Полный текст (14 757 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.
стр. 8716
أننا لمّا خرجنا بالمُخْترعات العلمية وانبهرنا بفائدتها السطحية؛ ظننا أن في ذلك مكسباً كبيراً؛ ولكنه كان وبالاً في بعض الأحيان نتيجة الآثار الجانبية.
ولذلك لم يَقُلِ الحق سبحانه: «بما اكتسبت أيدي الناس» بل قال: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس ... ﴾ [الروم: ٤١] .
وفي الآية نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه:
﴿وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الليل والنهار﴾ [إبراهيم: ٣٣] .
وهكذا نعلم أن تعاقب ظهور الشمس والقمر؛ يُسبِّب تعاقبَ مجيء الليل والنهار.
ولا يعني ظهور الشمس وسطوعها أن القمر غير موجود؛ فهو موجود، ولكن ضوء الشمس المُبهِر يمنعك من أنْ تراه، ولكن هناك أوقات يمكنك أن ترى فيها الشمس والقمر معاً.
أما الليل والنهار فهما يتتابعان كل منهما خَلْف الآخر. والحق سبحانه هو القائل: ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَ الليل والنهار خِلْفَةً ... ﴾ [الفرقان: ٦٢] .
стр. 8717
أي: أنهما لا يأتيان معاً أبداً؛ فالليل في بلد ما يقابله نهار في بلد آخر.
وهكذا أثبتَ لنا الدأبَ في الحركة؛ فكُلٌّ منهما يأتي عَقِب الآخر؛ وقد جعل الحق سبحانه ذلك من أول لحظة في الخَلْق؛ وكانا لحظة الوجود خِلفْة، كل منهما يأتي من بعد الآخر؛ فكأن الكون حين خلقه الله؛ وجعل الشمس في مواجهة الأرض، صار الجزء المواجه للشمس نهاراً؛ والجزء غير المواجه لها صار ليلاً.
ثم دارت الأرض؛ ليأتي الجزء الذي كان غير مُواجِه للشمس؛ في مواجهتها؛ فصار ليلاً، وذهب الجزء الذي كان في مواجهتها، ليكون مكان الجزء الآخر فصار ليلاً، وهكذا شاء سبحانه أن يكون كل منهما خَلْف الآخر.
وهكذا تكلم الحق سبحانه عن حَصْر بعضٍ من نعمة الكلية علينا نحن العباد، سماء، وأرض، وماء ينزل، وثمرات تنبت من الأرض، وكذلك سخَّر لنا الشمس والقمر، والليل والنهار، وهذا ما يُسمَّى تعديد لبعض النعم.
ونجد واحداً من الصالحين يقول عن نعم الله «أَعد منها ولا أعددها» . فكأن الله ينبهنا إلى أصول النظام الكوني الأعلى، ثم فتح المجالِ لِنعَمٍ أخرى لن يستطيع أحد أنْ يُحصِيها.
стр. 8718
لذلك يقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ... ﴾ .
стр. 8719
نعم، أعطانا الحق سبحانه مما نسأل وقبل أن نسأل، وأعدَّ الكون لنَا من قبل أنْ نوجد. إذن: فسبحانه قد أعطانا من قبل أنْ نسألَ؛ وسبقت النعمة وجود آدم ﵇، واستقبل الكونُ آدم، وهو مُعَدٌّ لاستقباله.
وإذا نظرتَ للفرد مِنّا ستجد أن نِعَم الله عليه قد سبقتْ من قبل أن نعرف كيف نسأله، والمثل هو الجنين في بطن أمه.
وهنا قال الحق سبحانه:
﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ... ﴾ [إبراهيم: ٣٤] .
يعني: أنه قد أعطاك ما تسأله وما لم تسأله، نطقت به أو لم تنطق، ولو بحديث النفس أو خواطر خافية، وأنك قد تقترح وتطلب شيئاً فهو يعطيه لك.
وقد يسأل البعض من باب الرغبة في التحدي - ولله المثل الأعلى - نجد بعض البشر مِمَّنْ أفاء الله عليهم بجزيل نعمه؛ ويقول الواحد منهم: قُلْ لي ماذا تطلب؟
وقد حدث معي ذلك ونحن في ضيافة واحد مِمَّنْ أكرمهم الله بكريم عطائه، وكنا في رحلة صحراوية بالمملكة العربية السعودية،
стр. 8720
وقال لي: أطلب أي شيء وستجده بإذن الله حاضراً. وفكرتُ في أن أطلب ما لا يمكن أن يوجدَ معه، وقلت: أريد خيطاً وإبرة، فما كان ردّه إلا «وهل تريدها فتلة بيضاء أم حمراء؟» .
وإذا كان هذا يحدث من البشر؛ فما بالُنَا بقدرة الله على العطاء؟ ومن حكمة الله سبحانه أنه قال:
﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ... ﴾ [إبراهيم: ٣٤] .
ذلك أن وراء كل عطاءٍ حكمةً، ووراء كل مَنْع حكمة أيضاً، فالمنع من الله عين العطاء، فالحقّ سبحانه مُنزَّه عن أن يكون مُوظّفاً عندك، كما أن الحق سبحانه قد قال: ﴿وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَآءَهُ بالخير ... ﴾ [الإسراء: ١١] .
ولذلك قال:
﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ... ﴾ [إبراهيم: ٣٤] .
أي: بعض مِمّا سألتموه، ذلك أن هناك أسئلة حمقاء لا يُجيبكم الله عليها؛ مثل قول أي امرأة يعاندها ابنها «يسقيني نارك» هذه السيدة؛ لو أذاقها الله نارَ افتقاد ابنها؛ ماذا سوف تفعل.
إذن: فمِنْ عظمته سبحانه أنْ أعطانا ما هو مُطابِق للحكمة؛ ومنَع عنّا غَيْر المطابق لحكمته سبحانه، فالعطاء نعمة، والمَنْع نعمة أيضاً، ولو نظر كُلٌّ منا لعطاء السَّلْب؛ لَوجد فيه نعماً كثيرة.
ويقول سبحانه: ﴿سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧] .
стр. 8721
لذلك فلا يقولن أحدٌ: «قد دعوتُ ربي ولم يَستجِب لي» وعلى الإنسان أن يتذكَّر قَوْل الحق سبحانه: ﴿وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَآءَهُ بالخير وَكَانَ الإنسان عَجُولاً﴾ [الإسراء: ١١] .
فهو سبحانه مَنْ يملك حكمة العطاء وحكمة المنع. ولا أحدَ مِنّا يستطيع أنْ يعُدّ نِعَم الله. والعَدُّ - كما نعلم - هو حَصْرٌ لمفردات جَمْع أو جزئيات كُلٍّ. ويعلم أهل العلم بالمنطق - ونسميهم المَنَاطِقة - أن هناك «كُليّ» يقابله «جُزئيّ، وهناك» كُل «يقابله» جزء.
والمَثل على «الكُليّ» الإنسان؛ حيث إننا جميعاً مُكونّين من عناصر متشابهة؛ ومفرد البشر يختلف باختلاف الأسماء؛ أما ما يُسمَّى «كل» فالمثَل عليه هو الكُرسي، وهو مُكّون من مواد مختلفة كالخشب والمسامير والغِرَاء، ولا يمكن أن نطلق على الخشب فقط كلمة كرسي؛ وكذلك لا نستطيع أن نُسمِّي «المسامير» بأنها كراسي.
وعلى هذا نكون قد عرفنا أن حقيقة الكُلّي أن مفرداته متطابقة؛ وإن اختلفت أسماؤها، لكن حقيقة الكُلِّ أن مفرداته غير متشابهة، وتختلف في حقيقتها.
وإذا أردتَ أنْ تُحصِي الكُليّ فأنت تنطق أسماء الأفراد كأن تقول: محمد وأحمد وعلي؛ وهذا ما يُسمى عداً، وهكذا نفهم أن العَدَّ هو إحصاءُ جزئيات الكلي، أو إحصاء أجزاء الكُلِّ.
стр. 8722
ونعلم أنهم قد سَمَّوْا العَدَّ إحصاءً؛ لأنهم كانوا يعدُّون الأشياء قديماً بالحصَى؛ وأُطلِقت كلمة الإحصاء على مُطْلق العَدِّ حساباً للأصل، وعرف عدد أجزاء الكلي أو الكل.
وكان الإنسان في العصور القديمة يَعُد - على سبيل المثال - إلى رقم «مائة» ، ثم يحسب كل مائة بحصاة واحدة؛ فإذا تجمّع لديه عَشْر حصوات عرف أن العدد قد صار ألفاً، ومن هنا جاءت كلمة الإحصاء، وفي كثير من أمور عصرنا المتقدم؛ ما زِلْنا نُسمّي بعض الأشياء بمُسمّيات قديمة؛ فنحسب قوة السيارة بقوة الحصان.
وأنت إذا نظرتَ إلى قول الحق سبحانه:
﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا ... ﴾ [إبراهيم: ٣٤] .
ستجد الكثير من المعاني، ولكن مَنْ يحاولون التصيُّد للقرآن يقولون: إن هذا أمر غَيْر دقيق؛ فما دام قد حدث العَدّ؛ فكيف لايتم الإحصاء؟ وهؤلاء ينسوْنَ أن المقصود هنا ليس العدّ في ذاته؛ ولكن المقصود هو إرادة العدِّ.
ولو وُجِدت الإرادة فليس هناك قدرة على استيعاب نعم الله، ومن هنا لا نرى تعارضاً في آيات الله، وإنما هو نسق متكامل، فأنت لا تُقبل على عَدِّ أمر إلا إذا كان غالبُ الظن أنك قادرٌ على العَدِّ، وذلك إذا كان في إمكان البشر، ولكن نعم الله فوق طاقة مقدور البشر.
والمثَل أيضاً على مسألة إرادة الفعل يمكن أن نجده في قوله الحق: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ ... ﴾ [المائدة: ٦] .
стр. 8723
ونحن لا نغسل وجوهنا لحظة أن نقوم بالصلاة؛ ولكننا نغسلها ونستكمل خطوات الوضوء حين يُؤذّن المؤذن ونمتلك إرادة الصلاة، فكأن القول هنا يعني: إذا أردتُم القيام إلى الصلاة فافعلوا كذا وكذا.
ونعلم أن ذِكْر الشيء بسببه كأنه هو؛ ولذلك يُقال: إذا كان الآذان قد أذّن في المسجد؛ وأنت خارج من منزلك بقصد الصلاة؛ فلا تجري لتلحق بالإمام وتُدرك الصلاة؛ لأنك في صلاة من لحظة أنْ توضأْتَ وخرجتَ من بيتك للصلاة؛ وإياك أنْ تفعلَ حركة تتناقض مع الصلاة، وادخل المسجد بسكينة ووقار لتؤدي الصلاة مع الإمام.
وحين نتأمل قول الحق سبحانه:
﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا. .﴾ [إبراهيم: ٣٤] .
ستجد أن العادة في اللغة هي استعمال «إن» في حالة الأمر المشكوك فيه، أما الأمر المتُيقّن فنحن نستخدم «إذا» مثل قوله الحق:
стр. 8724
﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ [النصر: ١] .
وقد جاء الحق سبحانه هنا بأسلوب الشك حين قال:
﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا. .﴾ [إبراهيم: ٣٤] .
ذلك أن العاقل يعلم مُقدّماً أنه سيعجز عن إحصاء نِعَم الله. وكلنا يعلم أن هناك علماً اسمه «الإحصاء» وله أقسام جامعية متخصصة.
وعلى الرغم من التقدم وصناعة الحاسب الآلي «الكمبيوتر» لم يستطع أحدٌ ولم يُقبِل أحدٌ على إحصاء نِعَم الله في الكون، ذلك أن العدَّ والإحصاء يقتضي كُليّاً له أفراد، أو كُلاً له أجزاء.
وأنت إنْ نظرتَ إلى أيّ نعمة من نعم الله؛ قد تظنها نعمة واحدة؛ ولكنك إنْ فصَّلْتَ فيها ستجدها نِعَماً مُتعدِّدة وشتّى، وهكذا لا يوجد تناقض في قوله الحق:
﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا. .﴾ [إبراهيم: ٣٤] .
