← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 9451–9490 · переход к 9456.

стр. 9451

وقوله تعالى: ﴿فِي جَوِّ السمآء ... ﴾ [النحل: ٧٩] . أي: في الهواء المحيط بالأرض، والمتأمل في الكون يجد أن الهواء هو العامل الأساسي في ثبات الأشياء في الكون، فالجبال والعمارات وغيرها. . ما الذي يمسكها أنْ تقع؟ إياك أن تظن أنه الأسمنت والحديد وهندسة البناء. . لا. . بل يمسكها الهواء الذي يحيط بها من كل جانب، بدليل أنك لو فَرَّغتَ جانباً منها من الهواء لانهارتْ فوراً نحو هذا الجانب؛ لأن للهواء ضغطاً، فإذا ما فرَّغْتَ جانباً منها قَلَّ فيه الضغط فانهارتْ. فالهواء إذن هو الضابط لهذه المسألة، وبالهواء يتوازن الطير في السماء، ويسير كما يهوى، ويتحرك كما يحب. ثم يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩] . أي: أن الطير الذي يطير في السماء فيه آيات أي عجائب، عجائب صَنْعة وعجائب خَلْق، يجب أنْ تتفكَّرُوا فيها وتعتبروا بها. ولكي نقف على هذه الآية في الطير نرى ما حدث لأول إنسان حاول الطيران. . إنه العربي عباس بن فرناس، أول مَنْ حاول

стр. 9452

الطيران في الأندلس، فعمل لنفسه جناحين، وألقى بنفسه من مكان مرتفع. . فماذا حدث لأول طائر بشرى؟ طار مسافة قصيرة، ثم هبط على مُؤخرته فكُسرت؛ لأنه نسي أن المسألة ليست مجرد الطيران، فهناك الهبوط الذي نسي الاستعداد له، وفاته أن يعمل له (زِمكّي) ، وهو الذيل الذي يحفظ التوازن عند الهبوط. وكذلك الذين يصنعون الطائرات كم تتكلف؟ وكم فيها من أجهزة ومُعدِات قياس وانضباط؟ وبعد ذلك تحتاج لقائد يقودها أو مُوجّه يُوجّهها، وحينما أرادوا صناعة الطائرة جعلوها على شكل الطير في السماء له جناحان ومقدمة وذيل، ومع ذلك ماذا يحدث لو تعطلّ محركها. . أو اختلّ توازنها؟! إذن: الطير في السماء آية تستحق النظر والتدبُّر؛ لنعلمَ منها قدرة الخالق سبحانه. ويقول تعالى: ﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩] . يؤمنون بوجود واجب الوجود، يؤمنون بحكمته ودقَّة صنعه، وأنها لا مثيلَ لها من صنعة البشر مهما بلغتْ من الدقة والإحكام.

стр. 9453

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مِّن. .﴾ . قوله:

стр. 9454

﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناً ... ﴾ [النحل: ٨٠] . كلمة سكن مأخوذة من السكون، والسكون ضد الحركة، فالبيت نُسمّيه سكناً؛ لأن الإنسان يلجأ إليه ليرتاح فيه من حركة الحياة خارج البيت، إذن: في الخارج حركة، وفي البيت سكن. والسكن قد يكون مادياً كالبيت وهو سكن القالب، وقد يكون معنوياً، كما قال تعالى في حَقِّ الأزواج: ﴿خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا. .﴾ [الروم: ٢١] . فالزوجة سكَنٌ معنويٌّ لزوجها، وهذا يُسمّونه سكن القلب. فإنْ قال قائل: ﴿مِّن بُيُوتِكُمْ ... ﴾ [النحل: ٨٠] .

стр. 9455

يعني: نحن الذين صنعناها وأقمناها. فكيف جعلها الله لنا؟ . نقول: وأنت كيف صنعتها؟ ومِمَ بنيْتها؟ صنعتَها من غابٍ أو خشب، أو بنيْتها من طين أو طوب. . كل هذه المواد من مادةَ الأرض من عطاء الله لك، وكذلك العقل الذي يُفكّر ويرسم، والقوة التي تبني وتُشيّد كلها من الله. إذن: ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾ إما أنْ يكون جَعْلاً مباشراً، وإما أنْ يكون غير مباشر. . فالله سبحانه جعل لنا هذه المواد. . هذا جَعْل مباشر، وأعاننا وقوّانا على البناء. . هذا جَعْلٌ غير مباشر. لكن في أيّ الأماكن تُبنى البيوت؟ البيوت لا تُبنَى إلا في أماكن الاستقرار، التي تتوفّر لها مُقوّمات الحياة. . فقبل أن نُنظّم مدينة سكنية نبحث أولاً عن مُقوّمات الاستقرار فيها من مأكل ومشرب ومرافق وخدمات ومياه وصرف. . إلى آخره. فإن وجدت هذه المقوّمات فلا مانعَ من البناء هنا. . فإذا لم توجد المرافق في الصحراء ومناطق البدو، هنا لا يناسبها البيوت والبناء الدائم، بل يناسبها: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ الأنعام بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ. .﴾ [النحل: ٨٠] . فنرى أهل البدو يتخذون من الجلود بُيُوتاً مثل الخيمة والفسطاط. . حيث نراهم كثيري التنقُّل يبتغون مواطن الكلأ والعشب، ويرحلون طَلباً للمرعى والماء، وهكذا حياتُهم دائمة التنقّل من مكان

