← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 10875

المحيط البرهاني

برهان الدين ابن مازه البخاري

Полный текст (4 583 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

بينة أنه هو الذي أكل الرغيف وحده فالقاضي لا يقضي بعتقه ولا ينقض قضاءه الأول. فرق بين هذا وبينما إذا جاء الغلامان معاً، وأقام كل واحد منهما البينة أنه أكل الرغيف كله فالقاضي لا يقضي لكل واحد منهما. والفرق: أن إحدى البينتين كاذبة بيقين وكل واحدة يجوز أن تكون هي الكاذبة، وعلى هذا التقدير لا يجوز القضاء بها، فإذا جاءا معاً وكل واحدة يجوز أن تكون هي الكاذبة فقد وقع الشك في جواب القضاء بكل واحدة منهما ولا يجوز القضاء بالشك، فأما إذا أقام أحدهما بينة أولاً نفذ بعد القضاء ظاهراً وليس هناك ظاهر يمنع نفاذ القضاء وهو قيام دليل الكذب في البينة الأولى، فإذا أقام الآخر بعد ذلك البينة فقد وقع الشك في نقض القضاء، إن كانت الكاذبة هي الأولى ينقض القضاء للأول، وإن كانت الكاذبة هي الثانية لا ينقض القضاء للأول، والقضاء لا ينقض بالشك كما لا ينقض بالشك. فرع على ما إذا جاء الغلامان معاً وأقام كل واحد منهما بينة أنه هو الذي أكل الرغيف فقال: إذا لم يقبل القاضي بينة الغلامين وردهما فأتت بينة أحدهما، ثم أعاد الغلام الآخر بينة على القاضي على ما شهدت له به أولاً فإن القاضي لا يقبل شهادتهم؛ لأنه رد شهادتهم مرة لتهمة الكذب، ولو لم تمت واحدة من البنتين حتى مات أحد الغلامين..... بشهادين آخرين يشهدان له بما شهدت به الشهود الأول، وجاء الغلام بالشهود الذين شهدوا أول مرة حتى يشهدوا له بمثل ما شهدوا له به أول مرة فإن القاضي يقضي للغلام الذي جاء بشاهدين آخرين. بخلاف ما إذا جاء الغلام الآخر بشاهدين آخرين فإن القاضي لا يقضي لواحد منها والفرق: أنه إذا أقام كل واحد منهما بينة أخرى فليست إحدهما أن تجعل كاذبة بأولى من الأخرى فيتهاتران جميعاً لمكان التعارض، أما ها هنا البينة ردها القاضي لتهمة الكذب بقيت كاذبة بقضاء القاضي، ولم تبق معارضة للأخرى فيمت القضاء بالأخرى. وإذا كان العبد مشتركاً بين رجلين، فشهد أحدهما على صاحبه أنه أعتق نصيبه لا تقبل شهادته موسراً كان المشهود عليه أو معسراً، إن كان موسراً فلأنه يثبت لنفسه بهذه الشهادة حق تضمين صاحبه، ولأنه شهد بعبده فإنه يملك بعضه، وإن كان معسراً فللمعتق الثاني، وإذا لم يقبل شهادته بقي معسراً أن صاحبه أعتق نصيبه. وأحد الشريكين إذا أقر على صاحبه أنه أعتق نصيبه وصاحبه يجحد فالعبد لا يترك رقيقاً بل يعتق ويسعى في جميع قيمته بينهما نصفان عند أبي حنيفة ﵀ سواء كانا موسرين أو كانا معسرين أو كان أحدهما موسراً والآخر معسراً، وعندهما يسعى للمشهود عليه في نصف قيمته إن كان المشهود عليه معسراً، ولا يسعى له في شيء إن كان المشهود عليه موسراً. فرع على قول أبي حنيفة ﵀، فقال: إذا وجبت السعاية لهما لو شهد أحدهما على صاحبه أنه استوفى السعاية من العبد لا تقبل شهادته؛ لأنه يشهد لنفسه لأنه يثبت

стр. 1647

لنفسه حق المشاركة مع صاحبه فيما استوفاه من السعاية، لأن ما من حر يستوفيه أحدهما من هذه السعاية إلا وللآخر حق المشاركة معه. وكذلك إذا استوفى أحدهما نصيبه من السعاية، ثم شهد على صاحبه باستيفاء نصيبه لا تقبل لأنه يشهد لنفسه، فالمقبوض يسليم له إذا قبض صاحبه نصيبه بعد ذلك. وإذا كان العبد بين ثلاثة نفر، شهد اثنان منهم على صاحبه أنه أعتق نصيبه، وأنكر المشهود عليه فالعبد يسعى بينهم أثلاثاً، وإذا استوفى أحدهم شيئاً من السعاية، كان (٣٣٢أ١) للآخرين أن يأخذا منه ثلثي ما أخذ، وإذا شهد اثنان منهم على الآخر أنه يستوفي نصيبه من السعاية لا يقبل. والجواب في هذه المسألة والجواب في المسألة الأولى سواء إلا أن هناك الاختيار.....؛ لأن الشريك اثنان وها هنا الحساب بالمثالثة، لأن الشريك ثلاثه. وإذا كان العبد بين ثلاثة غاب أحدهم فشهد الحاضران على الغائب أنه أعتق نصيبه من هذا العبد فإنه يحال بين العبد وبين الحاضرين؛ فإذا حضر الغائب فقال للعبد: أعد البينة فأعاد البينة عليه فقضى عليه يعتق نصيبه وهو قول أبي حنيفة، وعلى قولهما القاضي يقبل هذه الشهادة في الحال ويقضي بعتقه، وإذا حضر الغائب لا يؤمر العبد إعادة البينة عليه. والحاصل: أن هذه الشهادة على العتق مقبولة على الغائب عند أبي يوسف ومحمّد رحمهما الله، وعند أبي حنيفة ﵀ هذه الشهادة لا تقبل على العتق على الغائب، أما تقبل في حق قصر الحاضرين وهذا بناءً على أن عند أبي حنيفة ﵀ الإعتاق يتجزىء، فإنهما شهدا بعتق نصيب الغائب لا غير، فالشهادة على العتق قامت على غائب ليس عنه خصم حاضر فلا تقبل، فأما في حق قصر يد الحاضرين قامت على الحاضر فقبلت، وعندهما الإعتاق لا يتجزىء، فالشهادة على العتق قامت على الحاضر كما قامت على الغائب فقبلت على العتق، وصار الحاضر في إنكار العتق خصماً عن الغائب. وإذا شهد أحد الشركاء في العبد على أحد شريكيه أنه أعتق نصيبه وشهد الشريك الآخر على الشاهد الأول أنه أعتق نصيبه فالقاضي لا يقضي على واحد منهما بالعتق؛ لأنه لم يشهد على كل واحد منهما إلا شاهد واحد. وإذا كان العبد بين مسلم ونصراني شهد نصرانيان على المسلم أنه أعتق نصيبه لا يقبل. ولو شهد نصرانيان على النصراني أنه أعتق نصيبه قبلت بينته، فإن قيل: ينبغي أن لا تقبل شهادتهما على النصراني؛ لأن شهادتهما كما قامت على النصراني بالعتق قامت على المسلم بقصر اليد، قلنا: شهادتهما قامت على النصراني مقصوداً وما يثبت من قصر يد المسلم فذاك يثبت حكماً ومثل هذا جائز. ألا ترى أن المسلم إذا كان له عبد نصراني مأذون في التجارة شهد نصرانيان على العبد بالدين فإنه يقبل شهادتهما وطريقه ما قلنا.

стр. 1648

فإن شهد نصرانيان على شهادة مسلمين أن النصراني أعتق العبد لا تقبل شهادتها؛ لأنهما يثبتان فعلاً على المسلم، وشهادة النصراني على ذلك لا تقبل. ألا ترى أنه لو شهد نصرانيان أن قاضياً من قضاة المسلمين قضى لهذا النصراني على هذا النصراني فكذا فالقاضي لا يقبل شهادتهما، وإن كانا يشهدان للكافر على الكافر؛ لأنهما يثبتان فعلاً على المسلم أولاً وهو القاضي. وإذا شهد أبناء العبد أن المولى أعتقه على مال أو بغير مال والمولى يجحد، والعبد يدعي لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما يشهدان لأبيهما، ولو كان المولى يدعي العتق بالمال والعبد يجحد فشهد أبناء العبد تقبل شهادتهما؛ لأن العتق يثبت بإقرار المولى فلا حاجة إلى إثباته بالشهادة، وإنما الحاجة إلى إثبات المال، والشهادة بالمال شهادة على الأب، وإذا شهد أبناء العبد على المولى أنه قال: يوم يدخل أبوكما الدار فهو حر، وشهد آخران بالدخول لا تقبل شهادة الاثنين؛ لأن العتق يجب بالحلف فصارا شاهدين للأب بالعتق. ولو شهد الأجنبيان باليمين وشهد أبناء العبد بالشرط لا تقبل شهادتهما أيضاً استحساناً؛ لأن العتق إن كان لا يثبت بالشرط يثبت عنده، فصارا في هذا الوجه كالشاهدين للأب. وإذا كان العبد بين ثلاثة نفر ادعى أحدهم أنه أعتق نصيبه على كذا، فقال العبد: أعتقتني بغير شيء، فشهد الشريكان أنه أعتقه على كذا فشهادتهما جائزة؛ لأن العتق قد ثبت بإقرار المولى المنازعة في المال وفيما يرجع إلى المال..... هذه شهادة منهما على عبدهما، وكذلك إن شهد آباء الشريكين أو أبناؤهما بذلك؛ لأنهما يشهدان على عبد أبويهما أو على عبد ابنيهما وكل ذلك جائز. وإذا أعتق بعض الشركاء العبد وفي يد العبد أموال اكتسبها ولا يدرى متى اكتسبها، واختلف فيه الشركاء، والعبد قال: اكتسبته بعد العتق فالقول قوله؛ لأن الكسب حادث فيحال بحدوثهما على أقرب ما ظهر، وإنما ظهر الكسب للحال فيجعل القول قول من يدعي حدوثه في الحال، وهو العبد، ولأن العبد بعتق البعض صار مكاتباً حكماً عند أبي حنيفة ﵀ فيعتبر بما لو كان مكاتباً حقيقة، والمكاتب الحقيقي فيما في هذه بمنزلة الحر والقول قول الحر فيما في يده أنه له عند منازعة غيره إياه كذا ها هنا. وإذا كان العبد بين رجلين، شهد شاهدان على أحدهما أنه أقر أنه أعتقه وهو موسر فالقاضي يقضي بعتقه، وكان لشريكه أن يضمنه وكان ولاء العبد له، وإن جحد ذلك إلا أن القاضي لما قضى عليه بالعتق فقد كذبه في جحوده، فالتحق جحوده بالعدم. ولو شهدوا عليه أنه أقر أنه حر الأصل فالقاضي يقضي بحريته ولا ولاء له عليه وليس لشريكه أن يضمنه، بخلاف المسألة الأولى. والفرق: أنا نعتبر إقراره الثابت بالبينة بالثابت معاينة، ولو عاينا إقراره بالإعتاق كان

стр. 1649

ولاؤه له وكان لشريكه أن يضمن لأنه أقر بسبب الضمان وليس الولاء، ولو عاينا إقراره أنه حر الأصل لم يكن له عليه ولاء، ولم يكن لصاحبه حق التضمين؛ لأنه ما أقر..... لأن سببها على اليقين إعتاقه إياه وهو لم يقر بذلك. ولو شهدا على إقراره أن الذي باعه قد كان أعتقه قبل أن يبيعه عتق من مال المشهود عليه؛ لأنا لو عاينا إقراره بذلك لكان يعتق عليه العبد؛ لأنه يجب إقراره بثبات فساد البيع وبطلان حق البائع في الثمن، وهذا إقرار على الغير وحرية العبد وفساد ملكه، وهذا إقرار منه على نفسه، وإقرار الإنسان على نفسه صحيح، فكذا إذا ثبت إقراره بالبينة.n وإن شهدا على إقراره أن الذي باعه قد كان دبره قبل أن يبيعه أو كانت أمة شهدوا على إقراره أنها ولدت من البائع قبل البيع، فإنه يحال بين المشتري وبينهما؛ لأنه لو ثبت إقراره بذلك معاينة كان الجواب كما قلنا؛ لأنه أقر على نفسه بقصر يده عنها وبحرية استرقاقه إياها وهذا من غلته، فيصح إقراره بذلك، فكذا إذا ثبت إقراره بالبينة، ولا يعتق واحد منهما حتى يموت البائع فإذا مات عتقا؛ لأنه لو عتق بإقرار المشتري والمشتري ما أقر بالعتق إلا بعد موت البائع، ولا تسعى لواحد منهما لأن السعاية بدل الملك وكل واحد منهما يتبرأ عن ملكهما، فيكون متبرئاً عن سعايته. ذكر البقالي في «فتاويه» عن أبي يوسف فيمن شهد عليه رجل أنه قال سنة ست كل مملوك لي حر بعد موتي، وشهد آخر أنه قال بذلك سنة سبع، وشهد آخر أنه قال ذلك سنة ثمان ومات فيها، يعني: في سنة ثمان، وقالوا: لا ندري رقيقه، قال: من أقام من رقيقه بينة أنه كان له سنة ست عتق بشهادة الآخرين يعني الأوسط، هكذا ذكر، ومعناه أن شهود هذا الرقيق شهدوا أنه كان له سنة ست مطلقاً ولم يقولوا كان له سنة ست وقت مقالته ذلك، أما لو قالوا: إنه كان له سنة ست وقت مقالته ذلك بشهادة الأوسط، والآخر لم يعتق، ولا يعتق من كان له سنة ثمان قال ثمة، قال ذلك أيام....... وفي آخر عتاق (٣٣٢ب١) «الأصل» : إذا قال الرجل لعبده: إن دخلت دار فلان، فأنت حر فشهد فلان وآخر أنه دخل الدار تقبل شهادتهما. فرق بين هذا وبينما إذا قال له: إن كلمت فلاناً فأنت حر، فشهد فلان وآخر أنه كلمه لا تقبل شهادتهما، والفرق أن الذي شهد أنه كلمه شاهد على فعل نفسه؛ لأن كلام العبد معه لا يتحقق إلا بحضرته وسماعه، وذلك فعل. وشهادة الإنسان على فعل نفسه لا تقبل، فخرج هو من البين فلم يبق إلا شاهد واحد، فأما صاحب (الدار) ما شهد على فعل نفسه إنما شهد على فعل العبد لا غير، لأنه لا يحتاج في دخول العبد داره إلى فعل من جهته، فكان شاهداً على فعل الغير من كل وجه ولهذا افترقا. إن شهد ابنا فلان أن العبد قد كلم أباهما، فإن كان الأب يدعي ذلك لا تقبل شهادتهما، وإن كان يجحد فعلى قول أبي يوسف ﵀: لا تقبل شهادتهما، وعلى

стр. 1650

قول محمّد تقبل، والأصل أن شهادة الابن على فعل أبيه إذا كان للأب فيه منفعة لا تقبل بلا خلاف، وإذا لم يكن للأب فيه منفعة فهو على الخلاف، وستأتي المسألة مع أجناسها في كتاب الشهادات إن شاء الله تعالى، والله أعلم. الفصل الثامن في تفويض العتق إلى غيره إذا (قال) لأمته: أمرك بيدك ينوي العتق، فهذا على المجلس، وكذلك إذا قال لأجنبي: أمر أمتي فلانة بيدك ينوي العتق، فهذا على المجلس. ولو قال لأمته: أعتقي نفسك، فهو على المجلس ولو قال لأجنبي: أعتق أمتي فلانة فهذا على المجلس وما بعده، والجواب في العتاق في هذا نظير الجواب في الطلاق، وكذلك إذا قال لأمته: أنتِ حرة إن شئت، تعتبر مشيئتها في المجلس حتى لو شاءت بعدما قامت عن المجلس لا يعتق، ولو قال لأمة من أمائة: أنتِ حرة وفلانة إن شئت، فقالت قد شئت نفسي لا تعتق؛ لأن قوله: إن شئت، كلام لا يستقل بنفسه فينصرف إلى ما سبق ذكره، والسابق ذكره عتقها، فصار شرط وقوع العتق مشيئتها عتقهما كأنه قال لها: إن شئت عتقك وعتق فلانة فأنتما حران، فإذا شاءت عتقت نفسها فقد أتت ببعض الشرط فلا ينزل شيء من الجزاء. قال محمّد ﵀ في «الجامع» : إذا قال الرجل لغيره: من شئت عتقه من عبيدي فأعتقه، فشاء المخاطب عتقهم جميعاً معاً عتقوا جميعاً إلا واحداً منهم عند أبي حنيفة ﵀، والخيار إلى المولى، وعندهما يعتقون جميعاً، هكذا ذكر المسألة في رواية أبي سليمان. وذكر محمّد في رواية أبي حفص: فأعتقهم المأمور جميعاً معاً عتقوا إلا واحد منهم عند أبي حنيفة ﵀، والصحيح رواية أبي حفص؛ لأن المعلق بمشيئة المأمور الإعتاق دون العتق، وعلى هذا الاختلاف إذا قال: من شئت عتقه من عبيدي فهو حر، فأعتقهم جميعاً عتقوا عندهما. وعند أبي حنيفة ﵀: يعتق الكل إلا واحد منهم، وأجمعوا على أنه لو قال: من شاء عتقه من عبيدي فأعتقه، فأعتقهم جميعاً، عتقوا جميعاً، والخلاف فيما إذا كانت المشيئة مضافة إلى المخاطب لا إلى العبيد. وجه قولهما: أن كلمة من كلمة عامة وهي محكمة في إفادة العموم، وكلمة من كما تحتمل التبعيض تحتمل الجنس، قال الله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ (الحج: ٣٠) ويقال: باب من حديد والمراد هو الجنس فنعمل بالمحكم ونرد المحتمل عليه، ولأبي حنيفة ﵀: أنه وجد ههنا ما يوجب العموم وهو كلمة من وما يوجب الخصوص وهو كلمة من فإن كلمة من للتبعيض لغة، والعمل هنا ممكن بأن يدخل جميع العبيد تحت الأمر إلا واحداً منهم، وإنما اكتفينا بالواحد منهم في حق العمل بكلمة من؛ لأن كلمة من ههنا مذكورة لإخراج بعض العبيد عن الجملة لأن من تتناول الكل، فكانت من لإخراج بعض ما

