Полный текст (14 757 стр.). Показаны 8646–8685 · переход к 8651.
стр. 8646
و «مُصرِخ» يدل على الفعل «أصرخ» ، وهو فعل دخلت عليه ما يُسمّى في اللغة «همزة الإزالة» . والمثل هو كلمة «معجم» أي: الذي يدلُّك على معنى للفظ لُيُزيلَ إبهامه؛ فيقال «أعجم الكتاب» أي: أزال إبهامه، وهذه الهمزة التي دخلتْ تُوضِّح إزالة العُجْمة عن الكلمة.
والمثل أيضاً على هذه الهمزة؛ هو كلمة «عتب» أي: لامه، وحين تدخل عليها الهمزة تصبح «أعتب» أي: أزال ما به عَتَب.
ونجد في دعائه ﷺ َ قوله الشريف: «لك العُتْبى حتى ترضى» .
أي: إذا كُنتَ يا ربّ تعتب عليَّ في أيِّ شيء؛ فأنا أدعوك أن تُزيل هذا العتب.
وهكذا نجد أن الإزالة تأتي مرة بإضافة الهمزة؛ ومرة تأتي بالتضعيف؛ مثل قولنا «مرَّض الطبيب مريضه» أي: أزال عنه - بإذن من الله - مرضه.
إذن: «مُصْرخ» هو مَنْ يُزيل صراخ آخر؛ فكأن هناك مَن استغاث؛ فجاءه مَنْ يُغيثه. وهكذا يلعن الشيطان في اليوم الآخر أنه ومَنْ أغواهم في مأزق؛ وأنه غَيْر قادر على إزالة سبب هذا المأزق؛ ولا هُمْ بقادرين على إزالة سبب مأزقه؛ ولن يُغيث أحدهما الآخر.
стр. 8647
ويضيف:
﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ... ﴾ [إبراهيم: ٢٢] .
فأنتم أشركتموني مع الله في الطاعة؛ حين استسلمتُم لغوايتي؛ ولم تكونوا من عباد الله المخُلْصين الذين أقسمتُ أنا بعزة الله ألاَّ أُغويهم؛ وكل منكم نفذ ما أغويته به؛ فناديتكم واستجببتُم؛ وناداكم الله فعصيتُم أو كفرتم. وصِرْتم مِثْلي، فقد سبق لي أن أمرني الله وعصيتُ.
ويقول الحق سبحانه ما يجيء على لسان الشيطان لمَنْ كفر وعصى:
﴿إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢] .
وهذه قضية عامة، قضية الكفر في القمة، فكمَا أطعتُم الشيطان وجعلتموه شريكاً لله؛ فها هو الشيطان يُخبركم بتقدير هذا الموقف؛ بأنه شِرْك بالله؛ وهو يعلن الكفر بهذا؛ لأن يوم الحشر قد جاء؛ وتحقق فيه قول الله له: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ [الحجر: ٣٧ - ٣٨] .
وكان الشيطان من قبل اليوم المعلوم - وهو اليوم الآخر - يندسُّ
стр. 8648
ويُوسِوس وينزغ؛ أما في ذلك اليوم فقد برز كل شيء من إنس وجن وكل الكائنات أمام الواحد القهار، ولم يَعُدْ هناك ما يَخْفى عن العين.
وهذا ما خدعوا به أنفسهم، وظنُّوا أنهم قادرون على أن يُخفوا ما فعلوه عن أعْيُن الله؛ ولذلك نجد الحديث القدسي يقول:
«يا بني آدم، إنْ كنتم تعتقدون أَنِّي لا أراكم، فالخَلل في إيمانكم، وإن كنتم تعتقدون أَنِّي أراكم فَلِم جَعَلْتموني أهونَ الناظرين إليكم» .
وأنت في حياتك اليومية لا تجد مَنْ يسرق من آخر وجهاً لوجه: ولا أحد يحرق بيت أحدٍ أمام عينيه؛ فإنْ كنتم يا معشر البشر لا تفعلون ذلك مع بعضكم البعض؛ فكيف تفعلون ذلك مع خالقكم؛ فتعصونه.
وإنْ شككتُم أنه لا يراكم فالخلل في إيمانكم؛ وإنْ كنتم تعتقدون أنه يراكم فلا تجعلوه أهونَ الناظرين إليكم، لأنه لو نظر إليك إنسان فأنت لا تجرؤ على أن تصنع له ما يكرهه.
ولذلك يقول الشيطان معترفاً ومُقِراً بأن الظالمين لهم عذاب أليم، والظلم في القمة هو الشرك بالله: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
وحين نقرأ ذلك إما أنْ نأخذه على أنه إقرار من الشيطان؛ أو نفهمه على أن الشيطان قد قال:
стр. 8649
﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ.
. .﴾ [إبراهيم: ٢٢] .
ويقول الحق سبحانه بعدها تلك القضية العامة:
﴿إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢] .
فبعد أن تكلم سبحانه عن بروز الخَلْق والكائنات؛ ثم الحوار بين الضعفاء والسادة؛ ثم الحوار بين الشيطان وبين أهل الكفر والمعصية؛ يأتي بالقضية النهائية في الحكم:
﴿إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢] .
والمناسبات توحي بمقابلاتها؛ لتكون النفس مُتشوِّقة ومُتقبِّلة لهذا المقابل؛ مثل قول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] .
ويأتي بعدها بالمقابل لها: ﴿وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٤] .
فكما جاء بمقابل الأشقياء؛ لا بُدّ أن يفتح القلوب لتنعم بسعادة مصير وجزاء الذين سُعِدوا بالإيمان.
لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿وَأُدْخِلَ الذين آمَنُواْ ... ﴾ .
стр. 8650
وهنا جاء الفعل، ويمكن نسبته إلى ثلاث وجهاتٍ. ولكل جهة مَلْحظ؛ فمرّة يُسنَد الفعل لله سبحانه، ومرّة يُنسب الفعل للملائكة الذين يتلقوْن الأمر من الله بإدخال المؤمنين الجنة؛ ومرّة للمؤمنين الذين يدخلون الجنة بإذن الله.
فالله أدخلهم إذْناً؛ والملائكة المُوكَّلون فتحوا أبواب الجنة لهم؛ والمؤمنون دخلوا بالفعل.
وهكذا يكون لكُلَّ مَلْحظ.
وهناك قراءة أخرى للآية توضح ذلك:
«وأُدْخِلُ الذين آمنوا وعملوا الصالحات الجنة» والمتكلم هنا هو الله. ونلحظ أن الله قال هنا:
﴿وَأُدْخِلَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جَنَّاتٍ ... ﴾ [إبراهيم: ٢٣] .
لكي تضم كلمة «أدخل» أنه سبحانه أذن بدخولهم؛ لأنه قال في نفس الآية:
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: ٢٣] .