стр. 9456

لآخر. . فيناسبهم بيت من جلد أو من صوف أو من وَبَر خفيف الحَمْل، يضعونه أيْنما حَطُّوا رحالهم، ويرفعونه أينما ساروا. . والظّعْن هو التنقُّل من مكان لآخر. إذن: كلمة (سكن) تفيد الاستقرار، وتُوفِّر كل مُقوِّمات الحياة؛ ولذلك فالحق يقول لآدم: ﴿اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنة. .﴾ [البقرة: ٣٥] . أي: المكان الذي فيه راحتكم، وفي نعيمكم، فحدّد له مكان إقامة وسكَن. . ومكان الإقامة هذا قد يكون عَامّاً، وقد يكون خاصاً، مثل لو قُلْت: أسكن الإسكندرية. . هذا سكَنٌ عام، فلو أردتَ السكن الحقيقي الخاص بك لَقُلْتَ: أسكن في شارع كذا، وفي عمارة رقم كذا، وفي شقة رقم كذا، وربما كان لك حجرة خاصة من الشقة هذه. إذن: هذا سكَنٌ خاص بك. . سكنُك الحقيقي الذي تشعر فيه بالهدوء والراحة والخصوصية، فالسكن يحتاج إلى استقرار ذاتيٍّ لا يشاركك فيه أحد؛ ولذلك نرى بعض سكان العمارات يشكُون من الإزعاج والضوضاء، ويتمنوْنَ أن يعيشوا في بيوت مستقلة تُحقّق لهم الراحة الكافية التي لا يضايقهم فيها أحد. إذن: حينما ننظر إلى السكون. . إلى السكن، نحتاج المكان الضيق الذي يُحقّق لن الخصوصية التامة التي تصل إلى حجرة، مجرد حجرة، ولكنها تعني السكن الحقيقي الخاص بي، وقد تصل

стр. 9457

الخصوصية أنْ نجعلَ لكل ولد من الأولاد سريراً خاصاً به في نفس الحجرة. فإذا ما نظرنا إلى الحركة في الحياة وجدنا الإنسان على العكس يطلب السعة؛ لأن الحركة تقتضي السعة في المكان، فمَنْ كان عنده مزرعة يطلب عزبة، ومن كان عنده عزبة يتمنى ثانية وثالثة وهكذا لأن حركة الحياة تحتاج مجالاً واسعاً فسيحاً. هذا عن النوع الأول، وهو السكن المادي سكن القالب، وهو من أعظم نِعَم الله على عباده. . أن يكون لهم سكَن يأوون إليه، ويرتاحون فيه من عناء وحركة الحياة. ولذلك حينما أراد الحق سبحانه أن يُعذِّب بني إسرائيل، أشاع سكنهم في الأرض كلها، وحرمهم من نعمة السكن الحقيقي الخاص، فقال تعالى: ﴿وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسكنوا الأرض ... ﴾ [الإسراء: ١٠٤] . فالأرض هي المكان العام الذي يسكن فيه كل الناس. . فليس لهم بلد تجمعهم، بل بدَّدهم الله في الأرض ولم يجعل لهم وطناً، كما قال في آية أخرى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأرض أُمَماً ... ﴾ [الأعراف: ١٦٨] . حتى في البلاد التي يعيشون فيها تراهم معزولين عن الناس في أماكن خاصة بهم لا يذوبون في غيرهم، وهكذا سكنوا الأرض ولم تحدد لهم بلد.

стр. 9458

أما النوع الثاني من السكن، وهو السكن المعنوي أو سكن القلب، فهو سكن الزوج إلى زوجته الصالحة التي تُخفّف عنه عناء الحياة وهمومها، تبتسم في وجهه إنْ كان مسروراً وتُهدِّيء من غضبه إنْ كان مُغْضَباً، تحتويه بما لديها من حُب وحنان وإخلاص. . هذا هو السكن المعنوي، سكن القلب. وقوله: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً وَمَتَاعاً إلى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] . الأصواف للغنم، والأوبار للإبل، والشعر للماعز. . فما الفرْق بين هذه الثلاث في الاستعمال؟ يستعمل الناس كلاً من الصوف والوبر؛ لأن الشُّعيرات فيها دقيقة جداً يمكن نَدْفها وغَزْلها والانتفاع بها في الفُرش والأبسطة والألحفة والملابس وغيرها مما يحتاجه الناس. أما شعر الماعز فالشعيرات فيه ثخينة لا يمكن نَدْفها أو غَزْلها، فلا يمكن الانتفاع به في هذه المنسوجات، وقوله تعالى: ﴿أَثَاثاً وَمَتَاعاً إلى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] . الأثاث: هو ما يوجد في البيت مما تتطلبه حركة الحياة كالأبسطة والمفارش والملابس والستائر. والمتاع: هو ما يُستمتع ويُنتفع به. . والفرْق بينهما أن الأثاث قد يكون ثابتاً لا يتغير كثيراً، أما المتاع فقد يتغير حسب الحاجة. فأنت مثلاً قد تحتاج إلى تغيير التلفاز القديم لتأتي بآخر حديث، مُلوّن مثلاً، لكن قلّما تُغير الثلاجة أو الغسالة مثلاً.

стр. 9459

وقوله: ﴿إلى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] . لأن الإنسان قد يغتر حين يستوفي متطلبات حياته، وقد تلهيه هذه النعم عن مطلوب المنعم سبحانه، فينشغل بالنعمة التي هو فيها عن المنعم الذي أنعم عليه بها. . فتأتي هذه الآية مُحذّرة. إياك أنْ تغترّ بالمتاع والأثاث؛ لأنها متاع إلى حين. . متاعٌ موقوت لا يدوم، ومهما استوفيت حظّك منها في الدنيا فإنها صائرة إلى أمرين: إما أن تفوتها بالموت، وإما أنْ تفوتَك بالفقر والحاجة. . إذن: هي ذاهبة ذاهبة. . فتذكّروا دائماً قوله تعالى: ﴿إلى حِينٍ ... ﴾ [النحل: ٨٠] . فمتاع النعمة موقوت، لكن متاع المنعِم سبحانه خالد. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿والله جَعَلَ لَكُمْ ... ﴾ .

