← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.

стр. 7666

ولم يقل الحق سبحانه: «وإنْ منهم إلاّ واردُها» . وإنما قال: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] . وبذلك عمَّم الخطاب للكل، أو أنه يستحضر الكفار ويترك المؤمنين بمعزل. وهنا يقول الحق سبحانه عن قوم فرعون: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النار وَبِئْسَ الورد المورود﴾ [هود: ٩٨] . وحين تكلم كتاب الله الكريم عن «الورود» ، وهو الكتاب الذي نزل بلسان عربي مبين، نجد أن الورود يأتي بمعنى الذهاب إلى الماء دون شرب من الماء، قلت: «وردَ يردُ وروداً» ، وإن أردت التعبير عن شرب الماء مع الورود، فقل: «وردَ يردُ وِرْداً» بدليل أن الحق سبحانه يقول هنا: ﴿وَبِئْسَ الورد المورود﴾ [هود: ٩٨] . أي: إنهم يشعرون بالبؤس لحظة أن يروا ماء جهنم ويشربون منه. إذن: فكلمة «الوِرْد» تطلق على عملية الشرب من الماء، وقد تطلق على ذات الورادين مثل قوله: ﴿وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ [مريم: ٨٦] .

стр. 7667

وقد قال الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى في معلقته: فَلمَّا وَرَدْنَ الماءَ زُرقاً جِمَامُهُ ... وَضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ الُمَتَخيّمِ والشاعر هنا يصف الرَّكْب ساعة يرى المياه الزرقاء الخالية من أي شيء يعكرها أو يُكدِّرها، فوضع القوم عصا الترحال. وكان الغالب قديماً أن يحمل كل من يسير عصاً في يده، مثل موسى ﵇ حين قال: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى﴾ [طه: ١٨] . ويقول الشاعر: فألقتْ عصَاها واستقرَّ بها النَّوَى ... كمَا قَرَّ عيناً بالإياب المُسَافرُ

стр. 7668

فساعة رأى الركب المياه زرقاء، فهذا يعني أنها مياه غير مكدَّرة. ونحن نعلم أن المياه لا لون لها، ولكنها توصف بالزُّرْقة إن كانت خالية من الشوائب، شديدة الصفاء، فتنعكس عليها صورة السماء الزرقاء. والشاعر يصف قومه ساعة أن وصلوا إلى الماء الصافي وتوقفوا وأقاموا في المكان. وهكذا نجد أن الورود يعني الذهاب إلى الماء دون الشرب منه. والورد للماء يُفرح النفس أولاً، ثم يورده ويرويه ما يشربه منها، ومن يرد الماء لا شك أنه يعاني من ظمأ يريد أن يرويه، وحرارة كبد يريد أن يبردها. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿وَبِئْسَ الورد المورود﴾ [هود: ٩٨] . وفي هذا تهكم شديد، لأنهم قوم فرعون ساعة يرون الماء يشعرون بقرب ري الظمأ وإبراد الحرارة، ولكنهم يشربون من ماء جهنم، فبئس ما يشربون، فهو يُطمعهم أولاً، ثم يؤيسهم بعد ذلك. كما في قوله سبحانه: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل يَشْوِي الوجوه﴾ [الكهف: ٢٩] . فهم ساعة يسمعون كلمة «يغاثوا» يفهمون أن هناك فرجاً قادماً لهم، فإذا ما علموا أنه ماء كالمهل يشوي الوجوه، عانوا من مرارة التهكم. ولله المثل الأعلى: فأنت تجد من يدعوك لأطايب الطعام، وبعد ذلك تغسل يديك، فيلح عليك من دعاك إلى تناول الحلوى، فتستشرف نفسك

стр. 7669

إلى تناول الحلوى، بينما يكون من دعاك قد أوصى الطباخ أن يخلط الحلوى بنبات «الشطة» فيلتهب جوفك؛ أليس في هذا تهكم شديد؟! والحق سبحانه يبيِّن لهم أن الورد إنما جاء لترطيب الكبد، لكن أكبادهم ستشتعل بما تشربونه من هذا الماء، وكذلك الطعام الذي يأكله أهل النار. والحق سبحانه يقول: ﴿وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] . وهكذا تصير النكبة نكبتين. وبعض الناس قد فهم قول الحق سبحانه: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] . بمعنىأنهم جميعاً سوف يَرِدون جهنم. ولكن الحق سبحانه يقول أيضاً: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ [مريم: ٧٠] . إذن: فالحق سبحانه يعطي لكل الناس صورة للنار، فإذا رأى المؤمنون النار وتسعُّرها، ولم يدخلوها، عرفوا كيف نجَّتهم كلمة الإيمان منها فيحمدون الله على النجاة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك:

