Полный текст (4 583 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
وجد بالزيادة عيباً ردها بنصف الألف؛ لأن بمقابلتها نصف.
وكذلك لو لم تلد الجارية لكن كانت عينها بيضاء وقت العقد فذهب البياض عن عينها، ثم إن عبداً معاً عيبها عند البائع فدفعه مولاه بالجناية إلى البائع، ثم زاد البائع المشتري يساوي ألف فهذا والأول سواء إذا قبضهم المشتري ينقسم الثمن على قيمة الجارية وقت العقد وعلى قيمة المدفوع بالعين يوم يقبضه المشتري، فإذا وجد بأحدهم عيباً ردها بالحصة؛ لأنه لما انجلى البياض عن العين كان ذلك بمنزلة زيادة متصلة فلما برأت عن عيبها دفع بها صارت تلك الزيادة متصلة بمنزلة ولد ولدته فيكون العبد المدفوع تبعاً للجارية إنم (٧٨أ٣) يصير مقصوداً بالقبض فيعتبر في الانقسام قيمة وقت القبض.
وهذا بخلاف إتلاف البائع؛ لأن البائع بالإتلاف يصير مفوتاً القبض المستحق بحكم العقد مقصوداً بالفسخ وأن يصير مقصوداً بالفسخ إلا وأن يصير مقصوداً بالعقد ضرورة فلهذا يعتبر قيمته في تلك الحالة أما ههنا البائع يقبض العبد بهذا القبض المستحق للمشتري ولا يفوت فلا يصير مقصوداً بالفسخ ليصير مقصوداً بالعقد ضرورة، فلهذا اعتبر قيمته في الانقسام يوم قبض المشتري.
وهذا الذي ذكرنا إذا كانت الجارية بيضاء إحدى العينين عند البيع فانجلى البياض عنها عند البائع، ثم جاء عبد وضرب عينها حتى عاد البياض فدفع به، فأما إذا كانت عيناها صحيحتين عند البيع وقيمتها ألف درهم وجاء عبد وضرب عينها عند البائع حتى انتصب فدفع مولاه إلى البائع.
ثم زاد المشتري عبداً يساوي ألف درهم، ثم جاء المشتري وقبضهم فهنا لا يجعل المدفوع بمنزلة الولد بل يقسم الثمن أولاً على قيمة الجارية يوم العقد وعلى قيمة الزيادة نصفان، ثم (ما) أصاب الجارية ينقسم عليها وعلى العبد المدفوع نصفان قلت قيمة العبد أو كثرت بخلاف الفصل الأول، فإن هناك ما أصاب الجارية ينقسم على قيمتها يوم العقد وعلى قيمة العبد المدفوع يوم القبض.
والفرق: أن العبد المدفوع هناك قائم مقام ما هو أصل وهو العين إذ العين في هذه الصورة كانت أصلاً ولم تكن زيادة؛ لأنه اشتراها وهي صحيحة العينين فكان حكمه حكم نصف الجارية على أي قيمة كان إذا العين من الأدمي نصفه فيأخذ نصف ما أصاب الجارية من غير اعتبار القيمة، فأما في الفصل الأول العين كانت زيادة؛ لأنه اشتراها وهي بيضاء أحد العينين، ثم انجلى البياض عنها والعبد المدفوع بها قام مقاماً فصارت الزيادة المتصلة منفصلة فكان بمنزلة الولد، وفي انفساخ الثمن يعتبر قيمة الولد يوم القبض فكذا قيمة العبد المدفوع.
قال: ولو ولدت الجارية المبيعة قبل القبض ولداً أو جاء عبد وضرب عينها التي كانت بيضاء وقت العقد وانجلى البياض عنها حتى عاد البياض بسبب ضربه ودفع العبد
стр. 2662
به، ثم ماتت الجارية بسبب آخر غير العين، ثم زاد البائع المشتري في المبيع دابة تساوي ألف درهم ورضي به المشتري صحت الزيادة؛ لأنها حصلت حال بقاء العقد؛ لأن الولد يقوم مقام الجارية حال فوات الجارية والعبد المدفوع في مثل هذه الصورة بمنزلة الولد فيبقي العقد ببقاء كل واحد منهما فصحت الزيادة.
وإذا قبض المشتري يقسم الثمن على قيمة الجارية يوم العقد وعلى قيمة الولد أو العبد المدفوع يوم قبض المشتري فحصة الجارية تسقط بهلاكها قبل القبض وحصة الولد أو العبد المدفوع يقسم عليه وعلى الزيادة يعتبر قيمته الزيادة يوم الزيادة وقيمة الولد أو العبد المدفوع يقسم عليه وعلى الزيادة يوم قبض المشتري وتعتبر الزيادة في هذه المسالة تابعة للولد أو العبد المدفوع؛ لأن الأصل متى، فإن قام الولد مقامه وصار أصلاً فاعتبرت الزيادة تبعاً للولد أو العبد المدفوع لهذا، فإذا بأحدهما عيباً رده بحصته من الثمن.
فإن لم يقبض المشتري شيئاً من ذلك حتى هلكت الزيادة هلكت بحصتها ويتخير المشتري إن شاء أخذ الولد أو العبد المدفوع بحصته من الثمن وإن شاء ترك؛ لأن بهلاك الزيادة تعتبر على المشتري شرط عقده فلابد من التخير طلباً لرضاه، وهذا الخيار غير الخيار والذي ثبت له بهلاك الجارية قبل القبض؛ لأن ذلك الخيار سقط حين رضي المشتري بالزيادة يكون رضاءً يلزم العقد وبسقوط الخيار فبطل ذلك الخيار وإنما هذا خيار وآخر يثبت بسبب هلاك الزيادة.
وإن هلك الولد أو العبد المدفوع قبل القبض وبقيت الزيادة فللبائع أن يمسك الزيادة عن المشتري؛ لأن الولد أو العبد المدفوع إذا هلك قبل القبض صار كأن لم يكن؛ لأنه ظهر أنه لم يكن، بمقابلته شيء من الثمن وإن الأم حين هلكت بجميع الثمن فانفسخ العقد كله بهلاك الأم، وإن الزيادة حصلت بعد انفساخ العقد فلم تصح الزيادة فكان للبائع أن يمسك الزيادة لهذا.
وإنما قلنا: أن بهلاك الولد قبل القبض يظهر أنه لم يكن بمقابلته شيء من الثمن؛ لأن الولد وإن صار مبيعاً إلا أنه إنما يأخذ قسطاً من الثمن إذا صار مقصوداً وإنما يصير مقصوداً إذا ورد عليه القبض إلا أن الظاهر لما كان إلى وقت القبض كان الظاهر صيرورته مقصوداً والأحكام مبنية على الظاهر فجعلنا للولد حصة من الثمن للحال بحكم الظاهر وأبقينا العقد ببقائه وصححنا الزيادة تبعاً له ولكن بشرط بقائه إلى وقت القبض، فإذا هلك الولد قبل القبض فات الشرط وظهر بخلاف ذلك الظاهر، وظهر أنه لم يكن بمقابلته شيء من الثمن.
وإذا اشترى عبدين قيمة أحدهما ألف درهم وقيمة الآخر خمسمائة درهم بألف درهم، فصارت قيمة التي كانت خمسمائة ألف درهم أيضاً، ثم زاد المشتري في الثمن شيئاً تصح الزيادة وتنقسم الزيادة عليهما أثلاثاً اعتباراً لقيمتهما يوم البيع على ما مر،
стр. 2663
ومعنى آخر أن الزيادة للحال بل المبيع صورة لا معنى، ثم إذا صحت الزيادة والتحقت بأصل العقد تتحقق المقابلة بين الزيادة وبين المبيع معنى والانقسام حكم المعاني لا حكم الصور فيجب اعتبار حالة المقابلة المعنوية وهي حالة العقد، وفي تلك الحالة قيمة أحدهما ضعف قيمة الآخر فلا يتغير الانقسام بعد ذلك بتغير القيمة، فإن وجد المشتري بأحد العبدين عيباً رده بحصته من المثمن الأصل والزيادة، وإن مات أحدهما، ثم زاد المشتري في الثمن صحت الزيادة في حق القائم دون الهالك، حتى لو كان القائم هو الذي قيمته ألف صح ثلثاها، وإن كان القائم هو الآخر صح ثلثها.
وكان ينبغي أن لا تصح الزيادة أصلاً؛ لأنه جمع بين الحي وبين الميت في حق الزيادة، ولو جمع بين الحي وبين الميت في حق ابتداء العقد لا يصح العقد أيضاً فكذا في حق الزيادة.
وللوجه في هذا أن يقال: إن الجمع بينهما إنما يمنع ابتداء العقد بجهالة الثمن إن لم يكن الثمن مفصلاً عند الكل، والشرط الفاسد عند أبي حنيفة إن كان الثمن منفصلاً؛ لأنه جعل قبول العقد في الهالك شرطاً للعقد في القائم على ما عرف في موضعه، وكلا المعنيين لا يوجدان ههنا.
أما الجهالة؛ لأن الجهالة إنما تقع من قبل الانقسام من حكم المقابلة معنى لا صورة، والمقابلة من حيث المعنى إنما تثبت عند العقد فعند ذلك يثبت الانقسام، وفي الحالة لا جهالة فيصير بمنزلة موت أحدهما بعد الزيادة.
وأما المعنى الآخر؛ لأن الزيادة إنما تثبت بطريق الاستثناء، وكل مستند ظاهر من وجه مقتصر من وجه ولافساد باعتبار الظهور إنما الفساد باعتبار الاقتصار فكان الفساد في حصة الهالك ثابتاً من وجه دون وجه فلا تثبت حصة الهالك ولكن لا يتعدى ذلك إلى حصة القائم، ولا يصير شرطاً فاسداً في حق حصة القائم وكان ينبغي أن يصرف كل الزيادة إلى القائم عند أبي حنيفة.
كما إذا تزوج امرأتين إحداهما لا تحل له على ألف درهم يصرف الألف كله إلى التي تحل له عند أبي حنيفة. والجواب: أن الانقسام حكم صحة الإيجاب وهناك الإيجاب لم يصح في حق الحرمة أصلاً، أما ههنا (٧٨ب٣) الهالك داخل باعتبار شبه الظهور والتقسيم حكم شبه الظهور فصار كما لو مات أحدهما بعد الزيادة، وكذلك لو أعتق أو دبر أو كانت أمة فاستولدها أو باع أحدهما فهذا وما لو مات أحدهما سواء.
وفي «المنتقى» : رجل اشترى عبدين صفقة واحدة بألف درهم وتقابضا أو لم يتقابضا حتى زاد المشتري مائة في ثمن أحد العبدين بعينه، أو قال: في ثمن أحدهما ولم يعين قال: لا تجوز الزيادة.
ثم قال: وإن كان لكل واحد منهما ثمن على حدة وزاد في ثمن أحدهما لا بعينه جاز، وجعل القول قول المشتري في إضافة الزيادة إلى أحد الثمنين.
وذكر في موضع آخر من هذا الكتاب: إذا اشترى عبدين صفقة واحدة بألف درهم، ثم زاد المشتري مائة في ثمن أحد العبدين بعينه.
وقال القياس: أن تجوز الزيادة ويقسم
стр. 2664
الثمن على العبدين، ثم تدخل الزيادة في حصة العبد الذي زيدت فيه، وكذلك إذا زاد جارية في ثمن أحدهما بغير عيبه جاز وكان للمشتري أن يضيفها إلى أيهما شاء وكذلك إذا زاد عرضها.
نوع آخر في الحط والإبراء عن الثمن وفي هبة الثمن من المشتري
حط الثمن صحيح ويلتحق بأصل العقد عندنا كالزيادة، غير أن بين الحط والزيادة فرق من وجهين:
أحدهما: أن الحط صحيح سواء بقي المبيع محلاً للمقابلة أو لم يبق، بخلاف الزيادة على الرواية؛ لأن الحط إخراج ما تناوله وله الحط من أن يكون ثمناً للحال وتستند إلى حال كمال العدم يشترط له قيام الثمن لا قيام البيع، فأما الزيادة فإثبات صورة المقابلة للحال وتستند إلى حال كمال الثبوت فيشترط لها قيام المبيع بشرط أن يكون محلاً للمقابلة.
الثاني: إن من اشترى عبدين صفقة واحدة بألف درهم، فحط عنه المشتري مائة كان الحط نصفين، ولو زاد المشتري في هذه الصورة مائة يقسم الزيادة على قدر قيمتها.
والفرق: أن الحط يكون من الثمن ولا تعلق له بالمبيع، فإذا قال: حططت عن ثمنها مائة، فقد أدخلهما في الحط على السواء، فانقسم الحط عليهما نصفان بخلاف الزيادة في الثمن؛ لأنهما تقابل المبيعين، وقد قابلهما بهما، والمقابلة تقتضي الانقسام على المبيعين باعتبار القيمة، وإذا وهب بعض الثمن من المشتري قبل القبض أو أبرأه عن بعض الثمن قبل القبض فهو حط أيضاً.
وإن كان البائع قد قبض الثمن، ثم حط البعض أو وهب البعض بأن قال: وهبت منك بعض الثمن صح ووجب على البائع رد مثل ذلك على المشتري.
ولو قال: أبرأتك عن بعض الثمن بعد القبض لا يصح الإبراء، وكان يجب أن لا تصح الهبة والحط بعد القبض أيضاً كالإبراء؛ لأن المشتري قد برئ عن الثمن بالإبقاء، فالحط أو الهبة لم تصادف ديناً قائماً في ذمة المشتري، فينبغي أن لا يصح كالإبراء.
والجواب: أن الدين باق في ذمة المشتري بعد القضاء؛ لأنه لم يقض عين الواجب حتى لا يبقى في الذمة إنما قضى مثله فيبقى ما في ذمته على حاله، إلا أن المشتري لا يطالب به؛ لأن له مثل ذلك على البائع بالقضاء، فلو طالب البائع المشتري بالثمن كان للمشتري أن يطالب البائع أيضاً، فلا يفيد مطالبة كل واحد منهما صاحبه.
فعلم أن الثمن باق في ذمة المشتري بعد القضاء بالهبة والحط كل واحد منهما صادف ديناً قائماً في ذمة المشتري كان ينبغي أن يصح الإبراء أيضاً، إلا أنه لم يصح؛ لأن الإبراء نوعان:
إبراء بالإستيفاء وإبراء بإسقاط الواجب، ولهذا يقال: أبرأه براءة قبض واستيفاء كما يقال: أبرأه براءة اسقاط، فإذا أطلق البراءة إطلاقاً انصرفت إلى البراءة من حيث القبض؛ لأنه أقل، وإذا انصرف إليه صار كأنه قال: أبرأتك براءة قبض واستيفاء ولو نص على هذا
стр. 2665
لا يسقط الواجب عن ذمة المشتري، ولا يجب على البائع رد ما قبض كذا ههنا.
فأما الهبة والحط لا يتنوع إلى نوعين: هبة إسقاط وهبة قبض، حط إسقاط وحط قبض، وإنما هو نوع واحد وهو هبة إسقاط، وإذا كان نوعاً واحداً وهو الإسقاط صار كأنه نص عليه، وقال: حططت عنك حط إسقاط، وهبت منك هبة إسقاط، ولو نص على ذلك يسقط الواجب عن ذمة المشتري ويبرأ المشتري مما عليه كذا ههنا، وإذا برئ المشتري مما عليه في هذه الصورة كان له أن يطالب البائع بما وجب له على البائع بالقضاء؛ لأن المطالبة الآن تفيد، فهذا هو الفرق بين الهبة والحط وبين الإبراء.
زان مسألة الحط والهبة أن لو قال البائع للمشتري بعد قبض الثمن: أبرأتك براءة إسقاط، وهناك يصح الإبراء أيضاً، ويجب على البائع رد ما قبض من المشتري. وأما إذا حط كل الثمن أو وهب كل الثمن أو أبرأه عن كل الثمن، فإن كان ذلك قبل قبض الثمن صح الكل، ولكن لا يلتحق بأصل العقد، وإن كان بعد قبض الثمن صح الحط والثمن، ولم يصح الإبراء لما ذكرنا.
هذا جملة ما أورده شيخ الإسلام في شرح كتاب الشفعة وفي شرح كتاب الرهن، وذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه في الباب الثاني من شرح كتاب الرهن: أن الإبراء المضاف إلى الثمن بعد الاستيفاء صحيح حتى يجب على البائع رد ماقبض من المشتري، وسوى بين الابراء وبين الهبة والحط فيتأمل عند الفتوى.
الفصل الثاني عشر: في البيع بشرط الخيار
هذا الفصل يشتمل على أنواع:
نوع منه في بيان ما يصح منه وما لايصح
يجب أن يعلم بأن الخيار المشروط في العقد لايخلو إما أن يكون مؤبداً بأن يقول المشروط له الخيار على أني بالخيار أبداً، وفي هذا الوجه العقد فاسد؛ لأن الأبد ينصرف إلى العمر ويصير تقدير المسألة كأنه قال: إني بالخيار مدة عمري، ولو صرح بذلك يفسد العقد بجهالة المدة كذا ههنا.
وكذلك إذا قال: على أني بالخيار، ولم يوقت لذلك وقتاً كان العقد فاسداً؛ لأن المطلق فيما يحتمل التأبيد ينصرف إلى الأبد، فكأنه قال: على أني بالخيار أبداً، وكذلك إذا قال: على أني بالخيار أياماً ولم يبين مقدار ذلك فالعقد فاسد.
وإن ذكر لذلك وقتاً معلوماً قال: ثلاثة أيام أو دون ذلك، فالعقد جائز بالاتفاق، وإن قال: أربعة أيام أو ما أشبه ذلك، فعلى قول أبي حنيفة العقد فاسد، وهو قول زفر، وقال أبو يوسف ومحمد: العقد جائز.