وأن الملائكة المُكلّفين بذلك فتحوا لهم أبوابها. والمؤمنون دخلوها كل ذلك بإذن الله.
ونلحظ أن كُلَّ الكلام هنا عن الجنات؛ فما هي الجنات؟
стр. 8651
ونقول: إن الجنة في أصل اللغة هي السّتْر، ومنها الجنون أي: سَتْر العقل، والمادة هي: الجيم والنون، والجنة تستر مَنْ فيها بما فيها من أشجار كثيرة بحيث مَنْ يمشي فيها لا يظهر؛ لأن أشجارها تستره.
أو: أن مَنْ يدخلها يجلس فيها ولا يراه أحد؛ لأن كل خير فيها لا يُلجئه أن يخرج منها.
وتُطلق الجنات على ما في الدنيا أيضاً؛ والحق سبحانه هو القائل: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ... ﴾ [البقرة: ٢٦٦] .
ولنا أن نعرف أن الجنةَ غَيْر المساكن التي في الجنة؛ لأن الحق سبحانه يقول: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ... ﴾ [التوبة: ٧٢] .
والجنة - ولله المثَل الأعلى - هي الحديقة الواسعة؛ وهذا الاتساع مُوزّع على كل مَرْأى عَيْن. والإنسان - بعجائب تكوينه - يُحِب أن يتخصص في مكان مرة؛ ويحب أن ينتشر في مكان مرة أخرى؛ فيستأجر شقة أو يبني لنفسه بيتاً مستقلاً «فيللا» وفي البيت أو الفيللا يحب الإنسان أن تكون له حجرة خاصة لا يدخلها غيره.
والإنسان يُقيّم الأشياء على هذا الأساس؛ فينظر مَنْ يرغب في شراء قطعة أرض ليبني عليها بيتاً؛ أهي تُطلّ على حارة أم على شارع؟ وهل سيستطيع أنْ يعلوَ بالبناء إلى عدة أدوار أم لا؟ وهل
стр. 8652
سيخصص قطعة من الأرض كحديقة أم لا؟
فإنْ كانت الأرض تُطِل على الفضاء، فحساب المتر ليس بالثمن المدفوع فيه؛ ولكن بقيمة ما يتيحه من اتساع أُفق وفضاء من مزارع أو على البحر مثلاً، حيث لن يتطفلَ عليك أحدٌ في هذا المكان.
والجنات بهذا الشكل التقريبي؛ هي أماكن مُتسعة، وكل مَنْ يدخلها له فيها مساكن طيبة، تلك الجنات تجري من تحتها الأنهار. ومَنْ يدخلونها.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ... ﴾ [إبراهيم: ٢٣] .
ذلك أن الإنسان يحب التنعُّم؛ ولكن كل تنعُّم في الدنيا هناك ما يُنغَّصه، وهل يدوم أم لا يدوم؟ وكل مِنّا رأى أناساً عاشت في نعيم؛ ثم نُزِع منها بحكم الأغيار؛ أو تركوه بحكم الموت.
أما جنة الله ونعيمها فالأمر مختلف؛ ذلك أن النعيم هناك لا يفوتُك ولا تفوته؛ لأنه على قَدْر إمكانات ربِّك.
ونلحظ أن قول الحق سبحانه:
﴿خَالِدِينَ فِيهَا. .﴾ [إبراهيم: ٢٣] .
يُوضِّح أن الخلودَ في الجنة دائمٌ بإذن من الله.
ويتابع سبحانه:
﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] .
والتحية هو ما يواجه به الإنسان أخاه إثباتاً لسروره بلقائه؛
стр. 8653
ولذلك تأتي التحية على مقدار السرور؛ فمرّة تكون التحية بمجرد رَفْع اليد دون مُصَافحة؛ وقد لا تكفي بذلك في حالة ازدياد المعزَّة التي لصاحبك عندك؛ فتصافحه؛ وقد تأخذه في أحضانك، وهكذا ترتقي في التحية، وهي إعلان السرور باللقاء.
وتحية الجنة هي السلام لأن السلام أمنُ كل إنسان؛ سلامٌ مع نفسك؛ فلا تُكدِّرها بحديث النفس الذي يندم على ما فات؛ أو الحُلْم بعمل قادم، فالسلام في الجنة لن تجد فيه مُنغِّصاتٍ من الماضي أو الحاضر أو المستقبل؛ وتنسجم مع كل ما حولك في الكون؛ الجماد؛ النبات؛ البشر؛ الملائكة.
ولذلك قال الحق سبحانه تذييلاً لهذه الآية:
﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] .
وهذه أفضلُ نعمة، وهي الحياة في سلامٍ وأمْن، وبعد ذلك تدخُل الملائكة عليهم مصداقاً لقول الحق سبحانه: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤] .
ثم يُلقَّون السلام الأعلى من الله؛ وهو القائل: ﴿سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] .
стр. 8654
وبعد أن شرح الحق سبحانه أحوال أهل القُرْب والسعادة، وأهل البُعْد والشقاء، أراد أن يضرب لنا مثلاً يوضح فيه الفارق بين منهج السعداء الذين عاشوا بمنهج الله، ومنهج الأشقياء الذين اتبعوا مناهج شتى غير منهج الله، فقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السمآء تؤتي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ... ﴾ .
стр. 8655
والمَثَل هو الشيء الذي يوضح بالجلي الخفي. وأنت تقول لصديق لك: هل رأيت فلاناً؟ فيقول لك: لا لم أراه؛ فتقول له: إنه يُشبه صديقنا علان. وهكذا توضح أنت مَنْ خَفِي عن مُخَيلة صديقك بمَنْ هو واضح في مُخَيلته.
والحق يضرب لنا الأمثال بالأمور المُحسَّة، كي ينقل المعاني إلى أذهاننا؛ لأن الإنسان له إلْفٌ بالمحُسِّ؛ وإدراكات حواسه تعطيه أموراً حسية أولاً، ثم تحقق له المعاني بعد ذلك.
стр. 8656
ويقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ... ﴾ [البقرة: ٢٦] .
وقد قال الكافرون: أيضرب الحق مثلاً ببعوضة؟ ذلك أنهم لم يعرفوا أن البعوضة لها حياة، وفيها حركة كأيِّ كائن؛ وتركيبها التشريحي يتشابه مع التركيب التشريحي لكل الأحياء في التفاصيل؛ ويؤدي كل الوظائف الحيوية المطلوبة منه.
ولا أحدَ غير الدارسين لعلم الحشرات يمكن أن يعرف كيف تتنفس، أو كيف تهضم طعامها؛ ولا كيفية وجود جهاز دمويّ فيها؛ أو مكان الغُدد الخاصة بها؛ وهي حشرة دقيقة الصنع.
