Полный текст (14 757 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.
стр. 7421
﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يلدوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح: ٢٦ ٢٧] .
وكان تبرير ذلك أنه ﵇ قد دعاهم إلى الإيمان زماناً طويلاً فلم يستجيبوا، وأوحى له الله تعالى أنهم لن يؤمنوا، وقال له سبحانه:
﴿فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [هود: ٣٦] .
والابتئاس هو الحزن المحبط، وهم قد كفروا وليس بعد الكفر ذنب.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾
стр. 7422
وهكذا علم نوح بمسألة الإغراق من خلال الوحي له بصنع السفينة. ومعنى «أصنع» أي: اعمل الصنعة، وهناك فرق بين الصنعة والحرفة، فالصنعة أنْ تُوجِدَ معدوماً، كصانع الأكواب، أو صانع الأحذية، أو صانع النَّجَفَ، أو صانع الكراسي، أما الذي يقوم على صيانة الصنعة فهو الحرفيُّ.
وهناك عملية أخرى للاستنباطات مثل مهنة الزارع الذي يحرث الأرض ويبذر فيها الحَبَّ ويرويها ليستنبط منها النباتات، ويسمَّى صاحب هذه المهنة «زارع» أو «فلاَّح» ؛ لأن اقتيات الحياة المباشر يأتي من الزراعة.
أما الصانع فيأتي بشيء من متطلبات الحياة، في تطورها ويوجد آلةً أو يصنع جهازاً لم يكن موجوداً، والحرفيُّ هو الذي يصون تلك الآلة، أما التاجر فهو الذي يقوم بعمليةٍ تجمع كل ذلك، ويكون هو الوسيلة بين منتج الشيء والمستهلك، فالتاجر يكون لعرض الأشياء بغية البيع والشراء.
والحق يقول هنا لنوح ﵇:
﴿واصنع الفلك﴾ [هود: ٣٧] .
أي: أوجد شيئاً من عدم، إلا أن هذا الشيء سيصنع من شيء آخر موجود، لأن نوحاً ﵇ قد زرع من قبل شجرة وعاشت معه كل هذه المدة الطويلة، وتضخَّمت في الجذع والفروع.
وبدأ نوح ﵇ في عملية شقِّ الشجرة ليصنع منها السفينة التي بلغ طولها كما قيل ثلاثمائة ذراع وبلغ عرضها خمسين ذراعاً، وبلغ
стр. 7423
ارتفاعها ثلاثين ذراعاً ومكوَّنة من ثلاثة أدوار لتسع المؤمنين، وزوجين من كل نوع من حيوانات الأرض ودوابِّها وهوامها وسباعها ووحوشها.
ونحن قد علمنا أن الشجرة التي زرعها نوح ﵇ قد تضخَّمت جداً لطول المدَّة التي قضاها نوح في دعوته لقومه؛ ونعلم أيضاً أن جذع الشجرة ينمو دائرياً بمقدار دائرة كل عام. وحين نقطع جذع الشجرة نجد أن قطر الجذع مكوَّن من دوائر، وكل دائرة تمثِّل عاماً من عمرها.
وهكذا بلغ حجم الشجرة ما يساعد نوحاً ﵇ على أن يصنع السفينة.
وقد علَّمه الحق سبحانه بالوحي وإلهام الخواطر كيف يصنع السفينة، ألمْ يُلهِم الله سبحانه نبيِّه داود ﵇ في مسألة الحديد؟ وقال لنا سبحانه أنه جلَّ وعَلا قد أمر الجبال أو تُؤَوِّب معه، وكذلك الطير، فألان له الحديد دون نار:
﴿ياجبال أَوِّبِي مَعَهُ والطير وَأَلَنَّا لَهُ الحديد أَنِ اعمل سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١٠١١] .
هكذا أخبرنا الحق سبحانه أن الحديد صار ليِّنًا دون نار بإذنه سبحانه ليصنع منه داود دروعاً كبير مستوفية للظهور والصدر، لتحمي معاطب الإنسان.
стр. 7424
وقد أوحى الحق سبحانه لداود ﵇ أن يصنع تلك الدروع بطريقة عجيبة، بأن يجعلها سابغات.
والسابغة هي المسرودة، مثل الحصير، حيث يُوضع العُود بجانب العود، ويربط الأعواد كلها بطريقة تسهل من فَرْد الحصير أو لَفِّه.
وفي نفس الآية يبيِّن لنا الحق سبحانه كيفية الوحي لداود ﵇ بتلك الصناعة الدقيقة، فيقول سبحانه:
﴿وَقَدِّرْ فِي السرد﴾ [سبأ: ١١] .
أي: أنك يا داود حين تنسج الحديد الليِّن بإذن الله تعالى لتجعله دروعاً عليك أن تصنع تلك الدروع بتقدير دقيق كي لا تكون الدِّرع ضيِّقة على صدر المقاتل فتضيق حركته، وتقلِّل من قدرته على التنفس، فيلهث بسرعة، ولا يستطيع مواصلة القتال.
