← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.

стр. 7841

وهذا سؤال لأهل الذكر، مثلما نستدعي مهندساً ليصمم لنا بيتاً حين نشرع في بناء بيت، بعد أن نمتلك الإمكانات اللازمة لذلك. وهكذا نرى أن علوم الحياة وحركتها أوسع من أن يتسع لها رأس؛ ولذلك وزَّع الله أسباب فضله على عباده، ليتكاملوا تكاملَ الاحتياج، لا تكامل التفضُّل، ويصير كل منهم مُلْتحماً بالآخرين غَصبْاً عنه. وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً ... ﴾ .

стр. 7842

وبالنسبة للقرآن نجد الحق سبحانه يقول: ﴿نَزَلَ بِهِ الروح الأمين﴾ [الشعراء: ١٩٣] . فنسب النزول مرة لجبريل كحامل للقرآن ليبلغ به رسول الله ﷺ َ. ومرة يقول: ﴿نُزِّلَ ... ﴾ [محمد: ٢] ، والنزول في هذه الحالة منسوب لله وجبريل والملائكة. أما قول الحق سبحانه: ﴿أُنْزِلَ ... ﴾ [البقرة: ٩١] ، فهو القول الذي يعني أن القرآن قد تعدى كونه مَكْنوناً في اللوح المحفوظ ليباشر مهمته في الوجود ببعث رسول الله صلى الله ﷺ َ.

стр. 7843

هذا هو معنى الإنزال للقرآن جملةً واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزل من بعد ذلك نجوماً متفرقة؛ ليعالج كل المسائل التي تعرَّض لها المسلمون. وهكذا يؤول الأمر إلى أن القرآن نزل أو نزل به الروح الأمين. والحق سبحانه يقول: ﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ. .﴾ [الإسراء: ١٠٥] أي: أن الحق سبحانه أنزله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم أنزله مفرقاً ليعالج الأحداث ويباشر مهمته في الوجود الواقعي.

стр. 7844

وفي هذه الآية يقول سبحانه: ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً ... ﴾ [يوسف: ٢] . وفي الآية السابقة قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الكتاب ... ﴾ [يوسف: ١] . فمرَّة يَصِفه بأنه قرآن بمعنى المقروء، ومرَّة يَصِفه بأنه كتاب؛ لأنه مسطور، وهذه من معجزات التسمية. ونحن نعلم أن القرآن حين جُمِع ليكتب؛ كان كاتب القرآن لا يكتب إلا ما يجده مكتوباً، ويشهد عليه اثنان من الحافظين. ونحن نعلم أن الصدور قد تختلف بالأهواء، أما السطور فمُثْبتة لا لَبْسَ فيها. وهو قرآن عربي؛ لأن الرسول ﷺ َ سيجاهر بالدعوة في أمة عربية، وكان لابد من وجود معجزة تدل على صدق بلاغه عن الله، وأن تكون

стр. 7845

مِمَّا نبغ فيه العرب؛ لأن المعجزة مشروطة بالتحدي، ولا يمكن أن يتحداهم في أمر لا ريادة لهم فيه ولا لهم به صلة؛ حتى لا يقولن أحد: نحن لم نتعلم هذا؛ ولو تعلمناه لجئنا بأفضل منه. وكان العرب أهل بيان وأدب ونبوغ في الفصاحة والشعر، وكانوا يجتمعون في الأسواق، وتتفاخر كل قبيلة بشعرائها وخطبائها المُفوَّهين، وكانت المباريات الآدائية تُقَام، وكانت التحديات تجرى في هذا المجال، ويُنصَب لها الحكام. أي: أن الدُّرْبَة على اللغة كانت صناعة متواترة ومتواردة، محكوم عليها من الناس في الأسواق، فهم أمة بيان وبلاغة وفصاحة. لذلك شاء الحق سبحانه أن يكون القرآن معجزة من جنس ما نبغ فيه العرب، وهم أول قوم نزل فيهم القرآن، وحين يؤمن

стр. 7846

هؤلاء لن يكون التحدي بفصاحة الألفاظ ونسق الكلام، بل بالمبادىء التي تطغى على مبادىء الفرس والروم. وهي مبادىء قد نزلت في أمة مبتدِّية ليس لها قانون يجمعها، ولا وطن يضمهم يكون الولاء له، بل كل قبيلة لها قانون، وكلهم بَدْو يرحلون من مكان إلى مكان. وحين نزل فيهم القرآن عَلِم أهل فارس والروم أن تلك الأمة المُبتدِّية قد امتلكتْ ما يبني حضَارة ليس لها مثل من قَبْل، رغم أن النبي أمِيٌّ وأن الأمة التي نزل فيها القرآن كانت أمية. وفارس والروم يعلمون أن الرسول الذي نزل في تلك الأمة تحدَّاهم بما نبغُوا فيه، وما استطاع واحد منهم أن يقوم أمام التحدي، ومن هنا شعروا أنهم أمام تحد حضاري من نوع آخر لم يعرفوه. ويشاء الحق سبحانه أن ينزل القرآن عربياً؛ لأن الحق لم يكن ليرسل رسولاً إلا بلسان قومه، فهو القائل: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ... ﴾ [إبراهيم: ٤] .

