﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِ﴾ .
قال المؤلف: "أي عالياً عليهم بالقهر".
قلت: هذا قصر لمعنى "العلي" على أحد مدلولاته وإغفال لباقي ما يدل عليه هذا الاسم من المعاني فإنه سبحانه العلي بذاته العلي على جميع مخلوقاته وهو العلي بعظمة صفاته وهو العلي الذي قهر المخلوقات ودانت له الموجودات وخضعت له الكائنات فلابد من إثبات كل هذه المعاني لله.
المثال الثاني: سورة النحل الآية رقم "٣٦" في قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ .
قال المؤلف: "الطاغوت: الأوثان".
قلت: الطاغوت كل ما عبد من دون الله وهو راضٍ بالعبادة.
стр. 37
المثال الثالث: صفحة "٦٧٤" من سورة الأعراف الآية رقم "١٨٠" في قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ . والآية "٢٤" من سورة الحشر في قوله تعالى: ﴿لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ .
قال المؤلف: "التسعة والتسعون الوارد بها الحديث".
قلت: التسعة والتسعون من أسماء الله الحسنى لأن أسماء الله غير محصورة بعدد لقوله ﷺ : "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك" ١.
стр. 38
المثال الرابع: صفحة "٧٤٧" من سورة البينة الآية رقم "١" في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ .
قال المؤلف: " أي عبدة الأصنام".
قلت: فيه نظر فالمشركون عباد الصالحين والقبور والجن والأشجار والأحجار فإن غالب المشركين كانوا عبدة للصالحين، وهذا كان مبدأ الشرك في الأرض، الغلو في الصالحين ثم اتخاذ أصنام بأشكالهم ثم عبادتهم من دون الله.
المثال الخامس: صفحة "٧٥٣" من سورة الكافرين الآية رقم "٢" في قوله تعالى: ﴿أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ .
стр. 39
قال المؤلف: "ما تعبدون: من الأصنام".
قلت: قوله ما تعبدون أي الأصنام فيه نظر؛ لأنه قصر للعام على بعض أفراده، والصواب المعبودات سواء كان من الصالحين أو القبور أو الأشجار أو الأصنام، يقول: قل لهم: لا أعبد ما تعبدن من دون الله من هذه المعبودات الباطلة التي اتخذتموها من دونه، ولا أصرف لها شيئاً من العبادة، بل إنما أتوجه بعبادتي وأصرفها لله تعالى الذي يستحقها وأبيتم أن تعبدوه.
стр. 40
المبحث الثالث
في الإسرائيليات
يقصد بالإسرائيليات هنا ما ورد من حكايات نقلاً عن أهل الكتاب من بني إسرائيل، ومعلوم لنا جميعاً أنه فيما يتعلق بالإسرائيليات فهي ثلاثة أنواع:
١ - ما ورد شرعنا بتصديقه، فهذا نصدقه ونحكيه.
٢ - ما ورد شرعنا بتكذيبه، فهذا لا نشتغل به ولا نحكيه إلا على سبيل بيان بطلانه.
٣ - ما لم يرد شرعنا بتصديق له ولا تكذيب، فهذا وإن حكي فإنه لا يصدق ولا يكذب لأنه يحتمل الأمرين.
وإليك أمثلة النوع الثاني:
стр. 41
المثال الأول: صفحة "١٨" من سورة البقرة الآية رقم "١٠٢" في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ .
قال المؤلف: "من الحسر وكانت دفنته تحت كرسيه لما نزع ملكه".
قلت: حادثة نزع ملك سليمان لا يمكن التصديق بصحتها إذ هي من حكايات بني إسرائيل التي لا تتناسب مع مناصب الأنبياء وحفظ الله لهم.
المثال الثاني: صفحة "٢٨٧" من سورة يوسف الآية رقم "٥٢" في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ .
قال المؤلف: " ذلك: أي طلب البراءة "يعلم" العزيز أني لم أخنه في أهله".