стр. 1651

دخل تحت الأمر، والواحد متيقن، وما زاد عليه مشكوك، فلا يخرج بالشك والاحتمال، وفي قوله: من شاء عتقه من عبيدي فأعتقه بما يوجب الخصوص غير ممكن؛ لأنا لو عملنا بما يوجب الخصوص ابتداء وجعلنا الداخل تحت الأمر بعض العبيد يلزمنا العمل بما يوجب العموم انتهاء؛ لأن البعض الداخل تحت الأمر يصير عاماً لأنه موصوف بصفة عامة، وهي المشيئة فتعم فقلنا بالعموم ابتداء قصراً للمسافة. أما في مسألتنا: العمل بما يوجب الخصوص في الابتداء لا يوجب العمل في الانتهاء؛ لأن الداخل تحت الأمر مطلق عن الصفة، والخارج كذلك، فلا يعم في الانتهاء فعملنا بها لهذا. ولو قال لأمتين له: أنتما حران إن شئتما، فشاءت إحداهما فهو باطل؛ لأن معنى كلامه: إن شئتما حريتكما، فلا يتم الشرط بمشيئة إحديهما. ولو قال لهما: أيتكما شاءت العتق فهي حرة، فشاءتا جميعاً عتقا؛ لأن كلمة أي تتناول كل واحدة على الانفراد، ولو شاءت إحداهما عتقت التي شاءت، ولو شاءتا فقال المولى: أردت أحديهما صدق ديانة لا قضاء والجواب في العتق نظير الجواب في الطلاق. وفي «المنتقى» : بشرعن أبي يوسف: إذا قال لأحد: أعتق أي عبيدي شئت، فأعتق المامور كلهم جاز. وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف ﵀: إذا قال لغيره: أعتق أي عبيدي شئت، فليس له أن يعتق أكثر من واحد، ولو أعتق أكثر من واحد منهم لم يقع إلا على واحد منهم. ولو قال: كل أي هذا الطعام شئت، فله أن يأكل كله. وفرق بين العبيد والطعام على رواية ابن سماعة. وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف ﵀: الذين يشاؤون العتق منهم فهم أحرار فشاء واحد لا يعتق، وإن شاء اثنان فصاعداً عتقوا، كأنه قال: إن شاء عبدان من عبيدي العتق فهم أحرار، وكذلك لو قال: إن دخل عبيد من عبيدي الدار فهم أحرار فدخل واحد لا يعتق، وإن دخل اثنان فصاعداً عتقوا ... وفي «الأصل» عن محمّد: رجل قال لغيره: جعلت عتق عبدي إليك فليس له أن ينهاه، وهو إليه في المجلس كذلك لو قال: أعتق أي عبدي هذين شئت، وكذلك العتاق مما يجعل. ابن سماعة عن محمّد ﵀ في رجل قال لعبده: افعل في نفسك ما شئت، قال: إن أعتق نفسه قبل أن يقوم من مجلسه عتق وإن قام قبل أن يعتق نفسه لم يكن له أن يعتق نفسه بعد ذلك، وله أن يبيع نفسه وأن يهب نفسه، وأن يتصدق بنفسه على ما شاء. هشام قال: سمعت محمّداً يقول في رجل عاينته امرأته في جاريته، فقال لها: هو بيدك فأعتقتها المرأة، قال: إن نوى المولى العتق عتقت وإلا فلا فإن هذا على البيع، فإن

стр. 1652

قال: أمرك فيها جائز، فهذا على العتق وغيره، وفي وكالة «الأصل» الوكيل بالإعتاق بمال لا يملك أن يقبض المال إذا أعتق. وفيه أيضاً: الوكيل بالإعتاق المطلق لا يملك التدبير والكتابة والإعتاق وعلى مال، وكذا لا يملك التعليق بالشروط والإضافة إلى الأوقات. وإذا قال لعبد: أعتق نفسك بما شئت، فأعتقه على دراهم فهو جائز إذا رضي المولى، وعلى هذا الخلع والطلاق، وهذا لأن الواحد لا يصلح وكيلاً من الجانبين في هذه العقود ما لم يكن ببدل مسمى، فصار وجود هذا التوكيل والعدم بمنزلة، ولو عدم التوكيل فقال العبد: أعتقت نفسي على كذا، أو قالت المرأة: خلعت بكذا طلقت نفسي بكذا إذا رضي به الزوج والمولى جاز وإلا فلا، كذا ها هنا، ولو كان البدل مسمى في هذه العقود، فقال العبد: أعتقت نفسي على كذا، فقالت المرأة خلعت نفسي على كذا جاز، ولا يشترط رضا المولى بعد ذلك، هكذا ذكر في «ظاهر الرواية» ، فعلى ظاهر الرواية جوز توكيل الواحد من الجانبين إذا كان البدل مسمى، ولم يجوز ذلك (٣٣٣أ١) إذا لم يكن البدل مسمى. وروى ابن سماعة عن محمّد ﵀ في «نوادره» : أنه جوز توكيل الواحد من الجانبين (في) هذه العقود وإن لم يكن البدل مسمى، وبعض مشايخنا رجحوا رواية ابن سماعة عن محمّد ﵀. وفي «الأصل» : إذا قال لعبده: أنت حر فيما شئت، أو إذا شئت، أو كلما شئت، فقال العبد: لا أشاء ثم باعه ثم اشتراه شاء العتق، فهو حر. والجواب في العتق نظير الجواب في الطلاق. ولو قال: أنت حر حيث شئت، فقام من ذلك المجلس بطل العتق؛ لأن حيث لتعميم المكان لا لتعميم الزمان فبقيت المشيئة مطلقة عن الوقت، والمشيئة المطلقة عن الوقت تقتصر على المجلس، ولو قال له: أنت حر كيف شئت، فعلى قول أبي حنيفة يعتق من غير مشيئة، وعلى قولهما لا يعتق من غير مشيئة، والجواب في العتاق في هذا نظير الجواب في الطلاق، والله أعلم بالصواب. الفصل التاسع في التدبير هذا الفصل يشتمل على أنواع: نوعفي بيان صورته وصفته وحكمه فنقول: التدير نوعان مطلق ومقيد، أما المطلق فصورته: أن يقول المولى لعبده: إذا مت فأنت حر ويقول..... فأنت حراً ويقول أنت حر بعد موتي أو يقول دبرتك أو يقول أنت مدبر، والحاصل أن المدبر المطلق من تعلق عتقه بمطلق موت المولى، ومن حكمه

стр. 1653

أنه لا يجوز بيعه عند علمائنا ﵏، وإنما لا نجوز بيعه؛ لأن التدبير المطلق انعقد سبباً للحرية للمال وإن تراخى حكمه إلى ما بعد الموت. وبيان ذلك: أن العتق يثبت عند الموت، والمعتق لا بد له من الإعتاق لو لم يجعله إعتاقاً للحال يحتاج إلى جعله إعتاقاً بعد الموت، والإعتاق فعل والميت ليس من أهل الفعل، فمست الضرورة إلى جعله إعتاقاً للحال، وذلك لا يمكن إلا بجعل الشرط دليلاً على حكم السبب، ومتى جعل ذلك يبقى قوله: أنت حر بلا شرط، فينعقد سبباً للحرية وإن تراخى حكمه. إذا ثبت هذا فنقول: انعقاد سبب الحرية حق الدبر، فلو جاز بيعه لبطل هذا الحق، وإنه لا يحوز. ولو قضى قاضٍ بجواز بيعه ينفذ؛ لأن المسألة مختلفة، والموضع موضع الاشتباه. وأما التدبير المقيد فصورته: أن يقول الرجل لعبده: إن مت من مرضي هذا فأنت حر، أو يقول: إن مت من مرض كذا أو يقول: إن مت من..... كذا، فأنت حر، وله صور كثيرة تأتي بعد هذا. والحاصل: أن المدبر المقيد من لا يكون عتقه معلقاً بمطلق موت المولى، وهذا التدبير لا يمنع جواز بيعه، ولكن إذ لم (يكن) يبعه ووجد الشرط يعتق. وإذا قال لعبده أنت حر يوم أموت؛ إن لم ينو النهار دون الليل كان مدبراً مطلقاً، لأن اليوم إذا كان مضافاً إلى ما لا يتقيد بالنهار يكون عبارة عن مطلق الوقت، فكأنه قال: أنت حر وقت ما أموت. وإن نوى النهار دون الليل كان مدبراً مقيداً؛ لأن موته بالنهار قد يوجب وقد لا يوجد فكان بمنزلة ما لو قال: إن مت من مرضي هذا. ولو قال لها: أنت حر بعد موتي وموت فلان، أو قال بعد موت فلان وموتي فهذا لا يكون مدبراً في الحال، لأن المدبر المطلق من تعلق عتقه بمطلق موت المولى وعتق هذا العبد ما تعلق بمطلق موت المولى، إنما تعلق بموته وموت فلان، فإن مات فلان أولاً والغلام في ملك المولى إلى أن يصير مدبراً مطلقاً؛ لأن بعد موت فلان يصير عتقه مطلقاً بمطلق موت المولى، فإن مات المولى قبل موت فلان لا يصير مدبراً، وكان للورثة أن يبيعوه؛ لأن بعد موت المولى يصير عتقه معلقاً بموت الأجنبي، فيعتبر بما لو علق عتقه بموت الأجنبي ابتداء، وهناك لا يصير مدبراً. وإذا مات المولى قبل الأجنبي يصير..... لورثته، كذا ها هنا.. ولو قال: إذا كلمت فلاناً فأنت حر بعد موتي فكلم فلاناً يصير مدبراً بناءً على ما قلنا. وفي «المنتقى» : قال محمّد ﵀: عبد بين رجلين قال أحدها للعبد: إن مت أنا وفلان يعني شريكه * فأنت حر لم يكن مدبراً، وكذلك لو قال الآخر مثل ذلك فمات أحدهما صار العبد مدبراً من الآخر.

стр. 1654

وفي «الأصل» : إذا قال له أنت حر بعد موتي إن شئت، فإن المولى ينوي في ذلك؛ لأن قوله: إن شئت يجوز أن يكون المراد منه المشيئة في الحال، ويجوز أن يكون المراد منه المشيئة بعد الموت، فإن كان المراد منه الساعة صحت نيته؛ لأنه نوى ما يحتمله لفظه. وإذا قال العبد ساعتئذ شئت يصير مدبراً، ويصير تقدير المسألة: أنت حر بعد موتي إن شئت الساعة، وهناك إذا شاء الساعة يصير مدبراً؛ لأن بعد المشيئة يصير عتقه معلقاً بمطلق موت المولى، وإن كان أراد مشيئته بعد الموت صحت نيته أيضاً، وتكون له المشيئة بعد الموت، وكذا إذا لم يكن له نية. ويكون له المشيئة بعد الموت، لأنه لم يذكر للموت وقتاً من حيث التصرف ولا للمشيئة من وقت، فكأنه جعل وقتها بعد الموت؛ وأيهما ذكرت بعد الموت أولى. وإذا كان له المشيئة بعد الموت في هذين الفصلين ذكر أنه لا يكون مدبراً؛ لأنه ما تعلق عتقه بمطلق موت المولى بل بموته وبمشيئة العبد ذلك بعد ذلك، والمدبر من تعلق عتقه بمطلق موت المولى، بل بموته وبمشيئة العبد بعد ذلك، والمدبر من تعلق عتقه بمطلق موت المولى أو نقول المدبر من تعلق عتقه بمطلق موت المولى، وها هنا المتعلق بموت المولى الإيصاء بالعتق لا وقوع العتق، وهذا اللفظ يشير إلى أن هذا العبد لا يعتق، وإن شاء العتق بعد موت المولى ما لم يعتقه الوصي، وهو اختيار الفقيه أبي بكر الرازي، هكذا ذكر شيخ الإسلام المعروف بخوهر زاده ﵀. وجه ذلك أنه تعذر: تعليق وقوع العتق بمشيئة توجد بعد الموت؛ لأن العتق لو وقع بمشيئة توجد بعد موت المولى إما أن يقع بحكم التدبير ولا وجه إليه؛ لأن العتق في التدبير يقع بمجرد موت المولى، وأما أن يقع بحكم اليمين ولا وجه إليه أيضاً؛ لأن العتق حينئذٍ يكون مضافاً إلى حال زوال المعلق وإنه لا يصح، وإذا تعذر تصحيح التدبير واليمين جعلناه إيصاء بالعتق إن شاء العبد؛ لأن في التدبير وصية بالعتق. فصار كأنه قال: أعتقوا عبيدي بعد موتي إن شاء، ولو صرح به يصح، وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «شرحه» أنه إذا مات المولى فشاء العبد عتقه فهو حر من ثلثه لوجود الشرط لا بالتدبير، وهذا تنصيص على أن المعلق بمشيئة العبد بعد موت العتق لا الإيصاء بالعتق. وفي «المنتقى» ابن سماعة عن محمّد ﵀: إذا قال لعبده: إذا مت فأنت حر إن شئت، فالمشيئة بعد الموت، وقال أبو حنيفة ﵀: المشيئة على المجلس الساعة. قال محمّد ﵀: وكذلك إذا قال: إن شئت فأنت حر بعد موتي، فالمشيئة بعد الموت، قال: ألا ترى أنه لو قال: إذا جاء غدٍ، فأنت حر إن شئت اكتسب المشيئة إليه بعد طلوع الفجر من الغد فكذا في الموت، وسوى بين تقديم المشيئة وتأخيرها. وذكر المعلى عن أبي يوسف رحمهما الله في «الإملاء» رجل قال لعبده: أنت حر بعد موتي إن شئت، أو قال: إن شئت فأنت بعد موتي فالمشيئة للعبد فيهما جميعاً بعد الموت في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف ﵀: إذا قدم المشيئة فالمشيئة للعبد الساعة، وإذا أخر فالمشيئة له بعد الموت. وفي «المنتقى» أيضاً عن محمّد ﵀ إذا قال لعبده: أنت حر بعد موتي إن

стр. 1655

شئت ذلك بعد موتي، فقام عن مجلسه الذي علم بموت المولى فيه لم يبطل ما جعله إليه حتى يقول قد أبطلت الوصية والمشيئة في ذلك، وإن نهاه عن ذلك في حياته بطل. وفي «الأصل» : لو قال له: أنت حر بعد موتي إن دخلت الدار، لا يصلح هذا التصرف عندنا أصلاً، بخلاف ما إذا قال: أنت حر بعد موتي إن شئت. والفرق أن في فصل المشيئة صححنا تصرفه بطريق الوصية، وتعليق الوصية (٣٣٣ب١) بالمشيئة صحيح، وتعذر تصحيح هذا التصرف بطريق الوصية لأن تعلق الوصية بدخول الموصى له الدار باطل. وإذا قال لعبده: أنت حر بعد موتي بيوم أو قال: شهر فهذا لا يكون مدبراً، وهذا التصرف إيصاء بالعتق، حتى لا يعتق بعد موت المولى بمضي يوم أو مضي شهر ما لم يعتقه الوصي، وإذا قال: أنت حر إن مت إلى مئتي سنة فهذا مدبر مقيد يجوز بيعه؛ لأنه يتصور أن لا يموت إلى مئتي سنة. ولو قال لعبده: أنت مدبر على ألف درهم فقبل، فهو مدبر والمال ساقط. أما هو مدبر؛ لأن التدبير على المال شرط لزومه قبول المال كالعتق على المال شرط لزومه قبول المال، وأما المال ساقط؛ لأنه لو وجبت وجبت على المدبر، ولا يجب للمولى على المدبر شيء لأن المدبر ملكه بخلاف الإعتاق على المال لأن هناك المال يجب على المعتق. وفي «المنتقى» بشر عن أبي يوسف رجل قال لعبده: أنت مدبر على الألف درهم، قال أبو حنيفة ﵀: القبول إليه بعد الموت، وللمولى أن يبيعه قبل الساعة، أوْ لم يقبل. فإذا مات وهو في ملكه.....، فإن قال قد قبلت أداء الألف، وعتق كأنه قال: أنت حر بعد موتي بالألف، وقال أبو يوسف: إن لم يقبل الساعة فليس له أن يقبل بعد ذلك، وإن قبل الساعة كان مدبراً وعليه ألف درهم إذا مات سيده، وإن لم يكن له مال غيره سعى في الأكثر من الألف ومن ثلثي القيمة وعتق المدبر يعتبر من ثلث المال مطلقاً كان أو مقيداً، وهو مذهب عليّ وسعيد بن المسيب وشريح والحسن وابن سيرين، وقد صح برواية ابن عمر ﵁ أن رسول الله ﵇ جعل المدبر من الثلث، وقوله: وعتق المدبر يعتبر من ثلث المال أراد به بعد الدين، حتى إذا كان على الميت دين مستغرق لماله أو قيمة المدبر فالمدبر يسعى في جميع قيمته للعرف؛ لأن عتقه بطريق الوصيه والوصية..... فيجب رد عتقه، وذلك بإيجاب السعاية عليه، وإن لم يكن على الميت دين فهو حر من ثلث ماله، حتى إذا لم يكن له مال آخر سوى المدبر يسعى في ثلثي قيمته مدبراً للورثة، فمعرفة قيمة المدبر يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى.