стр. 2666
والصحيح ما قاله أبو حنيفة؛ لأن القياس يأبى جواز البيع مع شرط الخيار؛ لأنه شرط لايقتضيه العقد، ولأحد العاقدين فيه منفعة لكن عرفنا جوازه بالنص، وهو قوله ﵇ لحبان بن منقذ: «إذا بايعت» ، وفي رواية: «إذا ابتعت شيئاً فقل لا خلابة، ولي الخيار ثلاثة أيام» فبقي مازاد على الأيام الثلاثة على أصل القياس، والنص الوارد في ثلاثة أيام لايكون وارداً فيما زاد عليهما؛ لأن منع حكم العقد فيما زاد على ثلاثة أيام أكثر، والشيء يدل على مثله ولا يدل على مافوقه، والاستدلال بالأجل لا يجوز؛ لأن الأجل أخف في منع حكم العقد من خيار الشرط؛ لأن الأجل يمنع المطالبة ولا يمنع وقوع الملك في البدلين، وخيار الشرط يمنع وقوع الملك والمطالبة، فإن سقط الخيار قبل (٧٩أ٣) دخول اليوم.I
.. الرابع ارتفع الفساد.
وهو نظير البيع إلى الحصاد والدياس إذا سقط الأجل قبل دخول وقت الحصاد والدياس، وإذا لم يكن الخيار مؤقتاً بوقت فلصاحب الخيار أن يختار في الثلاث، فإن مضت الثلاث قبل أن يختار البيع، فالبيع فاسد في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز اختياره بعد الثلاث، وينقلب العقد جائزاً، هكذا ذكر في «الأصل» .
قال شمس الأئمة الحلواني: إنما ينقلب جائزاً عندهما، وفي «القدوري» : إذا سقط الخيار في أي وقت أسقطا، فالبيع جائز على قولهما.
وروي عن أبي يوسف: أن هذا البيع جائز؛ لأن الخيار ملائم بالعقد، فصح شرطه من غير توقيت كخيار الرؤية، وخيار العيب، إلا أنه يقول على هذه الرواية يخير من له الخيار على أن يمضي البيع أو يفسخ، وروي عنه رواية أخرى أنه قال: إذا اجتمعا فإن أجاز البيع وإلا فسخت، وعنه رواية أخرى: أنه إذا لم يكن للخيار مدة، فلكل واحد منهما إبطال العقد.
وقال محمد: إذا كان الخيار للمشتري غير مؤقت، فليس للبائع فسخ العقد وإنما ذلك إلى المشتري.
وفي «القدوري» : ولو كان الخيار إلى قدوم فلان أو موته أو إلى أن يهب الريح، فأبطلا الخيار لم يجز البيع في قول أبي يوسف.
وفي «نوادر ابن سماعة» : عن محمد باع من آخر عبداً أو ثوباً أو ما أشبه ذلك على أن المشتري فيه بالخيار ثلاثة أيام بعد ما مضى شهر رمضان، قال: هذا جائز وله الخيار في رمضان كله وثلاثة أيام بعده، وكذلك لو شرط الخيار للبائع ولو كان البائع قال للمشتري: لا خيار لك في شهر رمضان، ولكن الخيار بعد ذلك ثلاثة أيام، أو قال المشتري للبائع: لا خيار لك في شهر رمضان ولكن الخيار بعده ثلاثة أيام فالبيع فاسد.
стр. 2667
وفي «الفتاوى» : إذا شرط للمشتري خيار يومين بعد شهر رمضان والشراء في آخر رمضان، فالشراء جائز وله الخيار ثلاثة أيام، اليوم الآخر من شهر رمضان ويومين بعده؛ لأنه سكت عن الخيار وقت العقد، فيمكن تصحيح هذا العقد باشتراط الخيار وقت العقد ويومين بعد رمضان، ولو قال: لاخيار له في رمضان فالبيع فاسد؛ لأنه تعذر تصحيح هذا العقد.
وعن أبي يوسف: أنه إذا باع بيعاً وشرط الخيار لنفسه يوماً بعد سنة، فالبيع جائز ولا خيار له في السنة، فإذا مضت السنة فله الخيار يوماً.
وإذا باع من آخر ثوباً بعشرة دراهم ثم إن البائع قال للمشتري: لي عليك الثوب أو عشرة دراهم، قال محمد ﵀: هذا عندنا خيار، وإذا باع على أنه إن لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما، فالبيع جائز والشرط جائز، هكذا ذكر محمد رحمه المسألة في «الأصل» ، واعلم بأن هذه المسألة على وجوه:
إما إن لم يبين الوقت أصلاً بأن قال: على أنك لم تنقد الثمن فلا تبيع بيننا أو بين وقتاً مجهولاً بأن قال: على أنك إن لم تنقد الثمن أياماً في هذين الوجهين العقد فاسد، وإن بين وقتاً معلوماً إن كان ذلك الوقت مقدراً بثلاثة أيام أو دون ذلك، فالعقد جائز عند علمائنا الثلاثة ﵏، والقياس يأبى جواز العقد مع هذا الشرط، وبه أخذ زفر؛ لأنه شرط لايقتضيه البيع، فإنه شرط الفسخ متى لم ينقد الثمن ثلاثة أيام وفيه منفعة للبائع، فإن المبيع يعود إلى ملكه متى لم ينقد المشتري الثمن ثلاثة أيام.
لكن ترك القياس فيما إذا كان الوقت مقدراً بثلاثة أيام بحديث عبد الله بن عمر، فإنه روي أنه لو باع بأمة له من رجل على أنه إن لم ينقد الثمن إلى ثلاثة أيام، فلا بيع بينهما، والمروي عن الصحابة فيما لايعرف قياساً كالمروي عن النبي ﵇، ولأن هذا شرط متعامل فيما بين الناس يشترطون ذلك فيما بينهم لدفع العين عن أنفسهم متى لم ينقد المشتري الثمن، والقياس يترك بالتعامل.
وإن ترك المدة أكثر من ثلاثة أيام قال أبو حنيفة: البيع فاسد، وقال محمد: البيع جائز. قال شيخ الإسلام: سوى أبو حنيفة بين هذا وبين خيار الشرط، فلم يجوّز أكثر (من) ثلاثة أيام فيهما، ومحمد سوى بينهما أيضاً، فجوز فيهما أكثر من ثلاثة أيام، ولم يذكر محمد قول أبي يوسف.
يقول في رجل قال لآخر: بعتك عبدي هذا بألف درهم فإن لم تأتي بالثمن إلى سنة، فلا شيء بيني وبينك، قال: هذا فاسد وليس هذا بمنزلة الخيار، قال: على هذه الرواية لو نقد المشتري الثمن في الثلاث، وقال للبائع: خذه فلا أريد تأخيره، فإني أجبره، فهذه الرواية دليل أن أبا يوسف في هذه الصورة جوز البيع بهذا الشرط.
والفرق له على هذه الرواية بين هذا الشرط وبين شرط الخيار أن القياس يأبى الجواز مع هذا الشرط ومع شرط الخيار، وإنما تركنا القياس في الوضعين بالنص، والنص مقيد بثلاثة أيام، وفي شرط الخيار ورد النص بالزيادة على ثلاثة أيام.
стр. 2668
وروى الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف: أنه رجع عن قوله بفساد البيع مع هذا الشرط أكثر من ثلاثة أيام.
والحاصل أن هذا البيع بمنزلة البيع بشرط الخيار للمشتري، فإذا بين المدة أكثر من ثلاثة أيام. فالعقد فاسد عند أبي حنيفة ويرتفع الفساد بالنقد قبل مضي اليوم الثالث على ما ذهب إليه أهل العراق، وعلى ما ذهب إليه أهل خراسان: العقد موقوف، فإذا مضى اليوم الثالث ولم ينقد الثمن الآن يفسد العقد.
وإذا باع عبداً ونقد الثمن على أن البائع إن رد الثمن فلا بيع بينهما فهو جائز، وهو بمنزلة البيع بشرط الخيار للبائع، ويجوز شرط الخيار بعد البيع كما يجوز شرطه وقت البيع حتى إن المشتري إذا قال للبائع أو البائع قال للمشتري بعد تمام البيع: جعلتك بالخيار ثلاثة أيام أوما أشبه ذلك صح، وكان بالخيار كما شرط له وإن (كان) الخيار فاسداً فسد العقد به عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لايفسد، وهو نظير ما إذا ألحق شيء من الشروط الفاسدة بالعقد الصحيح.
ومن باع من آخر شيئاً وقبض المشتري المبيع ومضى أيام، فقال البائع للمشتري: أنت بالخيار فله الخيار مادام في المجلس؛ لأن هذا بمنزلة قوله: لك الإقالة، ولو قال: أنت بالخيار ثلاثة أيام فله الخيار ثلاثة أيام كما بينا في «الفتاوى» .
وإذا اشترى الرجل شيئاً على أنه بالخيار إلى الغد أو إلى الظهر دخلت في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد لايدخل حتى كان له الخيار في الغد والليل، وفي وقت الظهر عند أبي حنيفة خلافاً لهما هكذا ذكر المسألة في «الأصل» .
وذكر الحسن بن زياد في «المجرد» عن أبي حنيفة بخلاف ماذكر في «الأصل» فقال: إذا باع على أنه بالخيار إلى الليل، فله الخيار مابينه وبين أن تغيب الشمس، فإذا غابت الشمس بطل خياره عند أبي حنيفة.
إذا قال للمشتري: خذه وانظر إليه اليوم فإن رضيته أخذته بعشرة فهو خيار، إذا قال: هو بيع لك إن شئت اليوم.
وفي «الفتاوى» : باع عبداً على أنه بالخيار على أن له نقله ويستخدمه جاز وهو على خياره بخلاف ما لو باع كرماً على أن يأكل من تمره حيث لايجوز؛ لأن المنفعة لا حصة لها (٧٩ب٣) من الثمن وللتمر حصة من الثمن.
نوع آخر في بيان عمل الخيار وحكمه
إذا كان الخيار مشروطاً للبائع، فالمبيع لايخرج عن ملكه بالاتفاق؛ لأن الخيار استثناء لحكم العقد؛ لأنه دخل على العقد فأوجب تعليقه ونفس العقد لايقبل التعليق وحكمه وهو الملك يقبل، فتخير في هذا الحكم بين أن يثبت وبين أن لايثبت كما تخير في الابتداء بين أن يباشر العقد وبين أن لا يباشر، فكان هذا هو الخبر الأصلية، والثمن
стр. 2669
يخرج عن ملك المشتري باتفاق؛ لأن المانع من عمل العقد شرط الخيار، ولا شرط في جانب المشتري وعمل العقد في جانبه في إزالة الثمن عن ملكه، فلهذا قلنا: إن الثمن يزول عن ملك المشتري.
وهل يدخل في ملك البائع؟ على قول أبي حنيفة: لا يدخل، وعلى قولهما: يدخل إذا كان الخيار للمشتري، فالثمن لايزول عن ملكه. والمبيع يخرج عن ملك البائع بالاتفاق على نحو ما ذكرنا في خيار البائع.
وهل يدخل المبيع في ملك المشتري؟ على قول أبي حنيفة: لا يدخل، على قولهما: يدخل.
وجه قولهما: أن المانع من عمل العقد شرط الخيار ولا شرط في جانب البائع، فيعمل في جانبه وعمل العقد في جانبه في إزالة المبيع عن ملكه إلى ملك المشتري، ولأبي حنيفة أن الشراء كما هو علة زوال الثمن عن ملك المشتري، فهو شرط دخول المبيع في ملكه، ولهذا توقف دخول المبيع في ملك المخاطب على قبوله، والخيار دخل على الشراء مطلقاً، فكان يمنع عمله من حيث إنه علة يمتنع ومن حيث إنه شرط.
ويبنى على هذا الأصل المختلف مسائل منها:
إن من اشترى زوجته على أنه بالخيار ثلاثة أيام لم يفسد النكاح عند أبي حنيفة، وعندهما يفسد، فإذا وطئها فله أن يردها بحكم الخيار عند أبي حنيفة، وعندهما ليس له ذلك.
ووجه البيان: أن خيار المشتري لما منع دخول المبيع في ملكه عنده، فالمشتري لم يملك زوجته عنده، فلا يفسد النكاح ويكون الوطء حاصلاً بحكم ملك النكاح لا بملك اليمين، فيضاف إلى البائع فلا يمنع الرد، عندهما: خيار المشتري لما لم يمنع دخول المبيع في ملك المشتري ملك المشتري امرأته فيفسد النكاح، وكان الوطء حاصلاً بحكم ملك اليمين فيمنع الرد.
منها: أن المشترى بشرط الخيار إذا كان ذو رحم محرم منه لم يعتق عليه عند أبي حنيفة؛ لأنه لم يملكه وخياره على حاله، وعندهما: يعتق وبطل خياره.
ومنها: أن المشترى إذا كانت جارية وقبضها المشتري فحاضت في يد المشتري في مدة الخيار بعض الحيض، وأجاز المشتري العقد لا تجزئ تلك الحيضة عند أبي حنيفة؛ لأن بعضها حصلت خارج ملك المشتري.
وعندهما: تجزئ تلك الحيضة، وإذا فسخ المشتري العقد ورد الجارية على البائع لايجب على البائع الاستبراء عند أبي حنيفة سواء جعل الفسخ والرد قبل القبض أو بعده، وعندهما: إن كان الفسخ والرد قبل القبض لا يجب على البائع الاستبراء استحساناً.
والقياس: أن يجب، وإن كان الفسخ والرد بعد القبض يجب على البائع الاستبراء قياسًا واستحساناً بمنزلة العقد البات.
ومنها: أن المشتري إذا كان قبض المبيع بإذن البائع، ثم أودعه عند البائع في مدة الخيار أو بعدها هلك على البائع وبطل البيع عند أبي حنيفة؛ لأن عنده المشتري لم يملكه وقد ارتفع قبضه بالرد على البائع، فكان الهلاك على ملك البائع.
стр. 2670
وعندهما: يهلك على المشتري، ويلزمه الثمن؛ لأن عندهما ملكه المشتري، فصار مودعاً ملك نفسه، ويد المودع يد المودع فصار هلاكه في (يد) البائع كهلاكه في يد المشتري.
ومنها: عبد مأذون له في التجارة اشترى من آخر سلعة على أنه بالخيار ثلاثة أيام، ثم إن البائع أبرأه عن الثمن صح الإبراء استحساناً وخياره على حاله عند أبي حنيفة إن شاء أجاز وتكون السلعة له بغير ثمن، وإن شاء فسخ وأعاد السلعة إلى البائع بغير ثمن.
عندهما: بطل خياره؛ لأن عند أبي حنيفة ﵀: العبد لم يملك السلعة، فيكون الرد والفسخ امتناعاً من التملك، والعبد يملك ذلك كما إذا أوهب له هبة، فامتنع عن القبول، وعندهما يملك السلعة، فالرد والفسخ من العبد يكون تمليكاً من البائع بغير بدل وانه اصطناع بالمعروف، والعبد لايملك ذلك.
ومنها: إذا باع عبد الجارية وشرط الخيار لبائع العبد فأعتق مشتري العبد الجارية أو العبد لاينفذ عتقه، أما في الجارية؛ لأنها خرجت عن ملكه، وأما في العبد؛ لأنه لم يملكه، ولو أعتق بائع العبد نفذ عتقه؛ لأنه بقي على ملكه أو ينقض البيع، ولو أعتق الجارية نفذ العتق ولزم البيع؛ لأنه لم يملك الجارية عند أبي حنيفة فهو.... من إثبات الملك لنفسه فيها بإسقاط الخيار، فيضمن الإعتاق إسقاطاً للخيار.
ولو أعتقهما معاً يعني بائع العبد نفذ عتقه فيهما وانتقض البيع وعليه قيمة الجارية في قول أبي حنيفة؛ لأن العبد بقي على ملكه، فينفذ عتقه فيه وحال ما أعتق العبد كان ... من اعتاق الجارية بإلزام العقد فنفذ العتق فيهما لكن بدل الجارية قد هلك قبل التسليم، فأوجب ذلك فسخاً للعقد في الجارية فوجب ردها وقد عجز عن ذلك بسبب العتق فيضمن قيمتها.
قال بشر: سمعت أبا يوسف يقول: رجل اشترى عبداً على أنه بالخيار لم أجبر البائع على دفع العبد إلى المشتري ولا أجبر المشتري على دفع الثمن إليه، ولو دفع المشتري الثمن أجبرت البائع على دفع العبد إليه.
ولو دفع العبد إلى المشتري أجبرت المشتري على دفع الثمن وله الخيار للبائع ونقد المشتري الثمن وأراد أن يقبض العبد فمنعه البائع، فله ذلك غير أن يجبر البائع على رد الثمن.
قال أصحابنا: خيار الشرط يمنع تمام الصفقة؛ لأنه يمنع ثبوت الحكم وهو الملك ويمنع اللزوم، فكان مانعاً تمام الصفقة؛ لأن تمامها بثبوت جميع أحكامها، فإذا كان الخيار للمشتري والمبيع شيء واحد أو أشياء لم يكن له أن يجيز العقد في البعض دون البعض مقبوضاً أو لم يكن؛ لأنه تفريق الصفقة قبل التمام وإنه لا يجوز بخلاف ما بعد التمام حيث يجوز التفريق.
والفرق: أن في الحالين يوجد ضرران؛ ضرر البائع وضرر المشتري، فيجب دفع الأقوى يتحمل الأدنى عند تعذر دفعهما، وقبل التمام إما يلحق البائع من الضرر بتفريق
стр. 2671
الصفقة أقوى مما يلحق المشتري بعدم التفريق؛ لأنه ضرر مالي؛ لأن ضم الرديء إلى الجيد لترويج الكل بالثمن الجيد معتاد فيما بين الناس، فلو جاز التفريق فالمشتري يأخذ الجيد ويرد الرديء، ويتعذر على البائع ترويج الرديء بعد ذلك بثمن الجيد، فيلحق البائع ضرر مالي من هذا الوجه.
أما ما يلحق المشتري من الضرر بعدم صحة التفريق قبل التمام ليس بضرر مالي بل فيه ضرر بطلان قوله حيث لايصح قبوله العقد في البعض، أو لا يصح رده البعض وإنه مجرد قوله، فإبطال مجرد القول في ضرر دون إبطال المال، فأما بعد تمام الصفقة.
أما يلحق المشتري من الضرر برد الكل أكثر مما يلحق البائع برد البعض؛ لأن برد الكل يبطل حق المشتري عن التسليم من غير رضاه، وإنه ضرر مالي، وإن كان بعوض. (٨٠أ٣) وما يلحق البائع برد البعض موهوم، فإنه عسى يتهيأ له بيع المعيب بثمن السليم، فكان ضرر المشتري أكثر في هذه الصورة، فهذا هو الفرق بين الصورتين.