стр. 7670

﴿وَأُتْبِعُواْ فِي هذه لَعْنَةً وَيَوْمَ القيامة﴾

стр. 7671

أي: أن اللعنة قد بقيت لهم، وما زلنا نحن المسلمين نلعنهم إلى الآن، ثم يصيرون إلى اللعنة الكبرى، وهي لعنة يوم القيامة: ﴿بِئْسَ الرفد المرفود﴾ [هود: ٩٩] والرفد: هو الغطاء، فهل تعد اللعنة في الآخرة عطاءً؟ إن هذا تهكم منهم أيضاً، مثلها مثل قول الحق سبحانه: ﴿وَبِئْسَ الورد المورود﴾ [هود: ٩٨] . ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ القرى﴾

стр. 7672

وقد أهلك الحق سبحانه تلك القرى بالعذاب؛ لأنها كذَّبت أنبياءها. والخطاب موجَّه لرسول الله ﷺ َ لتثبيت فؤاده، والحق سبحانه إنما يبيِّن له أن الكافرين لن يكونوا بمنجىً من العذاب؛ كما أخذ الله سبحانه الأمم السابقة الكافرة بالعذاب. وقول الحق سبحانه:

стр. 7673

﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ [هود: ١٠٠] . يتطلب أن نفرِّق بين المعنى الشائع عن القصة، والمعنى الحقيقي لها، فبعض الناس يقول: إن القرآن فيه قصص، والقصص عادة تمتلىء بالتوسع، وتوضع فيها أحداث خيالية من أجل الحبكة. ولهؤلاء نقول: أنتم لم تفهموا معنى كلمة «القصة» في اللغة العربية، لأنها تعني في لغتنا الالتزام الحرفي بما كان فيها من أحداث، فهي مأخوذة من كلمة: «قصّ الأثر» ، ومن يقص الأثر إنما يتتبع مواقع الأقدام إلى أن يصل إلى الشيء المراد. إذن: فقصص القرآن يتقصى الحقائق ولا يقول غيرها، أما ما اصطُلح عليه من عرف العامة أنه قصص، بما في تلك القصص من خيالات وعناصر مشوقة، فهذا ما يُسمَّى لغوياً بالروايات، ولا يُعتبر قصصاً. وقصص الإهلاك للأمم التي كفرت إنما هو عبرة لمن لا يعتبر، والناس تعلم أن ما رواه القرآن من قصص هو واقع تدل عليه آثار الحضارات التي اندثرت، وبقيت منها بقايا أحجار ونقوش على المقابر.

стр. 7674

ونحن نجد في آثار الحضارات السابقة ما هو قائم من بقايا أعمدة ونقوش، ومنها ما هو مُحطَّم. ولذلك يقول الحق سبحانه في موضع آخر من القرآن: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ وباليل أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧١٣٨] . أي: أنكم تشاهدون من الآثار ما هو قائم وما هو حطيم. ويقول الحق سبحانه عن تلك القرى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن ظلموا أَنفُسَهُمْ﴾

стр. 7675

ويبيِّن الحق سبحانه هنا أنه حين أخذ تلك الأقوام بالعذاب لم يظلمهم؛ لأن معنى الظلم أن يكون لإنسانٍ الحق، فتسلبه هذا الحق. وفي واقع الأمر أن تلك الأمم التي كفرت وأخذها الله بالعذاب، هي التي ظلمت نفسها بالشرك، وكذَّبت تلك الأقوام الرسل الذين جاءوا وفي يد كل منهم دليل الصدق وأمارات الرسالة. وهكذا ظلم هؤلاء الكفار أنفسهم؛ لذلك لا بد أن نعلم أن الحق سبحانه مُنزَّه عن أن يظلم أحداً.

