Полный текст (4 583 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
ولو كان لها زوج عند المشتري فقال المشتري للبائع: قد كان هذا الزوج عندك وقال البائع: كان زوجها عندي غير هذا وطلقها ذلك الزوج أو مات عنها، وقال المشتري: بل هو هذا فالقول قول البائع ولا يكون للمشتري حق الرد؛ لأن ما أقر به البائع بطل بتكذيب المشتري وما ادعاه المشتري لم يثبت لعدم تصديق البائع بخلاف ما تقدم؛ لأن هناك اتفقا على عيب واحد متصل بالعقد فكان القول قول من ينكر زواله.
واستشهد محمد ﵀ في «الكتاب» فقال: ألا ترى أن رجلاً لو اشترى عبداً أو قبضه فمات عند المشتري فادعى المشتري أن البائع باعه وبإحدى عينيه بياض ومات هو كذلك؟ وقال البائع: كان ذلك لكنه زال قبل البيع فالقول قول البائع، ولو قال: زال عنه بعد البيع فالقول قول المشتري، ولو قال البائع: كان البياض بعينه اليمنى فزال عندك وقد حدث البياض عندك باليسرى، وقال المشتري: بل البياض عندك كان باليسرى كان القول قول البائع. إن ما أقر به البائع بطل بتكذيب المشتري وما ادعاه المشتري لم يثبت لعدم تصديق البائع بخلاف ما تقدم؛ لأن هناك اتفقا على عيب واحد متصل بالعقد فكان القول قول من ينكر زواله.
قال في «الجامع» أيضاً: رجل اشترى من آخر جارية، ثم أقام بينة أن لها زوجاً معروفاً غائباً لا قبل هذه الشهادة؛ لأن هذه بينة قامت لغائب أو على غائب وليس عنه خصم حاضر، وطعن أبو حازم القاضي في جواب هذه المسألة فقال: ينبغي أن يقبل هذه البينة؛ لأن الحاضر يدعي لنفسه حق الرد ولا يتوصل إلى إثباته إلا من بعد إثبات حق الغائب، وهو النكاح في مثل هذه الصورة ينتصب الحاضر خصماً عن الغائب في إثبات حقه إذا كان للحاضر حق فيما هو حق للغائب، أو يكون ما هو حق الغائب سبب حق الحاضر أما إذا لم يكن فلا.
ألا ترى أن من تزوج امرأة فادعت أنه كان تزوج أختها قبلها وأقامت على ذلك بينة والأخت غائبة لا تقبل بينتها؟ وإن كان لو ظهر نكاح أختها حصل الخلاص عن حبالة هذا الزوج، ولكن قبل لما لم يكن لها حق في نفس النكاح، ولم يكن النكاح سبب حقها لم تثبت هي خصماً عن أختها، إذا ثبت هذا فنقول: حق الغائب النكاح والنكاح ليس حق الحاضر ولا يثبت حقه في الرد بالعيب والنكاح ليس بسبب للرد بل الموجب للرد التزام البائع تسليم المعقود عليه سليماً، ولكن ظهور العيب كما أن عند ظهور الإحصان يجب الرجم بزنا المحصن لا بنفس الإحصان، وكما أن عند يسار الحالف تجب الكفارة بالعتق باليمين لا ننفس اليسار فكذا ههنا، وإذا لم يكن للحاضر حقاً في النكاح ولم يكن النكاح سبب حق الحاضر لا ينتصب الحاضر خصماً عن الغائب.
وكذلك لو شهد الشهود أن لها زوجاً ولم يعرفوه فشهادتهم باطلة؛ لأنهم شهدوا بالنكاح لمجهول، ولو شهدوا بالنكاح لغائب معروف لا تقبل شهادتهم، فإذا شهدوا لغائب مجهول أولى. ولو شهدوا على إقرار البائع أن لها زوجاً معروفاً غائباً، أو على إقراره بأن لها زوجاً مجهولاً صح؛ لأن هذه شهادة على إقرار البائع وهو معلوم حاضر بخلاف الوجه الأول على ما مر.
стр. 2767
قال في «الكتاب» : ألا ترى أنه لو شهد الشهود أن لفلان على فلان شيئاً أو غصب منه شيئاً كان باطلاً، ولو اشهدوا على إقراره أنه غصب من فلان شيئاً كان ذلك جائزاً؟ فكذا هنا، وهناك كذلك وإذا قبلت الشهادة ظهر النكاح فكان للمشتري أن يردها مع يمينه بالله ما يعلم أن الزوج مات عنها أو طلقها طلاقاً بائناً، هكذا ذكر في «الجامع» من مشايخنا من قال: هذا إذا ادعاه البائع فأما بدون الدعوى فالقاضي لا يحلف المشتري؛ لأنه نصب لفصل الخصومات، وذلك إنما يكون عند الدعوى، والأصح أن القاضي يحلف المشتري على هذا في الحالين صيانة لقضائه.
وإذا اشترى خادماً وقبضه وطعن بعيب فيه فجاء بالخادم ليرده فقال البائع: ما هذا بخادمي، وقال المشتري: هذا خادمك الذي اشتريته فالقول قول البائع مع يمينه؛ لأن المشتري لا يملك الفسخ بخيار العيب إلا بقضاء أو رضاء ولم يوجد قضاء فلم ينفسخ البيع، بفسخه نفى المشتري بما يدعي في هذا العين المعين مدعياً حق الفسخ لنفسه والبائع ينكر فيكون القول قول البائع، كما لو تصادقا أن المبيع هذا إلا أن المشتري ادعى عيباً فيه آخر والبائع ينكر، وهناك القول قول البائع كذا ههنا.m
نوع آخر منه
رجل قال لآخر: إن عبدي هذا أبق فاشتره مني فقال له الآخر: بكم تبيعه فقال: بكذا فاشتراه منه، ثم وجده المشتري آبقاً فليس له أن يرده، فإن باعه المشتري من آخر فوجده المشتري الثاني آبقاً فأراد أن يرده وأنكر المشتري الأول أن يكون آبقاً فأقام المشتري الثاني بينة على مقابلة البائع الأول لم يستحق به شيئاً؛ لأن البائع الأول أخبر أن عبده أبق لكن لم يجعل ذلك وصفاً للإيجاب فلم يصر إيجاب المشتري منتظماً لذلك، فلم يصر المشتري مقراً بذلك العيب وصار البائع الأول معترفاً بإباقة، واعترافه حجة عليه وليس بحجة على المشتري الأول.
ولو قال البائع الأول للمشتري الأول: بعتك هذا العبد على أنه أبق أو على أني بريء من إباقه والمسألة بحالها كان للمشتري الآخر أن يرده على المشتري الأول؛ لأن البائع الأول جعل الإباق وصفاً لإيجابه فصار جواب المشتري قبولاً لذلك الوصف، كأنه قال: اشتريته على أنه آبق، ولو قال هكذا كان مقراً بإباق العبد كذا هنا. ولو قال البائع الأول: بعت على أني بريء من الإباق ولم يقبل من إباقه لم يرده المشتري الآخر على المشتري الأول ما لم يقم البينة على أنه باعه وهو آبق؛ لأن البائع وإن جعل الإباق (١٠١ب٣) صفة لإيجابه إلا أنه ذكر الإباق مطلقاً غير مضاف إلى العبد فصار إيجاب المشتري منتظماً كذلك على سبيل الإطلاق وبهذا لا يصير مقراً بوجود العيب فيه، ألا ترى أن البيع قد يكون بشرط البراءة عن كل عيب وذلك لا يكون إقراراً بوجود كل عيب فيه بخلاف قوله على أني بريء من إباقه؛ لأنه أضاف الإباق إلى العبد بالهاء الذي هو كناية عنه فصار جواب المشتري قبولاً بذلك الوصف فصار مقراً بذلك أما ههنا فبخلافه.
وفي «المنتقى» : رجل أقر على عبده بدين، ثم باعه من آخر ولم يذكر الدين، ثم
стр. 2768
باعه المشتري من آخر ولم يذكر الدين، فإن للمشتري الآخر أن يرده على بائعه بذلك الإقرار الذي كان من البائع الأول؛ لأن الدين لازم للغريم أن يرد البيع فيه وليس هذا كالإقرار بالإباق قبل البيع وبعده في حق فسخ البيع الآخر بين المشتري الآخر وبين بائعه الذي لم يقر بالإباق، والإقرار بالزوج كالإقرار بالدين في أن المشتري الآخر يرد على بائعه بالإقرار الذي كان من البائع الأول.
وفيه أيضاً: رجل أقر أن أمته أبقت منه، ثم وكل وكيلاً أن يبيعها ولم يبين أنها آبقه فباعها مأموره وكتم ذلك الإقرار وتقابضا، ثم علم المشتري بذلك الإقرار وأراد ردها به على بائعه وكذبه بائعه وقال: لم تأبق، أو كان الإقرار من المولى بعد ما باع الوكيل وتقابضا فليس للمشتري أن يردها على الوكيل.
ألا ترى أن المضاف أو شريك العنان لو باع أمة، ثم أقر رب المال أو الشريك بعيب فيها ليس بظاهر لم يكن للمشتري أن يردها على البائع بذلك الإقرار، ولو أن الموكل قال للوكيل إن عبدي آبق فبعه وابرأ من إباقه، فباع الوكيل ولم يبرأ من الإباق، ثم علم المشتري بمقالة الموكل قبل القبض فله أن يرده بذلك، وليس هذا كالمسألة الأولى التي لم يبين رب العبد فيها الإباق للوكيل، فإن هناك لا يجوز إقراره على بعض بيع الوكيل.
قال: ولو كان هذا في رب المال والمضارب لم يكن للمشتري أن يرده بإقرار رب المال على المضارب علل فقال: لأن رب المال لو نهى المضارب عن البيع كان له أن يبيعه.
وفيه أيضاً: لو وكل رجلاً ببيع عبد له فأقر الوكيل أنه أبق ولا يعلم أنه أقر به قبل الوكالة أو بعد الوكالة، ثم باع العبد من رجل وتقابضا، ثم اطلع على مقالة الوكيل فله أن يرد على الوكيل، وليس للوكيل أن يرده على الموكل، ولو كان المشتري سمع إقرار الوكيل بذلك قبل البيع، ثم اشتراه منه لم يكن له أن يرده على الوكيل.
وفيه أيضاً: إذا باع رجل من رجل عبداً وأقر البائع والمشتري بإباقه وكان ذلك منهما في عقد البيع، ثم باعه المشتري من آخر وكتم الثاني من الآخر على أنه مأمون وليس بآبق، ثم علم المشتري الآخر بالإباق وبما جرى بين البائع الأول والمشتري الأول من إقرارهما وقت جريان البيع لم يكن له أن يرده، ولا يكون إقرار المشتري الأول بإباقه نافذاً على من لم يشتر منه من الباعة.
ولو أن المشتري الأول اشتراه من غير إقرار منه ومن البائع الأول بإباقه، ثم أقام المشتري الأول بينة على إباقه ورد القاضي على البائع الأول، ثم إن البائع الأول باعه من ذلك المشتري أو من رجل آخر، وباعه المشتري من رجل وباعه المشتري الثاني من رجل آخر، ثم علم المشتري الآخر بالإباق وبما جرى بين المشتري الأول وبائعه من رد القاضي العبد عليه بالإباق ببينة قامت فله أن يرد على بائعه؛ لأن البينة حجة في حق الناس كافة.
стр. 2769
وفيه أيضاً: إذا اشترى من آخر جارية، ثم ادعى أنها آبقة وأقام البينة على إباقها وردها القاضي بذلك أقام رجل بينة أنها أمته ولدت في ملكه وقضى القاضي له بالجارية، ثم باعها مأمونة فخاصمه المشتري في إباقها واحتج عليه بحكم الحاكم بالإباق فله أن يردها.
رجل اشترى عبداً فساومه رجل فيه فقال له المشتري: اشتره مني، فإنه ليس به عيب فلم يتفق بينهما بيع، ثم إن المشتري وجد بالعبد عيباً يحدث مثله فخاصم فيه البائع وأقام بينة أنه كان عند البائع وأقام البائع بينة أنه قال عند المساومة: اشتر مني، فإنه لا عيب به لا يلتفت إلى هذه البينة ويقضى بالرد على بائعه؛ لأن بإقالة المشتري كذب معين؛ لأن هذا نفي لكل العيوب والإنسان لا يخلو عن قليل العيب عادة، ومن العيوب بالآدمي ما لا يقف عليه غيره غالباً فيسقط اعتبار حقيقة هذا اللفظ حمل على المجازة هو ترويج السلعة. ولو قال للذي ساومه: اشتر فإنه ليس به عيب كذا فلم يتفق بينهما بيع، ثم إن المشتري ادعى ذلك العيب وأراد أن يرده على بائعه بذلك فليس له ذلك؛ لأن العمل بحقيقة ممكن؛ لأن الآدمي يخلو عن عيب واحد معين فكان ذلك منه إقرار في ذلك العيب فلا تسمع دعوى وجود ذلك العيب منه بعد ذلك.
ولو كان مكان العبد ثوباً وباقي المسألة بحالها، لا تسمع دعواه ولا يرده على بائعه في الوجهين جميعاً؛ لأنا لم نتيقن بكذبه؛ لأن عيوب الثوب مما يوقف عليه ولو كان العيب مما يحدث مثله أصلاً أو لا يحدث مثله في هذه المدة رد القاضي العبد على بائعه؛ لأنه صار مكذباً فيما أقر حقيقة، ولو صار مكذباً فيما أقر شرعاً ليس أنه يلتحق إقراره بالعدم كذا هنا.
نوع آخر منه
وإذا أصاب الإمام والجند غنائم في دار الحرب فأخرجوها إلى دار الإسلام فباع الإمام أو بعض أمنائه الغنائم لمصلحة رآها حتى جاز البيع، فوجد المشتري بجارية عيباً لا يدري أكان العيب يوم الشراء أو لم يكن، لم يكن له أن يخاصم الإمام في الرد بالعيب؛ لأن بيع الإمام خرج على وجه القضاء بالنظر للغانمين، ولو صار خصماً في هذا البيع خرج بيعه من أن يكون قضاء، فإن القاضي لا يصلح خصماً.
وإذا عرفت هذا الحكم في حق القاضي فكذا في حق أمينه؛ لأن أمنيه نائب عنه هذا بخلاف ما إذا نصب الإمام وصياً عن الميت بالتصرف حيث تلحقه العهدة؛ لأنه نائب الميت ولكن ينصب القاضي، والميت كان يصلح خصماً في حياته فكذا نائبه.
وإذا لم يصلح الإمام خصماً ولا نائبه كان للإمام أن يجعل أمينه خصماً للمشتري ابتداء وإن شاء نصب آخر دفعاً للضرر عن المشتري، فإن أقام المشتري البينة على الخصم أن العيب كان بالجارية يوم اشتراها ردها عليه، وإن لم يكن أراد استحلاف من يخاصمه لا يستحلف؛ لأن المقصود من الاستحلاف النكول الذي هو قائم مقام الإقرار، ولو أقر هذا الخصم بالعيب لا يصلح إقراره للمعنى الذي قلنا فكذا هذا الذي نصبه الإمام إذا أقر
стр. 2770
لا يصلح إقراره، وإذا (١٠٢أ٣) لم يصح إقراره لما قلنا فالقاضي يخرجه عن الخصومة وينصب للمشتري خصماً آخر؛ لأنه لا وجه إلى الخصومة مع هذا الخصم؛ لأنه مقر بالعيب فينصب خصماً آخر نظراً للمشتري وإذا نصب القاضي خصماً آخر ورد المشتري الجارية على هذا الخصم الآخر ببينة أقامها فالقاضي يبيع الجارية ويوفي المشتري ثمنها، فإن كان الثمن الثاني مثل الثمن الأول فيها، وإن كان أنقص أعطاه الفضل من بيت المال، وإن كان الثمن الثاني أفضل جعل الفضل للفقراء إن كانت الجارية من الخمس، وإن كانت من الأربعة الأخماس جعل الفضل في بيت المال؛ لأن ذلك حق الغانمين وتعذر صرفه إلى كل الغانمين لكثرتهم وتفرقهم، وتعذر صرفه إلى بعض الغانمين لما فيه من إبطال حق البعض فكان بمنزلة اللقطة فيوضع في بيت المال، هذه الجملة من بيوع «الجامع» .
وفي «المنتقى» : رجل اشترى عبداً وباعه من أبيه، ثم مات الأب، والابن وارثه، لا وارث له غيره، ثم وجد الابن بالعبد عيباً قديماً لم يستطع رده وذكر عين هذه المسألة في «الزيادات» وزاد ثمة وباعه من مورثه في صحته، ثم مات المورث، وورثه هذا البائع لا وارث له غيره، ثم وجد بالعبد عيباً قد كان دلّسَهُ البائع الأول لا يكون له أن يرده؛ لأنه لا وجه إلى الرد على البائع الأول؛ لأن الملك هو المستفاد من جهة البائع الأول قد انعدم ببيع الوارث عن المورث، ولا وجه إلى الرد على نفسه؛ لأنه لو رد لرد لنفسه فيصير الواحد راداً ومردوداً عليه وأنه لا يجوز، ولا ينصب القاضي هنا وصياً عن الميت؛ لأنه لو نصبه إما أن ينصبه ليرده على الوارث أو على البائع الأول، ولا وجه إلى أن يرده على البائع الأول؛ لأنه ما جرى بينهما معاقدة والسبب المتحلل قائم، ولا وجه إلى أن يرده على الوارث؛ لأن في هذا إيجاب المورث الدين على الوارث بعد الموت وإنه مستحيل إذا لم يكن وارث آخر؛ لأن ما يجب من الدين للمورث على الولد بملك الوارث كما يملك سائر أملاكه.
وإذا ملك ما على نفسه يسقط ضرورة أن الإنسان لا يثبت له على نفسه دين فلم يكن في إيجاب الدين للمورث على الوارث فائدة.
قال مشايخنا ﵏: وهذا إذا لم يكن على الميت دين فأما إذا كان عليه دين، فالقاضي ينصب خصماً للميت ليرد العبد على الوارث ولا يملك الوارث ما عليه؛ لأن دين المورث يمنع وقوع الملك للوارث فكان الرد مقيداً بخلاف ما إذا لم يكن عليه دين.
قال في «المنتقى» : ولو كان مع هذا الابن ابن آخر ذلك الآخر خصماً فيه يرده على ابن البائع، ثم إنه يرده على بائعه.
