← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 10875

المحيط البرهاني

برهان الدين ابن مازه البخاري

Полный текст (4 583 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

الفصل التاسع عشر: في كراهة التفريق بين الرقيق الأصل أن من ملك شخصين بينهما قرابة مؤكدة بالحرمة، فلا ينبغي أن يفرق بينهما في البيع إلا إذا كان أحدهما صغيراً به ورد الأثر والمعنى دفع الضرر عن الصغير؛ لأن الصغير يستأنس بالكبير، والكبير يقوم تبعاً هذه، ففي التفريق بينهما إيحاش الصغير وإضرار به، وكذلك إذا كانا صغيرين؛ لأن كل واحد منهما يستأنس بصاحبه ويستوحش بمفارقته، وإن كانا كبيرين فلا بأس بالتفريق بينهما؛ لأن كل واحد من الكبيرين يقوم تبعاً هذه، ولا يلتفت إلى تعاهد الآخر ولا يستأنس به، فليس في التفريق بينهما إلحاق الضرر بأحدهما، وهذا الحكم في القرابة المؤكدة بالمحرمية حتى إذا اجتمع في ملك رجل زوجان لا بأس بأن يفرق بينهما، سواء كانا صغيرين أو كبيرين، أو كانا أحدهما صغيراً والآخر كبيراً، وكذا إذا اجتمع في ملك رجل شخصان هما ذوا رحم وليسا بذوي محرم كابني الخال وابني العم فلا بأس بالتفريق بينهما، وكذا إذا كانا ذوي محرم بالرضاع أو بالصهرية وليسا بذي رحم فلا بأس بالتفريق؛ لأن كراهة التفريق عرفت بالآثار وإنها وردت في القرابة المؤكدة بالمحرمية، فهذه الكراهية تمتد إلى وقت البلوغ في ظاهر مذهب أصحابنا وجد الرضا بالتفريق أو لم يوجد. فبيانه فيما روى ابن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: رجل له أمة وابنتها وهي لم تبلغ فأراد بيعها بموضع ورضيت الأم بذلك والأبنة قال: أكره التفريق بينهما، وكذا إذا كان ثمة أبوان ورضيا بذلك. وقال بعض مشايخنا: إذا راهق الصغير ورضيا أن يفرق بينهما، فلا بأس بالتفريق بينهما وعن أبي يوسف روايتان: في رواية إذا رضوا بذلك فلا بأس بالتفريق ولم يشترط على هذه أن يكون الصغير مراهقاً. وفي «نوادر بشر» عنه إذا رضوا بذلك جميعاً والأبنة مراهقة فلا بأس به. وإذا اجتمع مع الصغير أبواه فلا ينبغي أن يفرق بينه وبينهما ولا بينه وبين أحدهما؛ لأن نفعهما مختلف وشفقتهما متفاوتة. وإذا اجتمع مع الصغير أمه وخالته، فلا بأس بأن يمسك الأم ويبيع الخالة؛ لأن الأم أقرب وشفقتها مغنية له عن غيرها إلا أن تكون الخالة صغيرة فحينئذ يكره بيع الخالة لما فيه من التفريق بينها وبين أختها. وكذلك إذا كان مع الصغير أمه أو عمته أو جدته من قبل أبيه أو من قبل أمه، فلا بأس بأن يمسك الأم ويبيع من سواها، وكذلك إذا كان مع الصغير أمه أو عمته أو جدته من قبل ابيه أو قبل أمه فلا بأس بأن يمسك الأم ويبيع من سواها، وكذلك إذا كان مع الصغير أمه أو أخته أو أخوه فلا بأس بأن يبيع الأخ والأخت والجدة من قبل الأم أو الأب نظير الأم حتى إذا اجتمع مع الصغير جدته وعمته أو خالته أو أخوه أو أخته، فلا بأس بأن يمسك الجدة ويبيع من سواها، ذكر هذه المسائل على هذا الترتيب في «الزيادات» . والحاصل أن على رواية