وكذلك يجب ألاَّ تكون الدِّرع واسعة على صدر المقاتل؛ حتى لا تساعد سعة الدِّرع سيف الخصم، فيضرب الدِّرع نفسه صدر المقاتل، وتكون قوة الدِّرع مضافة إلى قوة سيف الخصم، ولكن حين تكون الدِّرع قادرة على الإحاطة بالجسم دون أن يُكبِّل الحركة، فهذه الدِّرع المناسبة للقتال.
стр. 7425
وقد أتقن داود ﵇ صناعة تلك الدُّروع بتلك الهندسة الدقيقة التي أوحى الحق سبحانه بها إليه، فقد صنعها بأمر الحق الأعلى سبحانه حين قال له: ﴿وَقَدِّرْ﴾ [سبأ: ١١] وكلمة قدر تعطي معنى التقدير والإتقان.
فعلى الذين يصنعون الأشياء عليهم أن يعلموا أن القرآن الكريم لحظة يوجِّه إلى الإتقان في الأداء والعمل، فإنه يعلمنا طريقة التقدير والإتقان في العمل والإبداع فيه، لتتخذ من هذا التوجيه نبراساً نسير عليه؛ ليكون العمل صالحاً، وأنت ترى من يتقن صنعته وهو يقول: «الله» ، وكأن هذا القول اعتراف الفطرة الأولى بقدرة الحق سبحانه على أن يَهَبَ الإنسانَ طاقة الإتقان والإبداع.
ويقول الحق سبحانه أيضاً في تعليمه لداود ﵇:
﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ [الأنبياء: ٨٠] .
وهكذا يلقي الله تعالى الخاطر في قلب الرسول أو النبي أن «افعل كذا» ؛ فيفعل.
وحين ننظر إلى حضارة مصر القديمة، نجد كلَّ علومها وفنونها في التحنيط والألوان والنَّحت، كانت من اختصاص الكهنة الذين يُمثِّلون السلطة الدينية، ولم يكتب هؤلاء الكهنة أسرار تلك العلوم، فلم يستطع أحد من المعاصرين أن يتعرف عليها.
وهكذا نجد أن كل أمر في أصوله؛ مصدره السماء.
وفي قصة نوح ﵇ نجد الحق سبحانه يقول:
стр. 7426
﴿واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] .
ومعنى «بأعيننا» هو بحفظنا وبرعايتنا. وكلمة «بأعيننا» تفيد شمول الحفظ وكمال الرعاية.
ألم يقل الحق سبحانه في مسألة تخصُّ رسول الله محمد ﷺ َ؟
﴿واصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨] .
وكذلك قال سبحانه في قصة سيدنا موسى ﵇:
﴿وَلِتُصْنَعَ على عيني﴾ [طه: ٣٩] .
وأنقذ الحق سبحانه موسى ﵇ من الفرعون الذي كان يقتل أطفال بني إسرائيل، وألقى الله تعالى المحبة لموسى في قلب زوجة الفرعون، وقال سبحانه:
﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ [طه: ٣٩] .
لأن موسى ﵇ حين كان طفلاً رضيعاً قد ألقىَ في اليَمِّ،
стр. 7427
والتقطه رجال الفرعون، لكن زوجة الفرعون قالت لزوجها طالبة لموسى الحياة:
﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ﴾ [القصص: ٩] .
ونحن نجد أن عَدُوَّ موسى وقومه، يلتقط موسى ليعيش في كنفه ورعايته، وكأن الله سبحانه يقول لهم: سأجعلكم تُربُّون مَنْ يتولّى قهركم.
وقول الحق سبحانه:
﴿واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧] .
أي: إنك إن توقَّفتَ لأية عقبة، فسوف نُلهمك بما تُواجه به تلك العقبة.
وحين صنع نوح ﵇ الفُلْك احتاج لألواح خشبية، ولا بد أن تتماسك تلك الألواح، ولم تكن مسامير قد اختُرعتْ بَعْدُ، فأوحى له الله تعالى أن يربط الألواح بالحبال المجدولة، وقد فعل هذا أحد مكتشفي أمريكا في العصر الحديث، حين صنع سفينة من نبات البَرْدِى وربطها بالحبال المجدولة القوية.
وقال الحق سبحانه في طريقة صنع سفينة نوح ﵇:
﴿وَحَمَلْنَاهُ على ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] .
стр. 7428
أي: أن نوحاً ﵇ قد أحضر من الخشب وربطها بحبال مجدولة، وأحْكَمَ الرَّبط بقدر مقتدر بما لا يسمح بتسرب الماء إلى داخل السفينة.
مثلما تصنع البراميل الخشبية في عصرنا، حيث يصنعها الصانع من قطع خشبية مستطيلة، ويرتّبها ثم يُحْكم رَبْطَها بإطار قويٍّ، وحين يوضع فيها أي سائل، فالخشب يتشرَّب من هذا السائل ويتمدَّد ليسدَّ المسَام، فلا ينضح السائل من البرميل؛ لأن الخشب هو المادة الوحيدة التي تتمدّد بالبرودة على العكس من كل المواد التي تتمدّد بالحرارة.
