل الملأ من قوم نوح الأمر بما يقوله الحق سبحانه عنهم: ﴿فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ﴾

стр. 7380

والملأ كما نعلم هم وجوه القوم، وهم السادة الذين يملأون العيون مهابة، ويتصدرون أي مجلس. وهناك مثل شعبي في بلادنا يوضح ذلك المعنى حين نقول: «فلان يملأ العين» . أي: أن العين حين تنظر إليه لا تكون فارغة، فلا جزء في العين يرى غيره. ويقال أيضاً: «فلان قَيْد النواظر» أي: أنه إذا ظهر تقيَّدت به كل النواظر، فلا تلتفت إلى سواه، ولا يمكن أن يكون كذلك إلا إذا كانت فيه مزايا تجذب العيون إليه بحيث لا تتحول عنه. والمراد بذلك هو الحاشية المقربة، أو الدائرة الأولى التي حول المركز، فَحَوْل كل مركز هناك دوائر، والملأ هم الدائرة الأولى، ثم تليهم دائرة ثانية، ثم ثالثة وهكذا، والارتباك إنما ينشأ حين يكون للدائرة أكثر من مركز، فتتشتت الدوائر. وردَّ الذين يكوِّنون الملأ على سيدنا نوح قائلين:

стр. 7381

﴿مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا﴾ [هود: ٢٧] . أي: أنه لا توجد لك ميزة تجعلك متفوقاً علينا، فما الذي سوَّدك علينا لتكون أنت الرسول؟ وقولهم هذا دليل غباء؛ لأن الرسول ما دام قد جاء من البشر، فسلوكه يكون أسوة، وقوله يصلح للاتباع، ولو كان الرسول من غيرِ البشر لكان من حق القوم أن يعترضوا؛ لأنهم لن يستطيعوا اتخاذ الملاك أسوة لهم. ولذلك بيَّن الحق سبحانه هذه المسألة في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى إِلاَّ أَن قالوا أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولاً﴾ [الإسراء: ٩٤] . وجاء الرد منه سبحانه بأن قُلْ لهم: ﴿لَوْ كَانَ فِي الأرض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً﴾ [الإسراء: ٩٥] . إذن: فالرسول إنما يجيء مُبلِّغ منهج وأسوة سلوك، فإذا لم يكن من جنس البشر، فالأسوة لن تصلح، ولن يستطيع إلا البلاغ فقط.

стр. 7382

ومثال ذلك: أنت حين ترى الأسد في أي حديقة من حدائق الحيوان، يصول ويجول، ويأكل اللحم النَّيء المقدم له من الحارس، أتحدثك نفسك أن تفعل مثله؟ . . طبعاً لا، لكنك إن رأيت فارساً على جواد ومعه سيفه، فنفسك قد تحدثك أن تكون مثله. وهكذا نجد أن الأسوة تتطلب اتحاد الجنس؛ ولذلك قلنا: إن الأسوة هي الدليل على إبطال من يدَّعي الألوهية لعزير أو لعيسى ﵉. ثم يقول الحق ما جاء على لسان الملأ الكافر من قوم نوح: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧] . والأراذل جمع «أرذل» ، مثل قولنا: «أفاضل قوم» ، وهي جمع «أفضل» . والأرذل هو الخسيس الدنيء في أعين الناس. ورذال المال أي: رديئه. ورذال كل شيء هو نفايته. ونرى في الريف أثناء مواسم جمع «القطن» عملية «فرز» القطن، يقوم بها صغار البنين والبنات، فيفصلون القطن النظيف، عن اللوز الذي لم يتفتح

стр. 7383

بالشكل المناسب؛ لأن اللوزة المصابة عادة ما تعاني من ضمور، ولم تنضج النضج الصحيح. وكذلك يفعل الفلاحون في موسم جمع «البلح» ، فيفصلون البلح الجيد عن البلح المعيب. إذن: فرذال كل شيء هو نفايته. وقد قال الملأ من الكفار من قوم نوح: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧] . أي: أنهم وصفوا من آمنوا بنوح ﵇ بأنهم نفاية المجتمع. وجاء الحق على ألسنتهم بقولهم في موضع آخر: ﴿واتبعك الأرذلون﴾ [الشعراء: ١١١] . ولم يَنْفِ نوح ﵇ ذلك؛ لأن الذين اتبعوه قد يكونون من الضعاف، وهَم ضحايا الإفساد؛ لأن القوى في المجتمع لا يقربه أحد؛ ولذلك فإنه لا يعاني من ضغوط المفسدين، أما الضعاف فهم الذين يعانون من المفسدين؛ فما إن يظهر المُخلِّص لهم من المفسدين فلا بد أن يتمسكوا به. ولكن ذلك لا يعني أن الإيمان لا يلمس قلوب الأقوياء، بدليل أن البعض من سادة وأغنياء مكة استجابوا للدعوة المحمدية مثل: أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، ﵃. ولكن الغالب في دعوات الإصلاح أنه يستجيب لها المطحونون بالفساد، هؤلاء الذين يشعرون بالغليان في مراجل الألم بسبب الفساد، وما إن