стр. 2837

«الزيادات» إذا كان مع الصغير أمه لا بأس بأن يمسك الأم مع الصغير ويبيع من سواها إلا الأب فإنه لا يبيع الأب وإن كان مع الصغير أمه. وفي «نوادر هشام» قال: سألت محمداً عن الصغير إذا كان معه أمه أو عمته هل يبيع العمة قال: لا، وإذا كان مع الصغيرة أمها وأخوات لأب لا يبيع واحدة منهن حتى تحبل أو تحيض أو تستكمل سبعة عشر سنة. وفي «المنتقى» قال أبو يوسف: أفرق بين الصبي وجميع قرابته إذا كان معه أبوان، وإذا كان معه أحدهما فرق بينه وبين من كانت قرابته من قبل الحمى دون من كانت قرابته من الميت حتى أنه إذا كان مع الصغير أبوه وخاله لم أبع الخال، وإن كان مع الأم عمة لم أبع العمة. قال في «الزيادات» : وإذا كان مع الصغير أخ لأب لأم لا يبيع واحداً منهما، وكذلك إذا كان مع الصغير أخت لأب وأخت لأم لا يبيع واحدة منهما؛ لأن جنس القرابة يختلف منفعتها متفاوتة فلا ينقضي حق الصغير مع أحدهما فيتوهم الضرر، وإن كان معهم أخ لأب وأم في المسألة الثانية لا بأس بأن يمسك الأخ لأب وأم في المسألة الأولى، والأخت لأب وأم في المسألة الثانية، ويبيع من سواه؛ لأن الأخ لأب وأم والأخت لأب وأم أقرب إلى الصغير، وشفقة الأقرب مغنية عن الأبعد. والحاصل أنه: إذا اجتمع مع الصغير في ملك رجل قرابتان، فإن كانت أحديهما أقرب من الأخرى لا بأس بأن يمسك الأقرب ويبيع الأبعد، وإن كانتا في القرب إلى الصغير على السواء إن كانتا من الجانبين نحو أن يكون أحدهما من قبل الأب والآخر من قبل الأم لا يجوز له أن يفرق بين الصغير والكبيرين واحد منهما، فإن الذي من قبل الأب قائم مقام الأب والذي من قبل الأم قائم مقام الأم، وكما يكره التفريق بين الصغير وبين والديه يكره التفريق بينه وبين من قام مقامهما. وإن كانت من جانب واحد فلا بأس بأن يبيع أحدهما ويمسك الآخر استحساناً حتى إذا كان مع الصغير أخوان كبيران لا يبيع واحداً منهما ويمسك الآخر قياساً، وفي الاستحسان لا بأس بأن يبيع أحدهما ويمسك آخر مع الصغير؛ لأن جنس القرابة ونفعها متحد. وذكر في البيوع من «الأمالي» وكره التفريق بين الصغير والأخوة المتفرقة والأخوات المتفرقة كما هو القياس لجواز أن يكون منفعة البعض أوفر فيبقى توهم الضرر، وذكر أيضاً أنه إذا كان له أبوان وأخ يكره بيع الأخ لجواز أن يكون الأخ أشفق. والصحيح ما ذكر في «الزيادات» ؛ لأنه تعذر اعتبار التفاوت والتساوي في الشفقة أمر باطن فيعتبر التفاوت والتساوي في القرابة لكونها شيئاً داعياً إلى الشفقة حتى لا تعتبر القرابة البعيدة مع القرابة القريبة، وعند اختلاف الجهة اختلف السبب وتعذر الترجيح فاعتبر كل سبب على حدة. وإذا اجتمع مع أبوين له بأن كان جارية بين رجلين جاءت بولد فادعياه حتى يثبت النسب منهما، ثم أسرا وأسر الولد معهما ففي القياس على الاستحسان الذي ذكرنا في