وهو سبحانه ضرب الأمثال الكثيرة لِيُوضِّح الأمر الخفيّ بأمر جَليّ. ومن بعد ذلك ينتشر المثَل بين الناس. ونقول: إن كلمة «ضرب» مثلها مثل «ضرب العملة» ، وكان الناس قديماً يأتون بقطع من الفضة أو الذهب ويُشكِّلونها بقدْر وشَكلْ مُحدّد لِتدُل على قيمة ما، وتصير بذلك عُمْلة متداولة، ويُقَال وشكَلْ - أيضاً - «ضُرِب في مصر» أي: اعتمد وصار أمراً واقعاً. وكذلك المثل حين ينتشر ويصبح أمراً واقعاً.
والمثل الذي يضربه الحق سبحانه هنا هو الكلمة الطيبة؛ ولها أربع خصائص:
﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ ... ﴾ [إبراهيم: ٢٤] .
стр. 8657
أي: تعطيك طِيباً تستريح له نفسُك؛ إما منظراً أو رائحة أو ثماراً؛ أو كُل ذلك مجتمعاً؛ فقوله:
﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ. .﴾ [إبراهيم: ٢٤] .
يُوحي بأن كُلّ الحواس تجد فيها ما يُريحها؛ وكلمة «طيبة» مأخوذة من الطِّيب في جميع وسائل الإحساس.
فالخاصة الأولى، أنها شجرة طيبة، أما الخاصية الثانية فهي أن أصلها ثابت، كإيمان المؤمن المحب، والثالثة أن فروعها في السماء، وهذا دليل أيضاً على ثبات الأصل وطيب منبتها.
أما الخاصية الرابعة فهي أن تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، أي: فيها عطاء المدد المدد الذي لا يعرف الحد ولا العدد، وهي تدل على صفات المؤمنين المحبين.
وبما أنها شجرة طيبة؛ فهي كائن نباتيّ لا بُدّ لها من أن تتغذَّى لتحفظ مُقوِّمات حياتها. ومُقوِّمات حياة النبات توجد في الأرض، فإنْ كانت الشجرة مُخَلْخَلة وغير ثابتة فهي لن تستطيع أن تأخذ غذاءها.
ولذلك يقول الحق سبحانه عن تلك الشجرة:
﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السمآء ... ﴾ [إبراهيم: ٢٤] .
وكلنا نظن أن الشجرة تأخذ غذاءها من الجذور فقط؛ ولكن الحقيقة العلمية تؤكد أن الشجرة تأخذ خمسة بالمائة من غذائها عَبْر
стр. 8658
الجذور؛ والباقي تأخذه من الهواء، وكلما كان الهواء نظيفاً فالشجرة تنمو بأقصى ما فيها من طاقة حتى تكاد أن تبلغ فروعها السماء.
أما إنْ كانت البيئة غيرَ نظيفة ومُلوّثة؛ فالهواء يكون غيرَ نظيف بما لا يسمح للشجرة أن تنمو المناسب؛ فتمُرُّ الأغيار غير المناسبة على الشجرة، فلا تستخلص منها الغذاء المناسب، ولا تنمو النمو المناسب.
اللهم إلا إذا نزل عليها المطر فيغسل أوراقها.
إذن: فقول الحق سبحانه:
﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ ... ﴾ [إبراهيم: ٢٤] .
يعني: أنها تأخذ من الأرض.
وقوله:
﴿وَفَرْعُهَا فِي السمآء. .﴾ [إبراهيم: ٢٤] .
يُبيِّن أنها تأخذ من أعلى.
ويتابع سبحانه:
﴿تؤتي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ... ﴾ [إبراهيم: ٢٥] .
والأُكُل هو ما يُؤْكل ويُتمتَّع به، ولكنّا لا نأخذ المعنى هنا على ما يُؤْكَل بالفم فقط؛ ذلك أن هناك أشجاراً ونباتات طيبة؛ لأن مزاجَ الكون العام يتطلبها؛ فالظل مثلاً يُستفاد منه؛ وكذلك هناك أشجار يتفاعل وجودها مع الأثير؛ ويأخذ منها رائحة طيبة.
стр. 8659
والمثل في ذلك: الطفل البدويّ الذي شاهد نخيل جيرانه مثمراً بالبلح، ولكن النخلة التي يملكونها غير مثمرة، وتساءل: لماذا؟ وذهب ليقطعها، فلحقه والده ومنعه من ذلك، وقال له: إن نخلتنا هي الذكر الذي يُنتج اللقاح اللازم لبقية النخيل كي تثمر.
ولذلك فأنا لا أوافق المفسرين الذين ذهبوا إلى تفسير قوله الحق:
﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ ... ﴾ [إبراهيم: ٢٤] .
بأنها مثل شجرة التفاح وغيرها من الأشجار المثمرة؛ ذلك أن كل شجرة حتى ولو كانت شجرة حَنْظل فهي طيبة بفائدتها التي أودعها الحق إياها؛ فشجرة الحنظل نأخذ منها دواءً - قد يكون مرير الطَّعْم - لكنه يشفي بعضاً من الأمراض بإذن الله.
ذلك أن كل ما هو موصوف بشجرة له مهمة طيّبة في هذا الكون. وقَوْل الحق سبحانه:
﴿تؤتي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ ... ﴾ [إبراهيم: ٢٥] .
يدلُّنا على أن هناك قدراً مشتركاً بين الشجر كله؛ مثمراً بما نراه من فاكهة أو غير ذلك.
وقد نبهنا العِلْم الحديث إلى أن كل خُضْرة إنما تُنَقِّي الجو بما تأخذ منه من ثاني أوكسيد الكربون، وبما تضيف لنا من أوكسجين؛ وتستمر الخضرة في ذلك نهاراص؛ وتقلب مهمتها بإرسال ثاني أوكسيد الكربون ليلاً وامتصاص الأوكسجين، وكأنها مُبَرْمجة على فَهْم أن النهار يقتضي الحركة.
ويحتاج الكائن الحي فيه إلى المزيد من وقود الحركة وهو الأوكسجين؛ والإنسان أثناء الحركة يستهلك كمية كبيرة من
стр. 8660
الأوكسجين؛ ونجد مَنْ يصعد سُلّماً ينهج لأن رئتيه تحاولان امتصاص أكبر قَدْر من الأوكسجين ليؤكسد الدم، وينتج الطاقة اللازمة للصعود. وهكذا نجد كل خُضْرة إنما تقوم بوظائف محددة لها سلفاً من قِبلَ الخالق الأعلى.
ولذلك اختلف العلماء عند تفسير:
﴿تؤتي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ. .﴾ [إبراهيم: ٢٥] .
فمنهم مَنْ قال: إن «الحين» يُطلْق على اللحظة؛ مثل قول الحق سبحانه: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٤] .
وقال مُفسِّر آخر: إن «الحين» يُقصد به الصباح والمساء، والحق سبحانه هو القائل: ﴿فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] .