стр. 7676

وهم حين أشركوا بالله تعالى آلهة أخرى، لماذا لم تتحرك تلك الآلهة المزعومة وتتدخل لتحمي مَنْ آمنوا بها؟! ويخبرنا الحق سبحانه أن الحجارة التي عبدوها تلعنهم، وهم في النار، وهذه الأحجار تكون وقوداً للنار. والحق سبحانه يقول عن النار: ﴿فاتقوا النار التي وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ [البقرة: ٢٤] . وهؤلاء الذين عبدوا واحداً من الناس أو بعضاً من الأصنام، إنما تجنَّوا، بالجهل على هذا الإنسان الذي عبدوه أو تلك الأحجار التي صلَّوا لها أو قدَّسوها. والشاعر المسلم تأمل غار حراء وغار ثور وكلامها من الأحجار فوجد أن غار حراء قد شهد نزول الوحي على الرسول ﷺ َ، وغار ثور حمى رسول الله ﷺ َ حين اختفى فيه ومعه الصديق أبو بكر في أثناء الهجرة من مكة إلى المدينة، فتخيل الشاعر أن غار ثور قد حسد غار حراء وقال: كَمْ حَسَدْنَا حِراءً حينَ يَرى الرُّوحَ ... أميناً يَغْزُوكَ بالأنْوَارِ فَحِرَاءٌ وثَوْرٌ صَارَا سَواءً ... بِهما تَشفَّعْ لأمَّةِ الأحْجَارِ فغار حراء شهد جبريل ﵇ وهو يهبط بالنور على محمد ﷺ َ، لكن غار ثور نال أيضاً الشرف لحمايته الرسول في الهجرة.

стр. 7677

ويقول الشاعر على لسان الأحجار: عَبَدُونا ونَحْنُ أعْبَدُ للهِ ... مِنَ القائِمينَ بالأسْحَارِ قَدْ تَجنَّوا جَهْلاً كمَا قَدْ تجَنَّوا ... علَى ابنِ مَرْيَمَ والحوَارِي لِلمُغَالِي جَزَاؤهُ والمُغَالَى فيهِ ... تُنْجِيهِ رَحْمَةُ الغَفَّارِ وهكذا لا تُغني عنهم آلهتهم المعبودة شيئاً سواء أكانت بشراً أم حجارة، لم تُغنِ عنهم شيئاً ولم ترفع عنهم العذاب الذي تلقوه عقاباً في الدنيا وسعيراً في الآخرة، وإذا كانوا قد دعوهم من دون الله في الدنيا، فحين جاء العذاب لم تتقدم تلك الآلهة لتحميهم من العذاب. ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] . أي: أن تخلّي تلك الآلهة التي أشركوها مع الله تعالى أو عبدوها من دون الله. . هذا التخلي يزيدهم ألماً وإهلاكاً نفسياً وتخسيراً، لأن التتبيب هو القطع والهلاك. والحق سبحانه يقول: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] .

стр. 7678

كذلك الأخذ الذي أخذ الله به القرى التي كذَّبت أنبياءها. لذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ﴾

стр. 7679

أي: أن الأخذ الذي أخذ به الله القرى الكافرة، إنما هو مثل حي لكل من يكفر. والحق سبحانه يقول: ﴿والفجر وَلَيالٍ عَشْرٍ والشفع والوتر واليل إِذَا يَسْرِ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾ [الفجر: ١٥] . أي: أن الحق سبحانه يقسم لعل كل صاحب عقلٍ يستوعب ضرورة الإيمان، ويضرب الأمثلة بالقوم الذين جاءهم الأخذ بالعذاب، فيقول سبحانه:

стр. 7680

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ العماد التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد الذين طَغَوْاْ فِي البلاد فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الفساد فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد﴾ [الفجر: ٦١٤] . فهو سبحانه قد أخذ كل هؤلاء أخذ العزيز المقتدر. وقوله سبحانه هنا: ﴿وكذلك﴾ [هود: ١٠٢] . أي: مثل الأخذ الذي أخِذَتْ به القرى التي كذَّبت رسلها، فظلمت نفسها. والأخذ هنا عقاب على العمل، بدليل أنه أنجى شعيباً ﵇ وأخذ قومه بسبب ظلمهم، فالذات الإنسانية بريئة، ولكن الفعل هو الذي يستحق العقاب. ومثال ذلك: نجده في قصة نوح ﵇ حين قال له الحق سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] . فالذي وضع ابن نوح في هذا الموضع هو أن عمله غير صالح؛ لذلك فلا يقولن نوح: إنه ابني.

стр. 7681

فليس الإهلاك بعلَّة الذات والدم والقرابة، بل الإهلاك بعلة العمل، فأنت لا تكره شخصاً يشرب الخمر لذاته، وإنما تكرهه لعمله، ونحن نعلم أن البنوة للأنبياء ليست بنوة الذوات، وإنما بنوة الأعمال. وكذلك نجد الحق سبحانه ينبه إبراهيم ﵇ ألا يدعو لكل ذريته، فحين كرَّم الحق سبحانه إبراهيم ﵇ وقال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ [البقرة: ١٢٤] . جاء الطلب والدعاء من إبراهيم ﵇ لله تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] . لأن إبراهيم ﵇ أراد أن تمتد الإمامة إلى ذريته أيضاً، فجاء الرد من الله سبحانه: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤] . وظلت هذه القضية في بؤرة شعور إبراهيم ﵇، وعلم تماماً أن البنوَّة للأنبياء ليست بنوة ذوات، بل هي بنوة أعمال.