وفي «الزيادات» أيضاً: رجل اشترى عبداً وباعه من وارثه في صحته بثمن معلوم وقبض الثمن، ثم مات البائع وورثه هذا المشتري، ولا وارث له غيره، ثم وجد به عيباً كان له أن يرد فينصب القاضي وصياً عن الميت ليرده الوارث عليه، والرد ههنا مفيد إذ لا يستحيل وجوب الدين للوارث على مورثه بعد الموت، ألا ترى أنه إذا حفر بئراً على قارعة الطريق ومات ووقع فيها دابة الوارث وهلكت وجبت قيمة الدابة للوارث على المورث إلا أنه لا يمكنه الخصومة مع المورث والرد عليه فينصب القاضي وصياً عن
стр. 2771
المورث ليرد عليه الوارث، فإذا رد ارتفع السبب المتحلل بقضاء القاضي وعاد الملك المستفاد من جهة البائع الأول فيرده الوصي على البائع الأول ويأخذ الثمن منه ويدفعه إلى الوارث، فإن قبل رد الوارث إنما يكون للرجوع بالثمن ورجوع الوارث بالثمن يكون في تركة الميت وتركة الميت سالمة للوارث بغير مزاحم، فأي فائدة له في هذا.
قلنا: التركة سالمة للوارث إرثاً وبالرد والرجوع تسلم له التركة اقتضاء لدينه، وفيه فائدة حتى لا يتقدم عليه غريم آخر ولا يزاحمه وارث آخر إن ظهر، وهذا إذا نقده الثمن، فأما إذا لم ينقده الثمن لا يكون له الرد إذا لم يكن معه وارث آخر؛ لأنه لا فائدة في الرد في هذه الصورة؛ لأن فائدة الرد في مثل هذه الصورة استفادة البراءة عن اليمين وقد استعاد البراءة بالموت لاستحالة أن يجب للميت على وارثه دين.
وفي «المنتقى» : رجل اشترى لنفسه من ابنه الصغير وأشهد على ذلك، ثم وجد به عيباً فأراد أن يرده لنفسه على ابنه، ثم يرد لابنه على بائعه فليس له ذلك، ولكن بأن القاضي حتى يجعل لابنه خصماً يرده عليه، ثم يرده الأب لابنه الصغير على الذي اشتراه منه. وكذلك لو كان الأب باع من ابنه الصغير عبداً أو قبضه لابنه من نفسه، ثم وجد به عيباً وأراد رده على نفسه لابنه.
وفيه أيضاً: رجل باع عبداً بأمة وتقابضا، ثم وجد مشتري الأمة بالأمة إصبعاً زائداً وردها عليه بقضاء قاض وأخذ العبد، ثم إن مولى الأمة اطلع على أن مشتري الأمة قد كان وطئها قبل أن يستردها، والوطء لا ينقصها شيئاً وذلك بعدما ماتت الأمة في يدي الذي ردت إليه أو بعد ما باعها فليس له شيء، قال: لأنه قد كان له أن يرد الأمة ويأخذ العبد.
نوع آخر في المكاتب والمأذون يردان بالعيب
قال محمد ﵀ في «الزيادات» : مكاتب اشترى ابنه لم يستطع بيعه؛ لأنه كما اشتراه صار مكاتباً عليه على ما عرف، والمكاتب لا يباع، فإن وجد به عيباً لا يرده بالعيب؛ لأن الكتابة تمنع البيع فيمنع الرد ولا يرجع بنقصان العيب، واختلفت عبارة المشايخ فيه بعضهم قالوا: لأن الكتابة كما تمنع الرد تمنع الرجوع بنقصان البيع؛ لأن الكتابة في معنى البيع من حيث إنها معاوضة قابلة للفسخ، والبيع كما يمنع الرد بالعيب يمنع الرجوع بنقصان العيب، وبعضهم قالوا: لأن الملك بهذا الشراء وقع للمولى فكأن المكاتب اشتراه، ثم باعه من المولى، ثم اطلع على عيب به، والبيع يمنع الرجوع بنقصان العيب وبعضهم قالوا: لأن الرجوع بنقصان العيب خلف عن الرد ولهذا لا يصار إليه مع القدرة على الرد، إنما يظهر حكم الخلف عند وقوع الناس عن الأصل ولم يقع الناس عن الأصل ههنا؛ لأن الكتابة قابلة للفسخ يمكن الرد، فإن عجز المكاتب الذي اشترى ابنه كان له أن يرده بالعيب؛ لأن المانع من الرد الكتابة وقد ارتفعت الكتابة بالعجز والرد في الرق فارتفع المانع، والمكاتب هو الذي يلي الرد والخصومة فيه؛ لأن العاقد هو، فإنه هو المشتري، فإن لم يخاصم المكاتب في ذلك حتى لو باعه المولى أو مات كان
стр. 2772
(١٠٢ب٣) الرد إلى المولى؛ لأن الملك للمولى، والمكاتب كان في معنى الوكيل عن المولى ألا ترى أنه يقع الرد عائداً إلى المولى وحكمه واقع له؟ فإذا تعذر الرد من جهة المكاتب بالموت أو بالبيع
صار كالوكيل بالشراء إذا مات قبل الرد بالعيب فهناك يثبت للمولى كل حق الرد كذا هنا. ولو أن المكاتب لم يعجز، ولكن أبرأ البائع عن العيب صح إبراؤه حتى لو عجز المكاتب بعد ذلك لم يستطع رده.
فإن قيل: كيف يصح الإبراء عن العيب إسقاط حق الرد وليس للمكاتب ههنا حق الرد فكيف يصح إسقاطه.
قلنا: سبب حق الرد وجوده وهو التزام البائع بالبيع تسليم المبيع تسليماً ولكن لم يثبت له حق الرد لمانع، وإسقاط الحق يعتمد سبب ثبوت الحق لاثبوت الحق لامحالة، ألا ترى أن إبراء الآخر المستأجر عن الآخر قبل استيفاء المنفعة صحيح وكذا تسليم الجار المنفعة مع وجود الشريك صحيح وإنما صح لما قلنا. وأقرب من هذا: الحر إذا اشترى عبداً وكاتبه، ثم وجد به عيباً ليس له أن يرده ولو أبرأه عن العيب صح حتى لو عجز ورد في الرق ليس له أن يرده، وإنما صح لما قلنا، فإن قيل: الإبراء عن العيب تبرع والمكاتب، ولكن تبرع هو من صنيع التجارة معهم ومثله يملك المكاتب كالتأجيل والإعارة واتحاد الضيافة اليسيرة بأقل من قيمته بما يتغابن الناس في مثله، وكذلك لو أبرأ المولى البائع عن العيب قبل العجز صح إبراؤه؛ لأن الملك للمولى على مامر والمكاتب بمنزلة الوكيل عن المولى، والموكل إذا أبرأ البائع عن العيب صح إبراؤه عن العيب كذا هنا، والذي ذكرنا من الجواب فيما إذا اشترى المكاتب ابنه فهو الجواب فيما إذا اشترى أباه أو أمه.
وأما إذا اشترى أخاه أو عمه أو أخته فهو على قول أبي يوسف ومحمد هو لا يتكاتبون معه فصار الجواب فيهم والجواب في الابن والأب على السواء، وعلى قول أبي حنيفة هؤلاء يتكاتبون معه فيملك ردهم بالعيب كما يملك بيعهم، فإن أبرأ المولى البائع قبل عجز المكاتب لايصح إبراؤه عنده؛ لأن المولى لايملكه لما لم يتكاتب، ولهذا لو أعتقه المولى لايصح إعتاقه فكان أجنبياً عنه فلم يصح إبراؤه عنه لهذا.
قال: وإذا اشترى المكاتب أم ولده ووجد بها عيباً إن كان معها ولد لايملك رد بيعها وإنما يملك بيعها؛ لأن الجارية في باب الاستيلاد تبع للولد، قال ﵇: «أعتقها ولدها» وقد امتنع الولد ههنا لما مر فيمتنع بيع الجارية ولكن يرجع بنقصان العيب فرق بين هذا وبين ما إذا اشترى ابنه، ثم وجد به عيباً فإنه كما لايرده بالعيب لايرجع عليه بنقصان العيب.
والفرق إما على المعنى الأول فلأنه لم يصر مكاتبه، وأما على الثاني؛ فلأنهما لم
стр. 2773
يصر مملوكه للمولى، وأما على المعنى الثالث؛ فلأن الاستيلاد لا يحتمل الرفع فكان الأصل ميؤوس فيظهر حكم الخلف والمكاتب هو الذي يلي الرجوع؛ لأنه من حقوق العقد والمكاتب هو العاقد فكان الرجوع له إلا أن يموت أو يباع بعد العجز على ما مر، فإن إبراء المكاتب البائع عن العيب قبل العجز صح لما قلنا، وإن إبراء المولى لايصح؛ لأن المولى أجنبي عنها، فإنها لم تتكاتب عليه ولم تدخل في ملكه، ولهذا لو أعتقها المولى لايصح بخلاف الولد على ما مر، وإن لم يكن معها ولد فكذلك الجواب على قولهما، وعلى قول أبي حنيفة: له أن يردها بناء على أصل معروف، أن المكاتب إذا ملك أم ولده وليس معها ولد فعلى قولهما تصير أم ولد له ولا يتبعها، وعلى قول أبي حنيفة: لا تصير أم ولد له ويتبعها فهما سواء بينهما إذا كان معهما ولد وجعلها أم ولد له في الحالين.
وأبو حنيفة فرق، ووجه الفرق: أن المكاتب يشبه الحر من وجه ويشبه العبد من وجه فلشبهه بالأحرار جعلها أم ولد له إذا كان معها ولد ولشبهه بالعبيد لا يجعلها أم ولد له إذا لم يكن معهما ولد عملاً بالشبهين جميعاً.
قال: مكاتب أو حر اشترى عبداً أو كاتبه، ثم وجد به عيباً لايرده بالعيب لما قلنا: أن الكتابة مانعة أيضاً لما مر أن الكتابة مانعة من الرد بالعيب لكونها مانعة من البيع ولا يرجع بنقصان العيب أيضاً لما مر أن الكتابة في معنى البيع والبيع يمنع الرجوع بنقصان العيب، فإن إبراء المكاتب أو الحر البائع من العيب صح الإبراء حتى لايكون للمكاتب بعد العجز ولا للحر ولاية الرد بالعيب لما مر، ولو أبرأ المولى البائع قبل عجز المكاتب لايصح الإبراء؛ لأن المولى أجنبي عن اكتساب المكاتب وإنما يملك من يكاتب عليه لأجل الضرورة، فإن التكاتب عليه لا يكون إلا بعد الدخول في ملكه.
وكذلك وارث الحر إذا أبرأ البائع لايصح إبراؤه، وإن كان ذلك في مرض موت الحر؛ لأنه لاملك للوارث في مال مورثه في حال حياته، وفي مرض موته له شبهة الملك، والإبراء لا يثبت بالشبهة، ولهذا لو عفى عن جارح مورثه في الخطأ، لايبرأ، وإنما لم يبرأ لما قلنا: وإذا صح الإبراء للحال لايتوقف على ملك يحدث كالوارث إذا أعتق، ثم مات المولى إذا أعتق عبد المكاتب، ثم عجز المكاتب، فإنه لاينفذ لما قلنا، ولو أن المولى أبرأ البائع بعدما عجز المكاتب الأول قبل عجز الثاني صح الإبراء أما بعد عجز الثاني فلأنهما بالعجز صارا ملكاً للمولى، وأما قبل عجز الثاني فلأن يعجز الأول صار الثاني مملوكاً للمولى وصار المولى فيه قائماً مقام المكاتب ألا ترى أنه كان يصح من المكاتب الأول إبراء البائع قبل عجز المكاتب الثاني؟ فكذا من المولى.
أكثر ما في الباب أن الرد ممتنع، إلا أن سبب حق الرد موجود فحصل الإبراء بعد وجود سبب الحق فيصح على ما مر، وكذا وارث الحر إذا أبرأ البائع بعد موت المورث صح الإبراء؛ لأن الملك والحق له.
وكذلك رجل اشترى عبداً وباعه من آخر، ثم مات المشتري الأول، ثم ظهر بالعبد
стр. 2774
عيب كان عند البائع الأول فإبراء وارث المشتري الأول البائع عن العيب صح الإبراء حتى لو رد العبد عليه صح الإبراء لا يستطيع رده على البائع، وإن كان الرد ممتنعاً في الحال وطريقه ماذكرنا.
أورد محمد ﵀ هذه المسألة لبيان أن صحة الأداء لا تعتمد قيام الحق لامحالة بل كما يصح الإبراء عند قيام الحق يصح عند وجود سببه.
مكاتب اشترى عبداً وباعه من مولاه وتقابضا أولم يتقابضا حتى عجز المكاتب، ثم وجد المولى به عيباً لم يرده بالعيب؛ لأنه لو رد إما أن يرد على بائع العبد أو على (١٠٣أ٣) العبد ولا وجه إلى الأول؛ لأن المولى استفاد ملكاً مبتدأً من جهة العبد فلم يملك الرد على بائع العبد ما لم يعد حكم البيع من العبد، وذلك بالرد على العبد ولا وجه إلى الرد على العبد لعدم الفائدة نيابة أن المولى إن نفذ الثمن ففائدة الرد وجوب الثمن ديناً في ذمة البائع والمكاتب بالعجز صار ملكاً للمولى، والمولي لا يستوجب على مملوكه ديناً، وإن لم ينفذ الثمن ففائدة الرد البراءة من الثمن، والمولى يعجز المكاتب ندى عن الثمن، إذ المملوك لا يستوجب على مالكه شيئاً ومالا يفيد لا يرد الشرع به على ما مر بهذا الطريق.d
قلنا: إن من اشترى من آخر عبداً ولم ينقده الثمن حتى وهب البائع الثمن منه، ثم وجد بالعبد عيباً لا يرده، وإنما لا يرد لعدم الفائدة على نحو ما قلنا.
ولو كان المولى اشترى العبد أولاً من رجل وباعه من مكاتبه، ثم عجز المكاتب، ثم وجد المولى بالعبد عيباً وأراد المولى أن يرده على بائعه هل له ذلك؟ لم يذكر هذا الفصل في «الكتاب» . قال مشايخنا: وينبغي أن لا يكون له ذلك؛ لأنه باع ما اشترى منه فلا يملك الرد عليه ما لم يرتفع حكم البيع الثاني، وذلك بالرد وتعذر الرد بحكم البيع الثاني؛ لأن البائع الثاني هو المولى فيصير هو الرد والمردود عليه، وإنه باطل، وإذا تعذر الرد بحكم البيع الثاني تعذر بحكم الأول ضرورة عندما دون عليه دين مستغرق لرقبته.
اشترى عبداً وقبضه، ثم باعه من مولاه، إن باعه بمثل قيمته جاز بيعه بلا خلاف، أما على قول أبي حنيفة؛ فلأن هذا البيع يفيد له ملك العين وملك التصرف؛ لأن دين العبد إذا كان مستغرقاً يمنع الرد وقوع الملك للمولى في أكسابه، وأما قول أبي يوسف ومحمد؛ فلأن هذا البيع إن كان لا يفيد له ملك العين يفيد ملك التصرف؛ لأن دين العبد وإن كان لا يمنع وقوع الملك للمولى في أكسابه يمنع المولى عن التصرف، فهذا البيع يفيد له ملك التصرف، وأنه يكفي لنفاذ البيع أصله: شراء العبد المأذون، فإنه صحيح مع أنه لا يفيد له ملك العين لإفادته ملك التصرف، وكذا شراء رب المال شيئاً من مال المضاربة صحيح، وإنما صح لإفادته ملك التصرف هذا إذا باعه بمثل قيمته، وإن باعه وحابى فيه محاباه فاحشة أو يسيرة لا يجوز، فلم يتحمل في هذا العقد الغبن الفاحش ولا الغبن اليسير.
ومن هذا الجنس مسائل: أحدها هذه، والثانية: المضارب إذا باع ممن لا يقبل شهادته له، فإنه لا يتحمل فيه الغبن اليسير كما لا يتحمل منه الغبن الفاحش.
стр. 2775
والثالثة: المريض إذا باع وعليه دين محيط بتركته، فإنه لا يتحمل منه الغبن الفاحش إذا باع رب المال شيئاً من مال المضاربة بعدما صار رأس المال عروضاً، فإنه لا يتحمل منه الغبن اليسير، كما لا يتحمل الغبن (الفاحش) ، والأصل منه أن كل من تمكنت التهمة في تصرفه لا يتحمل منه الغبن اليسير ولا الغبن الفاحش، قلنا: والعبد في تصرفه مع المولى متهم بالميل إليه، وكذلك المضارب متهم في بيعه ممن لا تقبل شهادته له، وكذلك المريض منهم لجواز أنه قصد إيثار المشتري على الغرماء، وعلم أنه لو أبرأ بطريق التبرع ينقض تبرعه بمال إلى طريق يروج إيثاره وهو المبيع، وكذلك رب المال متهم؛ لأنه بعدما صار رأس المال عروضاً لا يملك منع المضارب ونهيه عن التصرف لتعلق حقه في الربح، فلعل أنه قصد الإضرار بحرمانه عن الربح، ثم إذا باعه من مولاه بمثل قيمته حتى جاز هذا البيع فقبضه المولى ووجد به عيباً إن كان للمولى نقد، نقد الثمن لم يملك رده على العبد؛ لأنه لا يفيد؛ لأن فائدة الرد في مثل هذه الصورة الرجوع بالثمن وهو ممتنع ههنا؛ لأن المولى لا يستوجب على عبده ديناً سواء كان على العبد دين أو لم يكن؛ لأن محل الدين ملكه والإنسان لا يستوجب ديناً في ملك نفسه، ولا يرجع بنقصان العيب على العبد أيضاً؛ لأن ذلك القدر يصير ديناً له في ملكه.
فإن قيل: المولي قد يستوجب على عبده ديناً، فإنه إذا باع شيئاً من عبده المأذون المديون بالدراهم أو الدنانير، فإنه يجوز ويجب الثمن في ذمة العبد، فإن حكم البيع بالدراهم والدنانير وجوب الثمن في ذمة المشتري، على ما عرف من أصلنا: أن الدراهم والدنانير لا يتعينان في عقود المعاوضات.