ولذلك نجد النَّجَّار الحاذق في صنعته هو مَنْ يصنع الأثاث أو الأبواب أو الشبابيك في الفصول الرتيبة؛ لأنه إن صنعها في الصيف، سنجد الخشب وهو منكمش؛ فإذا ما جاء الشتاء تمدَّد ذلك الخشب وسبَّب عدم إحكام إغلاق الأبواب والنوافذ، وكذلك إن صنعها في الشتاء والخشب متمدِّد سيأتي الصيف وتنكمش الأبواب، وتكون لها متاعبها، فلا يسهل ضبط إغلاق الأبواب أو ضبط أي صندوق أو شبَّاك بإحكام.
ثم يقول الحق سبحانه:
﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] .
أي: لا تحدِّثني في أمر المغفرة لمن ظلموا أنفسهم بالكفر، وهم مَن ارتكبوا الظلم العظيم، وهو الكفر في القمة العقدية، وهي الإيمان بالله تعالى واحداً أحداً لا شريك له؛ لذلك استحقوا العقاب، وهو الإغراق.
стр. 7429
وهكذا عَلِمَ نوح ﵇ أنَّ صُنْعِ السفينة مرتبط بلون العقاب الذي سيقع على مَنْ كفروا برسالته، فهو ومَنْ آمنوا معه سوف ينجون، أما مَنْ كفر فلسوف يغرق.
ويبيِّن الحق حين يقول: ﴿وَيَصْنَعُ الفلك وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ﴾
стр. 7430
وكان السادة والكبراء من ملأ نوح يمرون عليه وهو يصنع السفينة يسخرون منه، بما يعني: ها هو بعد أن ادَّعى النبوة يتحوَّل إلى نجَّار، ثم يتساءلون: كيف تصل هذه السفينة من «الموصل» إلى البحر؟
ولم يكونوا قد علموا ما علمه نوح ﵇ من أن الماء هو الذي سوف يأتي ليحمل السفينة.
ونحن نلحظ في قول الحق :
﴿وَيَصْنَعُ الفلك﴾ [هود: ٣٨] .
تنفيذ الأمر الذي صدر من الله إلى نوح ﵇ حين قال سبحانه:
﴿واصنع الفلك بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الذين ظلموا إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] .
стр. 7431
ثم يقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾
стр. 7432
ونلحظ في قول الحق سبحانه: ﴿فَسَوْفَ﴾ ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أن الفعل الذي يعلمه نوح ﵇ وهو أمر الإغراق سيحدث مستقبلاً؛ لأن أي حدث كما نعلم له أكثر من صورة، فإن جاء الكلام عن الحدث بعد وقوعه؛ كان الفعل ماضياً، وإن جاء الكلام وقت الحدث كان الفعل مضارعاً.
وإن جاء الكلام عن حدث لم يأت زمنه فالأمر يقتضي أن نسبق الكلام عن الحدث بحرف «السين» كأن نقول: «سيعلمون» وهذا عن الاستقبال القريب، أما عن الاستقبال البعيد فتأتي كلمة «سوف» .
ونحن نعلم أن نوحاً ﵇ قضى العديد من السنين وهو يصنع السفينة؛ ولذلك جاء ب «سوف» لتدل على أوسع مَدًى زمنيٍّ.
وما الذي سوف يعلمونه؟ إن العذاب، أيأتي لنوح ومن معه أم يأتي للذين كفروا من ملأ نوح.
لذلك يقول الحق سبحانه على لسان نوح ﵇:
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ [هود: ٣٩] .
стр. 7433
وفي هذا القول ما يؤكِّد أن نوحاً ﵇ يعلم أن العذاب سوف يأتيهم؛ لأنهم كفروا وسَخِروا وقالوا:
﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ [هود: ٣٢] .
وقول الحق سبحانه:
﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ هود: ٣٩] .
نجد فيه كلمة ﴿يَحِلُّ﴾ وهي ضِدُّ الرحيل، وتفيد النزول من أعلى إلى مكان الإقامة، فَحَلَّ بالمكان، أي: نزلَ ليقيم به، والضِّدُّ هو الرحيل أو الترحال.
وقول الحق سبحانه: ﴿مُّقِيمٌ﴾ يعني أن العذاب الذي سيحِلُّ بهم عذاب دائم.
ويقول الحق بعد ذلك: ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التنور﴾
стр. 7434
وكلمة ﴿حتى﴾ تدل على الغاية وكلمة ﴿أَمْرُنَا﴾ تدل على الطوفان، ثم الأمر من الحق سبحانه بأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين، ومَنْ آمن معه وكانوا قِلَّة قليلة.
إذن: ففي قصة نوح ﵇ أكثر من مرحلة، أمر من الله تعالى بقوله:
﴿واصنع الفلك﴾ [هود: ٣٧] .
وعمل من نوح ﵇ بأن يصنع، وقد استغرق هذا الفعل وقتاً طويلاً من نوح ﵇ إلى أن جاء أمر الطوفان الذي يدل عليه قول الحق سبحانه:
﴿وَفَارَ التنور﴾ [هود: ٤٠] .
ومعنى كلمة ﴿فَارَ﴾ أي: أن الماء قد وصل إلى درجة الغليان.