стр. 7682

ولذلك نجد دعاء إبراهيم ﵇ حين نزل بأهله في وادٍ غير ذي زرع، وقال: ﴿رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات﴾ [البقرة: ١٢٦] . وهنا انتبه إبراهيم ﵇ وأضاف: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٦] . فجاء الرد من الحق سبحانه موضحاً خطأ القياس؛ لأن الرزق عطاء ربوبية يستوي فيه المؤمن والكافر، والطائع والعاصي؛ فلا تخلط بين عطاء الربوبية وعطاء الألوهية؛ لأن عطاء الألوهية تكليف، وعطاء الربوبية رزق، لذلك قال الحق سبحانه: ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار وَبِئْسَ المصير﴾ [البقرة: ١٢٦] . فأنت يا إبراهيم دعوتَ برزق الأهل بالثمرات لمن آمن، لأن بؤرة شعورك تعي الدرس، لكن هناك فرقاً بين عطاء الألوهية في التكليف، وعطاء الربوبية في الرزق، فمن كفر سيرزقه ربه، ويمتعه قليلاً ثم يكون له حساب آخر. إذن: فأخْذُ الحق سبحانه للظالمين بكفرهم هو عنف التناول لمخالفٍ، وتختلف قوة الأخذ بقوة الأخذ، فإذا كان الآخذ هو الله سبحانه، فهو أخْذ عزيز مقتدر. وهو أخذ لمن ظلموا أنفسهم بقمة الظلم وهو الكفر، وإن كان الظلم لحقوق الآخرين فهو فسق، وأيضاً ظلم النفس فسق؛ لأن الحق سبحانه حين يُحرِّم عليك أن تظلم غيرك فهو قد حرَّم عليك أيضاً ظلم نفسك.

стр. 7683

ويصف الحق سبحانه أخذه للظالمين بقوله: ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] . أي: أن أخذه موجع على قدر طلاقة قدرته سبحانه. وهَبْ أن إنساناً أساء إلى إنسان، فالحق سبحانه أعطى هذا الإنسان أن يرد السيئة بسيئة، حتى لا تتراكم الانفعالات وتزداد. لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] . حتى لا تبيت انفعالاتك عندك قهراً، ولكن من كان لديه قوة ضبط النزوع فعليه أن ينظر في قول الحق سبحانه: ﴿والكاظمين الغيظ﴾ [آل عمران: ١٣٤] . إذن: فإما أن ترد السيئة بعقاب مماثل لها، وإما أن تكظم غيظك، أي: لا تُترجم غيظك إلى عمل نزوعي، وإما أن ترتقي إلى الدرجة الأعلى وهي أن تعفو؛ لأن الله تعالى يحب من يحسن بالعفو.

стр. 7684

ولذلك حين سألوا الحسن البصري: كيف يُحسِن الإنسان إلى من أساء إليه؟ أجاب: إذا أساء إليك عبد، ألاَ يُغضب ذلك ربه منه؟ قالوا: نعم. قال: وحين يغضب الله من الذي أساء إليك؛ ألا يقف إلى جانبك؛ أفلا تحُسِن إلى من جعل الله يقف إلى جانبك؟ ولهذا السبب يُروى عن أحد الصالحين أنه سمع أن شخصاً اغتابه؛ فأهدى إليه مع خادمه طبقاً من بواكير الرطب، وتعجب الخادم متسائلاً: لماذا تهديه الرطب وقد اغتابك؟ قال العارف بالله: بَلِّغْهُ شكري وامتناني لأنه تصدَّق عليَّ بحسناته عندما اغتابني، وحسناته بلا شك أنفَسُ من هذا الرطب. ولذلك يقال: إن الذي يعفو أذكى فهماً ممن عاقب، لأن الذي يعاقب إنما يعاقب بقوته؛ والذي يعفو فهو الذي يترك العقاب لقوة الله تعالى، وهي قوة لا متناهية. وهكذا نفهم قول الحق سبحانه: ﴿وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] .