وأنت إنْ أخذتَ نعمة المياه ستجدها نِعَماً متعددة؛ فهي مُكونّة من عناصر، كل عنصر فيها نعمة؛ وإن أَخذتَ نعمة الأرض ستجد فيها نِعَماً كثيرة مطمورة، وهكذا تكون كل نعمة من الله مطمور فيها نِعمَ متعددة، ولا تُحْصَى.
وحين تنظر في قول الحق سبحانه:
﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا. .﴾ [إبراهيم: ٣٤] .
стр. 8725
تجد ثلاثة عناصر؛ هي المُنعِم؛ والنعمة التي حكَم الحق سبحانه أنك لن تحصيها، وأن خَلْقه لَم يضعوا أنوفهم في أنْ يعدّوا تلك النعمة، فهي لا تحصى لأنها ليست مظنّة الإحصاء؛ ولا يقبل عاقلٌ أن يحصيها.
والعنصر الثالث هو المُنْعَم عليه، وهو الإنسان الذي قد يعجز عن إحصاء نعم رئيسه من البشر عليه - فما بالك بنعم الله التي لا تحصى، وكمالاته التي لا تُحدّ، وعطائه الذي لا ينفد؟ ولله المثل الأعلى، فهو المنزّه عن المثل.
ثم يأتي قول الحق سبحانه:
﴿إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] .
وهنا في سورة إبراهيم نجد قوله الحق مبيناً ظلم الإنسان لنفسه وكفره بالنعمة، وفي كفره للنعمة كفر بالمنعم يقول : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ القرار﴾ [إبراهيم: ٢٨ - ٢٩] .
وهؤلاء هم مَنِ ارتكبوا مظالم بالنسبة لعقيدة الوحدانية والإيمان بالله، والإنسان هو المُنْعَم عليه؛ وما كان يصحّ أن يرى كل تلك النعم ثم يكفر بها، وكان من العدل أن يعطي الحق لصاحبه، ولكن بعضاً من البشر بدَّلوا نعمة الله كفراً؛ وهكذا صاروا مِمَّنْ يُطلَق على كل منهم أنه ظلوم في الحكم؛ وأنه كفّار؛ لجحوده بالنعمة ونكرانه عطاء الخالق للمخلوق.
стр. 8726
والظلم كما نعرف هو أن تنقل الحق من صاحبه إلى غير صاحبه؛ وإنْ لم تؤمن بالله تكون قد أخذتَ حق الإله في الوجود، وإنْ كنتَ تؤمن بشركاء؛ فأنت تنقل بذلك حقاً من الله إلى غيره وهذا ظلم القمة.
وانظر إلى قول الحق سبحانه في سورة النحل: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرض مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ وَهُوَ الذي سَخَّرَ البحر لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الفلك مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١٢ - ١٨] .
فهل هناك إرادة أو قدرة تستطيع أن تحصي عطاءات الله التي فوق العَدِّ والحدِّ؟ ففي الآيات السابقة وغيرها إعجاز وعجز، وما دام هناك عجز فالكمال عنده لا يتناهى.
стр. 8727
إن بعضاً مِمَّنْ يستدركون على القرآن يقولون: كيف يقول القرآن مرة:
﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] .
ثم يقول في آية أخرى:
﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] .
ونردُّ على هؤلاء: أنتم لم تنظروا إلى السياق الذي جاء في كل آية، وعَمِيَتْ بصيرتكم عن معرفة أن سياقَ الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قد جاء فيها ذِكْر النِّعم وذكر الجحود والكفران بالنعم؛ وهذا ناشىء عن ظُلْم الإنسان لنفسه بالظُّلْم العظيم.
وفي آية أخرى سورة النحل جاء بِذكْر النعم، ورغم ظُلْمنا إلا أن رحمته سبحانه وَسِعَتْنا، ولم يمنع عنَّا ما أسبغه علينا من نعم، وكأنه سبحانه يُوضِّح لنا: إياكم أنْ تستحُوا أنْ تسألوني شيئاً؛ وإنْ كنتم قد ظلمتُم وكفرتُم في أشياء، فظُلْمكم يقابله غفران منّى، وكافريتكم يقابلها منى رحمة، وهكذا لا يوجد تعارضٌ بين الآيتين؛ بل كُل تذييل لكل آية مناسبٌ لها، ففي الآية الأولى يعاملنا الله بعدله، وفي الآية الثانية يعاملنا الله بفضله.
ونلحظ أن الحق سبحانه قد قال هنا:
﴿إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤]
стр. 8728
ونعلم أن هناك أناساً قد آمنوا بالله وبنعمه، ويشكرون الله عليها، فكيف يَصِف الحق سبحانه الإنسان بأنه ظَلوم كفَّار؟
ونقول: إن كلمة «إنسان» إذا أُطلِقتْ من غير استثناء فهي تنصرف إلى الخُسْران والحياة بلا منهج؛ ودون التفات للتفكير في الكون.
والحق سبحانه حين أراد أن يُوضِّح لنا ذلك قال: ﴿والعصر إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: ١ - ٢] .
ولذلك جاء سبحانه بالاستثناء بعدها، فقال: ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ [العصر: ٣] .
ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل ... ﴾ .
стр. 8729
وحين يقول سبحانه (إذ) أي «اذكر» ويقول من بعد ذلك على لسان إبراهيم (رَبّ) ولم يَقُلْ «يا الله» ذلك أن إبراهيم كان يرفع دعاءه للخالق المربِّي، لذلك قال «ربّي» ولم يَقُل «يا الله» لأن عطاءَ الله تكليفٌ، وأمام التكليف هناك تخيير في أن تفعل ولا تفعل، مثل قوله سبحانه: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة ... ﴾ [البقرة: ٤٣] .
стр. 8730
أما عطاء الربوبية فهو ما يقيم حياة المُصلِّين وغير المُصلِّين.