стр. 1656

وإذا (قال) لعبده: إن مت فلا سبيل لأحد عليك يصير مدبراً، وإذا قال لعبده أوصيت لك برقبتك، فقال: لا أقبل فهو مدبر، ورده ليس بشيء، رواه ابن رستم عن محمّد ﵀. نوع آخر من هذا الفصل قال محمّد ﵀ في «الأصل» : إذا قال الرجل: (كل) مملوك لي حر بعد موتي، أو قال: مملوك أملكه، فهو حر بعد موتي، قال: ما كان في ملكه يوم قال هذه المقالة فهو مدبر لا يجوز بيعه وما يملكه بعد ذلك لا يصير مدبراً، ويجوز بيعه، ولكن إذا بقي في ملكه إلى وقت الموت يعتق من ثلث ماله مع المدبرين، وقال أبو يوسف ﵀: ما يملكه بعد هذه المقالة لا يعتق بموته، ووجهه ظاهر. إن قوله كل مملوك لي للحال بحكم الموضع، وقوله أملكه للحال بحكم العرف، فقد أضاف عتق ما يملكه في المال إلى ما بعد الموت، فإنما يعتق ما يملكه في الحال لا ما يملكه بعد ذلك، ألا ترى أنه لو نجز فقال: كل مملوك لي حر، أو قال: كل مملوك أملكه، فهو حر، فإنما يعتق ما هو في ملكه في الحال، ولا يعتق ما يملكه بعد ذلك، ومحمّد ﵀ يقول: باب التدبير ما صح من حيث إنه عتق مضاف إلى وقت في المستقبل؛ لأن الإضافة حصلت إلى حال زوال الملك، وإنما صحت بطريق الوصية؛ لأن إضافة الوصية إلى حال زوال الملك جائزة شرعاً نظراً للعباد، وإذا كان جواز هذا التصرف بطريق الوصية يجب اعتبارها بالوصية. ومن قال..... لفلان بكل مملوك لي، أو قال: بكل مملوك أملكه، ولم ينص على الحال يتناول ذلك ما يملكه للحال وما يملكه بعد ذلك كذا ها هنا، إلا أن ما يملكه في الحال يصير مدبراً؛ لأن السبب في حقه وهو الوصية انعقد للحال، وما يملكه بعد ذلك لا يصير مدبراً؛ لأن السبب هو الوصية لا ينعقد في حقه للحال، وإنما ينعقد عند الموت كما في المدبر المقيد.H وعن أبي يوسف برواية ابن سماعة أن الحالف لو قال: نويت كل مملوك لي يومئذٍ يدخل فيه ما يستفيده، ولم يصدق على ما في يده وهم مدبرون، قال الحاكم أبو الفضل ﵀: هذا خلاف الأصل، وإذا قال: كل مملوك لي حر بعد موتي لا يدخل تحته كل مملوك بينه وبين غيره؛ لأن هذا التصرف إما أن يعتبر بالعتق المنجز أو بالوصية، وبأي ذلك اعتبرنا لا يدخل تحته عبد بينه وبين غيره؛ لأن اسم المملوك لا ينطلق (على) ...... نوع آخر (من) هذا الفصل وتدبير الصبي عنده لا يصح؛ لأنه مما يضره، ويستوي فيه التنجيز والتعليق ببلوغه حتى إذا قال للصبي بقيده: إذا أدركت فأنت حر بعد موتي لا يصح، وكذلك المجنون

стр. 1657

والمعتوه الغالب لا يصح تدبيرهما، ويصح تدبير السكران، وكذا المكره على التدبير إذا دبر يصح تدبيره، وإنما يصح باعتبار العتق لا من حيث إنه وصية، فإن الوصية من المكره لا تصح، والمكاتب إذا دبر مملوكاً من كسبه لا يصح، وكذا العبد المأذون له في التجارة إذا دبر لا يصح تدبيره. وإذا قال لغيره: دبر عبدي، فأعتقه المأمور لا يصح، لأنه أمره بعتق معلق وقد أتى بعتق منجز، وهما مختلفان. وإذا جعل الرجل أمر عبده إلى صبي، فقال: دبره إن شئت فدبره، فهو جائز سواء كان الصبي يعقل أو لا يعقل، إن كان يعقل فظاهر، وإن كان لا يعقل فطريقه: أن يجعل كلام الصبي شرطاً لوقوع التدبير، كأنه قال لصبي لا يعقل: إن قلت إنك مدبر فهو مدبر، وقول الصبي يصلح لشرط وقوع التدبير كما يصلح شرط وقوع الحرية، وإذا جعل أمر عبده في التدبير إلى رجلين فدبره أحدهما لا يصح. وإذا دبر عبده، ثم ذهب عقله ومات فالتدبير على حاله وإن كان فيه معنى الوصية، بخلاف ما إذا أوصى برقبته لإنسان ثم جن، ثم مات حيث تبطل الوصية. والفرق أن الوصية بالرقبة لا تقع لازمة حتى يملك الوصي فسخها قصداً بالرجوع، وحكماً بالبيع، فيكون لولد..... حكم للابتداء مما يمنع ابتداء الوصية يمنع بقاؤها. أما التدبير يجب له ذمةً حتى لا يملك المولى فسخه، فلا يكون لدوامه حكم الابتداء حتى يقال ما يمنع ابتداؤه يمنع بقاه. ولو قال: يوم أدخل الدار فعبدي هذا حر بعد موتي، فذهب عقله ثم دخل الدار كان مدبراً، وكان ينبغي أن لا يصير مدبراً؛ لأن المعلق بالشرط عند الشرط كالمرسل، وعند الشرط هو معتق، قلنا: المعلق بالشرط كالمرسل عند الشرط، ولكن على الوجه الذي تعلق بالشرط، وقد تعلق بالشرط تدبير صحيح، فينزل عند الشرط تدبيراً صحيحاً أيضاً. وفي اختلاف زفر ويعقوب إذا قال لعبده: إن مت أو قتلت فأنت حر، فعل قول زفر هو مدبر؛ لأن عتقه تعلق بمطلق موت المولى حتى يعتق إذا مات على أي وجه مات، وعلى قول أبي يوسف: لا يكون مدبراً؛ لأنه علق عتقه بأحد شيئين، فالقتل إن كان موتاً فالموت ليس بقتل، والتعليق بأحد الشيئين يمنع أن يكون..... في أحدهما خاصة، فلا يصير مدبراً حتى يجوز بيعه، والله أعلم. نوع آخر من هذا الفصل كل تصرف يقع في الحر بحال الإجارة والاستخدام والتزويج لا يمتنع في المدبر

стр. 1658

حتى أن المولى يملك إجارة المدبر والمدبرة، واستخدامهما وتزويجهما، وكل تصرف لا يقع لحر نحو البيع والإمهار يمتنع في المدبر حتى إن المولى لا يملك بيعهما وإمهارها، وهذا لأن المدبر باق على حكم ملك المولى إلا أنه انعقد سبب الحرية في حقه، وكل (نفس) تصرف يبطل هذا السبب فالتدبير يمنع المولى عنه صيانة لحق المدبر عن البطلان، وكل تصرف لا يبطل هذا السبب فالمولى يكون مطلقاً فيه بحكم ملك الرقبة. إذا بثت هذا فنقول: الإجارة والنكاح والاستخدام لا يبطل هذا السبب، فلا يمنع على المولى بحكم التدبير، ويجوز كتابته أيضاً؛ لأن بالكتابة لا يبطل (٣٣٤أ١) السبب المنعقد حقاً للمدبر، بل بالكتابة يتعجل عند أداء بدل الكتابة ما كان مؤخراً إلى يوم الموت ويجوز رهنه؛ لأن موجب الرهن هو..... بدار استيفاء، واستيفاء الدين من مالية المدبر غير ممكن، لأن استيفاء الدين من المالية يكون بطريق البيع، وبيع المدبر لا يجوز، وإذا تعذر حقيقة الاستيفاء من مالية المدبر لا يثبت به الاستيفاء واكتساب المدبر والمدبرة للمولى، وكذلك إن بيعهما ومهرهما للمولى؛ لأنهما بقيا على حكم ملك المولى كالأمة، وولاؤهما للذي دبر لا ينتقل عنه حتى إن المدبر إذا كان بين اثنين أعتقه أحدهما وهو موسر وضمن قيمته (في) نصيب شريكه عتق المدبر، ولم يتغير المولى؛ لأن العتق ها هنا ثبت من جهة المدبر في الحقيقة لا من جهة الذي أعتقه؛ لأن المعتق بأداء الضمان لا يملك نصيب الشريك ها هنا؛ لأن المدبر لا يقبل الانتقال من ملك إلى ملك، وإنما وجب الضمان لإيثار الحيلولة بين المدبر والمولى إبراء أن يقال بأن المعتق يتملك نصيب صاحبه من المدبر ولاء، ولما كان الطريق هذا كان العتق في نصيب المدبر من جهته لا من جهة المعتق، فيكون الولاء للمدبر بهذا، والله أعلم. نوع آخر من هذا الفصل عبد بين رجلين دبره أحدهما، فعلى قول أبي يوسف ومحمّد رحمهما الله: يصير الكل مدبراً؛ لأن التدبير عندها لا يتجزأ، وعند أبي حنيفة ﵀ يقتصر التدبير على نصيب المدبر؛ لأن التدبير عنده متجزىء، والشريك الساكت في نصيبه خيارات خمسة، فعند أبي حنيفة: إن كان المدبر موسراً إن شاء دبر نصيبه، وإن شاء أعتق، وإن شاء استسعاه ليعتق، وإن شاء تركه كذلك، وإن شاء ضمن المدبر قيمة نصيبه. وخيارات أربعة إن كان المدبر معسراً: ليس له حق تضمين المدبر في هذه الصورة، كذا ذكر المسألة في عتاق «الأصل» ، وذكر هذه المسألة في «الجامع الكبير» ، ولم يذكر خيار العتق. حكي عن الفقيه أبي بكر البلخي ﵀ أنه كان يقول: في المسألة روايتان: على رواية «الجامع» ليس للساكت أن يعتق نصيبه، وكان يأخذ بهذه الرواية ويقول بأن الساكت بإعتاق نصيبه يضر بالمدبر بتفويت منفعة الحرمة من غير حاجة إليه، ولا يجوز للإنسان أن

стр. 1659

يضر بغيره من غير حاجة، بخلاف ما لو عتق الأول نصيبه، فإن للساكت أن يعتق إذ ليس في تلك الصورة في إعتاق نصيبه إبطال حق الحرمة على صاحبه؛ إذ ليس لصاحبه حق الخدمة بعد ما أعتق نصيبه، فالخلاف ما إذا أراد الساكت أن يدبر نصيبه؛ لأنه لا يفوت على صاحبه منفعة الخدمة، بل يبقى حق الخدمة كما كان، وبخلاف ما إذا أراد استسعاء العبد فإن له ذلك، وإن كان يعتق نصيبه ويفوت حق صاحبه في الخدمة؛ لأن الاستسعاء محتاج إليه ليصل إلى بدل ملكه، فإنه تعذر عليه الوصول إلى بدل ملكه بالبيع، فكان محتاجاً إلى الاستسعاء، وإنما احتاج إليه من جهة المدبر فكأن المدبر أعتق نصيبه. وجه رواية كتاب العتاق: أنا لو منعناه عن الإعتاق فقد أبطلنا عليه ملكه من غير عوض، فمتى أطلقنا له الإعتاق إن كان يبطل حق صاحبه في الخدمة لكن بعوض، ولا شك أن الإبطال بعوض أولى من الإبطال بغير عوض، فإن اختار الساكت التدبير في نصيبه صارت الجارية مدبرة بينهما، وكان لكل واحد منهما أن يستسعيها، وأن يستخدمها بجهة الرق. وإن أعتق نصيبه كان للمدبر خيارات ثلاثة في نصيبه إذا (كان) المعتق موسراً إن شاء أعتق نصيبه وإن شاء ضمن المعتق قيمة نصيبه مدبراً، وإن شاء استسعى العبد في قيمة نصيبه مدبراً. وإن اختار الساكت استسعاء العبد، واستسعاه في قيمة نصيبه عتق نصيبه بأداء السعاية، و (إن كان المعتق معسراً) فللمدبر في نصيبه خيارات (إن) شاء (الله) أعتق نصيبه وإن شاء استسعى العبد في نصيبه، وليس له أن يضمن المعتق نصيبه. وإن كان موسراً فرق بين الاستسعاء وبين الإعتاق، فإن الساكت إذا أعتق نصيبه كان للمدبر أن يضمنه قيمة نصيبه إذا كان موسراً، وفي الفصلين جميعاً عتق نصيبه من جهته، وإن اختار الساكت أن يترك نصيبه على حاله فله ذلك؛ لأنه استيفاء ملك، وليس فيه إبطال حق على أحد، وإن اختار الساكت تضمين المدبر وضمنه قيمة نصيبه صار نصيبَ الساكت فهو كالمدبر، ويكون نصف العبد رقيقاً ونصفه مدبراً وكان للمدبر في النصف الذي ملكه من جهة صاحبه خيارات أربعة إن (شاء) أعتقه، وإن شاء استسعاه وإن شاء تركه على حاله؛ لأنه استفاد الملك فيه من جهة الساكت فيكون فيه مثل ما كان للساكت، والله أعلم. قد ذكرنا أن الساكت إذا أعتق نصيبه فللمدبر أن يضمنه قيمة نصيبه مدبراً فلا بد من معرفة قيمة المدبر، وتكلم المشايخ فيه، بعضهم قالوا: ينظر بكم تستخدم هذه مدة عمره؛ لأن الباقي بعد التدبير ملك الخدمة لا غير، وبعضهم قالوا: يقوّم فائت المنافع التي تقوم بالتدبير، قالوا: وإلى هذا أشار محمّد ﵀ في بعض الكتب. وبعضهم قالوا: يعتبر نصف قيمته لو كان قناً؛ لأن الانتفاع بالمملوك نوعان: انتفاع

стр. 1660

بعينه وانتفاع ببدله وهو الثمن، والانتفاع بالعين قائم وبالبدل وهو الثمن لا، فكان الباقي نصف قيمة القن، وإلى هذا مال الصدر الشهيد حسام الدين ﵀، وبعضهم قالوا: يعتبر ثلثا قيمته لو كان قناً؛ لأن المملوك ثلث منافع الاستخدام والاسترباح بواسطة البيع، وقضاء الدين بعد موت المولى وبالتدبير يفوت الاسترباح، أما لا يفوت الاستخدام، ولا قضاء الدين بعد موت المولى لأن المدبر يسعى بعد موت السيد. وبعضهم قالوا: يسأل عن..... أن العلماء لو اتفقوا على جواز بيع المدبر بكم تشتري هذا على أن المشتري أحق بمتابعته، دون رقبته وعلى أن يعتق بموته، قالوا بمئة يجب ذلك القدر. وإذا كانت الأمة بين رجلين قالا لها جميعاً: أنت حرة بعد موتنا، فإن هذه لا تكون مدبرة؛ لأن كل واحد منهما بما علق عتق نصيبه بموته وموت صاحبه، فيعتبر في حق كل واحد منهما، إنما لو كان الكل له وقد علق عتقه بموته وموت الأجنبي فهناك لا يصير مدبراً للحال كذا ها هنا. فإن مات أحدهما بعد هذه المقالة، فإن نصيب الآخر يصير مدبراً؛ لأن عتق نصيب الآخر بقي متعلقاً بموته، وإذا صار نصيبه مدبراً كان لورثة الميت من الخيار عند أبي حنيفة ﵀ ما كان له لو كان حياً؛ لأن نصيب الحي إنما يصير مدبراً بعدما يصير ملك الميت ميراثاً لورثته؛ لأن شرط عتقه لا يتم بموته. مدبرة بين رجلين مات أحدهما عتق نصيبه منها، وسعت للآخر في قيمة نصيبه، ولا ضمان له في تركة الميت؛ لأن الميت لو ضمن لصاحبه إما أن يضمن بالموت ولا وجه إليه أيضاً؛ لأن صاحبه..... به لما ساعده على التدبير، ولكن الجارية تسعى للحي من نصيبه؛ لأن نصيب الحي بقي مالاً متقوماً بعد التدبير، وقد..... عند المدبر لما عتق نصيب الميت، والله أعلم. نوع آخر من هذا الفصل وإذا دبر الرجل ما في بطن جاريته فهو جائز؛ لأنه لو أعتقه يجوز فكذا إذا دبره، فإن ولدت بعد ذلك ولداً لأقل من ستة أشهر فهو مدبر، وإن ولدت لأكثر (من) ستة أشهر لا يكون مدبراً؛ لأنا لم نتيقن بوجوده حين دبر، و (متى) وقع الشك لا يثبت التدبير ألا ترى لو أعتقه ثم ولدت بعد ذلك، لأقل من ستة أشهر كان حراً، وإن ولدت لأكثر من ستة أشهر لا يكون حراً، فكذا في فصل التدبير. وإذا دبر الرجل ما في أمته فليس له أن يبيع الأمة بعد ذلك وأن يرهنها، وإن مَهَرَهَا ذكر في مسألة الهبة في بعض روايات كتاب العتاق، وسوّى بينهما وبين البيع، ولم يذكر مسألة الهبة في بعض روايات كتاب العتاق، وإنما ذكر البيع والإمهار والرهن، وذكر في كتاب الهبة (٣٣٤أ١) إذا أعتق (ما) في بطن جارية ثم باع الجارية لا يجوز، ولو وهبها