стр. 7847

وأُرسِلَ محمد ﷺ َ بالقرآن، الذي تميَّز عن سائر كتب الرسل الذين سبقوه؛ بأنه كتاب ومعجزة في آنٍ واحد، بينما كانت معجزات الرسل السابقين عليه ﷺ َ مُنْفصلةً عن كُتب الأحكام التي أُنزِلَتْ إليهم. ويظلُّ القرآن معجزة تحمل منهجاً إلى أنْ تقومَ الساعة، ومادام قد آمنَ به الأوائل وانساحوا في العالم، فتحقق بذلك ما وعد به الله أن يكون هذا الكتابُ شاملاً، يجذب كل مَنْ لم يؤمن به إلى الانبهار بما فيه من أحكام. ولذلك حين يبحثون عن أسباب انتشار الإسلام في تلك المدة الوجيزة، يجدون أن الإسلام قد انتشر لا بقوة مَنْ آمنوا به؛ بل بقوة مَنْ انجذبوا إليه مَشْدُوهِين بما فيه من نُظُمٍ تُخلِّصهم من متاعبهم. ففي القرآن قوانين تُسعِد الإنسانَ حقاً، وفيه من الاستنباءات بما سوف يحدث في الكون؛ ما يجعل المؤمنين به يذكرون بالخشوع أن الكتاب الذي أنزله الله على رسولهم لم يفرط في شيء. وإذا قال قائل من المستشرقين: كيف تقولون: إن القرآن قد نزل

стр. 7848

بلسان عربي مبين؛ رغم وجود ألفاظ أجنبية مثل كلمة «آمين» التي تُؤمِّنُون بها على دعاء الإمام؛ كما توجد ألفاظ رومية، وأخرى فارسية؟ وهؤلاء المستشرقون لم يلتفتوا إلى أن العربي استقبل ألفاظاً مختلفة من أمم متعددة نتيجة اختلاطه بتلك الأمم، ثم دارتْ هذه الألفاظ على لسانه، وصارت تلك الألفاظ عربية، ونحن في عصورنا الحديثة نقوم بتعريب الألفاظ، وندخل في لغتنا أيَّ لفظ نستعمله

стр. 7849

ويدور على ألسنتنا، ما دُمْنا نفهم المقصود به. ويُذيِّل الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] . ليستنهض همة العقل، ليفكر في الأمر، والمُنْصف بالحق يُهِمه أن يستقبل الناس ما يعرضه عليهم بالعقل، عكس المدلس الذي يهمه أن يستر العقل جانباً؛ لينفُذَ من وراء العقل. وفي حياتنا اليومية حين ينبهك التاجر لسلعة ما، ويستعرض معك مَتَانتها ومحاسنها؛ فهو يفعل ذلك كدليل على أنه واثق من جودة بضاعته. أما لو كانت الصَّنْعة غير جيدة، فهو لن يدعوك للتفكير بعقلك؛ لأنك حين تتدبر بعقلكَ الأمر تكتشف المُدلس وغير المُدلس؛ لذلك فهو يدلس عليك، ويُعمِّي عليك، ولا يدع لك فرصة للتفكير.

стр. 7850

ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ ... ﴾ .

стр. 7851

حين يتحدث الحق سبحانه عن فعل من أفعاله؛ ويأتي بضمير الجمع؛ فسبب ذلك أن كل فعل من أفعاله يتطلب وجودَ صفات متعددة؛ يتطلب: علماً؛ حكمة؛ قدرة؛ إمكانات. ومَنْ غيره سبحانه له كل الصفات التي تفعل ما تشاء وقْتَ أن تشاء؟ لا أحد سواه قادر على ذلك؛ لأنه سبحانه وحده صاحب الصفات التي تقوم بكل مطلوب في الحياة ومُقدَّر. لكن حين يتكلم سبحانه عن الذات؛ فهو يؤكد التوحيد فلا تأتي بصيغة الجمع، يقول تعالى: ﴿إنني أَنَا الله لا إله إلا أَنَاْ فاعبدني

стр. 7852

وَأَقِمِ الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤] . وهنا يتكلم سبحانه بأسلوب يعبر عن أفعال لا يَقْدر عليها غيره؛ بالدقة التي شاءها هو سبحانه فيقول: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص ... ﴾ [يوسف: ٣] . وحدد سبحانه أنه هو الذي يقصُّ، وإذا وُجِد فعل لله؛ فنحن نأخذ الفعل بذاته وخصوصه؛ ولا نحاول أن نشتق منه اسماً نطلقه على الله؛ إلا إذا كان الفعل له صفة من صفاته التي عَلِمْناها في أسمائه الحسنى؛ لأنه الذات الأقدس. وفي كل ما يتعلق به ذاتاً وصفاتٍ وأفعالاً إنما نلتزم الأدب؛ لأننا لا نعرف شيئا عن ذات الله إلا ما أخبرنا الله عن نفسه، لذلك لا يصح أن نقول عن الله أنه قصَّاص، بل نأخذ الفعل كما أخبرنا به، ولا نشتق منه اسماً لله؛ لأنه لم يصف نفسه في أسمائه الحسنى بذلك.