ولم تَأْتِ مسألة إبراهيم هنا قَفْزاً؛ ولكِنّا نعلم أن القرآن قد نزل، وأول مَنْ سيسمعه هُم السادة من قريش؛ الذين تمتَّعوا بالمهابَة والسيادة على الجزيرة العربية؛ ولا يجرؤ أحد على التعرُّض لقوافلها في رِحْلَتَيْ الشتاء والصيف؛ لليمن والشام؛ وهم قد أخذوا المهابة من البيت الحرام.
ولذلك تكلَّم الحق سبحانه عن النعمة العامة لكل كائن موجود تنتظر أُذنه نداءالإسلام؛ وبعد ذلك يتكلم الحق سبحانه عن النعم التي تخصُّهم؛ لذلك قال:
﴿رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً ... ﴾ [إبراهيم: ٣٥] .
وقد وردتْ هذه الجملة في سورة البقرة بأسلوب آخر، وهو قول الحق سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً ... ﴾ [البقرة: ١٢٦] .
والفرق بين «البلد» و «بلداً» يحتاج مِنّا أن نشرحه، ف «بلداً» تعني أن المكان كان قَفْراً؛ ودعا إبراهيم أن يصبحَ هذا المكانُ بلداً آمناً أي: أن يجد مَن يقيمون فيه، يُجدّدون حاجاتهم ومتُطلباتهم؛ وتكون وسائل الرزق فيه مُيسَّرة، ودعاؤه أيضاً شمل طلب الأمن، أي: ألا يوجد به ما يُهدّد طمأنينة الناس على يومهم العاديّ ووسائل رزقهم.
стр. 8731
وأجاب الحق سبحانه دعاء إبراهيم فصار المكان بلداً؛ وجعله سبحانه آمناً أماناً عاماً؛ لأن الإنسان في أيّ بُقْعة من بقاع الأرض لا يتخذ مكاناً يجلس فيه ويقيم ويتوطّن إلا إذا ضمن لنفسه أسباب الأمن من مُقوّمات حياة ومن عدم تفزيعه تفزيعاً قوياً، وهذا الأمن ملطوب لكل إنسان في أيّ أرض.
وقد دعا إبراهيم ﵇ هذا الدعاء وقت أنْ نزلَ هذا المكان، وكان وادياً غير ذي زرع؛ ولا مُقوّمات للحياة فيه؛ فكان دعاؤه هذا الذي جاء ذِكْره في سورة البقرة.
أما هنا فقد صار المكان بلداً؛ وكان الدعاء بالأمن لثاني مرة؛ هي دعوة لأمن خاص؛ ففي غير هذا المكان يمكن أن تُقطع شجرة؛ أو يصْطاد صَيْد؛ ولكن في هذا المكان هناك أَمْنٌ خاصّ جداً؛ أمنٌ للنبات ولكُلّ شيء يوجد فيه؛ فحتى الحيوان لا يُصَاد فيه؛ وحتى فاعل الجريمة لا يُمَسّ.
وهكذا اختلف الدعاء الأول بالأمن عن الدعاء الثاني؛ فالدعاء الأول: هو دعاء بالأمن العام؛ والدعاء الثاني: هو دعاء بالأمن الخاص؛ ذلك أن كل بلد يوجد قد يتحقق فيه الأمن العام؛ ولكن بلد البيت الحرام يتمتع بأمنٍ يشمل كل الكائنات.
стр. 8732
ويقول بعض من السطحيين: ما دام الحق قد جعل البيت حَرَماً آمناً؛ فلماذا حدث ما حدث من سنوات من اعتداء على الناس في الحرم؟
ونقول: وهل كان أمْن الحرم أمراً «كونياً» ، أم تكليفاً شرعياً؟ إنه تكليف شرعي عُرْضة أنْ يُطاع، وعُرضة أن يُعصي.
وقوله سبحانه: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً ... ﴾ [آل عمران: ٩٧] .
يعني أن عليكم أيُّها المُتبِّعون لدين الله أنْ تُؤمِّنوا مَنْ يدخل الحرم أنهم في أمن وأمان، وهناك فارق بين الأمر التكليفيّ والأمر الكونيّ.
ويقول سبحانه على لسان إبراهيم:
﴿واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام﴾ [إبراهيم: ٣٥] .
وهو قَوْل يحمل التنبؤ بما حدث في البيت الحرام على يد عمرو ابن لُحَيٍّ الذي أدخل عبادة الأصنام إلى الكعبة، وهو قَوْل يحمل تنبؤاً من إبراهيم ﵇.
ولقائل أنْ يسألَ: وكيف يدعو إبراهيم بذلك، وهو النبي المعصوم؟ كيف يطلب من الحق أن يُجنِّبه عبادة الأصنام؟
وأقول: وهل العصمة تمنع الإنسان أن يدعوَ ربه بدوام ما هو عليه؟ إننا نتلقى على سبيل المثال الأمر التكليفي منه سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ آمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ ... ﴾ [النساء: ١٣٦] .
стр. 8733
وهو أَمرْ بالمداومة.
والحق سبحانه قد قال على لسان رسوله شعيب ﵇: ﴿قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِباً إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله رَبُّنَا ... ﴾ [الأعراف: ٨٩] .
وفي هذا القول ضراعة إلى المُنعِم علينا بنعمة الإيما؛ وفي هذا القول الكريم أيضاً إيضاحٌ لطلاقة قدرة الحق سبحانه.
ونلحظ أن الحق سبحانه قد قال هنا: ﴿واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام﴾ [إبراهيم: ٣٥] .
والصنم غير الوثن، فالمُشكَّل بشكل إنسان هو الصنم؛ أما قطعة الحَجَرِ فقد والتي خَصَّها بعضٌ من أهل الجاهلية بالعبادة فهو الوثن.
وهناك مَنْ أراد أنْ يخرج بِنَا من هذا المأزِق؛ فقال: إن الكفر نوعان. شرك جَلي؛ وشرك خفيّ. والشرك الجليّ أن يعبدَ الإنسانُ أي كائن غير الله؛ والشرك الخفيّ أن يُقدّس الإنسانُ الوسائطَ بينه وبين الله، ويعطيها فوق ما تستحق، وينسب لها بعضاً من قدرات الله.
