Полный текст (4 583 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
ينتصب خصما عن الغائب وفي المسألة نوع إشكال وينبغي أن يقضي بوقفية الضيعة التي في يد الحاضر في الوجهين جميعاً؛ لأنه ألحق هذا بآخذ الورثة.
وذكر في «الجامع» أن أحد الورثة إنما ينتصب خصماً عن الباقين للمدعي في غير في يد ذلك الوارث، حتى أن من ادعى عيناً في تركة الميت وأحضر وارثا واحداً ليس العين المدعى في يده، وأقام بينة على دعواه لا تسمع بينته، وفي مسألتنا هذه إحدى الضيعتين في يد الغائب فكيف يقضي بوقفتيهما على الحاضر؟ وعلى قول من يقول بجواز القضاء بوقفية الضيعتين شرط ذكر حدود الضيعة التي في يد الغائب.
ادعى كرماً في يدي رجل وأقر المدعى عليه أنه وقف الكرم وقفاً صحيحاً بشرائطه للمدعي بينة، وأراد تحليف المدعى عليه إن أراد تحليفه ليأخذ الكرم لو نكل عن اليمين لايحلف؛ لأنه لا يصل إلى ذلك فلا يكون في التحليف فائدة وإن أراد أن يأخذ القيمة لو نكل عن اليمين يحلف؛ لأنه يصل إليه لو نكل ففي التحليف فائدة.
رجل وقف ضيعة له على الفقراء في صحته ثم مات فجاء إنسان وادعى أن الضيعة له وأقر الورثة بذلك لم يبطل الوقف؛ لأن إقرارهم في حق بطلان الوقف غير صحيح ويضمنون قيمة الضيعة من تركة الميت، وهذا الجواب يجب أن يكون قول الكل لا قول محمد خاصة؛ لأنه لا خلاف في ضمان الضيعة بالإتلاف، وإنما الخلاف في وجوب الضمان بالغصب وهذا إتلاف وليس بغصب، وإن أنكر الورثة ذلك فأراد المدعي أن يحلفهم يقال له: تريد تحليفهم لتأخذ الضيعة إن نكلوا أو ليأخذوا القيمة إن نكلوا، فإن قال لآخذ الضيعة فلا يمين له عليهم؛ لأنه لا يصل إلى الضيعة إن نكلوا لما ذكرنا في فصل الإقرار، وإن قال: لآخذ القيمة فله عليهم اليمين؛ لأنه يصل إلى القيمة إن نكلوا فكان التحليف مقيداً.
في «فتاوى الفضل» بيت فوقه بيت وهو متصل بالمسجد يتصل صف المسجد نصف البيت الأسفل ويصلي في البيت الأسفل في الصيف والشتاء، اختلف أهل المسجد وأرباب البيت الذي يسكنون العلو قال الأرباب: إن ذلك ميراث لنا فالقول قولهم؛ لأن العلو في أيديهم والقول قول صاحب اليد فثبت بقولهم أن العلو ملك لهم لا يصير السفل مسجد؛ لأنه لا يتحقق الشرط وهو الخلوص وسيأتي جنس هذه المسألة في موضعه إن شاء الله تعالى.
نوع منه فى المسائل التي تعود إلى الشهادة والوقف
إذا شهد شاهدان على رجل أنه وقف أرضه ولم يحدها الشاهدان فالشهادة باطلة، وكذلك إن حدها أحدهما دون الآخر كانت الشهادة باطلة، وكذلك لو شهدا أنه وقف أرضه التي في موضع كذا لو قالا: لم يحدها لنا فالشهادة باطلة قال الخصاف: إلا أن تكون أرضاً مشهورة يعني شهرتها عن تحديدها، فإن كان كذلك قضيت بأنها وقف، وإن حداها بحدين فالمشهور عن أصحابنا أنه لا تقبل ومن أصحابنا من قال: إذا ذكر حدين متقابلين
стр. 2382
يقبل؛ لأن ما بينهما يصير معروفاً بمعرفتهما إذا كان طرفاها مستويان، وإن حداها بثلاث حدود قبلت الشهادة عند علمائنا الثلاثة ﵏ إقامة للأكثر مقام الكل، سئل الخصاف فقيل إذا قبلنا هذه الشهادة (٢٢أ٣) بثلاثة حدود كيف يحكم بالحد الرابع؟ قال: أجعل الحد الرابع بإزاء الحد الثالث حتى ينتهي إلى ابتداء الحد الأول أي بإزاء الحد الأول.
وإن شهدا أنه وقف أرضه التي في موضع كذا، وحدها لنا إلا أنا نسينا لا يقبل شهادتهما؛ لأنهما شهدا على أنفسهما بالغفلة. وإن قالا: حدها لنا ولكنا (لا) نعرف الحدود ذكر هلال أن القاضي لا يقبل شهادتهما قال: القاضي الإمام الأستاذ الكبير أبو زيد ﵀ تأويل هذا أنهما لم يبينا للقاضي أما إذا بيناه وعرفاه يقبل، وذكر الخصاف ﵀ في هذه الصورة أني أجيز الشهادة وأقضي بالدار والأرض بحدودهما وقفاً وأقول للشهود: سموا الحدود فأقضي بما يسموني ويحدوني. قال هلال: وكذلك لو قالا: لم يكن في المصر إلا تلك الأرض لم تقبل، فأما إذا قالا: أشهدنا أنه وقف هذه الأرض وهو فيها ولم يحدها لنا فالشهادة جائزة إذا كانا يعرفانها. قال القاضي الإمام: تأويل هذا إذا بينا للقاضي وعرفاه، فأما إذا لم يبينا لا يقبل شهادتهما.
وإن شهدا أنه حدها لنا ولكنا لا نذكر الحدود التي حدها لنا فالشهادة باطلة، وإن كانا يعرفان الحدود لكنهما لا يعرفان الأرض؛ لأنهما كانا غائبين عنها يقبل شهادتهما، ويكلف القاضي مدعي الوقف أن يقيم شاهدين آخرين يشهدان أن هذه الأرض بحدودها هي تلك الأرض التي يشهد الشهود بوقفيتها، فإن شهدا أنه إذا.... حدودها وقفنا عليه ولكن لم يسم لنا حدودها قبلت شهادتهما.
وإذا شهد شاهدان على رجل أنه وقف حصته من هذه الأرض أو من هذه الدار ولا يدريان ما حصته، فالشهادة باطلة عند أبي حنيفة على قياس مسألة البيع، وهو ما إذا باع حصته من هذه الدار ومن هذه الأرض ولم يعلم المشتري حصته لا يجوز البيع عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: يجوز البيع وإن لم يعلما حصته، والهبة لا يجوز إذا لم يعرف حصة الواهب بلا خلاف، فالوقف على قول أبي يوسف: لا يجوز قياساً على الهبة ويجوز استحساناً كالبيع. وجه القياس: أن الوقف إزالة الملك بغير بدل فصار كالهبة. وجه الاستحسان: أن الوقف لو لم يصح إنما لا يصح لعدم التمييز ولا وجه إليه؛ لأن وقف المشاع عنده صحيح.
وإن شهدا أنه أقر عندهما أنه جعل حصته من هذه الأرض التي في موضع كذا حدودها كذا صدقة موقوفة لله تعالى وهي ثلث جميع هذه الأرض على كذا وجعل آخره للمساكين، فنظر الحاكم فوجد حصته من هذه الأرض نصفها أو ثلثيها، قال الخصاف: يجعل جميع حصته وقفاً على الوجوه التي سبلها.
قال ﵀: وقد قال أصحابنا في رجل قال لآخر: بعتك جميع حصتي من هذه
стр. 2383
الأرض وهي ثلثها بألف درهم، فإذا حصته نصفها، فليس للمشتري إلا الثلث الذي سماه له. وقالوا فيمن أوصى لرجل فقال: أوصيت لك بثلث مالي وهو ألف درهم، فإذا ثلث ماله أكثر من ألف، فللموصى له جميع الثلث، قال الخصاف: وعندي أن الوقف نظير الوصية؛ لأنه ليس بعقد معاوضة.
وإن جعل غلة ذلك على قوم سماهم ومن بعدهم على المساكين، فصدقة القوم الذين وقف عليهم، وقالوا: إنما قصد وقف الثلث علينا، قال: تصديقهم وسكوتهم في ذلك سواء، وأقضي بجميع حقه وقفاً وأجعل للقوم الذين سماهم بأعيانهم غلة الثلث من ذلك، وأجعل فضل ما بين الثلث إلى النصف للمساكين.
وإذا شهدا على رجل أنه وقف واختلفا فيما بينهما، فشهد أحدهما أنه وقف أرضه في موضع كذا، وشهد الآخر أنه وقف أرضه في موضع كذا، وسمى موضعاً آخر لا تقبل الشهادة؛ لأنه ما شهد على وقفية كل أرض إلا شاهد واحد. ولو شهد أحدهما أنه وقف تلك الأرض وحدها، وشهد الآخر أنه وقف تلك الأرض وأرضاً أخرى قبلت الشهادة على ما اتفقا عليه.
ولو شهد أحدهما أنه وقف هذه الأرض كلها وشهد الآخر أنه وقف نصفها قبلت الشهادة على النصف، وقضي بوقفية هذه الأرض، هكذا ذكر هلال والخصاف، قيل: هذا الجواب مستقيم على مذهبهما غير مستقيم على مذهب أبي حنيفة كما لو شهد أحد الشاهدين على تطليقة وشهد الآخر على نصف تطليقة، فإن هناك لا تقبل الشهادة عند أبي حنيفة، وعندهما لا يقبل على نصف تطليقة، ومنهم من قال: هذا على الإتفاق؛ لأن الأرض حصة، فصار كما لو شهد أحدهما على طلاق امرأة وشهد الآخر على طلاقها وطلاق أخرى. ولو شهد أحدهما أنه جعل له ثلث الغلة وشهد الآخر أنه جعل له نصفها قبلت الشهادة على الثلث عندهما، وإن شهد أحدهما أنه وقف نصفها مشاعاً وشهد الآخر أنه وقف نصفها مقسومة فالشهادة باطلة.
ولو شهد أحدهما أنه وقفها يوم الخميس وشهد الآخر أنه وقفها يوم الجمعة قبلت الشهادة؛ لأن الوقف تصرف قولي، والقول يعاد ويكرر، فلا يضره اختلاف الزمان والمكان كالبيع، قيل: هذا على قول أبي يوسف، أما على قول محمد: لا تقبل هذه الشهادة؛ لأن الوقف وإن كان قولياً إلا أنه يتضمن فعلاً وهو التسليم، فإن التسليم عند محمد شرط صحته وكل قول يتضمن فعلاً كالنكاح، واختلفا فيه في الزمان والمكان لا تقبل الشهادة.
ولو شهد أحدهما أنه وقفها وقفاً صحيحاً في صحته وشهد الآخر أنه وقفها بعد موته لا يقبل الشهادة؛ لأن أحدهما شهد بالوقف والآخر بالوصية. ولو شهد أحدهما أنه وقفها صحيحاً في صحته وشهد الآخر أنه وقفها في المرض قبلت الشهادة، وتكون جميع الأرض وقفا إن كان يخرج من الثلث، وإن كان لا يخرج من الثلث يصير ثلثها وقفاً؛ لأنهما اتفقا على وقف الأرض واختلفا في الوقت إن كانت الأرض تخرج من الثلث،
стр. 2384
وإن كانت الأرض لا تخرج من الثلث، فقد اختلفا على ثلثها واتفقا فيما وراء ذلك، فيثبت ما اتفقا عليه ولا يثبت ما تفرد به أحدهما.
ولو شهد أحدهما أنه جعلها صدقة موقوفة على الفقراء وشهد الآخر أنه جعلها صدقة موقوفة على المساكين قبلت الشهادة؛ لأنهما اتفقا على الفقراء، فإن من قال: أرضي صدقة موقوفة كانت على الفقراء، فقد اتفقا على كونهما وقفاً على الفقراء، فيثبت ذلك ويبطل ما تفرد به أحدهما. والحاصل: أنهما إذا اتفقا على كونهما صدقة موقوفة وتفرد أحدهما بزيادة شيء لا يثبت الزيادة، ويثبت ما اتفقا عليه وكونهما وقفاً على الفقراء. وعن هذا قلنا: إذا شهد أحدهما أنه جعلها صدقة موقوفة على زيد تكون وقفاً على الفقراء؛ لأنهما اتفقا على جعلها صدقة موقوفة.
وذكر الخصاف في «وقفه» : إذا شهد أحدهما أنه أقر أنه جعلها صدقة على الفقراء والمساكين وشهد الآخر أنه وقفها على الفقراء حكم عليه بالوقف للفقراء في قول حسن بن زياد من قبل أنه قال للفقراء والمساكين لهم سهم واحد قال: ومن قال: للفقراء والمساكين بينهما أن يجعل نصفها وقفاً للفقراء ويبطل النصف، قال: وهذا القول ما رواه محمد بن الحسن في «الجامع الصغير» .
ولو شهد أحدهما أنه جعلها صدقة موقوفة على عبد الله وزيد، وشهد الآخر أنه جعلها على عبد الله خاصة (٢٢ب٣) قضيت بالنصف لعبد الله والنصف الآخر للفقراء، أما القضاء لعبد الله؛ لأنهما اتفقا على عبد الله، وأما القضاء بالنصف؛ فلأنهما اتفقا على النصف له واختلفا في النصف الآخر، (ولو) شهد أحدهما به لعبد الله وشهد الآخر به لزيد، فما اتفقا عليه يثبت وما اختلفا فيه لا يثبت ويجعل ذلك كالسكوت عنه ويكون للفقراء بخلاف المسألة الأولى؛ لأن في المسألة الأولى اتفقا على كونه لعبد الله وزاد أحدهما لولده من بعده، فلم يثبت هذه الزيادة، ويثبت ما اتفقا عليه وهو كونه لعبد الله. قال مشايخنا: وما ذكر من الجواب أنه يقضي لعبد الله بالنصف يجب أن يكون قول الكل؛ لأنهما لم يختلفا في لفظ الشهادة لعبد الله، وإنما زاد أحدهما حصة زيد فلم يثبت ذلك بمجرد قول فيكون للفقراء.
وإذا شهد أحدهما أنه جعل لعبد الله مائة درهم في كل سنة من غلات هذه الأرض وشهد الآخر أنه جعل له مئتي درهم لا تقبل هذه الشهادة عند أبي حنيفة، كما لو شهد أحدهما لرجل بمئة درهم وشهد الآخر بمئتي درهم.
ولو قال أحدهما جعل له من الغلة في كل سنة مئة درهم، وقال الآخر: في سنة واحدة، فإنه يثبت في السنة الأولى عندهم؛ لأنهما اتفقا عليه. قال الخصاف في «وقفه» : لو شهد أحدهما أنه جعلها صدقة موقوفة على الفقراء والمساكين وشهد الآخر أنه جعلها صدقة موقوفة على الفقراء والمساكين وأبواب البر تقبل هذه الشهادة؛ لأن جميع ذلك من أبواب البر الأولى، لو أوصى رجل بثلث ماله في أبواب البر ففرقه القاضي في الفقراء والمساكين إن ذلك جائز.
стр. 2385
قال: ولو شهد أحدهما أنه جعل أرضه صدقة موقوفة على الفقراء والمساكين وفقراء قرابته قال: هذا لا يشبه أبواب البر؛ لأن الذي يشهد لفقراء قرابته لم يشهد بجميع الغلة للفقراء والمساكين. ألا ترى أن رجلاً لو أوصى بثلث ماله للفقراء والمساكين وفقراء قرابته أني أنظر إلى عدة فقراء قرابته يوم مات، فأضرب لهم في الثلث بعددهم وأضرب الفقراء والمساكين بسهمين، فإن كان فقراء قرابته عشرة كان لهم عشرة أسهم وللمساكين سهمان، فكذلك في الوقف أنظر إلى فقراء القرابة وأنظر كم يصيب الفقراء، فأجعل ذلك وقفاً عليهم.
إذا شهد شاهدان أنه جعل هذه الأرض صدقة موقوفة علينا يجب أن يبطل قوله: علينا ويبقى قوله: صدقة موقوفة، فيقضى للفقراء كما لو اقتصرا على قولهما صدقة موقوفة، ألا ترى أنا ذكرنا قبل هذا أنهما لو شهدا أنه جعل أرضه صدقة موقوفة، فقال أحدهما: على عبد الله، وقال الآخر: على زيد، يبطل قولهما: على زيد وعبد الله، ويبقى على قولهما: صدقة موقوفة، قلنا: في تلك المسألة الكلام خرج مخرج الصحة؛ لأنه شهادة كله فيثبت ما اتفقا عليه لتمام الحجة ويبطل ما اختلفا فيه لعدم الحجة، وهنا الكلام خرج مخرج الفساد؛ لأنه خرج على وجه الدعوى، فيبطل كله كما لو شهدا أنه أبرأنا وفلاناً عن الدين أو شهدا أنه قذف أمنا وفلاناً بكلام واحد أو خاطب أختين فأجاب أحدهما لم يجز لما قلنا.
ولو شهدا أنه وقف أرضه علينا وعلى قوم آخرين فذلك كله باطل ولا يجوز للشركاء سواهم؛ لأن الكلام خرج على وجه الفساد. وكذلك إذا قالا: على قرابته وهما من قرابته، أو قالا: على نسله، أو قالا على آل عباس وهما من آل عباس، ولو قالا: علينا وعلى قوم آخرين معلومين، فأردنا أن لا تبطل شهادتهما، فلم يقبل ذلك قبلت شهادتهما؛ لأنه تمحض كلاً منهما شهادة وانعدمت التهمة وصار كالصغير إذا شهدا بالبيع وقالا: سلمنا الشفعة قبلت شهادتهما، ولو شهدا لقرابة الواقف وهما من قرابته وقالا: لم يقبل ذلك لم يقبل شهادتهما؛ لأن أولادهما من قرابتهما وردهما في حق الأولاد ولا يعمل فصارا شاهدين لأولادهما، وكذلك إذا لم يكن لهما أولاد؛ لأنه ربما يخلق لهما، فيستحقون بهذه الشهادة فصارا شاهدين لأولادهما مؤجلاً والبيع المؤجل والمعجل في منع قبول الشهادة على السواء.