стр. 2838

الأخوين لا بأس بأن يبيع واحداً منهما، وفي الاستحسان لا يبيع واحداً منهما بخلاف الأخوين، والفرق: أن الأب في الحقيقة أحدهما وهو مشتبه فلو جوزنا بيع أحدهما ربما يبيع الأب ويمسك الأجنبي مع الصغير وفيه ضرر بالصغير بخلاف الأخوين؛ لأن كل واحد منهما أخ على الحقيقة، فإذا باع أحدهما كان الباقي مع الصغير أخاً على الحقيقة وبه يصير حق الصغير (١١٧ب٣) مقتضياً سعراً هو الكلام في حكم كراهة التفريق في البيع. وأما الكلام في حكم جواز البيع وفساده فنقول: إذا فرق بين الصغير وبين والده أو والديه ومن سواهما من الأقارب في البيع فالبيع جائز في ظاهر الرواية.k عن أبي يوسف: أن البيع باطل في الكل، وعنه رواية أخرى: أنه فرق بين الوالدين والمولودين وجوزه فيما عداه يأمن القرابات لقوة قرابة الولاد وضعف قرابة المتجردة عن الولادة، وجه رواية التسوية أن كراهة التفريق لدفع الضرر عن الصغير وفي حق هذا المعنى قرابة الولادة والقرابة المتجردة عن الولادة على السواء، والصحيح ما ذكر في ظاهر الرواية؛ لأن ركن التمليك صدر من أهله مضافاً إلى محله، والنهي عن البيع إنما كان مجاوراً ينفك (عن) البيع، وهو إلحاق الوحشة بالصغير ومثل هذا لا يؤثر في فساد البيع كالبيع وقت النداء أو ما أشبهه. وإذا كان التفريق بحق يستحق في أحدهما لم يكن، وكذلك يجوز أن يلحق أحدهما دين فيباع فيه أو يجني أحدهما جناية؛ لأن المنع عن التفريق لدفع الضرر عن الصغير، ولا يجوز دفع الضرر عن شخص على وجه يلحق الضرر بشخص آخر. وعن أبي حنيفة في فصل الجناية يستحب الفداء نظراً للجانبين، وكذلك لو اشتراهما فقبضهما، ثم وجد بأحدهما عيباً رد المعيب خاصة، وقال أبو يوسف: يردهما؛ لأنهما في معنى كراهة التفريق كشيء واحد. وجه «ظاهر الرواية» : أن الميت لحق الرد بالعيب وهو مقصور على المعيب حقيقة وحكماً، فلم يجز رد الآخر بعد تمام الصفقة، أكثر ما فيه أن فيه تفريقاً بينهما، ولكن بحق مستحق في أحدهما فيجوز كما لو جنى أحدهما أو لحق أحدهما دين، ولا يكره عتق أحدهما ولا كتابته؛ لأن كراهته للبيع لأجل التفريق ولا تفريق في الإعتاق. ولو باع أحدهما بسمة للعتق كره عند أبي حنيفة خلافاً لمحمد، والصحيح قول أبي حنيفة أن البيع بسمة ليس ببيع بشرط العتق، فإن البيع بشرط العتق فاسد لكنه ميعاد بينهما والوفاء بالوعد ليس بلازم حتى لو باعه ممن قال: إن اشتريته فهو حر لا يكره البيع بالاتفاق. وفي «المنتقى» : لو باع أحدهما ممن يعتقه لم يجز في قول أبي يوسف، فإن قبضه المشتري وأعتق ضمن القيمة. ولو باع أحدهما من رجل، ثم باع الآخر من ذلك الرجل، قال أبو يوسف: البيع وقع فاسداً، فإذا اجتمعا في ملكه استحسنت أن أجيزهما. وفي «نوادر ابن سماعة» قال: سمعت أبا يوسف يقول في رجل اشترى عبداً صغيراً وأمه عند البائع فأعتقه المشتري، فالبيع جائز وعليه الثمن، وكذلك لو مات عنده قال:

стр. 2839

إني إنما كنت انقض البيع لتفريقه بينهما، فإذا ذهب التفريق جاز البيع، وكذلك لو ماتت الأم عند البائع أو أعتقهما مولاها يجوز البيع، وكذلك لو باع المشتري الصغير من رجل فأعتقه. قال: والقياس في العتق والموت أن تلزمه القيمة الصغير ولكن يستحسن أن يجعله بالثمن إذا ذهب الفرقة. الفصل العشرون: في الإقالة الأصل عند أبي حنيفة ﵀: أن الإقالة تجعل فسخاً في حق المتعاقدين في الصور كلها، فإن أمكن تصحيحها فسخاً لا تصح أصلاً، بيان هذا الأصل من المسائل: إذا باع جارية بألف درهم وتقايلا العقد فيها بألف درهم فعلى قوله صحت الإقالة وإن تقايلا بألف وخمسمائة صحت الإقالة بألف ويلغو ذكر الخمسمائة؛ لأن في الألف وخمسمائة ذكر الألف فيمكن تصحيحها إقالة بالألف بالغاً مبلغ الزيادة، وإن تقايلا بخمسمائة فإن كان العبد قائماً في يد المشتري على حاله لم يدخله عيب صحت الإقالة بألف ويلغو ذكر الخمسمائة، فيجب على البائع رد الألف على المشتري، وإن دخله عيب تصير إقالة بخمسمائة ويصير المحطوط بإزاء نقصان العيب؛ لأنه لما احتبس عند المشتري جزء من المبيع جاز أن يحتبس عند البائع بعض الثمن. بعض مشايخنا قالوا: تأويل المسألة أن تكون حصة العيب خمسمائة أو أقل أو أكثر مقدار ما يتغابن الناس فيه، ولكن جواب «الكتاب» مطلق. ولو كانت الإقالة بجنس آخر ذكر عامة الكتب أنها تصح إقالة عند أبي حنيفة بالثمن الأول ويلغو ذكر جنس آخر، وذكر بعض المشايخ في شرح «الجامع الصغير» أن على قول أبي حنيفة تبطل الإقالة في هذه الصورة، وإن ازدادت الجارية ثم تقايلا، فإن كان قبل القبض صحت الإقالة سواء كانت الزيادة متصلة أو منفصلة؛ لأن الزيادة قبل القبض لا تمنع الفسخ منفصلة كانت أو متصلة، وإن كانت الزيادة بعد القبض إن كانت منفصلة فالإقالة باطلة عند أبي حنيفة؛ لأنه تعذر تصحيحها فسخاً بسبب الزيادة المنفصلة مانعة فسخ العقد حقاً للشرع، وأبو حنيفة لا يصحح الإقالة إلا بطريق الفسخ، وإن كانت الزيادة متصلة فالإقالة صحيحة عنده ولأن الزيادة المتصلة عند أبي حنيفة لا تمنع الفسخ حينما وجد الرضا ضمن له الحق في الزيادة ببطلان حقه في الزيادة وقد وجد الرضا لما تقايلا، فأمكن تصحيحها فسخاً فيصح فسخاً عنده. والأصل عند أبي يوسف ﵀: أن الإقالة فسخ في حق المتعاقدين إذا لم يوجد منهما قليل البيع بأن تقايلا بمثل الثمن الأول وكان العقد قابلاً للفسخ، ففي هذه الصورة تجعل الإقالة فسخاً في حقهما أمكن اعتبارها بيعاً جديداً أو لم يمكن بأن كانت الإقالة في المنقول قبل القبض وإذا وجد منهما دليل البيع وأمكن جعلها تبعاً سواء أمكن