ولو كان الخيار للبائع والمبيع مقبوض فهلك بعضه فللبائع أن يجيز البيع في قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: إذا كان المبيع مما يتفاوت فهلك واحد منه أو تبعض البيع وليس للبائع أن يجيز الباقي وإن كان مكيلاً أو موزوناً أو معدوداً غير متفاوت، فهلك بعضه للبائع أن يلزمه البيع فيما بقي.
وجه قول محمد: أن خيار البائع لما منع زوال ملك البائع كانت الإجازة بمعنى ابتداء التمليك، ولما كان هكذا يتعذر إثباتها في الهالك لعدم المحل كان إجازة المالك بيع الفضولي بعد هلاك المبيع وتعذر إثباتها في القائم إذا كان شيئاً متفاوتاً؛ لأنه حينئذٍ يكون تمليكاً للقائم بحصة من الثمن، وإنه مجهول بخلاف ما إذا كان شيئاً يتفاوت؛ لأن حصته من الثمن معلوم، فأمكن اعتبار الإجازة في الباقي.
ولهما: أن علة الملك وهي التمليك وهو المالك إلا أن حكم العلة صار مستثنى بالخيار، فإذا سقطت الخيار بالإجازة التحق الحكم من الابتداء من كل وجه ولما كان المتفاوت وغير المتفاوت سواء وما قال بأن الإجازة بمعنى ابتداء التمليك فاسد؛ لأن الحكم لايتوقف على وجود الإجازة، فإنه يثبت بدونها بمضي المدة.
وكذلك بموت من له الخيار. ولو كان لها حكم ابتداء التمليك لما ثبت بدونها بخلاف الإجازة في الفضولي؛ لأنها بمعنى ابتداء التمليك، ولهذا توقف ثبوت الحكم وجوباً؛ وهذا لأن الإجازة في بيع الفضولي معملة للعلة وهي التمليك لصدورها من غير المالك والعمل للعلة يعطي له حكم العلة فاعتبرنا قيام المحل.
أما ههنا الإجازة ليس لها حكم الإعمال للعلة لما ذكرنا أن العلة صدرت من المالك إلا أن حكمها صار مستثنى بالخيار فإذا سقط الخيار ثبت الحكم من الابتداء من كل وجه فلم تكن الإجازة في معنى ابتداء التمليك أصلاً، فلا يعتبر قيام المحل عند الإجازة.
ولو استهلك مستهلك المبيع في يد المشتري فللبائع أن يلزمه ويأخذ الثمن في قول
стр. 2672
أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال أبو يوسف بعد ذلك: ليس للبائع أن يلزمه إلا برضى المشتري؛ لأن المبيع قد تغير قبل ثبوت الحكم، فيثبت الخيار للمشتري كما في البيع البات قبل القبض بل أولى؛ لأن هناك يثبت ملك الرقبة إن لم يثبت ملك التصرف لم يثبت الملك أصلاً.
وأبو حنيفة ﵀ مر على الأصل الذي قلنا: إن الحكم عند الإجازة لما كان يثبت من وقت العقد من كل وجه كما لو كان باتاً من الأصل واستهلك.... المشتري في يد المشتري وهناك لايثبت الخيار للمشتري فههنا كذلك، ولو هلك أحد العبدين في يد البائع لم يكن له أن يلزم المشتري العبد الباقي إلا برضاه؛ لأن فيه تفريق الصفقة على المشتري قبل التمام وصار كما لو كان العقد باتاً من الأصل.
نوع آخر في بيان ما ينفذ به هذا البيع، وفي بيان ما ينفسخ به هذا البيع
فنقول: شرط الخيار إذا كان البائع منفوذ العقد بمعانى:
أحدها: أن يجيز البيع صريحاً سواء كان المشتري حاضراً أو غائباً.
الثاني: أن يموت البائع في مدة الخيار؛ لأنه يعجز عن التصرف بحكم الخيار في آخر جزء من أجزاء حياته فيسقط خياره ضرورة.
والثالث: أن تمضي مدة الخيار من غير فسخ من جهته؛ لأن بمضي مدة الخيار يسقط الخيار وهو المانع من نفوذ العقد.
وكذلك إذا أغمي عليه أو جن حتى مضت الأيام الثلاثة.
ولو أنه أفاق في مدة الخيار حكي عن الشيخ الإمام الزاهد أحمد الطواويسي (أنه) على خياره، وذكر شمس الأئمة الحلواني: أنه على خياره. قال ﵀: وهو منصوص وهو الأصح.
وإن سكر من الخمر لم يبطل خياره؛ لأنه عد غافلاً كما في الطلاق، وإن سكر من البيع يبطل خياره حتى لو زال السكر من البنج في المدة ليس له أن يتصرف بحكم الخيار هكذا حكى عن الشيخ الإمام الزاهد أحمد الطواويسي، والصحيح أنه لايبطل.
وإن ارتد وعاد إلى الإسلام في المدة فهو على خياره إجماعاً، وإن مات أو قتل على الردة بطل خياره إجماعاً، وإن تصرف بحكم الخيار بعدها توقف تصرفه عند أبي حنيفة ونفذ عندهما، وفسخه بأحد أمرين، أما بالقول أو بالفعل، أما بالقول فسخت فبعد ذلك ينظر إن كان المشتري حاضراً يصح الفسخ ولا يحتاج فيه إلى قضاء أو رضا، وإن كان غائباً لا يصح الفسخ، ويكون موقوفاً عند أبي حنيفة ومحمد خلافاً لأبي يوسف.
والمراد من الحضرة المذكورة في هذه المسألة العلم بالفسخ في مدة الخيار حتى إن المشتري لو علم بالفسخ صح الفسخ وإن لم يكن حاضراً، وإن علم بعد مضي المدة تم
стр. 2673
البيع؛ لأن تمام المدة دلالة لزوم البيع، فإذا اعترض في حال توقف الفسخ.
فوجه قول أبي يوسف: أن صاحب الخيار تصرف برضا صاحبه فلا يشترط علم صاحبه كالوكيل بالبيع، فإنه لا يشترط علم الموكل لصحة البيع لما قلنا كذا هنا.
بيانه: أن ولاية النقض بحكم شرط الخيار، وصاحبه شاركه في شرط الخيار، وعن أبي يوسف رواية أخرى في «النوادر» مثل قولهما: إن صاحب الخيار بالفسخ يلزم حكماً مبتدأً على صاحبه، ولصاحبه فيه ضرر إذا لم يعلم به، ونعني بهذا الفسخ فسخ العقد، فإن العقد ثابت في حق الحكم ففسخه ورفعه يكون حكماً مبتدأً.
وإنما قلنا لصاحبه فيه ضرر إذا لم يعلم به؛ لأنه تبنى على هذا أحكام يلزمه أداؤها، فإذا كان لا يشعر بها يمضي على موجب العقد ولا يؤدي تلك الأحكام، فيؤاخذ بسبب تركها، وهذا الضرر إنما جاء من ناحية الفسخ بلا علم، فيكون هذا إضراراً منه لصاحبه، فوجب أن لا يرد من غير علم صاحبه دفعاً للضرر عن صاحبه، ألا ترى أن من له خيار العيب إذا أراد الرد ... العبد إلى ملك البائع ويبني على الملك أحكام يجب آداؤها، فإذا كان لايعلم به لايؤدي فيؤاخذ بترك الأداء، فلم يصح من غير علمه دفعاً للضرر عنه، ولا يلزم على ماقلنا الإجازة؛ لأنه لا ضرر على صاحبه في الإجازة من غير علمه، فلا يتوقف صحتها على علمه، ولأنه لازم في حقه قبل الإجازة.
وأما الفسخ بالفعل أن يتصرف البائع في مدة الخيار في المبيع تصرف الملاك كما إذا اعتق أو دبر أو كاتب؛ لأن هذه التصرفات مختصة بالملك ولا يحتاج إليها للاختيار للملك دلالة، واختيار الملك يوجب نقض البيع، ولأن بعد هذه التصرفات يتعذر عليه الإجازة؛ لأن الحر ليس بمحل الابتداء، فلا يكون محلاً لإجازة البيع فيه، والأصل في العقد الموقوف إذا حدث فيه ما يتعذر بالإجازة أن ينفسخ، العقد مشروع للإجازة لا.t
... وكذلك إذا باع من غيره؛ لأن البيع من التصرفات المختصة بالملك ولأن البيع قد نفذ؛ لأنه لاقى ملك البائع، والعقد.
النافد إذا طرأ على العقد الموقوف أوجب انفساخه، وكذلك لو وهب وسلم ينفسخ البيع، ولو وهب ولم يسلم لاينفسخ البيع. اذا رهن وسلم ينفسخ (٨٠ب٣) البيع، وإذا رهن وسلم ينفسخ البيع، وإذا آجر ذكر هذه المسألة في بعض المواضع، وقال: لا يكون فسخاً ما لم يسلمه إلى المستأجر، وذكر في بعضها أنه يكون فسخاً وإن لم يسلمه إلى المستأجر، وبه أخذ عامة المشايخ، ثم تصح هذه التصرفات بغير محضر من المشتري بلا خلاف، وإن كانت هذه التصرفات توجب فسخ البيع، والمشروط له الخيار لا يملك فسخ البيع حال غيبة صاحبه عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الفسخ بهذه التصرفات يثبت حكماً لا قصداً، وقد يثبت الشيء حكماً لغيره وإن كان لا يثبت قصداً، وقد روي عن محمد ما يدل على اشتراط حضرة صاحبه، وستأتي تلك الرواية بعد هذا إن شاء الله.
стр. 2674
وفي «المنتقى» : إذا باع عبداً على أن البائع فيه بالخيار، ثم إن البائع أخذ الثمن من المشتري، فذلك ليس بإمضاء للبيع، ولو أخذ بالألف من المشتري مائة دينار كان هذا إجازة للبيع، قال: لأنه عمد إلى الثمن بعينه فباعه، ولو قبض منه الألف، ثم باعها منه أو من غيره لم يكن ذلك إجازة منه للبيع؛ لأن هذه الألف التي باعها قضاء من الألف التي على المشتري.
والحاصل في هذه المسائل: أن الثمن إذا كان شيئاً يتعين بالتعين، فإذا قبض البائع الثمن وتصرف فيه من بيع أو هبة، فذلك إمضاء للبيع؛ لأن تصرفه صادف عين المستحق بالعقد، فكان تقريراً للملك فيه فيكون دليلاً للإجازة، وإن كان الثمن شيئاً لا يتعين بالتعيين كالدراهم، فتصرف فيه بعد ما قبض مع المشتري أو مع غيره، فذلك ليس بإمضاء للبيع، وإن تصرف فيه قبل القبض مع المشتري فاشترى منه بالثمن ثوباً أو صارفه الألف على مائة دينار، فذلك إجازة للبيع.
والفرق: أن التصرف قبل القبض أضيف إلى غير ما هو مستحق بالعقد؛ لأنه لا حق للبائع في ذمة المشتري إلا ما هو ثمن فكان التصرفة تقريراً للملك فيه فيكون دليل الإجازة، أما بعد القبض التصرف ما أضيف إلى ما هو مستحق بعينه؛ لأن ما يدخل تحت القبض غير مستحق بالعقد أيضاً.
رجل باع جارية بعبد رجل وشرط بائع الجارية الخيار لنفسه في الجارية، ثم إنه وهب العبد الذي اشتراه بالجارية أو عرضه على بيع فهو إمضاء للبيع، ولو كان باع الجارية بألف درهم على أنه بالخيار في الجارية وقبض الألف، ثم وهبه أو أنفقه فهو على خياره؛ لأن له أن يدفع غيره. ولو لم يكن قبض الثمن من المشتري حتى اشترى منه بالألف شيئاً أو صارفه على مائة فهذا نقض لخياره وإمضاء لبيعه.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: رجل باع عبدين من رجل على أن البائع فيهما بالخيار، ثم إن البائع نقض البيع في أحدهما وبغير عينه فنقضه باطل، وكأنه لم يتكلم بشيء ولا يكون نقضه بعض البيع نقضه بجميعه ولا شيء منه، وله أن يجيز البيع كله بعد ذلك.
وكذلك لو باع عبداً واحداً على أنه بالخيار فيه، ثم قال نقضت البيع في نصفه كان ذلك باطلاً وكأنه لم يتكلم بشيء، وله أن يجيز البيع في الكل بعد ذلك.
وفي «المنتقى» : باع من آخر بيضة على أن البائع فيها بالخيار، فخرج منها فرخ بغير صنع المشتري فليس للبائع أن يجيز ذلك على المشتري علل، فقال من قبل أنه قد تحول عن حاله، وكذلك إذا باع كفرى على أنه بالخيار فيه فصار تمراً بعد القبض، وهذا إشارة إلى أن هذا العقد لا يبطل.
وهكذا ذكر في «الزيادات» . وذكر الصدر الشهيد في «واقعاته» أنه يبطل؛ لأنه لو بقي يبقى مع الخيار فيقدر البائع على الإجازة وإن أبى المشتري، وهذا لا يجوز؛ لأن
стр. 2675
المبيع صار شيئاً آخر ولو لم يكن في البيع خيار البيع، فالبيع باق والمشتري بالخيار، إن شاء أخذ وإن شاء ترك؛ لأنه لو بقي البيع لا يلزم المشتري إلا إذا شاء، وهذا جائز بعد تغيير المبيع.
وفي «نوادر عيسى بن أبان» عن محمد: رجل باع من رجل أرضاً بعبد على أن البائع بالخيار وتقابضا، ثم تناقضا العقد، فالأرض في يد المشتري مضمونة بالقيمة لما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله، ويكون لمشتري الأرض أن يحبس الأرض من البائع إلى أن يرد العبد عليه، وإن أذن بائع الأرض للمشتري في زراعتها خرجت الأرض من الضمان وصارت عارية للبائع في يد المشتري، وللبائع إن يأخذها متى شاء، وإن كان المشتري زرع الأرض كان للمشتري أن يمسكها بأجر المثل ويمنع البائع عنها إلى أن يستحصد الزرع.
وإن أراد المشتري بعد زرعها أن يمنع الأرض من البائع حتى يسترد العبد ليس له ذلك؛ لأنه حين زرعها بإذنه فكأنه سلمها إليه.
وإن أبى المشتري أن تكون الأرض في يده بأجر المثل إلى وقت إدراك الزرع وكره قلع الزرع أيضاً وأراد تضمين رب الأرض الزرع كان له ذلك إذا كان قد أذن له في زراعتها إلى أن يدرك الزرع إلا أن يرضي البائع أن يترك الزرع فيها حتى يستحصد بغير شيء.
وإن كان الخيار للبائع في عبد باعه فقال البائع للعبد: أنت حر إن دخلت الدار، وقال: إن دخلت الدار فأنت حر لم يكن هذا نقضاً للبيع، وكذلك إذا قال للعبد: أنت حر أو هذا العبد الآخر ذكر المسألة في «المنتقى» .
وروى بشر عن أبي يوسف: إذا باع عبداً على أن البائع فيه بالخيار ثلاثة أيام، ثم قال له: أنت حر أو هذا العبد لم يكن هذا نقضاً للعقد، فإذا مضى أجل الخيار (لم يكن له) أن ينقض البيع (و) وجب البيع وعتق العبد الآخر.
وفي «المنتقى» أيضاً: إذا باع فعرض المبيع على البيع ذكر شمس الأئمة الحلواني أنه (إن) كان بغير محضر من صاحبه لا ينفسخ البيع، وبعض مشايخنا قالوا: العرض على البيع من البائع ليس بفسخ على كل حال وإليه مال الشيخ الإمام الزاهد أحمد الطواويسي، وذكر شيخ الإسلام في «شرحه» أن فيه روايتين.
وفي «المنتقى» عن محمد: البائع إذا عرض المبيع على البيع لا يبطل خياره وعلل فقال: لأن نقضه لا يجوز بغير محضر من المشتري، فهذا التعليل يشير إلى أن العرض على البيع لو كان بمحضر من المشتري أنه يكون نقضاً للبيع.
وإذا هلك المبيع في يد البائع انفسخ البيع سواء كان الخيار للبائع أو المشتري، وإن هلك في يد المشتري والخيار للبائع إن هلك في الأيام الثلاثة فعلى المشتري قيمته، وإن هلك بعد مضي الأيام الثلاثة فعلى المشتري الثمن؛ لأن بمضي المدة تم العقد ولزم الثمن فلا ينفسخ بالهلاك في يد المشتري بعد ذلك، فيبقى الثمن لازماً، فأما (إذا) هلك في الأيام الثلاثة فقد انفسخ
стр. 2676
العقد بهلاك المبيع؛ لأن الخيار قائم، وهذا؛ لأن المبيع بالهلاك والموت (يعاب) وإن تعيب في آخر جزء من أجزاء حياته؛ لأن الموت لا يخلو عن سابقة عيب إلا أن العيب الحادث في يد المشتري لا يعجز البائع عن الفسخ.
والإجازة بحكم الخيار فلا ينافي بقاء الخيار؛ لأن بقاء الخيار حينئذٍ يكون مقيداً، وإذا كان الخيار قائماً عند الهلاك كان العبد مملوكاً للبائع، فيهلك على ملكه وينفسخ العقد ضرورة، ولا يضمن المشتري الثمن ولكن يضمن القيمة، لأنه في معنى المقبوض على سوم الشراء إنما قبضه ليتملكه بعوض عيني كما في المقبوض على سوم الشراء، فيضمن القيمة عند العجز عن الرد كما في تلك المسألة.
وفي «المنتقى» : رجل باع من آخر جارية على (أن) البائع فيها بالخيار ودفعها (٨١أ٣) إلى المشتري، فأعتقها المشتري أو زوجها في مدة الخيار، ثم إن البائع أجاز البيع فيها لا يجوز عتق المشتري ولا تزويجه وقد نقض البائع التزويج بإجازته البيع وإحلاله فرجها للمشتري.