وأقول: فلننتبه إلى أن «الحين» هو الوقت الذي يحين فيه المقدور؛ فإذا كان الحين هو لحظةَ بلوغ الرُّوح إلى الحُلْقوم؛ فهذه اللحظة هي المراد ب «الحين» هنا، وإذا كان المقصود بها زمناً
стр. 8661
أطول من ذلك؛ صباحاً أو مساء؛ فهذا الزمن ينسحب عليه معنى الحين.
والحق سبحانه هو القائل: ﴿والصابرين فِي البأسآء والضراء وَحِينَ البأس ... ﴾ [البقرة: ١٧٧] .
والبأس يعني الحرب؛ ومُدة الحرب قد تطول. وكذلك يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] .
وهكذا يكون معنى «الحين» هنا هو الأجل غير المُسمّى الذي يمتد إلى أن تتبدّل الأرضُ غيرَ الأرض والسماء غير السماء. إذن: فلا يوجد توقيت مُحدد المدة يمكن أن نُحدد به معنى «حين» .
ويذيل الحق سبحانه الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله:
﴿وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٥] .
وضَرْب المثل معناه إيقاع شيء صغير ليدل على شيء كبير؛ أو بشيء جليّ ليدل على شيء خفيّ؛ لِيُقرِّب المعنويات إلى وسائل الإدراكات الأولى، وهي مُدْركات الحِسِّ من سمع وبصر وبقية وسائل الإدراك.
وحين تأتي المعاني التي تناسب الطموح العقلي؛ فالإنسان يتجاوز مرحلة الحِسِّ إلى المعلومات المعنوية؛ فيقربها الحق سبحانه بأن يضرب لنا الأمثال التي توصل لنا المعنى المطلوب إيصاله.
стр. 8662
والحق سبحانه لا يستحي - كما قال - أنْ يضربَ مثلاً بالبعوضة وما فوقها. والبعض من المستشرقين يقول: ولماذا لم يَقُلْ «وما تحتها» ؟
ونقول لِمَنْ يقول ذلك: أنت لم تفهم اللغة العربية؛ لذلك لم تستقبل القرآن بالمَلَكة العربية؛ ذلك أن المَثل يُضرَب بالشيء الدقيق؛ وما فوق الدقيق هو الأدقُّ.
والحق سبحانه يضرب لنا المَثل للحياة الدنيا، وهي الحياة التي من لَدُن خَلْق الله للإنسان؛ ذلك أنه كانت هناك أجناسٌ قبل الإنسان، وهو سبحانه هنا يُوضِّح لنا بالمثَل ما يخص الحياة من لحظة خَلْق آدم إلى أنْ تقومَ الساعة، وهو يطويها - تلك الحياة الطويلة العريضة التي تستغرق أعمال أجيالٍ - ويعطيها لنا في صورة مَثَلٍ موجز، فيقول لنا: ﴿واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرياح وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً﴾ [الكهف: ٤٥] .
стр. 8663
وهكذا يطوي الحق سبحانه الحياة كلها في هذا المثل من ماء ينزل ونبات ينمو لينضج ثم تذروه الرياح.
وأيضاً يقول الحق سبحانه: ﴿اعلموا أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأموال والأولاد كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكفار نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً. .﴾
[الحديد: ٢٠] .
وهكذا يطوي الحق سبحانه الحياة الدنيا بطُولها وعَرْضها في هذا المَثل البسيط لنرى ما يُوضِّح لنا المعاني الخفية في صورة مُحسَّة بحيث يستطيع العقل الفطري أن يُدرِك ما يريده الله منها.
ونعلم أن المُحسَّات تدرك أولاً بعض الأشياء؛ ثم ترتقي إلى مرتبة التخيُّل؛ ثم يأتي التوهُّم؛ فمراحل الإدراك للأشياء الخفية هي الحِس أولاً؛ ثم التخيل ثانياً؛ ثم التوهم ثالثاً.
والتخيُّل هو أن تجمع صورة كلية ليس لها وجود في الخارج؛ وإنْ كانت مُكوَّنة من مادة وأشياء موجودة في هذا الخارج. والمَثل على ذلك هو قول الشاعر الذي أراد أنْ يصف الوَشْم على يد حبيبته، فقال:
стр. 8664
خوض كأنَّ بَنانَها ... في نَقْشهِ الوَشْم المُزرد
سَمكٌ من البِلَّور في ... شَبَكٍ تكوَّن من زَبرجَدِ
وحين تبحث في الصورة الكلية لتلك الأبيات من الشعر؛ لن تجدها موجودة في الواقع؛ ولكن الشاعر أوجدها من مُكوِّنات ومُفْردات موجودة في الواقع؛ فالسمك موجود ومعروف؛ والبِلَّور موجود ومعروف؛ وكذلك الشَّبك والزبرجد، وقام الشاعر بنسج تلك الصورة غير الموجودة من أشياء موجودة بالفعل، وهذا هو الخيال الذي يُقرِّب المعنى.
والتوهمُّ يختلف عن الخيال؛ فإذا كان التخيُّل هو تكوين صورة غير موجودة في الواقع من مفردات موجودة في هذا الواقع؛ فالتوهُّم هو صورة غير موجودة في الواقع، ومُكوَّن من مفردات غير موجودة في الواقع.
والحق سبحانه يقول لنا عن الجنة: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين ... ﴾ [الزخرف: ٧١] .
ويشرح الرسول ﷺ َ ذلك بمذكرة تفسيرية، فيقول: «فيها مَا لا عَيْنٌ رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خَطَر على قَلْب بشر» .
стр. 8665
والعَيْن وسيلة إدراك وحسٍّ؛ وكذلك الأذن، أما ما لا يخطر على القلب فهو ليشرحه الخيال أوَ الوَهْم.
وهكذا نعلم لماذا يضرب الله لنا الأمثال؛ لِيُوجِز لنا ما يشرح ويُوضِّح بأشياء قريبة من الفهم البشري.
وأنت حين تريد أن تكتب لصديق؛ فقد تُمسك الورقة والقلم وتُدبِّج رسالة طويلة؛ ولكن إنْ كنتَ تملك وقتك فستحاول أن تُركِّز كل المعاني في كلمات قليلة.
وكلنا يذكر ما كتبه سعد زغلول زعيم ثورة ١٩١٩ المصرية لواحد من أصدقائه بعد أن سطَّر له رسالة في خمس صفحات؛ وأنهاها: «إني أعتذر عن الإطالة في الخطاب، فلم يكُنْ عندي وقت للإيجاز» وذلك لأن مَنْ يُوجِز إنما يضع معاني كثيرة في كلمات قليلة.