стр. 7853

والواجب أن ما أطلقه سبحانه اسماً نأخذه اسماً، وما أطلقه فعلاً نأخذه فعلاً. وهنا يقول سبحانه: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص ... .﴾ [يوسف: ٣] . ونعلم أن كلمة «قص» تعني الإتباع، وقال بعض العلماء: إن القصة تُسمَّى كذلك لأن كل كلمة تتبع كلمة، ومأخوذة من قَصَّ الأثر، وهو تتبع أثر السائر على الأرض، حتى يعرف الإنسان مصير مَنْ يتتبعه ولا ينحرف بعيداً عن الاتجاه الذي سار فيه مَنْ يبحث عنه. واقرأ قول الحق سبحانه: ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١] . و ﴿قُصِّيهِ ... ﴾ [القصص: ١١] أي: تتبعي أثره. إذن: فالقَصُّ ليس هو الكلمة التي تتبع كلمة، إنما القَصُّ هو تتبُّع ما حدث بالفعل.

стр. 7854

ويعطينا الحق سبحانه مثلاً من قصة موسى ﵇ مع فتاه: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصخرة فَإِنِّي نَسِيتُ الحوت وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ واتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر عَجَباً قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فارتدا على آثَارِهِمَا قَصَصاً﴾ [الكهف: ٦٣٦٤] ، أي: تَابَعا الخطوات. وهكذا نعلم أن القص هو تتبُّع ما حدث بالفعل، فتكون كل كلمة مُصوِّرة لواقع، لا لَبْسَ فيه أو خيال؛ ولا تزيُّد، وليس كما يحدث

стр. 7855

في القصص الفنيِّ الحديث؛ حيث يضيف القصَّاص لقطاتِ خيالية من أجل الحَبْكة الفنية والإثارة وجَذْب الانتباه. أما قصص القرآن فوضْعُه مختلف تماماً، فكلُّ قَصص القرآن إنما يتتبع ما حدث فعلاً؛ لنأخذ منها العبرة؛ لأن القصة نوع من التاريخ. والقصة في القرآن مرةً تكون للحدث، ومرَّة تكون لتثبيت فؤاد الرسول ﷺ َ، فلم تَأْتِ قصة رسول في القرآن كاملة، إلا قصة يوسف ﵇. أما بقية الرسل فقَصَصهم جاءت لقطات في مناسبات لتثبيت فؤاد الرسول محمد ﷺ َ، فتأتي لقطة من حياة رسول، ولقطة من حياة رسول آخر، وهكذا. ولا يقولن أحد: إن القرآن لم يستطع أن يأتي بقصة كاملة

стр. 7856

مستوفية؛ فقد شاء الحق سبحانه أن يأتي بقصة يوسف من أولها إلى آخرها، مُسْتوفية، ففيها الحدث الذي دارتْ حوله أشخاصٌ، وفيها شخصٌ دارتْ حوله الأحداث. فقصة يوسف ﵇ في القرآن لا تتميز بالحَبْكة فقط؛ بل جمعتْ نَوعَيْ القصة، بالحدث الذي تدور حوله الشخصيات، وبالشخص الذي تدور حوله الأحداث. جاءتْ قصة يوسف بيوسف، وما مَرَّ عليه من أحداث؛ بَدْءً من الرُّؤيا، ومروراً بحقد الأخوة وكيدهم، ثم محاولة الغواية له من امرأة العزيز، ثم السجن، ثم القدرة على تأويل الأحلام، ثم تولَّي السلطة، ولقاء الأخوة والإحسان إليهم، وأخيراً لقاء الأب من جديد. إذن: فقول الحق سبحانه: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص ... ﴾ [يوسف: ٣] . يبيّن لنا أن الحُسْن أتى لها من أن الكتب السابقة تحدثت عن قصة يوسف، لكن أحبار اليهود حين قرأوا القصة كما جاءتْ بالقرآن ترك