فالماء يحتوي على هواء بدليل أن السمك يتنفس من الماء، وحين نغلي الماء نرى فقاقيع الهواء وهي تخرج من الماء، ثم يثقل الماء إلى أن تشتد سخونة الغليان، فيفور الماء منثوراً خارج إناء الغليان.
و «التنور» هو المكان الذي تتم فيه عملية الخبز، وخروج الماء من التنور هو علامة مميزة يعلمها نوح ﵇ ليحمل من يريد نجاتهم، من المؤمنين، ومن متاع الدنيا كله.
وكانت العلامة هي خروج الماء من غير مَظَانِّه وهو التنور.
واختلف العلماء في تفسير كلمة «التنور» فمنهم من قال: إن التنور هو
стр. 7435
المكان الذي كان آدم ﵇ يخبز فيه، أو هو المكان الذي كانت تعمل فيه حواء، أو هو بيت نوح، أو هو بيت سيدة عجوز.
وكل تلك التفسيرات لا تفيد ولا تضرُّ، المهم أن فوران التنور كان علامة بين نوح ﵇ وربه، وأنه إذا ما فار التنور فعَلَى نوح أن يحمل من كل زوجين اثنين.
وقول الحق سبحانه:
﴿احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين﴾ [هود: ٤٠] .
تعني: أن يحمل من كل الكائنات، وتدل على ذلك كلمة ﴿كُلٍّ﴾ المنونة وتفيد التعميم أي: احمل في السفينة من كل شيء، تطلبه حياة الناجين من جميع أصناف النباتات والحيوانات، حتى الخنزير كان ضمن ما حمله نوح ﵇.
والذين يقولون إن تحريم الخنزير جاء؛ لأن نوحاً ﵇ لم يحمله معه، لم يفطنوا إلى أهمية الخنزير كحيوان يأكل القاذورات وينظف الأرض منها؛ لأن كل كائن له مهمة، وليست مهمة الكائنات فقط أن يأكلها الإنسان.
وكلمة:
﴿زَوْجَيْنِ اثنين﴾ [هود: ٤٠] .
تدل على أن كلمة «زَوْجٍ» هي مفرد؛ بدليل قول الحق سبحانه:
стр. 7436
﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١] .
إذن: كلمة «زَوْجٍ» تعني مفرد معه مثله، كزوج من الأحذية مثلاً.
أقول ذلك حتى لا نأخذ كلمة «الزوج» على أنها اثنان؛ ولذلك نجد الحق سبحانه يقول في آية أخرى.
﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ الضأن اثنين وَمِنَ المعز اثنين قُلْءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنثيين أَمَّا اشتملت عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنثيين نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَمِنَ الإبل اثنين وَمِنَ البقر اثنين﴾
[الأنعام: ١٤٣١٤٤] .
وحين نجمع العدد سنجده ثمانية، ولو كانت كلمة «زوج» تطلق على الاثنين لصار العدد في تلك الآية الكريمة ستة عشر.
ويوضِّح القرآن الكريم أن كلمة «زوج» مفرد في قول الحق سبحانه:
﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يمنى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فسوى فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى﴾ [القيامة: ٣٧٣٩] .
إذن: فالذكر زوج، والأنثى زوج أيضاً.
وواصل نوح ﵇ تنفيذ أمر الحق سبحانه:
стр. 7437
﴿احمل فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثنين وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول وَمَنْ آمَنَ وَمَآ آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠] .
وهكذا شاء الحق سبحانه أن يستبقي الحياة بنجاة كل ما تحتاجه الحياة بالسفينة، ويقال: إنهم عاشوا في تلك السفينة عامين.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مجراها وَمُرْسَاهَا﴾
стр. 7438
هذه هي المرحلة الأخيرة في قصة السفينة، وبدأت القصة بأمر من الله سبحانه لنوح ﵇ أن اصنع الفلك، ثم تمهيد من نوح لقومه، ثم ظل يصنع الفلك حتى جاءت إشارة البدء بعلامة:
﴿وَفَارَ التنور﴾ [هود: ٤٠]
وحَمَلَ نوح ﵇ في الفُلْك بأمر من الله تعالى من كل شيء زوجين اثنين، وأهله ومَنْ آمن معه.
وقال نوح ﵇ لمن آمن:
﴿اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله مجراها وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١] .
стр. 7439
وهذا القول منسوب لنوح ﵇؛ لأنه أضاف:
﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [هود: ٤١] .
والركوب يقتضي أن يكون الراكب على المركوب، ومستعلٍ عليه. والاستعلاء يقتضي أن يكون الشيء المُستعلَى عليه في خدمة المُستعلِي، فكأن تسخير الله سبحانه للسفينة إنما جاء ليخدم المستعلِي.
ولكن الله تعالى يقول هنا:
﴿اركبوا فِيهَا﴾ [هود: ٤١] .
ولم يقل: «اركبوا عليها» .