ولو كان الزوج وطئها وهي بكر، ثم نقض البائع البيع فيها وقد نقصها الوطء مائة درهم، وعقرها مائتا درهم، فالبائع بالخيار إن شاء اتبع الزوج بالعقر تاماً ولم يرجع به الزوج على أحد، وإن شاء اتبع المشتري بنقصان الوطء ورجع المشتري على الزوج الواطء بالمائة التي ضمن ولم يكن البائع دفع الأمة إلى المشتري، وزوجها المشتري رجلاً وهي في يد البائع فوطئها الزوج، ثم أجاز البائع البيع ولم ينقصها الوطء؛ لأنها ثيب فالنكاح فاسد إذا فسخه المشتري، ولا يبطل ما لم يفسخه؛ لأن فرجها لم يحل للمشتري بإجازة البائع البيع وللمشتري على الوطء مهر مثلها إذا فسد النكاح، ولا خيار للمشتري في رد الأمة بالوطء الذي كان عند البائع من قبل أن الوطء لم ينقصها، وإن كان الوطء زناً كان هذا عيباً رد فيه.
قال هشام: سألت محمداً: عن رجل باع داراً على أنه بالخيار ثلاثة أيام فتوارى المشتري في بيته أراد أن يمضي الثلاث، فيجب له البيع مثل يوجد في هذا بالأعذار، قال: نعم أبعث إليه من يعذره فإن ظهر وإلا أبطلت خياره إلا أن يجيء في الثلاث، قلت: فإن لم يأت الخصم في الأيام أتاك في وقت لا تستطيع أن تبعث إليه من قبلك الأعذار، فسألك أن تبطل الخيار عليه، قال: لا أفعل ذلك، قلت: فإن قال الخصم: إني قد أعذرت إليه وأشهدت فاختفى مني، فاشهد لي بذلك، قال: أقول اشهدوا أن هذا قد زعم أنه قد أعذر إلى صاحبه في الأيام الثلاثة كان يأتيه عند كل يوم، فتعذر إليه فيختفي منه، فإن كان الأمر كما قال فقد أبطلت عليه الخيار، فإذا ظهر بعد ذلك وأنكر سألت المدعي البينة على الخيار وعلى أعذاره كما كان ادعى.
وإن كان الخيار للبائع فأبرأ البائع المشتري من الثمن صح إبراؤه، وكان ذلك إمضاء للبيع؛ لأن التصدق إنما يكون من المالك، ومالكية الثمن عند أبي حنيفة ﵀ موقوفة على إجازة العقد، فيضمن الإقدام على ذلك إجازة للعقد، وستأتي مسألة الإبراء عن أبي يوسف بعد هذا بخلاف ما ذكر هنا.
стр. 2677
وكذلك لو اشترى بالثمن منه شيئاً أو ساومه به صح ويكون ذلك إمضاء للبيع.
ولو اشترى بالثمن شيئاً من غيره لم يصح الشراء، ولو حدث بالمبيع عيب في يد البائع والخيار له فهو على خياره، ولو كان العيب حادثاً بفعل البائع انتقض البيع؛ وهذا لأن ما يحدث بفعل البائع قبل القبض يكون مضموناً عليه حتى تسقط حصته من الثمن، فلو بقي البائع على خياره تفرقت الصفقة على المشتري قبل التمام، وإنه لا يجوز.
أما ما انتقض لا بفعل البائع لا يكون مضموناً عليه، ولهذا لو سقط أطراف المبيع قبل القبض لا يسقط بحصته من الثمن شيء. فلو نفينا الخيار لا يكون فيه تفريق الصفقة على المشتري قبل التمام إلا أنه لا يجبر المشتري إذا ألزم البائع العقد؛ لأنه إنما رضي بمبيع سليم.
فإذا تعيب قبل القبض انعدم الرضا فكان الخيار كما لو سقط أطرافه قبل القبض.
وروى أبو سليمان عن أبي يوسف في «الإملاء» فيمن اشترى من آخر جارية بألف درهم على أن البائع بالخيار، ثم إن البائع وهب الثمن بعدما قبضه، فإبراء المشتري منه لم يكن ذلك فسخاً ولا إمضاء للبيع، فإن أجاز البيع بعد ذلك، فالبيع جائز والهبة جائزة، ولو كان المشتري نقد الثمن للبائع، ثم وهبه للبائع وقبل ذلك البائع، ثم أجاز البيع ليس للبائع أن يأخذه المشتري بثمن آخر، والثمن الموهوب هو الثمن وهبته باطلة؛ لأنه وهب للبائع ما ملكه البائع؛ لأن البائع مالك لهذا الثمن لا المشتري، وهذا بناء على ما قلنا إن الخيار إذا كان للبائع فالثمن يزول (عن) ملك المشتري ويدخل في ملك البائع عندهما.
بشر عن أبي يوسف: مسلم باع من مسلم عصيراً على أن البائع بالخيار وقبضها المشتري، فصارت في يده خمراً فقد انتقض البيع، ذكر المسألة في «المنتقى» قال: وضمن العصير، وهكذا روي عن محمد. قال الحاكم أبو الفضل: وقد قال في موضع آخر البائع على خياره، فإن سكت حتى مضت الثلاث لزم البيع المشتري، ثم على ما ذكر بشر أن البيع ينتقض لو لم يختصما حتى صار خلاً، فاختار البائع فله ذلك ولا يعتبر رضا المشتري في المشهور من الرواية، وفي بعض الروايات يعتبر رضا المشتري.
وإذا تبايع الذميان خمراً بشرط الخيار للبائع، فأسلم البائع بعد القبض بطل البيع، هكذا ذكر القدوري في كتابه، وهكذا ذكر في موضع آخر من «المنتقى» بناء على أن خيار البائع زوال ملك البائع فبقيت الخمر على ملكه في مدة الخيار، فلو لم يبطل العقد انتقل الملك عنه في الخمر بعد سلامه وإنه لا يجوز.
وذكر في موضع آخر من «المنتقى» : لو أسلم البائع بعد القبض جاز المبيع بمنزلة موته، ولو أسلم المشتري لم يبطل البيع، هكذا ذكر في «القدوري» ، وفي «المنتقى» في موضع؛ لأن المسلم لا يحتاج إلى صنع فيه لإتمام العقد على الخمر إذا لم يكن الخيار مشروطاً له، فصار إسلامه في هذا البيع وإسلامه في البيع البات إذا كان المبيع مقبوضاً على السواء، وهناك لا يفسد العقد فههنا كذلك.
وفي موضع آخر في «المنتقى» : أن البيع ينتقض بإهدام المشتري في هذه الصورة
стр. 2678
بناء على ما قلنا إن خيار البائع يمنع زوال المبيع عن ملكه، فلو بقي العقد ينتقل الملك في الخمر إلى المسلم، ولو أسلم أحدهما قبل قبض الخمر بطل البيع.
وإذا باع طيباً على أن البائع فيه بالخيار فقبضه المشتري وأحرم المشتري لم ينفسخ البيع، ولو أحرم البائع وقد دفعه إلى المشتري أو لم يدفعه ينفسخ البيع، وروى ابن سماعة في إحرام المشتري بخلاف ما ذكرنا.
وإذا باع عبداً على أن البائع بالخيار وقبضه المشتري قتيلاً ومات العبد وضمن المشتري قيمته للبائع أخذ أولياء الجناية القيمة من البائع، (وللبائع) أن يرجع على المشتري بمثلها، وهو بمنزلة الغصب.
رجل باع عبداً على أن البائع فيه بالخيار والعبد في يد البائع، فقال في الثلاث: قد فسخت البيع ونقضته، ثم قال بعد ذلك: قد أجزت البيع وقبل المشتري فهذا جائز، وإنه استحسان، ولو جنى البائع على المبيع في هذه الصورة جناية ونقضه فقال المشتري: أنا آخذه فليس له ذلك إلا أن يسلم البائع له؛ لأن جناية البائع عليه في الثلاث نقض للبيع، ولو كان الخيار للبائع والجارية عنده فوطئت بشبهة انتقض البيع من قبل المهر الذي وجب بالوطء.
وإذا كان الخيار للبائع وحلف بعتق المبيع أن لا يكلم فلاناً فلان يرده بالخيار ما لم يعتق بالحلف.
وروى أبو سليمان عن أبي يوسف في «الأمالي» : إذا جنى المبيع في يد البائع جناية والخيار له، فإن نقض البيع دفعه البائع أو فداه، فإن أمضى البيع أو سكت حتى مضت المدة وقتله المشتري ورضي بعيب أو فداه.
إذا اشترى ابنه على أن البائع بالخيار، ثم مات المشتري، فأجاز البائع البيع لا يرث الابن أباه.
اشترى عبداً على (أن) البائع بالخيار، فأذن له في التجارة لا يكون هذا فسخاً إلا أن يلحقه دين إلا في قول من يقول: فسخه بغير محضر من المشتري فسخ، ولو أمضاه بعد ما لحقه دين لم يجز؛ لأن الغريم أحق به من المشتري.
وإذا كان الخيار للبائع فقال المشتري للبائع: (٨١ب٣) أعطيتك مائة درهم على أن تنقض البيع ففعل، فالمناقضة جائزة وليس عليه شيء.
وإذا باع عبداً بألف درهم على أن البائع فيه بالخيار ثلاثة أيام فأعطاه المشتري بها مائة دينار، ثم إن البائع نقض البيع فالصرف باطل، وكان عليه أن يرد الدينار.
وإذا باع جارية على أن البائع فيها بالخيار وتقابضا أو لم يتقابضا، فوجد المشتري بالمبيع عيباً فقال: رضيت به أو باعه أو وهبه أو عرضه على بيع أو ما أشبه ذلك من المعاني التي تكون رضاً في البيع خيار فليس للمشتري أن يردها بذلك العيب، هذا هو الكلام (في) البائع.
(وأما الكلام) في جانب المشتري، فنقول: إذا كان الخيار للمشتري فيعود هذا البيع بما ذكرنا من المعاني الثلاث، وبمعنى آخر سواها، وهو أن يتصرف المشتري في المبيع تصرف الملك.
стр. 2679
والأصل فيه: أن كل فعل باشر المشتري في المشترى بشرط الخيار له فعلاً يحتاج إليه للامتحان ويحل في غير الملك بحال فالاشتغال به أول مرة لا يكون دليل الاختيار حتى لا يسقط خياره، وكل فعل لا يحتاج إليه للامتحان أو يحتاج إليه إلا أنه لا يحل في غير الملك بحال فإنه يكون دليل الاختيار، وهذا لا يحتاج إليه للامتحان ويحل في غير الملك بحال متى جعل دليل الاختيار، ويسقط خياره به أول مرة لا يفيد الخيار فائدة؛ لأن فائدة شرط الخيار إمكان الرد متى لم يوافقه بعد الامتحان، فمتى لزمه البيع بفعل الامتحان أول مرة لا يمكنه الرد متى لم يوافقه فتفوت فائدة شرط الخيار حينئذٍ، ومتى فعل فعلاً لا يحتاج إليه للامتحان لو جعل دليل الاختيار إلى أن تفوت فائدة الخيار فيسقط به الخيار.
ولهذا إذا ثبت هذا فنقول: إذا اشترى جارية على أنه بالخيار فاستخدمها مرة، لا يبطل خياره؛ لأن الاستخدام يحتاج إليه للامتحان؛ لأن الجارية تشترى للخدمة والخدمة لا تصير معلومة للمشتري من غير امتحان فكان الاستخدام محتاجاً إليه للامتحان، وإنه يحل بدون الملك فلم يكن الاشتغال به مرة دليل الاختيار فبقي على خياره.
بخلاف ما لو وطئها حيث يبطل خياره وإن كان الوطء محتاجاً إليه للامتحان لأنها تشترى للوطء ولا يعلم كونها صالحة للوطء بالنظر لأنها إنما كانت كذلك؛ لأن الوطء تصرف لا يحل بدون الملك بحال فكان الإقدام عليه اختياراً للملك، حتى لا يقع وطؤه في غير الملك، ولا كذلك الاستخدام؛ لأنه يحل في الملك، هذا إذا كان الاستخدام يسيراً.
فإن كان كثيراً يخرج عن حد الامتحان والاختيار يكون اختياراً للملك، وإن استخدمها مرة أخرى فإن كان في النوع الذي استخدمها في المرة الأولى كان اختياراً للملك؛ لأن المرة الأخرى في ذلك النوع غير محتاج إليه؛ (لأن) الامتحان حصل بالمرة الأولى، وإن كان في نوع آخر لا يكون اختياراً للملك؛ لأن للخدمة أنواعاً أخر محتاجاً إليه للامتحان أيضاً، والإكراه على الاستخدام في المرة الأولى اختيار للملك.
فسر محمد الاستخدام في كتاب الإجارات فقال: يأمرها بحمل المتاع على السطح أو بإنزاله من السطح أو بتقديم النعل بين يديه أو بأن تغمز رجله بعد أن لا يكون عن شهوة، أو بأن تطبخ أوتخبز بعد أن يكون ذلك يسيراً، وإن أمرها بالطبخ أو الخبز فوق العادة فذلك رضا.
ولو اشترى دابة على أنه بالخيار فركبها لينظر إلى سيرها لا يسقط خياره ولو ركبها مرة أخرى؛ لأن الركوب مرة أخرى غير محتاج إليه للامتحان بخلاف الركوب في المرة الأولى، ولو سافر عليها يسقط خياره؛ لأن السفر عليها غير محتاج إليه للامتحان، وكذلك إذا ركبها بحاجة سقط خياره.
وكذلك لو حمل عليها شيئاً وكذلك لو حمل عليها علفاً لها هكذا روي عن أبي يوسف وعن محمد: أنه إذا حمل علفاً لها عليها لا يسقط له خياره، ولو كان له دواب فحمل علف جميع الدواب عليها فذلك رضا ولو ركبها ليردها أو ليسقيها أو ليعلفها لا يكون رضا به ولا يسقط خياره استحساناً، كذا ذكر في
стр. 2680
«الأصل» ، بعض مشايخنا قالوا: هذا إذا لم يمكنه الرد والسقي والإعلاف إلا بالركوب.
ويدل على هذا التأويل ما ذكر في «السير الكبير» في فصل العيب إن جوالق العلف إذا كان واحداً فركبها مع الجوالق لا يكون رضاً بالعيب؛ لأنه (لا) يمكنه حمل الجوالق الواحد إلا بالركوب، ولو كان جوالقين فركب يكون رضاً، لأنه يمكن حملها بدون الركوب.
ومن مشايخنا من قال: الركوب إذا كان لأجل الرد لا يسقط الخيار وإن أمكنه الرد بدون الركوب، بخلاف الركوب للسقي والإعلاف.
والقاضي ركن الاسلام علي السغدي والشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي على أن الركوب للسقي والإعلاف رضا لما ذكرنا في «الأصل» ؛ لأن الركوب للسقي وحمل العلف من أمر الرد لأنه لو لم يسقها ولم يعلفها تهلك أو نتقض فلا يمكنه الرد، وربما تكون الدابة جموحاً لا يمكن ضبطها إلا بالركوب فكان الركوب من أسباب الرد فلا يمنع الرد.
ولو قص حوافر الدابة أو أخذ من عرقها فليس برضا؛ لأنه نقض وإتلاف جزء منها فيعتبر بإتلاف سائر الأجزاء، ولو كانت شاة فجز صوفها ذكر في «المنتقى» أنه يسقط، ولو كانت شاة فحلبها أو شرب لبنها فهو رضا هكذا ذكر في القدوري؛ لأن اللبن زيادة عنها والزيادة منفصلة عنها، والزيادة المنفصلة تمنع الرد بالعيب عندنا فكذا بخيار الشرط.
وفي صلح «الفتاوي» : رواية عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: إذا اشترى شاة أو بقرة على أنه بالخيار فاحتلب لبنها فقد انقطع خياره، وذكر «البقالي» قول محمد في هذا كقول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: هو خياره حتى يشرب لبنها أو يستهلكها.g
ولو حجم الغلام أو سقى دواء أو حلق رأسه فهو رضا، وعن أبي يوسف في الدابة وحجامة الغلام أنه لا يسقط خيار المشتري. وفي المنتقى والأخذ من الشعر ليس برضا، وعن محمد ﵀: إذا أمر الغلام بجز رأسه يعني رأس الغلام فهو ليس برضا، إلا أن يريد به الدواء، وكذا الطلى وكذا غسل الرأس واللحية.
وفي «المنتقى» : إذا احتجم الخادم بأمر المشتري فهو رضا، وفي موضع آخر إذا رأى المشتري الغلام يحجم الناس بأجر فسكت فهو رضا، وإن كان يحجم بغير أجر فهذا ليس برضا، هذا بمنزلة الخدمة، ألا ترى أن المشتري لو قال له: أحجمني لا يكون رضا، ولو كان الخيار للبائع فاحتجم الغلام بإذن المشتري فهذا ليس ينقص إذا كان نفسه المشتري. قال في «المنتقى» : أيضاً: وأمر الخادم ليحمل شيئاً ليس برضا هذا من الخدمة. ولو أمر الجارية بمشط أو دهن أو لبس فهو ليس برضا أيضاً، وكذا إذا علق عنقها بشرط لا يسقط خياره ما لم تعتق بحكم اليمين.
ولو اشترى أرضاً فيها حرث اشترى الأرض مع الحرث أو حصده أو فصل منه شيئاً سقط خياره؛ لأن السقي للإستنماء وإنه دلالة الاختيار وبالقطع ينقبض المعقود عليه، وذلك مانع من الرد فيسقط خياره ضرورة، ولو سقى من نهرها دوابه أو شرب بنفسه لا
стр. 2681
يسقط خياره؛ (٨٢أ٣) لأنه مباح بدون الملك فلا يكون فعله دليلاً على تقدير الملك، ولو سقى من نهرها أرضاً أخرى فهو رضا بخلاف ما إذا سقى أجنبي بغير علمه وإن هناك لا يسقط خياره، ولو رعت ماشية المشتري الكلأ يسقط خياره بخلاف ماشية الناس، وكري النهر وكنس البئر يسقط الخيار.
ولو انهدم البئر فبناها لم يعد خياره، ولو وقع فيها فأرة أو نجاسة سقط خياره، وروي في الفأرة إذا نزح عشرون دلواً أنه على خياره، وإذا سقى من البئر زرعه أو دوابه فهو على ما ذكرنا في النهر.