إذا وقف الرجل كراستة على مسجد لقراء القرآن أو على أهل مسجد وهم يحصون حتى جاز الوقف، فشهد أهل ذلك المسجد على وقف الكراست فهذه الشهادة نظير مسألة شهادة مدرسته على وقف تلك المدرسة أو شهادة أهل محلة على وقف تلك المحلة والمشايخ فصلوا الجواب فقالوا في شهادة أهل المدرسة: إن كانوا يأخذون الوظيفة من ذلك لا تقبل شهادتهما، وإن كانوا لا يأخذون تقبل وكذلك قالوا في أهل المحلة: من
стр. 2386
شهد وهو ممن يأخذ من ذلك لا تقبل شهادته؛ لأنه حينئذ تكون هذه شهادة جار معهم وكذلك الشهادة على وقف مكتب وللشاهد صبي في المكتب.
وقيل في هذه المسائل: يقبل الشهادة على كل حال؛ لأن كون الفقيه في المدرسة وكون الرجل في المحلة وكون الصبي في المكتب ليس بأمر لازم بل ينتقل الرجل من مدرسة إلى مدرسة ومن محلة إلى محلة، والصبي من مكتب إلى مكتب، وعن هذا قلنا: إذا شهدا أنه وقف على فقراء جيرانه وهما من فقراء جيرانه أو شهدا أنه وقف على فقراء هذا المسجد أو شهدا أنه وقفها على فقراء أهل السجن بالبصرة أو على فقراء أهل مصر كذا، وهما من ذلك تقبل شهادتهما، بخلاف ما إذا شهدا أنه وقف على فقراء القرابة وهما من فقراء القرابة حيث لا تقبل شهادتهما؛ لأن الجوار لا يدوم بل يتحول وينقطع، فإنما يستحق بالجوار وقت القسمة وذلك غير ثابت وقت الشهادة، فلم يكن شاهداً لنفسه فلا يمنع قبول الشهادة، فأما القرابة فإنها تدوم ولا تنقطع، فإنما يستحق بهذه القرابة ألا ترى أن فقراء القرابة، تعين يوم حدوث الغلة وفي فقراء الجيران، وهذه المسائل تعتبر وقت قسمة الغلة بجوار يثبت الاستحقاق في الجوار وقت القسمة، وذلك ليس بموجود للحال وسبب الاستحقاق في القرابة هو القرابة قبل القسمة وهو موجود في الحال.
أرض في يدي رجل يزعم أنها ملكه، فادعى قوم أن هذا الرجل وقف هذه الأرض علينا وقفاً صحيحاً وذو اليد منكر، فأقاموا بينة على ما ادعوا قبلت بينتهم وحكمت عليه بالوقف وأخرجتها من يده، وهذه المسألة تصريح أن الدعوى من الوقف عليه صحيح. وكذلك إذا ادعى رجل على رجل أنه وقف هذه الأرض على المساكين وهو يجحد ذلك، وأقام بينة على إقراره بذلك حكمت عليه بالوقف للمسلمين، وأخرجت الأرض من يده تقبل الشهادة على أهل الوقف بالشهرة وعلى الشرائط لا (تقبل) ، هو المختار ويقبل الشهادة على الشهادة في الوقف، وكذا شهادة النساء مع الرجل.
نوع منه: رجل جاء إلى قاضي بلدة (فقال:) إني كنت أميناً للقاضي الذي كان قبلك هنا وفي يدي صدقة كانت لرجل يقال له فلان بن فلان وقفها على قوم معلومين سماهم قبل قوله إذا لم يكن للواقف ورثة ولم يعلم من أمر هذه الصدقة غير ما أقر به هذا الرجل، وإن كان له ورثة، فقال: هو ميراث بيننا، وليس بوقف فالقول قولهم ويكون ميراثاً بينهم (٢٣أ٣) وإن قالت الورثة: هي وقف علينا وعلى نسلنا ومن بعد ذلك على المساكين، وقال الذي في يديه الضيعة: هي وقف على الفقراء والمساكين دونكم، فالقول قول الورثة، وقال الذي في يديه الضيعة: هي وقف على الفقراء ولم يقل وقفها فلان، وقال قوم: هو وقف علينا وعلى نسلنا وقفها أبونا، فالقاضي يقضي بالوقفية ولا ينظر إلى قول الورثة هذه الجملة (في) «أجناس الناطفي» الوقف الذي تقادم أمره ومات الشهود الذين يشهدون عليها تنازع فيها قوم، قال فريق: هي وقف علينا وقفها فلان يعني ذلك الرجل الذي ادعى الفريق الأول الوقف من جهته، فهذه المسألة على وجهين: أحدهما: إذا كان للواقف ورثة أحياء وفي هذا الوجه يرجع إلى الورثة؛ لأنهم قائمون مقام الواقف يرجع
стр. 2387
إليهم سواء كان لها رسوم في دواوين القضاة يعملون عليها أو لم يكن، فأي فريق عينه الورثة، فالقاضي يجعل الوقف له، وإن لم يكن للواقف ورثة أحياء فهذا على وجهين أيضاً: إن كان لهذه الأوقاف رسوم في دواوين القضاة يعملون، فإذا تنازع فيها أهلها، فإنها تجري على الرسوم الموجودة في دواوينهم؛ لأنهم دليل ظاهر وليس هنا دليل فوقه، وإن لم يكن في دواوين القضاة رسوم يعملون عليها، فالقاضي يجعلها موقوفة فمن أثبت في ذلك حقاً قضى له به؛ لأنه لا دليل هنا أصلاً في «واقعات الناطفي» فإن اصطلح الفريقان على الشجأ فيما بينهم، فالقاضي ينفذ ذلك ويقسم الغلة عليهم بينهم.
وإذا كان الأرض في يدي رجل وهو يقول: إنها كانت لفلان وقفها على كذا، وقالت الورثة: بل وقفها الميت علينا وعلى نسلنا ومن بعدنا على المساكين والذي قالت الورثة خلاف ما قاله الرجل، فإن القاضي يمضيه على ما أقر به الورثة إذا لم يجد القاضي في ديوان الحكم الذي قبله كتباً من الصك فيها رسوم الوقف، وإن لم يكن الوقف في يد الأمناء بل وجد أمران من في يده، فأما إذا كان الوقف في يد الأمناء ولها رسوم في ديوان من مثله، فإنه لا يقبل قول الورثة فيما ليس في أيدي (الأمناء) .
سئل شيخ الاسلام عن وقف مشهور اشتبهت مصارفه وقدر ما يصرف إلى مستحقيه، قال: ينظر إلى المعهود من حاله فيما سبق من الزمان أن قوّامها كيف يعملون فيه؟ وإلى من يصرفونه؟ وكم يعطون؟ فيبني ذلك (على الظاهر) ؛ لأن الظاهر أنهم كانوا يفعلون ذلك على موافقة شرط الواقف وهم الظنون بحال المسلمين فيعمل على ذلك.
في «فتاوى الفضلي» : وقف في يد صاحب الأوقاف فوجد في صك ذلك الوقف أن الفاضل من نفقته يصرف إلى فقراء أهل السكة الموجودين يوم الوقف، يضرب لكل واحد منهم بسهم ولسائر الفقراء بسهم وكل من مات منهم سقط سهمه وقسم بين الباقي منهم على ما وصفت، فإذا انقرض فقراء السكنة الموجودين يوم الوقف كان فقراء أهل السكنة ومن سواهم من فقراء المسلمين في ذلك سواء؛ لأن فقراء السكنة الموجودين يوم الوقف استحقوا بأعيانهم فصار للكل سهم واحد.
في وقف «الخصاف» : رجل وقف ضيعة له، فقال: قد جعلت ضيعتي المعروفة بكذا وهي مشهورة مستغنية لشهرتها عن تحديدها صدقة موقوفة على وجوه سماها وجعل آخرها للمساكين جاز، فإن ادعى الواقف أن فراخاً منها لم يدخل في هذا الوقف قال: إن كانت حدود هذه الضيعة مشهورة معروفة وكان هذا الفراخ داخلاً في حدودها فهو داخل في الوقف، وكذا إن كانت هذه الضيعة معروفة عند الصلحاء من جيرانها وكان الفراخ منسوباً إليها معروفاً أنه منها فهو داخل في الوقف، فإن لم يكن الأمر على ما بينا، فالقول قول الواقف ولا يكون هذا الفراخ داخلاً في الوقف وكان القياس أن يقبل قول الواقف فما أقربه كان وقفاً صحيحاً وما جحد كان مشكلاً كان القول فيه قول الواقف. وأما الدار
стр. 2388
يقفها الرجل ولها حجر، فقال الواقف: إن بعض الحجر لم يدخل في الوقف قال: ما كان من هذه مما يشتمل عليه حدود الدار، فهي داخلة في الوقف، والدار لا يشبه الضياع من قبل أن جيران الدار والملاصقين بها لا يكاد يشكل عليهم أمرها وحدودها، فإن كان أشكل ذلك على الجيران حتى لا يعرفوها، فالقول قول الواقف.d
ولأهل الوقف أن ينازعوه وأن يستحلفوه على ما أنكر من ذلك.
فإن لم يكن وقفها على قوم وإنما وقفه على وجوه البر من يكون الخصم فيه؟ قال: من نازعه في ذلك من المسلمين وقدمه إلى الحاكم ينظر، فإن كان المنازع في ذلك رجلاً من أهل الستر والصلاح تطوع بالقيام لذلك ليس ممن يشاكل الناس وما رأى الحاكم أن يجعله خصماً في ذلك فعل ما هو أصلح.
وقف في يد الواقف يصرف الأموال على القرابة ومواليه يفضل البعض على البعض ويضع فيمن شاء، ثم مات هذا الواقف، وأوصى إلى آخر ولم يبين كيف كان سبيل الواقف، فالثاني يصرف إلى من يصرف إليه الأول؛ لأن الظاهر أن الأول إلى من كان يصرف الزيادة عرف قراباته ومواليه يصرفه إلى الفقراء.
الفصل الحادي والعشرون: في المساجد وهو أنواع
نوع منه الإضافة إلى ما بعد الموت أو الوصية ليست بشرط لصيرورة المكان مسجداً صحة ولزوماً عند أبي حنيفة بخلاف سائر الأوقاف على مذهبه، وقول أبي حنيفة في المسجد في أنه لا يشترط الإضافة إلى ما بعد الموت أو الوصية كقولهما، وأما القبض والتسليم شرط لصيرورته مسجداً عند أبي حنيفة ومحمد وعند أبي يوسف ليس بشرط حتى إن عنده يصير مسجداً بمجرد البناء، وعندهما لا يصير مسجداً بمجرد البناء ما لم يوجد القبض والتسليم، وبالصلاة بجماعة يقع القبض والتسليم بلا خلاف حتى إنه إذا بنى مسجداً وأذن للناس بالصلاة فيه فصلى فيه جماعة، فإنه يصير مسجداً ويشترط مع ذلك أن تكون الصلاة بأذان وإقامة جهراً لا سراً حتى لو صلى جماعة بغير أذان وإقامة سراً لا جهراً لا يصير مسجداً عندهما ولا يقع القبض والتسليم بالصلاة وحده عند محمد، وعن أبي حنيفة روايتان في رواية الحسن لا يقع القبض والتسليم وفي رواية غيره يقع القبض والتسليم.
فإن جعل مؤذناً وإماماً وهو رجل واحد، فأذن وأقام وصلى وحده صار مسجداً بالاتفاق؛ لأن أداء صلاته كالجماعة، ألا ترى أن أصحابنا قالوا: مؤذن مسجد إذا أذن وأقام وصلى وحده ليس لمن يجيء بعد ذلك أن يصلي بالجماعة في ذلك المسجد.
في «فتاوي سمرقند» فإن كان هذا الرجل الذي جعل مسجداً صلى فيه بنفسه يصير مسجداً، ذكر هلال في «وقفه» ما يدل على أنه يصير مسجداً، فإنه قال: كان أبو حنيفة
стр. 2389
يقول: لا يكون مسجداً حتى يصلى فيه وقوله يصلى فيه على ما لم يسم فاعله، فهذا دليل على أن صلاته وحده وصلاة غيره فيه سواء.
وروى (٢٣ب٣) الحسن عن أبي حنيفة: أن يشترط صلاة غيره وبقبض المتولي هل يصير مسجداً من غير أن يصلى فيه؟ فقد اختلف المشايخ فيه ويكتفى بصلاة واحدة بالجماعة لصيرورته مسجداً ذكره في «الوقف» للحسن بن زياد. وفي «وقف هلال» البصري والخصاف قال أبو حنيفة: لا يكون مسجداً حتى يصلى فيه جماعة بإذنه.
قال في آخر صلاة «الإملاء» : رواية بشر بن الوليد قال أبو حنيفة: لا يصير مسجداً حتى يقول: صلوا فيه جماعة أبداً، ولو أمر القوم أن يصلوا فيه جماعة صلاة أو صلوات يوماً أو شهراً لا يكون مسجداً حتى يقول ما بيناه من القول.
وذكر الصدر الشهيد في «واقعاته» في باب العين من كتاب الهبة والصدقة رجل له أرض ساحة لا بناء فيها، أمر قوماً أن يصلوا فيها بجماعة، فهذا على ثلاثة أوجه: أما إن أمرهم بالصلاة فيها أبداً نصاً بأن قال: صلوا فيها أبداً أو أمرهم مطلقاً ونوي الأبد وفي هذين الوجهين صارت الساحة مسجداً لو مات لا يورث عنه، وأما إن وقت الأمر باليوم أو الشهر أو السنة وفي هذا الوجه لا تصير الساحة مسجداً لو مات تورث عنه.
في «فتاوي أبي الليث» : سئل الفقيه أبو جعفر عن وقف بجنب المسجد والوقف على المسجد، فأرادوا أن يرفدوا في المسجد من ذلك الوقف قال: يجوز وينبغي أن يفعل ذلك بإذن الحاكم؛ لأن الولاية للحاكم. وسئل أبو القاسم عن أهل مسجد أراد بعضهم أن يجعلوا المسجد رحبة أو الرحبة مسجداً أو نجد موالٍ له باباً أو يحولوا بابه عن موضعه، فأبى البعض ذلك، فإذا اجتمع أكثرهم وأفضلهم على ذلك، فليس للأقل منعهم عنه.
وفي قسمة «فتاوي أبي الليث» الطريق إذا كان واسعاً فبنى فيه أهل المحلة مسجداً للعامة ولا يضر ذلك بالطريق فلا بأس به؛ لأن الطريق لهم والمسجد لهم أيضاً، وإن أراد أهل المحلة أن يدخلوا أشياء من الطريق في دورهم نص في «العيون» أنه ليس لهم ذلك، وإن كان لا يضر ذلك بالطريق؛ لأن الطريق للمسلمين والدور لأربابها خاصة.
وإن أرادوا أن يجعلوا شيئاً من المسجد طريقاً للمسلمين، فقد قيل: ليس لهم ذلك وإنه صحيح. وفي كراهية «فتاوي أهل سمرقند» قوم بنوا مسجداً واحتاجوا إلى مكان ليتسع وبجنبه طريق المسلمين، فأخذوا شيئاً من الطريق وأدخلوه في المسجد إن كان لا يضر بأصحاب الطريق رجوت أن لا يكون به بأساً، ولو ضاق المسجد على الناس وبجنبه أرض لرجل تؤخذ أرضه بالقيمة كرهاً منه صح عن عمر وكثير من الصحابة وصفهم أنهم أخذوا أرضين بكره من أصحابها، وزادوا في المسجد الحرام حين ضاق بهم.
وفي «فتاوي النسفي» : سئل شيخ الإسلام أبو الحسن عن متولي مسجد جعل منزلاً موقوفاً على المسجد مسجداً وصلى فيه الناس سنين ثم ترك الصلاة فيه، فأعيد منزلاً مستعملاً ينفق عليه على ذلك المسجد كما كان، قال: يجوز، قيل: فهل صح جعل المتولي المنزل مسجداً؟ قال: لا.
стр. 2390
في «فتاوي أبي الليث» سلطان أذن لأقوام أن يجعلوا أرضاً من أرض الكورة في مسجدهم ويزيدوا فيه ويتخذوا حوانيت موقوفة على مسجدهم، قال الفقيه أبو بكر: إن كانت البلدة فتحت عنوة يجوز أمره إذا كان ذلك لا يضر بالمارة، وإن كانت فتحت صلحاً لم يجز أمره؛ لأنها إذا فتحت عنوة صارت ملكاً للغزاة، وللسلطان فيها تدبير، فإن له الخيار في الأراضي التي فتحت عنوة إن شاء قسمها بين الغانمين، وإن شاء من على أهلها برقابهم وأراضيهم، وإن شاء دفع البعض إلى الغانمين وترك البعض على أهلها، وإذا كان للسلطان تدبير فيها صح أمره فيها. أما الأرض التي فتحت صلحاً بقيت على ملك ملاكها ولا تدبير للإمام فيها، فلم يصح أمر الإمام فيه.
وفي «الجامع الصغير» رجل جعل داره مسجداً تحته سرادب وجعل باب المسجد إلى الطريق وعزله، فإنه لا يصير مسجداً حتى لو مات يورث عنه، وله أن يبيعه حال حياته؛ لأن المسجد لا يكون لله تعالى (إلا) خالصاً، وفي هذين الفصلين لا خلاص؛ لأن الأرض أو السطح من هذا المسجد لا يكون لله تعالى.
وفي «المنتقى» : اتخذ من داره مسجداً أشرعه وجعل على الظلل منه غرفة ومسكناً، فهذا ملك له وله أن يبيعه، وكذلك الصحن الذي عليه بناء ولا تحته مسكن يريد أنه كما لا يثبت لما تحت المسكن حكم المسجد لا يثبت للباقي، وهو الصحن حكم المسجد لما أشار إليه في «الكتاب» أن هذا مسجد واحد، وعن أبي يوسف أنه أجاز أن يكون الأسفل مسجداً والأعلى ملكاً؛ لأن الأسفل أصل عن محمد أنه حين دخل الري ورأى ضيق الأمكنة جوز ذلك.