стр. 42
قلت: ظاهر كلام المؤلف أن يوسف هو القائل ذلك والأولى حمل الآية على أن امرأة العزيز هي التي قالت ذلك فيكون معنى الآية: أي ليعلم زوجي أني لم أركب الفاحشة، وإنما راودت يوسف مراودة فامتنع مني وما أبرئ نفسي فإن نفوس البشر ضعيفة تغلب عليها الشهوات إلا ما رحم ربي وهذا ما رجحه ابن تيميه وابن القيم وابن كثير وقاله الماوردي في تفسيره وهو أليق بسياق الآية١.
المثال الثالث: صفحة "٣٦٢" من سورة الكهف الآية رقم "٨٣" في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ .
قال المؤلف: "اسمه الاسكندر".
قلت: ليس هناك دليل صحيح حتى يقطع
стр. 43
المؤلف أن اسم ذي القرنين الاسكندر فلقد قال تعالى بعد ذلك: ﴿سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً﴾ أي: سأتلو عليكم من أحواله، ما يتذكر فيه، ويكون عبرة وأما ما سوى ذلك من أحواله فلم يتله عليهم١ ثم الظاهر أن الاسكندر هو المقدوني وهو كان من المشركين، فلم يكن من المسلمين فضلاً عن أن يكون من أولياء الله.
المثال الرابع: صفحة "٣٦٣" من سورة الكهف الآية رقم "٩٣" في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ ... ﴾ .
قال المؤلف: "بفتح السين وضمها هنا وبعدهما، جبلان بمنقطع بلاد الترك ... ".
стр. 44
قلت: قطعه بأن السد من بلاد الترك لا دليل عليه.
المثال الخامس: صفحة "٥٥٣" من سورة ص الآية رقم "٣٤" في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ﴾ .
قال المؤلف: "ثم أناب: رجع سليمان إلى ملكه بعد أيام بأن وصل إلى الخاتم فلبسه وجلس على كرسيه".
قلت: فيه نظر لأن هذا تنقيص لهذا النبي واستيلاء على أزواجه المطهرات، وهذا مما يعلم بطلانه إذ أن أعراض الأنبياء محفوظة من الله تعالى.
стр. 45
تنبيه: مما يلتحق بالإسرائيليات قول المؤلف في سورة الأحزاب الآية "٣٧" في تفسير قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ .
قال: "مظهره من محبتها وأن لو فارقها زيد تزوجتها".
قلت: هذا كلام فيه نظر من وجهين:
الأول: أنه غير ثابت رواية.
والثاني: أنه غير صحيح دراية لأنه مخالف لمنصب النبوة، والصواب ما قاله ابن كثير عن الحسن بن علي ﵄: " أن الله تعالى أعلم نبيه أنها ستكون من أزواجه قبل أن يتزوج فلما أتاه زيد ﵁ ليشكوها إليه قال: اتق الله وأمسك عليك زوجك.
فقال الله تعالى: قد أخبرتك أني مزوجكها وتخفي في نفسك ما الله مبديه".
قال ابن كثير: وهكذا روي عن السدي أنه قال نحو ذلك".
стр. 46
الحاصل: أن أسطورة عشق النبي ﷺ ومحبته إياها وكتمان ذلك كلها باطلة لا أصل لها.
وإنما الصواب: أن الله تعالى قد أخبر نبيه أنه سيزوجه إياها فكتم النبي ﷺ ذلك مخافة أن يقول الناس كيف يتزوج محمد زوجة ابنه "المتبنى".
стр. 47
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، أما بعد:
فهذه أمثله على هنات وزلات وقعت في تفسير الجلالين، ولم أقصد الاستيعاب وإنما أردت التنبيه على أمثله، أرجو أن يستفيد منها القارئ، وقد نبهت أن هذه التنبيهات ليس معناها انتقاص الكتاب أو هضمه حقه، وإنما هو واجب شرعي يمليه علي الدين، ولعل هذا يكون فاتحة خير، لعمل تنبيهات على تفاسير أخرى مما هو شائع بين أيدي الناس، وذلك على حسب الوسع واتساع الوقت إن شاء الله تعالى، والله أسأل القبول، وأن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتنا.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه أبو عبد الرحمن: محمد بن عبد الرحمن الخميس
١/٤/١٤١٤هـ