قلنا: بيع المولى من العبد المأذون المديون عندنا لا ينعقد موجب الثمن في ذمة العبد، بل ينعقد فيما بين المتعاقدين مفيداً الملك في الدراهم المعينة عند القبض، على مثال البيع بشرط الخيار للمشتري لا ينعقد موجباً الثمن في ذمة المشتري؛ لأن خيار الشرط يمنعه، بل ينعقد فيما بين المتعاقدين مفيداً الملك في الدراهم المعينة عند القبض، وهذا لأن الدراهم والدنانير إن كانا لا يتعينان في عقود المعاوضات يتعينان عند القبض، فينعقد العقد فيما بين المتعاقدين في الحال مفيداً الملك عند التعيين بالقبض، وهذا الطريق مما لا يمكن بحقيقة في الفسخ فيما بين المتعاقدين من غير أن يعود الثمن ديناً في ذمة البائع، الأصل له في الشرع، وإن أراد المولى أو العبد الرجوع على البائع بشيء لم يكن لهما ذلك، أما المولي، فإنه ما جرى بينهما معاقدة والسبب المحلل قائم، وأما العبد فلأن ما استفاد العبد من الملك من جهته إزالة عن ملكه إلى ملك مولاه، فلا يملك الرد عليه ما لم يعد حكم ذلك الملك بالرد على العبد، هذا إذا كان المولي قد نقد الثمن، وإن لم يكن نقد الثمن كان له أن يرد على العبد؛ لأن الرد ههنا مفيد؛ لأن فائدة الرد في مثل هذه الصورة سقوط الثمن عن ذمة المولي وبراءته عن دين العبد، ولا يستحيل أن ببراءة المولى عن دين العبد كما لو أداه إلى العبد حقيقة، فإذا رد إلى العبد بقضاء القاضي عاد حكم الملك الذي استفاده العبد من جهة بائعه فكان له أن يرد على بائعه، فإن سقط الدين
стр. 2776
عن العبد في هذه الصورة مثل رد المولى العبد عليه، ثم أراد المولى رده على العبد لم يكن له ذلك؛ لأن المولى قد برئ من الثمن حين سقط الدين عن العبد، فلم يكن في هذا الرد فائدة فلا يرد هذا الذي ذكرنا إذا كان الثمن دراهم أو دنانير، فإن كان الثمن عرضاً بعينه أو مكيلاً أو موزوناً بعينه، ودين العبد قائم على حاله فوجد المولى بالعبد عيباً رده على العبد إن كان الثمن قائماً في يد
العبد على حاله؛ لأن الرد مفيد؛ لأن فائدة الرد ههنا استحقاق لتسلم هذا العين إلى المولى، ولا يمتنع أن يكون في يد العبد عين واجب التسليم إلى المولى، كما لو غصب من مولاه عيناً، وإن كان العبد قد استهلك الثمن لم يكن للمولى أن يرده؛ لأنه لا يفيد؛ لأنه لا يستفيد به عين الثمن (١٠٣ب٣) وإنما يستفيد قيمته دينا في الذمة والمولي يستوجب على عبده ديناً، وكذلك لو كان العبد باع العبد من المولى بمكيل أو موزون بغير عينه، المولى عند التسليم لم يملك رده؛ لأن حقه لا يعود في المقبوض بعينه، بل في مثله ديناً في الذمة؛ وهذا لأن حق المشتري عند الرد إنما يعود فيما يثبت فيه حق البائع وقت العقد؛ لأن الرد فسخ العقد، والعبد عند العقد استوجب على المولى مكيلاً أو موزوناً ديناً في الذمة فالمولى عند الرد يستوجب على العبد مكيلاً أو موزوناً ديناً في الذمة أيضاً، والمولى لا يستوجب على عبده ديناً فلا يكون في الرد فائدة فلا يرد.
ولو كان العبد المأذون باع العبد من المولى بعرض بعينه أو بمكيل أو موزون بعينه، وقبض المولى العبد ووجد به عيباً فلم يخاصم العبد في الرد حتى سقط الدين عن العبد لا يملك المولى رد العبد.
وإن كان الثمن قائماً في يد العبد على حاله؛ لأنه لا يستفيد بهذا الرد شيئاً؛ لأنه كما سقط الدين عن العبد فقد تمكن المولى من أخذ الثمن من يد العبد بدون الرد عليه بخلاف ما إذا كان الدين على العبد على حاله؛ لأن هناك المولى لا يتمكن من أخذ الثمن من يد العبد بدون الرد عليه فكان الرد مقيداً، أما هنا فبخلافه هذا كله إذا قبض المولى العبد من المأذون، فإن لم يقبضه حتى وجد به عيباً كان له أن يرده على العبد في الوجوه كلها؛ وإنما كان كذلك؛ لأن قبل القبض الصفقة عين تام لما عرف أن تمام الصفقة بالقبض، ولهذا لا يحتاج في هذا الرد إلى قضاء القاضي، بل يتفرد به العاقد ولما لم تكن الصفقة قبل القبض تامة كان الرد امتناعاً عن إتمام العقد، والعاقد مختار في تحصيل العقد، وإتمامه سواء كانت فيه فائدة حكمته أو لم تكن كما في خيار الرؤية، وخيار الشرط، أما بعد القبض، الصفقة قد تمت، ولهذا لا ينفرد العاقد بالرد بل محتاج فيه إلى قضاء القاضي والقاضي لا يشتغل بما لا يفيد على ما مر؛ ولأن العيب قبل القبض لا حصة له من الثمن، فلا يتوقف صحة الرد بالعيب على استفادته بمقابلته شيئاً ولا شيء بمقابلته، أما بعد القبض له حصة من الثمن، فإذا لم يستفد بمقابلته شيئاً بطل.
وإنما وقع الفرق باعتبار أن الفائت بالعيب وصف، فما دام في يد البائع فهو بيع للمبيع، فلا يكون له حصة من الثمن، وإذا قبضه المشتري فقد احتبس هذا الوصف عند البائع فصار مقصود المكان له حصة من الثمن والأوصاف، وإلا يباع لا لفرد بالعقد فلا يفرد بضمان العقد،
стр. 2777
إنما يفرد بالفعل فجاز أن يفرد بالضمان الذي يعود إلى الفعل؛ ولأن تقرير الحصة من الثمن المعيب قبل القبض يؤدي إلى التناقض.
بيانه: إنما إذا أقررنا للعيب حصة قبل القبض لا يؤمن من أن يحدث فيه عيب قبل القبض فينتقض التقدير الذي كان؛ لأن العيب الذي يحدث قبل القبض يكون محسوباً على البائع، وما أدى إلى التناقض يكون باطلاً بخلاف ما بعد القبض، فإنا إذا قدرنا للعيب حصة من الثمن بعد القبض لا يتوهم نقضه بعيب يحدث فيه؛ لأنه يكون محسوباً على المشتري، فلا يؤدي إلى التناقض فلهذا افترقنا.
واستدل محمد ﵀: في «الكتاب» لبيان أن العيب قبل القبض لا حصة له من الثمن بمسألتين:
أحدهما: أن من اشترى عبداً ووجد به عيباً قبل القبض فصالحه البائع من ذلك العيب على جارية زيادة في البيع ولم يكن عوضاً عن حصة العيب انقسم الثمن على العبد، وعلى الجارية على قيمتهما ولم تكن حصة الجارية من الثمن حصة العيب، حتى لو وجد بأحدهما عيباً رده بحصته من الثمن، وإن كان ذلك بعد القبض كانت حصة الجارية من الثمن حصة العيب، حتى لو كان العيب ينقص العيب عشر قيمته كانت حصة الجارية عشر الثمن.
المسألة الثانية: الوكيل بالشراء إذا وجد بالمبيع عيباً ورضي به، إن كان ذلك قبل القبض لزم الموكل، كأنه اشتراه مع العلم بالعيب، وإن كان ذلك بعد القبض، للعيب حصة من الثمن فوجبت حصة العيب من الثمن للموكل، فصار الوكيل بالرضا بالعيب مبطلاً حق الموكل الذي وجب، وفي العيب قبل القبض.
قال: ولو أن رجلاً اشترى من رجل عبداً وقبضه ونقد الثمن، ثم باعه المشتري من رجل آخر وهب الثمن من المشتري الثاني وأبرأه منه، ثم إن المشتري الثاني وجد به عيباً وأراد أن يرده على البائع الثاني ليس له ذلك، ولو كان ذلك قبل القبض كان له ذلك.
والفرق من قبل القبض ما ذكرنا، ولو كان للمشتري الثاني فيه خيار الشرط أو خيار الرؤية والباقي بحاله فله أن يردها قبل القبض وبعد القبض؛ لأن خيار الشرط يمنع انعقاد العقد في حق الحكم، وخيار الرؤية يمنع تمام الصفقة قبل القبض وبعده في ذلك على السواء فكان الرد امتناعاً عن الإتمام فلا يتوقف على الفائدة، وبعد القبض الصفقة تامة فلم يكن الرد امتناعاً عن الإتمام بل كان إلزاماً، فإذا لم يستفد بمقابلته شيئاً لا يشتغل به القاضي، فإنما سوينا في خيار الشرط وخيار الرؤية بينا قبل القبض وبعده، وفرقنا في خيار العيب بينما قبل القبض وبعده.
نوع آخر في البراءة عن العيوب
إذا باع شيئاً على أنه بريء من كل عيب صح المبيع وتثبت البراءة عن كل عيب.
وقال الشافعي: لا تصح البراءة وعلى هذا الخلاف الإبراء عن الحقوق المجهولة
стр. 2778
والصحيح مذهبنا؛ لأن الإبراء إسقاط فيه معنى التمليك، أما إسقاط بدليل أنه صح من غير قبول كالطلاق والعتاق، وأما فيه معنى التمليك بدليل أنه يريد بالرد وأياً ما كان فالجهالة لا تمنع صحته، أما صحة الإسقاط فظاهر، وإما صحة التمليك؛ فلأن هذا تمليك يحتاج فيه إلى التسليم؛ لأن ما وقعت البراءة عن مسلم لمن وقعت البراءة له، والجهالة إذا لم تمنع التسليم والتسليم لا يمنع صحة التمليك.
كما لو اشترى قفيزاً من صبرة ويدخل في هذه البراءة العيب الموجودة والحادث قبل القبض في قول أبي يوسف، وقال محمد: لا يدخل فيه الحادث، وهذا بناء على أنه إذا باع بشرط البراءة عن كل عيب يحدث بعد البيع قبل القبض هل يصح هذا الشرط عند أبي يوسف يصح، وعند محمد لا يصح، فأما إذا كان من مذهب محمد أن البراءة عن العيب الحادث لا تصح لو نص عليه فعند الإطلاق أولى، وعند أبي يوسف لما صحت البراءة عنه حالة التنصيص عليه فكذا حالة الإطلاق.
المحيط البرهانى
وجه قول محمد: أن هذا إبراء قبل وجود السبب (١٠٤أ٣) لأن سبب الفسخ العيب، فالإبراء قبل وجود العيب يكون إبراء قبل وجود السبب، والإبراء قبل وجود السبب لا يجوز، ولأبي يوسف أن حق المشتري في صفة السلامة مقصوداً، وصفة السلامة تستحق بالعقد لاقتصار مطلق العقد صفة السلامة؛ لأن في الفسخ مقصوداً وصفة السلامة تستحق بالعقد إذن فصار الإبراء عن كل عيب إبراء عما يقتضيه مطلق العقد من صفة السلامة، فكان إبراء بعد وجود السبب؛ لأن سبب استحقاق صفة السلامة العقد، ولو شرط أنه بريء عن كل عيب به لم ينصرف إلى حادث في قولهم جميعاً، وكذلك إذا خص ضرباً من العيوب صح التخصيص، ولو كانت البراءة عامة واختلفا في عيب فادعى المشتري أنه حادث، وقال البائع: كان به يوم العقد فالقول قول البائع في قول محمد، وقال زفر والحسن: القول قول المشتري ولا يتأتى على هذا قول أبي يوسف؛ لأن البراءة العامة عنده تتناول القائم والحادث فلا يفيد هذا الاختلاف على قوله إلا على رواية شاذة عنه: أن البراءة العامة عنده لا تتناول الحادث، على تلك الرواية جواب أبي يوسف في هذه المسألة نظير الجواب عند محمد.
ووجه قول زفر والحسن: أن البراءة تستفاد من جهة المشتري فيكون القول قوله فيما أبرأ، وجه قول محمد: إن الإبراء حصل بصفة العموم فيتناول العيوب كلها، فالمشتري بدعوى حدوث بعضها يدعي خروج شيء بعينه من اللفظ فلا يقبل قوله، ولو كانت البراءة عن كل عيب بها واختلفا على نحو ما ذكرنا فالقول قول المشتري؛ لأن الإبراء يتناول عيناً موصوفاً بكونه في الحال فلا يدخل تحته إلا ما يثبت بالحجة أنه بذلك الوصف.
قال هشام: سمعت أبا يوسف يقول رجل اشترى من رجل جارية وقال البائع للمشتري: أنا بريء من يدها، ولم يذكر عيباً قال: هو بريء، قلت: وإن قال أنا بريء منها قال: الإبراء عن العيب؛ لأنه لا يقع هذا على أن البراءة عن العيب في كلام الناس.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: رجل اشترى من رجل ثوباً وأراه البائع خرقاً
стр. 2779
فيه فقال المشتري: أبرأتك عن هذا الخرق، ثم جاء المشتري بعد ذلك يريد قبض الثوب، فإذا فيه ذلك الخرق فقال المشتري: ليس هذا الخرق مثل ما رأيته حين أبرأتك حين كان رأيته شهراً، والإذن ذراع فالقول قوله في ذلك، وكذلك القول في زيادة بياض عين الجارية.
وفي «نوادر إبراهيم» عن محمد: إذا قال أبرأتك عن كل عيب بعينه، فإذا هو أعور لا يبرأ، وكذلك إذا قال: أبرأتك عن كل عيب بيده، فإذا يده مقطوعة لا يبرأه، وإن كان أصبع مقطوعة من يده يبرأ، وإن كان أصبعان مقطوعتان فهذان عيبان، لا يبرأ، وإن كانت الأصابع كلها مقطوعة مع نصف الكف فهذا عيب واحد فيبرأ.
وفي كتاب «العلل» : عن محمد إذا قال: أبرأتك عن كل عيب بعينها، فإذا هي عمياء فهو بريء، ولو قال: أبرأتك عن كل عيب بكفها، فإذا هي مقطوعة الكف لا يبرأ؛ لأن الكف بعد القطع لا تسمى كفاً فأما العين بعد العمي تسمي عيناً، ففي مسألة العين الإبراء صادف محله فصح، وفي مسألة الكف الإبراء لم يصادف محله فلم يصح.
وعن «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: إذا باع جارية قال: برئت إليك من كل عيب إلا من عيب بكفها، أو إلا من عيب بعينها فوجدها يابسة أو وجدها عمياء فهو برىء منها؛ لأنه قد سمى ذلك العيب له فهو برأ منه حين أخبره به.
وكذلك إذا قال: أنا بريء من كل عيب بهذا العبد إلا إباقه فوجده آبقاً فهو بريء عنه، ولو قال: إلا الإباق فله أن يرده بالإباق، ولو باع يوماً وبرىء عن كل خرق به دخل تحت البراءة كل خرق به، دخل تحت مرفوعه كانت أو غير مرفوعه، محيطة كانت أو غير محيطة، مرقوة أو غير مرقوة.
وكذلك إذا باع عبداً وبرىء من كل قرح به دخل تحت القروح الدامية وآثار قروح قد برئت، ولا يدخل تحته آثار الكي؛ لأن الكي غير القرح.
وفي «المنتقى» : إذا باع سلعة وقال برئت إليك من العيب بها، أو قال: برئت إليك عن عيب بها فهذا على عيب واحد، فإن قال وجد بها عيبان فهو بريء من أحدهما.
وفي «نوادر المعلي» عن أبي يوسف: رجل اشترى من آخر جارية وبرئ البائع إليه من كل آمة برأسها موضحة وليس برأسها آمة لا يبرأ عن الموضحة، ولو برىء إليه من كل سن لها سوداء، أو حمراء، أو خضراء، وكذلك لو برىء إليه من عينيها السوداوين، فكانت حمراوين فهو بريء منهما، قال المعلى: وسألت محمداً عن ذلك فقال: كفء في الآمة يبينه.
وفي القدوري: وإذا اشترى عبداً على أن به عيباً واحداً فوجد به عيبين وقد تعذر رده بموت أو ما أشبه ذلك فعند أبي يوسف الخيار إلى البائع، وقال محمد: الخيار إلى المشتري يرجع بنقصان أي: العيبين شيئاً، فيقوم العبد وبه العيبان وبه العيب الذي لا يريد الرجوع بنقصان فيرجع بفضل ما بينهما، وإنما كان الخيار إلى المشتري عند محمد؛ لأنه هو المبرىء عن العيب، فكان تعيين ما وقعت البراءة عنه إليه.
стр. 2780
قال في «الزيادات» : وكذلك إذا وجد به ثلاثة عيوب وتعيب عنده بعيب زائد حتى تعذر الرد يرجع بنقصان العيبين من الثلاثة أي: ذلك شاء عند محمد، فيقوم وبه العيب الذي لا يريد الرجوع بنقصانه، ويقوم وبه العيوب الثلاثة فيرجع بفضل ما بينهما.
وفيه أيضاً: إذا اشترى عبدين على أن بأحدهما عيباً فوجد بأحدهما عيباً فليس له حق الرد، ولو وجد به عيبان فله حق الرد، وكذلك لو وجد بكل واحد عيباً فله الرد، وبعد ذلك ينظر، إن كان ذلك قبل القبض رد أيهما شاء فهذا قول محمد، فالخيار إلى المشتري عند محمد؛ لأن الخيار إنما يثبت للمشتري حقاً له فكان التعيين إليه، فإن كان قبض أحد العبدين ولم يعلم بالعيب فيه، ثم علم بالعيب بالعبد الآخر، وقبضه مع العلم بالعيب، ثم علم بالعيب الذي قبضه أولاً، له أن يرد أيهما شاء، فإن أراد رد الذي قبضه مع العلم بالعيب فقال البائع: ليس لك أن ترده؛ لأنك رضيت بعيبه حين قبضته مع العلم بالعيب، لا يلتفت إلى قول البائع؛ لأن القبض مع العلم بالعيب إنما يكون رضا بالعيب، إذا كان عيباً يثبت له حق الرد، وهذا العيب ما كان يثبت له حق الرد؛ لأنه أبرأه عن عيب واحد بأحدهما وحين قبض الثاني، مع العلم بالعيب، فالعيب بالأول لم يكن معلوماً فهذا العيب ما كان يثبت له حق الرد مكان قبض الثاني مع العلم بالعيب وجوده وعدمه بمنزلة.