وإذا باع المشتري على أنه بالخيار، ذكر الشيخ الإمام الزاهد أحمد الطواويسي في «شرحه» في باب من الخيار قيل: لا يبطل خياره، وذكر شيخ الإسلام في «شرحه» : أنه يبطل وهو الصحيح؛ لأن البيع (باتاً) كان، أو بشرط الخيار من التصرفات المختصة بالملك وإنه غير محتاج إليه للاختيار فيصير به مختاراً للملك، ولو عرض المشتري التقوم لا يبطل خياره، ولو عرضه ليباع يبطل خياره؛ لأن العرض على جهة البيع من التصرفات المختصة بالملك، فإنه لا يعرض على البيع إلا المالك أو نائبه وإنه غير محتاج إليه للاختيار فيصير به مختاراً كما في البيع.
ولو اشترى ثوباً ولبسه لينظر إلى مقداره لا يسقط خياره، فإن لبسها ثانياً يسقط خياره؛ لأن اللبس ثانياً غير محتاج إليه للاختيار بخلاف اللبس أول مرة، فإن طال اللبس الأول سقط خياره أيضاً، وإن لبسه ليستدفئ به بطل خياره.
ولو اشترى رحاً فطحن به المشتري ليعرف مقدار طحنها لا يبطل خياره؛ لأن الطحن محتاج إليه للامتحان والاختبار، ولم يذكر محمد ﵀ في شيء من الكتب مقدار ذلك.
وحكي عن الفقيه أبي جعفر الهندواني: أنه إذا طحن بها زيادة على يوم وليلة يبطل خياره وإن كان دون ذلك لا يبطل خياره. وفي «البقالي» : الطحن بالرحى لا يسقط خيار المشتري إلا أن يطول أو ينقصها، وذكر الخصاف: أن الطحن يوماً ونحوه لا يسقط حتى يجزئه، ثم يريد بعد ما بان له طحنها على قلة الماء وكثرته.
وإذا كان المشتري بشرط الخيار للمشتري دار فسكنها المشتري سقط خياره هكذا ذكر المسألة في كتاب البيوع.
وفي «القدوري» : إذا سكن المشتري الدار وأسكنها رجلاً بأجر أو رمم فيها شيئاً أو أحدث فيها بناءً أو جصصها أو طيبها أو هدم فيها شيئاً فهو إمضاء للبيع.
وذكر في كتاب القسمة: أن خيار الشرط في القسمة لا يبطل بالسكنى بعد القسمة، إلا أن في كتاب القسمة وضع المسألة فيما إذا دام على السكنى، وفي كتاب البيوع ذكر السكنى مطلقاً، فمن مشايخنا من قال: ما ذكر في كتاب البيوع ابتداء السكنى، بأن كان المشتري ساكناً في الدار قبل الشراء بإجارة أو إعارة لا يسقط خياره كما في القسمة.
ومنهم من قال: خيار الشرط في البيع يسقط بالسكنى في الحالين، كما أطلق محمد
стр. 2682
رحمه الله في كتاب البيوع، وفي القسمة لا يسقط خيار الشرط وفي الحالين.
غير أن محمداً وضع المسألة وفي القسمة في الدوام على السكنى اتفاقاً، وإن كان في الدار ساكناً بأجر فباعها البائع برضاه وشرط الخيار للمشتري فترك المشتري وأساء العلة فقد سقط خياره؛ لأنه أخذ عوض المنافع وإنما يجب عوض المنافع لمن كان ملك المنافع إنما يملك الأصل فكان أخذ العوض على تقدير ملك الأصل.
وسئل أبو بكر عمن اشترى كتاباً على أنه بالخيار ثلاثة أيام، ثم إنه انتسخ منه لنفسه لا يبطل خياره، كالنساج إذا نظر في نقش الديباج لا يبطل خياره، ألا ترى أن من انتسخ من كتاب المبسوط ولم يرفعه لا يصير غاصباً، وإن قلب أوراقه قيل له: لو درس منه ولم يكتب قال: يبطل خياره؛ لأن شراء الكتاب للدراسة يكون لا للانتساخ، وكذلك لو انتسخ لغيره لا يبطل أيضاً قال الفقيه: ولو قيل يبطل الخيار بالانتساخ دون الدراسة كان له وجهاً؛ لأن في الدراسة امتحان لينظر إلى صحته، فصار كاستخدام العبد وفي الكتابة استعمال، قال الفقيه: وبه نأخذ.
وإذا بيعت الدار بجنب الدار المشتراة بشرط الخيار للمشتري، فأخذها المشتري بالشفعة فقد سقط خياره، وإذا كان الخيار للمشتري فأبرأه البائع عن الثمن لم يصح الإبراء في قول أبي يوسف، وروي عن محمد: أنه إذا أجاز البيع نفذ الإبراء.
فوجه قول أبي يوسف: أن هذا إبراء عن دين غير واجب فلا يصح كما قبل العقد، وجه قول محمد: أن المشتري لما أجاز البيع، استند وجوب الثمن إلى أصل العقد فكان إبراء عن دين واجب، وإذا كان الخيار للمشتري فقال المشتري للبائع: إن أردها إليك اليوم فقد رضيتها فهذا القول باطل، وله أن يردها بخيار الشرط.
وكذلك إذا قال: إن لم أفعل كذا فقد أبطلت خياري، ولو لم يقل هكذا ولكن قال: أبطلت خياري غداً، وقال: إذا جاء غداً فقد أبطلت خياري فهذا جائز قال: لأن هذا وقت كائن لا محالة.
ولو قال بعد ما اشترى وشرط الخيار لنفسه شهراً: إن لم آتك بالثمن فيما بيني وبين ثلاث فلا يمتنع بيني وبينك فهو على ما قال كان ذلك، قال في أصل العقد وكذلك إذا قال: إن لم آتك بالثمن إلى سنة فقد نقضت البيع فيه.
وفي «نوادر هشام» قلت لمحمد: رجل اشترى قرية وفيها قناة غزيرة اشتراها وماءها على أنه بالخيار كيف يصنع بماء القناة؟ قال: يدعه يذهب، قلت: إن لم يصرف الماء يفسد، قال: يوكل البائع رجلاً لصرفه.
وإذا كان الخيار للمشتري فولدت الجارية في يده، أو أثمرت النخلة، أو باضت الدجاجة، فقد سقط خياره؛ لأن فائدة الخيار الرد وقد تعذر الرد؛ لأنه وجه إلى رد الأصل بدون الزيادة يبقى مبيعاً في يده بلا ثمن ولا وجه إلى رد الأصل مع الزيادة؛ لأن العقد لم يرد عليها فكيف يرد الفسخ عليها.
وفي «البقالي» : ولا يسقط الخيار بالولد الميت والبيضة الفاسدة.
стр. 2683
وفي «المنتقى» : إذا ولدت في يدي المشتري ولداً ميتاً أو لم تنقصها الولادة فهو على خياره، وإن كانت الزيادة ذات المبيع كالسمن وما أشبهه سقط الخيار في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وفي قول محمد: لا يسقط.
ولو كان المشتري بشرط الخيار جارية فلمسها المشتري، أو قبلها بشهوة سقط خياره، بخلاف ما إذا لمسها بغير شهوة؛ لأن اللمس بشهوة تصرف يختص بالملك جماع حكماً حتى يثبت به حرمة المصاهرة فيعتبر بالجماع حقيقة، وبالجماع حقيقة يثبت الخيار فكذا بالجماع حكماً.
فأما اللمس بغير شهوة ليس بجماع حكماً، وإنه فعل يحتاج إليه للامتحان فلا يسقط الخيار، والنظر إلى فرجها بشهوة نظر المسن بشهوة جماع حكماً حتى يثبت به حرمة المصاهرة، بخلاف النظر إلى ما هو سوى الفرج من أعضائها بشهوة؛ لأنه ليس بجماع أصلاً.
وإذا دعاها إلى فراشه لا يبطل خياره هكذا ذكر في «فتاوي أبي الليث» : لأنه لعل إنما دعاها للاختبار ليعلم أنها تجيبه أو لا تجيبه، وإذا كانت الجارية قد نظرت إلى فرج المشتري بشهوة أو لمسته بشهوة أو قبلته بشهوة وأقر المشتري أنها فعلت بشهوة أجمعوا على أنه إذا كان يتمكن المشتري بأن علم المشتري بذلك منها فتركه (٨٢ب٣) حتى فعلت أنه يسقط خياره؛ لأن فعل الجارية بتمكين المشتري بمنزلة فعل المشتري بنفسه.
ولو أن المشتري فعل ذلك يسقط خياره فكذا هذا، وبهذا الطريق قلنا: بأن المرأة إذا فعلت مثل هذا بالزوج بتمكين الزوج يصير راجعاً كذا هنا، فأما إذا فعلت ذلك لا بتمكين من المشتري، على قول أبي يوسف: يسقط خياره.
وعلى قول محمد: لا يسقط وإن وجدت المشتري نائماً فأدخلت فرجه فرجها، يسقط خياره بالإجماع، ولو نظرت المعتدة طلاقاً رجعياً إلى فرج زوجها بشهوة أو لمسته بشهوة يثبت في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ولا يثبت في قول محمد، إلا أن تحصل المجامعة بفعلها بأن أدخلت فرجه فرجها، ذكر المسألة على هذا الوجه بشر بن الوليد في «نوادره» ، وروى ابن سماعة في «نوادره» في مسألة الرجعة روايتين عن محمد ﵀.
وفي سقوط الخيار بنظر الأمة إلى فرج المشتري بشهوة رواية واحدة عن محمد أنه لا يسقط.
وجه قول محمد: أن الخيار حق المشتري فلا يسقط إلا بإسقاطه إما نصاً أو دلالة، ولم يوجد منه الإسقاط نصاً وهذا ظاهر ولا دلالة؛ لأن دليل الإسقاط وجود صنع من جهته، إما من حيث الحقيقة أو من حيث الاعتبار، ولم يوجد من المشتري صنع لا من حيث الحقيقة، وإنه ظاهر ولا من حيث الاعتبار؛ لأن فعل المس يضاف إلى الماس لا إلى الممسوس؛ لأن الممسوس محل فعل المس والفعل يضاف إلى الفاعل لا إلى المحل.
ثم إن محمداً يحتاج إلى الفرق بين مسألة الرجعة وبين مسألة الخيار على إحدى روايتي ابن سماعة.
стр. 2684
والفرق من وجهين: أحدهما: أن الرجعة يشترك فيه الزوجان لكل واحد منهما فيها حق، فجاز أن يجعل فعل أحد الشريكين كفعل صاحبه، والدليل على أن للمرأة في الرجعة حقاً كما للرجل قال الله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾ (البقرة: ٢٢٨) فلولا أن للمرأة حقاً في ذلك، وإلا لم يكن لقوله: أحق معنى وفائدة؛ لأن الفعل إنما يستعمل بين شخصين في شيء يشتركان فيه كما يقال: فلان أحسن من فلان وأفقه من فلان وأجمل من فلان وكقوله ﵇: «الأيِّم أحق بنفسها من وليها» اقتضى أن يكون للولي حق في نفسها إلا أن حق المرأة أكثر فكذلك هذا.
وإذا ثبت أن لها حقاً في الرجعة أمكن أن يجعل فعلها في إثبات المراجعة كفعل الزوج، فأما لا حق للأمة في خيار المشتري ولا يمكن أن يجعل فعلها كفعل المشتري في حق إسقاط خياره.
والفرق الثاني: أن المرأة في باب النكاح عاقدة من وجه ومعقود عليها من وجه، فوفرنا على الشبهين حظهما.
قلنا: لكونها عاقدة من وجه تثبت الرجعة من جهتها من حيث الحكم، ولكونها معقوداً عليها من وجه لا يثبت الرجعة من جهتها قصداً توفراً على الشبهين حظهما، فأما الأمة في باب الشراء معقود عليها من كل وجه وليست بعاقد، فلم يسقط خيار المشتري من جهتها لا من حيث الحكم بالنظر (إلى) فرج المشتري بشهوة ولا من حيث العقد بصريح الاختيار.
وأما أبو حنيفة وأبو يوسف ذهبا في ذلك إلى أنه وجد منها ما هو جماع حكماً، فيعتبر بما لو وجد منها ما هو جماع حقيقة، دليله جانب الزوج، فإن في جانب الزوج اعتبر الجماع الحكمي بالحقيقي فكذا في جانبها.
ولو وجد منها ما هو جماع حقيقة سقط خيار المشتري فكذا في جانبها ما هو جماع حكماً وإنما قلنا وجد منها ما هو جماع حكماً؛ لأن هذا الفعل من جانبها أوجب حرمة المصاهرة كما لو وجد منها الجماع حقيقة.
وأما قول محمد ﵀: لم يوجد ممن له الخيار صنع، قلنا: وجد الصنع من حيث الاعتبار لما ذكرنا أنه وجد منها جماع حكماً، والفعل في الجماع الحقيقي مضاف إلى الزوج من حيث الحقيقة، فكذا فيما هو جماع حكماً يكون الفعل مضاف إليه حكماً، فقد وجد منه فعل حكماً.
وفي «نوادر هشام» عن محمد: رجل اشترى من آخر جارية على أنه بالخيار ثلاثة أيام، فمرض العبد في الثلاث، فنقض المشتري العقد ورد العبد إلى البائع أن سلمه
стр. 2685
فأمضى الثلاث، والعبد مريض على حاله لزم المشتري، وإن صح قبل مضي الثلاث قبل أن يرد، فله أن يرد بالرد الذي كان منه في الثلاث.
وإذا كان الخيار للمشتري والسلعة مقبوضة فحدث بها عيب لا يرتفع لزم العقد وبطل الخيار، سواء كان بفعل البائع أو بغير فعله، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا يلزم بجناية البائع؛ لأن فيه تسليط البائع على إلزام العقد وبه تفوت فائدة الخيار للمشتري، إلا أن يتمكن المشتري من الفسخ شاء البائع أو رضي أم سخط.
ولهما: أن العقد قد لزم في القدر الذي تلف بالتعييب في ضمان المشتري وتقرر عليه حصته من الثمن، فلو جاز رد الباقي كان ذلك تفريقاً للصفقة على البائع قبل التمام في حق الرد، وذلك لا يجوز، وإذا تعذر الرد لهذا المعنى لزم العقد في فعل الأجنبي، إلا أن يكون الأجنبي مسلطاً على إلزام العقد، وإذا لزم العقد عندهما رجع المشتري على البائع بالأرش؛ لأن البيع قد تم بأول جزء من النقص فصار البائع جانياً على ملك المشتري فيضمن الأرش.
وفي «نوادر هشام» قال: قلت لمحمد رجل اشترى من رجل شيئاً على أنه بالخيار ثلاثة أيام، فجاء إلى باب البائع في الثلاث ليرده، فاختفى منه البائع فأشهد المشتري ناساً أنه قد رد البيع بخياره، ثم ظهر البائع بعد الثلاث فأخبرني أن أبا حنيفة ﵀ قال: رده باطل إلا أن يجتمعا جميعاً، قال هشام: وهو قول محمد وهي المسألة المعروفة أن المشروط له الخيار في البيع لا يملك الفسخ إلا بحضرة صاحبه عند أبي حنيفة ومحمد ومعناه ألا يعلمه.
وتأويل ما ذكر هشام: إن لم يعلم البائع بفسخ المشتري قال هشام: قلت لمحمد كيف يصنع المشتري؟ قال: إن أراد أن يستوثق ينبغي أن يقول للبائع: تقيم له كفيلاً المشتري وبرضاه إن رد البيع ونقضه بخياره فرده يكون عليه جائزاً.
ولو اشتراه على أن البائع إن غاب عيبة ففسخه عليه جائز فالبيع فاسد في قول أبي حنيفة ومحمد؛ لأن هذا شرط فاسد عندهما لأنهما لا يريان الفسخ عند غيبة الآخر.
في «المنتقى» : إذا اشترى عبداً على أنه إن لم ينفذ الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما، ثم إن المشتري قطع يد العبد في الثلاث أو قطعها أجنبي في الثلاث قال: إذا قطعها المشتري في الثلاث، فالبائع بالخيار إن شاء أخذ العبد مقطوع اليد ولا شيء له غير ذلك، وإن قطعها أجنبي في الثلاث فقد وجب البيع للمشتري لأنه وجب له أرش.
رجل اشترى من آخر سمكاً طرياً أو عصيراً على أنه بالخيار ثلاثة أيام، فقبضه فوهب للعبد مال أو اكتسبه، ثم استهلكها العبد بعلم المشتري بغير إذنه أو بغير علمه، لم يبطل خيار المشتري ولو وهب للعبد ابن المشتري وقبض العبد الابن العبد عتق الابن، ولا يبطل خيار المشتري في العبد، ولو وهب للعبد أم ولد المشتري وقبضها العبد بطل
стр. 2686
(٨٣أ٣) خياره في العبد، وهكذا روى ابن سماعة عن محمد هذه المسألة: الأفضل استهلاك العبد الموهوب فإنه لم يروه عن محمد.
وعن أبي يوسف: اشترى عبداً على أنه بالخيار ثلاثة أيام، ثم قال المشتري: شئت أخذه أو قال: رضيت بأخذه أو أحببت أو أردت أو أعجبني ذلك أو قال: وافقني لم يلزمه.
وفي «نوادر بشر بن الوليد» : عن أبي يوسف: رجل اشترى من آخر عبداً على أنه بالخيار ثلاثة أيام فقال البائع للمشتري: أعطيك مائة على أن تبطل البيع ففعل، قال: قد انفسخ البيع وليس على البائع شيء.
وإذا اشترى من آخر عبداً بألف درهم على أن المشتري بالخيار، فأعطاه بها مائة دينار، ثم أن المشتري رد البيع فالصرف جائز عند أبي يوسف ويرد الدراهم، وعلى قول أبي حنيفة: الصرف باطل.
رجل اشترى من آخر جارية على أن المشتري بالخيار ثلاثة أيام، ثم إن المشتري قبلها أو لمسها أو نظر إلى فرجها، ثم أراد أن يردها وقال: لم يكن ذلك بشهوة فالقول قوله مع يمينه.