стр. 7685

أي: أخذٌ موجعٌ على قدر قوة الله سبحانه؛ وهو أخذ شديد؛ لأن الشدة تعني: جمع الشيء إلى الشيء بحيث يصعب انفكاكه؛ أو أن تجمع شيئين معاً وتقبضهما بحيث يصعب تحلل أي منهما عن الآخر. وهذه أقوى غاية القوة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخرة﴾

стр. 7686

من يخاف عذاب الآخرة، فإن هذه الآيات التي تخبر عن الذي حدث للأمم السابقة، إنما تلفته إلى ضرورة الإيمان بأن الله سبحانه يحاسب كل إنسان على الإيمان وعلى العمل. ومن يسمع لقصص الأقوام السابقة؛ ويعتبر بما جاء فيها؛ وينتفع بالخبرة التي جاءت منها؛ فهو صاحب بصيرة نافذة؛ فكل ما حدث للأقوام السابقة آيات ملفتة. ولذلك يقال: «إن لكل آية من مواليد؛ هي العبر بالآيات» ومن لا يؤمن فهو لن يعتبر؛ مصداقاً لقول الحق سبحانه:

стр. 7687

﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] . إذن: فقد شاء الحق سبحانه أن يلفتنا بالآيات لنعتبر بها ونكون من أولي الألباب؛ فلا ندخل في دائرة من لا يخافون العذاب؛ أولئك الذي يتلقّون العذاب خزياً في الدنيا وجحيماً في الآخرة؛ وعذاب الآخرة لا نهاية له؛ والفضيحة فيه أمام كل الخلق. لذلك قال الحق سبحانه: ﴿ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] . أي: أن الفضيحة في هذا اليوم تكون مشهودة من كل البشر؛ من لدن آدم إلى آخر البشر؛ لذلك تكون فضيحة مدوية أمام من يعرفهم الإنسان؛ وأمام من لا يعرفهم. وقول الحق سبحانه: ﴿ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس﴾ [هود: ١٠٣] . وكلمة «مجموع» تقتضي وجود «جامع» ؛ و «المجموع» يتناسب مع قدرة «الجامع» ؛ فما بالنا والجامع هو الحق الخالق لكل الخلق . ولا يجتمع الخلق يومها عن غفلة؛ بل يجتمعون وكلهم انتباه؛ فالحق سبحانه يقول:

стр. 7688

﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار﴾ [إبراهيم: ٤٢] . ويقول الحق سبحانه أيضاً: ﴿واقترب الوعد الحق فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الذين كَفَرُواْ﴾ [الأنبياء: ٩٧] . وهنا يقول سبحانه: ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] . أي: أن الخلق سيشهدون هذا الفضح المخزي لمن لم يعتبر بالآيات. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك في ميعاد هذا اليوم. ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ﴾

стр. 7689

وهكذا نعلم أن تأخر مجيء يوم القيامة؛ لا يعني أنه لن يأتي؛ بل سوف يأتي لا محالة ولكن لكل حدث ميعاد ميلاد، ولكم في تتابع مواليدكم ما يجعلكم تثقون بأن مواليد الأحداث إنما يحددها الله. وقول الحق سبحانه: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ﴾ [هود: ١٠٤] . يتطلب أن نعرف أن كلمة «الأجل» تطلق مرة على مدة عمر الكائن من لحظة ميلاده إلى لحظة نهايته.

стр. 7690

والحق سبحانه يقول: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨] . وتطلق كلمة «الأجل» مرة أخرى على لحظة النهاية وحدها، مصداقاً لقول الحق سبحانه: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] . ولنعرف جميعاً أن كل أجل وإن طال فهو معدود، وكل معدود قليل مهما بدا كثيراً؛ لذلك فَلْنقُلْ أن كل معدود قليل. ما دُمْنَا قادرين على إحصائه. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾

стр. 7691

وهنا جمع الحق سبحانه جماعة في حكم واحد، فقوله تعالى: ﴿لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ [هود: ١٠٥] . يعني: لا تتكلم أي نفس إلا بإذن الله، وقد كانوا يتكلمون في الحياة الدنيا بطلاقة القدرة التي منحهم أياها الله سبحانه حين أخضع لهم جوارحهم. وجعل الحق سبحانه الجوارح مؤتمرة بأمر الإنسان؛ وشاء سبحانه أن يجعل بعضاً من خلقه نماذج لقدرته على سلب بعض تلك الجوارح؛ فتجد الأخرس الذي لا يستطيع الكلام؛ وتجد المشلول الذي لا يستطيع الحركة؛ وتجد الأعمى الذي لا يبصر، وغير ذلك. . وبتلك النماذج يتعرف البشر على حقيقة واضحة هي أن ما يتمتعون به من سيطرة على جوارحهم هو أمر موهوب لهم من الله تعالى؛ وليست مسألة ذاتية فيهم. وقول الحق سبحانه: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥] . يبيِّن لنا سبحانه حقيقة تسخير الجوارح لطاعتنا في الدنيا، فهي ترضخ لإرادتنا؛ لأنه سبحانه شاء أن يسخرها لأوامرنا ولانفعالاتنا، ولا أحد فينا يتكلم إلا في إطار الإذن العام للإرادة أن تنفعل لها الجوارح. وقد يسلب الله سبحانه هذا الإذن فلا تنفعل الجوارح للإرادة، فتجد الحق سبحانه يقول في آية أخرى. ﴿لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَقَالَ صَوَاباً﴾ [النبأ: ٣٨] .