стр. 9460

بعد أن تكلم الحق سبحانه عن أصحاب البيوت الذين يناسبهم الاستقرار، ويجدون مُقوّمات الحياة، وتكلم عن أهل الترحال والتنقُّل وما يناسبهم من بيوت خفيفة يحملونها عند ترحالهم. ثم تحدث هنا عن هؤلاء الذين لا يملكون شيئاً، ولا حتى جلود الأنعام. . ماذا يفعل هؤلاء؟ الحق سبحانه جعل لهم الظل يستظِلّون به من وهج الشمس، وجعل لهم من الكهوف والسراديب في الجبال ما يأوون إليه ويسكنون فيه. وهكذا استوعبتْ الآيات جميع الحالات التي يمكن أن يكون عليها بشر، فقد نثر الحق سبحانه نعمه على الناس، بحيث يأخذ كل واحد منهم ما يناسبه من نعم الله. أما مَنْ لا يملك بيتاً يأويه، وليس عنده من الأنعام ما يتخذ من جلودها بيتاً، فقد جعل الله له الأشجار يستظل بها من حَرِّ الشمس، وجعل له كهوف الجبال تُكِنّه وتأويه. ونلاحظ هنا أن الآية ذكرتْ الظل الذي يقينا حَرَّ الشمس، ولم تذكر مثلاً البرد؛ ذلك لأن القرآن الكريم نزل بجزيرة العرب وهي بلاد حارة، وحاجتها إلى الظل أكثر من حاجتها إلى الدِّفء. وقوله: ﴿ظِلاَلاً. .﴾ [النحل: ٨١] . الظلال جمع ظِل، وهو الواقي من الشمس ومن إشعاعاتها، وقد يُوصَف الظل بأنه ظِل ظليل. . أي: الظل نفسه مُظلل، وهذا ما نراه في صناعة الخيام مَثلاً، حيث يجعلونه لها سقفاً من طبقة واحدة

стр. 9461

تتلقّى حرارة الشمس، وإنْ حجبت أشعة الشمس فلا تحجب الحرارة، وهنا يلجأون إلى جَعْل السقف من طبقتين بينهما مسافة لتقليل حرارة الشمس. وهنا نقول: إن الظلّ نفسه مُظلّل، وكذلك الحال في ظِل الأشجار حيث يظلّل الورق بعضه بعضاً، فتشعر تحت ظِلّ الأشجار بجوٍّ لطيف بارد حيث يغطيك ظِلٌّ ظليل يحجب عنك ضوء الشمس، ويسمح بمرور الهواء فلا تشعر بالضيق. لذلك فالشاعر يقول في وصف روضة: وَقَانَا لَفْحَةَ الرمْضَاءِ وَادٍٍ ... سَقَاهُ مضاعف الغيْثِ العَمِيمِ يَصُدُّ الشمسَ أَنَّى وَاجهتْنا ... فَيحجُبُها وَيأذنُ للنسِيمِ وقوله: ﴿أَكْنَاناً ... ﴾ [النحل: ٨١] . جمع كِنْ، وهو الكهف أو المغارة في الجبل تكون سكناً وساتراً لمن يلجأ إليها ويحتمي بها، والكِنّ من الستر؛ لأنها تستر الناس ونحن نقول مثلاً للولد: انكنْ يعني: اسكُنْ وانستر. ويقول تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ... ﴾ [النحل: ٨١] . السرابيل: هي ما يُلبس من الثياب أو الدروع: ﴿تَقِيكُمُ الحر ... ﴾ [النحل: ٨١] .

стр. 9462

أي: تحميكم من الحر. . فقال هنا الحر أيضاً؛ لذلك وجدنا بعض العلماء يحاول أن يجد مخرجاً لهذه الآية فقال: المعنى تقيكم الحر وتقيكم البرد، ففي الآية اكتفاءٌ بالحر عن البرد؛ لأن الشيء إذا جاء يأتي مقابله. . فليس بالضرورة ذِكر الحالتين، فإحداهما تعني الأخرى. هذا دفاع مشكور منهم، ومعنى مقبول حول هذه الآية. . لكن لو فَطنَّا إلى باقي الآيات التي تحدثتْ في هذا الموضوع لوجدناها: واحدة تتكلم عن الحر، وهي هذه الآية، وأخرى تتكلَّم عن البرد في قوله تعالى: ﴿والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ ... ﴾ [النحل: ٥] . أي: من جلود الأنعام وأصوافها نتخذ ما يقينا البرد، وما نستدفئ به. . وهكذا تتكامل الآيات وينسجم المعنى. والمتأمل في تدفئة الإنسان يجد أن ما يرتديه من ملبوسات لا يعطي للإنسان حرارة تُدفِئه، بل تحفظ للإنسان حرارة جسمه فقط، فحرارة الإنسان ذاتية من داخله، وبهذه الحرارة يحفظ الخالق سبحانه الإنسان. والأطباء يقولون: إن الجسم السليم حرارته ٣٧ درجة لا تختلف إنْ عاش عند خط الاستواء أو عاش في بلاد الاسكيمو في القطب الشمالي، فهذه هي الحرارة العامة للجسم. في حين أن أجهزة الجسم المختلفة ربما اختلفتْ درجة حرارتها، كُلٌّ حَسب ما يناسبه: فالكبد مثلاً درجة حرارته ٤٠ درجة، وتختلّ