فإذا باع من آخر عبداً على أن لا عيب به ولكن يبرأ إليه من عيب واحد فاشتراه على ذلك وقبضه، ثم وجد به عيبين وقد تعذر (١٠٤ب٣) بسبب من الأسباب يرجع بنقصان أي العيبين شاء من قيمته صحيحاً؛ لأنه وإن ذكر عيباً واحداً وكان نص في الابتداء على أنه لا عيب به، فيتناوله العقد سليماً بخلاف ما إذا لم يقل في الابتداء لا عيب به، فإن هناك يرجع بنقصان أي العيبين شاء من قيمته معيناً بالعيب الآخر.
ولو اشترى عبدين على أنه برئ من كل عيب بأحدهما قبضهما، ثم وجد بأحدهما عيوباً لا يكون له أن يرده، فإن استحق الآخر بعد ذلك رجع بحصته من الثمن عليهما فهماً صحيحان، ولو اشتراهما على أنه برئ من ثلاث شجاج بأحدهما فوجد بأحدهما ثلاث شجاج واستحق الآخر، فإنه يقسم الثمن على المستحق وهو صحيح، وعلى الآخر وهو مشجوج بثلاث شجاج؛ لأن في الوجه الأول دخلا في العقد سليماً بخلاف الوجه الثاني.
والأصل في جنس هذه المسائل: أن البراءة عن كل عيب لا يكون إقرار بوجود العيب لعلمنا يقيناً أن العبد لا يجتمع فيه العيوب كلها، فيجعل مجاناً عن إلزام العقد وإبرامه بالامتناع عن التزام صفة السلامة وشرط البراءة عن بعض العيوب إقرار بوجوده، إذ لو لم يكن إقرار بوجوده لم يكن لتخصيص العيوب معنى وفائدة، ألا ترى أن قوله لا عيب به مطلقاً لا يجعل إقرار ينفي العيوب كلها؟ لأن الإنسان لا يخلو عن قليل عيب، والعمل بالحقيقة غير ممكن، فيسقط اعتبار الحقيقة ويجعل قوله لاعيب به مجازاً عن الترويج، حتى أن من عرض عيباً على رجل وقال: اشتر، فإنه لاعيب به، فلم يتفق بينهما بيع، ثم وجد به عيباً كان له أن يرده على بائعه وليس لبائعه أن يحتج عليه بقوله عند العرض لاعيب به، وتخصيص بعض العيوب بالنفي يكون إقرار بانتفاء ذلك العيب، حتى
стр. 2781
من عرض عيباً على رجل، وقال: اشتر، فإنه ليس به عيب كذا فلم يتفق بينهما بيع، ثم وجد به عيباً لم يكن له أن يرده على بائعه بذلك العيب، وجعل قوله ليس به عيب، كذا إقرار بانتفاء ذلك العيب؛ لأن العمل بالحقيقة ههنا ممكن، فإن الإنسان يخلو عن عيب معين فكذا ههنا.h
والدليل على صحة ماقلنا ما ذكر في «الكتاب» : أن من اشترى من رجل عيناً، ثم أراد أن يرده بالعيب فشهد شاهدان على أن البائع يبرأ عن كل عيب به، ثم اشتراه أحد الشاهدين، ثم وجد به عيباً فأراد رده كان له ذلك، فلم يجعل الشهادة على البراءة عن كل عيب إقرار بالعيب، وبمثله لو شهدا على أن البائع يبرأ عن عيب كذا، ثم اشتراه أحد الشاهدين، ثم وجد به ذلك العيب لا يكون له حق الرد، وجعل الشهادة على البراءة عن عيب مخصوص إقراراً بوجود ذلك العيب، وعن أبي يوسف إذا أبرأه عن كل عيب دخل فيه العيوب والأدواء، ولو أبرأه عن كل داء دخل فيه السقم والمرض ولا يدخل فيه الكي، ولا أثر قرح قد برأ ولا الأصبع الزائدة.
والحاصل: أن الداء داخل في العيب غير داخل في الداء، ولو أبرأه من كل عاملة دخل فيه السرقة والفجور، ولا يدخل فيه الكية ولا أثر القروح ولا الدمل والثؤلول والأمراض، وعن أبي حنيفة: أن الداء المرض الذي في الجوف طحال أو كبد والعاملة السرقة والإباق والزنا.
نوع آخر في الضمان عن العيوب
وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: اشترى من رجل عبداً وضمن له من رجل عيوبه فوجد به عيباً ورده فلا ضمان عليه في قياس قول أبي حنيفة، وهذا على العهدة وقال أبو يوسف: هو ضامن للعيوب هذا مثل ضمان الدرك والاستحقاق، وكذلك لو ضمن له رجل ضمان السرقة والعتاق فوجده حراً أو مسروقاً ضمن، وكذلك لو ضمن رجل العمى والجنون فوجده كذلك رجع على الضامن بالثمن، ولو مات عنده قبل أن يرده وقضى البائع بنقصان العيب كان للمشتري أن يرجع بذلك على الضامن ولو ضمن له بحصة مايجد عن العيوب فيه من الثمن فهو جائز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، فإن رده المشتري رجع بجميع الثمن على الضامن بذلك، كما يرجع على البائع.
ابن سماعة عن أبي يوسف: لو اشترى رجل عبداً فقال له رجل: ضمنت لك عماه وكان أعمى فرده على البائع لم يرجع على ضامن العمى بشيء، ولو قال: إن كان أعمى فعليه حصة العمى من الثمن فرده بالعمى كان له أن يضمن حصة العمى.
ولو اشترى عبداً فوجد به عيباً فقال له رجل: ضمنت لك هذا العيب لم يلزمه شيء.
وفي «واقعات الناطفي» : لو قال المشتري للبائع أنت بريء من كل حق لي قبلك، دخل العيب تحت الإبراء هو المختار، ولا يدخل الدرك؛ لأن العيب حق له قبله للحال والدرك لا.
стр. 2782
نوع آخر في الصلح عن العيوب
قال محمد في «الأصل» : إذا اشترى الرجل من آخر عبداً بألف درهم وقبضه منه ونقده الثمن، ثم وجد به عيباً فأنكر البائع أن يكون باعه وبه ذلك العيب، ثم صالحه البائع على أن يرد عليه دراهم مسماة حالة أو إلى أجل فهو جائز، والحاصل: أن الناس تكلموا في المشتري إذا وجد بالمبيع عيباً أن فيما أدى والأصح في ابتداء مايحدثه العيب حقه في الحر والفائت يطالب به البائع؛ لأنه ضمن له تسليمه بالعقد، ومن العيوب مايكون بعرض الزوال وإذا زال صار قادراً على تسليمه فقبل يطالبه في الابتداء به، ثم إن البائع يعجز عن تسليمه إليه لفواته فينفسخ البيع فيه، ويصير حق المشتري في حصة العيب من الثمن، إلا أنه متى وقع الصلح على جنس الثمن يعتبر استيفاء لحصة العيب من الثمن ويجوز حالا ومؤجلاً وإذا وقع على خلاف جنس الثمن يعتبر معاوضة بين المأخوذ وبين حصة العيب من الثمن، وفيما إذا صالح عن العيب على أكثر من حصة من الثمن، فطريق الجواز أن بمقدار حصة العيب هذا استيفاء لحصة العيب وما زاد على ذلك فالبايع حط عنه من الثمن، ولو صالحه من العيب على دينار، فإن نقده قبل أن يتفرقا فهو جائز، وإن افترقا قبل أن ينقده بطل الصلح، ولو كان المشتري باعه ونقد الثمن، ثم اطلع على عيب به فصالحه بائعه منه على دراهم لم يجز؛ لأنه لا حق للمشتري بعدما باعه لا في الرد بالعيب ولا في الرجوع بنقصان العيب، فإنما صالح فيما ليس بحق له، فإن كان العبد مات عند المشتري الثاني فرجع على بائعه بنقصان العيب، ثم إن البائع الثاني صالح البائع الأول على صلح.
فعلى قول أبي حنيفة ﵀: الصلح باطل وعندهما صحيح بناء على المشتري الثاني إذا رجع على بائعه، هل لبائعه أن يخاصم البائع الأول؟ عند أبي حنيفة ليس له ذلك خلافا لهما، وذكر في المأذون إذا حدث به عيب عند المشتري الآخر فيرجع على بائعه لنقصان ليس لبائعه أن يرجع إلى البائع ولم يذكر خلافاً، منهم من قال: هو قول أبي حنيفة.
ومنهم من فرق لأبي يوسف ومحمد بين المسألتين، والفرق: أن في تلك المسألة للبائع الأول أن يقول للمشتري الأول: سبيلك أن تقبل منه لا أقبل منك فإذا لم يقبل فأنت الذي فوت حقك فلا يمكنه (١٠٥أ٣) الاحتجاج عليه ههنا فقلنا بأنه يرجع عليه، وإن كان الثمن مكيلاً أو موزوناً بغير عينه وبين الكيل والضرب وتقابضا، ثم وجد بها عيباً فصالح، فإن وقع الصلح على بعض الثمن من جنسه فهو استيفاء لا استبدال، فيجوز حالاً ومؤجلاً سواء كان الثمن قائماً في يد المشتري أو كان مستهلكاً، وإن وقع الصلح على خلاف صلح الجنس فهو معاوضة، ففي كل موضع حصل الافتراق فيه عن دين بدين لا يجوز، وإن كان الثمن مكيلاً أو موزوناً بعينه وتقابضا فصالحه على بعض الثمن من ذلك الجنس مؤجلاً أو بعينه فهو جائز إن كان الذي أخذه عوضاً عن الجارية مستهلكاً، وإن
стр. 2783
كان الذي هو ثمن قائماً بعينه لم يجز الصلح على بعض الثمن من ذلك الجنس مؤجلاً جاز حالاً إذا أوفاه إياه قبل أن يتفرقا أو كان بعينه؛ لأن الثمن في هذه المسألة تعين في العقد بالتعيين فكان حق المشتري في عين ما أدى، فكان ماوقع عليه الصلح عوضاً عما استوجبه عليه ومبادلة المكيل والموزون بجنسه مؤجلاً يجوز.
وفي المسألة الأولى: الثمن استحق بالعبد دينا قائماً يرجع بحصة العيب من ذلك لامن عين المقبوض فجاز الصلح عن مثله حالاً ومؤجلاً.
ولو طعن في بياض بعينها فصالح البائع من ذلك على أن حط عنه درهماً كان جائزاً، فلو أنه انجلى البياض بعد ذلك رد الدرهم على البائع.
وكذلك لو طعن بحبل فيها فصالحه البائع على أنه حط عنه درهماً، ثم ظهر أنه لم يكن بها حبل، فإنه يرد الدرهم، وكذلك لو اشترى أمة فوجدها (منكوحة عند) البائع فصالحه البائع على دراهم، ثم طلقها الزوج طلاقاً كان على المشتري رد الدراهم.
اشترى كر حنطة، ثم ظهر بعيب بأحدهما، فصالحه الآخر على درهم أو على قفيز حنطة أو على قفيز شعير لم يجز؛ لأن الحنطة بالحنطة مثل بمثل فتكون الزيادة رباً كما لو قال عند ابتداء العقد، وإذا لم تصح الزيادة هل يفسد البيع، إن كان بلفظة الصلح بأن قال صالحتك عن العيب على أن أزيد لك قفيز حنطة أو درهم فسد البيع عند أبي حنيفة؛ لأن الزيادة تلحق بأصل العقد ولو كان موجوداً لدى العقد كان العقد فاسداً كذا ههنا.
صالحه من كل عيب على درهم جاز سواء طعن المشتري بعيب أولم يطعن؛ لأن هذا إبراء عن العيوب المجهولة بعد وجوب سبب الحق له، وذلك صحيح، ولو اشترى العيوب منه بدرهم لايجوز؛ لأن مثل هذه الجهالة تمنع صحة البيع ولا تمنع صحة الصلح صالحه من العيب على ركوب دابته في حوائجه فهو جائز، قالوا: وتأويله إذا شرط ركوبه في المصر أما إذا شرط ركوبه خارج المصر إذا أطلق لا يجوز لمكان الجهالة، نص على هذا التفصيل في كتاب الإقرار.
صالحها من عيب الغلام على أن تزوج نفسها منه صح، وكان هذا إقرار بالعيب؛ لأن النكاح لايصح إلا بمال وكان كالبيع إذا باعت ثوباً منه بحصته من العيب؛ لأن النكاح لايصح إلا بمال إذا كان إقرار منها بالعيب؛ لأن البيع لا يصح إلا بمال بخلاف الصلح.
اشترى ثوباً فقطعه قميصاً وخاطه فباعه بعد ذلك، أو لم يبعه، ثم اطلع على عيب أو كان البيع بعد ظهور العيب، ثم صالحه من العيب على دراهم جاز؛ لأن حقه قد تقرر في الرجوع بنقصان العيب بسبب الخياطة، ألا ترى لو كان في يده ليس للبائع أن يقول أنا أقبله كذلك، فإنما صالح عن حقه، وكذلك إذا صبغه بصبغ أحمر، ثم باعه أو لم يبعه حتى صالح من العيب، ولو قطعه ولم يخطه حتى باعه، ثم صالحه من العيب لايصح؛ لأنه حقه لم يتقرر في الرجوع بنقصان العيب؛ لأن القطع المجرد نقصان، ألا ترى أن للبائع يقول: أنا أقبله؟ كذلك، فإنما صالح عما ليس بحق له، والسواد بمنزلة القطع
стр. 2784
المفرد عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما: بمنزلة القطع مع الخياطة، صالحه على أن أبرأه عن كل عيب فهو جائز سمى أو لم يسم خلافاً لابن أبي ليلى، وكان أبو حنيفة ﵀ يحتاط في ذلك ويقول: نكتب في صك الصلح برئت من كل عيب سميته وعرفته أو يكتب في الصك أنه باع العبد وخرج عن ملكه، ثم عاد إلى ملكه بصدقة أو ما أشبهها، أكثر ما في الباب أن هذا حيلة بالكذب إلا أن الكذب، مباح لإحياء حقه، ولدفع الظلم عن نفسه كالشفيع يعلم بالبيع في جوف الليل لا يمكنه الإشهاد، فإذا أصبح يشهد ويقول علمت الآن، وكذلك الصغيرة تبلغ في جوف الليل، فإذا أصبحت تقول بلغت الآن وأجزت نفسي فيرخص فيه كذا ههنا.
وحيلة أخرى: أن تعلق المشتري أعتقه بمخاصمته في عيب تجد بها، فإذا خاصمه عتق العبد ولا يمكنه الرد ولا الرجوع بنقصان العيب، طعن بعيب في عينها، ثم صالحه البائع من عيبها على ما جاز، وإن لم يذكر العيب وجعل يسميه محل العيب بمنزلة تسمية العيب.
وقال في «الأصل» : اشترى أمة بخمسين ديناراً وقبضها وطعن المشتري بعيب بها، فاصطلحا على أن قبل البائع السلعة ورد عليه تسعة وأربعين ديناراً قالوا جائز، فهل يطيب للبائع ما استفصل من الدينار، ينظر: إن كان البائع مقراً أن هذا العيب كان عنده على قول أبي حنيفة ومحمد لا يطيب، ويجب عليه رده على المشتري، وعلى قياس قول أبي يوسف لا يلزمه الرد، بناءاً على أن عند أبي يوسف الإقالة بأكثر من الثمن الأول أو بأقل يعتبر بيعاً جديداً لا إقالة فلزمه الرد، وأما إذا كان جاحداً أن هذا العيب كان عنده أن عيباً لا يحدث مثله فكذلك الجواب، وإن كان عيباً يجوز أن يحدث مثله طاب الفضل للبائع بالاتفاق لم يقر ولم ينكر بل سكت فهو وما لو أنكر سواء، ولو كان المشتري أخذ ثوباً وقبل منه السلعة على أن يرد الثمن كان عليه هذا وما لو حبس شيئاً من الثمن سواء.
وإن كان مكان الثوب دراهم، فإن فضت فالجواب كما ذكرنا، وإن كاتب إلى أجل لا يجوز على كل حال.
اشترى ثوباً فقطعه قميصاً ولم يخطه، ثم وجد به عيباً أقر البائع أنه كان عنده فصالحه البائع على أن قبل البائع الثوب وحط المشتري عنه من الثمن مقدار درهمين كان جائزاً، ويحصل ما احتبس عند البائع من الثمن بمقابلة ما انتقص بفعل المشتري.
وقال في «الأصل» أيضاً: طعن المشتري بعيب جحده البائع فاصطلحا على أن يحط كل واحد منهما عشرة ويأخذ الأجنبي بما وراء المحطوط، ورضي به الأجنبي فالبيع من الأجنبي جائز؛ لأن المشتري باع ملك نفسه وحطه أيضاً جائز؛ لأن حطه في ملك نفسه وهو والثمن (١٠٥ب٣) يكون هذا من المشتري رضاء بالعيب، وحط البائع لا يجوز؛ لأنه لا في ملك لغيره، وكان للأجنبي الخيار إن شاء أخذ بما وراء العشرة من الثمن، وإن شاء ترك؛ لأنه إنما اشترى ليسلم له المشترى بما وراء العشرين من الثمن، وتبين أنه إنما سلم له بما وراء العشرة، وهذه المسألة تدل على أن المشتري إذا ظهر أنه صار مغبوناً
стр. 2785
على وجه لا يتغابن في مثله أنه يثبت له الخيار، وأدلة الكتب متعارضة ظاهر الجواب لا خيار له، وعن محمد فيمن اشترى صبرة حنطة فوجد في أسفله دكاناً فله الخيار، وإذا اشترى طعاماً في جفنه، ثم علم مقداره يثبت له الخيار وهو خيار التكشف وخيار الكتمة، قال الشيخ الإمام شمس الحلواني ﵀: كان القاضي يقول الفقيه عبد الله كان يفتي بثبوت الخيار للمشتري إذا صار مغبوناً، وكان يقول هب، كان في المسألة روايتان: يختار هذه الرواية رفقاً بالناس إذا كان الثمن عشرة مثلاً، فاصطلحا على أن يأخذ من الآخر الثوب بثمانية، وحط البائع الأول عن المشتري الأول درهماً جائز سواء كان قبل قبض الثمن أو بعده لما عرف، أن الحط بعد قبض الثمن صحيح.