وحين طلب أحد القادة المسلمين النُّصْرة من خالد بن الوليد؛ وكان القائد الذي يطلب المساعدة مُحَاصَراً؛ وأرسل لخالد بن الوليد كلمتين اثنتين «إياك أريد» ، وهكذا اختصر القائد المحاصر ما يرغب إيصاله إلى مَنْ ينجده، بإيجاز شديد.
والشاعر يقول:
إذَا أرادَ الله نَشْرَ فَضِيلَة ... طُوِيَتْ أتاحَ لَهَا لِسَانَ حَسُود
لَوْلاَ اشتعالُ النَّار فيمَا جَاورَتْ ... مَا كَان يُعْرَف طيِبُ عَرْفِ العوُدِ
стр. 8666
أي: أنه إذا كانت هناك فضيلة مكتومة نسيها الناس؛ فالحقُّ سبحانه يتيح لها لسانَ حاسدٍ حاقد لِيثُرثر ويُنقِّب؛ لتظهر وتنجلي؛ مثلما يُوضَعُ خشب العود - وهو من أَرْقَى ألوان البخور - في النار، فينتشر عِطْره بين الناس.
وهكذا ضرب الشاعر المَثَل لِيُوضِّح أمراً ما للقارئ أو السامع.
ويقول الشاعر ضارباً المَثل أيضاً:
وإذَا امْرؤٌ مدحَ امْرءاً لِنَوالِه ... وأَطَالَ فِيه فقدْ أطَالَ هِجَاءَهُ
لَوْ لَمْ يُقدِّر فيه بُعْد المُسْتقَى ... عند الوُرودِ لَمَا أطالَ رِشَاءَهُ
والمقاييس العادية تقول: إن المرء حين يمدح أحداً لفترة طويلة، فهذا يعني الرِّفْعة والمجد للممدوح. ولكن حين يقرأ أحدٌ قول هذا الشاعر قد يتعجَّب ويندهش، ولكنه يتوقف عند قول الشاعر أن الماء لو كان قريباً في البئر؛ لأخرجه العطشان بدلو مربوط بحبل قصير؛ ولكن إنْ كان الماء على بُعْد مسافة في البئر فهذا يقتضي حبلاً طويلاً لينزل الدلو إلى الماء.
وهذا يعني أن طول المدح إنما يُعبِّر عن فظاظة الممدوح الذي لا يستجيب إلا بالثناء الطويل؛ ولو كان الممدوح كريماً حقاً لاكتفى بكلمة أو كلمتين في مدحه.
стр. 8667
وهكذا يكون ضَرْبُ المثل توضيحاً وتقريباً للذهن.
وهنا قال الحق سبحانه:
﴿وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٥] .
والتذكر معناه أن شيئاً كان معلوماً بالفطرة؛ ولكن الغفلة طرأتْ؛ فيأتي المَثَلُ ليُذكِّر بالأمر الفطريّ.
وبعد أن ضرب الحق سبحانه المثل بالكلمة الطيبة بياناً لحال أهل القُرْب من الله والود معه واتباع منهجه، أراد انْ يذكُرَ لنا المقابل، وهو حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الله، وعن منهجه، فيقول : ﴿وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ ... ﴾ .
стр. 8668
وحين نقارن الكلمة الخبيثة بالكلمة الطيبة سنكتشف الفارق الشاسع؛ فالكلمة الخبيثة مُجْتثَّة من فوق الأرض؛ والجُثَّة كما نعلم هي الجسد الذي خرجتْ منه الروح، ومن بعد أن يصبح جُثة يصير رِمَّة؛ ثم يتحلَّل إلى عناصره الأولى.
إذن: فالاجتثاث هو استئصالُ الشيء من أصله وقَلْعه من جذوره، أما المقابل في الشجرة الطيبة فأصلها ثابت لا تُخلخله ظروف أو أحداث، والكلمة الخبيثة بلا جذور لأنها مُجْتثّة؛ وليس لها قَرار تستقر فيه.
стр. 8669
وحين تكلَّم المُفسِّرون عن الشجرة الطيبة منهم مَنْ قال إنها النخلة لأن كُلَّ ما فيها خير؛ فورقها لا يسقط، ويبقى دائماً كَظِلٍّ وكل ما فيها يُنتفعَ به.
فنحن - على سبيل المثال - نأخذ جذع النخلة ونصنع منه أعمدة في بيوت الرِّيف، وجريد النخل نصنع منه الكراسي؛ والليف الموجود بين الأفرع نأخذه لنصنع منه الحبال؛ والخوص نصنع منه القُفف.
والذين حاولوا أن يُفسِّروا «الشجرة الخبيثة» بأنها شجرة الحَنْظل، أو شجرة التين، أو شجرة الكُرَّات؛ لكل هؤلاء أقول: لقد خلقها الحق سبحانه لتكون شجرة طيبة في ظروف احتياجنا لها؛ لأنك حين تنظر إلى الكون ستجد أن مِزَاجه مُتنوِّع؛ ومُقوِّمات الحياة ليستْ هي الأكل والشرب فقط؛ بل هناك توازن بيئيّ قد صمّمه الحق تعالى، وهو الأعلم مِنّا جميعاً بما خلق؛ ولم يخلق إلا طَيّباً.
وكل شيء في الكون له عطاء مستمر يُشع في الجو، والمَثَل هو تساقط أوراق الشجر التي تُعيد الخِصْب مرة أخرى إلى الأرض. وكلها أمور يُبديها الحق سبحانه ولا يبتديها، أي: يُظهرها بعد أنْ كانت موجودة أَزلاً ومَخفية عَنَّا.
وهو جَلَّ وعلاَ يرفع قوماً ويَخفِض قوماً؛ وهو القائل عن ذاته: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] .
وكلُّنا نعلم أن اليوم عند منطقة ما يبدأ في توقيت مُعيّن، وينتهي في توقيت مُعين؛ وتختلف المناطق الجغرافية وتختلف معها
стр. 8670
بدايات أيِّ يوم من منطقة إلى أخرى؛ فبعد لحظة من بداية يومك يبدأ يوم آخر في منطقة أخرى؛ وهكذا تتعدد الأيام وبدايات النهار والليل عند مختلف البشر والمجتمعات.
ولذلك فحين نسمع قول الرسول ﷺ َ: «إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مُسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» .
فمعنى ذلك أن يَد الله مبسوطة دائماً، ذلك أن الليلَ يبدأ في كل لحظة عند قَوْم، ويبدأ النهار عند قوم في نفس اللحظة؛ ويتتابع ميلاد الليل والنهار حَسْب دوران الشمس حول الأرض.
وهكذا لا يجب أن نظلم شجرة الثوم، أو شجرة الحَنْظل، أو أي شجرة من مخلوقات الله ونَصِفَها بأنها شجرة خبيثة، فلا شيء خبيثٌ من مخلوقات الله.