стр. 1661

يجوز، وفرق في الإعتاق بين الهبة والبيع، فمن مشايخنا من قال: في المسألة روايتان، والأصح هو الفرق بين الإعتاق والتدبير، فنقول: بعدما دبر ما في بطن الجارية كما لا يجوز البيع لا يجوز الهبة، وبعد ما أعتق ما في بطن الجارية يجوز الهبة، ولا يجوز البيع. والفرق ظاهر أن بالتدبير لا يزول الولد عن ملك المولى قبل موت المولى، وإنه متصل بالأم، والموهوب إذا كان متصلاً بما ليس بموهوب من ملك الواهب اتصالاً يقبل الفضل يمنع جواز الهبة؛ لأنه يكون بمعنى هبة المشاع، فأمّا الإعتاق يزول الولد عن ملك المولى، فالموهوب غير متصل بما ليس بموهوب من ملك الواهب، فهو كما لو وهب دار..... أن الواهب وسلمها إلى الموهوب له وهناك تتم الهبة في الدار كذا ها هنا. فإن قيل: في فصل الإعتاق..... إن كان لا تفسد الهبة في الجارية من الوجه الذي قلتم لم لا تفسد من حيث إن الولد مستثنى شرعاً، قلنا: استثناء الولد شرعاً لا يمنع جواز الهبة، ألا ترى أنه لو استثناه شرطاً كانت الهبة جائزة في الأم. ولو دبر ما في بطن أمته ثم كاتب الأمة يجوز؛ لأن الكتابة تعود للعتق، وثبوت حق العتق للولد لا يمنع عقد العتق في الأم، فإن وضعت بعد هذا القول ولداً لأقل من ستة أشهر فهو مدبر مقصود بالتدبير من جهة المولى، ومكاتب تبعاً للأم، فإن أدت الأمة بدل الكتابة إلى المولى عتقا بالكتابة، وإن لم تؤد حتى مات المولى عتق الولد بالتدبير، وتبقى الأم مكاتبة على حالها، وإن لم يمت المولى ولكن ماتت الأمة يبقى الولد فيما على الأم على نجوم الأم، فإن مات المولى بعد ذلك فإن كان الولد يخرج من ثلث ماله يعتق بحكم التدبير دبراً عن بدل الكتابة؛ لأنه مكاتب استفاد عتقاً من جهة المولى، فإن كان لا يخرج من ثلث ماله يعتق منه بقدر ما يخرج من ثلث ماله بغير سعاية بجهة التدبير، ويلزمه السعاية في الباقي من رقبته بجهة التدبير، بعد هذا يخير إن شاء مضى في الكتابة، وإن شاء مضى في السعاية بجهة التدبير، وإن كان بدل الكتابة أكثر إلا أنه نجم، والسعاية ... التدبير حال، فقد..... له جهتا حرية، فيختار الأنفع في حقه. وهذا قول أبي حنيفة ﵀. وإذا كانت الأمة بين اثنين دبر أحدهما ما في بطنها فهو جائز وإن ولدت بعد حمل لأقل من ستة أشهر صار نصيبه مدبراً عند أبي حنيفة، ويكون للساكت في نصيبه خيارات خمسة إن كان المدبر موسراً. وإن جاءت بالولد لأكثر من ستة أشهر لا يصير نصيبه مدبراً، والنصف في هذه المسألة نظير الكل فيما إذا كانت الجارية كلها له. وإذا كانت الأمة بين اثنين قال أحدهما لها: ما في بطنك حر بعد موتي، وقال الآخر للأمة أنت حرة بعد موتي، فولدت بعد هذه المقالة لأقل من ستة أشهر، فالولد كله يصير مدبراً بينهما؛ لأنها اجتمعا على تدبيره الأول دبر نصيبه منه تدبير مقصود، والثاني

стр. 1662

دبر نصيبه منه مع تدبير الأم ولا ضمان لواحد منهما على صاحبه في الولد؛ لأن كل واحد منهما فعل في الولد مثل ما فعل صاحبه، وأما في الأم فللذي لم يدبر الأم في نصيبه خيارات خمسة، عند أبي حنيفة ﵀: إن كان المدبر موسراً، وإن ولدت لأكثر من ستة أشهر من وقت هذه المقالة فالولد مدبر للذي دبر الأم؛ لأن كلام الأول قد لغا؛ لأنها لم تتيقن بوجود الولد وقت تدبيره فكانت العبرة بكلام الثاني، وصار..... كأن أحدهما دبر الجارية، وهناك إذا جاءت بالولد كان الولد مدبراً، فبعد ذلك التدبير عندهما لا يتجزأ فصار كل الجارية مدبرة للذي دبرها، فصار جميع الولد مدبراً له أيضاً تبعاً للأم. وعند أبي حنيفة ﵀: التدبير يتجزىء فيصير نصف الجارية مدبر للذي دبرها، ويصير نصف الولد مدبراً له تبعاً للحال الجارية فإن اختار الساكت بعد ذلك، فيضمن المدبر قيمة نصيبه من الجارية فلا ضمان له على المدبر بسبب الولد؛ لأن المدبر يتملك نصف الساكت من الجارية من وقت التدبير، ولهذا يعتبر قيمتها يوم التدبير واليوم التدبير ولد.... كان جزءاً من أجزاء الجارية، فيملك المدبر نصيب صاحبه من الولد بضمان الجارية كما لو اشترى، وإن اختار الساكت استسعى الجارية في نصف قيمتها ليس له أن يستسعي الولد بعد ذلك، وإن صار نصف الولد مدبراً إلا أنه صار مدبراً تبعاً وإذا كان تبعاً في التدبير يكون تبعاً، في السعاية أيضاً والله أعلم. نوع آخر من هذا الفصل شهد شاهد على رجل أنه دبر هذا العبد، وشهد عليه آخر أنه أعتق هذا العبد لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما شهدا بأمرين مختلفين، وكذلك إذا شهد أحدهما أنه أعتق بعد موته خاصة، وشهد الآخر أنه أعتقه بعد موته وموت فلان لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما شهدا بأمرين مختلفين؛ لأن أحدهما شهد بعتق معلق بشرطين، والآخر شهد بعتق معلق بشرط واحد، وكذلك لو شهد أحدهما أنه دبر أحد عبديه، وشهد الآخر أنه دبر هذا العبد بعينه لا يقبل. ولو شهدا أنه دبر أحد عبديه بغير عينه إن كانت الشهود في حال حياة المولى لا تقبل الشهادة عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما يقبل. وإن شهدا بذلك بعد موت المولى، ينظر إن لم توجد المرافعة إلى القاضي في حال حياة المولى قبلت الشهادة عند أبي حنيفة ﵀ استحساناً، والقياس أن لا يقبل، وإن وجدت المرافعة إلى القاضي في حال حياة المولى وأبطل القاضي شهادة الشهود ثم شهدا بذلك بعد موت المولى لا يقبل القاضي شهادتهما عند أبي حنيفة ﵀ قياساً واستحساناً؛ لأن القاضي إنما أبطل شهادتهما لتهمة الكذب لأنهما شهدا قبل الدعوى؛ لأن الدعوى من المجهول لا تتصور، والشهادة قبل الدعوى علامة الكذب في الشرع، وكل شهادة ردت بتهمة الكذب لا تقبل لهذا بعد ذلك أبداً.

стр. 1663

ولو شهد شاهدان على رجل أنه قال: هذا حر بعد موتي لا بل هذا قبلت الشهادة، وعتقا جميعاً من ثلثه إذا وجد الدعوى منهما بالإجماع؛ لأن الشهادة في حق كل واحد منهما قامت على إثبات الحق لمعلوم؛ لأنها قامت على تدبير الأول بعينه وقامت على تدبير الثاني بعينه، والرجوع عن الأول فهو قولنا: إن الشهادة في كل واحد منهما قامت على إثبات الحق لمعلوم، وكذلك لو شهدا أنه قال: هذا حر ألبتة، لا بل هذا مدبراً قبلت الشهادة في حق الأول والثاني لما قلنا. ولو شهدا أنه قال: هو حر ألبتة، أو هذا مدبر فإنه لا تقبل الشهادة عند أبي حنيفة ﵀؛ لأنها قامت للمجهول في العتق والتدبير ودعوى العتق، والتدبير شرط عنده، وإنه لا يتصور من المجهول. ولو شهدا أنه قال: هذا مدبر وهذا وهذا، فشهادتهما للأول جائزة عندهم؛ لأنها وقعت للمعلوم وشهادتها للآخرين باطلة عند أبي حنيفة ﵀؛ لأنها وقعت للمجهول، فإن أقر المولى بذلك قيل له: بين التدبير في أي الآخرين ثبت؛ لأن جهالة الخصم لا تمنع صحة الإقرار؛ لأن الإقرار صحيح وغير دعوى....... ولو شهدا أنه قال: أحد هذين العبدين مدبر لا بل هذا لأحدهما بعينه؛ فإن شهادتهما للذي عيناه مقبولة بالإجماع، وشهادتهما للأولين لا تقبل عند أبي حنيفة ﵀، ولكن يحلف للآخر بالله ما أراد غيره بالكلام الأول؛ فإذا حلف كان عبداً له على حاله، وإن إقرار المولى بمقالته تلك صار للذي عينه مدبراً من غير بيان بالكلام الآخر، ويتعين العبد الآخر للكلام الأول إن عنى بالكلام الآخر تدبيراً مستقبلاً له ولم يكن له، وإن عنى بالكلام الآخر بيان ما ثبت الكلام الأول فإن العبد الآخر لا يصير مدبراً، والله أعلم. الفصل العاشر في أمهات الأولاد يجب أن يعلم بأن جواز بيع (أم) الولد كان مختلفاً في الصدر الأول، فعمر وعلي ﵄ كانا لا تجواز بيعها، ثم رجع علي ﵁ عن قوله، وقال بجواز بيعها ثم أجمع (٣٣٥أ١) المتأخرون على أنه لا يجوز بيعها، وترك قول علي ﵁ آخراً، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلّمأنه قضى بتعليق عتق أمهات الأولاد، وأن لا يبعن، والمعنى في ذلك: أنه ثبت لها بالاستيلاد حق أن تعتق بموت المولى، قال ﵇: «أيما أمة ولدت من سيدها، فهي معتقة عن دبر» فقد أثبت لها رسول الله ﵇ الاستيلاد وحقَّ أن تعتق بموت سيدها، وفي البيع إبطال هذا الحق عليها.

стр. 1664

أو تقول بالاستيلاد ثبت لها حق العتق في الحال، قال ﵇ لمارية القبطية حين ولدت: إبراهيم «أعتقها» ولدها، وهذا يوجب حقيقة العتق للحال، فإن لم يثبت حقيقة العتق في المال، لا أقل من أن يثبت حق العتق، وفي البيع إبطال هذا الحق عليها، ولو قضى قاضى بجواز بيعها لا ينفذ قضاؤه بل يتوقف على قضاء قاضى آخر إمضاءً وإبطالاً، وهذا لأن العلماء اختلفوا في جواز بيع أمهات الأولاد هل هو على الخلاف، بعضهم قالوا: ليس مختلفاً فيه، وهذا لأن الصحابة وإن اختلفوا فيه ولكن أجمع من بعدهم على أنه لا يجوز بيعهن، والإجماع المستأخر يرفع الخلاف المتقدم، فلم تبق المسألة مختلفاً فيها.d وبعضهم قالوا: بل هو مختلف فيه، وهذا القائل يقول: الإجماع المستأخر لا يرفع الخلاف المتقدم، فبقيت المسألة مختلفاً فيها، والعلماء إذا اختلفوا في جارية أنها على الخلاف أو على الوفاق يتوقف فيها القضاء على قضاء قاضى آخر إمضاءً وإبطالاً. ثم اختلف مشايخنا بعد هذا الخلاف أن الإجماع المستأخر هل يرفع الخلاف المتقدم بزمن، قال بعضهم: بين علمائنا ﵏ (خلاف) على قول محمد ﵀ يرفع الخلاف المتقدم، وعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لا يرفع، وإلى هذا مال شمس الأئمة الحلواني ﵀، وبعضهم قالوا: لا خلاف بين أصحابنا ﵏ بأن الإجماع المستأخر يرفع الخلاف المتقدم، وإلى هذا مال شمس الأئمة السرخسي ﵀، وإنما ينفذ قضاء القاضي ببيع أمهات الأولاد بإمضاء قضاء قاضى آخر على قول هذا القائل على قول علماءنا ﵏، لا لأن المسألة مختلفة بين علماءنا ﵏، بل لأن بعض العلماء مخالف علمائنا ﵏ في انعقاد الإجماع من المتأخرين مع الاختلاف في الصدر الأول، فبعد الإمضاء لشبهة اختلاف غيرهم إياهم في انعقاد هذا الإجماع لا بمكان الاختلاف بين علمائنا ﵏. وأم الولد لا يجوز بيعها (وكذلك) الجارية التي استولدها الرجل بملك اليمين، أو بملك النكاح أو بشبهة ثم يشتريها بعد ذلك أو يملكها بسبب آخر، وهذا مذهبنا، وقال الشافعي ﵀: إذا استولدها بحكم النكاح، ثم اشتراها لا تصير أم ولد. وإذا استولدها بالزنا ثم تملكها فالقياس أن تصير أم ولد وهو قول زفر، وفي الاستحسان لا تصير أم ولد له، وهو قول علمائنا الثلاثة ﵏. كذلك لو قال: تزوجت بهذه الجارية وولدت مني ولا يعلم ذلك إلا بقوله، وأنكر ذلك المولى الذي هي له، فإذا ملكها الذي أقر بهذا فإنها تصير أم ولد عند علمائنا ﵏. وإذا أسقطت أمة الرجل سقطاً استبان خلقه أو بعض خلقه صارت أم ولد له، وإن

стр. 1665

لم يستبن شيء من خلقه لا تصير أم ولد، وهذا مذهبنا، وقال إبراهيم البلخي ﵀: تصير أم ولد في الفصلين جميعاً. وفي «المنتقى» : قال أبو يوسف ﵀: وإذا أقر الرجل أن جاريته هذه قد أسقطت منه، فهذا إقرار أنها أم ولده، قال: إنما يقع اسم السقط على ما تبين خلقه، أما إذا لم يتبين خلقه فلا يسمى سقطاً؛ لأنه لا يدرى ما هو. وإذا كان جارية الرجل حاملاً فأقر أن حملها منه فإنها تكون أم ولد له. وكذلك إذا قال الرجل: إن كانت أمتي حبلى فهو مني، ثم ولدت ولداً أو أسقطت سقطاً استبان خلقه، أو بعض خلقه وأقر به فإنها تصير أم ولد له إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر، وإن أنكر المولى الولادة وشهدت عليه امرأة جاز ذلك ويثبت النسب وتصير الجارية أم ولده لا بشهادة القابلة، بل بإقرار المولى. وفي «المنتقى» بشر عن ابن الوليد عن أبي يوسف ﵀: رجل قال لأمته: قد حملت مني حملاً أو قد حبلت مني بحمل، فلا تصير أم ولد له ولا يصدق بعد ذلك أنه كان ريحاً وكذلك لو صدقته الأمة أنه كان ريحاً لم تبطل مقالته الأولى، وهي بمنزلة أم الولد، وهذا بمنزلة الرجل أعتق أمته ثم قال: لم أعتقها وصدقته الأمة لم يبطل عتقها. وفيه أيضاً: رجل أقر أن ما في بطن جاريته منه، أو قال: الذي في بطنها مني ولم يتبين ذلك إلى حبل ولا إلى ولد، ثم قال بعد ذلك إنها كانت ريحاً وصدقته الجارية فهي أمة تباع، وإن كذبته في مقالته الأخيرة وادعت أن ذلك كان حبلاً، وأنها قد أسقطت سقطاً مستبين الخلق فالقول قولها وهي أم ولد له؛ لأن هذه المقالة على وجهين: أوجههما أنه على الحبل إذا ادعته، ألا ترى أنها لو جاءت بولد بعد مقالته بشهر وامرأة تشهد على ولادته ثبت نسبه لم يكن له أن يبيعه، ولو لم (تكن) المقالة الأولى إقراراً بالحبل كان له أن يبيعه. رجل أقر أن أمته حبلى ثم جاءت بولد لأكثر من سنتين، وشهدت امرأة على الولادة، وقالت الأمة: هذا الولد من ذلك الحبل وجحد المولى أن يكون هذا (من) ذلك الحبل فالأمة أم ولد له، ولا يثبت نسب الولد منه وهو بمنزلة أمته، وإن أقر المولى أنه ذلك الحبل وأنه منه وقد جاءت به بعد ذلك بعشر سنين فهو ابنه، وقوله من ذلك الحبل باطل، ولو شهد عليه شاهدان في أمته، فشهد أحدهما أنه قال: قد ولدت مني، وشهد الآخر أنه قال: هي حبلى مني فهي أم ولد، فقد أجمعا عليه، وكذلك لو شهد أحدهما أنه أقر أنها ولدت غلاماً وشهد الآخر أنه أقر أنها ولدت جارية. وعتق أم الولد يعتبر من جميع المال، بخلاف عتق المدبر يعتبر من الثلث، وفي كل ذلك اتبعنا الأثر، والمعنى في ذلك أن التدبير إضافة العتق إلى ما بعد الموت بجزء إن جعلناه سبباً للحال لضرورة أنه لا يمكن اعتباره إعتاقاً بعد الموت، إلا أن المعتق تأخر إلى ما بعد الموت فكان المدبر مملوكاً للمولى من كل وجه وقت الموت، فيعتبر عتقه من الثلث بخلاف أم الولد؛ لأن الأصل في الاستيلاد أن يوجب العتق للحال لا نسيئة، وقد