وإن جعل وسط داره مسجداً وأذن للناس بالدخول فيه فله أن يبيعه، وإن مات يورث عنه. وفي «الأجناس» في «نوادر هشام» : قال سألت محمد بن الحسن عن نهر قرية كثير أهلها لا يحصى عددهم وهو نهر قناة أو نهر وادي لهم خاصة أراد قوم أن يعمروا بعض هذا النهر ويبنوا عليه مسجداً ولا يضر ذلك بالنهر ولا يعرض لهم أحد من أهل النهر، قال محمد ﵀: يسعهم أن يبنوا ذلك المسجد للعامة والمحلة. ولو كان مسجد في محلة ضاق على أهله ولا يسعهم أن يزيدوا فيه فسألهم بعض الجيران أن يجعلوا ذلك المسجد له ليدخل هو داره ويعطيهم مكانه عوضاً ما هو خير له فيتسع فيه أهل المحلة، قال محمد: لا يسعهم ذلك.
إذا أراد إنسان أن يتخذ تحت المسجد حوانيت غلة يلزمه المسجد أو فوقه ليس له ذلك.
في «الحاوي» وفي «المنتقى» : إذا بنى الرجل مسجداً وبنى فوقه غرفة وهو في يده فله ذلك، وإن كان حين بناه خلى بينه وبين الناس ثم جاء بعد ذلك بنى لا يترك.
في «الفتاوي» : سئل أبو القاسم عمن أراد أن يهدم مسجداً ويبنيه أحكم من بنائه الأول، قال: ليس له ذلك، تأويل هذه المسألة: إذا لم يكن هذا الرجل من أهل هذه المحلة، فقد ذكر في «الواقعات» عن أبي حنيفة ﵀: لأهل المسجد أن يهدموا المسجد ويجددوا بناءه ويضعوا الحباب ويعلقوا القناديل، ولو أصاب من قنديلهم رأس
стр. 2391
رجل لا ضمان عليهم، ولو علق أهل محلة أخرى ضمنوا، وهذا إذا أراد أهل المحلة أن يعلقوا ذلك من مال أنفسهم، فأما إذا أرادوا أن يعلقوا ذلك من الوقف ليس لهم ذلك إلا أن يأمر القاضي؛ لأن هذا تصرف بالوقف وليس لهم هذه الولاية.
نوع منه
إذا جعل أرضاً له مسجداً وشرط من ذلك شيئاً لنفسه لا يصح بالإجماع، فرق بين هذا وبينما إذا وقف أرضاً له على الفقراء وشرط بعض الغلة لنفسه، فإنه يصح، والفرق يخرج على ما ذكرنا في تلك المسألة يعرف ذلك بالتأمل إن شاء الله تعالى، ومعنى آخر للفرق: أن في الوقف يصير شارطاً لنفسه من ملك الغير؛ لأن الغير بالوقف يزول ملكه إلى الله تعالى؛ لأنه لا يشترط لنفسه شيئاً من العين إنما يشترط من الغلة والمنفعة، وإذا زال العين عن ملكه فالمنافع تحدث على ملك الله تعالى فصار شارطاً لنفسه من ملك الغير فيصح، وفي المسجد يصير شارطاً لنفسه بعض ملك نفسه فلا يصح.
وفي «وقف الخصاف» : إذا جعل أرضه مسجداً وبناه وأشهد أن له إبطاله وبيعه فهو شرط باطل ويكون مسجداً ولا يشبه الوقف، وأشار إلى الفرق فقال: ألا ترى لو بنى مسجداً لأهل محلة وقال: جعلت هذا المسجد لأهل هذه المحلة خاصة كان (٢٤أ٣) لغير أهل تلك المحلة أن يصلي فيه، وفي الوقف لا يرجع إلى غير من شرط له.
إذا جعل أرضه مسجداً فخرب ما حول المسجد من المحلة واستغنى أهل المحلة عن ذلك المسجد عاد إلى ملك صاحبه إن كان حياً وإلى ملك ورثته إن كان ميتاً عند محمد ﵀.
وفي «السير الكبير» : إذا خرب القرية التي فيها المسجد وجعلت مزارع وخرب المسجد فلا يصلي فيه أحد فلا بأس بأن يأخذه صاحبه ويبيعه ممن يجعله مزرعة أو يجعله مزرعة لنفسه، وهو قول محمد، وقال أبو يوسف: لا يعود إلى ملك الثاني إن كان حياً ولا إلى ورثته إن كان ميتاً وهو مسجد أبداً على حاله فمحمد يقول: إنه أزال ملكه بجهة وقد بطلت تلك الجهة لو بقيت الإزالة كانت الإزالة مطلقاً، وبهذا الطريق لو كفن ميتاً ثم افترسه السبع عاد الكفن إلى ملك صاحبه، وكذا إذا علق قنديلاً وبسط حصيراً أو بواري في المسجد ثم خرب المسجد واستغنى عنه عادت هذه الأشياء إلى ملك صاحبها، وأبو يوسف يقول: هو أزال ملكه بجهة ولكن لم يبطل تلك الجهة؛ لأن ما جعلها مسجداً ليصلي فيه أهل هذه المحلة لا غير، وإنما جعلها مسجداً ليصلي فيه العامة؛ لأن للعامة حق إقامة الصلاة في المساجد، والصحيح من مذهب أبي يوسف في فصل الحصير أنه لا يعود إلى ملك صاحبه بخراب المسجد بل يحول إلى آخر ويبيعه قيم المسجد للمسجد. وأما فصل الكفن قلنا: تكفين الميت ليس بإزالة للعين عن ملكه بل هو تبرع بالمنفعة لحاجة الميت، فكان بمنزلة العارية حالة الحياة وقد وقع الاستغناء للمستعير، فتعود المنفعة إلى المعير كما في حالة الحياة، وقال محمد في الفرس: إذا جعله الرجل حبيساً في سبيل الله، فصار لا يستطاع أن يركب أنه يباع ويصير ثمنه لصاحبه أو ورثته على حسب ما قال في المسجد.
стр. 2392
ذكر الصدر الشهيد ﵀ في «واقعاته» : أن من جعل جنازة وملأة ومغتسلاً الذي يقال بالفارسية: حوض مسين وقفاً في محلة، فمات أهلها كلها لا يرد إلى الورثة بل يحمل إلى مكان آخر، قال ﵀: فرق محمد ﵀ بين هذا وبين المسجد إذا خرب ما حوله أن يصير ميراثاً، وفي هذه الفصول نوع إشكال، وينبغي أن يعود إلى الوارث على قياس مسألة الحصير والبواري، وإن صح هذا من محمد تصير هذه المسائل رواية في الحصير والبواري أنه لا يعود إلى الوارث.
في «المنتقى» : في مسجد يريد أهل المحلة أن يحولوه إلى موضع آخر، فإن ترك هذا حتى لا يصلى فيه، فللناس أن ينتفعوا به ويجعلون المسجد في غير هذا الموضع بمنزلة الخراب، وتأويل هذا إذا لم يعرف للمسجد بانٍ على ما نبينه إن شاء الله، فأما إذا لم يترك كما وصفت لك، فإنه لا يبيعونه ولا يتخذونه مسكناً، وهذه المسألة على هذا التفصيل إنما تتأتى على قول محمد.
وفي «الأجناس» : إذا خرب المسجد ولا يعرف بانيه وبنى أهل المسجد مسجداً آخر ثم أجمعوا على بيعه واستعانوا بثمنه في ثمن المسجد الآخر فلا بأس به. قال أبو العباس الناطفي في «الأجناس» : فقياسه في وقف هذا المسجد أنه يجوز صرفه إلى عمارة مسجد آخر إذا لم يعرف الواقف ولا وارثه، فأما إذا عرف للمسجد بان فليس لأهل المسجد أن يبيعوه؛ لأنه لما خرب ووقع الاستغناء عنه عاد إلى ملك بانيه أو ورثته، فلا يكون لأهله أن يبيعوه وما ذكر من الجواب، أما لم يعرف بانيه قول محمد لا قول أبي يوسف هو مسجد أبداً، فلا يكون لأهل المسجد أن يبيعوه، وعن أبي سلمة السهمي، قال محمد: في مسجد إذا خرب فلا يعرف بانيه فحكمه حكم الأرض عامرة لا يعرف لها رب، فيكون أمرها إلى الإمام.
قال أبو العباس الناطفي في «الأجناس» : اختلفت الروايات في تولية بيع المسجد والأوقاف إذا خرب ذكر في «نوادر هشام» في باب الوصايا في الوقف إذا صار بحيث لا ينتفع به المساكين، فللقاضي أن يبيعه ويشتري بثمنه آخر، ولا يجوز بيعه إلا للقاضي في قول محمد.
وفي «جامع الكيساني» : إذا جعلت امرأة مصحفاً حبيساً في سبيل الله وتحرق المصحف وبقيت الفضة التي عليه دفع ذلك إلى القاضي حتى يبيعه ويشتري مصحفاً مستقبلاً، فيجعله حبيساً، ولو جعل فرساً حبيساً في سبيل الله فأصابه عيب لا يقدر على أن يغزو عليه لا بأس للوكيل أن يبيعه يريد به القيم ثم يشتري بثمنه فرساً آخر يغزو عليه، وبيع الوكيل جائز في ذلك بغير أمر القاضي، وهو بمنزلة المسجد إذا خربت القرية كان لصاحبه أن يأخذه ويبيعه.
فرع على مسألة المصحف
لو صار المصحف لا يعطي ثمنه مصحفاً يرد ذلك على الورثة، فاقتسموا على فرائض الله تعالى قال الكسائي: وهو قول أبي يوسف ومحمد. وفي وصايا «الإملاء»
стр. 2393
رواية بشر بن الوليد: إذا جعل أرضه صدقة موقوفة بما فيه من الرقيق والبقر والآلة فتغير عن حاله حتى لا ينتفع به في الصدقة ليس له بيعه إلا بأمر القاضي.
نوع منه في ذكر المسائل التي تعود إلى ما في المسجد في «المنتقى» وفي «الوصايا» لابن سماعة عن محمد رحمهما الله: رجل اشترى بواري المسجد لم يكن له أن يأخذها، ولو اشترى قناديل المسجد وحباباً فوضع في المسجد كان له أن يأخذ ذلك، فقد فرق على هذه الرواية بين البواري وبين القناديل والحباب.
ذكر في «المنتقى» أيضاً بعد هذه المسألة بمسائل إبراهيم عن محمد عن أبي حنيفة إذا أخرج الرجل البواري في المسجد فليس بميراث وهو قول محمد. وكذلك قال محمد في القناديل سوى في رواية ابراهيم بين القنديل وبواري المسجد إذا صارت حلقاً واستغنى أهل المسجد عنها وقد طرحها إنسان، فإن كان الذي طرحها حياً فهي له؛ لأنها لم تزل عن ملكه، هكذا ذكر الصدر الشهيد في «واقعاته» وهذا التعليل ليس بصحيح، فإن أحداً من العلماء لم يقل بأن البواري لا يزول عن ملكه، وإنما اختلفوا في عودها إلى ملكه عند وقوع الاستغناء عنها على ما مر قبل هذا، وإن كان الذي قد طرحها ميتاً ولم يدع وارثاً آخر جوابه لا بأس بأن يدفع أهل المسجد إلى فقير وينتفعوا بالثمن في شراء حصير آخر للمسجد. قال الصدر الشهيد: هكذا ذكر الفقيه أبو الليث في فتاويه، قال: والفتوى على أنه لا يجوز إذا فعلوا ذلك من غير أمر القاضي.
وفي «المنتقى» بواري المسجد: إذا خلقت فصار لا ينتفع بها، فأراد الذي بسطها أن يأخذها ويتصدق بها ويشتري مكانها فله ذلك، وإن كان هو غائبا، فأراد أهل المحلة أن يأخذوا بواري فيتصدقوا بها بعد ما خلقت لم يكن لهم ذلك إذا كان لها قيمة فلا بأس بها.
في «فتاوي أبي الليث» : سئل الفقيه أبو بكر عن حشيش المسجد يخرج عن المسجد أيام الربيع، قال: إن لم يكن له قيمة فلا بأس بطرحه خارج المسجد ولا بأس برفعه والانتفاع به، وفي كراهية «فتاوي أهل سمرقند» قال مثل ذلك، قال في «فتاوي أهل سمرقند» : حشيش المسجد إذا كان له قيمة، فلأهل المسجد أن يبيعوا، وإن رفعوا إلى الحاكم فهو أحب إلي، وكذا الجنازة والنعش إذا فسد فلأهل المسجد أن يبيعوهما، وإن رفعوا إلى الحاكم فهو أحب قال الصدر (٢٤ب٣) الشهيد ﵀: والمختار للفتوى أنهم لا يبيعون إلا بأمر الحاكم؛ لأن البيع يعتمد الولاية، ولا ولاية لهم.
في «فتاوي أبي الليث» ﵀: إذا رفع من حشيش المسجد وجعله قطعاً ... فهو ضامن له؛ لأن له قيمة حتى حكي عن الشيخ أبي حفص السنكردري: أنه أوصى في آخر عمره بخمسين درهماً لحشيش المسجد.
стр. 2394
في «فتاوي أبي الليث» : سئل أبو بكر عن سراج المسجد هل يجوز أن يتركه في المسجد؟ فاعلم بأن هنا ثلاث مسائل:
أحدها: إذا تركوها من وقت المغرب إلى وقت العشاء والحكم فيها أنه لابأس بها.
الثانية: إذا تركوها كل الليل وإنه لا يجوز إلا في موضع جرت العادة بذلك المسجد كبيت المقدس والحرم ومسجد رسول الله ﵇.
المسألة الثالثة: إذا تركوها بعض الليلة وإنه جائز إلى ثلث الليل؛ لأن لهم تأخير العشاء إلى ثلث الليل بل يستحب لهم ذلك، وإنما يسرج في المساجد لأداء الصلاة، ويجوز ترك السراج في المسجد إلى وقت أداء الصلاة إذا كان في الدهن متسع يقبل له الجواز أن يدرس في المسجد لضوء سراج المسجد فقال: إن وضعوا السراج لأجل الصلاة يجوز، وإن وضعوا لا لأجل الصلاة بأن فرغوا من الصلاة وذهبوا وتركوا السراج في المسجد، فإن تركوا إلى ثلث الليل جاز التدريس بضوئه فلا بأس يبطل هذا الحق بالتعجيل، وإن أخذوا أكثر من ثلث الليل لا يجوز التدريس بضوئه إذ ليس لهم تأخير الصلاة إلى هذا الوقت، فلو جاز التدريس بضوئه جاز مقصودا وإنه لا يجوز.
سئل أبو القاسم عن شراء الدهن أو الحصير للمسجد أيهما أفضل؟ قال: هما سواء، قال الفقيه (أبو) الليث: إن كان المسجد محتاجا إلى أحدهما فشراؤه أفضل، وإن كانا سواء في الحاجة إليهما كانا في ثواب الآخرة سواء أيضاً، وسئل نصير عن ديباج الكعبة إذا خلق قال: لا يجوز أخذه ولكن للسلطان أن يبيعه ويستعين به على أمر الكعبة.
نوع منه فى المسائل التي تعود إلى الوقف على المسجد وما يتصل به
سئل الفقيه أبو القاسم عمن أراد أن يقف أرضاً له على المسجد في عمارته وما يحتاج إليه من الدهن وغيره كيف يفعل حتى يكون آمناً عن البطلان، قال: يقول: وقفت أرضي التي في موضع كذا أحد حدودها كذا، والثاني والثالث والرابع كذا بحقوقها وقفاً مؤبداً في حياتي وبعد وفاتي على أن يستغل بوجوه غلاتها ويبدأ من غلاتها بما فيه من عمارتها، وأجر القوام عليها، ويدفع من غلاتها ما يحتاج إليه من الثواب فما فضل من ذلك يصرف إلى عمارة المسجد بموضع كذا ويصرف للمسجد ودهنه وحصيره وما فيه مصلحة المسجد على أن للقيم أن يتصرف على ما يرى فيه، وإذا استغنى هذا المسجد صرفت الغلة إلى فقراء المسلمين، وإن أراد أن يزيد في الاحتياط يرفع بعد ما سلم إلى المتولي حتى يخاصمه عند القاضي، فيقضي القاضي بجواز البيع ولزومه وبطلان رجوعه.
إذا وقف الرجل أرضاً له على المسجد ولم يجعل آخره للمساكين كان محمد بن سلمة ﵀ يقول: يجب أن يكون هذا الفصل على الاختلاف، وعند محمد: لا يصح؛ لأن عنده إذا خرب ما حول المسجد بطل المسجد وعاد ملكاً له أو ميراثاً لورثته، فلا يكون الوقف مؤبداً، وعلى قول أبي يوسف: يصح؛ لأن عنده المسجد لا يبطل بخراب ما حوله، فكان الوقف مؤبداً إن قلنا: إن التأبيد عنده شرط كيف وإن في اشتراط
стр. 2395
التأبيد على قوله اختلاف المشايخ على ما مر، وكان أبو بكر الإسكاف يقول: ينبغي أن لا يصح الوقف عندهم جميعاً، أما عند محمد لما ذكرنا، وأما عند أبي يوسف؛ فلأن الوقف على المسجد وقف على عمارته والمسجد اسم للبقعة لا تعلق له بالبناء والصلاة فيها ممكن بدون البناء، فلا يكون بناؤه قربة حقيقة فلا يصح الوقف، وكان أبو بكر بن سعيد يقول: ينبغي أن يصح الوقف بلا خلاف؛ لأن البناء إن لم يكن مسجداً حقيقة ولكن وصل بالمسجد يصير تبعاً له ويصير منه حكماً، ألا ترى أن البناء يستحق بالشفعة، وإذا كان كذلك صار بناء المسجد من طريق الحكم كجزء من المسجد، فيصير الوقف على عمارته بمنزلة جعل الأرض مسجداً أو بمنزلة زيادة في المسجد، فيكون فوقه مسجد وما يتوهم من الانقطاع بخراب ما حوله عند محمد لا يمنع صحة الوقف كما لا يمنع صحة جعل داره مسجداً، وكان الفقيه أبو جعفر يقول: هذا القول أحب إلي، وعلى هذا القياس فقهاء الأمصار، ولو كان الوقف على المساجد صح؛ لأن جنس هذه القربة لا ينقطع ما دام الإسلام باقياً.
وفي «الأجناس» وفي «جامع يزيد الطبري» : سمعت محمد بن الحسن يذكر عن أبي حنيفة، لو جعل أرضاً وقفاً على المسجد جاز. في «فتاوي أبي الليث» : سئل الفقيه أبو جعفر رحمهما الله عمن (قال) : جعلت حجري لدهن سراج المسجد، ولم يزد على هذا صارت الحجرة وقفاً على المسجد بما قال ليس له الرجوع ولا له أن يجعل لغيره، وهذا إذا سلمه للمتولي عند محمد وليس للمتولي أن يصرف عليها إلى غير الدهن؛ لأن الواقف وقفها على دهن المسجد.