ونحن حين نجد شاباً يقوم بثَنْي قطعة من الحديد قد يحسبه الجاهل أنه يُسيء استخدام الحديد، ولكن العاقل يعلم أنه يقوم بِثَنْيها ليصنع منها مَا يفيده؛ كخُطَّاف يشدُّ به شيئاً يلزمه.
وعمدة الكلمة الطيبة هي شهادة «لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله» ومن هذه الشهادة يتفرَّع كل الخير. ومن هنا نعلم أن عُمْدة الكلمة الخبيثة هي الكفر بتلك الشهادة، وما يتبع الكفر من عناد لرسول الله ﷺ َ وصَدٍّ عن سبيل الله؛ ومن تكذيبٍ لمعجزات الرسل؛ وإنكارٍ لمنهج الله.
стр. 8671
ولقائل أنْ يقول: ما دام الحق سبحانه قد قال إن هناك شجرةً خبيثة؛ فلا بُدَّ أن تُوجَد تلك الشجرة، وأقول: إن كُلَّ ما يضرُّ الإنسان في وقت ما هو خبيث؛ فالسكر مثلاً يكون خبيثاً بالنسبة لمريض بالسكر؛ وكل كائن فيه حسناتٌ مفيدة؛ وله جانب ضَارّ في حالات معينة؛ وعلى الإنسان المختار أن يُميِّز ما يضرُّه وما ينفعه.
ونلحظ هنا في وَصْف الكلمة الخبيثة بأنها كالشجرة الخبيثة؛ أن الحق سبحانه لم يَقُلْ إن تلك الشجرة الخبيثة لها فَرْع في السماء؛ ذلك أنها مُجْتثة من الأرض؛ مُخْلخلة الجذور؛ فلا سَند لها من الأرض؛ ولا مددَ لها من السماء.
ولذلك يَصِفها الحق سبحانه:
﴿مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] .
أي: ما لها من ثبات أو قيام، وكذلك الكُفْر بالله؛ ومَنْ يكفر لا يصعد له عمل طيّب، فلا أساسَ يصعد به العمل أو القول الطيب. ولهذا وصفت الشجرة الخبيثة بصفات ثلاث، أولها: أنها شجرة خبيثة وثانيها: أنها عديمة الأصل بغير ثبات، وثالثها: ما لها من قرار لعدم ثبات الأصل.
ثم يبين الله جل علاه متحدثاً عن حصاد الحالتين، فالأولى: أمن وأمان في الدنيا والآخرة. والحالة الثانية: ظلم بضلال، وقلق بضنك، وفي الآخرة لهم عذاب أليم.
ويقول :
стр. 8672
﴿يُثَبِّتُ الله الذين آمَنُواْ ... ﴾ .
стр. 8673
وتأتي هنا كلمة «التثبيت» طبيعية بعد قوله: ﴿اجتثت مِن فَوْقِ الأرض مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] .
لأن الذي يُجتثُّ لا ثبوتَ له ولا استقرارَ؛ فجاء بالمقابل بقوله:
﴿يُثَبِّتُ الله الذين آمَنُواْ ... ﴾ [إبراهيم: ٢٧] .
وتُوحي كلمة التثبيت أيضاً بأن الإنسان ابنٌ للأغيار، وتطرأ عليه الأحداث التي هي نتيجة لاختيار المُكلَّفين في نفاذ حُكْم أو إبطاله، فالمُكلَّف حين يأمره الله بحكم؛ قد يُنفِّذه، وقد لا ينفذه.
وكذلك قد يتعرض المكلّف لمخالف لمنهج الله، فلا يُنفِّذ هذا المخالفُ تعاليم المنهج؛ ويؤذي مَنْ يتبع التعاليم، وهنا يثق المؤمن أن له إلهاً لن يخذله في مواجهة تلك الظروف، وسينصره إنْ قريبٌ أو بعيد على ذلك.
وهكذا لا تنال الأحداث من المؤمن، ويصدق قوله الحق:
﴿يُثَبِّتُ الله الذين آمَنُواْ ... ﴾ [إبراهيم: ٢٧] .
فهم قد آمنوا بوجوده وبقدرته، وبأن له طلاقة مشيئة يُثبِّتهم بها
стр. 8674
مهما كانت جسامة الأحداث؛ ذلك أن المؤمن يعلم عن يقين أن الحق سبحانه قد قال وصدق: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب﴾ [الرعد: ٢٨] .
وما دام المؤمن قد ثبت قلبه بالإيمان وبالقول الثابت؛ فهو لا يتعرّض لزيغ القلب؛ ولا يتزعزع عن الحق.
والتثبيت يختلف في أعراف الناس باختلاف المُثبّت؛ فحين يُخلْخَل عمود في جدار البيت؛ فصاحب البيت يأتي بالمهندس الذي يقوم بعمل دعائمَ لتثبيت هذا العمود؛ ويتبادل الناسُ الإعجابَ بقدرات هذا المهندس، ويتحاكى الناس بقدرات هذا المهندس على التثبيت للأعمدة التي كادتْ أنْ تنهار، وهذا ما يحدث في عُرْف البشر؛ فما بَالُنا بما يمكن أنْ يفعله خالق البشر؟
وقوله الحق:
﴿يُثَبِّتُ الله الذين آمَنُواْ. .﴾ [إبراهيم: ٢٧] .
يرُّدك إلى المُثبِّت الذي لَنْ يطرأ على تثبيته أدنى خَلَل. وكلمة «التثبيت» دَلَّتْنَا على أن الإنسان ابنُ أغيارٍ؛ وقد تحدثُ له أشياء غَيْر مطابقة لما يريده في الحياة؛ لذلك فالمؤمن يجب ألاّ يَخُور؛ لأن له رباً لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار.
وسبحانه يُثبِّت الذين آمنوا:
﴿بالقول الثابت فِي الحياة الدنيا ... ﴾ [إبراهيم: ٢٧] .
стр. 8675
والقول الثابت؛ لأنه من الحَقِّ الذي لا يتغيَّر؛ وهذا القَوْلِ مُوجَّه للمؤمنين الذين يواجههم قَوْم أشرار اختاروا أنْ يكونوا على غير منهج الله.
وهذا القول يوضح للمؤمنين ضرورة أن يهدأوا؛ وأنْ يجعلوا أنفسهم في معيّة الله دائماً، وأنْ يعلموا أنّ الظالمَ لو عَلِم ما أعدَّه الله للمظلوم من ثواب وحُسْن جزاء لَضَنَّ الظالم بظُلْمه على المظلوم ولَقَال: ولماذا أجعل الله في جانبه؟
والذين اضْطهِدوافي دينهم؛ وقام الكفار بتعذيبهم؛ لم يُفْتَنوا في الدين؛ فكلما قَسا عليهم الكفار ضَرْباً وتعذيباً كلما تذكروا حنانَ الحقِّ فتحمّلوا ما يذيقهم الكافرون من عذاب.