اشترى ثوباً بعشرة وتقابضا وسلمه المشتري إلى قصار فقصره وجابه متخرقاً، فقال المشتري: لا أدري عند القصار تخرق أو كان به عند البائع، فاصطلحوا على أن يقبل المشتري الثوب ويرد القصار عليه درهماً فذلك جائز، وكذلك لو كان هذا الصلح على أن يقبله البائع منه، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: وهذا إشارة إلى أنه إذا صالحه على أن يعتله البائع، ويغرم له القصار درهماً، ويترك له المشتري درهماً أنه يجوز، قال مشايخنا: وهو غلط؛ لأن اشتراط ترك الدرهم على المشتري صحيح؛ لأن البائع جاحد للعيب، أما اشتراط الدرهم على القصار باطل؛ لأنه ما كان بينه وبين القصار سبب يستوجب به الضمان عليه، وفي زعمه أنه يملك الثوب ابتداء من جهة المشتري بعد ما تخرق في يد القصار، فاشتراط أخذ الدرهم منه عذراً لا أن يكون تأويله أن القصار يضمن الدرهم أولاً للمشتري، ثم المشتري يدفع ذلك إلى البائع ليقبل المبيع منه فحينئذٍ يجوز؛ لأنه يزعم أنه يملك المبيع ابتداء، وهذه الزيادة بدل ما تلف عند القصار فكان له أن يأخذ إذا رد جميع الثمن.
قال شيخ الإسلام ﵀: تأويله أن يقع الصلح على أن يقبل البائع الثوب من المشتري، على أن يحط المشتري من البائع درهماً، ويأخذ المشتري من القصار درهماً ويعطيه المشتري أجرة.
وفي «فتاوى الفضلي» : اشترى من آخر جارية ووجد بها عيباً فاصطلحا على أن يدفع البائع كذا درهماً والجارية للمشتري فهو جائز؛ لأن هذا صلح عن العيب، وإن اصطلحا على أن يدفع المشتري ذلك الجارية للبائع لا يجوز؛ لأنه ربا إلا إذا باعه منه بأقل من الثمن الذي اشتراها منه بعد أن كان يقدر الثمن كله.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: رجل اشترى من آخر عبداً ووجد به عيباً قبل أن يقبضه، وصالحه من العيب على عبد آخر وقبضهما المشتري، ثم استحق أحد العبدين رجع المشتري بحصة المستحق من الثمن أيهما كان، كأنه اشتراهما جميعاً، ولو قبض العبد المشتري، ثم وجد به عيباً فصالحه منه على عبد ودفع الثمن، ثم استحق العبد المشتري يبطل الصلح في العبد الثاني.
وفي «نوادر ابن سماعة» أيضاً عن أبي يوسف ﵀: رجل اشترى جارية ووجد بها عيباً قبل القبض أو بعده فصالحه البائع على جارية أخرى، ثم استحقت الجارية الأولى بطل الصلح.
стр. 2786
وفي «المنتقى» : رجل اشترى من آخر كر حنطة بعشرة دراهم وقبض الكر ولم يدفع الثمن، حتى وجد بالكر ينقصه العشرة فأراد رده فصالحه البائع من العيب على كر شعير بعينه، فإنه جائز، وحصة الشعير نقصان العيب، وإن كان بغير عيبه، ووصفه وسمى أجله فهو باطل؛ لأنه صار بمنزلة سلم لم يدفع إليه رأس ماله، فإن دفع إليه غير الثمن وقال هذا حصة الكر الشعير فهو جائز والشعير سلم، وكذلك إذا دفع إليه كل الثمن، ولو دفع إليه عشر الثمن ولو نقل عشر هذا حصة الشعير، فإن الذي نقده من جميع الثمن فيثبت عشر كر الشعير ويبطل تسعة أعشاره.
نوع آخر منه
قال محمد في «الجامع» : عبد أو داراً في يدي رجل أقام رجل بينته أنه باعه من ذي اليد بألف درهم، وأقام آخر بينة أنه باعه من ذي اليد بمائة دينار قضى القاضي بالثمنين على ذي اليد؛ لأن المبيع إذا كان مسلماً إلى المشترى كانت الحاجة إلى إثبات الثمن والثمن دين فصار، كما لو ادعى أحدهما ألف درهم والآخر مائة دينار، وكذلك إن اقام كل واحد منهما بينة أن العبد عبده باعه من ذي اليد بما يدعيه من الثمن؛ لأن المبيع إذا كان مسلماً إلى المشتري لا يحتاج كل واحد منهما إلى إثبات الملك لنفسه ليترجح بالنتاج، فإن وجد المشتري بالعبد عيباً وأراد أن يرده ليس له أن يرده عليهما؛ لأنه إذا رد عليهما كان راداً على كل واحد منهما النصف، وكل واحد زعم أنه باعه كله فكان له أن لا يقبل النصف مع عيب الشركة، ولكن يرده على أيهما شاء؛ لأن في زعم كل واحد أن البائع هو، وأن للمشتري حق الرد عليه وحق استرداد جميع الثمن منه، وفي زعم المشتري أن له حق استرداد كل الثمن من كل واحد منهما، فلهذا كان له أن يرد على أيهما شاء، ويسترد الثمن منه، وإذا رده على أحدهما لا يكون له على الآخر سبيل لا في الرد ولا في الرجوع بنقصان العيب.
أما في الرد بعجزه عن ذلك حين رد على الأول، وأما في الرجوع بنقصان العيب؛ لأن في زعم الآخر إلى نصيبه منه وإن له حق الرد بالعيب علي لا على صاحبي، فإذا رد على صاحبي مع أنه ليس له حق الرد عليه كان ذلك منه بمنزلة تمليك مبتدأ وبه يبطل حق الرجوع بنقصان العيب، فإن لم يرده بالعيب على أحدهما حتى تعيب عند المشتري بعيب ذا يد لا يكون له حق الرد عليه، ولكن يرجع بنقصان العيب على أيهما شاء؛ لأن في زعم كل واحد منهما أن له حق الرجوع بنقصان العيب عليه وهو يدعي على كل واحد منهما جميع الثمن فقد اتفقا على استحقاق قدر النقصان، فيرجع على أيهما شاء بذلك، إلا أن يقول الذي يريد أن يرجع عليه بالنقصان أنا أقبله كذلك، فحينئذ يرد عليه لامتناع الرد إنما كان دفعاً للضرر عنه، فإذا رضي به كان للمشتري أن يرد عليه فإن أبى أن يرده عليه وأعطاه النقصان كان للمشتري أن يرجع على الآخر بنقصان العيب.
فرق بين هذا وبينهما لو رد على أحدهما حيث لا يكون له على الآخر سبيل، والفرق بينهما أن فصل الرجوع على أحدهما بنقصان العيب في حق استرداد جميع الثمن
стр. 2787
(١٠٦أ٣) من صاحبي أخذ ذلك منه بغير حق، فإذا أخذ منه قدر النقصان، فقد أخذ بعض حقه، وهذا لا يوجب سقوط حقه في الرجوع بنقصان العيب علي، أما في فصل الرد في زعم الآخر أن للمشتري حق الرد علي بالثمن لا على صاحبي، فإذا رد عليه لم يكن له حق الرد عليه كان ذلك منه بمنزلة بيع جديد، وبه يبطل حق الرجوع بنقصان العيب.
ولو مات العبد، ثم اطلع على عيب قديم رجع بنقصان العيب عليهما إن شاء لما مر، ولو قطعت يد العبد المشترى وأخذ المشتري أرشها، ثم وجد به عيباً قديماً كان له أن يرجع بالنقصان عليهما؛ لأن الأرش زيادة منفصلة والزيادة مانعة من الرد بالعيب، فيكون له حق الرجوع بنقصان العيب عليهما لما مر، فإن قال أحدهما: أنا أقبله كذلك؛ لأن امتناع الرد بسبب الزيادة إنما كان لحق الشرع تحرزاً عن الربا، فلا يسقط ذلك برضا العبد، فإن باعه المشتري فإنه يبطل حق الرجوع بنقصان العيب، والفرق وهو أن البيع إنما يوجب بطلان الرجوع بنقصان العيب في موضع بقي حق الرد في نفسه بعد حدوث العيب ليصير المشتري بالبيع راضياً بذلك العيب، فيبطل حقه من كل وجه.
وفيما إذا تعيب المبيع بعيب زائد بقي للمشتري حق الرد في نفسه، ولهذا لو قال البائع: أنا أقبله كذلك كان له أن يرده عليه، وبالبيع يبطل حقه من كل وجه، أما بعد القطع لم يبق له حق الرد في نفسه، ولهذا لو قال البائع: أنا أقبله كذلك لايملك الرد، فإذا لم يبق حقه في الرد تعذر حقه في النقصان قبل البيع، فلا يبطل بالبيع، فإن كان أقام أحدهما البينة أنه عبد وباعه من ذي اليد يوم الجمعة بمائة دينار يقضى بالثمنين؛ لأن الحاجة ههنا إلى إثبات الثمن، فإن وجد به عيباً رده إلى الثاني، وكذلك لو تعذر بالعيب يرجع بنقصان العيب على الثاني دون الأول؛ لأن القضاء بالعقدين على هذا الترتيب يوجب انقطاع حق المشتري عن الأول، فلهذا يرد بالعيب ويرجع بالنقصان على الثاني دون الأول.
نوع آخر في الوصي والوكيل والمريض
قال محمد ﵀ في «الجامع» : رجل اشترى عبداً بألف درهم وقبضه ولم ينقد الثمن حتى مات وأوصى إلى رجل، ولا مال له سوى العبد وعليه دين ألف درهم سوى الثمن، فوجد الوصي بالعبد عيباً فرده بالعيب بغير قضاء القاضي، فرده جائز وليس للغريم نقضه؛ لأن الموجب للرد قد وجد، لو امتنع الرد إنما يمتنع لحق الغريم، وحق الغريم يتعلق بمالية العبد لا بعينه، ولأن الرد بالعيب بغير قضاء بمنزلة بيع جديد في حق الثالث والغريم ثالثهما، فصار في حق الغريم كأن الوصي باع هذا العبد وللوصي هذه الولاية ويرجع الوصي على البائع، فيأخذ منه نصف الثمن ويدفعه إلى الغريم الآخر، والوصي هو الذي يلي ذلك؛ لأن هذا الرد اعتبر بيعاً جديداً في حق الثالث، وقبض الثمن من حقوق العبد، فيكون للعاقد.
стр. 2788
ولو أن البائع لم يقبل هذا العبد من الوصي حتى خاصمه إلى القاضي، فإن كان القاضي علم بدين الآخر لا يرده بل يبيعه ويقسم الثمن بينهما؛ لأن فيه إبطال حق غريم الآخر؛ لأن الرد بقضاء فسخ من كل وجه، فيبطل البيع ويعود إلى الأصل، فيسقط الثمن، فلا يصل الغريم شيء لا يضمن البائع نقصان العيب لا قبل بيع القاضي ولا بعده، أما بعد بيع القاضي؛ فلأن بيع القاضي حصل للميت، فيجعل كأن الميت باع نفسه، ولو باع الميت نفسه حال حياته، ثم اطلع على عيب به لم يرجع بنقصان العيب فههنا كذلك، وأما قبل بيع القاضي فلأن امتناع الرد في هذه الصورة كان بمعنى من جهة المشتري وهو اكتسابه سبب وجود الدين للغريم الآخر وامتناع الرد بمعنى من جهة المشتري لايثبت حق الرجوع بنقصان العيب.
وإن لم يعلم القاضي بدين الغريم وخاصم الموصي البائع في العيب رده بالعيب على البائع؛ لأن الموجب للرد قد ظهر وهو العيب، وفي المانع شك، ويبطل الثمن الذي للبائع على الميت؛ لأن الرد بقضاء القاضي فسخ من كل وجه، ومتى صح الفسخ والثمن غير منقود يبطل عن المشتري، فإن أقام الغريم الآخر بينة على دينه، خير البائع المردود عليه إن شاء أمضى الرد وضمن الغريم الآخر نصف ثمن العبد، فيصير الثمن بينهما نصفان، وإن شاء نقض الرد، ورد العبد حتى باع في دينهما؛ لأنه ظهر دين الغريم الآخر بعذر صحيح، هذا الرد من القاضي (يعد) فسخاً من كل وجه لما فيه من إبطال حق الغريم الآخر، فاعتبر رده بيعاً جديداً كيلا يبطل هذا الرد، أمكن اعتباره بيعاً جديداً لوجود معنى البيع فيه، وهو التمليك والتملك.
ولو أن رجلاً اشترى عبداً في صحته بألف درهم وقبض العبد ولم ينقد الثمن حتى مرض وعليه دين ألف درهم، فوجد بالعبد عيباً فرده بغير قضاء أو استقال البيع البائع فأقاله برئ من مرضه، فجميع ما صنع صحيح، وإن لم يبرأ من مرضه ومات وقيمة العبد مثل الثمن أو أقل منه ولا مال له غيره كان الجواب فيه كالجواب في الوصي إذا رد العبد بغير قضاء وإن أقاله البيع وقيمة العبد مثل الثمن أو أقل منه؛ لأن المريض مرض الموت يملك بيع ماله، ولا يمكن إيثار بعض الغرماء على البعض كالوصي، ولو لم يقبل البائع البيع حتى خاصم المشتري البائع إلى القاضي في العيب في مرض المشتري، فالقاضي يرد العبد عليه سواء علم بدين الغريم الآخر أو لم يعلم، بخلاف مسألة الوصي، فإنه إذا خاصم البائع في العيب إلى القاضي بدين الغريم الآخر فالقاضي لايرده. والفرق سواء أن الميت للرد بموجود في الحالين لكن عسى يمتنع عمل الميت، والموجب لمانع، ففي مسألة المريض المانع وهو حق الغريم موهوم؛ لأن حق الغريم إنما يتعلق بمال المريض إذا كان المريض مرض الموت ولا يدرى في الحال أنه هل يتصل بهذا المرض الموت أو (لا) يتصل، وإذا وقع الشك لايمتنع عمل المثبت، أما في فعل الموصي المانع ثابت قطعا؛ لأن الوصي إنما يخاصم البائع بعد الموت، وبعد الموت المانع ثابت قطعاً، فجاز أن يمتنع عمل المثبت والموجب.
стр. 2789
فإن مات المشتري من مرضه بعدما رده عليه، فالجواب فيه كالجواب في الوصي إذا رده بالعيب نقضاً، فلم يعلم القاضي بدين الغريم الآخر؛ لأنه لما مات ظهر أن المرض مرض الموت من ابتدائه، فظهر أن حق الغريم الآخر كان متعلقا بماله حتى رده القاضي على البائع كما لو رده الوصي فيكون الجواب في الوصي، إلا في خصلة أن ههنا متى كانت قيمة العبد أكثر من الثمن، فإنه لا يجبر المردود عليه بنقض (١٠٦ب٣) الرد، ويباع العبد ويقسم الثمن نصفين.
و (لو) قال: أنا أمسك العبد وأرد نصف القيمة حتى تزول المحاباة، لم يكن له ذلك، وفي الوصي يخير المردود عليه، والفرق: أنه لما مات من مرضه ظهر أنه ماكان للقاضي ولاية الفسخ ليتعلق حق الغريم بماله، وإن فسخه لم يصح، فاعتبر عقداً جديداً وفيه محاباة، والمحاباة لا تعفي من المريض، وإن قلت: إذا كان عليه دين مستغرق لتركته، فتعذر تصحيح الرد من هذا الوجه وتعذر تصحيحه بتبليغ الثمن إلى تمام الصحة؛ لأن الرد بقضاء القاضي فسخ من كل وجه، فلا يصح الفسخ تأكيداً من الثمن الأول، وإذا تعذر تصحيح الرد بالطريقين تعين بعض الرد، فأما الوصي فعفى عنه المحاباة اليسيرة، فأمكن تصحيح الرد بمثل الثمن، فلهذا يخير فيه البائع. وهذه المسألة من أغرب المسائل، فإن عفي فيه المحاباة اليسيرة من الثابت ولم يعف من الأصل وهو المريض.
وإذا أمر رجل رجلاً ببيع عبد له، فباعه الوكيل وسلمه وقبض الثمن من المشتري أو لم يقبض حتى وجد المشتري بالعبد عيباً وخاصم الوكيل في العيب فقبله الوكيل بغير قضاء، فإن كان ذلك عيباً يحدث مثله من وقت البيع يلزم الوكيل دون الموكل، فلا يكون للوكيل أن يخاصم الموكل، وإن كان عيباً لا يحدث مثله في تلك المدة ذكر في «الأصل» أنه يلزم الموكل يجب أن يعلم أن الوكيل بالبيع والشراء خصم في الرد بالعيب من حقوق العبد فيرجع إلى العاقد، والوكيل في حق الحقوق كالعاقد لنفسه.
وإذا رد عليه بالعيب بعد القبض فهو على وجهين:
إن رد عليه برضاه والعيب مما يحدث مثله يلزم الوكيل باتفاق الروايات، ولا يكون له مخاصمة الموكل، كأن الوكيل اشتراه ثانياً من المشتري، وإن كان عيباً لا يحدث مثله في مدة البيع ذكر في بيوع «الأصل» أنه يلزم الموكل؛ لأنهما فعلا بأنفسهما عين مايفعله القاضي؛ لأن الرد متعين في هذا، فيجعل فعلهما كفعل القاضي، وذكر في عامة الروايات أنه يلزم الوكيل؛ لأن الرد بالعيب بعد القبض بالتراضي عقد جديد في حق الثالث والموكل ثالثهما.
وإن كان الرد بقضاءٍ فهو على ثلاثة أوجه: إن كان ببينة قامت على الوكيل لزم الموكل؛ لأن البينة حجة في حق الناس كافة، فيعد الرد على الموكل، وإن كان الرد بنكول الوكيل، فكذلك يكون رداً على الموكل؛ لأن الوكيل مضطر في النكول كما هو مضطر في سماع البينة إذا لم يستبق منه ما يطلق اليمين على انتفاء العيب؛ لأن الإنسان كما يوكل غيره ببيع السليم يوكل ببيع المعيب، فاعتبر نكوله بالبينة، ولكن الوكيل مع الموكل على خصومته، فإن أقام بينة أن هذا العيب كان عند الموكل رده عليه، وإن لم
стр. 2790
يكن له بينة، فله أن يحلف الموكل فإن نكل رده عليه، وإن حلف لزم الوكيل، وهذا لأن الرد حصل بقضاء القاضي على كره منه، فإن صورة هذه المسألة أن يقر الوكيل بالعيب أولاً، ثم يجحد ويأبى القبول حتى يحتاج فيه إلى قضاء القاضي.