وفيه أيضاً: لو قال: هذه الشجرة للمسجد لا يصير للمسجد حتى يسلم إلى قيم المسجد؛ لأن قوله: هذه الشجرة إن كان هبة لا يعمل إلا بالتسليم عند الكل، فإن كان وقفاً لا يعمل إلا بالتسليم عند محمد وعليه الفتوى.
في «الأجناس» وفي «صلاة الإملاء» : لو تصدق بدار على المسجد لا يجوز ويكون ميراثاً؛ لأن المسجد لا يتصدق عليه، وكذلك لو تصدق على طريق المسلمين، وذكر الصدر الشهيد ﵀ في باب الواو: إذا تصدق على المسجد وعلى طريق المسلمين تكلموا فيه، والمختار أنه يجوز كالوقف.
وفي «الأجناس» أيضاً: إذا وقف أرضه على قرية مسجد كذا وبمن يوارثه ورثته قناديل وقال: إن استغنى عنه المسجد كانت الغلة للمساكين حتى جاز بالإجماع، واجتمعت الغلة والمسجد لا يحتاج إلى مرمة للحال إلا أنهم (إن) خافوا تعطل الغلة وحاجة المسجد إلى المرمة، فلا بأس بأن يحبسوا ذلك إلى أن يحتاج إليه المسجد، قال: إلا أن يكون الغلة داره فيفرق ما يفضل من الغلة على المساكين، ولو انهدم هذا المسجد فاحتاج أهله أن يبنوه، وقد حصل من غلة هذا المسجد ما يكفي لبنائه، فإنه لا يصرف هذه الغلة إلى البناء؛ لأن الواقف جعل الوقف على مرمته نظر سطحه واجماع يدخل في وقفه وما أشبهه، أما ما جعل الوقف على البناء.
стр. 2396
وفي «نوادر هشام» إذا قال: أوصيت بثلث مالي للمسجد، قال أبو يوسف: هو باطل إلا أن يقول: ينفق على المسجد، وقال محمد: يجوز ويصرف إلى عمارته، كذلك إذا قال: لبيت المقدس جاز، وينفق على بيت المقدس في سراجه ونحوه، قال الشيخ الإمام أبو العباس الناطفي: فعلى قياس هذا في المسألة الأولى يجوز أن يصرف إلى دهن المسجد.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد إذا قال: أوصيت بثلث مالي بسراج المسجد لا يجوز، وحتى يقول يسرج بها في المسجد، وهو نظير ما لو أوصى بثلث ماله لدواب فلان لا يجوز. ولو أوصى لتعلفة دواب فلان يجوز.
وفي «مجموع النوازل» : سئل شيخ الإسلام أبو الحسن عن رجل قال: وقفت داري على مسجد كذا، ولم يزد على هذا وسلمها إلى المتولي صح، ولم يشترط التأبيد ولم يجعل آخره للفقراء، قال: وهذا يكون تمليكاً للمسجد وهبة، فيتم بالقبض (٥٢أ٣) وإثبات الملك للمسجد على هذا الوجه يصح، فإن المتولي إذا اشترى من غلة دار المسجد يصح، وكذا من أعطى دراهم في عمارة المسجد ونفقة المسجد أو مصالح المسجد يصح، وكذا إذا اشترى المتولي عبداً لخدمة المسجد يصح كل ذلك، فيصح هذا بطريق التمليك بالهبة، وإن كان لا يصح بطريق الوقف، قال: والمحفوظ من مشايخي وأستاذي أن المريض مرض الموت إذا قال: وقفت داري على مسجد كذا ولم يزد على هذا ولم يسلم الدار يصح ذلك ويكون وصية؛ والوصية بغير قبض يكون تمليكاً، فكذا هنا غير أن فرق ما بينهما أن الحاصل في مرض الموت وصية؛ والوصية تصح بغير تسليم والحاصل في حالة الصحة هبة فلا يتم إلا بالتسليم.
في «فتاوي أبي الليث» ﵀: سئل أبو القاسم عمن أوصى بشيء من ماله لعمارة المسجد، قال: عمارة المسجد في بنائة دون ترميمه، قيل له: المنارة، قال: ذلك من بناء المسجد، فيجوز أن تبنى به المنارة.
في هذا الكتاب أيضاً: سئل أبو بكر عن بناء المنارة من غلة المسجد قال: إن كان البناء مصلحة للمسجد * وتفسير المصلحة أن يكون أسمع للقوم * يجوز، وإن لم يكن في البناء مصلحة للمسجد * وتفسيره أن يكون المسجد في موضع يسمع جميع أهله الأذان من غير المنارة * لا يجوز. وسئل أبو بكر عمن وقف أرضاً له على عمارة المسجد، وشرط أن ما فضل من عمارته يصرف إلى الفقراء، فاجتمعت الغلة والمسجد غير محتاج إلى العمارة في الحال، قال: تحبس الغلة؛ لأنه ربما يحدث حدث بالمسجد والأرض يصير بحال وهكذا كان يقول الفقيه أبو جعفر، وقد ذكرنا هذه المسألة قبل هذه الصحفة، قال الفقيه أبو الليث: والصحيح عندي أنه إذا اجتمع من الغلة مقدار ما لو احتاج المسجد والأرض إلى العمارة يمكن العمارة منها، ويبقى زيادة شيء من الغلة يصرف الزيادة إلى الفقراء على ما شرط الواقف. وسئل أبو نصر (إن) كان الوقف على مرمة المسجد هل للقيم شراء السلم من ذلك إن بقي على السطح وتطيينه؟ وهل يعطي من غلته للذي يخرج السطح
стр. 2397
ويكنسه ويخرج ما اجتمع فيه من التراب، قال: للقيم أن يفعل ما في تركه خراب المسجد. وسئل أبو بكر عمن أوصى بثلث ماله لأعمال البر هل يجوز أن يسرج المسجد؟ قال: يجوز، قال: ولا يجوز أن يزاد على سراج المسجد سواء كان في شهر رمضان أو غيره؛ لأن فيه إسراف، قال: ولا يزين به المسجد، وسئل الفقيه أبو جعفر عن مسجد بابه على مهب الريح فيصيب المطر باب المسجد، فيضره ويبتل داخل المسجد وخارجه، ويشق على الناس الدخول في المسجد أيجوز أن يتخذوا من غلة المسجد ظلة؟ قال: إن لم يضر بأهل الطريق يجوز في «وقف الخصاف» .
نوع منه في المسائل التي تعود إلى قيم المسجد وما يتصل به في «فتاوي أبي الليث» : سئل الفقيه أبو القاسم عن قيم مسجد جعله القاضي قيماً على غلاتها وجعل له شيئاً معلوماً يأخذ كل سنة حل له الأخذ إن كان مقدار أجر مثله؛ لأن للقاضي أن يستأجر أجيراً بأجر مثله لذلك وإن لم يشترط الواقف.
ولو نصب خادماً للمسجد والباقي بحاله إن كان الواقف شرط ذلك في الوقف حل له الأخذ، وإن لم يكن شرط ذلك في الوقف لا يحل له؛ لأنه إذا لم يشترط الواقف ذلك لا يحل للقاضي نصب الخادم بالأجر فلا يحل للخادم القبض أيضاً هكذا ذكر، وفيه نظر يعرف بالتأمل إن شاء الله تعالى، وقد مر نصب الخادم في الخان الموقوف في الفصل السابع من هذا الكتاب.
في «فتاوي أبي الليث» أيضاً: مسجد له مستغلات وأوقاف، فأراد المتولي أن يفرش الآجر أو يشتري الحصير والدهن للمسجد أو ما أشبهه، أما فرش الأجر فله ذلك؛ لأنه من باب البناء، وأما شراء الدهن والحصير فلا، فحينئذ من ثلاثة أوجه: أما إن وسع الواقف ذلك على القيم بأن قال: يفعل القيم ما يرى من مصلحة المسجد وبنائه، وفي هذا الوجه له ذلك، وأما إن لم يوسع عليه وجعله لعمارة المسجد وبنائة وفي هذا الوجه ليس له ذلك، وأما إن لم يعرف شرط الواقف وفي هذا الوجه ينظر إلى من قبله إن كانوا يشترون منه الدهن والحصير والخشب له أن يفعل وما لا فلا، وقيل: ذكر المصلحة والعمارة وتركه سواء، ولا يتمكن المتولي من شراء الدهن والحصير.
وإذا أراد أن يصرف شيئاً من ذلك إلى إمام المسجد، فليس له ذلك إلا إذا كان الواقف شرط ذلك في الوقف على إمام المسجد يصرف إليها غلتها وقت الإدراك فأخذ الإمام الغلة وقت الإدراك عن تلك القرية هل يسترد منه بعض ما أخذ منه حصته ما بقي من السنة؟ قالوا: لا يسترد وهو نظير موت القاضي في خلال السنة وقد أخذ الرزق، وهل يحل للإمام أكل حصته ما بقي من السنة؟ إن كان فقيراً يحل وكذلك الحكم في طلبة العلم يعطون في كل سنة أشياء مقدراً من الغلة وقت الإدراك، فأخذ واحد منهم قسط وقت الإدراك وتحول عن تلك المدرسة.
قال هلال في «وقفه» في باب الرجل: يقف الأرض والدار على قوم معلومين وسقط شيء من بناء الدار؛ ولو أن بناء مسجد إنهار ولم يمكن إعادته بعينه إلى البناء فباع أهل
стр. 2398
المسجد البعض يجوز ويصرف ثمنه إلى عمارة المسجد لما ذكرنا، وقوله فباع أهل المسجد يحتمل أن يكون المراد منه باعه قيم المسجد إلا أنه أضيف بيعه إليهم؛ لأن القاضي ولاه ذلك باختيارهم، فصار فعل مختارهم كفعلهم، ويحتمل أن يكون المراد منه أهل الجماعة وهذا هو الظاهر.
وروي عن الفقيه أبي جعفر الهندواني ﵀ قال: إن كان أصحاب الخطة أحياء، فتدبير ذلك النقص إليهم؛ لأن تدبير المسجد إليهم؛ لأن الظاهر أن أصحاب الخطة يبنون المسجد بأموالهم فما بقي واحد منهم، فالتدبير في المسجد إليهم دون السكان، فإذا انقرضوا ولم يكن لهم ولد بالغ، فالتدبير إلى السكان، واعتبر هذه الفصول بالقسامة.
قيم المسجد إذا أراد أن يبني حوانيت في المسجد وفي فنائه لا يجوز، أما المسجد: فلأنه إذا جعل مسكناً يسقط حرمة المسجد، أما الفناء: فلأنه يتبع المسجد.
مسجد له أوقاف مختلفة لا بأس للقيم أن يخلط غلتها كلها، أو خرب حانوت منها فلا بأس بعمارته من غلة حانوت آخر؛ لأن الكل سواء، كان الواقف واحداً أو كان مختلفاً؛ لأن المعنى يجمعهما.
متول عليه مشرف ليس للمشرف أن يتصرف في الوقف؛ لأن المفوض إلى المشرف الحفظ لا غير. في «فتاوي أبي الليث» : أهل المسجد إذا باعوا غلة المسجد أو نزل المسجد أو أمروا رجلاً ببيعه أو باعوا بعض المسجد إذا استغنى المسجد عن ذلك، أو أمروا رجلاً بالبيع على وجهين: أما إن فعلوا بأمر القاضي أو لا بأمره ففي الوجه الأول يجوز؛ لأن للقاضي هذه الولاية، وفي الوجه الثاني ذكر هنا أنه يرجى أن يجوز، قال الصدر الشهيد: والفتوى على أنه لا يجوز؛ لأنه ليس لهم هذه الولاية.
في «فتاوي أبي الليث» : مسجد بجنبه نهر ماء، فانكسر حائط المسجد من ذلك الماء ينبغي لأهل المسجد أن يرفعوا الأمر إلى القاضي ليأمر القاضي أهل النهر بإصلاحه حتى إذا لم يصلحوا انهدم حائط المسجد ضمنوا قيمة ما انهدم؛ لأنهم صاروا متسببين للتلف بترك الإصلاح، وهذا التسبب نفذ لما كان (٢٥ب٣) بعد الإشهاد.
وذكر الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني في نفقاته عن مشايخ بلخ: أن المسجد إذا كان له أوقاف ولم يكن لها متولي، فقام واحد من أهل المحلة في جميع الأوقاف وأنفق على المسجد فيما يحتاج إليه من الحصير والحشيش وغير ذلك لا ضمان عليه فيما فعل استحساناً فيما بينه وبين الله تعالى، فأما إذا أخبر الحاكم بذلك وأمر به عنده ضمنه الحاكم الفاضل من وقف المسجد، وهل يصرف إلى الفقراء؟ قيل: لا يصرف وإنه صحيح ولكن يشتري به مستغلا للمسجد.
وفي «الفتاوي الأصغر» : متولي إذا أنفق على قناديل المسجد من وقف المسجد جاز، وقد ذكر قبل هذا بخلافه في الوقف في «الواقعات» للصدر الشهيد وقف صحيح على مصالح مسجد فمات فاجتمع أهل المسجد وجعلوا رجلاً متولياً بغير أمر القاضي، فقام
стр. 2399
هذا المتولي مدة ذلك وصرف من غلاته وأنفق على المسجد بالمعروف، فتكلم المشايخ في جواز هذه التولية، قال الصدر الشهيد: المختار أنه لا يجوز؛ لأنه ليس لهم هذه الولاية ولا يضمن هذا المتولي ما أنفق من مال نفسه؛ لأنه لما آجر الدار والدار وقف ولا ولاية له عليها صار بالإجارة غاصباً فتكون الأجرة له. متولي المسجد إذا اشترى بمال المسجد حانوتاً أو داراً ثم باعها جاز إذا كان له ولاية الشراء، وهذه المسألة بناء على مسألة أخرى أن متولي المسجد إذا اشترى من غلة المسجد داراً أو حانوتاً فهذه الدار وهذه الحانوت يلتحق بالحوانيت الموقوفة على المسجد؛ ومعناه أنه هل يصير وقفاً؟.
اختلف المشايخ فيه قال الصدر الشهيد: المختار (أن) يلتحق ولكن يصير مستغلاً للمسجد، وهذا لأن صحة الوقف والشرائط التي يتعلق بها لزوم الوقف لا يجوز فسخه ولا بيعه، ولم يوجد شيء من ذلك هنا فلم يصر وقفاً فيجوز بيعه.
في «فتاوي الفضلي:» المتولي إذا اشترى منزلاً من الدراهم التي اجتمعت من أوقاف المسجد للمسجد ودفع المنزل إلى المؤذن ليسكن فيه يكره للمؤذن السكنى إذا علم بذلك؛ لأن المنزل صار من مستغلات المسجد، وفي نسخة أخرى إن لم يضف الشراء إلى الدراهم يحل ولا يكره، في «مجموع النوازل:» سئل شيخ الإسلام عن أهل مسجد اتفقوا على نصب رجل متولياً لمصالح مسجدهم فتولي ذلك باتفاقهم هل يصير متولياً مطلق التصرف في مال المسجد على حسب ما لو قلده القاضي؟ قال: نعم قال: ومشايخنا المتقدمون يجيبون عن هذه المسالة ويقولون: نعم الأفضل أن يكون ذلك بإذن القاضي، ثم اتفق مشايخنا المتأخرون وأستاذنا أن الأفضل أن ينصبوه متولياً ولا يعلموا به القاضي في زماننا، لما عرف من تجميع القضاة في أموال الوقف.
سئل القاضي الإمام شمس الإسلام محمود الأوزجندي عن أهل مسجد تصرفوا في أوقاف المسجد، يعني أجروا المستغل وله متولي قال: لا يصح تصرفهم ولكن الحاكم يمضي ما فيه مصلحة المسجد. قيل: هل يفترق الحال بين أن يكون المتصرف واحداً أو اثنين؟ قال: لا بعد أن يكون التصرف من الأماثل رئيس المحلة ومتصرفها.
في «فتاوي أبي الليث» : رجل بنى مسجداً في السكة فنازعه في عمارته أو في نصيب الإمام أو المؤذن، ففي العمارة الثاني أولى؛ لأن العمارة من البناء وهو الثاني وفي نصيب الإمام والمؤذن تكلموا، قال الصدر الشهيد: المختار أن الثاني أولى إلا إذا كان القوم يريدون من هو أصلح فمن يريد الثاني فحينئذ هم أولى، وفي آخر كتاب كراهية إملاء أبي يوسف في رجل بنى مسجداً أو جعل له مؤذناً هو فيه وكرهه أهل المسجد وقالوا: يجعل مؤذن غيرك فليس ذلك لهم، إنما الأمر في ذلك إلى الذي بناه قبل إن كان فاسقاً، وكذلك إن أقام لهم إماماً.
في «فتاوي النسفي» : استأجر أرضاً موقوفة على مصالح مسجد من متوليه سنة بكذا، ثم دفعها إلى آخر مزارعة بالنصف ففعل، ثم إن أهل المحلة زعموا أن الآجر لم يكن متولياً قال: يثبت المستأجر بالبينة كون الآجر متولياً، فإن لم يجد فالغلة تكون
стр. 2400
للمستأجر وعليه أجر المثل للمسجد. وفيه أيضاً: متولي المسجد استصنع محراب المسجد إلى البحار في حسب معلوم وعمل وصناعة معلومة، قال: لا يصح؛ لأنه لا تعارف في هذا الاستصناع، وكذا في الأبواب والسلاليم والسور، والوجه فيه: أن يوصف له فيعمل ما إذا.... منه بما أنفقوا عليه فيصح.
وفيه أيضاً: عن أهل محلة باعوا وقف المسجد لأجل عمارة المسجد قال: لا يجوز بأمر القاضي وغيره قيل: إن كان أهل المسجد اشتروا عقاراً بغلات المسجد للمسجد هل لهم بيعه لعمارة المسجد؟ قال: فيه اختلاف المشايخ؛ لأنه لا ولاية لأهل المحلة في شراء العقار للمسجد فلم يصح شراؤهم أصلاً فلا يصح بيعهم بخلاف مسألة المتولي.