قال الحق ذلك؛ ليعطينا لقطة عن طريق صنع السفينة، فقد صنعها نوح ﵇ بوحي من الله تعالى على أفضل نظام في البواخر، ولم يصنعها بطريقة بدائية، فهم إذن لم يركبوها على سطحها، بل تم بناؤها بما يتيح لهم السكن فيها، خصوصاً وأن تلك السفينة تحمل وحوشاً وهواماً وحيوانات بجانب البشر، لذلك كان لا بد من بنائها على هيئة طبقات وأدوار.
وقول الحق سبحانه:
﴿بِسْمِ الله مجراها وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١] .
يُبيِّن لنا أنها قد صُنعت لتُنجي من الغرق؛ لذلك لا بد أن تسير بالراكبين فيها إلى مكان لا يصله الماء، ولا بد أن يكون هذا المكان عالياً؛ ليتيح
стр. 7440
الرُّسُوَّ، كما أتاح الفيضان عملية الجريان.
وهكذا كان جريانها باسم الله، ورُسُوُّها بإذنه سبحانه.
وقول نوح ﵇:
﴿بِسْمِ الله مجراها وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١] .
يعلِّمنا أن جريانها إنما يتمُّ بمشيئة الله تعالى وأنهم يركبون فيها، لا لمكانتهم الشخصية، ولكن لإيمانهم بالله تعالى.
ومثال ذلك من حياتنا ولله المثل الأعلى: نجد القاضي يقول مفتتحاً الحكم: «باسم الدستور والقانون» أي: أنه لا يحكم بذاته كقاضٍ، لكنه يحكم باسم الدستور والقانون.
ونوح ﵇ يقول:
﴿بِسْمِ الله مجراها وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]
لأن السفينة لله أمر، ولرسوله صناعة.
ولذلك يقال: «كل شيء لا يبدأ باسم الله فهو أبْتر» .
لأنك حين تُقبل على فعل شيء، فالأفعال أو الأحداث تحتاج إلى طاقات متعددة، فإن كان الفعل عضليّا، فهو يحتاج لقوة، وإن كان الفعل عقليّا فهو يحتاج لفكر ورويَّة وأناة، وإن كان فعلاً فيه مواجهة لأهل الجاه فهو يحتاج إلى شجاعة، وإن كان من أجل تصفية نفوس فهو يحتاج إلى الحِلْم؟
إذن: فاحتياجات الأحداث كثيرة ومختلفة، ومن أجل أن تحصل على القوة فقد تقول: «باسم القوي القادر» ولكي تحصل على علم؛ تقول: «باسم العليم» ، وتريد الغني؛ فتقول: «باسم الغنيِّ» وحين تحتاج إلى الحلم تقول: «باسم الحليم» ، وعندما تحتاج إلى الشجاعة؛ تقول: «باسم القهار» .
стр. 7441
وقد يحتاج الفعل الواحد لأشياء كثيرة، والذي يُغْنِي عن كل ذلك أن تنادي ربك وتتبرَّك باسم واجد الوجود وهو الله ، ففيه تنطوي كل صفات الكمال والجلال.
وإياك أن تتهيَّب أو تستحي، بل ادخل على كل أمر باسم الله، حتى لو كنت عاصياً؛ لأن الحق سبحانه رحمن رحيم.
وقول الحق سبحانه على لسان نوح ﵇:
﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [هود: ٤١] .
إنما يقصد أن هؤلاء المؤمنين برسالة نوح كانوا من البشر، ولم يطبِّقوا كغالبية البشر كل التكاليف؛ لأنهم ليسوا ملائكة.
لذلك قَدَّر الحق إيمانهم وعفا عن بعض الذنوب التي ارتكبوها ولم يؤاخذهم بها.
هذه هي الميزة في قول: «بسم الله الرحمن الرحيم» .
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك يَصفُ السفينة ورُكَّابها: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كالجبال﴾
стр. 7442
وجرت بهم السفينة، لا بين موج هائج فحسب، ولكن كان الموج كالجبال، وهذا يدل على أنها مُسيَّرة بقوة عالية لا تؤثر فيها الأمواج، ثم يجيء الحديث عن عاطفة الأبوة حين ينادي نوح ابنه:
﴿ونادى نُوحٌ ابنه وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يابني اركب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين﴾ [نوح: ٤٢] .
ورفض الابن مطلب أبيه معتمداً على أن الجبل يحميه.
وفي هذا يقول الحق سبحانه مبيناً مُراد الابن في مُخالفة مراد أبيه: ﴿قَالَ سآوي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ المآء﴾
стр. 7443
هكذا ظن ابن نوح أنه سينجو إن آوى إلى جبل، لعل ارتفاع الجبل يعصمه من الغرق، لكن نوحاً ﵇ يعلم أن لا نجاة لكافر، بل النجاة فقط هي لمن ﵀ بالإيمان.
وهكذا فرَّق الموج بين نوح وابنه؛ وغرق الابن.
стр. 7444
وأراد الحق سبحانه أن يُنهى الكلام عن نوح ﵇، فجاء بلقطة استواء السفينة على الجودي.
ويقال: إن جبل الجودي يوجد في الموصل ويقال: إنه ناحية الكوفة، وإن كان هذا القول مجرد علم لا ينفع، والجهل به لا يضر.