стр. 2840

جعلها فسخاً أو لم يمكن أن يجعل بيعاً وأمكن أن يجعل فسخاً، كما لو تقايلا في المنقول قبل القبض أو تقايلا في بيع العرض بعد هلاك أحدهما، فالإقالة في هذه الصورة تجعل فسخاً؛ لأنه تعذر جعلها بيعاً، وإن لم يمكن أن تجعل بيعاً ولا فسخاً تبطل كما في بيع العرض بالدراهم إذا تقايلا بعد هلاك العرض، وكما لو تقايلا في المنقول قبل القبض على خلاف جنس الثمن الأول. بيان هذا الأصل من المسائل: إذا تقايلا قبل قبض الجارية (والجارية) قائمة على حالها لم تتغير إلى زيادة أو نقصان أو تغيرت إلى زيادة أو نقصان، فالإقالة صحيحة عنده فسخاً إذا تقايلا بالثمن الأول، أو بجنس الثمن الأول ولكن زيادة أو نقصان؛ لأنه تعذر اعتبارها فسخاً؛ لأن النقصان لا يمنع الفسخ فيجعل فسخاً، وإن تقايلا على خلاف جنس الثمن الأول بطلت الإقالة؛ لأنه تعذر اعتبارها بيعاً؛ لأن بيع المنقول قبل القبض لا يجوز وتعذر اعتبارها فسخاً؛ لأن الفسخ ما يكون بالثمن الأول وقد سميا ثمناً آخر، وإن تقايلا بعد القبض فإن كانت الجارية قائمة على حالها لم تتغير إلى زيادة ولا نقصان أو تغيرت (١١٨أ٣) إلى زيادة أو نقصان، فالإقالة صحيحة عنده فسخاً إذا تقايلا بالثمن الأول أو بجنس الثمن الأول، ولكن لزيادة أو نقصان اعتبارها بيعاً وأمكن اعتبارها فسخاً؛ لأن النقصان لا يمنع الفسخ على كل حال. وكذلك الزيادة قبل القبض لا تمنع الفسخ فيجعل فسخاً. وإن تقايلا على خلاف جنس الثمن الأول بطلت الإقالة؛ لأنه تعذر اعتبارها بيعاً؛ لأن بيع المنقول قبل القبض لا يجوز، وتعذر اعتبارها فسخاً؛ لأن الفسخ ما يكون بالثمن الأول وقد سميا ثمناً آخر، وإن تقايلا قبل القبض. وإن كانت الجارية قائمة على حالها لم تتغير وقد تقايلا بالثمن الأول، فالإقالة عنده صحيحة فسخاً؛ لأنه لم يوجد دليل البيع والعقد قابل للفسخ فتجعل الإقالة فسخاً، إذا سكتا عن الثمن الأول يصير مذكوراً مقتضى الإقالة ما يكون بالثمن الأول. وإن تقايلا بجنس الثمن الأول ولكن بزيادة أو نقصان فعلى قول أبي يوسف تجعل الإقالة بيعاً؛ لأنه وجد دليل البيع وهوالزيادة في الثمن أو النقصان عنه، وأمكن جعلها بيعاً فجعلناها بيعاً حتى لا تلغو الزيادة أو النقصان. وإن تقايلا بخلاف جنس الثمن الأول تجعل بيعاً عنده؛ لأنه وجد دليل البيع وأمكن اعتباره بيعاً؛ لأن بيع المنقول بعد القبض جائز فجعلناها بيعاً. وإن تغيرت الجارية إلى نقصان بأن تعيبت في يد المشتري بفعل المشتري أو بآفة سماوية، فإن تقايلا بمثل الثمن الأول أو سكتا عن ذلك تجعل الإقالة فسخاً عنده غير أن البائع إذا لم يعلم بالعيب وقت الإقالة كان له الخيار إن شاء أمضى الإقالة وإن شاء رد، وإن علم بالعيب فلا خيار له، وهذا؛ لأن البائع في إقالة بيع العرض بالدارهم بمنزلة المشتري عند الشراء وإن تغيرت الجارية إلى زيادة، فإن كانت الزيادة منفصلة كالولد والأرش والعقر تجعل الإقالة بيعاً؛ لأن تعذر اعتبارها فسخاً لمكان الزيادة وأمكن