стр. 9463

وظيفته إذا نقصت عن هذه الدرجة، في حين أن درجة حرارة جَفْن العين مثلاً ٩ درجة، ولو ارتفعت درجة حرارتها تذوب حبّة العين، ويفقد الإنسان البصر. . فسبحان الله الذي حفظ حرارة هذه الأعضاء في الجسم لا يطغى أحدها على الآخر. لذلك حينما سافرنا إلى أمريكا، وفي إحدى مناطق البرودة الشديدة كانت أول نصائحهم لنا ألاَّ نمسك آذاننا بأيدينا. . لماذا؟ قالوا: لأن درجة حرارة اليد أقلّ من درجة حرارة الأذن، ووَضْع اليد الباردة على الأذن قد تُسبِّب كثيراً من الأضرار. إذن: كل ما نستخدمه من ملابس وأعطية تقينا برد الشتاء لا تعطينا حرارة، بل تحفظ علينا حرارتنا الطبيعية فلا تتسرب، وبذلك تتم التدفئة. . وتستطيع أنْ تضعَ يدك على فراشك قبل أن تنام فسوف تجده بارداً، أما في الصباح فتجده دافئاً. . فالفراش اكتسب الحرارة من حرارة جسمك، وليس العكس. وقوله: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ... ﴾ [النحل: ٨١] . البأس هنا: أي الحرب، والسرابيل التي تقي من البأس هي الدروع التي يلبسها الجنود في الحرب لتقيهم الضربات. ولكن هذه الآية في سياق الحديث عن بعض نِعَم الله علينا في الاستقرار والسكن وما جعله لنا من بيوت وظلال. . حياة دَعَة وسلام ونعمة، فما الداعي لذكر الحرب هنا؟ ذلك لأن الحياة لها منطق سلامة للجميع، فإن اختلّ منطق

стр. 9464

السلامة فعلى الناس أنْ يقفوا في وجه مَنْ يُخِلّ بسلامة المجتمع. . وأن يكون على استعداد لذلك في كل وقت، لا بُدّ في وقت السِّلْم أنْ نَعُدَّ العُدّة للحرب؛ لذلك تحدث عن الحرب وعُدتها، وهو يتحدث عن السكون والاستقرار والنعمة. والحق حين يُنزِل الآيات البينات التي تحمل لنا منهج السماء يقول: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط ... ﴾ [الحديد: ٢٥] . هذا هو المنهج الذي يعتمد على الحجة والإقناع. . فإن لم يصلح هذا المنهج لبعض الناس وتمردوا عليه أتى إذن دور القوة والقهر، يقول تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ. .﴾ [الحديد: ٢٥] . وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ... ﴾ [النحل: ٨١] . كأن من تمام نعمة الله أنْ نحفظها ممنْ يُفسدها علينا، ونقف له بالمرصاد ونضرب على يده؛ لأنه لو تركنا هؤلاء المفسدين في مجتمعنا فسوف يُفسِدون علينا هذه النِّعم، وسنظل مُهددّين، لا نشعر بلذة الحياة ومُتعِها.

стр. 9465

إذن: لا تتم النعمة إلا بحفظ السلامة العامة للمجتمع. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ. .﴾ [النحل: ٨١] . تُسلِمون: أي تُلْقون زمام الاستسلام إلى الله الذي أسلمتَ له، وأنت لاَ تُلقي زمامك إلا لمنْ تثق فيه. . والإنسان قد يُلقي زمامه في أمر لا يجيده إلى إنسان مثله يُجيد هذا الأمر، فإذا كنتَ في حاجات نفسك تُلقي زمامك لمن هو مثلك، ويساويك في قِلّة المعلومات، ويساويك في قِلّة الحكمة، ومع ذلك تُسلِم إليه أمرك لمجرد أنه يجيد شيئاً لا تجيده أنت، أفلا تُلقي زمامك وتُسلِم أمرك إلى ربك وخالقك، وخالق كُلِّ هذه النعم من أجلك؟ إذن: جاء ذِكْر هذه النعم، ثم الأمر بإسلام الوجه لله والتسليم له سبحانه حتى نُسلمَ عن يقين واقتناع، فالحق ﵎ ليس له مصلحة في طاعتنا، ولا تضره معصيتنا، إنْ أطعناه فلن نزيد في مُلْكِه سبحانه، وإنْ عصيناه فلن ننقصَ من مُلْكه سبحانه. إذن: تسليمنا الأمر والزمام لله من مصلحتنا نحن. . فالإنسان حينما يُسلِم زمامه إلى غيره قد يكون للغير مصلحة تَلْوي رَأْيه في المسألة، إنما ربُّنا سبحانه حينما يُوجِّه إلينا حُكْماً فليس له مصلحة فيه فلا يُلْوَى، لا يكون إلاّ لصالحك. وبعد أنْ عدّد هذه النعم في الذات والمحيطات وفي السكن وفي الانطباعات. قال: إياك بعد ذلك أن تُسلِمَ زمامك لغيري، وإنْ أجريتُ عليك ما يُخرجك عن نفع السلامة؛ لأنني لا أجري عليك ما يُخرجك عن نفس السلامة إلا لغرض أسلم منه. لذلك نقول: لا عبادة كالتسليم؛ لأن التسليم لحُكْمِه تسليمٌ