قلنا: والرد بقضاء فسخ من كل وجه، غير أن هذا الفسخ استند إلى سبب قاصر وهو الإقرار، فمن حيث إنه فسخ كان للوكيل حق مخاصمة الموكل، بخلاف ما إذا كان الرد بغير قضاء، ومن حيث إنه استند إلى دليل قاصر يلزم الوكيل إلى أن يقيم الحجة على الموكل، وهذا كله إذا كان عيباً يحدث مثله في مدة البيع، فالقاضي يرده من غير بينة وإقرار ويمين، ويكون ذلك رداً على الموكل؛ لأن القاضي إنما قضى بالرد لعلمه أنه كان عند الموكل وعلمه هذا بالبينة، وهذا كله إذا كان الوكيل حراً بالغاً، فإن كان مكاتباً أو عبداً مأذوناً فالخصومة في الرد بالعيب بينهما ولا يرجعان على المولى، ولكن يباع المأذون فيه ويلزم الدين المكاتب، وإن كان الوكيل صبياً محجوراً أو عبداً محجوراً، فلا خصومة معهما، وإنما الخصومة مع الموكل.
وذكر محمد ﵀ في «الجامع الكبير» : أن من أجر عبد غيره ليشتري نفسه للآمر من مولاه بألف درهم، فقال: نعم فأتاه مولاه قال: بعني نفسي لفلان بألف درهم ففعل فهو للآمر، فإن وجد الآمر بالعبد عيباً، فأراد خصومة البائع، فإن كان العيب معلوماً للعبد يوم اشترى نفسه لم يرده؛ لأن العبد كان وكيلاً بالشراء، والوكيل إذا اشترى مع العلم بالعيب يمتنع الرد؛ لأنه أسقط حق الرد، وحق الرد (من) حقوق العقد فيكون إلى العاقد، والعاقد هو العبد وكان للعبد الرد من استطلاع رد الآمر؛ لأن المشتري وهو العبد في يد نفسه وهو وكيل بالشراء، والوكيل بالشراء يملك الرد بالعيب من غير استطلاع رأي الموكل مادام المشتري في يده على مايأتي بيانه بعد هذا ان شاء الله تعالى.
وإذا أمر الرجل غيره أن يشتري عبد فلان بكذا، فاشترى ونقد الوكيل البائع الثمن وقبض العبد واطلع على عيب به فما دام العبد في يد الوكيل رده على البائع من غير استطلاع رأي الموكل، فإن كان قد سلم العبد إلى الآمر لا يرده من غير رأي الموكل، والفرق: أن في الرد إبطال العقد الذي هو حق الوكيل، وإبطال الملك الذي هو حق الموكل، فكان الوكيل في الرد أصيلاً من وجه ثابتاً من وجه، فلكونه أصيلاً ملك الرد من غير استطلاع رأي الموكل مادام العبد في يده، ولكونه نائبا لم يملك الرد من غير استطلاع رأي الموكل بعدما دام العبد في يده، ولكونه نائباً لم يملك الرد من غير استطلاع رأي الموكل بعدما سلمه إلى الموكل، ومتى كان العبد في يد الوكيل، فأراد الوكيل الرد، فادعى البائع رضا الآمر بهذا العيب، فإن أقام على ذلك بينة قبلت بينته وامتنع الرد، وإن لم يكن له بينة وأراد استحلاف الوكيل ليس له ذلك، بخلاف ما إذا ادعى على الوكيل أنك رضيت بالعيب، فأراد استحلاف الوكيل حيث له ذلك، والفرق: أنه إذا ادعى الرضا على الوكيل، فالوكيل يستحلف بطريق الأصالة، وإذا ادعى الرضا على الموكل، فالوكيل لا يستحلف بطريق الأصالة، وإنما يستحلف (بالنيابة، و) النيابة لا تجري في الاستحلاف، وإذا لم يستحلف الوكيل رد الوكيل الجارية على البائع، ثم إذا
стр. 2791
حضر الموكل وادعى الرضا وأراد استرداد الجارية من يد البائع فله ذلك، ولو كان الوكيل بالشراء وكيلاً بالخصومة في العيب فادعى البائع أن المشتري رضي بهذا العيب فالوكيل رده بحضرة الموكل فيحلف.
نوع آخر منه
رجل اشترى من آخر عبداً وقبضه وباعه من رجل آخر، ثم إن المشتري الآخر وجد به عيباً ورده على المشتري الأول، فهذا على وجهين:
الأول: أن يكون الرد منه قبل القبض، وفي هذا الوجه للمشتري الأول أن يرده على البائع الأول سواء كان الرد بقضاء أو بغير قضاء (إن كان الرد بقضاء؛ فلأن) الرد قبل القبض فسخ للعقد من الأصل في حق الناس كافة، وإن كان بغير قضاء؛ لأنه تصرف دفع وامتناع من القبض وولاية الدفع عامة (١٠٧أ٣) فظهر أمره في حق الكل، ولهذا لم يتوقف على قضاء القاضي.
وهذا المعنى يعم العقار والمنقول جميعاً.
ومعنى آخر يخصّ المنقول أن الرد بالعيب قبل القبض لايمكن أن يعتبر بيعاً جديداً أصلاً؛ لأن بيع المنقول قبل القبض لايجوز، فجعلناه فسخاً في حق الكل أصلاً، فصار كأنه لم يبع، فعلى هذا التعليل لايرد العقار عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن بيع العقار قبل القبض جائز، فأمكن أن يعتبر بيعاً جديداً في حق البائع الأول.
وهذا فصل اختلف فيه المشايخ واختلفت فيه الروايات: أن الرد بالعيب قبل القبض بغير قضاء في العقار هل يعتبر بيعاً جديداً في حق الثالث، ذكر في كتاب الشفعة أنه لايعتبر، قال شيخ الاسلام: ماذكر في كتاب الشفعة قول محمد، فإن بيع العقار قبل القبض عنده لايجوز، أما على قول أبي حنيفة يعتبر بيعاً جديداً؛ لأن عنده بيع العقار قبل القبض جائز، وبعض مشايخنا قالوا: ماذكر في الشفعة قول الكل فنقابل عند الفتوى.
و (الثاني) : إن كان الرد من المشتري الثاني بعد القبض، إن كان الرد برضا المشتري الآخر من غير قضاء، فالمشتري الأول لا يرده على بائعه؛ لأن الرد بالعيب بالتراضي فسخ في حق المتعاقدين عملاً باللفظ، وعقد جديد في حق الثالث عملاً بالمعنى، وهو التمليك والملك بالتراضي، والبائع الأول ثالثهما، فصار في حق البائع الأول كأن المشتري الأول اشتراه ثانياً، فلا يكون له حق الخصومة مع بائعه لافي الرد ولا في الرجوع بنقصان العيب.
وفي «القدوري» عن محمد فيمن اشترى ديناراً بدرهم وقبض الدينار وباعه من ثالث، ثم وجد المشتري الآخر به عيباً فرده على الأوسط بغير قضاء كان للأوسط أن يرده على الأول، لا يشبه هذا العروض، وقد مرت المسألة من قبل، وهذا إذا كان عيباً يحدث مثله، فأما إذا كان عيباً لايحدث مثله، فعلى رواية البيوع والإقرار يرد على بائعه، وعلى رواية «الجامعين» والمأذون والوكالة لايرد على بائعه.
وإن كان الرد بقضاء قاض فهو على ثلاثة أوجه: فإن كان الرد بالبينة كان للمشتري الأول أن يرد على بائعه إذا ثبت أن العيب كان عند بائعه؛ لأن الرد بالبينة فسخ في حق الثالث إذ ليس فيه معنى البيع وهو التمليك
стр. 2792
والتملك، وإن حصل الرد بنكوله أو بإقراره بقضاء القاضي بأن أقر بالعيب أولاً، ثم أبى القبول، فكذلك الجواب عند علمائنا يرده على البائع الأول؛ لأن هذا فسخ حصل بقضاء القاضي بغير رضا المشتري الأول، فيكون فسخاً في حق الكل كما لو حصل الرد بالبينة.
وإنما قلنا حصل بغير رضا المشتري الأول أما نصاً فظاهر، وأما دلالة فلأن الرضا بالفسخ بطريق الدلالة لو ثبت يثبت من حيث إنه باشر سبب الفسخ بالنكول أو الإقرار بالعيب، ليس بسبب للفسخ، فإن الفسخ لايوجد وإنما يوجد بقضاء قاض عن اختيار، وحكم الشيء ما يثبت به من غير أن يتخلل بين السبب وبين الحكم بفعل فاعل مختار، أكثر ما فيه أن القاضي مضطر في هذا، وهذا الاضطرار إنما جاء من جهة المشتري الأول بإقراره أو بنكوله، فيكون بمعنى المكره من جهته، وفعل المكره يتنقل إلى المكره، فيصير كأن المشتري الأول باشر الفسخ بنفسه، إلا أن نقول: فعل المكره إنما يتنقل إلى المكره فيما صلح آلة للمكره كما في القتل والإتلاف، وأما فيما لايصلح آلة للمكره فعل المكره لا يتنقل إليه. ألا ترى أن في حق الإثم في الإكراه على القتل لايصير فعل المكره منقولاً إلى المكره؟ لأنه في حق الإثم لا يصلح إلا له، وأما القاضي لا يصلح إلا للمشتري الأول في حق القضاء بالفسخ؛ لأن القضاء بالفسخ يكون بالكلام، والإنسان لا يصلح آلة لغيره في الكلام؛ إذ لا يتصور أن يصير الشخص الواحد متكلماً بكلام غيره. قال بعض مشايخنا: هذا الجواب الذي ذكر في فصل البينة والنكول مستقيم إذا لم يجحد المشتري الأول أن هذا العيب كان عنده بل سكت، فإن البينة على الساكت مسموعة، والساكت يستحلف أيضاً، فأما إذا جحد الأول أن هذا العيب كان عنده ورد عليه بالنكول أو بالبينة، فعلى قول أبي محمد: ليس له أن يخاصم البائع الأول لمكان التناقض، وعلى قول أبي يوسف: له ذلك؛ لأن القاضي لما قضى عليه بالرد فقد أبطل جحوده والتحق بالعدم.
وعامتهم على أن الجواب في فصل الإقرار هكذا إن سبق منه الجحود نصاً، بأن قال: بعتها وما به هذا العيب، وإنما حدث عندك، ثم أقر به بعد ذلك وأبى القبول، فرد عليه القاضي لايكون له مخاصمة بائعه عند محمد؛ لأنه حصل مقراً لبائعه بسلامة العبد عند العيب حيث قال للمشتري الثاني: لم يكن به هذا العيب حين بعتها منك، لو بطل إقراره للبائع الأول بسلامته عن العيب، إنما يبطل بإقراره الثاني بعد ذلك، ولا يقدر المقر له على إبطال إقراره الأول بإقرار يكون منه بعد ذلك، فبقي إقراره الأول بسلامة المبيع عن هذا العيب عند البائع الأول، فلا يصح منه دعوى كون السلعة معيبة بعد ذلك لمكان التناقض.
وذكر في «المنتقى» : إذا اشترى عبداً وقبضه وأراد أن يرده على بائعه بالعيب فقال البائع: هذا العيب حدث عندك واستحلف القاضي البائع، فأبى أن يحلف فرده عليه قال: له أن يرده على بائعه، أي: له أن يخاصم بائعه فيه و (لو) لم يأب اليمين ولكن أقر بالعيب فرد عليه بإقراره لم يكن له أن يخاصم بائعه، فقد ذكر المسألة مطلقاً من غير تفصيل.
стр. 2793
وفي «نوادر هشام» : عن محمد في رجل اشترى من آخر داراً وقبضها، ثم ردها بعيب بغير قضاء، قال: كان أبو حنيفة يقول مرة: كل شيء لو رفعا إلى القاضي قضى به، ففعل هذا دون القاضي، فهو على حقه مع بائعه الأول.
ولو وهبها وسلم، ثم رجع في الهبة بقضاء أو بغير قضاء، فله أن يردها على بائعه بناء على أن الرجوع في الهبة فسخ من كل وجه سواء كان بقضاء أو بغير قضاء، وفيه كلمات كثيرة قد ذكرناها في كتاب الهبة من هذا الكتاب.
قال محمد ﵀ في «الجامع» : رجل اشترى من آخر جارية وباعها من غيره، فظهر بها عيب عند المشتري الآخر مما يحدث، فجاء به إلى المشتري الأول وأراد الرد عليه، فقال المشتري الأول: بعتها وما كان بها هذا العيب، وإنما حدث عندك وأقام المشتري الآخر بينة أن هذا العيب كان بها عند البائع الأول، فردها القاضي على المشتري الأول، فللأول أن يردها بذلك العيب على البائع الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف ﵏ (وعند محمد ﵀ لا يردها.
وجه قول محمد: أن المشتري الأول لما ادعى حدوث العيب عند المشتري الثاني، فقد أنكر قيامه عنده وأقر أنه لم يكن عند البائع الأول، وبقضاء القاضي صار مكذباً في إنكاره في إقراره؛ لأن شرط جواز القضاء بالرد على المشتري قيام العيب عند بائعه، فبقي حكم إقراره (١٠٧ب٣) فلا يكون له أن يخاصم بائعه.
ولهما: أن المشتري الأول صار مكذباً شرعاً فيما زعم بقضاء القاضي عليه بالرد، والتحق زعمه بالعدم.
نظيره مسألة الشفعة فإن المشتري إذا أقر بالشراء بألف والدار في يديه وأقام البائع بينة على البائع بألفين، فالشفيع يأخذ من المشتري بألفين، وإن زعم المشتري أن حقه في الألف ولكن لما صار مكذبا شرعاً بقضاء القاضي التحق زعمه بالعدم، وما يقول بأنه صار مكذباً فيما أنكر لافيما أقر، قلنا: الإقرار بعدم العيب عند البائع الأول لم يؤخذ نصاً، وإنما يثبت في ضمن دعوى الحدوث في يد المشتري الثاني، وإذا صار مكذباً في المتضمن بطل المتضمن ضرورة.
هذا إذا أقام المشتري الآخر بينة على أن هذا العيب كان عند البائع، فأما إذا أقام بينة أن هذا العيب كان عند المشتري الأول لم يذكر هذا الفصل في «الجامع» ، وإنما ذكر في إقرار الأصل، وقال: ليس للمشتري الأول مخاصمة بائعه بالإجماع، ووجه ذلك: أن المشتري الأول لم يصر مكذباً فيما أقر من كون الجارية سليمة وقت شرائه عند البائع الأول؛ لأن المقر الأول إنما يصير مكذباً في إقراره إذا قضى القاضي بالبينة عليه بخلاف ما أقر به، وهنا القاضي لم يقض على المشتري الأول بخلاف ما أقر به؛ لأن المشتري الأول أقر بكونها سليمة وقت شرائه إياها عند البائع الأول، والقاضي قضى بكونها معيبة وقت بيع الأول من المشتري الثاني؛ لأن القاضي قضى بالرد على المشتري الأول، وشرط كونها معيبة عند المشتري الأول؛ لأن عند البائع الأول لم يثبت بقضاء القاضي
стр. 2794
كونها معيبة عند البائع فلا يصير المشتري الأول مكذباً في إقراره بكونها معيبة عند البائع الأول، فلهذا لايكون له مخاصمة البائع الأول، وقود هذا التعليل أن لا يكون للمشتري الأول حق مخاصمة بائعه في المسألة الأولى بالاجماع، وقود ماذكر من العلة لهما في المسألة الأولى أن يكون للمشتري الأول حق مخاصمة بائعه عندهما في هذه المسألة أيضاً.
وفي «المنتقى» : اشترى من آخر داراً وسلمها إلى إنسان، ثم افترقا قبل القبض، ثم رأى المشتري بالدار عيباً فله أن يردها على بائعها وإن لم يتفرقا حتى يتقاضى السلم، فليس له أن يردها على بائعها، وهذا يجب أن يكون على قول محمد؛ لأن بيع العقار قبل القبض عنده لايجوز، فلا يمكن أن تجعل هذه المناقضة بيعاً جديداً في حق البائع الأول، وقد ذكرنا جنس هذا في أول الفصل.
نوع آخر منه
قال محمد ﵀ في «الجامع» : رجل اشترى من آخر عبداً بألف درهم وقبضه، ثم باعه من آخر بمائة دينار وتقابضا، ثم إن المشتري الآخر لقي بائعه وزاد في الثمن خمسين ديناراً، حتى صحت الزيادة ودفع المشتري الزيادة إلى البائع، ثم وجد المشتري بالعبد عيباً فرده على البائع بقضاء قاضٍ استرد الثمن والزيادة جميعاً، وكان للمشتري الأول أن يرد على بائعه؛ لأن المبيع عاد إلى قديم ملكه، وكأن المشتري الآخر لم يزده في الثمن شيئاً، ولكنهما التقيا فجدد العقد بينهما بألفي درهم صح، وينقض البيع الأول بطريق الاقتصار كأنهما تقابلا، ثم تعاقدا، فإن وجد المشتري الآخر بالعبد عيباً فرده لم يكن لبائعه أن يرده على بائعه الأول؛ لأن هذا الرد لايعود إليه قديم ملكه بالعقد الأول، لما عرف أن الإقالة عقد جديد في حق الثالث، والبائع الأول ثالثهما، فصار في حق البائع الأول كأن المشتري الأول اشتراه ثانياً من المشتري الآخر، فلم يعد إلى المشتري الأول بالرد بالعيب الملك المستفاد من جهة البائع الأول بخلاف الزيادة؛ لأنها لاتوجب فسخ العقد الأول على أصح الأقوال؛ لأن الزيادة تصرف في وصف العقد، والتصرف في وصف البيع تقريراً لأصله، فعاد إلى المشتري الأول بالرد عليه قديم ملكه، أما ههنا بخلافه.
ولو كان المشتري الثاني زاد في الثمن عرضاً بعينه، ثم وجد بالعبد عيباً ورده على المشتري الأول بقضاء، رده المشتري الأول على البائع الأول لما مر، وإن لم يجد المشتري الثاني بالعبد عيباً لكنه هلك العرض قبل أن يقبض البائع الثاني، وقيمة العرض خمسون ديناراً، فإنه ينقض العقد في ثلث العقد ويكون ذلك الثلث إلى البائع الثاني؛ لأن الزيادة إذا صحت التحقت بأصل العقد، ويصير كأن المشتري الثاني اشتراه بمائة دينار، وعرض قيمته خمسون ديناراً، فإن وجد المشتري بعد ذلك بالعبد عيباً ورد الثلثين الباقيين على البائع الثاني بقضاء، فإن للبائع الثاني أن يرد العبد على البائع بذلك العيب؛ لأنه عاد إلى البائع الثاني ملكه الذي استفاده من جهة البائع؛ لأن في الثلث انتقض العقد بهلاك أحد العرضين وإنه فسخ من الأصل، وفي الثلثين انتقض العقد بالرد بقضاء القاضي، وإنه
стр. 2795
فسخ من الأصل أيضاً، ولو كان لم يهلك العرض ولكن إقالة البيع في ثلث العبد، ثم وجد بالباقي عيباً يرده على بائعه، أما في الثلث ما عاد إليه الملك المستفاد من جهة البائع الأول، وأما في الثلثين، فحتى لايتضرر البائع الأول ضرر عيب الشركة.