وحُسْن الجزاء قد يكون في الدنيا التي يُثبَّت فيها المؤمن بمشيئة الله؛ وهي بنت الأغيار وبنت الأسباب؛ فأنت في الدنيا تحوز على أيِّ شيء بأن تتعبَ من أجل أنْ تحصلَ عليه، وتكِدّ لتتعلم؛ وتعثر على وظيفة أو مهنة؛ ثم تتزوج لِتُكوِّن أُسْرة؛ وتخدُم غيرك؛ ويخدُمك غيرك، وتزاول كل أسبابك بغيرك؛ فأنت تأكل مما تطبخ زوجتك، أو أمك أو مَنْ تستخدمه ليؤدي لك هذا العمل.
باختصار كلما ارتقيتَ؛ فأنت ترتقي بأثر مجهود ما. وكُلّ متعة تحصل عليها إنما هي نتيجة لمجهود جَادٍّ منك؛ وأنت تحاول دائماً أن تُقلِّل المجهود والأسباب لتزيد من متعتك.
فَما بالُكَ بالآخرة التي لا تكليفَ ولا أسبابَ فيها؛ وكل ما فيها قد جهَّزه الحق تعالى مقدّماً للإنسان؛ ثواباً إنْ آمنَ، وعذاباً إنْ كفر وعصى، وإنْ كنتَ مؤمناً فالحق سبحانه يُجازيك بجنة عَرْضها السماوات والأرض؛ فيها كُلُّ ما تشتهي الأنفس.
стр. 8676
وإذا كان الحق سبحانه يُثبِّت الذين آمنوا في الدنيا بالقول الثابت الحق فتثبيتُه لهم في الآخرة هو حياةٌ بدون أسباب.
ونجده سبحانه لم يَقُلْ هنا: الحياة الآخرة، بل قال:
﴿فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة ... ﴾ [إبراهيم: ٢٧] .
ذلك أن الارتقاءات الطُّموحية في الحياة تكون مناسبة للمجهود المبذول فيها، ولكن الأمرَ في الآخرة يختلف تماماً؛ لأن الحق سبحانه هو الذي يُجازي على قَدْر طلاقة مشيئته، وهو يُثبِّتهم بداية من سؤال القبر ونهايةَ إلى أن يَلْقوا الثواب على حُسْن ما فعلوا من خير في سبيل الله.
وما دام الحق سبحانه قد ذكر هنا التثبيتَ في الحياة الدنيا والآخرة؛ فلا بُدَّ أن يأتي بالمقابل، ويقول:
﴿وَيُضِلُّ الله الظالمين وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَآءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧] .
وسبحانه يُضلّ الظالم لأنه اختار أنْ يظلم؛ وهو سبحانه قد جعل للإنسان حَقَّ الاختيار، فَمنَ اختار أن يظلمَ؛ لا بُدّ له من عقاب. وإذا كان سبحانه قد خلق الخَلْقَ وجعل الكون مُسخراً لهم؛ وأعطى المؤمن والكافر من عطاء الربوبية؛ فإن اختار الكافرُ كفره؛ فهو لن يُنفِّذ تكاليف الألوهية التي أنزلها الله منهجاً لهداية الناس.
стр. 8677
والكافر إنما يظلم نفسه؛ ذلك أنه ما دام قد أنِسَ إلى الكفر فالحق سبحانه يختم على قلبه؛ فلا يخرج من القلب الكفر، ولا يدخل إليه الإيمان؛ وهو رَبُّ العالمين يفعل ما يشاء.
وإذا كان الحق سبحانه يعطي كل إنسان ما يريد؛ وما دام الكافر يطلب أن يكون كافراً؛ فسبحانه يمدُّ له في أسباب الكفر ليأخذه من بعد ذلك بها؛ كما يمدُّ الله للمؤمنين كُلَّ أسباب الإيمان مِصْداقاً لقوله الحق: ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هؤلاء وهؤلاء مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء: ٢٠] .
وهكذا تكون طلاقة قدرة الحق سبحانه وهو يفعل ما يشاء، ذلك أنه لا يوجد إله غيره.
والحق سبحانه قد أكرمنا بالعبودية له وحده، ذلك أننا رأينا جميعاً وشاهدنا أثر عبودية الإنسان للإنسان؛ حين يأخذ السيد خَيْر العبد؛ وقد ذاقتْ البشرية الكثير من وَيْلاتها، ولكن العبودية لله تختلف تماماً حيث يأخذ العبد خَيْر السيد؛ ويُغدِق السيد إحسانه على عباده.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ ... .﴾ .
стр. 8678
وحين يقول الحق سبحانه:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ... ﴾ [إبراهيم: ٢٨] .
فهذا يعني أن المُخِبر وهو الحق إذا ما أخبرنا بشيء فهو أصدق مِنْ أنْ تراه أعيننا.
وتشير الآية إلى عملية مُبَادلة بين اعتراف بالنعمة؛ ثم إنكارها. كأن هناك شيئاً قد استبعدناه، وأتيْنا ببديل له. والحق سبحانه هو القائل: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الذي هُوَ أدنى بالذي هُوَ خَيْرٌ ... ﴾ [البقرة: ٦١] .
والحق قد أعطاك النعمة ولم يطلب منك أن تقومَ بأيِّ تكليف إيمانيٍّ قبل البلوغ. وهكذا نجد أن النعمة هي الأصل، والتكليف إنما يأتي من بعد ذلك، وكان من الواجب ألاَّ يعصي العبد مَنْ أنعم عليه بكل النعم، وأن يتجه إلى التكليف بمحبة؛ كي لا يقلب نعمة الله كفراً.
أو: أن المقصود هم قوم قريش الذين أفاء الله عليهم الخير، وجعل لهم الحرم آمناً: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [القصص: ٥٧] .
стр. 8679
وكذلك أنعم عليهم بأن يكون نبي الإسلام - الدين الخاتم - منهم، وهو النبي الذي ستدين له الدنيا والعالم في كل زمان ومكان؛ فلماذا يُبدِّلون تلك النعمة كفراً؟
أمَا كانت تلك النعمة وحدها كافية لمقابلتها بعميق الشكر وحُسْن العبادة؟ فهذا النبي الذي قال الحق سبحانه عن رسالته: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤] .
وهو سبحانه القائل عن نعمه عليهم: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشتآء والصيف فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هذا البيت الذي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: ١ - ٤] .
فكيف يُبدِّلون نعمة الله كفراً؟ وكيف يُسيئون معاملة الرسول ﷺ َ وصَحْبه حتى قال ﷺ َ: «اللهم اجعل سنينهم كسنين يوسف» .