стр. 1666

صح بلا تعليق فيه فما ينبغي أن يكون حكمه معلقاً إلا في حق ما انعقد الإجماع عليه، والإجماع انعقد على تعلق الحرية في حق الاستمتاع والاستخدام دون غيره من الأحكام فلا يظهر (كونها، فهو له وقت للمولى موت فيما) عدا الاستمتاع والاستخدام، فلا يعتبر عتقها من الثلث، وإذا أقر في صحته أن أمته قد ولدت منه فإنها تصير أم ولد له فيكون عتقها من جميع المال، سواء كان معها ولد أو لم (يكن) وإن أقر ذلك في مرضه إن كان معها ولد فكذلك الجواب تصير الجارية أم ولد له، وتعتق من جميع المال، وإن لم يكن معها ولد لم يصح الإقرار بالاستيلاد، بل تعتبر وصية حتى تعتق من ثلث المال. وإذا استولد الرجل مدبرته صح الاستيلاد وبطل التدبير. ومعنى قوله: بطل التدبير أنه لا يظهر حكم التدبير بعد ذلك؛ لأن حكم التدبير أن يعتق من الثلث، وهذا يعتق من جميع المال، فكان في الاستيلاد ما في التدبير وزيادة، فلا يظهر حكم التدبير، وإذا لم يظهر حكم التدبير فكأنه بطل وإذا زوج أمة ولده من رجل جاز. يجب أن يعلم بأن المولى من الاستمتاع والتصرف في أم الولد ما يكون له في المدبرة؛ لأن الثابت لها في الحال حق الحرية والثابت للمدبرة سبب الحرية، فأما الملك في الحال فغير زائل، والملك مطلق في التصرف وصيانة حقهم واجب، فكل تصرف يؤدي إلى إبطال حقهما كالبيع والهبة وما أشبه ذلك يمنع منه وما لا فلا، والتزويج لا يبطل هذا الحق، فلا يمنع عنه، وما ولدت من الأولاد من الزوج يكون بمنزلتها يعتق بموت السيد بمنزلتها. وإذا (٣٣٥ب١) استولد الرجل جارية بالنكاح، ثم فارقها فزوجها المولى من غيره فولدت من زوجها الثاني، ثم اشترى الزوج الأول الجارية مع ولدها من الزوج الثاني تصير الجارية أم ولد له حتى لا يجوز بيعها. وفي بيع ولدها خلاف، على قول علمائنا الثلاثة ﵏: يبيعها، وعلى قول زفر: لا يبيعها، ولو ملك ولدها منه يعتق بلا خلاف. والوجه لعلمائنا الثلاثة ﵏ في ذلك: أن الملك شرط ثبوت حق الحرية لها، والسبب لا يفيد الحكم قبل وجود الشرط، فلم يثبت لها حق الحرية قبل أن يملكها وكل ولد ينفصل قبل يوم الحرية للأم لا يثبت له حق الحرية؛ لأن ثبوته في الحكم للولد بحكم السراية عن الأم، فلا يتصور ثبوته في الولد قبل ثبوته في الأم، بخلاف ما لو ملكها فولدت ولداً؛ لأن هناك الحق ثابت في الأم حال ولادتها من غيره فيسري إلى الولد، أما ها هنا بخلافه. نوع آخر من هذا الفصل أمة بين رجلين جاءت بولد، فادعاه أحدهما يثبت نسب الولد، وصارت الجارية كلها أم ولد له بلا خلاف، أما على قولهما: فلأن الاستيلاد عندهما لا يتجزأ، فإذا ثبت حكمه في نصيب المستولد يثبت في نصيب الآخر. وعند أبي حنيفة ﵀ الاستيلاد متجزىء لأن حكمه ثبوت حق الحرية بالعتق للحال، وثبوت حقيقة العتق بعد الموت، فكان كالتدبير والتدبير عنده متجزىء، فكذا الاستيلاد فيصير نصيب المستولد أولاً أم ولد

стр. 1667

له، ثم يملك نصيب صاحبه بالضمان بعد الاستيلاد، فيصير نصيب صاحبه أم ولد له بعدما يملك عليه نصيبه لا بنفس الاستيلاد على ما مر قبل هذا: أن من ملك جارية ولد منها ولد ثابت النسب صارت الجارية أم ولد له، فيصير نصيب الساكت أم ولد له بهذا الطريق، حتى قال أبو حنيفة ﵀ في المدبرة بين رجلين استولدها أحدهما يبقى نصيب الساكت مدبراً كما كان، ونصيب المستولد يصير أم ولد حتى إذا مات المستولد يعتق نصيبه من جميع المال. وإذا مات الساكت يعتق نصيبه من الثلث؛ لأن بعد ما صح الاستيلاد ولم يملك نصيب شريكه بالضمان، فبقي حكم الاستيلاد مقصوراً على نصيبه، إلا أنه فرّق بين الاستيلاد والتدبير والإعتاق بأن أحد الشريكين إذا أعتق الجارية أو دبر لا يملك نصيب الساكت إلا برضاه، فإن الساكت إذا لم يرض يتضمين المدبر، ولكن أراد أن يترك نصيبه في التدبير كذلك، أو يعتق فله ذلك، وإذا استولده أحد الشريكين الجارية يملك نصيب الساكت بعد ما صح الاستيلاد في نصيب المستولد رضي الساكت بذلك أو سخط. وإذا كانت الجارية بين رجلين جاءت بولد فادعياه حتى يثبت النسب منهما وصارت الجارية أم ولد لهما تخدم كل واحد منهما يوماً كما كانت تفعل قبل، فإذا مات أحدهما عتقت، ولا ضمان للشريك في تركة الميت بالاتفاق، ولا سعاية عليها في نصيب الشريك عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما تسعى في نصيب الشريك. ولو أعتقها أحدهما في حياته عتقت، ولا ضمان على المعتق للشريك ولا سعاية عليها في قول أبي حنيفة ﵀، وعندهما: ضمن نصف قيمتها أم ولد للشريك إن كان موسراً، وإن كان معسراً يسعى في نصف قيمتها أم ولد للشريك، وهذه المسألة في الحاصل بناء على أن أم الولد مال متقوم عندهما، خلافاً لأبي حنيفة ﵀، وعن هذا قال أبو حنيفة ﵀: أم الولد لا تضمن بالغصب، وقالا: تضمن بالغصب؛ لأن ضمان الغصب يختص بمال متقوم بخلاف ضمان العقل، فإنه لا يختص بمال متقوم، ألا ترى أن........من بالقتل. وعن محمد ﵀ في «الرقيات» أن أم الولد تضمن بالغصب على نحو ما يضمن به الصبي الحر حتى لو مات حتف أنفه لم يضمن الغاصب شيئاً، ولو مر بها إلى مسبعة فافترسها سبع، فإن هذا يضمن؛ لأن هذا يضمن جناية لا ضمان الغصب، ألا ترى أن الصبي الحر يضمن بمثله. ولا خلاف لأحد أن المدبر مال حتى يضمن بالغصب والإعتاق بلا خلاف، هما يقولان بأن التقوم حق الملك، والملك باقٍ بعد الاستيلاد، فتبقى حقيته وهو التقوم، ولأبي حنيفة ﵀ أن المالية والتقوم يثبت بالإحراز، ألا ترى أن الصيد وسائر الأشياء المباحة لا تكون مالاً متقوماً قبل الإحراز، وبعد الإحراز تصير مالاً

стр. 1668

متقوماً.....، باعتبار الأصل ليس بمال، ولكن يعطى له حكم المال، والتقوم إذا صار............، ولأصل المالية فإذا حصنها واستولدها فقد أظهر أن إحرازه لها لملك المنفعة، لا لأصل المالية، وملك المتعة ينفك عن ملك المالية، ألا ترى أن للزوج على المنكوحة ملك المتعة لا ملك المالية، فصار في حق المالية والتقوم كأنه لا إحراز بخلاف فصل المدبر؛ لأن إحرازها للمالية إذا لم يظهر منه ما يدل على إحرازها بملك المتعة أو لمعنى آخر؛ ولأن الباقي للمولى على أم ولده ملك الحرمة والمنفعة، وكل ذلك لا يضمن بالغصب والإتلاف، والباقي له على مدبرته ملك المالية، فإنه يقضي دينه من ماليتها بعد موت المولى، فإنها تسعى والمال يضمن بالإتلاف. ثم في هذا المقام يحتاج إلى معرفة قيمة أم الولد وقد اختلفوا فيه، بعض مشايخنا قالوا: نصف قيمتها فيه، وقال بعضهم: ثلث قيمتها فيه؛ لأنه فات في حقها من المنافع الثلثان منفعة الاسترباح، ومنفعة قضاء الدين بعد الموت، فإنها لا تسعى، وبقي منفعة واحدة وهي منفعة الاستفراش، وقال بعضهم: ينظر....... مدة عمرها على نحو ما ذكرنا في المدبرة. وإذا كانت الأمة بين رجلين فقال أحدهما: إن كان في بطنها غلام فهو مني، وإن كانت جارية فليست مني، وقال الآخر: إن كان في بطنها جارية فهو (مني) وإن كان غلاماً فليس مني، فهذا على وجهين: الأول: أن يخرج الكلامان منهما معاً، وفي هذا الوجه ما ولدت من ولد في ذلك البطن فهو لهما جميعاً سواء ولدت جارية أو غلاماً؛ لأن كليهما ادعيا الحبل، وليس إليهما تعيين صفة الحبل، وهذا لأن الدعوة إخبار عن نسب ثابت وليس بإثبات نسب مبتدأ؛ لأنه إخبار أن العلوق حصل من..... فإنما يصح بقدر ما بهما من العلم، ولهما علم بأصل الحبل.... يدل عليه، أما لا علم لهما بصفة الحمل فيصح منهما الإخبار عن أصل الحمل، ولا يصح منهما تعيين صفته فكأنهما قالا: ما في بطن هذه الجارية مني ولو قالا هكذا وخرج الكلامات معاً ثبت نسب الولد منهما وصارت الجارية أم ولد لهما كذا ها هنا، بخلاف قوله: إن كان في بطنها غلام فهو حر وولدت جارية حيث لا يعتق؛ لأن قوله فهو حر إيقاع عتق مبتدأ، فإنما يقع حسب ما أوقعه أو إنما أوقعه هو على الغلام دون الجارية، هذا إذا خرج الكلامان منهما معاً. وإن سبق أحدهما بمقالته ثم ولدت ولداً غلاماً أو جارية لأقل من ستة أشهر من وقت المقالتين جميعاً، فهو ولد الذي سبق بهذه المقالة غلاماً كان أو جارية؛ لأن..... كل واحد منهما صادفت حملاً موجوداً وإحداهما سابقة فتكون هي أولى كما بعد الانفصال. وإن مات الولد لستة أشهر من وقت المقالة الأولى، ولأقل من ستة أشهر من وقت

стр. 1669

المقالة الثانية فهو ولد الثاني، وإن جاءت به لستة أشهر من وقت المقالتين لم يثبت نسبه من واحد منهما إلا أن يجدد الدعوى؛ لأن دعوة كل واحد منهما معلقه بالخطر، فإنها معلقة بحبل حادث، وتعليق الدعوة بالخطر باطلة. وإذا كاتب الرجل أم ولده فجاءت بولد في مكاتبتها ثم مات (المولى) قبل أن يقر به، ينظر إن جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر (٣٣٦أ١) منذ كاتبها ثبت نسبه من المولى، وإن جاءت به لستة أشهر فصاعداً منذ كاتبها لا يثبت نسبه من المولى؛ لأن فراش المولى زال عنها بالكتابة لا إلى عدّة فإنه لم يجب عليها عدة بالكتابة، والفراش متى زال لا إلى عدة ثم جاءت بالولد إن جاءت لأقل من ستة أشهر منذ زال الفراش يثبت النسب من صاحب الفراش من غير دعوى، وإن جاءت به لستة أشهر فصاعداً لا يثبت النسب من صاحب الفراش إلا بالدعوى، كما لو طلق امرأته قبل الدخول بها، والله أعلم. الفصل الحادي عشر في المتفرقات قال محمد ﵀ في «الأصل» : إذا قال الرجل لأمته: أمرك بيدك ينوي به العتق يصير العتق في يدها، حتى لو أعتقت نفسها في المجلس عتقت، ولو قال لها: اختاري ينوي العتق لا يصير العتق في يدها فقد فرق بين الأمر باليد، وبين قوله اختاري في باب العتق وسوى بينهما في الطلاق. وفي «الأصل» أيضاً: إذا ادعى العبد أو الأمة العتق على مولاه، وليس لها بينة حاضرة فإنه يدفعه إلى مولاه، ولا يحال بينه وبين المولى حتى لا تزال يد المولى عنه لمجرد الدعوى، وإن أقام شاهداً واحداً، فإنه ينظر إن كان الشاهد، فالدعوى وإن أقام فاسقاً لا يحال بينهما العبد والأمة في ذلك على السواء وإن كان غلاماً، فكذلك لا يحال بينهما، هكذا ذكر محمّد ﵀ في «الكتاب» . قالوا: وهذا الجواب مستقيم في العبد غير مستقيم في الأمة، فقد ذكر محمّد ﵀ أن المرأة إذا ادعت طلاقاً على زوجها، لأن..... في الطلاق حق الله تعالى وهذا المعنى موجود في الأمة فيجب الحيلولة اعتباراً بحق الله تعالى، ولا يجب القضاء لأن فيه حق العبد كما في الطلاق، قال شمس الأئمة السرخسي ﵀، وهذا إذا دعت أن شاهدها الآخر الحاضر بخلاف العبد؛ لأن..... في عتق العبد حق العباد ولا يجب الحيلولة كما لا يجب القضاء. وإن أقام شاهدين، فإن كانا مستورين فهو على وجهين إن كان المولى فاسقاً مخوفاً عليه يحال بينهما في العبد والأمة جميعاً، فإن لم يكن المولى فاسقاً مخوفاً عليه ففي

стр. 1670

الأمة يحال، وفي العبد لا يحال. وإن كان الشاهدان فاسقين، مع الأمة يحال على كل حال، وأما في العبد اختلاف الروايتين، ذكر في رواية أنه لا يحال، وذكر في رواية أخرى أنه يحال إذا كان المولى مخوفاً على العبد. وفي «البقالي» إذا قال لعبده أنت حق إليه ومات قبل قبوله الهبة مات عبداً لأنه حقه. وفي «الأصل» : إذا قال إن اشتريت عبداً أو قال: كل مملوك أملكه فهو حر فاشترى عبداً مع آخر، فإنه لا يعتق فإن اشترى نصيب صاحبه بعد ذلك عتق عليه، فإن اشترى نصف عبد وباعه ثم اشترى النصف الأخير هل يعتق النصف الآخر؟ ففيما إذا عقد يمينه بلفظة الملك بأن قال إن ملكت إن عنى العبد بأن قال: ملكت هذا العبد يعتق النصف الآخر، فإن لم يعتق بأن قال: إن ملكت عبداً إن ملكت مملوكاً القياس أن يعتق النصف بالآخر. وفي الاستحسان لا يعتق. وفيما إذا عقد يمينه بلفظة الشراء يعتق النصف الآخر سواء عين المملوك بأن قال: إن اشتريت هذا العبد إن اشتريت هذا المملوك، أو لم يعين بأن قال إن اشتريت عبداً إن اشتريت مملوكاً. وجه القياس في فصل الملك: أن الحالف جعل شرط الحنث مطلق ملك العبد لا ملكاً مقيداً بصفة الاجتماع، وقد ملك العبد وإن ملكه متفرقاً، لكن تعذر إنزال العتق في النصف الذي زال ملكه، فيجب إنزاله في النصف الذي هو على ملكه. وجه الاستحسان: وهو الفرق بين الشراء والملك وبين المعين وغير المعين في الملك في العرف، ووجه ذلك أن قبل الاجتماع في فصل الملك إذا لم يكن المملوك معيناً ثابتاً، فالفرق أن الرجل يستجيز من نفسه أن يقول: ما ملكت مملوكاً ما ملكت عبداً، إذا لم يجتمع في ملكه مملوكاً، وإن ملك مملوكاً على التفاريق، وكذلك يستجيز من نفسه أن يقول: ما ملكت ألف درهم إذا لم يجتمع في ملكه ألف درهم، وإن ملك ألوفاً على التفاريق، ومثل هذا الفرق لم يوجد في المعين بل العرف في المعين بخلافه، فإن الإنسان لا يستجيز من نفسه أن يقول: ما ملكت هذا العبد إذا ملكه على التفاريق، وكذلك في فصل الشراء العرف بخلافه، فإن الإنسان لا يستجيز من نفسه أن يقول: فما اشتريت عبداً، ما اشتريت هذا العبد، إذا كان اشترى على سبيل التفاريق، وإذا انعدم العرف المقيد بقيد الاجتماع في فصل الملك عند التعيين وفي فصل الشراء على الإطلاق يحمل فيها بقضية القياس. وفي «الأصل» أيضاً: إذا قال إن اشتريت فلاناً فهو حر، فاشتراه شراءً فاسداً لم يعتق إذا كان العبد في يد البائع وقت الشراء، وهذا لأن الشراء الفاسد منعقد عندنا قبل القبض إلا أنه لا يفيد الملك قبل القبض فينحل اليمين بنفس الشراء وفي تلك الحالة لا يحنث، فلهذا لا يعتق. ولو كان في يد المشترى وقت الشراء، فإن كان مضموناً عليه بضمان القيمة كالمغصوب ونحوه يعتق، ويصير قابضاً له بنفس الشراء، فإن مثل هذا القبض ينوب عن قبض الشراء فيصير مملوكاً له بنفس الشراء فيعتق، فأما إذا لم يكن مضموناً عليه أصلاً

стр. 1671

كالوديعة والعارية أو كان مضموناً عليه إلا أنه لم يكن مضموناً عليه بالقيمة، كالرهن لا يعتق؛ لأن مثل هذا القبض لا ينوب عن قبض الشراء فتنحل اليمين بالشراء ولا ملك في تلك الحال فلا يعتق. وعن محمّد ﵀: إذا قال لعبده نسيت عتقك أو رضيت جاز قال ابن رستم يعتق، وروى بشر عن أبي يوسف قوله نسيب عتقك وشرط النية فيه لوقوع العتق. وفي «البقالي» إذا قال لعبده أنت حر أمس وإنما يملكه اليوم فهو حر قضاء أو ديانة، إلا أن ينوي عتقاً من جهته فيدين، وكذلك قبل أن أشتريك بخلاف قوله أعتقتك قبل اشتريتك. وفي طلاق «المنتقى» عن أبي يوسف: إذا قال لعبده أنت حر أمس، وقد اشتراه اليوم إنه يعتق، قال: ولا يشبه هذا الطلاق قال فصار تقدير مسألة العتاق، كأنه قال: أنت حر الأصل. وإذا قال: كل مملوك لي حر وله عبيد وأمهات أولاد، ومدبرون ومكاتبون عتقوا جميعاً (من) غير نية إلا المكاتبين فإنهم لا يعتقون إلا بالنية، أما لا يعتق المكاتبون من غير نية إما لأن في ملكهم قصوراً، فإنهم أحرار يداً أو لأن في نسبهم إلى المولى قصور. ولو قال: كل مملوك لي حر فنوى الرجال دون النساء، أو نوى النساء دون الرجال صدق ديانة لا قضاء؛ لأنه أراد الخصوص من العموم، ومن نوى الخصوص من العموم لا يصدق قضاء؛ لأنه خلاف الظاهر ويصدق فيما بينه وبين الله، لأنه نوى ما يحتمله لفظه، فالعام يحتمل الخصوص.f ولو قال: مماليكي كلهم أحرار فنوى الرجال دون النساء أو النساء دون الرجال لم يذكر هذا الفصل في «الكتاب» ، قالوا: ينبغي أن لا يصدق ديانة ها هنا، فإن نوى الخصوص من العموم، والأصل في هذا: أن كلمة كل إذا ذكر بعد اسم العام بنعت الخصوص كما في قوله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس﴾ (الحجر: ٣٠) وإذا ذكر قبل الاسم العام لا يمنع الخصوص، كما في قوله جلت قدرته ﴿تدمر كل شيء بأمر ربها﴾ (الاحقاف: ٢٥) ، وكان قابلاً للتخصيص؛ لأنه لم يذكر كثيراً من الأشياء، فإنه لم يبدأ من السموات والأرض، والمعنى في ذلك أن بعد الاسم العام كلمة كل لا تذكر للتعميم، فإن التعميم ثابت بالاسم، وإنما يذكر للتأكيد ويمنع الخصوص، فأما قبل الاسم العام لا يذكر للتأكيد، لأن التأكيد صفة للاسم، ولا يتصور قبل ذكر الموصوف، فيكون اسماً عاماً كغيرها من الأسماء، فيكون قابلاً للتخصيص. إذا ثبت هذا فنقول: في قوله مماليكي أحرار كلمة كل ذكرت بعد الاسم العام فمنعت الخصوص، فيكون ناوياً الخصوص في لفظ لا يحتمل الخصوص فلا يصدق ديانة كما لا يصدق قضاءً، بخلاف قوله كل مملوك لي حر؛ لأن هناك كلمة كل ذكرت قبل الاسم العام، فلا يمنع الخصوص فقد نوى الخصوص في لفظ يحتمله فيصدق ديانة. ثم إن محمّداً ﵀ يقول في هذه المسألة في عتاق «الأصل» : إذا نوى الرجال