стр. 9466

لحكيم، تسليمٌ لغير منتفع. . وما دُمْتَ قد سلمْتَ زمامك لربك يُجلِّي لك الحكمة فيما جرى لك من الأحداث لتعلمَ رضاك عن حُكْمه لحكمته، فتقول: أنا رضيتُ بحكمك يا رب. ولذلك نقول في الدعاء: أحمدك على كُلِّ قضائك، وجميع قَدرِك حَمْد الرِّضا بحكمك لليقين بحكمتك. أي: لك حكمة يارب فيما أجريتَ عليَّ من أحداث، ولكني لا أراها. والذي يعلم مكانة التسليم لله تعالى فيما يُجرى عليه من أحداث وما يقع به من بلاء لا يضجر ولا يسخط؛ لأنه بذلك يُطيل على نفسه أمدَ القضاء؛ لأن الله لا يرفع قضاءه عن عبده حتى يرضى به، فالله تعالى لا مُجبر له. فإن أردت رَفْع القضاء فارْضَ به أولاً، وإذا لم يرفع عنك القضاء فاعلم أن مكان الرضى من نفسك لم يكُنْ مقبولاً، قد ترضى بلسانك ولكن قلبك لا يزال ساخطاً ضَجِراً. فالذي يُسلم زَمامه إلى الله ويردّ كل حدث وقع أو بلاء نزل بهِ يردُّه إلى الله، وإلى حكمة مُجريه، الله تعالى يقول له: لقد فهمتَ عني، ويرفع عنه البلاء. وفي مقام التسليم لله دائماً نذكر قصة سيدنا إبراهيم حينما أمره ربه بذبح ولده إسماعيل ﵉. . وهل هناك بلاء أكثر من أن يُبتلَى الرجل بذبح ولده الذي رُزِقه على كِبَر، ويذبحه هو بيده. إنه ابتلاء من مراتب مُتعدِّدة، ومن نَواحٍ مختلفة، وليْتَ الأمر بوحي ظاهر، ولكنه بمنام كان يستطيع أن يتأوَّل فيه، ولكن رؤيا الأنبياء حق.

стр. 9467

ونرى إبراهيم ﵇ يقصُّ على ولده المسألة حِرْصاً عليه أنْ يتحوّل قلبه عن أبيه ساعةَ يأخذه ليذبحه، وأيضاً لكي يشاركه ولده في الرضا بقدر الله، ولا يحرم ثواب هذا الابتلاء. . فقال له: ﴿إني أرى فِي المنام أَنِّي أَذْبَحُكَ ... ﴾ [الصافات: ١٠٢] . فليس الغرض هنا أنْ يزعجه أو يُخيفه، ولكن ليقول له: هذه مسألة تعبدية أمرنا بها الخالق سبحانه ليكون على بصيرة هو أيضاً، ولا يتغير قلبه على أبيه. ولذلك كان الولد حكيماً في الرد، فقال: ﴿قَالَ ياأبت افعل مَا تُؤمَرُ. .﴾ [الصافات: ١٠٢] . ما دام الأمر من الله فافعل، وهكذا سلّم إسماعيلُ كما سلَّم إبراهيم، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] . أسلما: أي الأب والابن، ورَضيا بقضاء الله، جاء الفرج ورُفِع القضاء، فقد فهم كل منهما الأمر عن الله، فلم يرفع القضاء وفقط، بل وفديناه بذبح عظيم، ليس هذا وفقط، بل ومنّنا عليه بولد آخر: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ [الصافات: ١١٢] . إذن: لعلكم تُسْلِمون زمامكم إلى الله، وتعلمون أنه خلق لكم الكون قبل أن يُوجِدكم فيه، وأمدّكم بكل متطلبات الحياة ضماناً لبقاء

стр. 9468

حياتكم، وضماناً لبقاء نوعكم، ومتَّعكم هذه المتع. فالذي أنعم عليكم بهذا كله عن غير حاجة له عندكم جديرٌ أنْ تُسلِموا له زمام أمركم وتُسلموا له. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ ... ﴾ .

стр. 9469

أي: لا تحزن يا محمد إذا أعرض قومك، فلست مأموراً إلا بالبلاغ، ويخاطبه الحق سبحانه في آية أخرى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] . أي: مهلكها. وقال تعالى: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] . لكن الدين لا يقوم على السيطرة على القالب، وفَرْق بين السيطرة على القالب والسيطرة على القلب، فيمكنك بمسدس في يدك أنْ تُرغمني على ما تريد، لكنك لا تستطيع أبداً أن تُرغم قلبي على شيء لا يؤمن به، والله يريد مِنّا القلوب لا القوالب، ولو أراد مِنّا القوالب لجعلها راغمة خاضعة لا يشذّ منها واحد عن مراده سبحانه. ولذلك حينما أرسل الله سليمان ﵇ وجعله ملكاً رسولاً لم يقدر أحد أن يقف في وجهه، أو يعارضه لما له من

стр. 9470

السلطان والقوة إلى جانب الرسالة. . أمّا الأمر في دعوته ﷺ َ فقائم على البلاغ فقط دون إجبار. وقوله: ﴿البلاغ المبين﴾ [النحل: ٨٢] . أي: البلاغ التام الكامل الذي يشمل كل جزئيات الحياة وحركاتها، فقد جاء المنهج الإلهي شاملاً للحياة بداية بقول: لا إله إلا الله حتى إماطة الأذى عن الطريق، فلم يترك شيئاً إلا حدّثنا فيه، فهذا بلاغ مبين محيط لمصالح الناس. . فلا يأتي الآن مَنْ يتمحّك ويقول: ربنا ترك كذا أو كذا. . فمنهج الله كامل، فلو لم تأخذوه ديناً لوجب عليكم أن تأخذوه نظاماً. ونرى الآن الأمم التي تُعادي الإسلام تتعرّض لمشاكل في حركة الحياة لا يجدون لها حَلاًّ في قوانينهم، فيضطرون لحلول أخرى تتوافق تماماً أو قريباً من حَلّ القرآن ومنهج الحق . ثم يقول الحق سبحانه: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله. .﴾ .