стр. 7857

بعضهم كتابه، واعتمد على القرآن في روايتها، فالقصة أحداثها واحدة، إلا صياغة الأداء؛ وتلمُّسات المواجيد النفسية؛ وإبراز المواقف المطْويَّة في النفس البشرية؛ وتحقيق الرُّؤى الغيبية كُلُّ ذلك جاء في حَبْكة ذات أداء بياني مُعْجز جعلها أحسنَ القَصَص. أو: هي أحسن القصص بما اشتملتْ عليه من عِبَر متعددة، عِبَر في الطفولة في مواجهة الشيخوخة، والحقد الحاسد بين الأخوة، والتمرد، وإلقائه في الجبِّ والكيد له، ووضعه سجيناً بظلم، وموقف يوسف ﵇ من الافتراء الكاذب، والاعتزاز بالحق حتى تمَّ له النصر والتمكين. وكيف ألقى الله على يوسف ﵇ محبَّة منه؛ ليجعل كل مَنْ يلتقي به يحب خدمته. وكيف صانَ يوسف إرثَ النبوة، بما فيها من سماحة وقدرة على العفو عند المقدرة؛ فعفَا عن إخوته بما روتْه السورة: ﴿قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين﴾ [يوسف: ٩٢] . وقالها سيد البشر محمد ﷺ َ لأهله يوم فتح مكة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» .

стр. 7858

وهكذا تمتليء سورة يوسف بِعِبَر متناهية، يتجلَّى بعضٌ منها في قضية دخوله السجنَ مظلوماً، ثم يأتيه العفو والحكم؛ لذلك فهي أحسنُ القَصص؛ إما لأنها جمعتْ حادثة ومَنْ دار حولها من أشخاص، أو جاء بالشخص وما دار حوله من أحداث. أو: أنها أحسنُ القصص في أنها أدّتْ المُتَّحد والمتفق عليه في كل الكتب السابقة، وجاء على لسان محمد الأمي، الذي لا خبرة له بتلك الكتب؛ لكن جاء عَرْضُ الموضوع بأسلوب جذَّاب مُسْتمِيل مُقْنع مُمْتع. أو: أنها أحسن القصص؛ لأن سورة يوسف هي السورة التي شملت لقطاتٍ متعددةٍ تساير: العمر الزمني؛ والعمر العقلي؛ والعمر العاطفي للإنسان في كل أطواره؛ ضعيفاً؛ مغلوباً على أمره؛ وقوياً مسيطراً، مُمكَّناً من كل شيء. بينما نجد أنباء الرسل السابقين جاءت كلقطات مُوزَّعة كآيات ضمن سُور أخرى؛ وكل آية جاءت في موقعها المناسب لها. إذن: فالحُسْن البالغ قد جاء من أسلوب القرآن المعجز الذي لا يستطيع واحد من البشر أن يأتي بمثله. يقول الحق سبحانه: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هذا القرآن وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين﴾ [يوسف: ٣] . والمقصود بالغفلة هنا أنه ﷺ َ كان أُمِّياً، ولم يعرف عنه أحدٌ قبل

стр. 7859

نزول القرآن أنه خطيب أو شاعر، وكل ما عُرِف عنه فقط هو الصفات الخُلقية العالية من صدق وأمانة؛ وهي صفات مطلوبة في المُبلّغ عن الله؛ فما دام لم يكذب من قبل على بشر فكيف يكذب وهو يُبلِّغ عن السماء رسالتها لأهل الأرض؟ إن الكذب أمر مُسْتبعد تماماً في رسول الله ﷺ َ قبل البعثة وبعدها. والمثال على تصديق الغير لرسول الله هو تصديق أبي بكر ﵁ له حين أبلغه رسول الله ﷺ َ أن الوحي قد نزل عليه، لم يَقُلْ له أكثر من أنه رسول من عند الله، فقال أبو بكر ﵁: صدقْتَ. وحين حدثتْ رحلة الإسراء؛ وكذَّبها البعض متسائلين: كيف نضرب إليها أكباد الإبل شهراً ويقول محمد إنه قطعها في ليلة؟ فسألهم أبو بكر: أقال ذلك؟ قالوا: نعم. فقال أبو بكر: ما دام قد قال فقد صدق.

стр. 7860

وهكذا نجد أن حيثية الصِّدْق قبل الرسالة هي التي دَلَّتْ على صدقه حين أبلغ بما نزل عليه من وحي. مثال ذلك: تصديق خديجة ﵂ وأرضاها له؛ حين أبلغها بنزول الوحي، فقالت له: «والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتَصِلُ الرَّحِم، وتحمل الكَلَّ، وتُكسِب المَعْدُوم، وتَقْري الضَّيف، وتعين على نوائب الحق» . وكان في صدق بصيرتها، وعميق حساسية فطرتها أسبابٌ تؤيد تصديقها له ﷺ َ في نبوته. وحين وقعت بعض الأمور التي لا تتفق مع منطق المقدمات والنتائج، والأسباب والمسببات؛ كانت بعض العقول المعاصرة

стр. 7861

لرسول الله تقف متسائلة: كيف؟ فيوضح لهم أبو بكر: «انتبهوا إنه رسول الله» . مثال هذا: ما حدث في صلح الحديبية، حين يقول عمر بن الخطاب ﵁ متسائلاً ويكاد أن يكون رافضاً لشروط هذا الصلح: ألسْنا على الحق؟ عَلام نعطي الدَّنية في ديننا؟ ويرد عليه أبو بكر ﵁: استمسك بِغَرْزِه يا عمر، إنه رسول الله. أي: انتبه واعلم أنك تتكلم مع رسول الله ﷺ َ، وليس في ذلك انصياعٌ أعمى؛ بل هي طاعة عن بصيرة مؤمنة. والحق سبحانه يقول هنا: ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين﴾ [يوسف: ٣] . والغافل: هو الذي لا يعلم لا عن جهل، أو قصور عقل ولكن لأن ما غفل عنه هو أمر لا يشغل باله.