стр. 1672

دون النساء أو نوى النساء دون الرجال صدق ديانة لا قضاء، وفي أيمان «الأصل» (٣٣٦ب١) قال: إذا نوى الرجال دون النساء وأجاب بما أجاب في العتاق ولم يذكر ما إذا نوى النساء دون الرجال. حكي عن الفقيه أبي بكر البلخي ﵀ أنه كان يجعل في المسألة روايتان، وكان يقول: إذا نوى النساء دون الرجال لا يصدق ديانة على رواية الأيمان وعلى رواية العتاق يصدق، وإذا نوى الرجال دون النساء يصدق ديانة على الروايات كلها. وجه ما ذكر في العتاق ظاهر: أنه نوى الخصوص من العموم فيصدق ديانة كما نوى الرجال دون النساء، وجه ما ذكر في الأيمان أن كلمة كل دخلت على المملوك، والمملوك اسم للذكر يقال للأنثى مملوكة إلا أن الأنثى تدخل في هذا الاسم تبعاً؛ إلا أنا لو صححنا نية النساء فقد جعلنا ما هو الثابت باللفظ تبعاً أصلاً، والتبع في الشيء لا يصير أصلاً في ذلك الشيء وبه فارق ما إذا قال: نويت الرجال دون النساء، والصحيح أن لا يجعل في المسألة روايتان، لكن أشبع محمّد ﵀ الجواب في العتاق وأوجز في الإيمان، ووجه ذلك: ما ذكرنا أنه نوى الخصوص من العموم وما قال من المعنى فاسد؛ لأن المملوك مشتق من ملك يملك لا من الذكورة والأنوثة. ألا ترى أن هذا الاسم يقع على الدار والخشب والثوب لوجود الملك، وإن كان لا يوجد الذكورة والأنوثة قلنا والملك لا يختلف بالذكورة والأنوثة، فكان كاسم الآدمي يقع على الذكر والأنثى، لأنه اسم مشتق من كونه ولد آدم والذكر والأنثى في هذا سواء، وعلى هذا لا يتأتى ما ذكر معنى الاستحالة، وإن قال أعني المدبرين ذكر في عتاق «الأصل» أنه لا يصدق قضاءً ولم يتعرض للديانة وذكر في أيمان «الأصل» الأصل أنه لا يصدق قضاءً وديانة، فمن مشايخنا من لم يجعل في المسألة روايتين، وإليه مال شيخ الإسلام ﵀ ومنهم من جعل في المسألة روايتين وإليه مال شمس الأئمة السرخسي ﵀، والأول أظهر ووجه ذلك: أنه نوى تخصيص ما ليس في لفظه؛ لأنه نوى تخصيص الوصف، فإن التدبير في المماليك حقه وبهذا يقال: مملوك مدبر ومملوك غير مدبر، وصفة المملوك غير ملفوظ بها وإنما يثبت اقتضاء، ضرورة أن المسمى لا ينفك عن الصفة فتكون نية التخصيص فيما ثبت اقتضاء، والمقتضى غير ملفوظ فهو معنى قولنا: إنه نوى تخصيص ما ليس في لفظه ونية التخصيص فيما ليس بملفوظ، فهو معنى غير صحيحة قضاءً وديانةً كان القياس أن لا يصح تخصيص الأنوثة والذكورة من هذا اللفظ؛ لأن الذكورة والأنوثة حق المماليك لا ذكر لها لفظاً وإنما يثبت اقتضاءً إلا أنا تركنا القياس ثمة لضرورة، وبيان الضرورة: أن العام قابل للخصوص..... النية، ولا يمكن التخصيص إلا باعتبار الوصف فإن المخصوص لا يمتاز عن الاسم العام إلا باعتبار الوصف، فلو لم تصح نية التخصيص في الوصف أصلاً ما أمكن تخصيص عام أبداً وهو

стр. 1673

وضع قابل للتخصيص، فيعود إلى موضعه عنها بالنقض، وإنه لا يجوز، وهذه الضرورة تندفع متى صححنا نية التخصيص باعتبار الأوصاف الأصلية التي لا يخلو المسمى عنهافي أصل الخلقة، فبقي التخصيص باعتبار الأوصاف العارضية على أصل القياس. إذا ثبت هذا فنقول الذكورة والأنوثة من الصفات الأصلية وأما التدبير من الصفات العارضية وعلى قول ما ذكر ما يجب أن يصح فيه التخصيص في السواد والبياض لأن السواد والبياض من الأوصاف الأصلية التي لا يخلو المسمى عنها في أصل الخلقة وعلى قياس ما روي عن محمد ﵀ في غير رواية الأصول أنه لا يصح نية التخصيص في السواد والبياض يجب أن لا تصح نية التخصيص في الذكورة والأنوثة فيصير في تصحيح نية التخصيص باعتبار الوصف الأصلي روايتان. وإذا قال الرجل لعبيده: أنتم أحرار إلا فلان كان فلان عبداً وعتق من سواه؛ لأن الكلام المقيد بالاستثناء تكلم بما وراء الثنيا، وكذلك لو قال لعبدين له: أنتما حران إلا سالماً، واسم أحدهما سالم صح الاستثناء حتى كان سالم عبداً لما قلنا، ثم الأصل أن استثناء البعض من الكل صحيح واستثناء الكل من الكل باطل، وهذا لما ذكرنا: أن الكلام المقيد بالاستثناء تكلم بما وراء المستثنى لا بد وأن يبقى بعد الاستثناء شيء ليتحقق التكلم بما وراءه. إذا ثبت هذا فنقول: خرجت المسألتان؛ لأنه استثناء البعض عن الجملة فيها وقال: سالم حر ومرزوق حر إلا سالماً عتقاد بطل الاستثناء؛ لأنه تكلم بكلامين كل واحد منها تام، ومستقل بنفسه حيث ذكر بكل كلام خبراً فلا يصير أحدهما مضموماً إلى الآخر بل يبقى كل واحد منفرداً، كأنه ليس معه غيره وكان قوله إلا سالماً متأولاً يجتمع ما تناوله أحد كلاميه، وكان باطلاً كأنه قال سالم حر إلا سالماً وهذا بخلاف قوله سالم ومرزوق حران إلا سالماً؛ لأن هناك الكلام الأول ناقص لأنه لم يذكر له خبراً فيصير مضموماً إلى الثاني ويصير الكل كلاماً واحداً، وكان قوله: إلا سالماً استثناء البعض من الجملة فصح. وإذا دعى الرجل عبداً له يقال له سالم فأجابه عبد آخر له يقال له مرزوق فقال: أنت حر عتق مرزوق؛ لأنه أتبع الإيقاع الجواب فينصرف إلى المجيب فإن قال: عنيت سالماً عتق سالم بنيته؛ لأن المنوي من محتملات كلامه ولكنه لا يصدق في حرف العتاق وغير مرزوق قضاءً، ولو أشار إلى عبد له سالم فقال: يا سالم أنت حر فإذا هو مرزوق عبده إلا أنه لم يجبه مرزوق عتق سالم؛ لأنه أتبع الإيقاع النداء فيقع على المنادى ولو أشار إلى شخص ظن أنه سالم لما قلنا. ولو أن رجلاً أعتق عبداً له أو جارية له ثم جحد العتق وأخذ من العبد غلته، أو استخدمه ووطىء الأمة ثم أقر بذلك العتق أو قامت عليه البينة، فإنه يرد على العبد ما أخذ من الغلة وضمن للجارية مهر مثلها ولا يضمن للعبد بسبب الخدمة شيئاً. قال شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «شرحه» : ما ذكر من الجواب في الغلة، فذلك مستقيم فيما إذا كان العبد هو الذي أجر نفسه أو اكتسب (لأنه متى أنه كان حراً ما

стр. 1674

لكسبها) إما إذا كان المولى هو الذي أجره فما أخذ المولى من الأجرة يكون مملوكاً له؛ لأنه وجب بعقده ولا يلزمه الرد على العبد ولكن لا يطيب للمولى ذلك؛ لأنه حصل له بسسب كسب خبيث. وإذا قال: أحد عبيدي حر وليس (له) إلا عبد واحد عتق ذلك العبد، وإذا قال الصبي: كل مملوك أملكه إذا احتمل، فهو حر لا يصح هذا اليمين أصلاً. فرق بين هذا وبين العبد إذا قال: كل مملوك أملكه إذا أعتقت فهو حر، فإنه يصح هذا اليمين إذا كان العبد بالغاً، ولا فرق بينهما من حيث الظاهر لأن كل واحد منهما لا يملك الإعتاق للحال ثم لم يصح اليمين بالعتق من الصبي، وصح من العبد. والفرق: أن الإعتاق من العبد إذا كان بالغاً إنما لم يصح لعدم ملكه لا لفساد عبارته، فإذا أضافه إلى ما بعد العتق، فقد أضافه إلى الملك أما الإعتاق من الصبي إنما لا يصح لفساد عبارته فيما يتضرر به لا لعدم الملك وفيما يرجع إلى فساد العبارة العتق المنجز، والعتق المضاف على السواء. وذكر في «عيون المسائل» إذا قال الرجل لعبيده: أنتم أحرار إلا فلاناً، وفلاناً وفلاناً سماهم جملة عبيده في الاستثناء، هل يعتقون؟ لم يذكر هذا الفصل في «العيون» ، فعلى قياس ما ذكرنا في «الزيادات» إذا قال: كل جارية لي حرة إلا جارية هي ثيب ثم قال: هذه ثيب، وهذه ثيب لا يعتقن وإن قلن أبكار عتقن لا بقولهن ولكن بإيجاب العتق على طريق العموم عند عدم ثبوت الوصف المستثنى، وهو الثيابة فقد صح محمّد ﵀ الاستثناء في هذه المسألة، وإن كان مستغرقاً للكل إنما فعل هكذا؛ لأن الاستثناء تصرف في اللفظ (٣٣٧أ١) والصفة لا في الحكم وباعتبار النظر إلى الصيغة، هذا استثناء البعض من الكل فإن قوله: كل جارية لي كما يتناول الصيغة المستثاة من يتناول غيرهن أو كن في ملكه، فكان هذا استثناء البعض من الكل باعتبار النظر إلى الصيغة فصح. ألا ترى أنه لو قال: نسائي طالق إلا نسائي لا يصح الاستثناء. وإذا قال نسائي طوالق إلا فلانة وفلانة وفلانة وليس له من النسوة سواهن، فإنه يصح الاستثناء وإن كان هذا استثناء الكل من الكل من حيث الكلم؛ لأن هذا استثناء البعض من الكل من حيث الصيغة. وكذلك إذا قال في وصيته: ثلث مالي لفلان إلا ثلث مالي لا يصح الاستثناء، ولو قال: ثلث مالي لفلان إلا ألف درهم وثلث ماله ألف درهم لا غير صح الاستثناء، وطريقه ما قلنا. وإذا قال الرجل في وصيته: أعتقوا عبدي الذي هو قديم الصحبة فقديم الصحبة تكلموا فيه، روي عن محمّد ﵀ أنه قال من صحبته ثلاث سنين، واختار الصدر الشهيد حسام الدين ﵀ أن يكون صحبته سنة وهو قول بعض العلماء، وبه كان يفتي محمّد بن مقاتل.

стр. 1675

مريض قال لورثته إن بيد كان مرابنده مما بنت فهذا وصية بالعتق معنى، فينبغي أن يعتقوهم. مريض قال لورثته: أعتقوا فلاناً بعد موتي إن شاء الله صح الإيصاء، وبطل الاستثناء ولو قال: هو حر بعد موتي إن شاء الله بطل الإيجاب، وهذا استحسان وبه أخذ محمّد ﵀ والحاصل: أن الاستثناء في الأمور باطل إن من قال لغيره بع عبدي إن شاء الله كان الاستثناء باطلاً، وكان للمأمور أن يبيعه والاستثناء في الإيجاب صحيح، والفرق: أن الإيجاب يقع ملازماً من حيث لا يقدر على المطالبة بعد ذلك، فيحتاج إلى الاستثناء فيه حتى لا يلزمه حكم الإيجاب والأمر لا يقع؛ لأن ما فاته يقدر على إبطاله بعزل المأمور فلا يحتاج إلى الاستثناء فيه، وفي «القدوري» : وأما كلمه إن شاء الله إذا دخلت فالكلام رفع حكمه أي تصرف كان. إذا قال لمولاه: أعتقني حتى أعطيك ما تريد، فأعتقه وجب على العبد قيمته لأن هذا سؤال العتق على بدل مجهول، وفي مثل هذا تجب قيمته العبد لأن المولى....... فتعذر إيجاب البدل، فيجب رد العبد على العبد وتعذر رده صورة فيجب رده معنى بإيجاب قيمة العبد عليه. رجل قال لغيره: جاريتي هذه لك على أن تعتق عني عبدك فلاناً فرضي بذلك ودفع الجارية إليه لا تكون الجارية له حتى يعتق العبد، كذا روى خلف بن أيوب عن محمّد ﵀؛ لأنه طلب منه تمليك العبد مقتضى طلب الإعتاق مقابلاً بتمليك الجارية فما لم يوجد إعتاق العبد لا يوجد تمليك العبد فلا يتملك الجارية، وفيه نظر، وينبغي أن يكتفي بمجرد القبول كما في قوله لامرأته: أنتِ طالق على أن تعطيني ألف درهم وأجابته. رجل اشترى من آخر عبداً شراءً فاسداً ثم إن المشتري أمر البائع بالعتق قبل القبض فأعتقه جاز، ولو أعتقه المشتري بنفسه لا يجوز لأنه لما أمر البائع بالعتق فقد طلب منه أن يسلطه على القبض فإذا أعتقه فقد سلطه على القبض فقبضناه سابقاً عليه وصار المشتري قابضاً أيضاً فقبضناه سابقاً عليه. رجل قال في وصيته أعتقوا خير عبيدي أو قال: أفضل عبيدي أو قال: بيعوا أفضل عبيدي وتصدقوا بثمنه على المساكين أو خير فهذا على أفضلهم في القيمة، ولو قال: أوصيت لأفضل عبيدي فهو لأفضلهم في الدين. في «مجموع النوازل» عن محمّد ﵀: في رجل قال مماليكي الخبازون أحرار وله خبازون وخبازات عتقوا. وفي «مجموع النوازل» إذا قال لعبده أنت حر الساعة بعد موتي، يعتق بعد الموت. ولو قال لعبده في صحته: أنت حر من ثلث مالي من جميع المال. وفيه أيضاً: إذا قال لغيره أعتق مدبرك هذا عني على أن لك عليّ ألف درهم أو على أني ضامن لك ألف درهم، فأعتقه لا شيء عليه قال خلف بن أيوب: سألت محمّداً ﵀ عن رجل قال لعبديه: أحدكما حر بعد موتي وله وصية مائة درهم ثم مات قال يعتقان جميعاً، والمائة بينهما نصفين لأن بالموت شاع العتق فيهما وتشيع الوصية أيضاً،