الفصل الثاني والعشرون: في المسائل التي تعود إلى الرباطات والمقابر والخانات والحياض والطرق والسقايات
قال محمد ﵀: إذا جعل أرضه مقبرة للمسلمين جاز وليس له أن يرجع فيها بعد تمامها أن يقبر فيها إنسان واحد بإذنه أو أكثر من ذلك، وهل يتم بالتسليم إلى المتولي؟ فلا رواية عن أصحابنا ﵏، وقد اختلف المشايخ فيه، وكذلك إذا جعلها خانا للمار من المسلمين وخلي بينهم وبينها، فإذا نزلها بإذنه رجل واحد أو أكثر فلا سبيل له بعد ذلك عليها، وإن مات لم يكن شيء من ذلك ميراثاً، وإذا سلمها إلى المتولي يتم القبض، ذكره محمد ﵀ في «الأصل» فعلى قول من قال في مسألة المقبرة أن القبض لا يتم بالتسليم إلى المتولي يحتاج إلى الفرق بين المقبرة والخان.
والفرق: أن المقبرة لا يكون لها متولي في العادة فلا يعتبر قبضه بخلاف الخان، وكذلك السقاية يجعلها في أرضه فيسقون ويشربون ويتوضؤن، فشرب منها إنسان أو سلمها إلى المتولي فليس له أن يرجع بعد ذلك عنه، وكذلك الحوض والبئر يجعله في أرضه قال: ولا بأس بأن يشرب منه ويسقي دابته وبقره ويتوضأ منه، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: إنما أجاب عن حياضهم وبئرهم، أما السقاية التي تكون في بلادنا إذا جعلها للشرب فأراد إنسان أن يتوضأ بها اختلف المشايخ فيه وأجمعوا أنه إذا وقف للوضوء أنه لا يجوز الشرب منه، وكذلك إذا جعل داره سكنى للمساكين ودفعها إلي والي يقوم بذلك فليس له أن يرجع فيها، وكذلك الرجل يكون له الدار بمكة فجعلها سكنى للحاج والمعتمرين ودفعها إلى والٍ يقوم عليها ويسكن فيها من رأى ليس له أن يرجع فيها، وكذلك إذا جعل داره في ثغر سكنى للغزاة والمرابطين ودفعها إلى والٍ يقوم عليها فليس له أن يرجع فيها، وإن مات لم يكن ميراثاً عنه، وإن لم يسكنها أحد. والحاصل:
стр. 2401
أن التسليم على قول من يشترط التسليم وهو محمد يكون بأحد طريقتين: إما بإثبات اليد للقيم عليها أو بحصول المقصود وذلك بالسكنى في مسألة الدار، وبالنزول في مسألة الخان، وبالدفن في مسألة المقبرة وما أشبهه ذلك.
وعند أبي يوسف: التسليم ليس بشرط فلا يشترط إثبات يد القيم في هذه المسائل ولا حصول المقصود بالدفن أو النزول أو الشرب، ويكتفي بالإشهاد على ذلك، وقال أبو حنيفة ﵀: وجميع ما ذكرنا فيه يبطل ما صنع فيه، قال محمد عقيب ذكر هذه المسائل: فأما السكنى فلا بأس بأن يسكنها الغني والفقير، يريد به: إذا جعل داره سكنى للغزاة أو سكنى للحاج والمعتمرين يجوز في الغزاة، وللحاج أن يسكنها كما يجوز للفقير، كذلك نزول الخان والدفن في المقبرة يستوي فيه الغني والفقير، فأما غلة الدار والأرض إذا حصلت للعزاة فلا يعجبني أن يأخذ منهما إلا من هو محتاج (٢٦أ٣) علل فقال: لأن الغلة مال يملك والتقرب إلى الله تعالى بتمليك المال يكون من المحتاج خاصة دون الغني بخلاف السكنى، وحقيقة الفقه في العرف: أن الغني مستغني عن مال الصدقة بمال نفسه غير مستغني عن النزول في الخان والسكنى في الدار والدفن في المقبرة بماله، ولا يمكنه أن يتخذ ذلك في كل منزل وربما لا يجد ما استأجره، ولأجل المعني سوينا بين الفقير والغني في ماء السقاية والحوض والبئر. قال الخصاف في «وقفه» : إذا جعل الرجل داره سكنى للغزاة فسكن بعض الغزاة بعض الدار والبعض فارغ لا يسكنها أحد ينبغي للقيم بأمر هذا الوقف أن يكون من هذه الدار ما لا يحتاج إلى سكناه ويجعل أجر ذلك في عمارة هذه الدار، فما فضل بعد ذلك فرقه على الفقراء والمساكين.
وفي «النوادر» : إذا بنى خاناً واحتاج إلى المرمة، روي عن محمد: أنه يعزل منها ناحية بيتاً أو بيتين فيؤاجر وينفق من غلتها عليها، روي عن محمد رواية أخرى: أنه يؤذن للناس بالنزول سنة ويؤاجر سنة أخرى ويرم من أجره، وهكذا إذا جعل فرسه حبساً فإن كان ترك عليه مجاهد يركبه وينفق عليه، وإن لم يركبه أحد يؤاجر وينفق عليه من أجرته؛ قال الشيخ الإمام أبو العباس الناطفي: قياسه في المسجد أن يجوز إجارة سطحه لمرمته.
قال الخصاف في «وقفه» : إذا جعل داره بمكة لسكنى الحاج فليس للمجاورين أن يسكنوها، وإذا مضى أيام الموسم أكريت وينفق عليها في مرمتها، وما فضل بعد ذلك فرق على المساكين والفقراء. وفي «المنتقى» : إذا جعل فرسه حبساً يحبس في الرباط ويغزي عليه، فإذا استغنى عنه يؤاجره الإمام بقدر علفه، فإن لم يوجد من يستأجره يبيعه الإمام ويوقف ثمنه حتى إذا احتيج إلى ظهر يشتري بثمنه فرساً ويغزو عليه.
في «فتاوي أبي الليث» : رجل بنى رباطاً للمسلمين على أن يكون في يده مادام حياً فليس لأحد أن يخرجه من يده مالم يظهر منه أمر يستوجب الإخراج من يده كشرب الخمر أو ما أشبه ذلك من الفسوق الذي ليس فيه رضا الله تعالى؛ لأن شروط الواقف يجب اعتبارها ولا يجوز تركها إلا لضرورة، وفيه أيضاً: رباط المختلعة إذا كان فيها سكان فانهدم الرباط فبني أراد الساكنون الذين كانوا فيها أن يسكنوها، وأراد غيرهم ذلك
стр. 2402
فهذا على وجهين:
أما إن انهدم بعضها وفي هذا الوجه الذين كانوا فيها أحق من غيرهم؛ لأن سكناهم باقي، وكذلك إذا لم ينهدم أصلاً كان زيد فيه أو نقص عنه فالذين كانوا فيها أحق من غيرهم لما ذكرنا، وأما إن انهدم كلها وفي هذا الوجه الذين كانوا فيها وغيرهم في السكنى على السواء، لان سكناهم قد بطل وهذا ابتداء السكنى.
وفيه أيضاً: رجل جعل قطعة أرضه مقبرة ودفنوا فيها، ثم أن رجلاً من أهل تلك القرية بنى فيها بناء لوضع اللبن وأدّاه الغير واحتبس فيه رجلاً يحفظ المتاع بغير رضا الباقين من أهل القرية فهذا على وجهين: إن كان في أرض المقبرة سعة لا يحتاج إلى ذلك المكان اليوم لا بأس به، وإن لم يكن في أرض المقبرة سعة واحتاجوا إلى ذلك المكان اليوم يرفع البناء ويدفن، فيه أيضاً: رجل أوصى بأن يخرج ثلث ماله فيعطي ربع الثلث لفلان وثلاثة أرباعه لأقربائه وللفقراء ثم قالوا: لا يتركوا حظ الرباطيين وهم فقراء يسكنون في رباط بعينه، فهذا على وجهين:
f
إن كان قرابته؛ يجعل كل واحد منهم جزؤاً ويجعل الفقراء جزؤاً ويجعل للرباطيين جزؤاً حتى لو كان قرابته عشرة أسهم للقرابة وسهم للرباطيين؛ لأن القرابة إذا كانوا يحصون كانت الوصية لهم بأعيانهم، وإن كانت قرابته لا يحصون جعل ثلاثة الأرباع على ثلاثة أسهم؛ سهم للقرابة، وسهم للفقراء، وسهم للرباطيين؛ لأن القرابة إذا كانوا لا يحصون كانوا بمنزلة الفقراء.
قال هلال في وقفه: إذا اشترى الرجل موضعاً وجعله طريقاً للمسلمين وأشهد عليه فإنه يصح ويشترط لتمامه مرور واحد من المسلمين على قول من يشترط التسليم في الأوقاف، وعلى قول أبي حنيفة: لا يصح ويكون له حق الرجوع، وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنه لا رجوع في المقبرة في الموضع الذي دفن؛ لأنه يؤدي إلى نبش الميت، وأنه صحيح وله الرجوع فيما بقي.
وحكي عن الحاكم الملقب بالمهرون إن قال وحدث في «النوادر» عن أبي حنيفة ﵀: أنه أجازوا وقف المقبرة والطريق، فهذه الرواية استفيدت من جهته، قال هلال: وكذلك القنطرة ينظرون فيها، لا يكون بناؤها ميراثاً للورثة وصار وقفاً، فقد خص بناء القنطرة الميراث فيها، وهذا يدل على أن موضع بناء القنطرة لم يكن ملكاً للثاني وهذا هو الظاهر، فإن الإنسان إنما يحتسب بناء القنطرة على نهر العامة، فتدل هذه الرواية على جواز وقف البناء دون أصل البقعة وقد ذكرنا الكلام فيه فيما تقدم، مقبرة كانت للمشركين أرادوا أن يجعلوها مقبرة للمسلمين فهذا على وجهين:
إن كانت آثارهم فقد اندرست فلا بأس بذلك، وإن بقي آثارهم بأن بقي شيء من عظامهم فإنه ينبش ويقبر ثم يجعل مقبرة للمسلمين، ألا ترى أن موضع مسجد رسول الله ﵇ كان مقبرة للمشركين فتبقى والحد مسجداً. رجل له دار أراد أن يجعلها رباطاً للمسليمن ويبيعها ويتصدق بثمنها أو يبيعها عبداً فيعتقه أيُّ ذلك أفضل؟ حكي عن عليّ بن أحمد ﵀: إن جعلها رباطاً أفضل؛ لأن منفعة الرباط أدوم. قال الفقيه أبو الليث ﵀: إن جعلها رباطاً وجعل لها وقفاً لعمارتها فجعلها رباطاً أفضل، وإن لم يجعل
стр. 2403
لعمارتها وقفاً فالأفضل أن يبيعها ويتصدق بثمنها؛ لأنه إذا لم يكن للرباط وقف يخرب ويصير مأمناً للسراق وفي ذلك ضرر بالمسلمين، فيبيعها ويتصدق بثمنها، ودون ذلك في الفضل أن يشتري بثمنها عبداً فيعتقه.
الميت بعد ما دفن لا يخرج من غير عذر، ألا ترى أن كثيراً من الصحابة دفنوا في أرض الحرب ولم يحولوا؛ لأنه لا عذر (في) إخراجه بعذر، والعذر يظهر أن الأرض مغصوبة أو أخذها الشفيع بالشفعة. رباط كبرت دوابه وغلت مؤنتها هل للقيم أن يبيع شيئاً منها وينفق ثمنها في علفها أو مرمة الرباط؟ فهذا على وجهين: إن بلغ سن البعض إلى حد لا يصلح لما ربطت له فله ذلك وما لا فلا، ولكن تمسك في هذا الرباط مقدار ما يحتاج إليها، وربط مازاد على ذلك في أدنى رباط إلى هذا الرباط.
سئل القاضي الإمام شمس الإسلام محمود الأوزجندي عن مسجد لم يبق له قوم وخرب ما حوله واستغنى الناس عنه هل يجوز جعله مقبرة؟ قال: لا، وسئل هو أيضاً عن المقبرة في القرى إذا اندرست ولم يبقَ منها أثر الموتى لا العظم ولا غيره هل يجوز زراعتها واستغلالها؟ قال: لا ولهما حكم المقبرة، وسئل هو أيضاً عن رجل وقف أرضاً على المقبرة أو على صوفي خانة بشرائطه هل يصح؟ قال: لا.
في «فتاوي أبي الليث» ﵀: امرأة جعلت قطعة أرض لها مقبرة وأخرجتها من يدها ودفن فيها ابنها وتلك القطعة لا تصلح للمقبرة لغلبة الماء عندها فيصيبها فساد فأرادات بيعها، فإن كانت الأرض بحال لا يرغب الناس في دفن الموتى فيها لقلة الفساد ليس لها البيع؛ لأنها صارت مقبرة، وإن كان يرغب الناس عن دفن الموتى فيها لكثرة الفساد فلها البيع؛ لأنها لم تصر مقبرة (٢٦ب٣) فإذا باعتها للمشتري أن يأمرها برفع ابنها عنها؛ لأنها صارت ملكاً للمشتري.
فيه أيضاً: حفر قبراً في مقبرة وقفاً، فأراد آخر أن يدفن فيها ميتة فإن كان في المكان سعة لا يدفن؛ لأنه يوحش صاحبه الذي حفر، وإن لم يكن فيه سعة يدفن، ونظير هذا من بسطة المصلي في المسجد أو نزل في الرباط فجاء آخر، فإن كان في المكان سعة لا يزاحم الأول، وإن لم يكن فيه سعة يزاحمه، ثم إذا كان في المكان سعة ومع هذا دفن فيه غير الحافر لا يكره، هكذا قال الفقيه أبو الليث قال: لأن الذي حفر لا يدري بأي أرض يموت، في آخر غصب «فتاوي أهل سمرقند» : حفر قبراً فدفن فيه غيره ميته؛ لا ينبش القبر لكن يجب قيمة حفره حتى يحفر آخر فيدفن فيه ولم يزد به؛ لأن الحفر كان في ملك الحافر؛ لأن في هذه الصورة ينبش القبر يصوغ ملك المالك، وإنما أراد به أن الحفر كان في غير ملكه بأن كان في أرض مباح أو في مقبرة يجيء ذكره في آخر كراهية «واقعات الناطفي» فقال: إذا حفر قبراً في غير ملكه ليدفن فيه ميتاً له، فدفن غيره ميته لا ينبش القبر ولكن ضمن قيمة حفره وكان فيه رعاية الحفر.
وإن دفن الميت في أرض غيره بغير إذن المالك فالمالك بالخيار إن شاء أمر بالإخراج وإن شاء سوى الأرض وزرع فوقها؛ لأن الأرض ملكه ظاهرها وباطنها، فكان
стр. 2404
له أن يستخلص الظاهر والباطن وله أن يترك الباطن وينتفع بالظاهر، في «فتاوي أبي الليث» مواضع موات على شط جيحون عمرها أقوام واستولوا؛ كان للسلطان أن يأخذ العشر من غلاتها، وهذا الجواب مستقيم على قول محمد؛ لأن ماء الجيحون عنده عشري والمؤنة تدور مع الماء، فلو أباح السلطان من ذلك للرباط شيئاً فأراد المتولي أن يصرف من ذلك إلى مؤذن الرباط فله ذلك وإن كان المؤذن فقيراً لا يحل صرفه إلى الرباط، فإن صرف العشر للفقراء وإن أرادوا الحيلة في ذلك أن يصرف إلى الفقراء ثم الفقراء يصرفون إلى الرباط، وكذلك من عليه الزكاة إلى بناء المسجد أو القنطرة لا يجوز وإن أرادوا الحيلة فالحيلة أن يتصدق المتولي على الفقراء ثم الفقير يدفعه إلى المتولي يصرف ذلك.
رباط فيه ثمار فإن كان ثماراً لا قيمة لها نحو الثوب وما شاكل ذلك فلا بأس للنازلين أن يتناولوا منها، وإن كانت ثمار لها قيمة فالاحتراز عن ذلك أحوط لدينه؛ لأنه يحتمل أنه جعل ذلك وقفاً للفقراء دون النازلين فيها، وهذا إذا لم يعلم أنه وقف على الفقراء، أما إذا علم ذلك لا يحل لغير الفقير أن يتناولوا منها. في «فتاوي أبي الليث» : رجل دفع إلى خادم دار عمران * وهي دار يسكنها الفقراء * درهماً وأمره أن يشتري بها خبزاً ولحماً وينفق على المقيمين فيها، فلم يحتج الخادم ذلك اليوم إلى الخبز واللحم وقد كان اشترى قبل ذلك الخبز واللحم بالنسيئة، فقضى ذلك الذي بيده الدراهم ضمن لأنه خالف أمره.
الفصل الثالث والعشرون: في المسائل التي تعود إلى الأشجار التي في المقابر وفي أرض الوقف وغير ذلك
في «فتاوي أبي الليث» : مقبرة فيها أشجار فهذه المسألة على وجهين: أحدهما: أن تكون الأشجار نابتة قبل اتخاذ الأرض مقبرة، وأنه على وجهين أيضاً: إن كانت الأرض مملوكة لها مالك فالاشجار بأصلها على ملك رب الأرض يصنع بالأشجار وأصلها ما شاء؛ لأن موضع الأشجار من الأرض لم يصر مقبرة؛ لأنه مشغول بملك صاحب الشجر، وإن كانت الأرض مواتاً لا مالك لها واتخذها أهل القرية مقبرة؛ فالأشجار بأصلها على حالها القديم.
الوجه الثاني: إذا نبتت الأشجار بعد اتخاذ الأرض مقبرة وإنه على وجهين أيضاً: إن علم لها غارس فهي للغارس لأنها ملك، وإن لم يعلم لها غارس فالحكم في ذلك إلى القاضي إن رأى بيعها وصرف ثمنها إلى عمارة المقبرة فله ذلك؛ لأنه إذا لم يعلم لها غارس كانت في حكم الوقف، ألا ترى أن الشجرة إذا نبتت في ملك إنسان ولا يعرف لها غارس كانت الشجرة لصاحب الملك فكذا.
فيه أيضاً: إذا غرس شجراً في المسجد فاعلم بأن هذا الجنس أربع مسائل:
стр. 2405
إحداها هذه، والحكم فيها أن الشجر للمسجد فإنه بمنزلة البناء للمسجد.