стр. 8734
ودعاء إبراهيم ﵇ أن يُجنِّبه وبنيه أنْ يعبدوا الأصنامَ يقتضي مِنّا أن نفهم معنى كلمة أبناء؛ ذلك أن إبراهيم قصد بالدعاء بنية الذين يَصِلُون إلى مرتبة الرسالة والنبوة مثله؛ ذلك أننا نعلم أن بعضاً من بنية قد عبدوا الأصنام والأوثان.
ومعنى كلمة «أبناء» أوضحه سبحانه في مواطن أخرى. ونبدأ من قوله: ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ... ﴾ [البقرة: ١٢٤] . ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً. .﴾ [البقرة: ١٢٤] .
أي: أن حيثية الإمامة هي أداء إبراهيم ﵇ لكل مهمة بتمامها وبدِقّة وأمانة، وإذا كان هذا هو دستورَ الله في الخَلْق؛ فلا بُدّ لنا أن نتخلَّقَ بأخلاق الله.
وعلينا ألا نختار أيَّ إنسان لأية مهمة ليكون إمامها، إلا أنْ كان كُفْء لها ويُحسِن القيام بها.
ولنتذكر قوله ﷺ َ:
«إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتظِر الساعة» قال السائل له عن موعد
стр. 8735
قيام الساعة: وكيف إضاعتها؟ قال: «إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» .
ذلك أن إسناد أيّ أمر لغير أهله إنما هو إفساد في الوجود، لأن الأصل في إسناد أيّ أمر لأي إنسان أن يكون بهدف أن يقومَ بالأمر كما يجب، فإذا كان الاختيار سيئاً؛ فسيكون هذا الإنسان أُسْوة في السوء؛ وتنتقل منه عدوى عدم الإتقان إلى غيره؛ ويتفشَّى السوء في المجتمع، أما إذا تولى الأمر مَنْ هو أَهْلٌ له فالموقف يختلف تماماً، فوضع الإنسان في مكانه اللائق، تعتدل به موازين العدل، وفي اعتدال الميزان استقرار للزمان والمكان والإنسان.
والمَثلُ على ذلك: أن الأولاد الذين تربَّوْا في السعودية؛ ورأََوْا أن يد السارق تُقطع؛ لم نجد منهم مَنْ يسرق؛ لأنهم تربَّوْا على أن السارق تُقطع يده، وفهموا أن الحق سبحانه لحظة أنْ يضعَ عقوبة قاسية؛ فليس هذا إذْنٌ بأن تقع الجريمة؛ بل ألاَّ تقعَ الجريمة.
وحين يتساءل مَنْ يدَّعُون التحضرُّ: كيف يقول القرآن: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين ... ﴾ [البقرة: ٢٥٦] .
وحين تجدون مَنْ يخرج عن الدين تقبضون عليه، وينادي البعض بإعدامه؟
стр. 8736
ولهؤلاء أقول: وهل هذا الأمر يُحسب على الإسلام أم لصالح الإسلام؟
إنه لصالح الإسلام، ذلك أن مِثْل هذا الحرص على كرامة الدين يُهيِّب الناس أنْ يدخلوا الدين إلا بعد الإقناع المؤدي لليقين، واليقين هو الوصول إلى الدين الحقّ مصحوباً بدليل.
يقول الحق سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق ... ﴾ [فصلت: ٥٣] .
بهذا نعلم أن دخول الإسلام سيُكلّفه حياته لو أراد أنْ يخرجَ منه، لأنه خرج من اليقين الذي دخله بالدليل.
وحين دعا إبراهيم ﵇ ربه:
﴿رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام﴾ [إبراهيم: ٣٥] .
كان قد نجح في اختبار الله له، ونجح في أداء ما أُسنِد إليه تماماً؛ وشاء له الحق سبحانه أن يكون إماماً، واستشرف إبراهيم ﵇ أن تكون الإمامة في ذريته؛ فقال: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي ... ﴾ [البقرة: ١٢٤] .
فجاءه الجواب من الحق سبحانه: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤] .
وهكذا أوضح الحق سبحانه أن بُنوه الأنبياء ليست بنوة لَحْم
стр. 8737
ودم؛ بل بُنُوة اتباع واقتداء، وكلنا نعلم أن الحق سبحانه قد قال لنوح عن ابنه: ﴿فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ... ﴾ [هود: ٤٦] .
ونعلم أن رسول الله ﷺ َ قد قال عن سلمان الذي كان فارسياً: «سلمان منا آل البيت» .
وفي هذا تأكيد على أن بنُوّة الأنبياء هي بنُوّة اتباعٍ واقتداء.
ويستكمل الحق سبحانه دعاء إبراهيم ﵇؛ فنجد وَعْي خليل الرحمن بما تفعله عبادة الأصنام: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً ... ﴾ .
стр. 8738
ونعلم أن الأصنام بذاتها لا تُضِل أحداً؛ ذلك أنها لا تتكلم ولا تتحدث إلى أحد؛ ولكن القائمين عليها بدعْوى أن لتلك الأصنام ألوهية؛ ولا تكليفَ يصدر منها، هم الذين يضلِون الناس ويتركونهم كما يقول المثل العامي «على حَلِّ شعورهم» .
ويرحب بهذا الضلال كل مَنْ يكره أن يتبع تعاليم الخالق الواحد الأحد.
ويتابع سبحانه ما جاء على لسان إبراهيم ﵇ من بعد الدعاء:
﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] .
وهذه تعقيباتٌ في مسألة الغُفران والرحمة بعد العصيان؛ فمرّة يعقُبها الحق سبحانه: ﴿العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨] .
ومرّة يعقبها: ﴿الغفور الرحيم﴾ [الزمر: ٥٣] .
ذلك أن الجرائم تختلف درجاتها، فهناك جريمة الخيانة العُظْمى أو جريمة القِمّة؛ مثل مَنْ يدّعي أنه إلهٌ؛ أو مَنْ يقول عنه أتباعه أنه إله دون أنْ يقولَ لهم هو ذلك.