стр. 1676

قلت: فإن قال، ولكل واحد منهما مائة درهم قال تبطل مائة واحدة لأنها وقعت لعبد. وسئل أبو بكر عمن قال لعبده بانتم أراد أو قال بانتم أزاد قال: يعتق كأنه قال له نصفك حر. العبد المأذون إذا اشترى جارية وأخبر المولى بذلك فقال له المولى اصنع ما شئت، فأعتقها العبد لا يجوز عتقه لأنه لا يراد بمثل هذا الكلام الإعتاق ولا يجوز عتقه ما لم يأمره بالإعتاق نصاً. قال في أيمان «الجامع» إذا قال الرجل لامرأة حرة إذا ملكتك فأنت حرة أو قال: إذا اشتريتك فأنت حرة، ثم إنها ارتدت ولحقت بدار الحرب وسبيت فملكها الحالف عتقت عندهما، وعلى قياس قول أبي حنيفة لا تعتق فهما يجعلان الردة والحالف، والسبي مذكور في هذه المسألة تصحيحاً لإيجاب الحرية، وأبو حنيفة ﵀ يقول غير المذكور إنما يجعل مذكوراً تصحيحاً للمذكور إذا لم يكن للمذكور صحة بدونه بحال، وللمذكور صحة بدون هذه الأشياء في الجملة بالصرف إلى ما يليق بظاهر حالها، وهو ملك النكاح والحرية عنه بالطلاق فلا ضرورة إلى جعل غير المذكور مذكوراً يوضحه: أنه أضاف الملك إلى الحرة، وأضاف الشراء إلى الحرة وملك الحرة ملك نكاح، وشراء الحرة نكاح، ولهذا لو اشترى الحرة منها كان نكاحاً فالنكاح ينعقد بلفظ الشراء والبيع على عرف، فما يصرف يمينه إليه فلا يدخل تحته الملك الحقيقي. ألا ترى أنه لو قال لمنكوحته نكاحاً فاسداً: إن طلقتك فعبدي حر ينصرف يمينه إلى طلاق مثلها، كذا ها هنا. ولو قال لها: إذا ارتدتت ولحقت بدار الحرب وسبيت، فملكتك فأنت حرة كان كذلك عند أبي حنيفة ﵀ أيضاً إلا أنه لما خرج بهذه الوسائط علم أنه لما أراد به ما يليق بظاهر حالها، وإنما أراد به الملك الحقيقي فانصرف يمينه إليه ثم هذه المسألة دليل على أن المعنى اليمين بالعتق ينعقد على الحرة، فأولى أن يبقى على الحرة فلا يبطل قول من قال ببطلان اليمين بالعتق لبطلان المحلية بثبوت الحرية إذا أعتق أحد عبديه لا بعينه، ثم أعتق أحدهما بعينه إن لم يكن له نية أو نوى عتقاً مستقبلاً، فإن الآخر يتعين بالكلام الأول وإن نوى بالكلام الثاني بيان ما ثبت بالإيجاب الأول، وحلف على ذلك لا يعتق الآخر، وصدق فيما ادعاه ذكره شيخ الإسلام في آخر باب المدبر. إذا قال لعبده يوم أملكك فأنت حر بعد موتي وهو يعني النهار دون الليل ثم ملكه ليلاً لم يبق مدبراً. والجواب في التدبير نظير الجواب في العتق. إذا قال لعبده: يوم أملكك ملكاً غير هذا.. أو يوم أشتريتك بعد هذا الملك فأنت حر بعد موتي، ثم ملكه بسبب آخر وبعد هذا الملك صار مدبراً وإذا قال لأمتين لغيره إذا ملكتكما، فأنتما حران بعد موتي فملك إحداهما دون الأخرى لا تصير مدبرة ما لم يملكهما جميعاً. وسئل الفقيه أبو بكر ﵀ عن أمة قالت لمولاها أعتقني وقال لها بالفارسية ابدون كنيزكه أنا ذكر دم لا قال: لا يعتق، قال: وكذلك لو باع من امرأته تطليقة واحدة فقالت حر هذه كنز لا كون منها إجابة. وكذلك لو باع عبداً. وسئل أبو القاسم عمن قال

стр. 1677

لله عليّ أن أعتق عبداً، فأعتق عبداً آبقاً قال لا يجوز كما لا يجوز في الأعمى قال الفقيه: في قياس قول علمائنا ﵏ يجوز، ذكره في كتاب جعل الآبق إذا أعتق عبداً آبقاً عن كفارته لا يجوز إن كان حياً وقت الإعتاق. وسئل إبراهيم بن يوسف عن عبد أجبر مولاه في موضع خال، وقال: إن أنت أعتقني وإلا قتلتك فأعتقه مخافة القتل قال يعتق، ويسعى (في) قيمته. إذا قال الرجل لغيره: أعتق عبدك هذا بألف درهم، فأعتقه لا يجب على الآمر شيء؛ لأن هذا كلام محتمل يحتمل عن نفسك (٣٣٧ب١) . ويحتمل عني فلا يقع عن الأمر بالشك، وإذا لم يقع العتق عن الآمر لا يجب عليه المال. ولو قال: أعتق عبدك عني بألف درهم فأعتق، فإنه يعتق عن الآمر ويلزمه المال عن الآمراستحساناً. ولو قال: كاتب عبدك عني بألف درهم، فكاتب لا تقع الكتابة عن الآمر، والوجه في ذلك أن العتق والكتابة يعتمدان الملك، وفي فصل العتق أمكن إثبات الملك مقتضياً الإعتاق تبعاً له لأن العتق أقوى من الملك، ألا ترى أن الملك من ثبوته يحتمل البعض والرفع، والعتق لا يحتمل ذلك، فأما الملك والكتابة مستويان من حيث إن كل واحد يقبل القبض، وللملك زيادة قوة من حيث إنه يملك بحقيقة الملك من التبرعات ما لا يملك بالكتابة، فكان الملك أقوى فلا يمكن إثباته تبعاً للكتابة. ولو قال: أعتق عبدك على ألف علي فأعتق، يلزمه المال ويقع الملك العتق عنه، ويدرج قوله عني لأن قوله على ألف درهم علي يدل عليه، فإن المال لا يلزمه لو لم يقع العتق عنه. ولو قال: أعتق عبدك عن نفسك بألف علي فأعتق لا يلزمه المال؛ لأن العتقد ههنا لا يقع عن الأمر وبدونه لا يلزمه المال، والطلاق في هذا يخالف العتاق، فإن من قال لغيره: طلق امرأتك بألف عليّ فإنه يصح، وقوله طلق امرأتك بألف علي بمنزلة قوله: طلق عن نفسك، لأنه لا يتصور أن يكون الطلاق واقعاً عن الأمر، فإن من قال لغيره: طلق امرأتك عني فطلق، يقع الطلاق عن المأمور دون الآمر، ثم قال في الطلاق يلزمه المال، وفي العتاق قال: لا يلزمه المال. وكذلك إذا قال أعتق عبدك على ألف درهم أضمنها لك ففعل، لم يكن العتق عن الآمر. إذا قال الرجل لغيره: أعتق عبدك عن ولدي الصغير بألف درهم فأعتقه المأمور، فإن العتق يقع عن المأمور وتكون الولاية (له) لأن الآمر بالإعتاق عن الصغير من الأب لا يصح، فالتحق هذا الأمر بالعدم فصار صاحب العبد معتقاً عبده عن الصغير بغير أمر أحد فيقع عنه. ولو كان للصبي عبد فقال رجل لأبيه: أعتق عبد ابنك هذا عني على ألف درهم فأعتقه الأب يقع العتق عن الآمر وعليه ألف درهم للصبي يقبضها الأب منه لأنه طلب من الأب يقع هذا العبد منه بألف درهم، والإعتاق عنه والأب يملك ذلك فإنه يملك بيع عبد ابنه الصغير من الأجنبي ويملك إعتاقه عن الأجنبي فيصح الأمر به، ويقع العتق عن الآمر وفي طلاق «المنتقى» عن أبي يوسف ﵀ إذا قال لعبده: أنت حر أمس، وقد اشتراه اليوم إنه يعتق. قال: ولا يشبه هذا الطلاق، قال: وصار تقدير مسألة العتاق كأنه قال: أنت حر الأصل، والله أعلم بالصواب وتم كتاب العتاق بعون الله وحسن توفيقه.

стр. 1678

كتاب المكاتب هذا الكتاب على ثمانية عشر فصلاً الأول في بيان: ١ * تفسير الكتابة وركنها. ٢ * في بيان ما يصح في الكتابة وما لا يصح. ٣ * في الشروط والخيار في الكتابة. ٤ * في عجز المكاتب. ٥ * فيما يملكه المكاتب وما لا يملكه. ٦ * في كتابة الحر على عبد وكتابة العبد على نفسه وعلى عبد آخر وكتابة المملوك على نفسه وأولاده. ٧ * في ملك المكاتب ولده أو بعض ذي رحم محرم أو امرأته وفي المكاتب يموت عنه وفاء في الأولاد. ٨ * في دعوة المولى ولد أمة المكاتب وفي دعوته ولد مكاتبة المكاتب. ٩ * في دعوى المكاتب الولد. ١٠ * في بيان المكاتبين إن كانت مكاتبتهما واحدة أو متفرقة. ١١ * في العبد يكون بين رجلين فيكاتباه أو يكاتبه أحدهما. ١٢ * في الرجل يكاتب بشقص مملوكه. ١٣ * في الاختلاف الواقع بين المولى والمكاتب. ١٤ * في مكاتبة المريض وإقراره بقبض يدل الكتابة. ١٥ * في الكتابة الموقوفة. ١٦ * في مكاتبة الصغير. ١٧ * في عزور المكاتب وما يلزمه من العقد. ١٨ * في المتفرقات.

стр. 1679

الفصل الأول تفسير الكتابةوركنها وشرط جوازها وحكمها يجب أن يعلم بأن تفسير الكتابة لغة: الضم والجمع أي ضم كان وأي جمع كان، ومنه فعل الكتابة لما فيه من الجمع والضم بين الحروف، وسمى الجنس كتبته لانضمام البعض إلى البعض، إلا أن في عرف لسان الشرع إذا أطلق هذا الاسم مضافاً إلى المملوك يراد منه: جمع بخصوص وضم بخصوص وذلك لما ضم حرية اليد إلى حرية الرقبة، بأن العبد يصير حراً يداً للحال ثم ينضم إلى هذه الحرية الرقبة عند أداء بدل الكتابة. وأما ضم المولى العبد إلى نفسه في إثبات صفة المالكية له يداً، فإن العبد بعقد الكتابة يصير مالكاً نفسه وكسبه يداً حتى يختص بالتصرف في نفسه وكسبه. وركنها: الإيجاب والقبول، لأنها عقد معاوضة من الجانبين فيكون الركن فيها الإيجاب والقبول كما في سائر المعاوضات. وشرط جوازها على الخصوص: قيام الرق في المحل، وكون المسمى معلوم القدر والجنس فأما كونها مؤجلاً منجماً فليس بشرط وهذا مذهبنا. ولقب المسألة أن الكتابة حالّة هل يجوز؟ فعند علمائنا ﵏ يجوز، والأصل فيه قبول الله تعالى: ﴿فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً﴾ (النور: ٣٣) أمر بالكتابة مطلقاً من غير فصل بقراء تكون مؤجلة أو حالة، والمعنى في ذلك أن البدل في الكتابة معقود به وليس بمعقود عليه كالثمن في باب البيع، ولهذا أجاز الاستبدال قبل القبض ولو كان معقوداً عليه لما جاز الاستبدال به قبل القبض، قلنا: والمعقود به يثبت في الذمة حالاً ومؤجلاً. جئنا إلى بيان حكمها، أما من جانب العبد فحكمها في الحال ثبوت حرية اليد حتى يصير العبد أمضى لمنافعه ورقبته ومكاسبه ينصرف إلى منافعه ومكاسبه ويذهب للتجارة حيث شاء، ولهذا لا يملك المولى منعه عن السفر، ولو شرط عليه أن لا يخرج من البلدة كان باطلاً. وحكمها في الثاني: ثبوت حرية الرقبة أو بدل الكتابة، وأما من جانب المولى فحكمها في الثاني: حقيقة الملك في البدل إذا قبضه، ثم المكاتب يعتق عند أداء إذا بدل الكتابة: سواء قال له المولى في عقد الكتابة: على أنك إن أديت إلى ألفاً فأنت حر، أو لم يقل ذلك، واقتصر على قوله: كاتبتك على ألف درهم، وهذا مذهبنا. وقال الشافعي ﵀: لا بد أن يقول على أنك إن أديت إلي كذا فأنت حر، وهذه المسألة في الحاصل بناء على معرفة معنى الكتابة، فيقول معنى الكتابة شرعاً ضم

стр. 1680

حرية اليد للحال إلى حرية الرقبة عند أداء بدل الكتابة فيجعل هذا كالمنصوص عليه عند العقد، ولو نص على هذا الشيء أنه يعتق عند الأداء فكذا إذا لم ينص عليه، وصار معناه هذا. ثم الكتابة إن كانت حالة فللمولى أن يطالب المكاتب بالبدل كما فرغ من العقد، كما ذكرنا أن البدل في الكتابة معقود به كالثمن في باب البيع، ثم الثمن في باب البيع إذا كان حالاً كان للبائع مطالبة المشتري كما فرغ من العقد فكذا هاهنا، وإن كانت مؤجلة منجمة فإما يطالبه بحصة كل نجم بحل ذلك النجم. ومما يتصل بهذا الفصلالألفاظ التي تقع بها الكتابة قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير» : رجل قال: لعبده قل جعلت عليك ألفاً تؤديها إلي نجوماً أول النجم كذا وآخر النجم كذا فإذا أديتها إلي فأنت حر وإن عجزت فأنت رقيق، فهو مكاتب لأنه إن لم يصرح بلفظة الكتابة فقد أتى بتفسير الكتابة ومعناها والعبرة في القعود لمعانيها لا لألفاظها. وفي الوصايا إذا قال لعبده: أد إلي ألف درهم كل شهر مائة فأنت حر، قال هذا مكاتب وهو جائز. وفي «نوادر» ابن سماعة عن أبي يوسف ﵀ في «الإملاء» : إذا قال لعبده: إذا أديت إلي ألف درهم كل شهر مائة درهم فأنت حر أول النجم كذا أو آخره كذا فقبل ذلك، قال أبو حنيفة ﵀: هذه مكاتبة، قال هذا وقوله: إذا أديت إلي ألف درهم ولم يسم الشهور سواء ينبغي أن يكون مكاتبة كله، ولا تكون مكاتبة حتى يقوم اسم الكتابة يعني حتى يأتي بلفظ الكتابة، قال: ولكنه أخذ بالاستحسان والله أعلم. الفصل الثاني في بيان ما يصح في الكتابة وما لا يصح ما يجب اعتباره في هذا الفصل أن جهالة البدل متى كاتب * جهالة جنس * منعت صحة التسمية في العقود كلها سواء كان عقداً هو معاوضة مال بمال كالبيع والإجارة وأمثالها، أو عقداً هو معاوضة مال بمال كالكتابة والخلع وأشباههما، وجهالة البدل إذا كانت جهالة وصف منعت صحة التسمية في عقد هو معاوضة مال بمال ولا يمنع صحة التسمية في عقد هو معاوضة مال بما ليس بمال، فرق بين معاوضة المال بالمال، وبما بين معارضة المال بما ليس بمال، فيما إذا كان جهالة البدل جهالة وصف. والفرق أن في معاوضة المال بما ليس بمال، نفس المال ليس بمقصود وباختلاف الوصف إنما تختلف المالية، فإذا لم تكن المالية مقصودة فهذا بالجهالة لا يخل بالمقصود، فصار وجودها والعدم بمنزلة، أما في معاوضة المال بالمال: المالية مقصودة، وباختلاف الوصف تختلف المالية فيخل بالمقصود، فيجب اعتبارها.

стр. 1681

بيان هذا الأصل ما ذكر في «الزيادات» : رجل قال لعبده: كاتبتك على عبد فقبل، جازت الكتابة لأن الكتابة معاوضة المال بما ليس بمال وقد ذكرنا أن جهالة وصف البدل في مبادلة المال بما ليس بما لا يمنع (٣٣٨أ) صحة التسمية، قال: ينصرف إلى العبد الوسط، لأنه إذا صحت التسمية وجب العبد ديناً في الذمة، والأصل في الحيوان المجهول إذا ثبت ديناً في الذمة، أنه ينصرف إلى الوصف كما في الزكاة والوصية والدية، والمعنى أن في صرفه إلى الوسط عمل بالوصفين، لأن الوسط بين الجيد والرديء نظر للجانين، والوسط عند أبي حنيفة ﵀ قيمته أربعون ديناراً، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله على قدر غلاء السعر والرخص والمسألة معروفة. قال: ولا ينظر في قيمة الوسط إلى قيمة المكاتب، لأن عقد الكتابة عقد إرفاق، فالظاهر أن يكون البدل على أقل من قيمته فقد جعل العبد هاهنا جنساً واحداً. وقد ذكر في كتاب الوكالة: فيما إذا وكل رجلاً بشراء عبد وجعله أجناساً مختلفة وكأنه عمل بالشبيهين فألحقه بالجنس الواحد إذا سمي في عقد هو معاوضة المال بما ليس بمال، والأجناس المختلفة إذا سمى في عقد هو معاوضة المال بالمال. وكذلك لو كاتبه على حنطة أو شعيرة وسمى مقداراً معلوماً إن وصف ذلك بصفة بأن شرط الجيد أو الرديء أو الوسط لما ذكرنا في العبد. ولو كاتبه على ثوب ولم يبين هروياً أو مروياً كانت التسمية فاسدة، لأن الثياب أجناس مختلفة، ولهذا لو وكل رجلاً بأن يشتري له ثوباً لا يجوز. ولو كاتبه على درهم فقبله العبد كانت التسمية فاسدة لأن المسمى مجهول القدر جهالة متفاحشة لاوسط القدر هاهنا حتى ينصرف إليه. والصرف إلى الأقل والأكثر متعذر، لأن الإيجاب قيمة المبدل ممكن، لأن العبد متقوم في نفسه والأصل في الأشياء قيمتها وإنما يعدل عنها عند التسمية، ولم تصح التسمية، فبقي حكم الأصل فهو معنى قولنا يقدر الصرف إلى الأقل والأكثر فيبقى مجهول القدر جهالة متفاحشة، وجهالة القدر نظير جهالة الجنس وجهالة الجنس مانعة لصحت التسمية في العقود كلها. قال في «الأصل» في مسألة الثوب وإذا حدث فسدت الكتابة فإذا أدى إلى المولى ثوباً لا يعتق، ولو كاتبه على قيمتها كانت الكتابة فاسدة، لأن البدل مجهول القدر، لأن القيمة إنما تعرف بالحزر والظن، فرب مقوم يقومه بألف، ورب مقوم يقومه بألف إلا عشرة، وإذا كانت القيمة تحتمله لهذه المقادير فإذا كاتبه على قيمته فكأنه كاتبه على آخر هذه المقادير، وهناك تعذرت الكتابة بجهالة البدل كذا هاهنا. فرق بين هذا وبينما إذا كاتبه على عبد فإنه يجوز، وإذا كانت تجب بهذه التسمية قيمة عبد وسط، ولهذا لو أتى بقيمة العبد يجبر المولى على القبول وهي بجهالة القدر، والفرق أن القيمة بتسمية العبد تجب حكماً لا قصداً فإنه نص على تسميته العبد، وهاهنا قيمته القيمة تثبت قصداً، فإنه نص على تسمية القيمة فكانت مقصودة، وقد ثبت الشيء