стр. 7384

يظهر داعية الإصلاح ويريد أن يزحزح الفساد، فيلتفُّون حوله ويتعاطفون معه، وإن كانوا غير عبيد، لكن محكومين بالغير، فهم يؤمنون علناً برجل الإصلاح، وإن كانوا عبيداً مملوكين للسادة؛ فهم يؤمنون خفية، ويتحمل القوي منهم الاضطهاد والتعذيب. إذن: فكل رسول يأتي إنما يأتي في زمن فساد، وهذا الفساد ينتفع به بعض الناس؛ وطغيان يعاني منه الكثيرون الواقع عليهم الفساد والطغيان. ويأتي الرسول وكأنه ثورة على الطغيان والفساد؛ لذلك يتمسك به الضعفاء ويفرحون به، وتلتف قلوبهم حوله. أما المنتفعون بالفساد فيقولون: إن أتباعك هم أراذلنا. وكأن هذا القول طَعْن في الرسول، لكنهم أغبياء؛ لأن هذا القول دليل على ضرورة مجيء الرسول؛ ليخلص هؤلاء الضعاف، ويجيء الرسول ليقود غضبة على فساد الأرض، ولينهي هذا الفساد. وهي غضبة تختلف عن غضبة الثائر العادي من الناس، فالثائر من الناس يرى من يصفق له من المطحونين بالفساد. لكن آفة الثائر من البشر شيء واحد، هي أنه يريد أن يستمر ثائراً، ولكن الثائر الحق هو الذي يثور ليهدم الفساد، ثم يهدأ ليبني الأمجاد، فلا يسلط السيف على الكل، ولا يفضِّل قوماً على قوم، ولا يدلل مَنْ طُغِي عليهم، ويظلم مَنْ طغوا. بل عليه أن يحكم بين الناس بالعدل والرحمة؛ لتستقيم الأمور، وتذهب الأحقاد، ويعلم الناس كلهم أن الثائر ما جاء ضد طائفة بعينها، وإنما جاء ضد ظلم طائفة لغيرها، فإذا أخذ من الظالم وأعطى المظلوم؛ فليجعل الاثنين سواء أمام عينيه.

стр. 7385

ومن هنا يجيء الهدوء والاستقرار في المجتمع. إذن: فقد كان قول الكافرين من ملأ قوم نوح. ﴿وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود: ٢٧] . هو قول يؤكد وجود الفساد في هذا المجتمع، وأن الضعاف المطحونين من الفساد قد اتبعوا نوحاً ﵇. ويقول الحق سبحانه: ﴿بَادِيَ الرأي﴾ [هود: ٢٧] . والبادي هو الظاهر؛ ضد المستتر. وهناك قراءة أخرى هي ﴿بَادِيءَ الرأي﴾ ؟ أي: بعد بدء الرأي. والآية هنا تقول: ﴿بَادِيَ الرأي﴾ [هود: ٢٧] . أي: ظاهر الأمر، فساعة ما يُلْقى إلى الإنسان أيُّ شيء فهو ينظر له نظرة سطحية، ثم يفكر بإمعان في هذا الشيء. وساعة يسمع الإنسان دعوى أو قضية، فعليه ألا يحكم عليها بظاهر الأمر، بل لا بد أن يبحث القضية أو الدعوى بتروٍّ وهدوء. وهم قد قالوا لنوح ﵇: أنت بشر مثلنا، وقد اتبعك أراذلنا؛ لأنهم نظروا إلى دعوتك نظرة ظاهرية، ولو تعقَّبوا دعوتك وتأمَّلوها ونظروا في عواقبها بتدبُّر لما آمنوا بها.