نوع آخر منه
رجل اشترى من رجل عبداً بألف درهم وتقابضا، وباعه من آخر، فجحد المشتري الآخر فخاصمه المشتري الأول إلى القاضي ولم يكن له بينة فحلف، وعزم المشتري الأول على ترك الخصومة، ثم وجد به عيباً كان عند البائع الأول، فأراد رده على البائع الأول، فاحتج عليه البائع الأول بدعواه البيع من المشتري الثاني، فالقاضي يرده عليه ولا يبطل حقه بدعواه البيع من الثاني؛ لأن دعوى المشتري البيع من الثاني قد بطلت بيمين، حجة قاطعة لخصومته ههنا، فبطل دعواه بيمين الثاني، والتحق بالعدم، إلا أن المشتري متى علم أنه صادق في دعوى البيع لا يسعه فيما بينه وبين الله تعالى، إلا إذا عزم أن لا يخاصم الثاني، إذا وجد بينة يوماً من الدهر، فحينئذ يسعه الرد فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن بجحود الثاني ينفسخ العقد في حقه على ماعرف ويتوقف الفسخ في حق المشتري الأول، فإذا عزم على ترك الخصومة فقد ساعده على الفسخ فينفسخ العقد فيما بينهما.
قالوا: وهذا إذا عزم المشتري على ترك الخصومة بعدما حلف الثاني، أما إذا عزم على ترك الخصومة قبل حلف الثاني، فليس له أن يخاصم بائعه، والفرق: أن بعد حلف الثاني، ولم يكن للمشتري الأول بينة ينعقد إبقاء العقد فيكون الأول (١٠٨أ٣) مضطراً في مساعدة في الفسخ فلم يحتمل معنى المبادلة، فكان فسخاً من كل وجه في حق الناس كافة، فأقبل حلف الثاني، فالمشتري الأول غير مضطر في فسخ البيع الثاني، فاعتبر هذه المساعدة منه بيعاً جديداً في حق الثالث، فلا يكون له مخاصمة البائع الأول، وإن صدقه المشتري الآخر في الشراء وتصادقا أن البيع بينهما كان تلجئة وسمعة، فرده على المشتري الأول، ثم وجد المشتري بالعبد عيباً كان عند بائعه كان له أن يرده على بائعه؛ لأن البيع بينهما إنما ظهر بإقرارهما قائماً يثبت على الوجه الذي أقرا به، وقد أقرا أنه ثبت كذلك والبيع تلجئة لا يزيل المبيع عن ملك البائع، فبقي الملك المشترى المستفاد من جهة بائعه على حاله فلا يمتنع الرد، وكذلك إن اتفقا على أنهما كانا بالخيار في هذا البيع، أو على أن فلانا منهما بعينه كان بالخيار، فرده صاحب الخيار رده المشتري الأول على بائعه، وكذلك لو أنفقا على المشتري الثاني لم يرده ورد بخيار الرؤية، فللمشتري الأول أن يرده على بائعه؛ لأن الرد بخيار الشرط وبخيار الرؤية فسخ للعقد من الأصل في حق الناس كافة، وكذلك إن اتفقا أن البيع الثاني كان بألف درهم إلى العطاء فرد البيع الثاني، فللمشتري الأول أن يرده على بائعه؛ لأن البيع إلى العطاء بيع فاسد، والرد بفساد السبب فسخ في حق الناس كافة.
ولو تصادق المشتري الأول والثاني على جريان بيع بات بينهما، ثم خير أحدهما صاحبه بثلاثة أيام ولياليها جاز وقد مر هذا في فصل الجناية.
ولو أن من شرط له الخيار في هذه الصورة نقض البيع لم يكن للمشتري الأول أن
стр. 2796
يرده على بائعه بحكم العيب؛ لأن البيع في الأصل لما وقع باتاً تعلق به حق البائع الأول، وهو انقطاع حق المشتري الأول في الرد، فهما في إثبات الخيار وتحصيل الفسخ يريدان إبطال ذلك الحق على البائع الأول، وليس لهما هذه الولاية، ولو لم يخير أحدهما صاحبه بالفسخ ولكن وجد المشتري بالعبد عيباً ورده على المشتري الأول، فأراد المشتري أن يرده على البائع الأول، فقد ذكرنا هذا الفصل تمامه قبل هذا.
ولو أن المشتري الأول مع المشتري الثاني أقرًّ بالبيع الثاني عند القاضي، ثم جحد البيع، وأنكرا أن يكونا أقرا عنده بشيء جعلا عند القاضي جحودهما فسخاً للعقد؛ لأن الجحود جعل كناية شرعاً عن الفسخ، فإن أراد المشتري الأول الرد بعد ذلك لم يكن له ذلك؛ لأن البيع قد ثبت عند القاضي بإقرارهما، وجحودهما جعل نقضاً باختيارهما، فكان بمنزلة الإقالة، حتى لو أراد المشتري الآخر إمساك العبد بعد ذلك ليس له ذلك، وكذلك لو أعتقه المشتري الآخر لم يصح إعتاقه، ولو أعتقه المشتري صح؛ لأن الإقالة تمت فيما بينهما.
رجل اشترى عبداً وقبضه ووجد به عيباً فأراد أن يرده، فأقام البائع بينة أن المشتري أقر أنه باعه من فلان قبلت بنيته ولم يكن للمشتري أن يرده، سواء كان فلان حاضراً أو غائباً، فرق بين هذا وبينما إذا أقام البينة أن المشتري باعه من فلان الغائب حيث لا تقبل بنيته، وكان للمشتري أن يرده عليه بالعيب، والفرق: أن في الفصل الأول قامت على إثبات إقرار المشتري الأول، والمشتري الأول حاضر، وليس في قبولها قضاء على الغائب بالبيع؛ لأن الإقرار حجة قاصرة فقبلت، وثبت إقرار المشتري الأول بالبيع، فلا يتمكن من الرد بعد ذلك. أما في الفصل الثاني البينة قامت على إثبات البيع من الغائب، وذلك ممتنع لما فيه من القضاء على الغائب من غير أن يكون خصم حاضر، فلم تقبل هذه البينة، وصار وجودها والعدم بمنزلة، ولو انعدمت كان للمشتري أن يرده على البائع بالعيب كذا هنا.
ولو كان البائع أقام البينة أن المشتري باع هذا العبد من هذا الرجل وهو حاضر لكنهما يجحدان البيع والشراء لم يرده المشتري الأول؛ لأن البينة في هذه الصورة قامت على خصمين حاضرين فقبلت وثبت البيع بينهما، فإذا تجاحدا البيع جعل ذلك إقالة منهما للبيع، والإقالة بيع جديد في حق الثالث، والبائع الأول ثالثهما، فاعتبر في حقه بيعاً جديداً، فبطل حق الرد بالعيب والله أعلم.
стр. 2797
الفصل الخامس عشر: في بيع المرابحة والتولية والوضعية
المرابحة بمثل الثمن الأول وزيادة، والتولية بيع بمثل الثمن الأول من غير زيادة والوضيعة بمثل الثمن الأول مع نقصان معلوم، والكل جائز؛ لأن المبيع معلوم والثمن معلوم، ولأن الناس تعاملوا ذلك كله من غير نكير منكر، وتعامل الناس حجة يترك بها القياس، ويخص بهذا الأثر.
قال محمد ﵀: إذا اشترى شيئاً فباعه مرابحة، فإن كان البدل في العقد الأول من ذوات الأمثال، جاز بيعه مرابحة سواء جعل الربح من جنس رأس المال أو من غيره، إذا كان معلوماً يجوز الشراء به؛ لأن الربح جزء من أجزاء الثمن، كما يجوز أن يكون من جنس واحد يجوز أن يكون من جنسين، ولكن بشرط أن يكون معلوماً يجوز الشراء به، وإن لم يكن البدل في العقد الأول من ذوات الأمثال فباعه مرابحة ممن لايملك ذلك البيع، فالبيع باطل؛ لأن الثمن في بيع المرابحة مثل الثمن الأول وزيادة ربح، فإذا لم يكن الثمن الأول من ذوات الامثال والمشتري لا يملك عين ذلك الثمن، لو انعقد العقد ينعقد بقيمة ذلك الثمن وهي مجهولة لاتعرف إلا بالحزر والظن، وجهالة الثمن تمنع جواز العقد.
وإن كان يملكه فهو على وجهين: إن باعه بربح درهم أو شيء موصوف جاز العقد؛ لأنه يقدر على تسليم ما التزم، وإن باعه بربح «ده يازده» فالبيع باطل؛ لأنه جعل الربح من جنس رأس المال، فإنه جعل الربح مثل عشر الثمن، وعشر الشيء يكون من جنسه، فإذا لم يكن الثمن من ذوات الأمثال يصير العقد منعقداً بالثمن الأول وتنقص قيمته وهذا لا يجوز.
ولو اشترى ثوباً بعشرة فأعطي بها ديناراً أو ثوباً، فرأس المال العشرة، حتى لو باعه مرابحه لزم المشتري الثاني عشرة لا ما نقد المشتري الأول؛ لأن الثمن ما ملك بالعقد،
стр. 2798
والمملوك بالعقد الأول العشرة دون الثوب والدينار.
ولو اشترى ثوباً بعشرة خلاف نقد البلد، فباعه بربح درهم فالعشرة مثل ما نقد، والربح من نقد البلد؛ لأن رأس المال يجب أن يكون مثل الأول، فلا يتغير بنقد البلد، أما الربح فدرهم ذكره مطلقاً، ومطلق اسم الدرهم ينصرف إلى نقد البلد، ولو نسب الربح إلى رأس المال، فقال: أبيعك «ده يازده» فالربح من جنس الثمن؛ لأنه جعل الربح جزءاً للثمن حيث جعله مثل عشره فكان (١٠٨ب٣) على صفة ضرورة.
في «المنتقى» : باع من رجل متاعاً مرابحة، وأخبره أن رأس ماله مائة دينار، فلما أن أراد أن يدفع الثمن قال: اشتريت بمائة دينار شامية والبيع ببغداد، قال: ليس له إلا نقد بغداد، وإن أقام البينة أن رأس ماله مائة دينار شامية قبلت بينته ويكون المشتري بالخيار.
وفيه: رواه ابن سماعة عن محمد بشر عن أبي يوسف: رجل اشترى متاعاً بنيسابور، فقدم بلخ ولم يبين أنه اشتراه بنقد نيسابور، فقال ببلخ: قام علي هذا المتاع بكذا، فأبيعه بربح مائة درهم أو بربح ده دوازده، فإن الربح ورأس المال نقد بلخ، إلا أن يصدقه المشتري أنه نقد نيسابور أو تقوم بينته.
وإذا كان نقد نيسابور دون نقد بلخ في الوزن والجودة، فقال: قام علي بكذا، ولم يبين أنه نقد نيسابور كان رأس المال والربح على نقد نيسابور، وإذا كان نقد نيسابور أكثر وزناً وأجود من نقد بلخ ولا يعلم المشتري بذلك، فاشتراه على أنه نقد نيسابور وهو بلخ، ثم علم أن نقد نيسابور أكثر وزناً وأجود من نقد بلخ، فللمشتري الخيار إن شاء أخذه، وإن شاء ترك.
وإذا اختار البائع في رأس المال في بيع المرابحة والتولية، قال أبو حنيفة: يحط قدر الجناية في التولية ويتخير في المرابحة، إن شاء أخذ بجميع المذكور، وإن شاء ترك، وقال أبو يوسف: يحط الجناية في التولية وفي المرابحة يحط الجناية وحصتها من الربح، وقال محمد: يثبت له الخيار في الموضعين، إن شاء أخذ بجميع الثمن، وإن شاء ترك.
وجه قول أبي يوسف: أن العقد الثاني في المرابحة والتولية في حق الثمن بناء على الأول، وقدر الجناية لم يكن ثمناً في العقد الأول، فلا يمكن إثباته في العقد الثاني، وإذا سقط قدر الجناية سقط حصته من الربح في بيع المرابحة ضرورة.
وجه قول محمد: أنهما كانا باشرا عقداً باختيارهما ثمن سماه، فينعقد بجميع ذلك الثمن كما لو باعه مساومة وزاد؛ لأن انعقاد السبب الثاني يعتمد التراضي منهما، ولا يتم رضا المشتري الأول إذا لم يحجب له جميع الثمن المسمى، إلا أنه دلس على المشتري
стр. 2799
الثاني، والتدليس ثبت الخيار للمشتري كتدليس العيب.
ولأبي حنيفة ﵀ في الفرق بين المرابحة والتوليه أن في إثبات الجناية في التولية، يعتبر العقد عن موضوع ما صرحا به؛ لأنهما صرحا بالتولية ومع الجناية هو مرابحة لا يكون معتبراً للعقد؛ لأنهما صرحا بالمرابحة أكثر مما ظنه المشتري، غير أن البائع دلس على المشتري بتسمية بعض الربح رأس المال، والتدليس يثبت الخيار.
ولو هلك المبيع أو حدث به ما يمنع الفسخ عند ظهور الجناية سقط خياره، ولا شيء له في قول أبي حنيفة، وهو المشهور من قول محمد ﵀؛ لأنه تعذر الرد بما حدث من الهلاك أو غيره، وتعذر الرد يسقط الخيار كما في خيار الرؤية وخيار الشرط، وروي ابن سماعة عن محمد ﵀ أن المشتري يرد قيمة المبيع ويرجع على البائع بالثمن، وإذا حط البائع عن المشتري بعض الثمن باعه مرابحة بما بقي بعد الحط، وكذلك لو حط عنه بعد ما باع حط ذلك من المشتري الثاني مع حصته من الربح وكان له ولاية حط ذلك عن المشتري الآخر.
ولو زاد المشتري البائع في الثمن زيادة، باعه مرابحة على الأصل والزيادة جميعاً، وهذا مذهب علمائنا الثلاث ﵏، بناءً على أن الزيادة في الثمن والحط عنه ملتحق بأصل العقد، ويجعل كأن العقد ورد ابتداء على هذا القدر، وقد جرت المسألة من قبل.
قال محمد في «الكتاب» : لو حط عنه بعد ما باع حط ذلك عن المشتري الثاني مع حصته من الربح، إشارة إلى أنه لا يحط ذلك عن المشتري الآخر بنفس الحط عن الأول مالم يحط عنه، وهذا فصل قد اختلف المشايخ فيه، منهم من قال: لا يحط ذلك عن المشتري الآخر ما لم يحط عنه، ومنهم من قال: ينحط عنه بنفس الحط عن الأول.
ولو اشترى ثوباً ولم ينقد ثمنه، ثم باعه مرابحة جاز، فإن أخر الثمن منه شهراً بعد ذلك لم يلزمه أن يؤخر عن المشتري ولا يشبه هذا الحط.
ولو اشترى ثوباً بعشرة فباعه مرابحة باثني عشر، ثم اشتراه ثانياً عشرة باعه مرابحة على ثمانية في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يبيعه مرابحة على عشرة؛ لأن الشراء جديد فنبني عليه بيع المرابحة، كما لو باعه المشتري من ثالث، ثم إن البائع اشترى من ذلك الثالث، ولأبي حنيفة: أنه لما باعه أولاً وربح، كان الربح على شرف السقوط بأن يرد بالعيب أو يبطل العقد بسبب من الأسباب، فلما اشتراه منه بعد ذلك تأكد الربح، والتأكيد إثبات من وجه، فصار كأنه اشترى الربح والثوب بذلك الثمن، فيصير مقدار الربح من الثمن بمقابلته، ويبقى الباقي بمقابلة الثوب فيبيعه مرابحة على ذلك القدر احتياطاً؛ لأن باب المرابحة مما يحتاط فيه؛ لأنه من باب الربا فيلحق الشبهة منه بالحقيقة، فعلى هذا عند أبي حنيفة: لو اشتراه بعشرة وباعه بعشرين، ثم اشتراه بعشرة لا يبيعه مرابحة أصلاً.
стр. 2800
نوع آخر فيما يحدث بالسلعة
مما يجب أن يبين وما لا يجب: وإذا حدث عيب في يد البائع بالمبيع، أو في يد المشتري بآفه سماوية، أو بفعل المبيع فله أن يبيعه مرابحة بجميع الثمن من غير بيان عند علمائنا الثلاث ﵏؛ لأن جميع ما يقابله الثمن قائم؛ لأن الفائت وصف، والأوصاف لا يقابله شيء من الثمن إذا فاتت من غير صنع واحد، ومعنى إذ الأمانة بالصدق إذا نفى جميع ما يقابله الثمن، ولو كان الحادث من فعله، أو فعل أجنبي لم يبعه مرابحة حتى يبين، أما إذا حدث بفعله فلأنه حبس جزءاً من المبيع بجنايته، والأوصاف إذا صارت مقابلاً بالتبادل صار لها حصة من الثمن، وأما إذا حدث بفعل أجنبي فلأن جناية الأجنبي موجبة للضمان عليه، فيكون المشتري حابساً بدل جزء المعقود عليه، وذلك مبلغه من بيع المرابحة حتى يبين.
وفي «المنتقى» : اشترى عبداً وقبضه، ثم جاء أعور أو أعمى لم يبعه مرابحة، وكل ما ينقصه مما يحدث به من العيب عنده بقدر ما لا يتغابن الناس في مثله لم يبعه مرابحة، وكذلك إذا جابى لبائع، وكذلك إن حدث من المبيع نماء وهو قائم في يده كالثمرة والولد والصوف، أو هلك بفعله، أو بفعل أجنبي لم يبعه مرابحة حتى يبين، أما قبل الهلاك فإن المستولد من نفس المبيع له حكم المبيع، وفي ذلك نوع خيانة، وأما إذا هلك بفعله، أو بفعل أجنبي فلما مر، ولو هلك بآفة سماوية جاز له أن يبيعه مرابحة من غير بيان، ولو استغل الدار والأرض جاز أن يبيعه مرابحة من غير بيان؛ لأن العلة ليست بمتولدة من العين، ولهذا لا يمنع استيفاؤها الرد بالعيب فلا يكون (١٠٩أ٣) حابساً شيئاً من المعقود عليه باعتبارها؛ لأن العلة بدل المنفعة واستيفاء المنفعة لا يمنع من بيعها مرابحة؛ وهذا لأنه أنفق عليها ... من المنفعة، فإذا كان استيفاء عين المنفعة لا يمنع من بيع المرابحة، فكذا استيفاء بدل المنفعة.