стр. 1682

حكماً بغيره، وإن كان لا يثبت قصداً، فإذا أدى قيمته إلى المولى وقبل المولى يعتق. فرق بين هذا وبينما إذا كاتبه على ثوب وإذا آتى المولى ثوباً حيث لا يعتق، وفي الموضعين جميعاً الكتابة قد فسدت. والفرق أن في الكتابة مسميان: معاوضة وتعليق عتق، فإذاً العوض إما معاوضة فلوجوده العوض من الجانبين وإما تعليق عتق بأداء العوض فإن وجد التعليق أن يتعلق بنزول الحر الشرط يوجد في المستقبل وفي الكتابة تعليق وقوع العتق بأداء ما صار عوضاً، قلنا: والقيمة تصح عوضاً لأنها معلوم الجنس ويصير معلوم القدر عند الأداء، وإذا صلح عوضاً وهو ملفوظ به تعلق العتق بأدائه فأما الثوب لا يصح عوضاً لأنه مجهول الجنس والقدر، وما لا يصلح عوضاً في المعاوضات لا يتعلق العتق بأدائه في الكتابة، لأن عتق المكاتب معلق بأداء العوض فلا يعتق بأداء الثوب. ثم فيما إذا كاتبه على قيمته ذكر أنه يعتق بأداء القيمة، ولم يذكر أن أداء القيمة..... يثبت، قالوا: أداء القيمة إنما يثبت بأحد أمرين إما أن يتصادقا على إيفاء أداء قيمته فيثبت كون المؤدى قيمته بتصادقهما لأن الحق فيما بينهما لا يعدوهما وصار كضمان الغصب البيع الفاسد. وإن اختلفا يرجع إلى تقويم المقومين فإذا تفق اثنان على قدر يجعل ذلك قيمته له وإن اختلفا قوم أحداهما بألف والأخرى بألف وعشرة لا يعتق ما لم يؤد أقصى قيمته. ثم في فصل الثوب فرق بين الكتابة وبينهما إذاقال: له إن أديت إلي ثوباً فأنت حر فأدى إليه ثوباً يعتق، وإذاكاتبه على ثوب فأدى إليه ثوباً لا يعتق والكتابة تعليق العتق بأداء المسمى كقوله: إذا أديت إلي، والفرق أن التعليق في الكتابة إنما يثبت بعقد المعاوضة فإنما يثبت التعليق بأداء ما يصلح عوضاً والثوب لا يصلح عوضاً لكونه مجهول الجنس والقدر فلم يتعلق العتق بأدائه. فأما في قوله: إن أديت التعليق فانتقضا لأنها معاوضة فيتعلق بما سمى لأنها تصلح عوضاً وقد سمى ثوباً يتعلق العتق بأدائه، ولم يذكر محمد ﵀ فيما إذا كاتبه على ثوب أنه أدّى قيمة نفسه هل يعتق أم (لا) ؟ وذكر فيما إذا كاتبه على حكمه أو على حكم العبد أنه لا تجوز الكتابة وإذا أدى قيمته لا يعتق. قال شيخ الإسلام ﵀ لا فرق بين المسألتين، لأن في المسألتين جميعاً ما سمي لا يصلح عوضاً لأنه مجهول القدر والجنس، ثم قال في تلك المسألة: أنه لا يعتق بأداء القيمة فكذلك في مسألة الثوب. قال ﵀: وهذا الذي ذكر قول علمائنا الثلاثة ﵏، فإن على قول علمائنا الثلاثة ﵏ متى كان المسمى لا يصلح عوضاً بجهالة القدر أو بجهالة

стр. 1683

الجنس، فإنه لا يعتق العبد بأداء القيمة ولا تنعقد هذه الكتابة أصلاً لا على المسمى ولا على القيمة، وكذلك لو قال له: كاتبتك وسكت عن ذكر البدل، لا تنعقد الكتابة أصلاً عند علمائنا الثلاثة ﵏. وهذا لأن في الكتابة شأن معاوضة وتعليق عتق بأداء ما يصلح عوضاً واعتبار معنى المعاوضة إن كان يوجب انعقادها على القيمة، وإن لم تكن القيمة ملفوظاً بها كما في البيع الفاسد، فمعنى التعليق يمنع انعقادها على القيمة إذا لم تكن القيمة ملفوظاً بها لأن التعليق بالشرط لا يثبت في موضع ما مر غير لفظ فإن أدى حد الشرط أن يكون ملفوظاً بها فاعتبار أحد المعنيين يوجب الانعقاد والآخر يمنع، والانعقاد لم يكن ثابتاً فلا يثبت بالشك، بخلاف البيع لأن البيع معاوضة من كل وجه، والعوض مما يثبت في المعاوضات من غير شرط كما في الغصب، وكما لو أكل طعام غيره حالة المخمصة. فأما شرط العتق في موضع لا يثبت من غير لفظ متى كان ليثبت التعليق واللفظ، ولا يقال على هذا بأن التعليق في باب الكتابة يثبت تبعاً للمعاوضة، ولهذا قبل الفسخ فلا يشترط لصحة شرائط التعليق، ولو كان التعليق يثبت نصاً، لأنا نقول: لا يسلم بأن التعليق في الكتابة بيع، وهذا لأن تعليق العتق بأداء ما يصلح عوضاً من حكم الكتابة لأن الحكم الكتابة للحال حرية اليد، وفي الثاني: تعلق عتقه بأداء العوض، وإذا كان تعلق العتق بأداء العوض من حكم الكتابة ثابتاً مقصوداً لا بيعاً، ألا ترى أن ملك المشتري لما كان حكماً للمشتري لأن الشراء موضع الملك المشترى كان ملك المشتري ثابتاً بالشراء مقصوداً، فكذلك الكتابة موضوعة لإثبات حرية اليد للحال ولتعلق حرية الرقبه بالأداء في الثاني فيكون التعليق ثابتاً بالكتابة مقصوداً لا بيعاً، ولهذا لم ينفك عقد الكتابة عن هذا الحكم كما لم ينفك عن إثبات حرية اليد. وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «شرح كتاب المكاتب» : أن المسمى في الكتابة إذا لم يكن مالاً متقوماً، لا تنعقد الكتابة أصلاً كما إذا كاتبهما على حكمه أو حكم العبد (٣٣٨ب١) . فإن حكمه قد يكون بغير المال، أو كاتبها على ميتة لا تنعقد الكتابة أصلاً على المسمى ولا على القيمة فلا يعتق بأداء القيمة. وإذا كان المسمى في الكتابة مالاً متقوماً إلا أنه مجهول الجنس أو القدر ينعقد العقد على القيمة، ويعتق بأداء قيمته. وفي «المنتقى» رواية إبراهيم عن محمد ﵀: إذا كانت عنده خمسة أثواب يهودية جاز، وله خمسة أثواب فيهما، وإن جاءت بقيمتها أجبر المولى على الآخذ، وإن كان قد سمى رفعها وجنسها وطولها وعرضها وأصلها لم يجبر على قبول القيمة؛ لأن بذكر الأخذ صار في معنى التسليم. وفيه أيضاً: إذا كاتب عبداً له على وصف ولم يسمِّ له قيمة فهو جائز، ويؤخذ قيمة أعلى الوصف، أو أوسطها، أو أوكسها فيعطى له ثلث الجملة، ولو أدى الأعلى من الوصف أو الوسط قُبل منه ولو أدى الأوكس لا يجوز إلا أن يتجوز به المولى.

стр. 1684

وفي «البقالي» : إذا كاتبه بكذا، فإن عجز فبكذا لم يجز، وقيل: معناه لا تجوز الثانية. إذا قال: فإن عجزت فقد كاتبتك بكذا، وإنما لا يجوز الكل إذا أشار في الثانية إلى الأولى فيقول: قال إن عجزت فبكذا، ولم يقل: فقد كاتبتك بكذا حتى يصير البدل مجهولاً. وفيه أيضاً: إذا كاتبه على ألف على أن يؤدي منها كل شهر كذا أو ثوباً صفته كذا جاز. وفيه أيضاً: إذا كاتب بألف درهم على أن يرد المولى عليه وصفاً وسطاً لم يجزء. وعن أبي يوسف: أنه يقسم الألف على قيمتها فيسقط حق الوصف، وعلى هذا الاختلاف مسألة ذكرها في «الجامع الصغير» . وصورتها: رجل كاتب عبداً له على مائة دينار على أن يردّ المولى عليه عبداً بغير عينه، فالمكاتبة فاسدة، وهو قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف ﵀: تقسم المائة دينار على قيمة المكاتب وعلى قيمة عبد وسط فيبطل حصة العبد، ويكون مكاتباً بما بقي، فوجه قول أبي يوسف ﵀: أن الكتابة لو فسدت إنما تفسد لمكان اشتراط العبد، غير أن اشتراط العبد في الكتابة لا يفسدها، ألا ترى أنه لو كاتب عبده على عبد يجوز وينصرف إلى عبد وسط. وجه قولهما: أن هذا عقداً يشتمل على بيع وكتابة؛ لأن ما كان من الدنانير بأن العبد الذي يرده المولى فهو بيع، وما كان منها بإزاء رقبة المكاتبة فهو كتابته، والبيع قد حصل بجهالة الثمن والمعقود عليه، فلو جازت الكتابة إنما تجوز بما يخصها من المائة دينار، والكتابة بما يخصها من البدل لا يجوز، فإنه لو كاتب عبداً له بما يخصه من الألف لو قسم الألف عليه وعلى عبد آخر له لا تجوز الكتابة فكذا ههنا. وإذا كاتبه على مالٍ معينٍ أقر المكاتب بأن كاتبه مثلاً على عبدٍ بعينه أو على عرض بعينه فهو بعين المكاتب فقد ذكر في «الجامع الصغير» مطلقاً أنه لا يجوز. وفي الحاصل: المسألة على وجهين إما إن لم يجز صاحب العين، أو أجازه. إن لم يجزه لا تجوز الكتابة؛ لأن الكتابة من حيث أنها عقد يقال ويفسخ نظير البيع، ولو اشترى شيئاً بِعَرَضِ لغيره ولم يجزه صاحب العرض، فإن الشراء لا يصح وكل تلك الكتابة، وهذا بخلاف ما لو تزوج امرأة على عرض لغيره ولم يجزه صاحب العرض، فإن النكاح يجوز، وكان للمرأة أن ترجع على الزوج بقيمة العرض، والكتابة لا تجوز وذلك لأن النكاح مما لا ينفسخ بهلاك الصداق قبل القبض، فكذلك بالإلحاق لا ينفسخ. وإذا لم ينفسخ النكاح بقي السبب الموجب لتسليم العرض والزوج عاجز عن ذلك، وكان عليه تسليم قيمته. فأما الكتابة مما يحتمل الفسخ بالإقالة، فكان كأنه بيع. وفي باب البيع: إذا لم يجز صاحب العرض لا يجوز فكذا الكتابة، وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ في غير رواية «الأصول» وأصحاب «الأمالي» عن أبي يوسف ﵀ أنه يجوز، حتى أنه إن

стр. 1685

ملك وذلك العين فأداه إلى المولى عتق، وإن عجز عن أدائه رَدّهُ المولى في الرق؛ لأن المسمى مالٌ متقوم، وقدرته على التسليم بما يحدث له فيه من الملك موهوم فتصح التسمية كما في الصداق إذا سمى عبد غيره فإنه تصح التسمية بهذا الطريق. وروى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله: إذا ملك ذلك العين فأدى لا يعتق إلا أن يكون المولى قال له: إذا أديت إليَّ فأنت حر، فحينئذ بحكم التعليق تعلّق؛ لأن ملك الغير لم يصر بدلاً في هذا العقد بتسميته لأنه غير مقدور التسليم به. وإذا لم يُسَمِّ شيئاً آخر معه لم ينعقد العقد أصلاً، فلا يكون العتق بحكم العقد، وإنما يكون باعتبار التعليق بالشرط، فإذا لم يصرح بالتعليق. قلنا: إنه لا يعتق كما لو كاتبه على ثوب أو ميتة، وأما إذا أجازه صاحب العرض؛ قال شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده ﵀: يجب أن تكون المسألة على روايتين: في رواية يجوز وفي رواية لا يجوز؛ لأنه متى أجازه صاحب العرض صار صاحب العرض مقبوضاً من العبد كما في البيع فيصير العرض من كسبه، والمولى متى كاتب عبده على عين في يده وهو من كسبه بأن كان عبداً مأذوناً في التجارة في يده عين من كسبه هل تصح الكتابة أم لا؟ قالوا: فيه روايتان: في رواية يجوز وهو رواية كتاب الشرب، فقد ذكر في كتاب الشرب: إذا كاتب عبده على أرض في يده جازت الكتابة، وفي رواية: وأنه لا يجوز. بعض مشايخنا ﵏ قالوا: وقفنا في رواية الجواز في كتاب الشرب ولم نقف على رواية الفساد وهي في آخر كتاب المكاتب في «الأصل» وقيل: أشار في نكاح «الأصل» إلى هذه الرواية وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵀ نصّاً أنه لا يجوز، فصار في المسألة روايتان، واتفقت الروايات: أنه لو كاتب على دراهم في يد العبد من كسبه أن الكتابة جائزة. وجه الرواية التي قال: لا يجوز وهو أنا متى جوزنا الكتابة على العين لا يخلو إما أن يجعل العبد أحق بهذه العين أولاً ثم يجعله بدل الكتابة بعدما صار أحق به أو لا يجعله أحق به، فإن لم يجعله أحق به لم نجز هذه الكتابة؛ لأنها لا تفيد شيئاً. قال: العين قبل الكتابة مملوك للمولى رقبة ويداً، فهو بقي كذلك بعد الكتابة فلم يصر العبد أحق به لم يستفد المولى، بهذه الكتابة شيئاً، لا ملك الرقبة، ولا ملك التصرف، فكان بمنزلة ما لو اشترى شيئاً من العبد المأذون ولا دين عليه، وإن جعلناه أحق به لا يجوز أيضاً. وإن كان لو جاز لأفاد أن المولى يستفيد به ملك التصرف، وذلك لأنا متى جوزنا الكتابة على العين بهذه الطريق لا يتحقق معنى الكتابة، وذلك لأن تغيير الكتابة شرعاً إيجاب حريتين على سبيل التعاقب والترادف، وهو إثبات حرية اليد ثم حرية الرقبة على ما بيّنا، ومتى جوزنا الكتابة على العين تثبت الحريتان معاً لا على سبيل التعاقب فيكون إعتاقاً على مال ولا يكون كتابة. بيانه: أن العبد إذا صار أحق بالعرض أولاً يصير العرض مملوكاً للمولى على الحقيقة بنفس العقد، كما لو اشترى منه بعد الكتابة عرضاً يصير مملوكاً للمولى حقيقة بنفس الشراء، حتى لو اشترى امرأته من المكاتب فسد النكاح بنفس الشراء وإذا ملكه بنفس العقد يعتق العبد كما فرغا من العقد، فتثبت حرية اليد والرقبة معاً لا على سبيل الترادق فيكون إعتاقاً على مالٍ حينئذ لا كتابة.g فإذا دُبِّرَ تجويز الكتابة على العين متعذر ما لو كاتب على الدراهم التي في يده لأنا لو جوزنا الكتابة على هذه الدراهم، وجعلنا العبد أحق به، فإن العقد لا يتعلق بعينه حتى يملك المولى حقيقة بنفس العقد، وإنما (٣٣٩أ١) يتعلق العقد بمثله ديناً في الذمة؛ لأن الدراهم والدنانير لا يتعينان في عقود المعاوضات عندنا، وما ثبت ديناً في ذمة العبد للمولى، فإنما يملك المولى على الحقيقة بالقبض، ولهذا لم تصح الكفالة بها. وإذا توقفت حقيقة الملك في الدين على القبض يتحقق معنى الكتابة، فإنه يثبت حرية اليد للحال، وحرية الرقبة في الثاني إذا صار بدل الكتابة فهو كالمولى على الحقيقة، فأما إذا كان عيناً فإن المولى يملكه على الحقيقة بنفس العقد، كما لو اشترى منه. ووجه الرواية التي قال بأنه تجوز الكتابة على دراهم في يد العبد يجوز، ويصير العبد أحق به، ومتى صار أحق به أفادت الكتابة فائدتها، فيجوز قوله، وإن صار أحق به لا تجوز الكتابة على العين؛ لأنه ثبتت الحريتان معاً، ويكون عتقاً على مال الكتابة. وجه الرواية التي قال: لا يجوز وهو أنا متى جوزنا الكتابة على العين لا يخلو إما أن يجعل العبد أحق بهذه العين أولاً ثم يجعله بدل الكتابة بعدما صار أحق به أو لا يجعله أحق به، فإن لم يجعله أحق به لم نجز هذه الكتابة؛ لأنها لا تفيد شيئاً. قال: العين قبل الكتابة مملوك للمولى رقبة ويداً، فهو بقي كذلك بعد الكتابة فلم يصر العبد أحق به لم يستفد المولى، بهذه الكتابة شيئاً، لا ملك الرقبة، ولا ملك التصرف، فكان بمنزلة ما لو اشترى شيئاً من العبد المأذون ولا دين عليه، وإن جعلناه أحق به لا يجوز أيضاً. وإن كان لو جاز لأفاد أن المولى يستفيد به ملك التصرف، وذلك لأنا متى جوزنا الكتابة على العين بهذه الطريق لا يتحقق معنى الكتابة، وذلك لأن تغيير الكتابة شرعاً إيجاب حريتين على سبيل التعاقب والترادف، وهو إثبات حرية اليد ثم حرية الرقبة على ما بيّنا، ومتى جوزنا الكتابة على العين تثبت الحريتان معاً لا على سبيل التعاقب فيكون إعتاقاً على مال ولا يكون كتابة. بيانه: أن العبد إذا صار أحق بالعرض أولاً يصير العرض مملوكاً للمولى على
следующие страницы →