وخرج لقتالهم في بدر؛ وهم الذين صنعوا بأنفسهم ذلك نتيجة تبديلهم لنعمة الله كفراً، ولماذا قَبِلوا عطاء الحق من خير ونعم ورفضوا منهجه؟
ولو كانوا قوم صِدْق مع النفس، وصدق مع ما يعتقدونه لَطلبوا من الأصنام أن تعطيهمَ؛ أو لَرفضوا أن يأخذوا خَيْر المنعم ما داموا قد رفضوا منهجه، وهو سبحانه قد أنعم عليهم بمُقوِّمات المادة؛ وأضاف لذلك منهجه مُقوم الروح.
стр. 8680
وحين نقرأ قول الحق سبحانه:
﴿وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار﴾ [إبراهيم: ٢٨] .
نفهم أن الإحلال هو إيجاد حالٍّ في مَحَلٍّ. ونعلم أن الظَّرف ينقسم إلى قسمين: ظرف مكان، وظرف زمان؛ فإذا أحللْتَ حدثاً محلَّ حَدث؛ فهذا يخصُّ ظرف الزمان، وحين تحل شيئاً مكان شيء آخر، فهذا أمر يخصُّ ظرف المكان.
وهنا يقول الحق سبحانه:
﴿وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار﴾ [إبراهيم: ٢٨] .
وهذا يعني ظرف مكان. ولقائل أن يقول: وكيف يأخذون أهلهم وقومهم ليحلوهم إلى دار بَوَار؟
ونقول: لقد حدث ذلك نتيجة أنهم قد غَشّوهم وخدعوهم، ولم يستعمل هؤلاء الأهل عقولهم؛ ولم يلتفتوا إلى أنّ قادتهم وأُولي الأمر منهم يسلكون السلوك السيء وعليهم ألاَّ يقلدوهم؛ فَجرُّوا عليهم الفتن واحدة تِلْو أخرى، وترين الفتن على القلوب.
ولهذا أراد الحق سبحانه لأمة محمد ﷺ َ أن تكون بها مناعات من الفتن؛ فتحثّ النفس اللوامة المؤمن؛ فيكثر الحسنات ليبطل السيئات، وإذا ما تحولت النفس اللوّامة إلى نفس أمَّارة بالسوء وجدتْ في المجتمع المسلم مَنْ يزجرها.
стр. 8681
وبهذا تصبح أمة محمد ﷺ َ محصَّنة ضد الفتن التي تُذهِب الإيمان.
ويقول الحق سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر ... ﴾ [آل عمران: ١١٠] .
ويُذكِّرنا الحق سبحانه بأن الرسولَ سيكون شهيداً علينا، ونحن سنكون شهداء على الناس، وهكذا ضمن الحق سبحانه أن يعلم كُلُّ واحد من أمة محمد جزئية من العلم ليكون امتداداً لرسالة رسول الله ﷺ َ.
ومِثْلما شهد الرسول أنه قد بلَّغ الرسالة؛ سيكون على كل واحد من أمةَ محمد ﷺ َ أنْ يشهدَ بأنه قد بلَّغ ما علم من رسالة محمد ﷺ َ.
وكُلٌّ منا يعلم كيف حدثتْ الغفلة الأولى؛ حيث حدثتْ الغفلة من الأُسْوة؛ فزاحمتهم الشهوات وارتكبوا السيئاتِ، فحين غفلت النفس ارتكبتْ المعصية؛ وحين رأى الناسُ مَنْ يرتكب المعصية قلَّدوه.
وهكذا حمل مَنْ وقع في الغفلةوزْه ووزْر مَنِ اتبعه بالأُسْوة السيئة؛ فصار ضَالاً في ذاته؛ ثم تحمَّل وِزْر مَنْ أضله أيضاً.
وهكذا صار مَنْ فعل ذلك هو مَنْ أحلَّ قومه دار البوار.
والبوار يعني الهلاك؛ ذلك أن الكبار من هؤلاء القوم حين تصرَّفوا وسلكُوا بما يخالف المنهج أورثوا مَنِ اتبعوهم الهلاك.
стр. 8682
ونحن في الريف نَصِفُ الأرض التي لا تصلح للزراعة بأنها الأرض البُور؛ وكذلك يَقُال «قُمْنا بتبوير الأرض» أي: أهلكنا ما فيها من زرع.
وحين نقرأ قول الحق:
﴿وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار﴾ [إبراهيم: ٢٨] .
نجد في كلمة «قومهم» ما يُوحي بالخِسَّة لِمَنْ يرتكبون هذا الفعل الشائن؛ فمَنْ يُهِلك قومه لا بُد أن يكونَ خسيساً؛ ولا بُد أن يكون محترف غِشٍّ وخديعة؛ فالقوم هم مَنْ يقومون معهم؛ وكان من اللائق أن تضرب على يد مَنْ يصيبهم بشرٍّ أو يغشّهم أو يخدعهم.
ويشرح الحق سبحانه دار البوار هذه، فيقول: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ... ﴾ .
стр. 8683
وإذا قِسْنا جهنم بالمقرات؛ فلن نجد مَنْ يرغب في أن تكون جهنم هي مقرَّه؛ لأن الإنسان يحب أن يستقر في المكان الذي يجد فيه راحة؛ ولو لم يجد في هذا المكان راحة؛ فهو يتركه.
وجهنم التي يَصْلوْنها لن تكون المقرَّ الذي يجدون فيه أدنى
стр. 8684
راحة؛ لأن العذاب مُقيم بها؛ ولذلك يصفها الحق سبحانه بأنها:
﴿وَبِئْسَ القرار﴾ [إبراهيم: ٢٩] .
فكأنهم ممسوكون بكلاليب فلا يستطيعون منها فكاكاً. وهي تقول: ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] .
وكأنهم قد عَشِقوا النار فعشقتهم النار، ولو كانت لديهم قدرة على أنْ يفرُّوا منها لَفعلوا، لكنهم مربوطون بها وهي مربوطة بهم؛ وهي بئس القرار؛ لأن أحداً لن يخرج منها إلا أنْ يشاء الله.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ ... ﴾ .
стр. 8685
والنّد هو: المِثْل والمُشَابه. وهم قد اتخذوا لله شركاء؛ وأيّ شريك اتخذوه لم يَقُلْ لهم عن النعم التي أسبغها عليهم ولم يُنزِل لهم منهجاً. وهؤلاء الشركاء كانوا أصناماً، أو أشجاراً، أو الشمس، أو القمر، أو النجوم، ولم يَقُلْ كائن من هؤلاء: ماذا أعطى من نعم ليعبدوه؟
ونعلم أن العبادة تقتضي أمراً وتقتضي نهياً، ولم يُنزِل أيٌّ من هؤلاء الشركاء منهجاً كي يتبعه مَنْ يعبدونهم؛ ولا ثوابَ على العبادة؛ ولا عقَاب على عدم العبادة.
следующие страницы →