стр. 8739
وقد قال عيسى ﵇ بسؤال الحق له: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله ... ﴾ [المائدة: ١١٦] .
فيأتي قَوْل عيسى ﵇: ﴿إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب﴾ [المائدة: ١١٦] .
ويتابع عيسى ﵇ القَوْل: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨] .
وهكذا تأتي العزّة والمغفرة بعد ذِكْر العذاب؛ فهناك مواقف تُناسِبها العِزّة والحكمة؛ ومواقف تناسبها المغفرة والرحمة، ولا أحدَ بقادرٍ على أنْ يردّ لله أَمْرَ مغفرةٍ أو رحمةٍ؛ لأنه عزيزٌ وحكيمٌ.
وقوله الحق:
﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس ... ﴾ [إبراهيم: ٣٦] .
يعكس صفات مناسبة للمُقدِّمات الصدرية في الآية، وتؤكد لنا أن القرآن من حكيم خبير، وأن الله هو الذي أوحى إلى عبده القرآن: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى﴾ [الأعلى: ٦] .
فما الذي يجعله يقول في الآية: ﴿الغفور الرحيم﴾ [الزمر: ٥٣] .
وفي آية أخرى: ﴿العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨] .
مع أن السياق المعنويّ قد يُوحي من الظاهر بعكس ذلك؟
стр. 8740
وما الذي يجعله سبحانه يقول في آية بعد أن يُذكّرنا أن نِعَم الله لا تُعَدّ ولا تُحْصَى: ﴿إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] .
ويقول في آية أخرى بعد أنْ يُذكِّرنا بِنعَمِ الله بنفس اللفظ: ﴿إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] .
وكذلك قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١١ - ١٢] .
ثم قوله في آية أخرى: ﴿إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ [الإنسان: ٢٩] .
كل ذلك يعطينا حكمة التنزيل، فإن كل آية لها حكمة، وتنزيلها يحمل أسرار المراد.
وكُلُّ ذلك يأتي تصديقاً لقوله الحق: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى﴾ [الأعلى: ٦] .
لأن الحق شاء أنْ يُنزِل القرآن على رسوله، ويضمن أنه سيحفظه؛ ولن ينسى موقع أن مكان آيةٍ من الآيات أبداً، ذلك أن الذي قال:
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى﴾ الأعلى: ٦]
هو الحق الخالق القادر.
стр. 8741
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك ما قاله إبراهيم ﵇: ﴿رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي ... ﴾ .
стр. 8742
ونفهم من التعبير في هذه الآية أن المكانَ لا يصلح للزرع؛ ذلك أنه أرض صَخْرية؛ وليست أرضاً يمكن استصلاحها؛ وقَوْل إبراهيم ﵇:
﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧] .
أي: لا أملَ في زراعتها بمجهود إنساني، وليس أمام تواجد الرزق في هذا المكان إلا العطاء الرباني. ولم يكُنْ اختيار المكان نتيجة بَحْثٍ من إبراهيم ﵇؛ ولكن بتكليف إلهيّ، فسبحانه هو الذي أمر بإقامة القواعد من البيت المحرم، وهو مكان من اختيار الله، وليس من اختيار إبراهيم ﵇.
وحين يقول إبراهيم ﵇:
﴿عِندَ بَيْتِكَ المحرم. .﴾ [إبراهيم: ٣٧] .
стр. 8743
فهذا يعني حيثية الرِّضا بالتكليف، وما دام هذا أمراً تكليفياً يجب أنْ يُنفّذ بعشق؛ فهو يأخذ ثوابين اثنين؛ ثواب حُبّ التكليف؛ وثواب القيام بالتكليف.
ولنا المثل في حكاية الرجل الذي قابله الأصمعي عند البيت الحرام، وكان يقول: «اللهم، إنِّي قد عصيتُك، ولكني أحب مَنْ يطيعك، فاجعلها قُرْبة لي» . فقال الأصمعي ما يعني أن الله لا بُدَّ أن يغفر لهذا الرجل لِحُسْن مسألته، ذلك أنه رجل قد فرح بحب التكليف ولو لم يَقُمْ به هو؛ بل يقوم به غيره وهذا يُسعده.
فالتكليف عندما يقوم به أيُّ إنسان؛ فذلك أمر في صالح كل البشر، وكلنا نقول حين نُصلي ونقرأ الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] .
أي: أن كُلاً مِنّا يحشر نفسه في زمرة العابدين؛ لعل الله يتقبّل من واحد فندخل كلنا في الصفقة؛ ولذلك أقول لِمَنْ يرتكب معصية: عليك ألا تغضب، لأن هناك مَنْ يطيع الله؛ بل افرح به؛ لأن فرحَك بالمطيع لله؛ دليلٌ على أنك تحبُّ التكليف، رغم أنك لا تقدر على نفسك، وفي هذا الحُبِّ كرامة لك.
وقد قال إبراهيم ﵇ عن الوادي الذي أمره الحق سبحانه أن يقيم فيه القواعد للبيت الحرام أنه وادٍ غير ذي زَرْع، وقد
стр. 8744
جاء هو إلى هذا المكان لُينفّذ تكليف الحق سبحانه له؛ لدرجة أن زوجته هاجر عندما علمت أن الاستقرار في هذا المكان هو بتكليف من الله قالت: «إذنْ لن يضيعنا» .
ويُقدِّم إبراهيم ﵇ حيثيات الإقامة في هذا المكان، وأسباب إقامته للقواعد كما أراد الله، فيقول:
﴿فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ ... ﴾ [إبراهيم: ٣٧] .
أي: أن مجيء الناس إلى هذا المكان لن يكون شهوة سياحة؛ ولكن إقامة عبادة؛ فما دام المكان قد أُقيم فيه بيت لله باختيار الله؛ فلا بُدَّ أن يُعبدَ فيه سبحانه.
وهكذا تتضح تماماً حيثيات أَخْذ الأمر بالوجود في مكان ليس فيه من أسباب الحياة ولا مُقوِّماتها شيء؛ ولكن الحق سبحانه قد أمر بذلك؛ فلا بُدَّ للمقيم للصلاة من إقامة حياة؛ والمُقوِّم الأول للحياة هو المَأْكل والمَشْرب.