هكذا روي عن محمد في «المنتقى» : ثم قال: ألا ترى أن رجلاً لو قبل امرأة أو لمسها أو نظر إلى فرجها، ثم قال لم يكن عن شهوة، كان القول قوله كذا هنا، ولو كان مباشرة، ثم قال: كان ذلك مني بغير شهوة لم يقبل قوله، وكان الصدر الشهيد يقول في القبلة: يفتي بحرمة المصاهرة ما لم يبين أنه فعل بشهوة، قياس ما قاله الصدر الشهيد ثمة: يجب أن يقال في مسألة الشراء إذا قبلها، ثم قال: لم يكن عن شهوة، أن لا يقبل قوله ويسقط خياره.
وقال أبو يوسف: في رجل اشترى بئراً على أنه بالخيار ثلاثة أيام فغار ماؤها أو دفع فيها فأرة ميتة قال: إن اختصما على تلك الحالة لم يكن له ردها، وإن لم يختصما حتى عاد الماء كما كان على خياره.
نوع منه
في اشتراط الخيار لهما وفي بيان أحكامه إذا كان الخيار لهما فمات أحدهما لزم البيع من جهته والآخر على خياره، فخيار الشرط لا يورث هنا عندنا خلافاً للشافعي.
وفي «المنتقى» : رجل باع عبداً بأمة على أن كل واحد منهما بالخيار فأجاز بائع العبد البيع وقد تقابضا فمات العبد في يد المشتري فقد لزمه وتم البيع فيه.
رجل اشترى عبد الجارية وشرط كل واحد الخيار لنفسه فيما باع، ثم إنهما أعتقا معاً جاز عتق كل واحد منهما في السلعة التي كان يملكها.
رجل اشترى من آخر عبداً بألف درهم وهما جميعاً بالخيار فقال البائع: قد أجزت البيع بحضرة من المشتري، وقال المشتري بعد ذلك: قد فسخت البيع بحضرة البائع فالبيع
стр. 2687
ينفسخ، فإن هلك العبد في يدي المشتري قبل أن يرده في الأيام الثلاثة أو بعدها فعلى المشتري الثمن من قبل أن البائع قد ألزم البيع وصار المشتري بالخيار دون البائع.
ولو أصابه عيب قبل هذه المقالة أو بعدها فهو على سواء وعليه الثمن ولا يستطيع رده بعد العيب الذي أصابه، وإن بدأ المشتري ففسخ العقد، ثم إن البائع أجاز البيع، ثم هلك العبد فعلى المشتري قيمته.
وكذلك لو أصابه عيب نقصه بعد هذه المقالة فالبيع منتقض يرد المبيع ويرد نقصان العيب، ولو أصابه العيب قبل أن يفسخ المشتري البيع، ثم فسخه المشتري، ثم أجازه البائع فالبيع لازم للمشتري وعليه الثمن من قبل أن العيب الذي حدث به عند المشتري بمنزلة إجازة البيع، فإذا أجازه البائع بعد ذلك فقد تم البيع فلزم الثمن وإذا كان الخيار للبائع أو للمشتري فتناقضا العقد، ثم هلك المبيع في يدي المشتري قبل الرد على البائع يبطل حكم ذلك الفسخ ويعود حكم البيع ويجعل كأن الهلاك كان قبل فسخ البيع.
نوع آخر في الاختلاف في عقد البيع على الخيار
هشام قال: سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة ﵀: رجل ادعى أنه باع هذا العبد من هذا أمس بألف درهم على أني بالخيار وجحد المشتري الخيار فالقول قول البائع وهو المدعي للخيار وقال أبو يوسف: القول قول المشتري وكذلك إن كان المشتري هو الذي ادعى الشراء بشرط الخيار وجحد البائع الخيار فالقول قول المشتري وهو المدعي للخيار.
وفي «البقالي» : عن أبي حنيفة: أن القول قول من سعى بالخيار، وفيه أيضاً: القول قول من يدعي الخيار عند محمد.
قال في «البقالي» : وأطلق الأصل أن القول قول من يبقيه وكذا في المجرد، وقال أبو يوسف: إذا ادعى أحدهما الخيار لبيع قد مضى، ثم أصدقه إلا يبقيه وإن ادعى أحدهما الخيار لبيع باعه من ساعته ووصل دعواه بالخيار، فإني أقبل ذلك من أيهما ادعاه، وعن أبي يوسف فيمن قال لامراته: طلقتك أمس إن شئت وقالت المرأة: طلقتني لغدٍ فالقول قول الزوج، ولو قال: بعتك أمس إن شئت، وقال المشتري: اشتريته إليه فالقول قول المشتري، وإنما افترقا؛ لأن في قوله: بعتك أمس أنك قبلته وليس ذلك في الطلاق.
وفي «المجرد» : إذا اختلفا في مقدار الخيار فالقول قول من يدعي الأقل، وإذا اتفقا على مقدار واختلفا في المضي فالقول قول من أنكر المضي.s
نوع آخر في الاختلاف في الخيار في البيع في موت العبد ومضي الخيار وبعده
قال محمد في «الجامع الكبير» : رجل باع عبداً من رجل بألف درهم على أن البائع
стр. 2688
فيه بالخيار وقبضه المشتري فمضت المدة فقال أحدهما أيهما كان، إن العبد مات في الثلاث وانتقض البيع ووجبت القيمة.
وقال الآخر: لا بل هو حي آبق فالقول قول من يدعي أنه حي آبق؛ لأن الظاهر شاهد له من وجوه من حيث إنه عرف حياة العبد، والأصل في الثابت بقاؤه ومن حيث إن العقد قد انعقد فكان الأصل بقاؤه ومن حيث إن مدة الخيار انقضت فكان الأصل لزوم العقد فكان الظاهر شاهداً له من هذه الوجوه الثلاثة، ومدعي الموت يشهد له الظاهر من وجه واحد من حيث إن الغير في مدة الخيار كان مضموناً على المشتري بالقيمة، والأصل بقاؤه.
قلنا: من يشهد له الظاهر من وجه واحد لا يعارض من خبره خبر من يشهد له الظاهر من وجوه، فإن أقاما البينة كانت البينة بينة من يدعي أنه حي آبق أيضاً.
وطعن عيسى ابن أبان في هذا فقال: يجب أن تكون البينة بينة من يدعي الموت في مدة الخيار؛ لأنه يدعي أمراً على خلاف الظاهر على ما مر، والبينات شرعت لإثبات ما خفي من الأمور دون إثبات ما ظهر منها، ألا ترى أنا رجحنا بينة الخارج على بينة ذي اليد في دعوى الملك المطلق خفي من الأمر كذا ههنا، الجواب أن بينة من يشهد له الظاهر إنما تبطل إذا بقي الظاهر مع بينة خصمه كما في الخارج مع ذي اليد؛ لأن هناك شهادة الظاهر إنما تثبت بحكم اليد واليد لا تبطل بينة الخارج إما إذا بطل الظاهر ببينة خصمه لا يبطل كونها حجة لحق وهو أن الظاهر إذا لم يبطل ببينة خصمه مما يثبت له بالظاهر لا يثبت لبينة وبينة الخصم تثبت من كل وجه فكانت بينة (٨٣ب٣) خصمه أكثر إثباتاً فترجحت باعتبار هذا، أما إذا أبطل الظاهر بينة خصمه وبينته مبيناً من كل وجه أيضاً، فلا يترجح بينة خصمه، بل يطلب الترجيح في نفس البينة فكانت أكثر أماناً فهو أولى إذا ثبت هذا.
فنقول لما قامت البينة على الموت في الثلاث بطل الظاهر الذي كان يشهد لمن يدعي الحياة بعد الثلاث من كل وجه وهو ظاهر الحياة وظاهر العقد وانقضاء المدة، فإن انقضاء المدة لا يؤثر في اللزوم مع الموت في المدة، فإذا بطل الظاهر كله يعتبر معنى الإثبات وبينة من يدعي الحياة بعد مضي المدة أكثر إثباتاً لأنها تثبت لزوم العقد وإنتقال المبيع من ملك البائع إلى ملك المشتري، والانتقال من ضمان القيمة إلى ضمان الثمن أيضاً.
وبينة صاحبه تبقي ذلك كله فكانت بينة من يدعي الحياة أولى، وإن تصادقا بعد الثلاث أن العبد مات واختلفا في وفاته، فقال أحدهما: مات في الثلاث وقال الآخر: مات بعد الثلاث فالقول قول من يدعي الموت في الثلاث؛ لأن مدعي الموت في الثلاث مدعي نقض البيع وموت العبد سبب لنقض البيع في البيع بشرط الخيار للبائع إذا علم موته بعد الثلاث ولم يثبت فكان الظاهر شاهد المدعي الموت في الثلاث من هذا الوجه، ولأن مدعي الموت في الثلاث يدعي ضمان القيمة وقد عرف ثبوته، ويدعي هلاك العبد على ملك البائع وعرف كونه ملك البائع أيضاً فكان الظاهر شاهداً له من هذه الوجوه.
فأكثر ما في الباب أن الظاهر شاهد يدعي المدعي الموت بعد الثلاث من حيث إنه يدعي
стр. 2689
بقاؤه حياً إلى بعد الثلاث وقد عرف كونه حياً ويدعي حدوث الموت لأقرب الأوقات ومدعي بقاء العقد إلى ما بعد الثلاث وقد عرف قيامه فتعارضت الظواهر، لكن الظاهر يصلح للدفع دون الاستحقاق ومدعي النقض يدعي حدوث ملك المشتري وحدوث ضمان الثمن. ومدعي الجواز يدعي حدوث ملك المشتري وضمان الثمن.
فلهذا كان القول قول من يدعي الموت في الثلاث، فإن أقاما البينة (فالبينة) بينة من يدعي الموت بعد الثلاث؛ لأنه يثبت ببينته لزوم العقد وحدوث الملك للمشتري والنقل من ضمان القيمة إلى ضمان الثمن وكل ذلك غير ثابت قبل البينة، وبينة من يدعي بعد الموت بعد الثلاث أولىّ.
ولو تصادقا أن العبد مات بعد الثلاث في يد المشتري فأقام أحدهما البينة أن البائع نقض البيع في الثلاث بمحضر من المشتري وأقام الآخر البينة أن البائع أجاز البيع في الثلاث فالبينة بينة من يدعي النقص؛ لأن حياة العبد بعد مضي المدة تدل على لزوم العقد فالانتقال من ضمان القيمة إلى ضمان الثمن بالذي على نص النقض يثبت خلاف الظاهر والأخر يثبت ما هو ظاهر فكانت بينة من يدعي أكثر إثباتاً.
ولو تصادقا أن العبد مات في الثلاث وأقام أحدهما البينة على النقض والأخر على الإجازة قبل الموت فالبينة بينة من يدعي الإجازة؛ لأن الموت في الثلاث موجب النقض فالبينة على الإجازة هي التي تثبت ما ليس بظاهر فكانت حق بالقبول.
ولو ادعى أحدهما أن الثلاث مضت والعبد حي، ثم مات وأن البائع نقض البائع قبل موته بمحضر من المشتري ولا بينة لهما فالقول قول من يدعي الموت في الثلاث؛ لأن كل واحد منهما يدعي شيئين.
أحدهما: الموت في الثلاث، والنقض قبل ذلك وادعى الأخر بقاؤه في الثلاث والإجازة ودعوى كل واحد منهما أولاً متضمن دعواه آخر؛ لأن الذي ادعى بقاء العبد بعد الثلاث ادعى لزوم العقد، وقوله: إن البائع جاز البيع دعوى لما تضمنه الكلام الأول والذي ادعى الموت في الثلاث ادعى انتقاص البيع، وقوله: إن البائع نقض البيع دعوى لما تضمنه الكلام الأول فلغى عن دعوى كل واحد منهما لدعوى الثاني في بقيت العبرة لدعوى أحدهما الموت في الثلاث ودعوى الأخر: الموت بعد الثلاث، وقد ذكرنا أن في هذا القول قول من يدعي الموت في الثلاث والبينة بينة صاحبه كذا ههنا.
وإن ادعى أحدهما أن العبد مات بعد الثلاث وإن البائع نقض البيع في الثلاث بمحضر من المشتري وادعى الأخر أن العبد مات في الثلاث وأن البائع جاز البيع قبل موت العبد فنقول كل واحد منهما ضم إلى دعواه لا بجانبه؛ لأن موت العبد في الثلاث يدل على النقض فلا يصح معه دعوى جواز البيع فلا يصح معه دعوى النقض فاعتبر من دعوى كل واحد منهما السابق، وهو دعوى الموت في الثلاث، أو بعد الثلاث وقد بينا هناك أن القول قول من يدعي الموت في الثلاث والبينة بينة صاحبه.
ولو كان البائع والمشتري جميعاً بالخيار ثلاثة أيام وقد قبض المشتري العبد فادعى
стр. 2690
أحدهما أن الثلاث مضت والعبد حي، ثم مات بعد ذلك، وأيهما جميعاً أجاز البيع قبل موته فالقول قول من يدعي النقض والبينة بينة صاحبه؛ لأن كل واحد منهما ضم إلى دعواه السابق ما لا يجانسه على أمر، فاعتبر السابق من دعوى كل واحد منهما وهو دعوى الموت في الثلاث ودعوى الموت بعد الثلاث، وقد بينا في هذا أن القول قول من يدعي الموت في الثلاث والبينة بينة صاحبه.
قال أبو يوسف ومحمد: لو أن رجلاً باع من رجل عبداً على (أن) البائع أو المشتري بالخيار ثلاثه أيام وقبض المشتري العبد فمضت الثلاث والعبد حي قائم فأقام أحدهما البينة على النقض في الثلاث وأقام الآخر البينة على الإجازة في الثلاث كانت بينة النقض أولى؛ لأن العبد لما بقي حياً بعد الثلاث فذلك دليل الجواز.
ولهذا لو لم يكن لهما بينة جعل القول قول من يدعي الجواز فصارت بينة النقض هي البينة لأمر غير ظاهر فكانت أولى، وإن أقام البينة على ما ذكرنا في الثلاث فالبينة بينة من لا خيار له؛ لأن من له الخيار يثبت ببينته أمراً يملك الشاة فلا حاجة له إلى إثباته بالبينة، والذي لا خيار له يحتاج إلى إثبات ما يدعيه بالبينة فكانت بينته أولى، بخلاف ما إذا مضت المدة؛ لأن هناك كل واحد منهما يدعي أمراً لا يملك استئنافه وبينة النقض على المنفعة على أمر فكانت هي أولى، ولو كان الخيار لهما فأقام أحدهما البينة على النقض منهما جميعاً، وأقام الأخر البينة على الإجازة منهما جميعاً وكان الاختلاف بينهما بعد مضي الأيام الثلاثة فالبينة بينة من يدعي النقض؛ لأن لزوم البيع ثابت بمضي المدة ظاهراً فكانت بينة النقض على المنفعة فيكون أولى.
ولو اختلفا على هذا الوجه في الأيام الثلاثة ولم يكن لهما بينة، فالقول قول من يدعي النقض، ولو أقام البينة فالبينة بينة مدعي الإجازة؛ لأنه ادعى أمراً لا يتفرد به فاحتاج إلى إثباته بالبينة، والأخر ادعى أمراً يتفرد به فلم يحتج إلى إثباته بالبينة، فإن عرف تقدم أحدهما فذلك أولى؛ لأن أحد الأمرين إذا ثبت تقدمه بطل الآخر بعده؛ لأنهما ضدان.
قال محمد ﵀ في «الجامع» أيضاً: رجل باع عبداً على أن (٨٤أ٣) البائع بالخيار ثلاثة أيام فقبضه المشتري وقيمته ألف درهم فزادت قيمته في الأيام الثلاثة فصارت ألفي درهم، ثم مضت الأيام الثلاثة، فأقام البائع بينة أن المشتري قتله خطأ في الأيام الثلاثة، وبعدما صارت قيمته ألفي درهم، وأنكره المشتري فأقام المشتري بينة أن البائع قتله خطأً بعد مضي الأيام الثلاثة فالبينة بينة البائع.
فرق بين القتل وبين الموت على هذا الوجه بأن أقام أحدهما البينة بعد مضي الأيام الثلاثة، أنه مات في يد المشتري في الثلاث، وأقام الآخر البينة أنه مات بعد الأيام الثلاثة حيث كانت البينة بنية من يدعي الموت بعد الثلاث.
والفرق: وهو أن القتل نفسه مقصود بالإثبات بالنية لما يتعلق بالقتل من الضمان على العاقلة، فإنه لا يتوصل الى هذا الحكم إلا بعد إثبات القتل فصار نفس القتل مقصوداً بالإثبات.
ولما كان هكذا فبينة البائع أثبت القتل من المشتري في وقت لا مزاحم لها
стр. 2691
ضرورته انتفاء القتل من البائع بعد ذلك، إذ القتل لا يتكرر فأما الموت فغير مقصود بالإثبات إذ لا يتعلق به حكم مقصود، فلا تعتبر البينة على نفس الموت، وإنما المعتبر ما يترتب على الموت من الحكم وبينة من يدعي الموت بعد الثلاث أكثر إثباتاً فيما يترتب عليه من الحكم على (ما) مر.
ونظير هذا ما قال في الشهادات في رجل أقام البينة إن أباه مات في رمضان وهو وارثه لا وارث له غيره، وأقامت امرأة البينة إن أباه تزوجها في شوال من تلك السنة فالبينة بينة المرأة؛ لأن الموت غير مقصود بالإثبات في رمضان إذ لا يتعلق به حكم المقصود بالموت في رمضان، وإنما يثبت الابن الإرث لنفسه، والمرأة مقرة بذلك.
أما المرأة يثبت بها النكاح في شوال وهو مقصود لما يتعلق به من الأحكام، فكان بينتها أولى، وبمثله لو أقام الابن البينة أن فلاناً قتل أباه في رمضان وباقي المسألة بحاله كانت بينته أولى؛ لأن النفس القتل ههنا مقصود بالإثبات لما يتعلق به وجوب الدية على العاقلة ببينته بالقتل في رمضان، ثم لا يتصور للنكاح منه بعد ذلك في شوال، فكذلك في مسألتنا.