стр. 9471

وقد حكى القرآن عنهم في آيات أخرى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله فأنى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف: ٨٧] . وقال عنهم: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ... ﴾ [النمل: ١٤] .

стр. 9472

ذلك لأنهم يعلمون تماماً أن الله خلقهم، وأنه خلق السموات والأرض. . يعلمون كل نِعَم الله عليهم، ومع ذلك يُنكرونها ويجحدونها. . لماذا؟ لأن الإيمان بالله والاعتراف بنعمه مسألة شاقة عليهم، ولو كانت مجرد كلمة تُقال لقالوها. . ما أسهل أنْ يقولوا «لا إله إلا الله» لكنهم يعلمون أن: لا إله إلا الله لها مطلوبات، فما دام لا إله إلا الله، فلا يُشرِّع إلا الله، ولا يأمر إلا الله، ولا يَنْهى إلا الله، ولا يُحِلُّ إلا الله، ولا يُحرِّم إلا الله. إذن: مطلوبات لا إله إلا الله جعلتهم في قالب من حديد، منضبطين بمنهج يهدم سيادتهم، ويمنع الطغيان والجبروت، منهج يُسوِّي بين السادة والعبيد. إذن: الدين الحق يُقيِّد حركتهم، وهم لا يريدون ذلك، فتراهم يعرفون الله ولا يؤمنون به؛ لأنهم يعلمون مطلوبات لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإلا لو كانت مجرد كلمة لقالوها. وقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون﴾ [النحل: ٨٣] . بعض العلماء يقولون: أكثرهم يعني كلهم. . لا. . بل هذا أسلوب قرآني لصيانة الاحتمال وللاحتياط للقلة التي تفكر في الإسلام ويراودها أمر هذا الدين الجديد من هؤلاء الكفار، لا بُدَّ أنْ نُراعي أمر هذه القلة، ونترك لهم الباب مفتوحاً، فالاحتمال هنا قائم. . فلو قال القرآن: كلهم كافرون لتعارض ذلك مع هؤلاء الذين

стр. 9473

يفكرون في أنْ يُسلِموا. . وكذلك مراعاة لهؤلاء الذين لم يبلُغوا حَدَّ التكليف من أبناء الكفار. إذن: قوله ﴿وَأَكْثَرُهُمُ﴾ تعبير دقيق، فيه ما نُسميّه صيانة الاحتمال. ثم يقول تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ. .﴾ .

стр. 9474

الحق ﵎ يُنبّهنا هنا إلى أن المسألة ليست ديناً، وتنتهي القضية آمن مَنْ آمن، وكفر مَنْ كفر. . إنما ينتظرنا بعث وحساب وثواب وعقاب. . مرجع إلى الله تعالى ووقوف بين يديه، فإنْ لم تذكر الله بما أنعم عليك سابقاً فاحتط للقائك به لاحقاً. والشهيد: هو نبيُّ الأمة الذي يشهد عليهم بما بلّغهم من منهج الله. وقال تعالى في آية أخرى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً ... ﴾ [البقرة: ١٤٣] . فكأن أمة محمد ﷺ َ أعطاها الله أمانة الشهادة على الخَلْق لأنها بلغتهم، فكل مَنْ آمن برسول الله ﷺ َ مطلوب منه أن يُبلّغ ما بلَّغه الرسول، ليكون شاهداً على مَنْ بلغه أنه بلَّغه:

стр. 9475

﴿ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ. .﴾ [النحل: ٨٤] . فحينما يشهد عليهم الشهيد لا يُؤْذَن لهم في الاعتذار، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] . أو حينما يقول أحدهم: ﴿رَبِّ ارجعون لعلي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ. .﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠] . فلا يُجَاب لذلك؛ لأنه لو عاد إلى الدنيا لفعل كما كان يفعل من قبل، فيقول تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ ... ﴾ [الأنعام: ٢٨] . وقوله: ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ. .﴾ [النحل: ٨٤] . يستعتبون: مادة استعتب من العتاب، والعتاب مأخوذ من العَتْب، وأصله الغضب والموجدة تجدها على شخص آخر صدر منه نحوك ما لم يكن مُتوقّعاً منه. . فتجد في نفسك موجدة وغضباً على مَنْ أساء إليك. فإن استقرّ العَتْب الذي هو الغضب والموجدة في النفس، فأنت إمّا أنْ تعتب على مَنْ أساء إليك وتُوضّح له ما أغضبك، فربما كان له عُذْر، أو أساء عن غير قصد منه، فإن أوضح لك المسألة وأرضاك وأذهب غضبك فقد أعتبك. . فنقول: عتَب فلان على فلان فأعتبه، أي: أزال عَتْبه.

стр. 9476

والإنسان لا يُعاتب إلا عزيزاً عليه يحرص على علاقته به، ويضعه موضعاً لا تتأتى منه الإساءة، ومن حقه عليك أن تعاتبه ولا تدعْ هذه الإساءة تهدم ما بينكما. إذن: معنى: ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [النحل: ٨٤] . أي: لا يطلب أحد منهم أنْ يرجعوا عما أوجب العَتْب وهو كفرهم. . فلم يَعُد هناك وقت لعتاب؛ لأن الآخرة دار حساب، وليست دار عمل أو توبة. . لم تَعُدْ دارَ تكليف. ويقول الحق ﵎: ﴿وَإِذَا رَأى الذين ظَلَمُواْ ... ﴾ .