ويقول الحق سبحانه: ﴿وَقِيلَ ياأرض ابلعي مَآءَكِ﴾
стр. 7445
والبلع هو مرور الشيء من الحَلْق ليسقط في الجوف، وساعة أن يأتي في القرآن أمر من الله تعالى مثل:
﴿وَقِيلَ ياأرض ابلعي مَآءَكِ﴾ [هود: ٤٤] .
فافهم أن القائل هو من تَنْصَاع له الأرض.
ولم يَقُل الله سبحانه: «قال الله يا أرض ابلعي ماءك» ؛ لأن هناك أصلاً متعيّناً وإنْ لم يقُله، والحق سبحانه يريد أن ينمِّي فينا غريزة وفطنة الإيمان؛ لأن أحداً غير الله تعالى ليس بقادر على أن يأمر الأرض بأن تبلع الماء.
стр. 7446
ويكون أمره سبحانه للسماء: ﴿وياسمآء أَقْلِعِي﴾ أي: أن توقف المطر.
وهكذا يُنهي الحق سبحانه الطوفان الذي أغرق الدنيا بأن أوقف المصبَّ، وأعطى الأمر للمصرف أن يسحب الماء.
ونحن نلاحظ عند سقوط المطر أن شبكة الصرف الصحيِّ تطفح إن كان هناك ما يسدُّ تصريف الماء؛ لأن أرض المدن حالياً صارت من الأسفلت الذي لا يمتص المياه؛ ولذلك نجد الجهات المختصة تجنِّد طاقاتها لإصلاح مواسير الصرف الصحي لتمتص مياه المطر حتى لا تتعطل حركة الحياة.
وأقول هنا: إن حُسن استخدام الماء من حُسن الإيمان؛ لأني ألحظ أن الناس حين يتوضأون فهم يفتحون صنابير الماء بما يزيد كثيراً عن حاجتهم للوضوء الشرعي، فيجب ألا نرتكب إثم ترك الماء النقيِّ ليضيع دون جدوى.
وعلى الناس أن يدَّخروا الماء، ولا يُسيئوا استغلاله؛ لأن الماء حين يتوفَّر فهو يُحيي الأموات، ونحن نحتاج الماء لاستزراع الصحاري، ونحتاج لتخفيف العبء على شبكات الصرف الصحيِّ.
باختصار؛ نحن نحتاج إلى حُسن استقبال نِعَمِ الله تعالى وحُسن التصرُّف فيها؛ لننعم بها، ونسعد بخيرها.
وقول الحق سبحانه:
﴿وياسمآء أَقْلِعِي﴾ [هود: ٤٤] .
أي: اتركي المطر. . ومن ذلك أخذنا كلمة «قِلْع» الذي يوضع فوق السفن الشراعية الصغيرة، وهو الشِّراع.
стр. 7447
ويُقال: «أقلعت المركب» أي: تركت السكون الذي كانت عليه وهي واقفة على الشاطىء.
ويقول الحق سبحانه:
﴿وَغِيضَ المآء﴾ [هود: ٤٤] .
وبناها الحق سبحانه هنا للمجهول؛ لنعلم أن الله تعالى هو الذي أمر الماء بأن يغيض.
ومادة «غاض» تُستعمل لازمةً، وتُستعمل متعديةً.
ثم يقول سبحانه:
﴿واستوت عَلَى الجودي﴾ [هود: ٤٤] .
أي: استقرت السفينة على جبل الجودي.
ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله:
﴿وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ [هود: ٤٤] .
وهو بعدٌ نهائيٌّ إلى يوم القيامة.
وتتحرك عاطفة الأبوة في نوح ﵇، ويظهرها قول الحق سبحانه: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي﴾
стр. 7448
وعاطفة الأبوة عاطفة محمودة، والحق سبحانه يشحن بها قلب الأب على قَدْر حاجة البنوة، ولو لم تكن تلك العاطفة موجودة، لما تحمُّل أيُّ أبٍ أو أيُّ أمٍّ متاعب تربية الأبناء.
وحتى نعلم أن الأنبياء لا بنوة لهم إلا بنوة الاتِّباع نجد المثل في إبراهيم خليل الرحمن عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، حين قال فيه الحق سبحانه:
﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] .
أي: أن أداء إبراهيم ﵇ للتكاليف كان على وجه التمام، مثلما أراد أن يرفع القواعد من البيت، فرفعها فوق قامته بالاحتيال، فاحضر حجراً ووقف عليه ليُعلي جدار الكعبة.
وقال له الله تعالى:
﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ [البقرة: ١٢٤] .
لأنك مأمون على منهج الله وقادر على أن تنفِّذه بدقة، فقال إبراهيم ﵇:
﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] .
فقال الحق سبحانه:
стр. 7449
﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤] .
من هذا نعلم أن النبوَّة ليس لها بنوَّة، بل النبوَّة لها أتباع.
ويتضح ذلك أيضاً في قول إبراهيم ﵇ بعد أن استقرَّ في ذهنه قول الحق سبحانه:
﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤] .
قال إبراهيم لربه سبحانه طلباً للرزق لمكة وأهلها:
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بالله واليوم الآخر﴾ [البقرة: ١٢٦] .