стр. 7692

ويقول الحق في آية أخرى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] . وهناك آية أخرى يقول فيها الحق سبحانه: ﴿هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥٣٦] . ويقول الحق سبحانه أيضاً: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١] . وفي موضع آخر يقول سبحانه: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] . وهكذا قد يُخيَّل للبعض أن هناك آيات تناقض بعضها؛ فهناك آيات تسمح بالكلام، وهناك آيات تنفي القدرة على الكلام. وأقول: يجب أن نفهم أن الكلام الذي سيعجز الأشقياء عن نطقه يوم القيامة هو الكلام المجدي النافع، وسيتكلم البعض كلام السفسطة الذي لا يفيد، مثل لومهم بعضهم البعض؛ وذكره لنا القرآن في قوله سبحانه: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا الذين أَضَلاَّنَا مِنَ الجن والإنس نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ [فصلت: ٢٩] .

стр. 7693

وهذا كلام لا يشفع لصاحبه ولا يجدي. إذن: فالممنوع هو الكلام المجدي المفيد، أو أن مقامات القيامة متفاوتة؛ فوقت يتكلمون فيه؛ ووقت يؤخذون فيه، فينبهرون ولا يتكلمون، ويأمر الحق سبحانه الجوارح المنفعلة أن تتكلم وتشهد عليهم. ويقسِّم الحق سبحانه أحوال الناس قسمين، كما في قوله تعالى في آخر الآية: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] . وجاء بالاسم المحدد لكل من القسمين: «شقي» و «سعيد» ؛ لأن الاسم يدل على الثبوت، فالشقاء ثابت لمن نُعت بالشقي؛ والسعادة ثابتة لمن نُعت بالسعيد. ثم يبيِّن لنا الحق سبحانه منازل مَنْ شَقُوا، ومنازل مَنْ سُعِدوا؛ ولذلك يعدل عن استخدام الاسم إلى استخدام الفعل، فيقول سبحانه: ﴿فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِي النار﴾

стр. 7694

والذين حكموا على أنفسهم بالشقاء لخروجهم عن منهج الله؛ يجمعهم الشقاء؛ لكنهم يدخلون النار أفراداً وزُمَراً. والحق سبحانه يقول: ﴿وَسِيقَ الذين كفروا إلى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ [الزمر: ٧١] . وفي آية أخرى يقول سبحانه: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨] . وهكذا نفهم أن الكافرين في الوصف الثابت أشقياء، لكنهم لحظة دخول النار إنما يدخلونها أفراداً؛ بل ويدخل معهم بعض من المسلمين العصاة، ويتلقى كل واحد منهم عقابه المناسب لما ارتكب من الذنوب والمعاصي؛ ويعاني كل منهم من شقاء يتناسب مع آثامه؛ وبذلك يجتمعون في الشقاء ويختلفون في نوع وكمية العذاب؛ كلٌّ حسب ذنوبه، ولا يظلم ربك أحداً. وجاء الحق سبحانه هنا بالفعل «شقوا» ليبيِّن لنا أنهم هم الذين اختاروا الشقاء؛ وأتوا به لأنفسهم؛ لأن الحق سبحانه خلق عباده وترك لكل منهم حق الاختيار؛ وأنزل لهم المنهج؛ ليصونوا أنفسهم؛ وأعان من اختار الإيمان على الطاعة. ثم يذكر الحق سبحانه في نفس الآية موقف مَنْ أدخلوا على أنفسهم الشقاء، فيقول عنهم:

стр. 7695

﴿فَفِي النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] .

стр. 7696

ونحن نعلم أن الذي يتنفس في النار سيخرج الهواء من صدره ساخناً مثلما يأخذ الشهيق ساخناً. ويواصل الحق وَصْفَ ما يتلقاه أهل الشقاء في النار، فيقول سبحانه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾

стр. 7697

وكلمة «الخلود» تفيد المكث طويلاً؛ مكوثاً له ابتداء ولا نهاية له؛ وإذا أبِّد فهو تأكيد للخلود. والذين شقوا إنما يدخلون النار؛ بدءاً من لحظة: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥] . وهو عذاب لا نهاية له بالنسبة للكافرين. وأما عذاب المسلم العاصي على ما ارتكب من آثام؛ فبدايته من لحظة انتهاء الحساب إلى أن تنتهي فترة عذابه المناسبة لمعاصيه؛ ويدخل الجنة من بعد ذلك.