стр. 7862

أو: أن يكون المقصود بقوله: ﴿لَمِنَ الغافلين﴾ [يوسف: ٣] . أي: أنك يا محمد لم تكن ممَّنْ يعرفون قصة يوسف؛ لأنك لم تتعلم القراءة فتقرأها من كتاب، ولم تجلس إلى مُعلِّم يروي لك تلك القصة، ولم تجمع بعضاً من أطراف القصة من هنا أو هناك. بل أنت لم تَتَلقَّ الوحي بها إلا بعد أن قال بعض من أهل الكتاب لبعض من أهل مكة: اسألوه عن أبناء يعقوب وأخوة يوسف؛ لماذا خرجوا من الشام وذهبوا إلى مصر؟ وكان ضَرْباً من الإعجاز أن ينزل إليك يا رسول الله هذا البيان العالي بكل تفاصيل القصة، كدليل عمليٍّ على أن مُعلِّم محمدٍ ﷺ َ هو الله، وأنه سبحانه هو مَنْ أَوحى بها إليه. والوَحْي كما نعلم هو الإعلام بخفاء، وسبحانه يوحي للملائكة فيقول: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الملائكة أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ ... ﴾ [الأنفال: ١٢] .

стр. 7863

وسبحانه يوحي إلى مَنْ يصطفي من البشر إلى صفوتهم؛ مصداقاً لقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قالوا آمَنَّا واشهد بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] . ويقذف الحق سبحانه بالإلهام وحياً لا يستطيع الإنسان دَفْعاً له، مثل الوحي لأم موسى بأن تلقي طفلها الرضيع موسى في اليَمِّ: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إلى أُمِّكَ مَا يوحى أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ على عيني﴾ [طه: ٣٨ - ٣٩] . ويوحي سبحانه إلى الأرض وهي الجماد، مثل قوله الحق: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] .

стр. 7864

وأوحى سبحانه إلى النحل، فقال الحق: ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثمرات فاسلكي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً﴾ [النحل: ٦٨ - ٦٩] . والحق سبحانه يوحي لمن شاء بما شاء، فالكل؛ جماد ونبات وحيوان وإنسان؛ من خَلْقه، وهو سبحانه يخاطبهم بِسِرِّ خلقه لهم، واختلاف وسائل استيعابهم لذلك. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ ... ﴾ .

стр. 7865

وهكذا تبدأ قصة يوسف، حين يقول لأبيه يعقوب ﵉ «يا أبت» ، وأصل الكلمة «يا أبي» ، ونجد في اللغة العربية كلمات «أبي» و «أبتِ» و «أبتَاهُ» و «أَبَة» وكلها تؤدي معنى الأبوة، وإن كان لكل منها مَلْحظ لغوي. ويستمر يوسف في قوله: ﴿ياأبت إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] . وكلنا رأينا الشمس والقمر؛ كُلٌّ في وقت ظهوره؛ لكن حلُم يوسف يُبيِّن أنه رآهما معاً، وكلنا رأينا الكواكب متناثرة في السماء آلافاً لا حَصْرَ لها، فكيف يرى يوسف أحد عشر كوكباً فقط؟ لا بُدَّ أنهم اتصفوا بصفات خاصة ميَّزتهم عن غيرهم من الكواكب الأخرى؛ وأنه قام بعدِّهِم. ورؤيا يوسف ﵇ تبيِّن أنه رآهم شمساً وقمراً وأحد عشر كوكباً؛ ثم رآهم بعد ذلك ساجدين. وهذا يعني أنه رآهم أولاً بصفاتهم التي نرى بها الشمس والقمر والنجوم بدون سجود؛ ثم رآهم وهم ساجدون له؛ بملامح الخضوع لأمر من الله، ولذلك تكررت كلمة «رأيت» وهو ليس تكراراً، بل لإيضاح الأمر. ونجد أن كلمة: ﴿سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] وهي جمع مذكر سالم؛ ولا يُجمع جَمْع المذكر السالم إلا إذا كان

стр. 7866

المفرد عاقلاً، والعقل يتميز بقدرة الاختيار بين البدائل؛ والعاقل المؤمن هو مَنْ يجعل اختياراته في الدنيا في إطار منهج الدين، وأسْمَى ما في الخضوع للدين هو السجود لله. ومَنْ سجدوا ليوسف إنما سجدوا بأمر من الله، فَهُم إذن يعقلون أمر الحق . مثلهم في ذلك مَثَلْ ما جاء في قول الحق سبحانه: ﴿إِذَا السمآء انشقت وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١ - ٢] هذه السماء تعقل أمر ربها الذي بناها. وقال عنها أنها بلا فُرُوجٍ:

стр. 7867

﴿أَفَلَمْ ينظروا إِلَى السمآء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] وهي أيضاً تسمع أمر ربها، مصداقاً لقوله سبحانه: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢] . أي: أنها امتلكت حاسة السمع؛ لأن «أذنت» من الأذن؛ وكأنها بمجرد سماعها لأمر الله؛ تنفعل وتنشق. وهكذا نجد أن كل عَالَم من عوالم الكون أُمَم مثل أمة البشر، ويتفاهم الإنسان مع غيره من البشر ممَّن يشتركون معه في اللغة، وقد يتفاهم مع البشر أمثاله ممن لا يعرف لغتهم بالإشارة، أو من خلال مُترجم، أو من خلال تعلُّم اللغة نفسها. ولكن الإنسان لا يفهم لغة الجماد، أو لغة النبات، أو لغة الحيوان؛ إلا إذا أنعم الله على عبد بأن يفهم عن الجماد، أو أن يفهم الجماد عنه. والمثل: هو تسبيح الجبال مع داود، ويُشكِّل تسبيحه مع تسبيحها «جُوقة» من الانسجام مُكَوَّن من إنسان مُسبِّح؛ هو أعلى الكائنات، والمُردِّد للتسبيح هي الجبال، وهي من الجماد أدنى الكائنات.

стр. 7868

ونحن نعلم أن كل الكائنات تُسبِّح، لكننا لا نفقه تسبيحها، ولكن الحق سبحانه يختار من عباده مَنْ يُعلِّمه مَنْطِق الكائنات الأخرى، مثلما قال سبحانه عن سليمان: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ ياأيها الناس عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطير. .﴾ [النمل: ١٦] وهكذا عَلِمْنا أن للطير منطقاً. وعلَّم الحقُّ سبحانه سليمان لغة النمل؛ لأننا نقرأ قول الحق: ﴿حتى إِذَآ أَتَوْا على وَادِ النمل قَالَتْ نَمْلَةٌ ياأيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أوزعني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعلى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصالحين﴾ [النمل: ١٨ - ١٩] . إذن: فلكُلِّ أُمَّة من الكائنات لغة، وهي تفهم عن خالقها، أو مَنْ أراد له الله أن يفهم عنها، وبهذا نعلم أن الشمس والقمر والنجوم حين سجدتْ بأمر ربها ليوسف في رؤياه؛ إنما فهمتْ عن أمر ربها.

стр. 7869

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿قَالَ يابني ... ﴾ .

стр. 7870

وحين يُورِد القرآن خطاب أب لابن لا نجد قوله ﴿يابني﴾ وهو خطابُ تحنينٍ، ويدل على القرب من القلب، و «بُني» تصغير «ابن» . أما حين يأتي القرآن بحديث أب عن ابنه فهو يقول «ابني» مثل قول الحق سبحانه عن نوح يتحدث عن ابنه الذي اختار الكفر على الإيمان: ﴿إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي ... ﴾ [هود: ٤ ٥] . وكلمة «يا بني» بما فيها من حنان وعطف؛ ستفيدنا كثيراً فيما سوف يأتي من مواقف يوسف؛ ومواقف أبيه منه. وقول يعقوب ليوسف «يا بني» يُفْهم منه أن يوسف ﵇ ما زال صغيراً، فيعقوب هو الأصل، ويوسف هو الفرع، والأصل دائماً يمتلئ بالحنان على الفرع، وفي نفس الوقت نجد أيَّ أب يقول: مَنْ يأكل لقمتي عليه أن يسمع كلمتي.

стр. 7871

وقول الأب: يا بني، يفهم منه أن الابن ما زال صغيراً، ليست له ذاتية منفصلة عن الأب ليقرر بها ما هو المناسب، وما هو غير المناسب. وحين يفزع يوسف مما يُزعِجه أو يُسيء إليه؛ أو أي أمر مُعْضَل؛ فهو يلجأ إلى مَنْ يحبه؛ وهو الأب؛ لأن الأب هو الأقدر في نظر الابن - على مواجهة الأمور الصعبة. وحين روى يوسف ﵇ الرؤيا لأبيه؛ قال يعقوب ﵇: ﴿قَالَ يابني لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ على إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف: ٥] . ونفهم من كلمة «رؤيا» أنها رؤيا منامية؛ لأن الشمس والقمر والنجوم لا يسجدون لأحد، وهذا ما يوضح لنا دقة اللغة العربية، فكلمة واحدة هي «رأى» قد يختلف المعنى لها باختلاف ما رُؤيَ؛ فرؤيتك وأنت يقظانُ يُقال عنها «رؤية» ؛ ورؤيتك وأنت نائم يُقال عنها «رؤيا» . والرؤية مصدر مُتفق عليه من الجميع: فأنت ترى ما يراه غيرك؛ وأما «الرؤيا» فهي تأتي للنائم. وهكذا نجد الالتقاء في «رأى» والاختلاف في الحالة؛ هل هي حالة النوم أو حالة اليقظة. وفي الإعراب كلاهما مؤنث؛ لأن علامة التأنيث إما: «