ولذلك دعا إبراهيم ﵇:
﴿فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ. .﴾ [إبراهيم: ٣٧] .
والأفئدة جمع «فؤاد» ، وتُطلَق على الطائفة؛ وعلاقة الفؤاد
стр. 8745
بالحجيج علاقةٌ قوية؛ لأن الهوى في الحجيج هوى قلوب؛ لا جيوب. وأنت تجد الإنسان يجمع النقود الخاصة بالحج، وقد يحرم نفسه من أشياء كثيرة من أجل أن يحظَى بأداء تلك الفريضة.
وكلمة «هوى» مُكوّنة من مادة «الهاء» و «الواو» و «الياء» ولها معَانٍ متعددة، فلك أنْ تقول «هَوَى» أو تقول «هَوِى» ، فإنْ قلت: «هَوَى يهوي» من السقوط من مكان عالٍ؛ دون إرادة منه في السقوط؛ وكأنه مقهورٌ عليه، وإنْ قُلْت: «هَوِى يهويَ» فهذا يعني أحبّ، وهو نتيجة لِميْل القلوب، لا مَيْل القوالب.
وهنا يقول الحق سبحانه:
﴿فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ وارزقهم مِّنَ الثمرات لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] .
فهم في مكان لا يمكن زراعته. وقد تقبَّل الحق سبحانه دعاءَ إبراهيم ﵇؛ ووجدنا التطبيق العملي في قوله الحق: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا ... ﴾ [القصص: ٥٧] .
стр. 8746
وذلك قبل أن يوجد بترول أو غير ذلك من الثروات. وكلمة «يُجْبي» تدل على أن الأمرَ في هذا الرزق القادم من الله كأنه جِبَاية؛ وأمْر مفروض، فتكون في الطائف مثلاً وفيها من الرمان والعنب وتحاول أنْ تشتريه؛ فتجد مَنْ يقول لك: إن هذا يخصُّ مكة المكرمة؛ إنْ أردتَ منه فاذهب إلى هناك.
وتجد في كلمة: ﴿ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ... ﴾ [القصص: ٥٧] .
ما يثير العجب والدهشة؛ فأنت في مكة تجد بالفعل ثمرات كل شيء من زراعة أو صناعة؛ ففيها ثمرات الفصول الأربعة قادمة من كل البلاد؛ نتيجة أن كل البيئات تُصدِّر بعضاً من إنتاجها إلى مكة.
وفي عصرنا الحالي نجد ثمرات النموِّ الحضاري والعقول المُفكِّرة وهي معروضة في سوق مكة أو جدة؛ بل تجد ثمرات التخطيط والإمكانات وقد تمَّتْ ترجمتُها إلى واقع ملموس في كل أَوْجُه الحياة هناك.
وقديماً عندما كُنّا نؤدي فريضة الحج؛ كُنّا نأخذ معنا إبرة الخيط؛ ومِلْح الطعام؛ ومن بعد أن توحَّدتْ غالبية أرض الجزيرة تحت حكم آل سعود واكتشاف البترول؛ صِرْنا نذهب إلى هناك، ونأتي بكماليات الحياة.
ولنلحظ قَوْل الحق سبحانه:
﴿فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ ... ﴾ [إبراهيم: ٣٧] .
стр. 8747
فكلمة «من» تُوضِّح أن مَنْ تهوي قلوبهم إلى المكان هم قطعةٌ من أفئدة الناس، وقال بعَضٌ من العارفين بالله: لو أن النصَّ قد جاء «فاجعل أفئدة الناس تهوي إليهم» لوجدنا أبناء الديانات الأخرى قد دخلت أيضاً في الحجيج، ومن رحمة الله سبحانه أن جاء النص:
﴿فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ ... ﴾ [إبراهيم: ٣٧] .
فاقتصر الحجيج على المسلمين.
ويقول سبحانه من بعد ذلك مُستْكمِلاً ما جاء على لسان إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي ... ﴾ .
стр. 8748
وبعد أن اطمأن إبراهيم ﵇ أن لهذا البلد أمناً عاماً وأمناً خاصاً، واطمأن على مُقوِّمات الحياة؛ وأن كل شيء من عند الله، بعد كل ذلك عاودته المسألة التي كانت تشغله، وهي مسألة تَرْكه لهاجر وإسماعيل في هذا المكان.
وبعض المُفسِّرين قالوا: إن الضمير بالجمع في قوله تعالى:
﴿تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ... ﴾ [إبراهيم: ٣٨] .
стр. 8749
مقصود به ما يُكِنّه من الحُبِّ لهاجر وإسماعيل، وما يُعلِنه من الجفاء الذي يُظهِره لهما أمام سارة، وكأن المعاني النفسية عاودتْه لحظةَ أنْ بدأ في سلام الوداع لهاجر وابنه إسماعيل.
ونقول: لقد كانت هاجر هي الأخرى تعيش موقفاً صَعْباً؛ ذلك أنها قد وُجدت في مكان ليس فيه زَرْع ولا ماء، وكأنها كتمتْ نوازعها البشرية طوال تلك الفترة وصبرتْ.
ولحظة أنْ جاء إبراهيم لِيُودّعها؛ قالت له: أين تتركنا؟ وهل تتركنا مِنْ رأيك أم من أمر ربَك؟ فقال لها إبراهيم ﵇: بل هو من أَمر الله. فقالت: إذن لن يضيعنا.
وتأكدت هاجر من أن ما قالتْه قد تحقَّق؛ ولن يُضيّعهما الله، وحين يعطش وحيدها تجري بين الصفا والمروة بَحْثاً عن مياه؛ ولكنها ترى تفجُّر الماء تحت قَدَمَيْ ابنها في المكان الذي تركته فيه؛ ويبدأ بئر زمزم في عطاء البشر منذ ذلك التاريخ مياهه التي لا تنضب.