المسألة الثانية: إذا غرس شجراً في أرض موقوفةٍ على الرباط، والحكم فيها: أن الغارس إن ولي تعاهد هذه الأرض الموقوفة على الرباط فالشجرة للوقف؛ لأن هذا من جملة التعاهد فيكون غارساً للوقف ظاهراً، وإن لم يلها هذه الأرض فالشجرة له وله رفعها.
المسألة الثالثة: إذا غرس شجراً في طريق العامة، والحكم فيها: أن الشجرة للغارس؛ لأنه ليس له ولاية جعل للعامة.
المسألة الرابعة: إذا غرس شجراً على شط نهر العامة أو على شط حوض القرية، فالحكم فيها كالحكم في المسألة الثالثة، فيه أيضاً: رجل جعل أرضه مقبرة وفيها أشجار، فأراد ورثته أن يعطوا الأشجار فلهم ذلك؛ لأن موضع الأشجار لم يصر وقفاً؛ لأنه مشغول، وكذلك لو جعل داره مقبرة فموضع البناء لا يدخل فيه؛ لأنه مشغول في «فتاوي أهل سمرقند» : أوقف شجراً على حوض قرية ثم قطعها بعد ذلك فنبت من عروقها أشجار فهي للغارس؛ لأنها نبتت في ملكه.
في نوع «فتاوي أبي الليث» : أشجار على حافتي نهر في الشارع اختصم فيها السارية ورجل يجري هذه النهر مقابل داره ولم يعرف الغارس، فإن كان الموضع الذي ينبت فيه الأشجار ملك السارية فالأشجار لهم لأنها تنبت في ملكهم، وإن لم يكن ذلك الموضع ملك السارية وإنما هو للعامة، والسارية في سبيل الماء؛ إن لم يعلم أن صاحب الدار اشترى الدار بعد غرس الأشجار فالأشجار لصاحب الدار؛ لأن الأشجار في حجره، وإن علم أن صاحب الدار اشترى الدار بعد غرس الأشجار لا يكون له؛ لأنه إنما صارت في حجره بعد ما نبتت.
قال الصدر الشهيد في «واقعاته» : يجب أن تكون الأشجار في حجره، رجل وقف شجرة بأصلها، صح سواء كانت الشجرة منتفعة بثمارها أو بأوراقها أو كانت منتفعة بذاتها؛ لأنه وقفها مع الأرض، فبعد ذلك ينظر إن كانت منتفعة بثمارها وأوراقها لا يقطع أصلها إلا إذا فسدت أغصانها، وإن كانت منتفعة بذاتها يقطع أصلها ويتصدق بثمنها؛ لأن طريق الانتفاع بها في هذه الصورة هذا.
إذا وقف شجرة بأصلها على مسجد فيبست أو يبس بعضها فيقطع اليابس ويترك الباقي؛ لأن اليابس لا ينتفع به إلا بالقطع بخلاف غير اليابس. أراض موقوفة على الفقراء استأجرها رجل من المتولي وطرح فيها السرقين وغرس الأشجار، ثم مات المستأجر فالأشجار ميراث للورثة؛ لأنها ملك المورث يؤمرون بقلعها؛ لأن الإجارة قد انفسخت بموت المستأجر، فلو أراد الورثة أن يرجعوا في الوقف بما زاد السرقين في الأراضي ليس لهم ذلك، رجل غرس أشجاراً في الشارع ثم مات الغارس وترك ابنين فجعل أحدهما حصته للمسجد لا يكون للمسجد؛ لأن حصته شائعة في المنقول، رجل ميز أشجاراً له في ضيعة وقال لإمراته في صحته: أما إذا مت فبيعي هذه الأشجار واصرفي
стр. 2406
ثمنها في كفني وثمن الحر للفقراء، وثمن الدهن لسراج المسجد الذي في كذا، ثم مات وترك امرأته هذه وورثة كبارا فاشترى (٢٧أ٣) الورثة الكفن من الميراث وجهزوه، تباع الأشجار ويحط من ثمن الأشجار مقدار الكفن، يعني يدفع من الثمن هذا المقدار وتصرف المرأة الباقي إلى الحر ودهن السراج؛ لأن الزوج أمرها بصرف الثمن في ثلاثة أشياء فيجب قسمته على هذه الأشياء الثلاثة.
رجل وقف ضيعة له على بناته وأولادهن أبداً ما تناسلوا وآجر ذلك للفقراء ثم غرس الواقف فيها شجراً، فإن غرس من غلة الوقف فالشجر للواقف، وإن غرس من مال نفسه فإن قال عند الغرس: إنه للوقف فهو للوقف، وإن لم يذكر شيئاً فهو ميراث عنه.
قرية وقفت على أرباب مسلمين في يد متولٍ، باع هذا المتولي ورق أشجار التوت جاز؛ لأن هذا بمنزلة الغلة، ولو أراد المشتري قطع قوائم هذه الأشجار يمتنع، في «مجموع النوازل» : سئل نجم الدين عن أشجار في مقبرة هل يجوز صرفها في عمارة المسجد؟ قال: نعم إن لم تكن وقفا على وجه آخر، قيل له: فإن بدا عيب حوائط المقبرة إلى الخراب إنصرف اليها أو إلى المسجد قال: إلى ما وقفت عليه إن عرف وإن لم يكن للمسجد متولي ولا للمقبرة فليس للعامة التصرف فيها بدون إذن القاضي.
وسئل هو أيضاً عن رجل غرس بألة في مسجد فكبرت بعد سنين فأراد المتولي أن يصرف هذه الشجرة إلى عمارة بئر في هذه السكنة والغارس يقول: هي لي فإني ما وقفتها على المسجد قال: الظاهر أن الغارس جعلها للمسجد فلا يجوز صرفها إلى البئر ولا يجوز للغارس صرفها إلى حاجة نفسه. في «فتاوي أهل سمرقند» (مسجد) فيه شجر تفاح يباح للقوم ان يفطروا بهذا التفاح، قال الصدر الشهيد والمختار: أنه لا يباح؛ لأنه صار للمسجد فلا يصرف إلا إلى مصالح المسجد.
الفصل الرابع والعشرون: في الأوقاف التي يستغنى عنها وما يتصل بها من صرف غلة الأوقاف إلى وجوه أخر
في «فتاوي أبي الليث» : بئر بنيت بالآجر في قرية فخربت القرية وانقرض أهلها وعند هذه القرية قرية أخرى فيها حوض يحتاج إلى الآجر يجوز أن يؤخذ الآجر من تلك البئر وينفق في الحوض فهذا على وجهين:
إما أن يعرف الثاني وفي هذا الوجه لا يجوز ذلك إلا بإذن الثاني. وأما إن لم يعرف الثاني، وفي هذا الوجه ينبغي أن يتصدق بالآجر على فقير ثم الفقير ينفق في الحوض؛ لأنه بمنزلة اللقطة، قال: ولو أراد القاضي أن ينفق من غير هذا الطريق لا بأس به، وهذا التفصيل الذي ذكرناه يأتي على قول محمد، أما
стр. 2407
على قول أبي يوسف على ما ذكرنا. قيل: هذا في مسألة الحصير الملقى في المسجد أنه لا يعود على ملك متخذه بخراب المسجد بل يحول إلى مسجد آخر لا يتأتى، وينبغي للقاضي أن يصرف الآجر في عمارة الحوض على قوله.
رباط وعلى باب الرباط قنطرة على نهر لا يمكن الإنتفاع بالرباط إلا بمجاورة القنطرة لكبر النهر خرب القنطرة وليس للقنطرة غلة يمكن عمارة القنطرة بها. هل يجوز عمارة القنطرة من غلة الرباط؟ فهذا على وجهين:
إن شرط الواقف في الوقف أن يصرف غلة الرباط إلى الرباط وإلى ما فيه مصلحة الرباط جاز صرف غلة الرباط إلى عمارة القنطرة، وإن لم يشترط ذلك لا يجوز، وهذا إذا كان الرباط بحال لو لم يصرف الغلة إلى عمارة القنطرة لا يخرب الرباط، أما إذا كان بحال لو لم يصرف الغلة إلى عمارة القنطرة بخراب الرباط يستحسن في ذلك؛ لأن الرباط ووقفه حق العامة والقنطرة أيضاً حق العامة، ويجوز التصرف في حق العامة لمنفعة تعود إليهم، ألا ترى إلى ما روي عن محمد في مسجد ضاق عن أهله وعن طريق العامة أنه لا بأس بأن يلحق بالمسجد من الطريق إذا كان لا يضر بأصحاب الطريق؛ لأن كليهما حق عامة المسلمين كذا هنا في «فتاوي أبي الليث» .
وفيه أيضاً: قوم جمعوا الدراهم لعمارة قنطرة واشتروا ببعضها الطعام للعمل فاجتمع هناك من لا يعمل، فدعاهم العمال إلى الطعام فهذه المسألة على وجهين: إن حضر هؤلاء لهداية العمال وإرشادهم والبعث على العمل، وفي هذه الوجه وسع للعمال أن يدعوهم ووسع لهؤلاء أن يجيبوهم؛ لأنهم كالعمال، فإن حضروا إلا لما قلنا بل لأجل النظارة، فإن كانوا قليلاً لا يتمكن بأكلهم نقصان فيما جمع للقنطرة فكذلك الجواب أيضاً، وإن كانوا كثيراً لا يسعهم ذلك، ولو فضل من الحسب ونحوه شيء فهو على وجهين:
إن كان يقدر على أربابها يشاورهم القيم في ذلك، وإن كان لا يقدر على أربابها فللقيم أن يفعل به ما يرى. أوقاف على قنطرة يبس الوادي وصار الماء إلى جهة أخرى من أرض تلك المحلة، واحتيج إلى عمارة قنطرة للوادي الجديد هل يجوز صرف غلة القنطرة الأولى إلى الثانية للعامة وليس هناك قنطرة أخرى للعامة أقرب إلى القنطرة الأولى؟ جاز لما ذكرنا قبل هذا، سئل شمس الأئمة الحلواني عن مسجد وحوض خرب ولا يحتاج إليه لتفرق الناس، هل للقاضي أن يصرف أوقافه إلى مسجد آخر؟ قال: نعم ولو لم يتفرق الناس ولكن استغنى الحوض عن العمارة وهناك مسجد يحتاج إلى العمارة أو على العكس، هل يجوز للقاضي صرف وقف ما استغني للعمارة إلى ما هو محتاج إلى العمارة؟ قال: لا.
رباط استغني عنه وله غلة فإن كان بقربه رباط صرفت الغلة إلى ذلك، وإن لم يكن بقربه رباط يرجع إلى ورثة الذين بنوا الرباط، هكذا ذكر المسألة في «فتاوي أبي الليث» قال الصدر الشهيد ﵀ في «واقعاته» : وفيه نظر فيتأمل عند الفتوى، وقيل: إن عرف من بناه فالتصرف له وإن لم يعرف فالتصرف للقاضي.
стр. 2408
في «فتاوي النسفي» : سئل شيخ الإسلام عن أهل قرية تفرقوا وتداعى مسجد القرية إلى الخراب وبعض المتغلبة يستولون على حسب المسجد وينقلون إلى ديارهم هل لواحد من أهل القرية ان يبيع الحسب بأمر القاضي ويمسك الثمن ليصرفه إلى بعض المساجد وإلى أهل المسجد؟ قال: نعم، وحكي أنه وقع مثل هذه الواقعة في زمن السيد الإمام الأجل في رباط في بعض طرق سعد، ولا ينتفع المارّ به وله أوقاف عامرة فسئل هل يجوز صرفها إلى رباط آخر ينتفع الناس به؟ قال: نعم؛ لأن الواقف غرضه من ذلك انتفاع المارة ويحصل ذلك من الثاني.
رجل (وقف) دابة أو سيفاً في رباط وقفاً على الرباط فخرب الرباط واستغنى الناس عنها، يربط في رباط آخر هو أقرب الرباط إليه، وقد مر جنس هذا فيما تقدم، وإذا اجتمع في يد القيم غلة وقف الفقراء وظهر له وجه من وجوه البر يخاف فواته إن لم يبادر إليه.... الوقف فإنه ينظر إن لم يكن في تأخير مرمة الوقف إلى الغلة الثانية ضرر بيّن بالوقف للخراب فإنه يصرف الغلة إلى وجه ذلك البر ويؤخر العمارة إلى الغلة الثانية؛ لأن الجمع بينهما ممكن، وإن كان في تأخير العمارة ضرر بيّن فإنه يصرف العمارة إلى مرمة الوقف وما فضل صرف إلى ذلك البر؛ لأن عمارة الوقف أهم من إدراك ذلك البر؛ لأن الوقف إذا خرب انقطعت....، وإذا عمر يصير ممكناً إدراك الآخر إن فات هذا البر، وإن المراد من وجه البر هنا ما يكون فيه تصدق بالغلة على نوع من الفقراء نحو فكّ أسارى المسلمين أو إعانة منقطع من الغزاة أو ما أشبه ذلك؛ (٢٧ب٣) لأن هذا الوقف على الفقراء والأسراء والمنقطعة فقراء، فكانوا من أهل التصدق عليهم، فأما عمارة مسجد أو رباط ونحو ذلك مما ليس بأهل للتملك فلا يجوز صرف هذه الغلة إليه؛ لأن التصدق عبارة عن التملك فلا يتصدق إلا فيمن هو أهل للملك والله أعلم.
في «فتاوي أهل سمرقند» : علو وقف انهدم وليس له من الغلة ما يمكن عمارة العلو؛ بطل الوقف ورجع حق البناء إلى الواقف إن كان حياً وإلى ورثته إن كان ميتاً، هكذا ذكر هنا في هذه المسألة، وجنس هذه المسألة قال الصدر الشهيد ﵀: فيه نظر؛ لأن الوقف بعدما صح بشرائطه لا يبطل إلا في مواضع مخصوصة.
ومن هذا الجنس قال: حوض في محلة خرب وصار بحيث لا يمكن عمارته واستغنى أهل المحلة عنه، إن كان يعرف واقفه يكون له إن كان حياً ولورثته إن كان ميتاً، وإن كان لا يعرف واقفه كاللقطة في أيديهم يتصدقون على فقير ثم يبيعه الفقير فينتفع بالثمن، ومن هذا الجنس قال: حانوت هو وقف صحيح احترق السوق والحانوت وصار بحال لا ينتفع به ولا يستأجر بشيء إليه يخرج من الوقفية، ومن هذا الجنس قال: الرباط إذا احترق يبطل الوقف ويصير ميراثاً. ومن هذا الجنس قال: منزل موقوف وقفاً صحيحاً على مقبرة معلومة فخرب هذا المنزل وصار بحال لا ينتفع به فجاء رجل وعمره وبنى فيه
стр. 2409
بناء من ماله بغير إذن أحد، فالأصل لورثة الواقف، والبناء لورثة الثاني.
ومن هذا الجنس قال: وقف صحيح على أقوام مسلمين فخرب ولا ينتفع (به) وهو بعيد من القرية لا يرغب أحد في عمارته بطل الوقف ويجوز بيعه، فهذه الجملة من هذا الجنس، في «فتاوي أبي الليث:» رجل جمع مالاً من الناس لبقعة في بناء المسجد فأنفق في حاجته من تلك الدراهم ثم رد بدلها في نفقة المسجد لا يسعه أن يفعل ذلك، فإن فعل فإن عرف صاحب ذلك المال رد عليه أو سأله تجديد الإذن؛ لأنه دخل في ضمانه فلا يبرأ عنه إلا بالرد إلى المالك وإلى بانيه ولم يوجد، وإن لم يعرف صاحب المال استأمر الحاكم فيما يستعمله، وإن تعذر عليه ذلك رجوت له في الاستحسان أن ينفق مثل ذلك من ماله على المسجد فيجوز ذلك، هذا واستئمار الحاكم يجب أن يكون في دفع الوبال، أما الضمان فواجب، فإنه ذكر في وكالة «المبسوط» أن الوكيل بقضاء الدين إذا صرف مال الموكل إلى قضاء دين نفسه ثم قضى دين الموكل من ماله ضمن وكان متبرعاً في قضاء دينه، ولهذا المعنى فسدت أمور الساعين والسماسرة، ويبنى على هذا مسائل بها أهل العلم والصلحاء، منها:
العالم إذا سأل الفقير أشياءً واختلط بعضها ببعض يصير ضامناً بجميع ذلك، وإذا أدى صار مؤدياً من مال نفسه ويصير ضامناً لهم، ولا يخرجهم من غير ركوبهم، فيجب أن يستأذن الفقير ليأذن له بالقبض فيصير خالطاً ماله بماله ومنها مال مرد إذا قام وسأل الفقير بغير أمره فهو أمين، فإن خلط مال البعض بمال البعض يصير مؤدياً من مال نفسه ويصير ضامناً لهم، ولا يخربهم عن ركوبهم فيجب أن يأمر الفقير أولاً بذلك؛ لأنه إذا أمره صار وكيلاً بقبضه وبالتصرف له فيصير خالطاً ماله بماله.
في «فتاوي الفضلي» مال موقوف على سبيل الخير والفقراء ومرعياتهم ومال موقوف على المسجد الجامع، فاجتمعت من عليها ثم بانت للإسلام بائنة مثل حادثة اليوم، واحتيج إلى النفقة في تلك الحادثة، أما المال الموقوف على المسجد الجامع إن لم يكن للمسجد حاجة للحال فللقاضي أن يصرف في ذلك على وجه القرض فيكون ديناً في مال الفيء، وأما المال الموقوف على الفقراء فإن صرف إلى المحتاجين أو إلى الأغنياء من أبناء السبيل جاز لا على وجه القرض؛ لأنه صرف إلى المصرف، بخلاف المال الموقوف على المسجد الجامع؛ لأنه صرف إلى غير المصرف فلا يجوز إلا بطريق القرض.
وإن صرف إلى الأغنياء من غير أبناء السبيل فإن رأى قاضٍ من قضاة المسملين جواز ذلك جاز الصرف لا بطريق القرض لأن فيه اختلاف العلماء. نحن وإن قلنا: إنه لا يجوز ولكن لما رأى قاض من قضاة المسلمين جواز ذلك وصرف كان قضاء في موضع الخلاف، وإن لم يره قاض من قضاة المسلمين جواز ذلك يصرف على وجه القرض فيصير ديناً في مال الفيء والله أعلم.