стр. 7698

ولهذا قال الحق سبحانه: ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] . وهكذا ينقص الحق سبحانه الخلود في النار بالنسبة لأنصاف المؤمنين، فالحق سبحانه ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] ولا يحكمه أي شيء. وإياكم أن تظنوا أن قدر الله يحكمه؛ فالقدر فِعْلُه، ولا أحد يسأل الله سبحانه عمَّا يفعل؛ لأن ذات الله هي الفاعلة؛ فإن شاء سبحانه أن ينقص خلود مسلم عاصٍ في النار؛ فالنقص يكون في النهاية؛ وبذلك يتحقق أيضاً نقص خلوده في الجنة، لأنه لا يدخلها إلا بعد أن يستوفي عقابه. وبهذا التصور ينتهي الإشكال الذي اختلف حوله مائة وخمسون عالماً؛ فقد ظن بعضهم أن الحق سبحانه يغلق أبواب النار على من أدخلهم إياها، ويستمر ذلك إلى ما لا نهاية، وكذلك من دخل الجنة من البداية سيظل فيها أبداً، ولن يُلحق الله أصحاب الكبائر بالجنة، ومن قال بذلك الرأي إنما يُسوِّي بين من ارتكب الكبيرة وبين الكافر بالله، وهذا أمر غير متصور، وهو بعيد عن رحمة الله. وإذا كان هذا البعض من العلماء قد استدل على رأيه بالآية الكريمة التي جاءت في سورة الجن، والتي يقول فيها الحق سبحانه: ﴿إِلاَّ بَلاَغاً مِّنَ الله وَرِسَالاَتِهِ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ [الجن: ٢٣] . فنحن نقول: إن الحق سبحانه يربِّب لطفه للكافر حتى يؤمن، وللعاصي حتى يتوب، وهذا من رحمة الله سبحانه، فتأبيد الخلود في العذاب لم

стр. 7699

يرد إلا في آيتين، وهذا دليل على عظيم رحمة الله وسِعَة عفوه سبحانه. ولذلك قيل عن رسول الله ﷺ َ إنه رحمة الله للعالمين؛ وكلمة «العالمين» جمع «عالَم» والعالَم هو ما سِوى الله تعالى. ولذلك هناك رحمة للكافر؛ هي عطاء الله له في الدنيا. وهكذا نعلم أن الله سبحانه هو الذي يملك نواميس الكون، ولم يتركها تفعل وحدها، بل يزاول سبحانه سلطانه عليها، وما دام القدر هو فعله سبحانه؛ فهو يغيِّر فيه كما يشاء. فهو سبحانه رب الزمان والمكان والحركة، وما دام هو رب كل شيء فإنه فعال لما يريد، وهنا تخضع أبدية الزمان لمراده ومشيئته. وقول الحق سبحانه: ﴿مَا دَامَتِ السموات والأرض﴾ [هود: ١٠٧] . نفهم منه أن الجنة أو النار لا بد أن يوجد لهما ما يعلوهما ويظللهما، ولا بد أن يوجدا فوق أرض ما. وإذا قال قائل: إن الحق سبحانه قد ذكر في القرآن أن السماء سوف تمور وتنفطر.

стр. 7700

نقول رداً عليه: لا تأخذ آية في القرآن إلا بضميمة مثيلاتها. ولذلك قال الحق سبحانه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسموات﴾ [إبراهيم: ٤٨] . والحق سبحانه يورث أرض الجنة لمن يشاء؛ لأنه سبحانه هو القائل على لسان المؤمنين يوم القيامة: ﴿وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَآءُ﴾ [الزمر: ٧٤] . أو لأن الإنسان له أغيار، وما حوله له أغيار. ومن العجيب أن الإنسان المخدوم بالمادة الجامدة؛ وبالنبات النامي؛ وبالحيوان الذي يحس ويتحرك؛ هذا الإنسان قد يكون أطول عمراً من بعض المخلوقات المسخَّرة لخدمته؛ لكنه أقل عمراً من الشمس ومن القمر.