هكذا طلب إبراهيم ﵇ الرزق للمؤمنين، لكن الحق سبحانه يبيِّن له أنه نقل المسألة إلى غير مكانها؛ فالرزق عطاء ربوبية للمؤمن والكافر، لكن تكليفات الألوهية هي للمؤمن فقط؛ لذلك قال الحق سبحانه:
﴿وَمَن كَفَرَ﴾ [البقرة: ١٢٦] .
أي: أن الرزق يشمل المؤمن والكافر، عطاء من الربوبية.
ونريد أن نقول إنَّ عاطفة الأبوة والأمومة إنما تتناسب مع حاجة الابن تناسباً عكسيّا، فإن كان الابن قوّياً فعاطفة الأبوة والأمومة تقلُّ.
ومثال ذلك: أننا نجد شقيقين أحدهما غني قائم بأمر الأبوين ويتكفَّل بهما، بينما الابن الآخر فقير لا يقدر على رعاية الأبوين.
стр. 7450
وسنلحظ أن قلب الأب والأم يكون مع الفقير، لا مع الغَنيِّ، فعاطفة الأبوة والأمومة تكون مع الضعيف والمريض والغائب، وكلما كان الابن في حاجة؛ كانت العاطفة معه.
وفي نداء نوح ﵇ لربه سبحانه نلحظ أن نوحاً كان يملك المبرِّر طلباً لنجاة الابن؛ لأن الحق سبحانه أمره بأن يحمل في السفينة من كلٍّ زوجين اثنين وكذلك أهله، فأراد نوح ﵇ أن يطلب النجاة لابنه من أهله، فقال:
﴿رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين﴾ [هود: ٤٥] .
إذن: فنوح ﵇ يملك حق الدعاء؛ لأنه يطلب تحقيق وعد الله تعالى بأن يحمل أهله معه للنجاة.
وحين يقول نوح: ﴿وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين﴾ هو إقرار بأن الله سبحانه لا يخطىء؛ لأن الابن قد غرق، بل لا بد أن ذلك الغرق كان لحكمة.
ويقول الحق سبحانه: ﴿قَالَ يانوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾
стр. 7451
ويريد الحق سبحانه هنا أن يلفتَ نبيَّه نوحاً إلى أن أهليَّة الأنبياء ليست أهلية الدم واللحم، ولكنها أهلية المنهج والاتِّباع، وإذا قاس نوح ﵇ ابنه على هذا القانون، فلن يجده ابناً له.
ألم يقل نبينا ﷺ َ عن سلمان الفارسي: «سلمان منَّا آل البيت» .
إذن: فالبنوة بالنسبة للأنبياء هي بنوة اتِّباع، لا بنوة نَسَب.
وانظر إلى دقة الأداء في قول الله تعالى:
﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] .
ثم يأتي سبحانه بالعلة والحيثية لذلك بقوله:
﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] .
فكأن البنوة هنا عمل، وليست ذاتاً، فالذات منكورة هنا، والمذكور هو العمل، فعمل ابن نوح جعله غير صالح أن يكون ابناً لنوح.
وهكذا نجد أن المحكوم عليه في البنوة للأنبياء ليس الدم، وليس الشحم، وليس اللحم، إنما هو الاتِّباع بدليل أن الحق سبحانه وصف ابن نوح بقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ ولو كان عملاً صالحاً لكان ابنه.
ويقول الحق سبحانه:
﴿فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ [هود: ٤٦] .
стр. 7452
والحق سبحانه يطلب من نوح هنا أن يفكِّر جيِّداً قبل أن يسأل، فلا غبار على الأنبياء حين يربيِّهم ربُّهم.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿قَالَ رَبِّ إني أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ﴾
стр. 7453
وهنا يدعو نوح ﵇ ربه أن يغفر له ما قاله، وهو هنا يقرُّ بأنه لما أحبَّ أن يسأل نجاة ابنه لم يستطع أن يكتم سؤاله، ولكن الحق وحده هو القادر على أن يمنع من قبله مثل هذا السؤال، وهذه قمة التسليم لله تعالى.
وقول نوح ﵇:
﴿إني أَعُوذُ بِكَ﴾ [هود: ٤٧] .
يوضِّح لنا أن الإنسان لا يعوذ من شيء بشيء إلا إن كانت قوته لا تقدر على أن تمتنع عنه.
ولذلك يستعيذ نوح ﵇ من أن يسأل ما ليس له به علم، ويرجو مغفرة الله ورحمته حتى لا يكون من الخاسرين.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك:
стр. 7454
﴿قِيلَ يانوح اهبط بِسَلاَمٍ﴾
стр. 7455
وقوله الحق سبحانه:
﴿اهبط بِسَلاَمٍ مِّنَّا﴾ [يونس: ٤٨] .
يدل على أن نوحاً ﵇ قد تلقَّى الأمر بالنزول من السفينة ليباشر مهمته الإيمانية في أرض فيها مقومات الحياة، مما حمل في تلك السفينة من كلٍّ زوجين اثنين، ومن معه من المؤمنين الذين أنجاهم الله تعالى، وأغرق مَنْ قالوا عليهم إنهم أراذل.