стр. 2410
الفصل الخامس والعشرون: في وقف الكفار
في «فتاوي أبي الليث» : نصراني وقف ضيعة له على أولاده وأولاد أولاده ما تناسلوا وجعل آخره للفقراء كما هو الرسم، فأسلم بعض أولاده يعطى له؛ لأن الوقف حصل باسم الأولاد، وهذا الاسم باقي بعد الإسلام، فيه أيضاً: نصراني وقف ضيعة له على أولاده وأولاد أولاده، فإذا انقرضوا فعلى فقراء المسلمين، فهذا الوقف جائز لأن هذا مما يتقرب به أهل الذمة، فالوقف على ما هو قربة عندنا وعندهم جائز، وكذلك إذا قال: فإذا انقرضوا فعلى الفقراء جاز، فإذا انقرضوا صرف إلى المسلمين؛ لأن حق فقراء المسلمين أقوى بشرف الإسلام فيتعينون عند الاطلاق، ولو قال: إذا انقرضوا فعلى فقراء النصارى لا يجوز هذا الوقف؛ لأنه وقف على فقراء النصارى والوقف على فقراء النصارى لا يجوز، أما عند أبي حنيفة؛ فلأنه لا يرى الوقف إلا بطريق الوصية أو مضافاً إلى ما بعد الموت ولم يوجد ذلك هنا، وأما على قولهما؛ فلأن هذا معصية في حقنا.
وذكر الخصاف في «وقفه» : إذا وقف الرجل من أهل الذمة نصرانياً كان أو مجوسياً أرضاً له أو داراً له على ولده وولد ولده أبداً ما تناسلوا، ومن بعدهم على المساكين فهو جائز، فإن لم يسم الواقف المساكين؛ فأي المساكين فرق ذلك منهم؛ مساكين المسلمين أو مساكين أهل الذمة جاز، وإن قال: على مساكين أهل الذمة ففرق القيم في مساكين اليهود أو النصارى أو المجوس جاز ذلك، وإن قال: على فقراء النصارى فهو جائز ويفرق على فقراء النصارى، ولو فرق القيم في فقراء المجوس أو اليهود فهو مخالف ضامن، وإن كان الواقف نصرانياً وقال: تجعل غلة هذا الوقف في فقراء اليهود والمجوس فهو جائز وهو على ما قال، فما ذكره الخصاف في هذه المسائل بخلاف المذكور في «الفتاوي» .
وقد ذكر في كتاب «الوصايا والزيادات» : أن وصايا أهل الذمة أنواع: نوع هو معصية عندهم قربه عندنا، وأجاب أن الوصية باطلة إلا إذا حصلت لأقوام بأعيانهم ويكون ذلك تمليكاً منهم، ونوع هو قربة عندهم معصية عندنا، وهذا الوصية صحيحة عند أبي حنيفة على كل حال، وعندهما باطلة إلا إذا حصلت الأقوام بأعيانهم، والوقف نظير في الوصية، فما ذكره الخصاف في الوقف يكون قول أبي حنيفة على قياس مسألة الوصية، وما ذكر في الفتاوي يكون قولهما على قياس مسألة الوصية، ولو جعل الذمي داره بيعة (٢٨أ٣) أو كنيسة أو بيت نار في صحته ثم مات يصير ميراثاً لورثته، هكذا ذكر الخصاف في «وقفه» ، وهكذا ذكر محمد في «الزيادات» وهذا لا يشكل على قولهما؛ لأنه معصية عندنا، ولهذا لو أوصى به لا يصح فكذا إذا فعل في حياته، وإنما يشكل على أبي حنيفة لا يعامل معهم بناء على اعتقادهم، ألا ترى لو أوصى به صح عند أبي حنيفة ﵀.
стр. 2411
والفرق: أن البناء ليس بمزيل للملك لو زال الملك، وإنما يزول إذا تعين فيه جهة القربة مطلقاً وهذا الفعل ليس بقربة مطلقاً، خرج على هذا المسلم إذا اتخذ داره مسجداً؛ لأن ذلك قربة مطلقاً، فأما الوصية فمزيلة للملك فلا يشترط جهة القربة فيها مطلقاً للإزالة، بل يكتفي فيها بجهة القربة بناء على زعمهم واعتقادهم.
قال الخصاف: إذا جعل الذمي داره مسجداً للمسلمين وبناه كما يبتني المسلم وأذن للمسلمين بالصلاة فيه وصلوا فيه ثم مات؛ يصير ميراثاً لورثته، وهذا على قول الكل؛ لأنه معصية عندهم ألا ترى أنه لو أوصى أن يبني داره مسجداً بعد موته كانت الوصية باطلة، ولو أوصى أن يبني داره مسجداً لقوم بأعيانهم قال الخصاف: أستحسن أن هذا لا هذه وصية لقوم بأعيانهم. قال: ولو وقف الذمي داره على بيعة أو كنيسة أو بيت نار فهو باطل، أما على قول أبي حنيفة؛ فلأنه لم توجد الوصية أو الإضافة إلى ما بعد الموت، ولو قال: يجري غلتها على بيعة كذا فإن خربت هذه البيعة كانت الغلة للفقراء وللمساكين، ولا ينفق على البيعة شيء، قال: فإن وقف ذمي أرضا وقفاً صحيحاً وأن يفرق غلتها في أبواب البر فأبواب البر عندهم عمارة البيع والكنائس والصدقة على المساكين، وإنما يفرق غلة هذه الصدقة على الفقراء والمساكين، وأبطل ما سوى ذلك.
وإن قال: تفرق عليها في جيران مسلمين وجيران نصارى ويهود ومجوس، وجعل آخره للفقراء فالوقف جائز ويفرق الوقف في جيرانه المسلمين والنصارى وغيرهم، وإن قال الذمي: يجعل غلتها في أكفان الموتى أو في حفر القبور فهو جائز ويصرف الغلة في أكفان موتاهم وحفر قبور فقرائهم. قال: وسبيل الذمي في الوقف على قرابته وأهل بيته كسبيل المسلمين، وإن قال الذمي: أجعل غلة هذه الصدقة في سراج بيت المقدس وثمنها فهو جائز؛ لأنه قربة عندنا وعندهم.
وإذا وقف نصراني وقفاً على ولده وولد ولده أبداً ما تناسلوا ومن بعدهم على المساكين، وشرط أن كل من أسلم من ولده أو ولد ولده أبداً ما تناسلوا فهو خارج عن هذا الوقف فهو جائز وهو على ما شرط والله أعلم.
نوع منه: إذا ارتد المسلم ثم وقف وقفاً في حال ردته، فإن مات أو قتل على ردته أو لحق بدار الحرب وحكم القاضي بلحاقه يبطل وقفه وتكون الأرض ميراثاً. والمحفوظ عن أبي يوسف فيما إذا اشترى شيئاً أو باع أو آجر أو عامل في ماله بشيء أنه جائز، ولم يرو عنه فيما يتقرب (به) إلى الله تعالى، وعلى قول محمد: يجوز منه ما يجوز من القوم الذين انتقل إليهم، وأما إذا وقف وقفاً صحيحاً وجعل أجرته للمساكين ثم ارتد الواقف بعد ذلك فقتل على ردته، أو مات بطل الوقف ويصير ميراثاً لورثته من قبل أن عمله قد حبط، فإن رجع إلى الإسلام؛ فإن وقف بعد ما رجع جاز، وإن لم يفعل لم يجز ذلك.
نوع منه: ذمي في يديه أرض أقر في صحته أن هذه الأرض وقفها رجل مسلم وكان يملكها وقفاً صحيحاً على أبواب البر وبناء المسجد أو ما أشبهه ذلك مما يتقرب به المسلمون إلى الله تعالى فإقراره جائز، وكذلك إن أقرَّ به في مرضه وهذه الأرض يخرج
стр. 2412
من الثلث فإقراره جائز، وإن كان الذمي أقر بأن هذا المسلم وقف هذه الأرض في الوجوه التي لا يتقرب بها المسلمون إلى الله تعالى نحو الوقف على البيع والكنائس لم يصح إقراره وتخرج الأرض من يد الذمي وتجعل لبيت مال المسلمين، وإن كانت هذه الأرض لا يخرج من ثلث ماله فمقدار الثلث يجوز إقراره فيه فيما يتقرب به المسلمون إلى الله تعالى لا يجوز ويكون لبيت المال.
وإن أقر هذا الذمي أن ذمياً كان يملكها جاز إقراره فيما يجوز أوقاف أهل الذمة، وبطل إقراره فيما لا يجوز أوقافهم وتخرج الأرض من يده ويجعل لبيت مال المسلمين؛ لأنه لم يسم مالكها.
الفصل السادس والعشرون: في المتفرقات
إذا اشترى أرضاً شراءً فاسداً ووقفها المشتري على الفقراء والمساكين بعدما قبضها فهو جائز على ما وقفها عليه، وإن جاء البائع وخاصم المشتري فقيمتها يوم قبضها ولا يرد الوقف، ولو وقفها قبل أن يقبضها لا يجوز، قال: ألا ترى أنه لو باعها بعد القبض يجوز، أشار إلى أن البيع الفاسد لا يفيد الملك قبل القبض ويفيده بعد القبض، فقبل القبض؛ الوقف لم يصادف ملكه وبعد القبض صادف ملكه، ثم إذا وقفها بعد القبض وخاصم البائع المشتري في ذلك ذكر أن المشتري يضمن قيمتها للبائع يوم القبض؛ لأنه أتلفها بالوقف، ألا ترى أن المشتري لو باعها أو وهبها ضمن قيمتها للبائع فكذا إذا وقفها.
ولا ينقض الوقف كما لا ينقص البيع إذا باعها المشتري من رجل؛ لأنه بتسليط البائع، ولو اشترى أرضاً شراءً فاسداً فقبضها واتخذها مسجداً وصلى الناس فيه؛ ذكر هلال في وقفه أنه مسجد وعلى المشتري قيمتها ولا يرد إلى البائع، قال هلال: هذا قول أصحابنا في المسجد والوقف على قياسه، وذكر في «كتاب الشفعة:» إذا اشترى أرضاً شراءً فاسداً واتخذها مسجداً وبنى فيها بناء أنه يضمن قيمتها عند أبي حنيفة ويصير مستهلكاً بالبناء، وعندهما: ينقض البناء وترد الأرض على البائع، فاشتراط البناء على رواية كتاب الشفعة دليل على أنه إذا لم يبنَ لا يصير مسجداً بمجرد اتخاذه مسجداً بلا خلاف بدون البناء.
قال الحاكم الشهيد: رواية محمد في «كتاب الشفعة» أصح من رواية هلال، ووجه ذلك: أن المسجد ما يكون لله تعالى خالصاً وينقطع عنه حق العباد، وههنا حق العبد وهو البائع باق قبل البناء فلا يصير مسجداً، قال الفقيه أبو جعفر ﵀: ولقائل أن يقول في الوقف روايتان أيضاً أنه هل يصير وقفاً قبل البناء كما في المسجد؟ ولقائل أن يقول: يصير وقفاً قبل البناء على الروايتين ويفرق هذا القائل بين المسجد وبين الوقف
стр. 2413
على رواية «كتاب الشفعة» ووجهه: أن الوقف إيجاب حق العباد فصار نظير المبيع والهبة، ثم قيام حق البائع لا يمنع نفاذ البيع والهبة حتى إن المشتري (اشترى) شراءً فاسداً إذا وهب أو باع يجوز ولا ينقض بعد ذلك، فكذا بخلاف المسجد؛ لأن المسجد ما يكون لله تعالى خالصاً وقيام حق البائع الخلوص لله تعالى.
قال الفقيه أبو جعفر ﵀: ولقائل أن يفرق بين الوقف على الفقراء وبين الوقف على أقوام بأعيانهم ويقول: إذا وقف على الفقراء كان في صيرورته وقفاً قبل البناء باتفاق الروايات؛ لأن الوقف على الفقراء يطلب منه وجه الله تعالى (٢٨ب٣) لا إيجاب بالحق للعباد فأشبه المسجد، بخلاف الوقف على قوم بأعيانهم؛ لأنه إيجاب الحق للمعين فصار نظير البيع والهبة، ولو اشترى أرضاً شراء صحيحاً وقبضها ووقفها على الفقراء ثم وجد بها عيباً لا يردها ولكن يرجع بنقصان العيب، بخلاف ما إذا اشترى أرضاً واتخذها مسجداً ثم وجد بها عيباً فإنه لا يرجع بنقصان العيب، وجعل المسجد نظير البيع والوقف نظير العتق، وإذا رجع بنقصان العيب كان النقصان له يصنع به ما شاء؛ لأنه ليس ببدل عن الوقف؛ لأن الفائت بالعيب لم يدخل تحت الوقف، فسلم المشتري من آخر أرضاً بعبد وتقابضا ووقف الأرض ثم استحق العبد فالوقف جائز وعلى مشتري الأرض قيمة الأرض يوم قبضها، وإنما جاز الوقف؛ لأن الأرض بدل المستحق، وبدل المستحق مملوك ملكاً فاسداً فيصح وقفه لما مر، وبمثله لو وجد العبد حر أبطل الوقف؛ لأن بدل الحر ليس بمملوك فلا يصح وقفه.
وإذا اشترى أرضاً من رجل ووقفها على المساكين بعد ما قبضها ثم استحقها رجل وأجاز البيع فالبيع جائز والوقف باطل. قيل: هذا على قول من يقول: بأن المشتري من الغاصب إذا أعتق ثم أجاز المالك البيع أن العتق لا ينفذ، وهو قول محمد وزفر وهلال، فأما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف: ينبغي أن ينفذ الوقف كما ينفذ العتق قبل أيضاً، ويجوز أن يفرق بين العتق والوقف فيقال: العتق من حقوق الملك وأحكامه، بدليل أنه يؤكد الملك ويقرره حتى جعل قبضا، والقبض يؤكد الملك فجاز أن يتوقف بتوقفه وينفذ بنفوذه بخلاف الوقف.
قال: ولو أن المستحق ضمن الغاصب وهو البائع القيمة نفذ الوقف كما ينفذ العتق بلا خلاف؛ لأنه ملك بالضمان من وقت الغصب السابق فينفذ بيعه؛ لأنه باع ملكه، وينفذ وقف المشتري كما ينفذ عتقه، قيل: غاصب الدور والعقار لا يضمن عند أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر، فكيف يستقيم هذا التفريع على قولهما؟، وقيل: إن ضمن المشتري القيمة أينقص الوقف كما ينقص العتق لأن الملك حصل له بالضمان، والوقف كان قبل ذلك بهذا الطريق لم ينفذ العتق، وذكر الخصاف في «وقفه» : إذا وقف بيتاً من دار فإن وقفه بطريقه جاز الوقف، وإن لم يقفه بطريقه لم يجز الوقف؛ لأنا إن آجرنا الوقف ماذا يصنع به إذا كان لا يمكن أن يكري ولا يسكن؛ لأنه لا طريق له، وإذا شرط في وقفه أنه ليس لوالي هذه الصدقة أن يؤاجر هذا الوقف لأشياء منه، وإن أجرها واليها أو واحد أن تصير
стр. 2414
ولايتها إليه فالإجارة باطلة وهو خارج عن ولاية هذه الصدقة.
قال الخصاف: هو على ما شرط من ذلك، وكذلك لو شرط أن لا يدفع بعامله وإن فعل ذلك أخذ من ولاء هذه الصدقة فهو خارج عن ولاية هذه الصدقة لفلان فهو جائز على ما شرط الواقف، وكذلك لو شرط أن من نازع فلاناً وطالبه بحصة من غلة هذه الصدقة فهو خارج عن هذه الصدقة فهذا على ما شرط الواقف. في «فتاوي أبي الليث» : قيم وقف جمع الغلة وقسمها على أربابها وحرم واحداً منهم وصرف نصيبه إلى حاجة نفسه، فلما خرجت الغلة الثانية أراد المحروم أن يأخذ من الغلة الثانية نصيبه في السنة الأولى فهذا على وجهين:
إن اختار المحروم تضمين القيم ليس له أن يأخذ من الغلة الثانية ذلك؛ لأنه لما اختار تضمين القيم سلم للشركاء ما أخذوا من جهة القيم ولم يتبين أنهم أخذوا من نصيب هذا المحروم شيئاً، وإن اختار إتباع الشركاء والشركة فيما أخذوا كان له أن يأخذ ذلك من نصيب الشركاء من الغلة الثانية؛ لأنه لما اختار إتباع الشركاء تبين أنهم أخذوا نصيبه فله أن يأخذ من أنصابهم مثل ذلك؛ لأنه جنس حقه، فماذا أخذ رجعوا جميعاً على القيم بما استهلك القيم من حصته المحروم في السنة الأولى؛ لأنه بقي ذلك حقاً للجميع، وفيه أيضاً: رجل أوصى أن يوقف من ماله كذا كذا درهماً لدين يظهر عليه، فالوصية باطلة إن لم يؤقت؛ لأنه لم يؤمن بشيء للحال، وكل مال خلا عن الوصية والدين فهو مال الوارث، فإن قال إن رأى الوصي ذلك الآن توقف ذلك من ثلث ماله؛ لأنه لما قال: إن رأى الوصي ذلك وقفاً فكأنه قال: يعطى الوصي ذلك القدر من شاء، ولو تصح على هذا يصح.
رجل في يديه أرض وماء للفقراء ففضل الماء في النهر عن الأرض، لا يعطي أحداً بل يرسله في النهر ليصل إلى الفقراء أو إلى كل من يصل؛ لأن القيم أمر بصرف الماء إلى أرض الفقراء لا غير، فإذا استثنى الأرض أرسل الماء.
مريض قال: إني كنت متولي حانوت وقف على الفقراء وكنت استهلكت عليه، أو قال: لم أؤد زكاته فأدوا ذلك من مالي بعد موتي، فإن صدقه الورثة في ذلك يعطى الوقف من جميع المال والزكاة من الثلث؛ لأن في الوقف يؤخذ ذلك من تركته من غير إقراره، فلم يكن الأخذ مضافاً إلى إقراره، وفي الزكاة لا يؤخذ من تركته، وإن كذبه الورثة يعطى الوقف والزكاة من الثلث، وللوصي أن يحلف الورثة على العلم، يريد بالوصي قيم الوقف بالله يعلمون أن من أقرّ به حق؛ لأنه يدعي عليهم معنىً لو أقروا به يلزمهم فإذا أنكروا يستحلفون، فإن حلفوا جعل ذلك كله من الثلث كما قبل الحلف، وإن نكلوا جعل الزكاة من الثلث والوقف من الجميع كما لو أقر به الورثة ابتداءً.