стр. 7701

لكن الحق سبحانه هنا يصور عمر الإنسان في الآخرة؛ فكأنه سبحانه يعطي الأمد على أطول ما عرفنا من الأعمار؛ ولذلك قال سبحانه: ﴿مَا دَامَتِ السموات والأرض﴾ [هود: ١٠٧] . وإذا علَّق الله سبحانه شيئاً على شيء، فلا بد أن يوجد هذا التعليق. والحق سبحانه يتكلم عن أهل النار من الكفار، فيقول تعالى: ﴿وَلاَ يَدْخُلُونَ الجنة حتى يَلِجَ الجمل فِي سَمِّ الخياط﴾ [الأعراف: ٤٠] . فهل سيلج الجمل في سَمِّ الخِياط؟ إن ذلك محال. ولذلك أقول: فلنأخذ التعليقات في نطاق أنه سبحانه: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] . وقد جاء في الكتاب قول سيدنا عيسى ﵇: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨] . فكان مقتضى السياق أن يقول سبحانه: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم. وهذه نظرة سطحية لمدلولات القرآن، بعقول البشر، أما ببلاغة

стр. 7702

الحق سبحانه فيكون الأمر مخالفاً، فأمر التعذيب أو الغفران موكول لله سبحانه بيده وحده، وليس لأحد أن يسأله لِمَ فعل هذا؟ ولِمَ ترك هذا؟ لذلك كان هذا هو معنى العزة؛ ولذلك كان سبحانه عزيزاً، وهو سبحانه أيضاً حكيم في أي أمر يحكم فيه سواء أكان بالتعذيب أو المغفرة. لذلك جاء سبحانه بالخاتمة التي تثبت للحق سبحانه التعذيب أو المغفرة. ففي تعذيب الكافرين قال سبحانه: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] . وفي الكلام عن الطائعين الذين أدخلوا الجنة قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ فَفِي الجنة﴾

стр. 7703

فالحق سبحانه يعطي المؤمنين ما شاء، ويؤكد خلودهم في الجنة، وعطاؤه لهم لا مقطوع ولا ممنوع. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هؤلاء﴾

стр. 7704

فهل كان الرسول ﷺ َ في مرية؟ هل كان الرسول ﷺ َ في شك؟ لا، ولكنه قول الآمر الأعلى سبحانه للأدنى، ورسول الله ﷺ َ في صدد هذا الأمر؛ وبذلك ينصرف أمر الحق سبحانه إلى الدوام. مثلما قال الحق سبحانه للنبي ﷺ َ: ﴿أَقِمِ الصلاة﴾ [الإسراء: ٧٨] . وكان الرسول ﷺ َ يقيم الصلاة قبلها، ولكن قول الحق سبحانه هنا إنما يمثل بداية التشريع. ومثل هذا أيضاً قول الحق سبحانه في خطاب النبي ﷺ َ: ﴿ياأيها النبي اتق الله وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين﴾ [الأحزاب: ١] . فهل كان رسول الله ﷺ َ لا يتقي الله؟ نقول: لا، إنما هو لإدامة التقوى، فإنه إذا أمر الأعلى الأدنى بأمر هو بصدد فعله، انصرف هذا الأمر إلى الدوام، واتباع أمته للتقوى والإعراض عن النفاق والكفر، وهو خطاب للرسول وأمته، فللرسول الدوام والترقي والحصانة، ولأمته الاتباع لمنهج الله. ومثل هذا قوله تعالى: ﴿يَآأَيُّهَا الذين آمَنُواْ﴾ [البقرة: ١٥٣] . وهو سبحانه يناديهم بالإيمان؛ لأنهم اعتقدوا اعتقاد الالوهية الواحدة، ومن يسمع منهم هذا الخطاب عليه أن يداوم على الإيمان.

стр. 7705

وما دام قد آمن بالإله الواحد قبل الخطاب، فقد استحق أن ينال التكريم من الحق سبحانه بأن يخاطبه ويصفه بأنه من المؤمنين، فإذا نُودِي عليهم بهذه الصفة فهي علامة السمو المقبول. وإذا طُلبت الصفة ممن توجد الصفة فيه، فاعلم أنه سبحانه يطلب دوام الصفة فيه واستمرارها، وفي الاستمرارية ارتقاء. وقول الحق سبحانه هنا: ﴿مِّمَّا يَعْبُدُ هؤلاء﴾ [هود: ١٠٩] . نجد أن التحقيق لا يثبت لهم عبادة؛ لأن معنى العبادة ائتمار عابدٍ بأمر معبود. وهؤلاء إنما يعبدون الأصنام، وليس للأصنام منهج يسير عليه من آمنوا بها. ولكن الحق سبحانه أثبت لهم هنا أنهم عبدوا الأصنام، وهم قد قالوا من قبل: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى﴾ [الزمر: ٣] .
следующие страницы →