стр. 9477

﴿رَأى الذين ظَلَمُواْ العذاب ... ﴾ [النحل: ٨٥] . كأن العذاب سيُنصب أمامهم، فيرونه قبل أن يباشروه، وهكذا يجمع الله عليهم ألواناً من العذاب؛ لأن إدراكات النفس تتأذى بالمشاهدة قبل أنْ تألم الأحاسيس بالعذاب؛ لذلك قال: ﴿فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ. .﴾ [النحل: ٨٥] . وقوله: ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [النحل: ٨٥] . أي: لا يُمْهَلُون ولا يُؤجّلون.

стр. 9478

ويقول الحق سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأى الذين أَشْرَكُواْ ... ﴾ .

стр. 9479

ذلك حينما يجمع الله المشركين وشركاءهم من شياطين الإنس والجن والأصنام، وكل مَنْ أشركوه مع الله وَجْهاً لوجه يوم القيامة، وتكون بينهما هذه الواجهة. . حينما يرى المشركون شركاءهم الذين أضلّوهم وزيّنوا لهم المعصية، وزيّنوا لهم الشرك والكفر بالله. . يقولون: هؤلاء هم سببُ ضلالنا وكُفْرنا. . كما قال تعالى عنهم في آية أخرى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا وَرَأَوُاْ العذاب وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب﴾ [البقرة: ١٦٦] . ويقول تعالى: ﴿يَقُولُ الذين استضعفوا لِلَّذِينَ استكبروا لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١] . وقوله: ﴿فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القول ... ﴾ [النحل: ٨٦] . أي: ردُّوا عليهم بالمثل، وناقشوهم بالحجة، كما قال تعالى في حَقِّ الشيطان.

стр. 9480

﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ. .﴾ [إبراهيم: ٢٢] . إذن: ردّوا عليهم القول: ما كان عليكم سلطان. نحن دعوناكم فاستجبتم لنا، ولم يكن لنا قوة تُرغمكم على الفعل، ولا حُجّة تُقنعكم بالكفر؛ ولذلك يتهمونهم بالكذب: ﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [النحل: ٨٦] . أي: كاذبون في هذه الدعوى. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَأَلْقَوْاْ إلى الله ... ﴾ .

стр. 9481

السَّلَم: أي الاستسلام. . فقد انتهى وقت الاختيار ومضى زمن المهْلة، تعمل أو لا تعمل. إنما الآن ﴿لِّمَنِ الملك اليوم﴾ ؟ الأمر والملك لله، وما داموا لم يُسلِّموا طواعية واختياراً، فَلْيُسلّموا له قَهْراً ورَغْماً عن أنوفهم. وهنا تتضح لنا مَيْزة من مَيْزات الإيمان، فقد جعلني استسلم

стр. 9482

لله مختاراً، بدل أنْ استسلمَ قَهْراً يوم أنْ تتكشّف الحقيقة على أنه لا إله إلا الله، وسوف يُواجهني في يوم لا اختيار لي فيه. وقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٨٧] . كلمة: الضلال تردُ بمعانٍ متعددة، منها: ضلَّ أي غاب عنهم شفعاؤهم، فأخذوا يبحثون عنهم فلَم يجدوهم، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ. .﴾ [السجدة: ١٠] . أي: يغيبوا في الأرض، حيث تأكل الأرض ذرّاتهم، وتُغيِّبهم في بطنها. . وكذلك نقول: الضالة أي الدابة التي ضلَّتْ أي: غابتْ عن صاحبها. ومن معاني الضلال: النسيان، ومنه قوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى. .﴾ [البقرة: ٢٨٢] . ومن معانيه: التردد، كما في قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فهدى﴾ [الضحى: ٧] . فلم يكُنْ لرسول الله ﷺ َ منهج ثم تركه وانصرف عنه وفارقه، ثم هداه الله. . بل كان ﷺ َ مُتحيّراً مُتردّداً فيما عليه سادة القوم وأهل العقول الراجحة من أفعال تتنافى مع العقل السليم والفطرة النَّيرة،

стр. 9483

فكانت حيرة الرسول ﷺ َ فيما يراه من أفعال هؤلاء وهو لا يعرف حقيقتها. فقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُم. .﴾ [النحل: ٨٧] . أي: غاب عنهم: ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٨٧] . أي: يكذبون من ادعائهم آلهة وشفعاءَ من دون الله. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿الذين كَفَرُواْ. .﴾ .

стр. 9484

هنا فرْق بين الكفر والصَّدِّ عن سبيل الله، فالكفر ذنب ذاتيّ يتعلق بالإنسان نفسه، لا يتعدّاه إلى غيره. . فَاكفُرْ كما شئت والعياذ بالله أنت حر!! أما الصدُّ عن سبيل الله فذنبٌ مُتعدٍّ، يتعدَّى الإنسان إلى غيره، حيث يدعو غيره إلى الكفر، ويحمله عليه ويُزيّنه له. . فالذنب هنا مضاعف، ذنب لكفره في ذاته، وذنب لصدّه غيره عن الإيمان، لذلك يقول تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ. .﴾ [العنكبوت: ١٣] . فإنْ قال قائل: كيف وقد قال تعالى:

стр. 9485

﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى. .﴾ [الأنعام: ١٦٤] . نقول: لا تعارضَ بين الآيتين، فكل واحد سيحمل وزْره، فالذي صَدَّ عن سبيل الله يحمل وِزْرَيْن، أما مَنْ صدَّه عن سبيل الله فيحمل وِزْر كفره هو. وقوله: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ العذاب. .﴾ [النحل: ٨٨] . العذاب الأول على كفرهم، وزِدْناهم عذاباً على كفر غيرهم مِمَّنْ صدُّوهم عن سبيل الله. ولذلك فالنبي ﷺ َ يقول: «مَنْ سَنَّ سُنة حسنة فله أجرها وأجر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة، ومَنْ سَنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة» . فإياك أنْ تقعَ عليك عيْن المجتمع أو أُذنه وأنت في حال مخالفة لمنهج الله؛ لأن هذه المخالفة ستؤثر في الآخرين، وستكون سبباً في مخالفة أخرى بل مخالفات، وسوف تحمل أنتَ قِسْطاً من هذا. . فأنت مسكين تحمل سيئاتك وسيئات الآخرين. وقوله: ﴿بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨] . والإفساد: أنْ تعمدَ إلى شيء صالح أو قريب من الصلاح

стр. 9486

فتُفسده، ولو تركتَه وشأنه لربما يهتدي إلى منهج الله. . إذن: أنت أفسدتَ الصالح ومنعت القابل للصلاح أن يُصلح. ثم يقول الحق ﵎: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي ... ﴾ . قوله:

стр. 9487

﴿مِّنْ أَنْفُسِهِمْ. .﴾ [النحل: ٨٩] . يعني من جنسهم. والمراد: أهل الدعوة إلى الله من الدُّعَاة والوعاظ والأئمة الذين بلّغوا الناس منهج الله، هؤلاء سوف يشهدون أمام الله سبحانه على مَنْ قصّر في منهج الله. وقد يكون معنى: ﴿مِّنْ أَنْفُسِهِمْ. .﴾ [النحل: ٨٩] . أي: جزء من أجزائهم وعضواً من أعضائهم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] . وقوله: ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ... ﴾ [فصلت: ٢١] .

стр. 9488

والشهيد إذا كان من ذات الإنسان وبعض من أبعاضه فلا شكَّ أن حجته قوية وبيّنته واضحة. وقوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً على هؤلاءآء﴾ [النحل: ٨٩] . أي: شهيداً على أمتك كأنه ﷺ َ شهيد على الشهداء. ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ. .﴾ [النحل: ٨٩] . الكتاب: القرآن الكريم. . تبياناً: أي بياناً تاماً لكل ما يحتاجه الإنسان، وكلمة (شيء) تُسمّى جنس الأجناس. أي: كل ما يُسمّى «شيء» فبيانُه في كتاب الله تعالى. فإنْ قال قائل: إنْ كان الأمر كذلك، فلماذا نطلب من العلماء أن يجتهدوا لِيُخرجوا لنا حُكْماً مُعيّناً؟ نقول: القرآن جاء معجزة، وجاء منهجاً في الأصول، وقد أعطى الحق ﵎ لرسوله ﷺ َ حق التشريع، فقال تعالى: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا. .﴾ [الحشر: ٧] . إذن: فسُنة الرسول ﷺ َ قَوْلاً أو فِعْلاً أو تقريراً ثابتة بالكتاب، وهي شارحة له ومُوضّحة، فصلاة المغرب مثلاً ثلاث ركعات، فأين هذا في كتاب الله؟ نقول في قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ ... ﴾ [الحشر: ٧] . «وقد بيَّن الرسول ﷺ َ هذه القضية حينما أرسل معاذ بن جبل

стр. 9489

رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قاضياً لأهل اليمن، وأراد أن يستوثق من إمكانياته في القضاء. فسأله:» بِمَ تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإنْ لم تجد؟ قال: فبُسنة رسول الله، قال: فإنْ لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو أي لا أُقصّر في الاجتهاد. فقال ﷺ َ: «الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِ الله لما يُرضي الله ورسوله» . إذن: فالاجتهاد مأخوذ من كتاب الله، وكل ما يستجد أمامنا من قضايا لا نصّ فيها، لا في الكتاب ولا في السنة، فقد أبيح لنا الاجتهادُ فيها. ونذكر هنا أن الإمام محمد عبده ﵀ حُدِّث عنه وهو في باريس أن أحد المستشرقين قال له: أليس في آيات القرآن: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ. .﴾ [الأنعام: ٣٨] . قال: بلى، قال له: فهات لي من القرآن: كم رغيفاً يوجد في أردب القمح؟

стр. 9490

فقال الشيخ: نسأل الخباز فعنده إجابة هذا السؤال. . فقال المستشرق: أريد الجواب من القرآن الذي ما فرط في شيء، فقال الشيخ: هذا القرآن هو الذي علَّمنا فيما لا نعلم أن نسأل أهل الذكر فقال: ﴿فاسئلوا أَهْلَ الذكر إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] . إذن: القرآن أعطاني الحجة، وأعطاني ما أستند إليه حينما لا أجد نصاً في كتاب الله، فالقرآن ذكر القواعد والأصول، وأعطاني حَقَّ الاجتهاد فيما يعِنّ لي من الفروع، وما يستجدّ من قضايا، وإذا وُجِد في القرآن حكم عام وجب أن يُؤخذ في طيّه ما يُؤخذ منه من أحكام صدرت عن رسول الله ﷺ َ؛ لأن الله وكله. فقال: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا. .﴾ [الحشر: ٧] . وكذلك الإجماع من الأمة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المؤمنين نُوَلِّهِ مَا تولى. .﴾ [النساء: ١١٥] . وكل اجتهاد يُرَدُّ إلى أهل الاجتهاد: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ. .﴾ [النساء: ٨٣] .
следующие страницы →