وهكذا يتحقق قول إبراهيم ﵇ في أن الله يعلم ما نُسِرّ وما نُعلِن؛ ذلك أن كل مُعْلَن لا يكون إلا بعد أن كل مَخْفياً، وعلى الرغم منَ أن الله غَيْبٌ إلا أن صِلَته لا تقتصر على الغيب؛ بل تشمل العالم الظاهر والباطن؛ وكل مظروف في السماء أو الأرض معلومٌ لله؛ لأن ما تعتبره أنت غيباً في ذهنك هو معلوم لله من قبل أن يتحرك ذهنك إليه.
стр. 8750
ولذلك يقول سبحانه في موقع آخر: ﴿وَإِن تَجْهَرْ بالقول فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧] .
فإذا كان السِّر هو ما أسررْت به لغيرك؛ وخرج منك لأنك استأمنتَ الغير على ألاّ يقوله، أو كان السر ما أخفيتَه أنت في نفسك؛ فالله هو العَالِم به في الحالتين.
ويقول القرآن: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النبي إلى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً. .﴾ [التحريم: ٣] .
أي: أن السِّرَّ كان عند رسول الله ﷺ َ وانتقل إلى بعضٍ من أزواجه. والأَخْفى هو ما قبل أنْ تبوحَ بالسرِّ؛ وكتمته ولم تَبُحْ به.
وسبحانه يعلم هذا السر وما تخفيه. أي: السر الذي لم تَقًُلْه لأحد، بل ويعلمه قبل أنْ يكونَ سرِاً.
ويقول سبحانه ما قاله إبراهيم ﵇ ضراعةَ وحَمْداً له سبحانه: ﴿الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي ... ﴾ .
стр. 8751
والوَهْب هو عطاء من مُعْطٍ بلا مقبال منك. وكل الذرية هِبَة،
стр. 8752
لو لم تكُنْ هبة لكانت رتيبة بين الزوجين؛ وأينما يوجد زوجان توجد. ولذلك قال الله: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠] .
والدليل على أن الذرية هِبَة هو ما شاءه سبحانه مع زكريا ﵇؛ وقد طلب من الله سبحانه أن يرزقه بغلام يرثه، على الرغم من أنه قد بلغَ من الكِبَر عِتياً وزوجه عاقر؛ وقد تعجَّب زكريا من ذلك؛ لأنه أنجب بقوة، وفي هذا المعنى يقول الحق سبحانه: ﴿كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ [مريم: ٩] .
وهذا يعني ألاَّ يدخل زكريا في الأسباب والمُسبِّبات والقوانين.
وقد سمَّى الحق سبحانه الذرية هِبةً؛ لذلك يجب أن نشكرَ الله لأن الذي يقبل هبة الله في إنجاب الإناث برضاً يرزقه الله بشباب يتزوجون البنات؛ ويصبحون أطوعَ له من أبنائه، رغم أنه لم يَشْقَ في تربيتهم.
وكل منّا يرى ذلك في مُحِِيطة، فمَنْ أنجب الأولاد الذكور يظل يرقب: هل يتزوج ابنه بمَنْ تخطفه وتجعله أطوعَ لغيره منه.
وإنْ وهب لك الذكور فعلى العين والرأس أيضاً، وعليك أنْ تطلبَ
стр. 8753
من الله أن يكون ابنك من الذرية الصالحة، وإنْ وهبكَ ذُكْرنا وإناثاً فلكَ أن تشكره، وتطلب من الله أن يُعينك على تربيتهم.
وعلى مَنْ جعله الحق سبحانه عقيماً أن يشكرَ ربه؛ لأن العُقْم أيضاً هبةٌ منه سبحانه؛ فقد رأينا الابن الذي يقتل أباه وأمه، ورأينا البنت التي تجحد أباها وأمها.
وإنْ قَبِل العاقر هبةَ الله في ذلك؛ وأعلن لنفسه ولمَنْ حوله هذا القبول؛ فالحق يجعل نظرة الناس كلهم له نظرة أبناء لأب، ويجعل كل مَنْ يراه من شباب يقول له: «أتريد شيئاً يا عم فلان؟» ويخدمه الجميع بمحبة صافية.
وإبراهيم ﵇ قد قال للحق سبحانه:
﴿الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر ... ﴾ [إبراهيم: ٣٩] .
والشكر على الهبة - كما عرفنا - يُشكِّل عطاءَ الذرية في الشباب، أو في الشيخوخة.
وأهل التفسير يقولون في:
﴿عَلَى الكبر ... ﴾ [إبراهيم: ٣٩] .
أنه يشكر الحق سبحانه على وَهْبه إسماعيل وإسحق مع أنه كبير. ولماذا يستعمل الحق سبحانه (على) وهي من ثلاثة حروف؛ بدلاً من «مع» ولم يَقُل «الحمد لله الذي وهب لي مع الكِبَر إسماعيل وإسحاق» .
وأقول: إن (على) تفيد الاستعلاء، فالكِبَر ضَعْف، ولكن إرادة
стр. 8754
الله أقوى من الضعف؛ ولو قال «مع الكبر» فالمعيّة هنا لا تقتضي قوة، أما قوله:
﴿وَهَبَ لِي عَلَى الكبر ... ﴾ [إبراهيم: ٣٩] .
فيجعل قدرة الله في العطاء فوق الشيخوخة.
وحين يقول إبراهيم ﵇ ذلك؛ فهو يشكر الله على استجابته لما قاله من قبل: ﴿إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧] .
أي: أنه دعا أن تكونَ له ذرية.
ويُذيِّل الحق سبحانه الآية بقول إبراهيم:
﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدعآء﴾ [إبراهيم: ٣٩] .
ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿رَبِّ اجعلني ... ﴾ .
стр. 8755
وكأن إبراهيم ﵇ حين دعا بأمر إقامة الصلاة فهذه قضية تخصُّ منهج الله، وهو يسأل الله أنْ يقبلَ، ذلك أن الطلبات الأخرى قد طلبها ببشريته؛ وقد يكون ما طلبه شراً أو خيراً؛ ولكن الطلب بأن يجعله مُقيماً للصلاة هو وذريته هو طَلَبٌ بالخير.
ويتتابع الدعاء في قول الحق سبحانه على لسان إبراهيم ﵇:
следующие страницы →