وإذا قضينا بموجب ضمان القتل للبائع هنا كان للبائع أن يضمن عاقلة المشتري، ولو أراد أن يضمن المشتري قيمة العبد يوم قبضه لما أنه قبضه على ضمان القيمة لم يكن له ذلك؛ لأنا لو أثبتنا له ذلك ابتداء أبطلناه انتهاءً، وهو أن البائع متى اختار تضمين المشتري قيمة العبد بسبب القبض تبين أن القتل لم يكن مقصوداً بالإثبات إذ لا يبقي للقتل حكماً في هذه الحالة لصيرورة البائع معرضاً عن دعوى ضمان الجناية على القتل فبقي مدعياً بمجرد الموت، ولو وقعت الدعوى في مجرد الموت على هذا الوجه كانت بينة المشتري أولى فيظهر أنه لم يكن للبائع تضمين المشتري القيمة بسبب القبض، فصح أن في تضمينه في الابتداء إبطاله في الانتهاء.
وكذلك لو أقام البائع البينة أن فلاناً قتله في الأيام الثلاث خطأ، وأقام المشتري بينته على ذلك الرجل أو غيره أنه قتله خطأً بعد مضي الأيام الثلاثة كانت بينة البائع أولى، ويقضي البائع على العاقلة القاتل بقيمته يوم القتل، وإن اختار تضمين المشتري القيمة لم يكن له ذلك لما مر.
ولو كان المشتري أقام البينة على البائع قتله في الأيام الثلاثة وأقام البائع بينته أن المشتري قتله بعد الأيام الثلاث فالبينة بينة البائع؛ لأن القتل هنا غير مقصود بالإثبات؛ لأن كل واحد منهما لهذا القتل لا يدعي لنفسه حقاً على صاحبه؛ لأن قتل المشتري بعد الثلاث يقع على ملكه فلا يوجب شيئاً للبائع.
وكذلك قتل البائع في الثلاث يقع على ملكه فلا يوجب شيئاً للمشتري، فلم يكن القتل مقصوداً بالإثبات إنما يتعلق به من أحكام، وذلك في بينة البائع أكثر، وهو جواز البيع ولزومه والانتقال إلى ضمان الثمن فكانت بينة البائع أولى، ولو أقام البائع بينة على أن هذا الأجنبي قتله بعد الأيام الثلاثة، وأقام المشتري بينة على أن هذا الأجنبي أو غيره
стр. 2692
قتله في الأيام الثلاثة فالبينة بينة البائع؛ لأن كل واحد ببينته يثبت حكم القتل لغيره، وذلك الغير ممكن فلم يكن ليقتل مقصوداً فاعتبر كأن البينتان قامتا على الموت على هذا الوجه.
وهناك كانت بينة البائع أولى فكذلك هنا، وإن أراد المشتري في هذا الوجه إثبات القتل على الذي أقام عليه البائع البينة أنه قتله بعد الثلاث، وأراد تضمنه لم يكن له ذلك؛ لأنه قد ادعى القتل على غيره فيصير يدعي القتل عليه فتناقضاً.
قال محمد في «الجامع» أيضاً: رجل باع عبداً من رجل بألف درهم أن البائع بالخيار فيه ثلاثة أيام فقبضه المشتري فصارت قيمته ألفي درهم فأقام البائع بينة على أن هذا الأجنبي غصب هذا العبد من المشتري بعد ما صارت قيمته ألفي درهم فمات في الأيام الثلاث عنده، وأقام المشتري البينة أن هذا الرجل أو غيره غصب هذا العبد في الأيام الثلاثة وقيمته ألف درهم فمات عنده بعد مضي الأيام الثلاثة، فإن بينة المشتري أولى بخلاف مسألة القتل.
والفرق بينهما: وهو أن دعوى الغصب على الأجنبي إنما يعتبر بحكمه وكل واحد منهما يدعي الحكم لنفسه، ولا يعتبر بالموت في دعوى الغصب، فإن في دعوى الغصب بحكم نفسه صحيح بدون دعوى الموت.
وإنما المعتبر في ذلك جواز العقد وانتقاضه إن أجاز العقد فحكم الغصب للمشتري، وإن انتقض فحكمه يكون للبائع فصار المحتاج إليه في دعوى الغصب إثبات النقض للبائع، وإثبات الجواز للمشتري فالجواز هو العارض، وذلك في بينة المشتري فصار الحكم به أولى، ثم تبعه ضمان الغصب بخلاف ضمان القتل.
ولو أقام البائع بينة على الموت بعد الثلاث عند الغاصب وأقام المشتري بينته على البائع؛ لأن كل واحد منهما يثبت حكم الغصب لغيره، فلم يعتبر البينة على حكم الغصب، واعتبر نفس الموت، فيكون القضاء ببينة البائع أولى لما مر، وإذا قضينا على هذا الوجه كان للمشتري أن يضمن الغاصب قيمته بخلاف ما سبق من مسألة القتل في نظير هذا، فإن هناك إذا قضينا ببينة البائع ليس للمشتري أن يضمن القاتل شيئاً.
والفرق بينهما: أن في مسألة القتل كل واحد منهما يثبت حكم القتل لغيره فبطل ذلك، واعتبرت البينة على الموت وعقد ذلك يقضي بالموت بعد الثلاث فالقضاء بالموت بعد الثلاث ينافي القضاء بالقتل في الثلاث، أما ههنا الغصب ثبت من هذا الغاصب في الثلاث بينهما والقضاء بالموت بعد الثلاث لا ينافي الغصب في الثلاث فبقي الغصب محكوماً به، فكان للمشتري أن يأخذه بضمان الغصب، وكذلك إذا كان الغصب من اثنين كان للمشتري أن يأخذ الذي ثبت الغصب عليه بضمان؛ لأن الغصب ثبت على الذي أثبته المشتري ببينته (٨٤ب٣) لا أن المشتري زعم أن حكمه للبائع، وإذا قضينا ببينة البائع صار المشتري مكذباً في زعمه أن ضمان الغصب للبائع فالتحق زعمه بالعدم، فلهذا كان الجواب كذلك، وإن لم يقم البينة على ما وصفنا من القتل والموت فالقول قول من يدعي القتل، والموت في الثلاث؛ لأن الظاهر يشهد له على الوجه الذي قلنا.
стр. 2693
نوع آخر في شرط الخيار في بعض المبيع
قال محمد في «الجامع الصغير» : وإذا اشترى الرجل شيئين بأن اشترى عبدين أو ثوبين على أنه بالخيار في أحدهما يأخذ أيهما شاء بعشرة مثلاً ويرد الآخر فهو جائز في الثوبين والثلاثة استحساناً، والقياس أن لا يجوز ولا يجوز فيما زاد على ذلك قياساً واستحساناً.
وقد اختلف ألفاظ الفسخ في هذه المسألة: وقع في بعضها اشترى شيئين، ووقع في بعضها اشترى أحد الشيئين وهو الصواب؛ لأن المشتري أحدهما وإنما جاز هذا العقد استحساناً مع كون المبيع مجهولاً؛ لأنه بمعنى ما جاءت به السُنة وهوشرط الخيار ثلاثة أيام لمساس الحاجة، وكون الجهالة غير مفضية إلى المنازعة، أما الحاجة؛ فلأن الإنسان قد يشتري الشيء لعياله ولا يعجبه أن يحمل معه عياله إلى السوق ولا يرضى البائع بالتسليم إليه عينتيّ ليحمله إلى عياله من غير عقد فيحتاج إلى مباشرة العقد بهذه الصفة لاختيار الأرفق بمحضر من عياله.
والجهالة هنا غير مفضية إلى المنازعة؛ لأن التعيين إلى من له الخيار بخلاف ما إذا لم يشترط الخيار لنفسه؛ لأن الجهالة ثمة تفضي إلى المنازعة، وبخلاف ما إذا لم يسم لكل ثوب ثمناً، فإن هناك ثمن ما يتناوله العقد مجهول وإنما اقتصر الجواز على الأبواب الثلاثة؛ لأن فيما زاد على الثلاث إن انعدمت المنازعة لم توجد الحاجة لاندفاعها بالثلاث لاقتصار صفات الأبواب على الجودة والوساطة والرداءة وهذه الرخصة كانت قائمة بوضعين فلم يقم بأحدهما، ويجوز هذا العقد إذا كان فيه شرط الخيار مع خيار التعيين.
وهل يجوز بدون شرط الخيار؟ فيه كلام على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى، ثم هذا البيع يجوز مع هذا الخيار ثلاثة أيام بلا خلاف، وهل يجوز مع هذا الخيار أربعة أيام لا شك أن على قولهما يجوز كما في العين الواحد، وأما على قول أبي حنيفة فقد اختلف المشايخ فيه، كان الكرخي يقول لا يجوز؛ لأن هذا الخيار على قول الكرخي ملحق بخيار الشرط ولهذا قال: لا يجوز البيع إذا لم يكن الخيار مؤقتاً، وخيار الشرط إذا كان مؤقتاً أربعة أيام يوجب فساد البيع عند أبي حنيفة، فكذلك هذا الخيار، وكان ابن شجاع يقول: يجوز؛ لأن هذا الخيار على قول ابن شجاع غير ملحق بخيار الشرط، ولهذا قال: أن البيع جائز مع هذا الخيار، وإن لم يكن مؤقتاً، فأما إذا ذكر الخيار مطلقاً ولم يؤقته كان الكرخي يقول: لا يجوز البيع وإليه أشار في «الجامع الصغير» وفي «المأذون» ، فإنه وضع المسألة في الخيار المؤقت.
وفائدة ذكر التوقيت: أنه لا يجوز بدونه وإليه مال شمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام علي البزدوي، وكان ابن شجاع يقول: يجوز وإليه أشار في «الجامع الكبير» وفي بيوع «الأصل» وإليه مال بعض المشايخ، وبعضهم قالوا في المسألة روايتان.
стр. 2694
وجه ما ذكره الكرخي: أن هذا اختيار لا يثبت إلا بالشرط فلا يجوز إلا مؤقتاً قياساً على خيار الشرط في عين واحد ولهذا ذكره مؤقتاً في بعض الكتب، وما ذكره مطلقاً في بعض الكتب فهو مجهول على المؤقت.
وجه ما ذهب إليه ابن شجاع: أن هذا الخيار ليس بخيار شرط بل هو خيار تمييز ملك من له الخيار عن ملك غيره ابتداء وإنتهاء؛ لأنه فسر قوله على أني بالخيار بقوله أحديهما شئت وأراد الآخر، وإبداء الحكم للتفسير لا لأول الكلام وخيار تيميز الملك لا يتوقت كما لو ثبت هذا الخيار بسبب الاختلاط، ولهذا ذكر محمد ﵀ هذا الخيار في بعض الكتب مطلقاً، وإنما ذُكر في بعض الكتب مؤقتاً لتبيين أن العقد جائز مع التوقيت في الخيار، كما هو جائز مع التأبيد لا لبيان أن التوقيت شرط للخيار، وأما قول الكرخي أنه لا يثبت إلا بشرط.
قلنا: إنما تعلق بثبوته بالشرط قطعاً للمنازعة؛ لأنه متى لم يشترط الخيار لأحدهما يثبت خيار التعيين لهما جميعاً بحكم الملك، فلا يتعد تعيين أحدهما على صاحبه قبل اشتراط الخيار له فكان الشرط محتاجاً إليه لهذا لا؛ لأنه خيار شرط، ثم إذا جاز البيع على وجه الذي قلنا فقبضهما المشتري فأحدهما معقود عليه مضمون على المشتري بالثمن والأخر ملك البائع أمانة في يد المشتري؛ لأن الداخل تحت العقد أحدهما لا كلاهما والذي لم يدخل تحت العقد حصل قبضه بإذن المالك لا على سوم الشراء ولا على وجه الوثيقة فيكون أمانة في يده كالوديعة، فإذا هلك أحدهما أو تعيب أحدهما وقد عجز عن رد الخيار لفوات الشرط وهو الرد على الوجه الذي قبض يتعين هو مبيعاً حين تعيب أو أشرف على الهلاك ويتعين الآخر.
بخلاف ما لو اشترى كل واحد منهما بعشرة على أنه بالخيار ثلاثة أيام فهلك أحدهما عنده، فإنه لا يرد الباقي؛ لأن العقد تناولهما ولهذا ملك إتمام العقد فيهما، فلو رد الباقي منهما بعد هلاك أحدهما كان فيه تفريق الصفقة قبل التمام، وذلك لا يجوز، أما ههنا العقد يتناول أحدهما، ولا لهذا لا يملك إتمام العقد فيهما فبعد ما هلك أحدهما لو رد الأخر لا يكون فيه تفريق الصفقة قبل التمام، وكذلك إذا تصرف في أحدهما تصرفاً يبطل الخيار ولزمه ثمنه ويتعين هو مبيعاً؛ لأنه دليل الاختيار بالدلالة كالاختيار بالصريح.t
ولو تصرف المشتري أو حدث العيب بهما وهما حيَّان فهو على خياره؛ لأن المبيع أحدهما وأحدهما لم يتعين البيع فيه بأولى من الأخر فكان على خياره فيرد الذي لم يخير وليس له أن يردهما بخلاف ما قبلهما قبل التعييب.
والفرق وهو: أن العقد ههنا قد لزمه في المبيع منهما وسقط خيار الشرط فيه فلا يتمكن من ردهما بخلاف ما قبل التعييب؛ لأن العقد هناك لم يلزمه في المبيع منهما وبقي خيار الشرط فكان له أن يردهما، أما ههنا بخلافه، وإذا ردَّ الذي لم يخير في مسألتنا لا يلزمه أن يغير النقصان استحساناً، والقياس أن يرد معه نصف أرش النقصان، ولو ماتا معاً لزمه نصف ثمن كل واحد منهما.
стр. 2695
ووجه القياس: أن بحدوث العيب فيهما هلك جزء منهما والجزء معتبر بالكل ولو هلكا معاً شاع الأمانة والضمان فيهما، فكذلك إذا هلك جزء منهما.
وجه الاستحسان: وهو أن خيار التعيين لم يسقط بحدوث العيب بهما؛ لأن المبيع محل لابتداء البيع فيكون محلاً للبيان، وإذا بقي خيار التعيين صح تعينه، فتعين عينه للبيع فيه، ومن ضرورة تعينه للبيع تعين الأخر للأمانة وتعيب الأمانة في يد الأمين لا يوجب عليه ضماناً بخلاف ما إذا ماتا؛ لأنه سقط خيار التعيين بموتهما؛ لأن الهلاك محلاً لابتداء البيع فيه، فلا يكون محلاً للتعيين، وإذا سقط خيار التعينين استحكمت الجهالة فكان طريق رفعها التوزيع والشيوع فلهذا لزمه نصف ثمن كل واحد منهما بخلاف ما نحن فيه، (٨٥أ٣) ثم هل يشترط أن يكون في هذا العقد خيار الشرط مع خيار التعيين اختلف المشايخ فيه. منهم من قال: يشترط وهو المذكور في «الجامع الصغير» .
فقد ذكر فيه اشترى ثوبين على أنه بالخيار يأخذ أيهما شاء وهو بالخيار وثلاثة أيام منهم من قال: لا يشترط وهو المذكور في «الأصل» و «الجامع» ، فإنه ذكر هذه المسألة في «الأصل» ولم يذكر خيار الشرط وهذا القائل يقول: إذا لم يذكر خيار الشرط يلزم العقد في أحدهما ولا يردهما، وإذا ذكر لا يلزم العقد في أحدهما وله أن يردهما، وذكر الكرخي هذه المسألة في كتابه ولم يذكر فيها خيار الشرط، وذكر أن له أن يردهما؛ لأن هذا الخيار عنده في معنى خيار الشرط ولهذا يشترط التأقيت فيه هذا إذا حصل البيع بشرط الخيار للمشتري، فإن حصل البيع بشرط الخيار للبائع، فإن قال البائع: بعتك أحد هذين الثوبين على أني بالخيار عيَّن البيع في أحدهما دون الآخر، لم يذكر محمد ﵀ هذه المسألة ههنا ولا في بيوع «الأصل» .
وذكر الكرخي في «مختصره» : أنه يجوز استحساناً قالوا، وإليه أشار في «المأذون» ؛ لأن هذا بيع يجوز مع خيار الشرط، فيجوز مع خيار البائع قياساً على خيار الشرط.
وذكر في «المجرد» : أنه لا يجوز هذا العقد مع خيار المشتري إنما يجوز بخلاف القياس باعتبار الحاجة إلى اختيار ما هو الأرفق بحضرة من يقع الشراء له، وهذا المعنى لا يتأتى في جانب البائع؛ لأنه لا حاجة له إلى الخيار لاختيار الأرفق؛ لأن المبيع كان معه قبل البيع فيرد جانب البائع إلى ما يقتضيه القياس هذا إذا باع أحدهما وشرط الخيار للمشتري ليأخذ أيهما شاء.
ولو لم يشترط الخيار للمشتري إنما باعه أحد الثوبين أو أحد العبدين بعشرة مثلاً، فإنه لا يجوز هذا العقد؛ لأن المبيع مجهول جهالة تفضي إلى المنازعة المانعة من التسليم، فإذا دفعها البائع إلى المشتري فماتا عند المشتري ضمن نصف قيمة كل واحد منهما؛ لأن أحدهما يبيع ملكه المشتري بالقبض بحكم الفاسد وصار مضموناً عليه بالقيمة، والأخر أمانة في يده وليس أحدهما بأن يجعل أمانة على التعيين بأولى من الآخر، وبيع الأمانة والضمان فيهما، ولو مات أحدهما قبل صاحبه يتعين الأول للعقد، كما في البيع الصحيح لو مات أحدهما قبل صاحبه يتعين الأول.
стр. 2696
وإن اعتقهما المشتري معاً عتق عليه أحدهما ملكه وكان على المشتري قيمته؛ لأنه ملكه بحكم عقد فاسد، وكان البيان إلى المشتري؛ لأن الذي نفذ عتقه فيه مضمون عليه، والقول في تعيين المضمون قول من عتق عليه.
ولو اعتق المشتري أحدهما قبل الآخر جاز عتقه في الأول وتعين هو معقوداً عليه تصحيحاً لإعتاقه، ولو قال المشتري: أحدكما حر كان باطلاً؛ لأنه جَمْعٌ، بينما يملك وبينما لا يملك، وأعتق أحدهما وفي مثل هذا لا يصح الإعتاق أصلاً.