قال: ولو اشترى جارية ثيباً فوطئها جاز أن يبيعها مرابحة، وإن كانت بكراً لم يبعها مرابحة حتى يبين، والفرق هو أن المستوفى بوطء الثيب لا يقابله شيء من البدل؛ لأنه ليس بمال الاستخدام، وإن الحق بتفويت الحر في عين الملك بخلاف ما إذا كانت بكراً؛ لأن العذارة ... هو مال ويقابلها شيء من الثمن، فصار إزالتها كقطع العضو.
قال: ولو اشترى نسيئة لم يبعه مرابحة حتى يبين؛ لأن الأجل نسبه كونه مبيعاً، فإنه يزاد في الثمن لأجل الأجل، فألحق بحقيقته احتياطاً، فصار كأنه اشترى شيئين، ثم أراد أن يبيع أحدهما مرابحة على كل الثمن، وذلك لا يجوز من غير بيان فههنا كذلك، وهذا
стр. 2801
في الأجل المشروط، فإن لم يكن الأجل مشروطاً إلا أنه متعارف موهوم فيما بين التجار، مثل البياع يبيع الشيء من إنسان ولا يطالبه بالثمن بل يأخذه منه منجماً في كل شهر، أو في كل عشرة أيام هل عليه أن يبين ذلك في بيع المرابحة؟ أكثر المشايخ أنه ليس عليه ذلك، وروي عن أبي يوسف أنه لا يبيعه مرابحة حتى يتبين حاله، وبه أخذ بعض المشايخ، ثم في الأجل المشروط إذا باعه من غير بيان وعلم به المشتري فله الخيار، إن شاء رضي به وأمسكه، وإن شاء رده.
ذكر المسألة في «الأصل» وفي «الجامع الصغير» ، وتصير هذه المسألة رواية فيمن اشترى شيئاً وصار مغبوناً فيه غبناً فاحشاً له أن يرده على البائع بحكم الغبن، وإليه أشار محمد ﵀ في الصلح عن العيوب، وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀ يحكي عن أستاذه يقول: في المسألة روايتان عن أصحابنا: وكان يفتي برواية الرد رفقاً بالناس، وكان القاضي الإمام صدر الإسلام أبو اليسر، والقاضي الإمام ركن الإسلام أبو بكر.... والقاضي الإمام جمال الدين.... مولى جدي ﵏ يفتون أن البائع إن قال للمشتري: قيمة متاعي كذا، إذا قال: متاعي يساوي كذا فاشترى بناء على ذلك، ثم ظهر بخلافه أن له الرد بحكم التغرير، أما إذا لم يقل ذلك، فليس له الرد، وغيرهم كانوا لا يفتون بالرد على كل حال، والصحيح: أن يفتى بالرد إذا وجد التغرير، وبدونه لا يفتى بالرد.
قال: ولو اشترى من إنسان بدين عليه كان له أن يبيعه مرابحة على قدر الدين، ولو صالح من الدين على ثوب لم يجز له أن يبيعه مرابحة حتى يتبين الفرق وهو أن مبنى الصلح على الحط والتجوز بدون الحق، والمشتري الثاني اعتمد مما كسبه الأول، فإذا ترك الأول المماكسة في عقد الصلح كان في بيعه مرابحة من غير بيان نوع جناية فلا يفعل، فأما الشراء فمبناه على المماكسة، فكان الشراء بالدين والثمن النقد سواء، فجاز له أن يبيعه مرابحة من غير بيان، وعن أبي يوسف في فصل الصلح أنه إذا زاد في ثمنه أكثر مما يتغابن الناس فيه، فإنه لا يبيعه مرابحة حتى يبين، وإن كان أخذه بقيمته أو بنحو ذلك باعه مرابحة من غير بيان.
قال: وقال أبو حنيفة: إذا اشترى ممن لا تجوز شهادته له لم يجز له أن يبيعه مرابحة حتى يتبين. وقال أبو يوسف ومحمد: له أن يبيعه مرابحة. ولو اشترى من عبده أو مكاتبه لم يجز بيعه مرابحة بالاتفاق حتى يبين.
فوجه قولهما: أنه ليس لأحدهما في مال صاحبه ملك ولا حق، فكانا في ذلك بمنزلة الأخوين بخلاف العبد والمكاتب؛ لأن كسب العبد لمولاه وما حصل لمكاتبه من
стр. 2802
وجه كأنه لمولاه، فكان الشراء عدما من ذلك الوجه بخلاف ما نحن فيه.
ولأبي حنيفة: أن ما يحصله المرء لهؤلاء (ما) بمنزلة يحصله لنفسه من وجه، ولهذا لا تقبل شهادته لهؤلاء، فباعتبار هذا الوجه صاروا في حقه بمنزلة العبد والمكاتب، ولا يشاركه بعض هؤلاء مع البعض في المعاملة، أو ظاهر فيثبت معنى الجناية بترك البيان.
وفي «المنتقى» : إذا اشترى الرجل شيئاً بغلاء والزيادة مما لا يتغابن الناس في مثله، فله أن يبيعه مرابحة ولا يبين، وإذا جاوزت الزيادة ذلك والمشتري يعلم لا يبيعه مرابحة ما لم يبين، وإن كان لا يعلم وسعه أن يبيعه ولا يبين.
قال: وإذا كانت الزيادة في الأمر البين الذي لا يحتاج الناس إلى أن تبين فيه المحاباة فليس عليه أن يبين، نحو أن يشتري فلساً بدرهم، فهذا معروف فيما بين الناس أن الفلس لا يباع بدرهم، فإن باع هذا ولم يبينه وسعه إلا أن يشتريه منه بجهل ذلك، فإن كان كذلك لم يبعه حتى يبين كما يبين في النسبة.
وفيه أيضاً: وهب لرجل ثوباً على عوض اشترط وتقابضا، فليس له أن يبيعه مرابحة في قياس قول أبي حنيفة وهذا مثل الصلح، وأما في قياس قول أبي يوسف إن كان العوض مثل قيمة الهبة فلا بأس بأن يقول: قام علي بكذا، ولا يقول اشتريته بكذا، وكذلك إن حط عن العوض ما يتغابن الناس فيه، وإن حط أكثر من ذلك لم يجز له أن يبيعه مرابحة بألف، ويقول: قام علي بكذا، وللشفيع أن يأخذها بالشفعة بألف. /
وفي «نوادر هشام» قال: سألت أبا يوسف عن رجل اشترى من رجل متاعاً بدراهم له عليه من ثمن المتاع، وهذا المتاع إن أصاب في يد غيره لم يشتره من ذلك الثمن بالنصف، قال: كان هكذا فلا يبيعه مرابحة حتى يبين؛ لأنه قد حاباه.
وفيه أيضاً: إذا اشترى عبداً بألف درهم ببعض لها صرف ونقد في ثمنه غلة، فلا صرف لها، فإنه يبيعه على الغلة التي نقدها؛ لأن قبول البائع نقداً دون نقده حط عن الثمن.
وفي «نوادر هشام» قال: قلت لأبي يوسف في رجل اشترى ثوباً بعشرة جياد ونقده زيوفاً، قال في قول أبي حنيفة يبيعه مرابحة على عشرة زيوف، وقال أبو يوسف: يبيعه على عشرة جياداً، ثم رجع أبو يوسف عن قول أبي حنيفة وشده فيه، قال: سمعت أبا يوسف يقول: فيمن اشترى ثوباً بعشرة دراهم مزيفة أنه يبيعه ويبين، وإن لم يبين فللمشتري الخيار.
إذا اشترى نصلاً وحمائل وجفناً، ثم أنفق على ذلك حتى ركبه وحلاه بفضة ثم باعه، وقال: القصة فيه كذا أبيعكها بوزنها بلا ربح، وما بقي قام علي بكذا وكذا، فهذا جائز استحساناً، من قبل أنه وقع لكل شيء من هذا ثمن على حدة.
ولو اشترى مختوم حنطة بعينها بمختوم شعير بغير عينه وتقابضا، فلا بأس أن يبيع
стр. 2803
الحنطة مرابحة (١٠٩ب٣) وكذلك كل صنف من الكيل أو الوزن بصنف آخر.
ولو اشترى قفيراً من الحنطة بقفيزي شعير بغير عينه، ثم باع الحنطة بربح ربع حنطة لم يجز، وهذا بخلاف ما لو اشترى قلب فضة، ثم باعه بربح درهم.
قال: الوارث لا يبيع ما ورثه عن أبيه مرابحة على ما اشتراه الأب. ولو أقام المشتري بينة أن المشترى ميراث لبائعه من أبيه كان له أن يرده عليه. ولو أقام البائع (البيّنة) أنه كان ميراثاً إلا أنه بيع في دين علي واشتريته بهذا الثمن، ثم يقبل قوله، وله أن يحلف المشتري على علمه، وإن أقام بينته على ذلك قبلت بينته وكانت أولى من بينة المشتري؛ لأنهم شهدوا بمثل شهادته في الميراث وزادوا عليهما بيع الميراث وشراءه. وكذلك لو أقام (البيّنة) أنه كان ميراثاً إلا أني بعته من فلان وقبضت ثمنه وسلمه إليه، ثم إني اشتريته منه بهذا الثمن قبلت بينته في قول أبي حنيفة.
وروى أبو سليمان عن أبي يوسف فيمن اشترى عبداً بطعام عينه وتقابضا لم يكن له أن يبيعه مرابحة؛ لأنه لو هلك قبل القبض انتقض البيع ولو رده بعيب انتقض البيع. وروى بشر عن أبي يوسف بخلاف هذا. وعن محمد أنه يبيعه مرابحة رجل رقم يره وزاد في رأس المال وقال المشتري: أبيعك على هذا الرقم ولم يقل اشتريته بذلك، ولا قال قام علي به، جاز في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: إن كان المشتري جاهلاً بذلك الأمر، فليس له أن يبيعه حتى يقول زدت في الرقم، وإن (لم) يقل وعلم المشتري به بعد ذلك فله أن يرده، وإن كان المشتري تاجراً يعرف ما يجري بين التجار من هذه الزيادات لزمه.
بشر عن أبي يوسف في «الإملاء» : رجل اشترى من آخر ثوباً وبطانة، وجعلها حشوها قطناً وريشاً وهب له، ثم حسب الثمن وأجر الخياط، ثم قال لغيره: قام علي بكذا وكذا وباعه مرابحة على ذلك جاز، وكذلك الرجل يرث الثوب فبطنه بالقز والذي اشتراه ويحسب أجرة الخياط وثمن القز، وقال لغيره: قام علي بكذا وكذا وباعه مرابحة على ذلك جاز، وكذلك لو كان القز ميراثاً والظهارة مشترى.
ولو باع ثوبين قد اشترى أحدهما بعشرة والآخر ميراث باعهما مرابحة، وقال وقت البيع: قاما علي بعشرة، فهذا لا يجوز، قال: من قبل أن للثوب الميراث حصة من الثمن يردها بالعيب ويرجع بها في الاستحقاق، وهو لم يشتره بشيء، وهذا مخالف للذي وصفنا قبله من الثوب المحشو والمبطن؛ لأن ذلك ثوب واحد لا يراثل بعضه بعضاً، وهذان ثوبان كل واحد منهما ثوب على حدة.
رجل اشترى عبداً بألف درهم وتقابضا، ثم باعه مرابحة على ألف ومائة درهم وتقابضا، ثم بلغ المشتري الثاني أن أصل شراء المشتري الأول كان بألف، فخاصم في ذلك فأقام بينة عليه بذلك، فقال معه: قد كنت اشتريته بألف درهم، ثم وهبته، ثم اشتريته بألف ومائة لم يصدق على ذلك، فإن طلب يمين المشتري على علمه، وقال المشتري:
стр. 2804
شهدني حين وهبته واشتريته بألف ومائة أستحلفه على علمه، ولو لم يدع بيعه هذا، ولكنه قال: المائة الزيادة أنفقتها عليه في طعامه وفي حمولته من البلد التي اشتريته فيه إلى هذا البلد، فإن كان إنما باعه مرابحة على ما قام، فالقول قوله مع يمينه، وإن كان قال: قد اشتريته بألف ومائة على ذلك لم يقبل قوله في هذه المائة أنها نفقة؛ لأنه قد أقر في عقدة البيع أنها في أصل الثمن.
رجل اشترى ثوباً بخمسة عشر درهماً ونقد الثمن، ثم باعه بربح ده يازده، وأخبر أنه قام علي بعشرة، فانتقد عشرة وربحها، ثم قال بعده: غلطت، قام علي بخمسة عشر وكذبه المشتري، فإنه لا تقبل بينة البائع على ما ادعاه من رأس المال، فإن صدقة المشتري في ذلك، قيل للمشتري: أعطه خمسة دراهم ونصف، أو رد البيع في قول أبي يوسف ﵀، وأما في قياس قول أبي حنيفة فلا يؤخذ المشتري بزيادة، إنما يقال للبائع إن يثبت ما فسخ البيع وخذ الثوب ورد ما فقدت، وإن سبب فعلم البيع بالذي انتقدت لا يزاد عليه.
ولو قال المشتري: إنما اشتريته بخمسة فحسبت وجعلت رأس مالك عشرة وأراد استحلافه على ذلك، فلا يمين على البائع في قول أبي حنيفة، ويستحلف في قول أبي يوسف.
ولو أقر البائع أن رأس المال ذلك، أو قامت بذلك بينة، فإنه يرد في قول أبي يوسف على المشتري خمسة ونصف، وأما في قول أبي حنيفة فلا يرد شيئاً، إن شاء المشتري يرد البيع، وإن شاء أمسك بالثمن الذي نقده، فإن كان اشتراه تولية في المسألتين جميعاً فإنهما يترادان في الزيادة والنقصان في قول أبي يوسف، وكذلك قال أبو حنيفة في النقصان، وكذلك قياس قوله في الزيادة، وكذلك لو ابتاعه بربح درهم على عشرة، فهو مثل ذلك في جميع هذه الوجوه في ده يازده.
في «نوادر ابن سماعة» عن محمد: رجل غصب من آخر عبداً، فأبق منه وعيبه فقضي عليه بقيمة المغصوب منه، ثم ظهر العبد كان للغاصب أن يبيعه مرابحة على القيمة التي غرم، ويقول: قام علي بكذا، ولا يقول اشتريت.
وفي «نوادر هشام» عن محمد: اشترى بجراب هروي فيه كذا ثوباً لك كل ثوب بعشرين درهماً أنه يبيعه مرابحة على عشرين، ولو كان للجراب حصة لم يقدر على البيع مرابحة بعشرين، وكذلك دن الخل وقوصرة التمر بمنزلة، وأما ورق السمن والعسل وقد اشتراه جزافاً فله حصته من الثمن.
نوع آخر في بيان ما للمشتري أن يلزم السلعة في بيع المرابحة وما ليس له ذلك
قال محمد في «الأصل» : اشترى متاعاً فله أن يحمل عليه ما أنفق في القصارة والخياطة ويقول: قام علي بكذا، ولا يقول: اشتريته بكذا، وكذلك يحمل عليه ما أنفق
стр. 2805
في الصبغ أو الغسل أو الفتل، ويقول: قام علي بكذا ولا يقول: اشتريته بكذا؛ لأن ذلك كذب وخيانة، وإن قال ذلك، ثم علم المشتري فله الخيار إن شاء أخذ، وإن شاء رد؛ لأنه خيانة، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال أبو يوسف في مسألة القصارة والفتل والصبغ: إنه لا خيار للمشتري؛ لأن الذي أنفق في الصبغ والفتل والقصارة شراء أيضاً، فلا يكون هذا من باب الجناية، والأصل في جنس هذا أن يقال: ما جرت عادة التجار بإلحاقه برأس (١١٠أ٣) المال يلحق برأس المال وما لا فلا أو نقول: ما أثر في المبيع وتزداد به مالية البيع صورة ومعنى، فله أن يلحق برأس المال وما لا فلا، ولا يحمل عليه ما أنفق على نفسه في سفره، وأما الرقيق فله أن يلحق بهم طعامهم وكسوتهم بالمعروف. وفي «المنتقى» وفي الرقيق يحمل على أثمانهم طعامهم، ولا يحمل عليه كسوتهم، ويضم أجرة سائق الغنم، ولا يضم أجرة الراعي استحساناً، قال شمس الأئمة الحلواني: في موضع جرت العادة فيما بين التجار بإلحاق أجر الراعي برأس المال يلحق أيضاً، والباج الذي يؤخذ في الطريق لا يلحق برأس المال، قال ﵀: في موضع جرت العادة فيما بين التجار بإلحاقه برأس المال يلحق به أيضاً.
ولا يضم أجرة الطبيب والرائض والبيطار، وجعل الآبق وأجرة السمسار تضم إن كانت مشروطة في العقد بالإجماع، وإن لم تكن مشروطة بل كانت موسومة، أكثر المشايخ على أنها لا تضم، ومنهم من قال: لا تضم أجرة الدلال بالإجماع، بخلاف أجرة السمسار إذا كانت مشروطة في العقد، أو لم تكن على قول بعض المشايخ، وذكر في «البرامكة» : أن أجرة السمسار لا تضم من غير فصل، وفي «المنتقى» ويحمل على الثمن كراء السفينة وكراء الدابة التي حملت ويقول: قام علي بكذا، وفي الدواب يحمل على أثمانها ثمن العلف، ولا يحمل ثمن الجلال والبرامع، وكذا في الرقيق لا يحمل على الثمن ثمن العطر والأدهان، وكذا لا يضم كل ما جاوز القوت من الطعام والإدام، ولا يضم أجرة سائق الرقيق وحافظ الطعام والمتاع وما عمل بيده من قصارة أو خياطة أو ما أشبه ذلك من الأعمال لا يضمه إلى رأس المال.
وقال أبو يوسف: ولا يضم إلى ثمن الرقيق ما أنفق عليه في تعلم القرآن والكتابة والصناعة والسفر وغير ذلك، وقال محمد: يضم إذا اشترى لؤلؤة واستأجر من شقها ضم أجرة إلى ثمنها ويبيعها مرابحة على ذلك كله؛ لأنه يزيد في ثمنها، وأما الياقوتة فما كان ينقصه ذلك لا يحتسب بأجره في الثمن، وما كان منه يزيده الثقب..... أو لابد له منه احتسب أجر ذلك.
وفي الطعام لا يضم أجرة الكيالين إلى رأس المال ويضم أجرة النقالين. وإذا
следующие страницы →