стр. 7872

تاء» ، أو «ألف ممدودة» ، أو «ألف مقصورة» . وأخذت الرؤية الحقيقية التي تحدث في اليقظة «التاء» وهي عمدة التأنيث؛ أما الرؤيا المنامية فقد أخذت ألف التأنيث. ولا يقدح في كلمة «رؤيا» أنها منامية إلا آية واحدة في القرآن حيث تحدث الحق سبحانه عن لحظة أن عُرِجَ به ﷺ َ؛ فقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرؤيا التي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] . ولكن من يقولون: «إنها رؤيا منامية» لم يفقهوا المعنى وراء هذا القول؛ فالمعنى هو: إن ما حدث شيء عجيب لا يحدث إلا في الأحلام، ولكنه حدث في الواقع؛ بدليل أنه قال عنها: أنها «فتنة للناس» .

стр. 7873

فالرسول ﷺ َ لو كان قد قال إنها رؤيا منامية لما كذَّبه أحد فيما قال: لكنه أعلن أنها رؤيا حقيقية؛ لذلك عَبّر عنها القرآن بأنها فتنة للناس. وهنا يقول يعقوب ﵇: ﴿قَالَ يابني لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ على إِخْوَتِكَ. .﴾ [يوسف: ٥] . لأن يعقوب ﵇ كأب مأمونٌ على ابنه يوسف؛ أما إخوة يوسف فهم غير مأمونين عليه، وحين يقصُّ يوسف رؤياه على أبيه، فهو سينظر إلى الصالح ليوسف ويدلُّه عليه. أما إن قصَّ الرؤيا على إخوته؛ فقد تجعلهم الأغيار البشرية يحسدون أخاهم، وقد كان. وإن تساءل أحد: ولماذا يحسدونه على رؤيا منامية، رأى فيها الشمس والقمر وأحدَ عشرَ كوكباً يسجدون له؟ نقول: لا بُدَّ أن يعقوب ﵇ قد عَلِم تأويل الرُّؤيا: وأنها نبوءة لأحداث سوف تقع؛ ولا بُدَّ أن يعقوب ﵇ قد علم أيضاً قدرة إخوة يوسف على تأويل تلك الرؤيا، ولو قالها يوسف لهم لَفهِموا المقصود منها، ولا بُدَّ حينئذ أن يكيدوا له كيداً يُصيبه بمكروه. فهم قد أصابهم الضيق من يوسف وهو ما زال طفلاً، فما باله بضيقهم إنْ عَلِموا مثل هذه الرؤيا التي سيجد له فيها الأب والأم مع الإخوة.

стр. 7874

ولا يعني ذلك أن نعتبر إخوة يوسف من الأشرار؛ فهم الأسباط؛ وما يصيبهم من ضيق بسبب عُلُو عاطفة الأب تجاه يوسف هو من الأغيار التي تصيب البشر، فهم ليسوا أشراراً بالسَّليقة؛ لأن الشرير بالسَّليقة تتصاعد لديه حوادثُ السوء، أما الخيِّر فتتنزَّل عنده حوادث السوء. والمثال على ذلك: أنك قد تجد الشرير يرغب في أن يصفع إنساناً آخر صفعة على الخَدِّ؛ ولكنه بعد قليل يفكر في تصعيد العدوان على ذلك الإنسان، فيفكر أن يصفعه صفعتين بدلاً من صفعة واحدة؛ ثم يرى أن الصفعتين لا تكفيان؛ فيرغب أن يُزيد العدوان بأن يصوِّب عليه مسدساً؛ وهكذا يُصعِّد الشرير تفكيره الإجرامي. أما الخَيِّر فهو قد يفكر في ضرب إنسان أساء إليه «علقة» ؛ ولكنه يُقلِّل من التفكير في رَدِّ الاعتداء بأن يكتفي بالتفكير في ضربة صفعتين بدلاً من «العلقة» ، ثم يهدأ قليلاً ويعفو عَمَّنْ أساء إليه. وإخوة يوسف وهم الأسباط بدءوا في التفكير بانتقام كبير من يوسف، فقالوا لبعضهم:

стр. 7875

﴿اقتلوا يُوسُفَ ... ﴾ [يوسف: ٩] . ثم هبطوا عن هذه الدرجة المُؤْلمة من تعبيرهم عن الغيرة من زيادةِ محبة أبيهم ليوسف، فقالوا: ﴿أَوِ اطرحوه أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف: ٩] . وحينما أرادوا أن يطرحوه أرضاً ترددوا؛ واستبدلوا ذلك بإلقائه في الجُبِّ لعل أن يلتقطه بعض السيَّارة. فقالوا: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غيابت الجب يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة ... ﴾ [يوسف: ١٠] . وهذا يدل على أنهم تنزَّلوا عن الانتقام الشديد بسبب الغيرة؛ بل إنهم فكروا في نجاته. وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه:

стр. 7876

﴿لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ على إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً ... ﴾ [يوسف: ٥] . والكيد: احتيال مستور لمَنْ لا تقوى على مُجَابهته، ولا يكيد إلا الضعيف؛ لأن القوي يقدر على المواجهة. ولذلك يُقَال: إن كيد النساء عظيم؛ لأن ضعفهن أعظم. ويُذيِّل الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: ﴿إِنَّ الشيطان لِلإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [يوسف: ٥] . وهذه العداوة معروفة لنا تماماً؛ لأنه خرج من الجنة ملعوناً مطروداً؛ عكس آدم الذي قَبِل الله توبته؛ وقد أقسم الشيطان بعزة الله لَيُغْوِينَّ الكُلَّ، واستثنى عبادَ اللهِ المخلصين. ولذلك يقول ﷺ َ: «لقد أعانني الله على شيطاني فأسلم» . ويصف الحق سبحانه عداوة الشيطان للإنسان أنها عداوةٌ مُبينة. أي: محيطة. وحين نقرأ القرآن نجد إحاطة الشيطان للإنسان فيها يقظة: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ... ﴾ [الأعراف: ١٧]

стр. 7877

ولم يأت ذِكْر للمجيء من الفوقية أو من التحتية؛ لأن مَنْ يحيا في عبودية تَحتية؛ وعبادية فوقية؛ لا يأتيه الشيطان أبداً. ونلحظ أن الحق سبحانه جاء بقول يعقوب ﵇ مخاطباً يوسف ﵇ في هذه الآية: ﴿فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً﴾ [يوسف: ٥] ، ولم يقل: فيكيدوك، وهذا من نَضْح نبوة يعقوب ﵇ على لسانه؛ لأن هناك فارقاً بين العبارتين، فقول: «يكيدوك» يعني أن الشرَّ المستور الذي يدبرونه ضدك سوف يصيبك بأذى. أما ﴿فَيَكِيدُواْ لَكَ ... ﴾ [يوسف: ٥] فتعني أن كيدهم الذي أرادوا به إلحاق الشر بك سيكون لحسابك، ويأتي بالخير لك. ولذلك نجد قوله الحق في موقع آخر بنفس السورة: ﴿كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ ... ﴾ [يوسف: ٧٦] أي: كدنا لصالحه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك:

стр. 7878

﴿وكذلك يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ... ﴾ .

стр. 7879

أي: كما آنسَك الله بهذه الرؤيا المُفْرحة المُنْبِئة بأنه سيكون لك شأن كبير بالنسبة لإخوتك وبالنسبة لأبيك، فلسوف يجتبيك ربك؛ لا بأن يحفظك فقط؛ ولكن بأن يجعل كيدهم سبباً لصالحك، ويُعلِّمك من تأويل الأحاديث ما يجعل أصحابَ الجاهِ والنفوذ يلتفتون إليك. ومعنى تأويل الشيء أي معرفة ما يؤول إليه الشيء، ونعلم أن الرُّؤى تأتي كطلاسم، ولها شَفرة رمزية لا يقوم بِحلِّها إلا مَنْ وهبه الله قدرة على ذلك؛ فهي ليست عِلْماً له قواعد وأصول؛ لأنها إلهامات من الله .

стр. 7880

وبعد ذلك تصير يا يوسف على خزائن الأرض؛ حين يُوجد الجَدْبُ، ويعُمُّ المنطقة كلها، وتصبح عزيز مصر. ويتابع الحق سبحانه: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ... ﴾ [يوسف: ٦] . فكل ما تَمَتَّع به يوسف هو من نعم الدنيا، وتاج نعمة الدنيا أن الله اجتباه رسولاً. أو أن: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ... ﴾ [يوسف: ٦] . بمعنى إلا تسلب منك النعمة أبداً؛ ففي حياة يوسف منصبٌ مهم، هو منصب عزيز مصر، والمناصب من الأغيار التي يمكن أن تنزع. أو أن: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ... ﴾ [يوسف: ٦] . بأن يصل نعيم دنياك بنعيم أُخْراك. ويتابع الحق سبحانه: ﴿وعلى آلِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَآ على أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٦] . يُذكِّر الحق سبحانه يوسف ﵇ بأن كيد إخوته له لا يجب أن يُحوِّله إلى عداوة؛ لأن النِّعم ستتم أيضاً على هؤلاء فهم آلُ يعقوب؛ هم وأبناؤهم حَفَدة يعقوب، وسينالهم بعضٌ من عِزِّ
следующие страницы →