وكذلك لو أعتق البائع أحدهما بغير عينه كان باطلاً؛ لأنه جمع بينما يملك وبين لا يملك؛ لأن أحدهما زال عن ملكه، وكذلك إذا قالا: جميعاً أحدكما حر كان ذلك باطلاً حتى لا يعتق واحد منهما، وإن قالا: جميعاً وأحدهما قبل الأخر هما حران عتقا؛ لأن كل واحد أعتق ما يملك وما لا يملك فيصح إعتاقه فيما يملك ولا يصح فيما لا يملك وتقرر على المشتري قيمة الذي نفذ عتقه فيه ويكون الخيار إليه لما قلنا.
وإن مات المشتري قبل التعيين كان الخيار لورثته؛ لأن الخيار إنما يثبت للمشتري باعتبار أنه وجب عليه القيمة والقول في تعيين القيمة إليه، وبعدما مات المشتري فالقيمة تجب على الورثة في تركة الميت فيكون البيان إليهم أيضاً، ولو أن البائع أعتق أحدهما بعينه بعدما قبضهما المشتري لم ينفذ عتقه.
وإن رفع الأمر الى القاضي حتى ردهما القاضي على البائع بحكم فساد البيع نفذ إعتاق البائع؛ لأن إعتاق البائع صادف محلاً مملوكاً للبائع؛ لأن زوال ملك البائع بالبيع إنما كان ضرورة الثبوت للمشتري، وملك المشتري إنما ثبت في المنكر فيزول ملك البائع عن المنكر أيضاً، والإعتاق صادف المعين فكان مصادفاً ملك البائع إلا أنه لم ينفذ في الحال؛ لأن للمشتري خيار التعيين، ولو نفذ الإعتاق يبطل خيار المشتري وقد زال هذا المعنى ههنا، فوجب القول بنفاذ العتق بين هذا وبينما إذا أعتق البائع العبد المبيع بشرط الخيار للمشتري البيع حيث لاينفذ العتق.
والفرق وهو: أن شرط الخيار للمشتري لا يمنع زوال المبيع عن ملك البائع وإنما يعود بعد ذلك إلى ملك البائع بسبب الفسخ، والفسخ لم يوجد بعد، فلم يكن السبب قائماً حتى يتوقف العتق باعتبار النظر الى سبب الملك، أما ههنا بخلافه.
وفرق بين هذا وبين الموصى له يأخذ العبيد الثلاثة إذا أعتق أحدهم بعينه بعد موت الموصي، ثم عين الوارث الوصية فيه حيث لاينفذ عتقه.
والفرق وهو: أن الموصى له إنما يملك الموصي به بالوصية ابتداءً والوصية صادفت المنكر والسبب المصادف المنكر في حق المعين كالمعلق بخطر البيان، والسبب القاهر لايكفي لتوقف العتق، أما ههنا بخلافه على ما مر، ولو أن القاضي لم ينقض البيع حتى أعتق المشتري العبد الذي أعتقه البائع نفذ ذلك منه وبطل إعتاق البائع؛ لأن إعتاق البائع موقوفاً فيه، وكان للمشتري خيار التعيين فإذا أقدم على إعتاق هذا العبد صار ذلك منه تعييناً للبيع فيه فتعين وطرأ الإعتاق النافذ على الإعتاق الموقوف فأبطله.
وكذلك لو مات
стр. 2697
هذا العبد من غير أن يعتقه المشتري بطل إعتاق البائع، لأنه لما مات تعين هو مبيعاً فلو أن البائع أعتق العبدين جميعاً بعد قبض المشتري، ثم نقض القاضي البيع فيهما عتق على البائع أحدهما، والخيار إليه؛ لأن أحدهما باقي على ملك البائع وقت الإعتاق، والآخر لا يدخل ملكه بحكم البيع الفاسد، والزائد عن ملك البائع بسبب البيع الفاسد لايتوقف فيه إعتاق البائع، ما الذي بقي على ملكه ينفذ الإعتاق فيه ويكون التعيين الى البائع.
وكذلك لو أعتق البائع أحد العبدين بعينه، ثم إن المشتري أعتق العبد الآخر أو دبر أو مات الآخر في يد المشتري نفذ عتق البائع فيه، وكذلك إذا اختار المشتري البيع في الآخر نصاً، وكذلك لو أعتق البائع العبدين، ثم إن المشتري أعتق أحدهما بعينه نفذ عتق البائع في الآخر فيتوقف عتق البائع في هذه المسائل، وإنما توقف؛ لأنه نفذ فيهما يبطل خيار المشتري، ولو نفذ في أحدهما يتعين الآخر للبيع من غير اختيار المشتري نصاً أو دلالة ولا وجه إليه وتعذر القول بالبطلان؛ لأنه إنما يبطل من حيث إنه صادف ملك المشتري ومثل اختيار المشتري ملك المشتري، ليس بثابت قطعاً بل الحال يتردد بين أن يكون ملك المشتري وبين أن يكون باقياً على ملك البائع فقلنا: بالتوقف لهذا، وكل جواب عرفته في البيع الفاسد بعد القبض، فكذلك الجواب في البيع الصحيح قبل القبض؛ (٨٥ب٣) لأن البيع الصحيح يزيل الملك بنفسه فصار نظير البيع الفاسد بعد القبض، ولو أن البائع أعتقهما قبل قتل المشتري بحكم العقد الفاسد عتقا؛ لأن أحدهما ليس بمبيع والآخر كان مبيعاً، إلا أنه باقي على ملكه لعدم التسليم، وكان المشتري قبض أحدهما في البيع الفاسد فأعتقه البائع، ثم إن المشتري قبض الآخر وأعتق أحدهما إن أعتق الذي أعتقه البائع نفذ إعتاق المشتري وتعين مبيعاً، ويبطل إعتاق البائع وغرم المشتري قيمته ورد الآخر، وإن أعتق المقبوض آخراً تعين هو مبيعاً ورد المقبوض أولاً ونفذ فيه إعتاق البائع، ولو قبض المشتري أحدهما فمات في يديه تعين هو مبيعاً؛ لأنه لو قبضهما ومات أحدهما تعين الميت مبيعاً مع أن الحي يزاحم الميت في الملك؛ فلأن يتعين الميت هنا مبيعاً والحي لا يزاحم الميت في الملك لانعدام القبض في الحي كان أولى، ولو لم يمت المقبوض حتى أعتق المشتري الذي لم يقبضه بطل الإعتاق؛ لأن الذي لم يقبضه إن كان أمانة فإعتاقه باطل وإن كان مبيعاً فهو مبيع بيع فاسد لم يملك لعدم القبض فصادف الإعتاق
محلاً ليس بمملوك له فكان باطلاً.
ولو قبض أحدهما ثم قبض الآخر ثم أعتق المقبوض آخراً جاز عتقه ويتعين هو مبيعاً، وكذا إذا مات يتعين الميت مبيعاً فقد جعل موت أحدهما أو أعتق أحدهما تعييناً للعقد في المعتق والميت، ولم يجعل قبض أحدهما تعييناً للعقد في المقبوض، وكذا الجواب في العقد الجائز.
والمعنى الجامع بينهما وهو: أن جواز هذا العقد إنما كان باعتبار الحاجة إلى اختيار ماهو الأرفق، وذلك إنما يكون بعد قبضهما، وعسى (أن) لا يتهيأ له قبضهما معاً، ولو جعل قبض أحدهما تعييناً للعقد في المقبوض يفوت له هذا العوض فيعود إلى
стр. 2698
موضوعه بالبعض، وإنه لا يجوز بخلاف الإعتاق والموت.
إما في الإعتاق؛ فلأن هناك لما أنه أقدم على الإعتاق فقد قصد صحته ولا صحة للإعتاق إلا، وأن يتعين معقوداً عليه ضرورة بخلاف القبض؛ لأن القبض كما يصح في الملك يصح في غير الملك؛ فلأن يكون قبض أحدهما تعييناً للعقد فيه وفي الموت إنما يتعين الميت للعقد ضرورة أنه لا يمكن نقض العقد في الباقي بالشك، وهذه الضرورة لا توجد في قبض أحدهما بدون الموت والإعتاق.
وشرط في «الكتاب» : أن يكون القبض بإذن البائع؛ لأن قبض المشتري في البيع الفاسد بغير الافتراق عن المجلس إنما نعيد الملك إذا كان بإذن البائع، وكذلك الجواب في الهيئة الفاسدة، فأطلق الجواب في اشتراط الإذن إطلاقاً تحرزاً عن القبض بعد الافتراق عن المجلس بغير إذن البائع.
قال محمد في «الجامع الصغير» : رجل باع من آخر عبدين بألف درهم على أنه بالخيار في أحدهما فالبيع باطل، فهذه المسألة في الحاصل على أربعة أوجه:
إما أن لا يعين الذي فيه الخيار ولا يفصل الثمن، وفي هذا الوجه البيع فاسد؛ لأن المبيع مجهول؛ لأن الخيار يمنع حكم العقد في مدة الخيار فالذي فيه الخيار هو غير داخل في الحكم، وإنه مجهول لم يعين، وإذا لم يكن غير الداخل في الحكم معلوماً لم يكن الداخل في الحكم معلوماً، فهو معنى قولنا: أن المبيع مجهول.
وإما أن لا يعين الذي فيه الخيار ويفصل الثمن، وفي هذا الوجه العقد فاسد أيضاً لجهالة المبيع على ما بينا.
وإما أن يعين الذي فيه الخيار ويفصل الثمن، وفي هذا الوجه فاسد فيه الخيار ويفصل الثمن بأن قال كل واحد منهما بخمسمائة، وفي هذا الوجه العقد جائز؛ لأن المبيع معلوم والثمن كذلك.
فرق بين الوجه الثالث وبينما إذا اشترى عبدين أحدهما مدبر أو مكاتب أو اشترى جاريتين فإما أحدهما أم ولد، فإن العقد ينعقد في حق القن بوصف الصحة، وإن كان انعقاد العقد في حق القن في هذه المسائل بالحصة؛ لأن العقد لا ينعقد في حق المكاتب والمدبر وأم الولد، فمن مشايخنا من لم يشتغل بالفرق فقال: على قياس هذه المسألة لاينعقد العقد في حق القن في تلك المسائل ويصير ماذكر هنا رواية في تلك المسائل.
ومنهم من اشتغل بالفرق وهو الصحيح.
والفرق ماذكرنا: أن شرط الخيار يمنع انعقاد البيع في حق الحكم ويجعل العقد في حق الحكم كالمعدوم فيما شرط فيه الخيار وإذا لم ينعقد في حق الحكم في حق المشروط فيه الخيار، لو انعقد في حق الآخر ينعقد ابتداءً بالحصة، والعقد لاينعقد ابتداء بالحصة إما في المدبر والمكاتب، وأم الولد العقد منعقد في حق الحكم إذ لم يوجد في حقهم ما يمنع انعقاد البيع، ولهذا لو قضى القاضي يجوز بيع هؤلاء لكن لم يثبت الحكم بحق محترم واجب الصيانة يحصل بمجرد منع الحكم، فلا ضرورة إلى أن يجعل العقد
стр. 2699
غير مباشرة في حق الحكم كما انعقد في حق القن، ثم وجب قسمة الثمن بعد ذلك عند فسخ العقد على هؤلاء، والانقسام ابتداءً يكون بالحصة ولا يوجب خلالاً في العقد.
ولو كان المبيع شيئاً واحداً عبداً أو مكيلاً أو موزوناً وقد اشتراه بألف درهم وشرط الخيار في نصفه للبائع أو للمشتري جاز بخلاف ما اشترى عبدين بألف درهم وشرط الخيار في نصفه للبائع أو المشتري جاز بخلاف ما اشترى عبدين بألف درهم وشرط الخيار في أحدهما بعينه.
والفرق وهو: أن النصف من الشيء الواحد لايتفاوت وثمنه أيضاً لا يتفاوت، وإذا كان ثمن الكل معلوماً كان ثمن النصف معلوماً أيضاً.
فأما العبد الواحد من العبدين يتفاوت وثمنه أيضاً يتفاوت فكان حصة المبيع من الثمن مجهولاً، وإذا جاز البيع مع شرط الخيار في النصف، فإن كان الخيار للمشتري كان له أن يؤد النصف الذي شرط له الخيار فيه إن شاء، وإن شاء أجاز العقد فيه فإن أجاز العقد لزمه الكل، وإن رد انتقص العقد في النصف، وإن كان في رد النصف تفريق الصفقة على البائع وتنقيص المعقود عليه إلا أن البائع رضي بهذا التفريق؛ لأنه أثبت الخيار للمشتري في النصف والخيار مشروط للفسخ فيكون راضياً بفسخ العقد في النصف بتفريق الصفقة عليه.
قال في «الزيادات» : وإذا اشترى الرجل من آخر عبدين كل منهما بألف درهم وشرط الخيار في أحدهما بعينه، البائع حتى جاز العقد على ما مر قبل هذا، فقال المشتري: أنا آخذ الذي لاخيار فيه وأنقد ثمنه لم يكن له ذلك؛ لأن البائع مسلط على إجازة البيع في الذي فيه الخيار، وعلى اعتبار الإجازة يجعل كأن البيع وقع بابا من الأصل.
فيتبين أن المشتري فرق الصفقة على البائع في القبض والمشتري كما لا يملك تفريق الصفقة للبائع في العقد حتى لو أراد أن يقبل العقد في البعض دون البعض ليس له ذلك، لا يملك تفريق الصفقة في حق القبض ولكن يتوقف الأمر إن فسخ البائع البيع في الذي فيه الخيار، فقد تفرقت الصفقة وكان للمشتري أن يأخذ الأجر بثمنه، فإن أجاز العقد فيه أو سقط الخيار فيه بمضي المدة أخذ الكل بجميع الثمن وأبى المشتري لايجبر عليه.
ولو أراد البائع أن يسلم الذي لا خيار فيه الى المشتري وتوقف العقد الأخر وقال المشتري: لا أقبل ولا أعطيك شيئاً من الثمن حتى (٨٦أ٣) عبر البيع في الآخر وأحدهما أو بفسخ العقد فيه يأخذ العبد الذي تم البيع فيه بحصته فذلك إلى المشتري؛ لأن على اعتبار إجارة البيع في الآخر تبين أنه فرق الصفقة على المشتري في القبض وليس له ذلك الولاية، ولو أراد البائع أن يدفع العبدين إلى المشتري ويأخذ ثمنها لم يجبر المشتري على ذلك؛ لأن الذي فيه الخيار لم يملكه المشتري، والإنسان لايجبر على قبض ما لم يملكه.
وإن قال المشتري: أنا آخذ العبدين وأنقد ثمنهما ليس له ذلك إلا برضاء البائع؛
стр. 2700
لأن الذي فيه الخيار بقي على ملك البائع والإنسان لا يجبر على تسليم ملكه إلى غيره ولكن الأمر موقوف حتى يظهر الفسخ من البائع أو الإجازة، فإن أجاز البائع البيع قبضهما المشتري جميعاً، وإن فسخ قبض الذي وجب البيع بثمنه ولا يجبر المشتري بسبب تفريق الصفقة عليه لرضاه بذلك.
ولو كان الخيار في هذه الصورة فأراد المشتري أن يأخذ العبد الذي وجب البيع فيه ويأخذ ثمنه إلى البائع لا يجبر البائع عليه لما مر، أن فيه تفريق الصفقة على البائع على اعتبار إجازة المشتري البيع في الآخر، وكذلك لو أراد البائع أن يسلم إلى المشتري العبد الذي وجب البيع فيه ويأخذ ثمنه وأبى المشتري ذلك فذلك إلى المشتري.
ولو قال المشتري: أنا آخذ العبدين وأنقد ثمنهما وأكون على خياري؛ فأبى البائع ذلك، لا يجبر البائع عليه، ولو قال البائع للمشتري: أعطيك العبدين وآخذ الثمنين وأنت على خيارك لايجبر عليه؛ لأن هذا جبر على تسليم مالم يلزم المشتري وهو ثمن المشروط فيه الخيار، وقد مر شيء من هذا الجنس في آخر النوع الثاني من هذا الفصل.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: رجل أخذ من رجل واحد بعشرين وآخر بثلاثين وآخر بعشرة على أن يأخذ منها أيها شاء فضاعت عنده معاً لزمه ثلث ثمن كل واحد منهما، ولو ضاع واحد لزمه ثمن الأول وهو في الآخرين معاً ثمن.
ولو احترق ثوبان ونصف منها معاً فإنه يرد النصف الباقي ولزمه نصف ثمن كل واحد منهما، ألا ترى أنهما لو كانا ثوبين فاحترق أنصافهما معاً كان له أن يردهما معاً ويلزمه الآخر بثمنه، ولو احترق أحدهما ونصف الآخر معاً، فإنه يرد النصف الباقي ولزمه الآخر بثمنه، وليس له أن يمسك هذا النصف بجميع ثمنه ويجعل الأمانة في الهالك.
ابن سماعة عن محمد رحمه (الله) : رجل اشترى إحدى أمتين على أنه بالخيار فيهما جميعاً يأخذ أيتهما شاء إن شاء هذه بألف وإن شاء هذه بخمسمائة، فوطء المشتري الأمتين وحملتا منه، ثم اختلف البائع والمشتري فقال المشتري وطئت هذه أولاً، وقال البائع: بل وطئت هذه الأخرى أولاً، فالقول قول المشتري في التي وطئها أولاً ويلزمه ويثبت ولدها منه وتكون أم ولد، وأما التي زعم البائع أن المشتري وطئها أولاً فلا سبيل للبائع ولا للمشتري عليها، أما للمشتري فظاهر فلأن البائع حين زعم أنه وطئها أولاً فقد زعم أنها ولد للمشتري، وأنه لا سبيل له عليها وزعمه معتبر في حقه وتكون موقوفة إلى أن يموت المشتري فيعتق عند موته بإقرار البائع، ولا يلزم المشتري ثمن هذه الجارية؛ لأن زعم البائع حجة في حق المشتري.
قال ابن سماعة: وينبغي أن يلزم المشتري عقر الجارية التي زعم البائع أنه وطئها أولاً، ويكون العقر له من الثمن الذي لا يغير واحد منهما على النفقة عليها ولكن تكتسب فتأكل من ذلك.
ابن سماعة في «نوادره» عن أبي يوسف: رجل أخذ من رجل ثوبين على أن يأخذ أيهما شاء أخذ هذا بعشرة وإن شاء أخذ هذا بعشرين، وإن شاء أخذهما جميعاً فصبغ
следующие страницы →