وقول الحق سبحانه:
﴿أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ﴾ [هود: ٤٨] .
تضمَّن أهل نوح ﵇ ومَنْ آمن به، وكذلك أمم الوحوش والطيور والحيوانات والدواب.
стр. 7456
أي: أنها إشارة إلى الأمة الأساسية، وهي أمة الإنسان وإلى الأمم الخادمة للإنسان، وهكذا توفرت مقومات الحياة للمؤمنين، ويتفرَّغ نوح وقومه إلى المهمة الإيمانية في الأرض.
وقول الحق سبحانه:
﴿اهبط بِسَلاَمٍ مِّنَّا﴾ [هود: ٤٨] .
والمقصود بالسلام هو الأمن والاطمئنان، فلم يَعُدْ هناك من الكافرين ما ينغِّص على نوح ﵇ أمره، ولن يجد من يكدِّر عليه بالقول:
﴿جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ [هود: ٣٢] .
ولن يجد مَنْ يتهمه بالافتراء.
ومَنْ بقي مع نوح هم كلهم من المؤمنين، وهم قد شهدوا أن نجاتهم من الغرق قد تمت بفضل المنهج الذي بلَّغهم به نوح عن الله تعالى.
وقول الحق سبحانه:
﴿وَبَركَاتٍ﴾ [هود: ٤٨] .
يعني أن الحق سبحانه يبارك في القليل ليجعله كثيراً.
ويقال: «إن هذا الشيء مبارك» كالطعام الذي يأتي به الإنسان ليكفي اثنين، ولكنه فوجىء بخمسة من الضيوف، فيكفي هذا الجميع.
إذن: فالشيء المبارك هو القليل الذي يؤدِّي ما يؤدِّيه الكثير، مع مظنَّة أنه لا يفي.
стр. 7457
وكان يجب أن تأتي هنا كلمة ﴿وَبَركَاتٍ﴾ لأن ما يحمله نوح ﵇ من كلٍّ زوجين اثنين إنما يحتاج إلى بركات الحق ليتكاثر ويكفي.
وقول الحق سبحانه:
﴿وعلى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود: ٤٨] .
هذا القول يناسب الطبيعة الإنسانية، فقد كان المؤمنون مع نوح ﵇ هم الصفوة، وبمضيِّ الزمن طرأت الغفلة على بعضٍ منهم، ويأتي جيل من بعدهم فلا يجد الأسوة أو القدوة، ثم تحيط بالأجيال التالية مؤثرات تفصلهم تماماً عن المنهج.
وفي هذا يقول الرسول ﷺ َ: «ينام الرجل النومة فتُقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر الوَكْت، ثم ينام النومة فتُقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها كأثر المَجْل، كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه مُنتبراً، وليس فيه شيء، ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله، فيصبح الناس يتبايعون، لا يكاد أحد يؤدِّي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، حتى يقال للرجل: ما أجلده ﴿ما أظرفه﴾ ما أعقله! وما في قلبه
стр. 7458
مثقال حبة من خَرْدلٍ من إيمان» .
وهكذا تطرأ الغفلة على أصحاب المنهج، ويقول ﷺ َ: «تُعرض الفِتَن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأيّما قلب أشْرِبَها نُكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا لا تضرُّه فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مُرْباداً كالكوز مُجَخِّياً لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً إلا ما أشْرِبَ مِنْ هَواه» .
وأعوذ بالله تعالى من طروء فتنة الغفلة على القلوب.
والحق سبحانه يتحدث في هذه الآية عن الذين بقوا مع نوح ﵇ وهم صفوة من المؤمنين، لكن منهم من ستطرأ عليه الغفلة، وسيمتِّعهم الله أيضاً بمتاع الدنيا، ولن يضنَّ عليهم، ولكن سَيَلحقُهم العذاب.
стр. 7459
فإذا ما جاء جيل على الغافلين فهو يخضع لمؤثِّرين اثنين:
المؤثر الأول: غفلته هو.
المؤثر الثاني: أسوة الغافلين من السابقين عليه.
ونحن نعلم أن مِنْ ذرية نوح ﵇ «قوم عادٍ» الذين أرسل الحق سبحانه إليهم هوداً ﵇، وكذلك «قوم ثمود» الذين أرسل إليهم أخاهم صالحاً ﵇، وقوم لوطٍ، وهؤلاء جميعاً رَانَتِ الغفلة على قلوبهم.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب نُوحِيهَآ إِلَيْكَ﴾
стр. 7460
وكلمة «تلك» إشارة وخطاب، والمخاطب هو رسول الله ﷺ َ، و «التاء» إشارة إلى السفينة وما تبعها من أنباء الغيب، ولم يكن رسول الله ﷺ َ معاصراً لها ولا يعلمها هو، ولا يعلمها أحد من قومه.
وأنت يا رسول الله لم يُعلَم عنك إنك جلستَ إلى معلِّم، ولم يذكر عنك أنك قرأت في كتاب؛ ولذلك يأتي في القرآن:
следующие страницы →