قيم الوقف أدخل جذعاً في دار الوقف ليرجع في غلتها فله ذلك، فإن أراد الاحتياط ينبغي أن يبيع الجذع من آخر ثم يشتري منه الرجل الوقف ثم يدخلها في دار الوقف، رجل وقف ضيعة له على الفقراء في صحته وأخرجه من يده ثم قال لوصيه عند الموت: أعطِ من غلة تلك الضيعة كذا لفلان وقد كان قال لوصيه: افعل ما رأيت من
стр. 2415
الصواب، فجعل لأولئك باطل؛ لأنه صار حقاً للفقراء فلا يملك تغيير حقهم إلا إذا شرط في الوقف أن يصرف عليها إلى من شاء، رجل وقف ضيعة له على امرأته وأولاده فماتت المرأة لم يكن نصيبها لابنها خاصة إذا لم يكن في الوقف شرط من مات منهم رد إلى أولاده، بل يكون على جميع الورثة.
مريض قال: أخرجوا نصيبي من مالي يخرج من الثلث من ماله لأن ذلك نصيبه، قال ﵊: «إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم» الحديث، حانوت وقف ماله إلى حانوت آخر، ومال الثاني إلى الثالث وتعطلت الحوانيت وأبى قيم الوقف العمارة، فهذا على وجهين:
الأول: أن يكون حانوت الوقف غلة يمكن عمارتها منها، والحكم فيه لصاحبي الحانوت أن يأخذ القيم برد ما مال عنه إلى حد الوقف؛ لأنهما تضررا بذلك (٢٩أ٣) وإنه هو المتعين لدفع هذا الضرر.
الوجه الثاني: أن لا يكون لحانوت الوقف غلة يمكن عمارتها منها وفي هذا الوجه: يرفعان الأمر إلى القاضي ليأمر القيم بالاستدانة على الوقف لإصلاحه؛ لأن الأمر بالاستدانة هنا يعين لدفع الضرر، والقاضي هو المتعين لدفع الضرر.
حائط بين دارين أحدهما وقف انهدم ذلك الحائط فبناه صاحب الدار الوقف كان للقيم أن يأخذه ببعضه؛ لأنه يصرف في الدار الموقوفة، فلو أراد القيم أن يعطي قيمة بنائه ليكون المبني للوقف ليس للقيم أن يجبره على ذلك، وقد مر جنس هذا فيما تقدم وسيأتي بعد هذا إن شاء الله.
وإن أراد أن يعطيه قيمة البناء برضاه لم يجز أيضاً؛ لأنه لو أجاز لما ضاع ما وراء هذا الحائط من دار الوقف فيكون المتعين هو النقص، رجل وقف أرضاً على حفدته من كان منهم فقيراً وله حفده عنده فرس يساوي مئتي درهم فإن أمسك الفرس للجهاد أو للركوب لما أن به زمانة يعطى من الوقف؛ لأنه فقير، وإن أمسكه مسرفاً لا يعطى إذا لم يكن عليه دين ولا مهر؛ لأنه عفي.
رجل عليه ديون وله ضيعة تساوي عشرة آلاف درهم وشرط صرف غلاتها إلى نفسه قصداً منه إلى المماطلة وشهدت الشهود على إفلاسه جاز الوقف وجازت الشهادة، أما جواز الوقف فلمصادفته ملكه، وجواز الوقف مع هذا الشرط قول أبي يوسف على ما مر قبل هذا.
أما جواز الشهادة فلأنها صدق؛ لأن الرقبة خرجت عن ملكه، فإن فضل من قوته شيء من هذه الغلات فللغرماء أن يأخذوا منه؛ لأن الغلات بقيت على ملكه.
القاضي إذا أطلق بيع وقف غير مسجد هل يكون ذلك منه حكماً ببطلان الوقف؟
стр. 2416
ينظر إن أطلق لوارث الواقف يكون حكماً ويجوز البيع، وإن أطلق لغير وارث الواقف لا يكون حكماً ولا يجوز البيع، وهذا لأن الوقف لو بطل يعود إلى ملك وارث الواقف، وبيع مال الغير لا يجوز، سئل شمس الإسلام محمود الأوزجندي عمن باع محدوداً قد وقفه وكتب القاضي الشهادة على الصك لا يكون ذلك قضاءً بصحته، وهذا صحيح ظاهر؛ لأن للقضاء شرائط من الشهادة والدعوى وغير ذلك ولم يوجد ذلك ههنا.
سئل شمس الإسلام الحلواني عن أوقاف المسجد إذا تعطلت وتعذر استغلالها هل للمتولي أن يبيعها ويشتري مكانها أخرى؟ قال: نعم، قيل: إذا لم يتعطل ولكن يوجد بثمنها ما هو خير منها هل له أن يبيعها؟ قال: لا، ومن المشايخ من لم يجوز بيع الوقف تعطل أو لم يتعطل، وكذا لم يجوز الاستبدال بالوقف، وهكذا حكى فتوى شمس الأئمة السرخي ﵀ في فصل العمارة إذا ضعفت الأراضي الموقوفة عن الاستغلال والقيم يجد بثمنها أرضاً أخرى هي أكثر ريعاً أن له أن يبيع هذه الأرض ويشتري بثمنها ما هو أكثر ريعاً.
وفي «المنتقى» : قال هشام: سمعت محمداً ﵀ يقول في الوقف: إذا صار بحيث لا ينتفع به المساكين فللقاضي أن يبيعه ويشتري بثمنه غيره، وليس ذلك إلا للقاضي. في «واقعات الناطفي» : رجل جعل فرساً حبساً في سبيل الله فليس لأحد أن يؤاجره؛ لأنه أعد لأمر آخر إلا إذا احتيج إلى نفقتها فتؤاجر بقدر ما ينفق عليها.m
قال الناطفي ﵀: هذه المسألة دليل أن المسجد إذا احتاج إلى النفقة يؤاجر قطعة منه بقدر ما ينفق عليه، فيه أيضاً: متولي الوقف إذا أخذ الغلة ومات ولم يبين ماذا صنع لم يضمن، فالإمارة باب ينقلب مضمونه بالموت عن تجهيل إلا في مسائل معدودة، من جملتها هذه المسألة، وقد ذكر مهامها في الوديعة.
في «فتاوي الفضلي» : رجل وقف ضيعة بلفظة الصدقة على ولديه، فإذا انقرضا فعلى أولادهما وأولاد أولادهما أبداً ما تنسلوا، فإذا انقرض أحد الولدين وخلف ولداً يصرف نصف الغلة إلى الولد الباقي والنصف إلى الفقراء، فإن مات الولد الثاني من ولدي الواقف صرفت الغلة كلها إلى أولادهما؛ لأن شرط الواقف مراعى في صحته، جعلت داري صدقة موقوفة على المحتاجين من ولدي وليس في ولده إلا محتاج واحد فله النصف من غلة الأرض والنصف الآخر للفقراء عملاً بقوله: صدقة موقوفة، أراد المتولي أن يفرض ما فضل من غلة الوقف.
ذكر في «فتاوي أبي الليث» رجوت أن يكون ذلك واسعاً إذا كان أصلح وأحرز للغلة من إمساك الغلة، ولو أراد أن يصرف فضل الغلة إلى حوائجه على أن يرده إذا احتيج إلى العمارة فليس له ذلك، وينبغي أن يتنزه غاية التنزه، فإن فعل مع ذلك ثم أنفق في العمارة رجوت أن يكون ذلك ميراثاً لا له عما وجب عليه. وفي «فتاوي الفضلي» : أنه براء عن الضمان مطلقاً، ولو جاء بمثل ما أنفق في حاجته وخلط بدراهم الوقف صار ضامناً للباقي؛ لأنه صار مستهلكاً، فلو أراد أن يبرأ عن الضمان يفعل أحد الوجهين: إما أن
стр. 2417
ينفق ذلك كله في مصلحة المسجد إن كان الوقف على المسجد، وإن كان الوقف على شيء آخر ينفق على ذلك المسجد أو يرفع الأمر إلى القاضي ليأمر القاضي رجلاً بقبض ذلك منه للوقف ثم يدفعه إليه، رجل وقف بعد وفاته وقفاً صحيحاً فله أن يرجع منه؛ لأن الوقف بعد الوفاة وصية وللموصي أن يرجع في وصيته.
سئل شمس الإسلام محمود الأوزجندي ﵀ عن وقف ثم افتقر وأراد أن يرجع فيه قال: يرفع الأمر إلى القاضي حتى يفسخ القاضي الوقف، رجل وقف ضيعة له نصفها على امرأته ونصفها على ولد له بعينه على أنه إن ماتت المراة صرفت نصيبها إلى أولاده، وأجرة للفقراء ثم ماتت المرأة يكون للابن الموقوف عليه من نصيبها نصيب؛ لأن الواقف شرط نصيبها لأولاده، والابن الموقوف عليه من أولاده، وإذا كان الوقف على أرباب معلومين يحصى عددهم فنصب هؤلاء الأرباب متولياً بدون استطلاع رأي القاضي. ذكر في «فتاوي أهل سمرقند» : أنه يصح إذا كانوا من أهل الصلاح، وقاسوا هذه المسالة على ما إذا نصبه أهل المسجد متولياً بغير أمر القاضي، وقد ذكرنا تلك المسألة فيما تقدم. وذكرنا اختيار الصدر الشهيد في تلك المسألة أنه لا يصح إلا بأمر القاضي.
ذكر الخصاف في «وقفه» : إذا وقف ضيعة مع رقيق يعملونها فقتل بعضهم وأخذ القيم قيمته من قاتله ينبغي أن يشتري بها عبداً آخر مكان المقتول يعمل في هذه الصدقة، وإن جنى أحدهم جناية ينبغي أن ينظر القيم أيهما أصلح بأمر هذه الصدقة دفع الحال اقتداءً بأرش الجناية، ويعمل بما هو أصلح بأمرها، فإن فداه الوصي بأرش الجناية من غلة هذه الصدقة وكان أرش الجناية أكثر من قيمته فهو متطوع، في الفصل هنا من هو ليس إلى أهل الوقف من الدفع والفداء شيء، فإن فداه أهل الوقف كانوا متطوعين وكانوا خائنين في الصدقة على ما كان عليه، ومسألة الخيانة عند الوقف صارت واقعة في زماننا وأفتى بعض المشايخ أنها (٢٩ب٣) في مال الوقف؛ لأنها صارت..... الدفع بفعله فصار كجناية المدبر.
متولي الوقف إذا قام إلى عمارة الوقف وأراد أن يأخذ لكل يوم إخراجيتها ليس له ذلك. لرجل جعل أرضه مقبرة أو خاناً للغلة أو مسكيناً؛ سقط عنها الخراج لأن السبب وجوب الخراج الأرض الباقية الصالحة للزراعة والله أعلم بالصواب.
стр. 2418
كتاب الهبة والصدقة
هذا الكتاب يشتمل على اثني عشر فصلاً:
١ * في ألفاظ الهبة، وما يقوم مقامها به.
٢ * فيما يجوز من الهبة وما لا يجوز.
٣ * فيما يتعلق بالتمليك، وما يتصل به.
٤ * في هبة الدين فيمن عليه دين.
٥ * في الرجوع في الهبة.
٦ * في الهبة من الصغيرة.
٧ * في العوض في الهبة.
٨ * في حكم الشرط في الهبة.
٩ * في اختلاف الواهب والموهوب له، والشهادات في ذلك.
١٠ * في هبة المريض.
١١ * في المتفرقات.
١٢ * في الصدقة.
стр. 2419
الفصل الأول: في ألفاظ الهبة وما يقوم مقامها
ذكر الحاكم في «المنتقى» : إذا كان لرجل عبد في يدي رجل قال المودع لمولى العبد هبة فقال: هو لك فقال: لا أقبل فهو هبة، فقد جعل الهبة نظير النكاح لا نظير البيع، إذا قال لغيره هذه الجارية لك فهي هبة جازت، رواه ابن سماعة عن أبي يوسف، وفي هبة إذا قال: هي لك فاقبضها فهي هبة، وفي الأصل جعلت هذه الدار لك فاقبضها فهي هبة؛ لأن معنى كلامه ملكتك هذه الدار، ألا ترى أن في التمليك يعدل لفظ الجعل ولفظ التمليك سواء، فكذا في التمليك يبدل، وفي الفتوى عن الفقيه أبي جعفر ﵀، إذا قال لغيره: أين ترى فهذه هبة لا يجوز إلا بالقبض، ولو قال: (أين تراست) فهذا إقرار، وسئل أبو نصر عمن قال جميع ما أملكه لفلان قال: هذا هبة لا يجوز إلا بالقبض
وسئل أبو بكر عن رجل له ابن صغير غرس كرماً وقال: اغرسه باسم ابني فهذا لا يكون هبة، قيل: إن قال: جعلته لابني قال: لا شك في هذا أنه هبة. في «الأصل» إذا قال: عمرتك هذه الدار أعطيتك هذا الثوب عطية كسوتك هذا الثوب فهذا كله هبة. وفي «البقالي» إذا قال: أعطيته وهو في يده فقال: أعطيتك فهذا هبة، وإن كان في يد صاحبه فهو وديعة. في «الأصل» إذا قال: منحتك هذه الدراهم أو هذا الطعام، ولو قال: منحتك هذه الأرض، هذه الجارية فهو عارية فالأصل: أن لفظ المنحة إذا أضيفت إلى ما لا يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه فهو هبة، وإذا اضيفت إلى ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه فهو عارية.
وإذا قال: أعطيتك هذه الأرض فهو عارية. ولو قال: أطعمتك هذا الطعام، فإن قال فاقبضه فهو هبة، وإن لم يقل فاقبضه يكون هبة أو عارية؟ فقد اختلف المشايخ في شروحهم.
في «الأصل» إذا قال: داري لك عمرى سكنى فهو عارية وليس بهبة. إذا قال: هي لك هبة عارية أو قال: عارية بهبة فهذا كله عارية. ولو قال: داري هذه لك عمرى يسكنها فهو هبة؛ لأن قوله يسكنها ليس بتفسير لقوله عمرى؛ لأن الفعل لا يصلح تفسيراً للاسم بل هو مشورة، فإن شاء قبل مشورته، وإن شاء لم يقبل، بخلاف قوله عمرى سكنى؛ لأن قوله سكنى يصلح تفسيراً لقوله عمرى؛ لأن كل واحد منهما اسم والكلام إليهم إذا تعقبه تفسير فالعبرة للتفسير.
إذا قال: هذه الدار هبة لك ولعقبك من بعدك فهي هبة، وذكر العقب لغو. وكذلك
стр. 2420
إذا قال: أسكنتك هذه الدار حياتك ولعقبك بعد موته فهذه عارية له حياته ولعقبه بعد موته، وذكر العقب لا يكون لغواً، والفرق: أن قوله هي هبة لك تمليك العين منه، وبعد مالك العين لا يبقى له ولاية الإيجاب لغيره فكان كلامه عارية في حقه وفي حق عقبه بعده، في «المنتقى» عن أبي يوسف إذا قال: لفلان نصف مالي لفلان ربع مالي نصف عبدي هذا فهذا هبة.
وفي «فتاوي النسفي» : إذا قال: لغيره هذه الجارية لك حلال فهذا على أنه أحل فرجها له فلا يجوز إلا أن يكون قبله كلام يستدل على أنه وهبها له، ولو قال: وهبت لك فرجها فهو هبة إذا قبضها.
الفصل الثاني: فيما يجوز في الهبة وما لا يجوز
قال محمد ﵀ في «الأصل» : لا تجوز الهبة إلا محوزة مقسومة مقبوضة يستوي فيها الأجنبي والولد إذا كان بالغاً، وقوله لا يجوز: لا يتم الحكم، فالجواز ثابت قبل القبض باتفاق الصحابة، والقبض الذي يتعلق به تمام الهبة؛ القبض بإذن الواهب وذلك نوعان: صريح، ودلالة ففيما إذا أذن له بالقبض صريحاً يصح قبضه في المجلس وبعد الافتراق عن المجلس ويملكه قياساً واستحساناً، ولو نهاه عن القبض بعد الهبة لا يصح قبضه لا في المجلس ولا بعد الافتراق عن المجلس ولا يملكه قياساً، ولو لم يكن أذن له بالقبض ولم ينهه عنه إن قبضه في المجلس صح قبضه استحساناً ولم يصح قبضه قياساً، وإن قبضه بعد الافتراق عن المجلس لا يصح قبضه قياساً واستحساناً، ولو كان الموهوب غائباً فذهب وقبض، فالجواب فيه وفيما إذا كان حاضراً وقبضه بعد الافتراق عن المجلس سواء إن كان القبض بإذن الواهب جاز استحساناً لا قياساً، وإن كان بغير إذنه لا يجوز قياساً واستحساناً. وفي «البقالي» عن أبي يوسف إذا قال: اقبضه فقال: قبضت والموهوب حاضر جاز إذا لم يشرح الموهوب قبل قوله فقبضت، ولا يكفي قول قبلت، وإذا لم يقل اقبضه، فإنما القبض أن يقبله، فإذا لم يقل قبلت لم يجز وإن يقل إلا أن تكون الهبة....
في «المنتقى» إبراهيم عن محمد: إذا وهب جارية في البيت وليست بحضرتهما فقالت: قبلت لم يجز إلا أن يكون بحضرتهما، وقد ذكرنا أن الهبة لا تتم إلا بالقبض، والقبض نوعان: حقيقي وأنه ظاهر، وحكمي وذلك بالتخلية؛ لأنها إذا كانت بحضرتهما فقد تمكنت من قبضها حقيقة، وهو تفسير التخلية، وهذا قول محمد خاصة، وعن أبي يوسف: التخلية ليست بقبض في الهبة الصحيحة، فأما في الهبة الفاسدة فالتخلية ليست بقبض بلا خلاف، وفي «المنتقى» أيضاً: إذا وهب غلامه من رجل والغلام بحضرتهما ولم يقل له الواهب، فذهب الواهب وترك الغلام فليس له أن يقبضه حتى يأمره بقبضه.
следующие страницы →