стр. 7386

ويكشف الحق سبحانه هذا الغباء فيهم، فقول الملأ بأن الضعفاء كان يجب عليهم أن يتدبروا الأمر ويتمعنوا في دعوة نوح قبل الإيمان به، ينقضه إصرار الضعفاء على الإيمان؛ لأنه يؤكد أن جوهر الحكم عندهم جوهر سليم؛ لأن الواحد من هؤلاء الضعفاء لا يقيس الأمر بمقياس من يملك المال، ولا بمقياس من يملك الجاه، ولا بمقياس من له سيادة، بل قاس الضعيف من هؤلاء الأمر بالقلب، الذي تعقَّل وتبصَّر، وباللسان الذي أعلن الإيمان؛ لأن الإنسان بأصغريه: قلبه ولسانه. إذن: فهذا الملأ الكافر من قوم نوح ﵇، قد حكم بأن الضعاف أراذل بالمقاييس الهابطة، لا بالمقاييس الصحيحة. ولو امتنع هؤلاء الذي يُقال عنهم «أراذل» عن خدمة من يقال لهم «سادة» لذاق السادة الأمرَّين، فهم الذين يقدِّمون الخدمة، ولو لم يصنع النجار أثاث البيت لما كانت هناك بيوت مؤثثة. ولو امتنع العمال عن الحفر والبناء لما كانت هناك قصور مشيدة. ولو امتنع الطاهي عن طهي الطعام لما كانت هناك موائد ممتدة، وكل خدمات هؤلاء الضعاف تصب عند الغني أو صاحب المال أو صاحب الجاه. وهكذا نرى أن الكون يحتاج إلى من يملك الثورة ولو عن طريق الميراث ليصرف على من يحتاجه المجتمع أيضاً، وهم الضعاف الذين يعطون الخير من كدِّهم وإنتاجهم. إذن: فالضعفاء هم تتمة السيادة.

стр. 7387

وحين نمعن النظر لوجدنا أن سيادة الثَّريِّ أو صاحب الجاه إنما تأتي نتيجة لمجهودات من يقال عنهم: إنهم أراذل. ولو أنهم تخلَّوا عن الثرى أو صاحب الجاه، لما استطاع أن يكون سيداً. ويذكر لنا الحق سبحانه بقية ما قاله الملأ الكافر من قوم نوح: ﴿وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٧] . وهم بهذا القول قد أنكروا أن سيادتكم إنما نشأت بجهد من قالوا عنهم إنهم أراذل، وأنكروا فضل هؤلاء الناس. ويُلفتنا الحق إلى الآفة الي تنتاب بعض المجتمعات حين يذكر لنا ما قاله الكافرون: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾ [الزخرف: ٣١ ٣٢] . إذن: فالحق سبحانه هو الذي قسم المعيشة، وآفة الحكم أن ننظر إلى المرفوع على أنه الغنى، لا، فليس المرفوع هو الغنى، بل هو كل ذي موهبة ليست في سواه. وما دام مرفوعاً في مجال فهو سيخدم غيره فيه، وغيره سيخدمونه فيما رُفعوا فيه؛ لأن المسألة أساسها التكامل.

стр. 7388

لذلك لا يُديم الله سبحانه غِنَى أحدٍ أبد الدهر، بل جعل الدنيا دُوَلاً بين الناس. إذن: فلو عرف هذا الملأ الكافر من قوم نوح ﵇ معنى كلمة الفضل لما قالوها؛ لأن الفضل هو الزائد عن المطلوب للكائن، في المحسوسات أو المعاني والفضل يقتضي وجود فاضل ومفضول. ولينظر كل طاغية في حياته ليرى ما الفاضل فيها؟ إنه بعض من المال أو الجاه، وكل مَنْ يخدم هذا الطاغية هم أصحاب الفضل؛ لأن سيادة الطاغية مبنية على عطائهم. فهم أصحاب الفضل، ما دام الفضل هو الأمر الزائد عن الضروري. إذن: فحقيقة ارتباط العالم بعضه ببعض، هو ارتباط الحاجة لا ارتباط السيطرة، ولذلك حين نرى مسيطراً يطغى، فنحن نقول له: تعقَّل الأمر؛ لأنك ما سيطرت إلا بأناس من الأراذل، فإظهار قوته تكون بمن يُجيدون تصويب السلاح، أو بمن تدربوا على إيذاء البشر، فهو يبني سيادته ببعض الأراذل، كوسائل لتحقيق سيطرته. وقول الكافرين من ملأ نوح ﵇: ﴿وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧] . يكشف أنهم قد فهموا الفضل على أنه الغِنَى، والجاه والمناصب، وهم قد أخطأوا الفهم.

стр. 7389

ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٧] . والظن هو الراجح، والمرجوح هو الوهم؛ وهذا يثبت أن في الإنسان فطرة تستيقظ في النفس كومضات فالمتكبر يمضي في كبره إلى أن تأتي له ومضة من فطرته، فيعرف أن الحق حق، وأن الباطل باطل. وحين جاءت هذه الومضة في نفوس هذا الملأ الكافر، قالوا: ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٧] . ولم يقولوا: «نعتقد أنكم كاذبون» . ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ﴾ .

стр. 7390

وقول نوح ﵇: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أي: أخبروني إن كنت على بين موهوبة من الله تعالى ونور وبصيرة وفطرة بالهداية، وآتاني الحق سبحانه: ﴿رَحْمَةً﴾ أي: رسالة، بينما خفيت هذه المسألة عنكم، فهل أجبركم على
следующие страницы →