стр. 2841

اعتبارها بيعاً فجعلناها بيعاً، وإن كانت الزيادة متصلة، فالجواب في هذا والجواب فيما إذا كانت الجارية قائمة على حالها لم تتغير سواء؛ لأن الزيادة المتصلة عنده لا تمنع الفسخ عند وجود الرضا ممن له الحق وفي الزيادة وقد وجد الرضا ههنا لما تقايلا. والأصل عند محمد: أن الإقالة فسخ في حق المتعاقدين إذا لم يوجد منهما دليل البيع بأن تقايلا بجنس الثمن الأول وكان البيع قابلاً للفسخ. وإن وجد منهما دليل البيع لم يمكن أن تجعل فسخاً وأمكن جعلها بيعاً رواية واحدة، كما لو تقايلا بعد القبض بالثمن الأول ولكن بعد الزيادة المنفصلة، أو تقايلا بعد القبض بخلاف جنس الثمن الأول. وإن وجد منهما دليل البيع جعلهما بيعاً وفسخاً كما لو تقايلا بعد القبض والجارية قائمة على حالها بجنس الثمن الأول ولكن بزيادة أو نقصان. وعن محمد روايتان وفي رواية كتاب المأذون يجعلها بيعاً وفي رواية كتاب الشفعة يجعلها فسخاً وإن لم يمكن جعلها بيعاً ولا فسخاً تبطل الإقالة. بيان هذا الأصل من المسائل إذا تقايلا قبل قبض الجارية تصح الإقالة ويكون فسخاً عند محمد إذا حلصت الإقالة بالثمن الأول أو على جنس الثمن الأول ولكن بزيادة أو نقصان، وإن حصلت الإقالة على خلاف جنس الثمن الأول تبطل الإقالة عنده على نحو ما قلنا. وعند أبي يوسف ﵀: وإن تقايلا بعد قبض الجارية فإن كانت الجارية قائمة على حالها لم تتغير وقد تقايلا بالثمن الأول وقد سكتا عن الثمن الأول يجوز الإقالة عنده فسخاً على نحو ما قلنا لأبي يوسف، وإن تقايلا بجنس الثمن الأول ولكن بزيادة أو نقصان عن محمد في الصورة روايتان، ففي رواية كتاب المأذون تصح الإقالة بيعاً وفي رواية كتاب الشفعة تصح فسخاً؛ لأنه وجد دليل البيع وأمكن جعله بيعاً وفسخاً وفي مثل هذه الصورة عن محمد روايتان. وإن تقايلا على خلاف الثمن الأول صحت الإقالة عنده بيعاً رواية واحدة؛ لأنه وجد دليل البيع وتعذر جعلها فسخاً؛ لأن الفسخ ما يكون بمثل الثمن الأول وأمكن جعلها بيعاً وفي مثل هذه الصورة تصح الإقالة بيعاً عنده رواية واحدة. وإن كانت الجارية قد تغيرت عن حالها إلى زيادة أو نقصان إن كان التغير إلى نقصان بأن تعيبت في يد المشتري بفعل أجنبي أو بآفة سماوية، فالجواب فيه عند محمد ﵀ نظير الجواب عند أبي يوسف ﵀، إن تغيرت الجارية إلى زيادة فإن كانت الزيادة منفصلة تصح الإقالة عنده بيعاً؛ لأنه تعذر اعتبارها فسخاً لمكان الزيادة وأمكن اعتبارها بيعاً فجعلناها بيعاً، وإن كانت الزيادة متصلة فالجواب فيه كالجواب فيما إذا كانت الجارية

стр. 2842

قائمة على حالها لم تتغير؛ لأن الزيادة المتصلة لا تمنع صحة الفسخ عنده سواء وجد الرضا ممن له الحق في الزيادة أو لم يوجد، وإذا كان الفسخ لا يتعذر بسبب الزيادة المتصلة صار وجودها والعدم بمنزلة. وذكر محمد ﵀ في كتاب المأذون إقالة العبد المأذون له في التجارة: إذا باع

стр. 2843

بألف درهم، ثم إن العبد أقال البيع في الجارية وجعلها على وجهين: أما إن كانت الإقالة قبل قبض المشتري الجارية أو بعد قبضه إياها، وجعل كل وجه على وجهين: أما إن كان الثمن موهوباً أو غير موهوب. فإن كانت الإقالة قبل قبض الجارية والثمن غير موهوب تصح الإقالة فسخاً عندهم إلا في فصل، وهو ما إذا حصلت الإقالة بخلاف جنس الثمن الأول، فإن هناك تبطل الإقالة عندهم أما في سائر الفصول؛ لأنه تعذر اعتبارها بيعاً جديداً؛ لأن بيع المنقول قبل القبض لا يجوز وأمكن جعلها فسخاً إذا كان الثمن غير موهوب للمأذون؛ لأنه لا يكون فسخاً بغير ثمن فيجعل فسخاً، وأما إذا حصلت الإقالة بخلاف الثمن الأول فلأنه كما تعذر اعتبارها بيعاً تعذر اعتبارها فسخاً؛ لأن في الفسخ ما يكون بمثل الثمن الأول فيبطل ضرورة وإن كان الثمن موهوباً للمأذون، فالإقالة باطلة عندهم جميعاً في الفصول كلها؛ لأنه كما تعذر اعتبارها بيعاً لحصولها قبل القبض في المنقول تعذر اعتبارها فسخاً لما كان الثمن موهوباً؛ لأنه يكون فسخاً بغير ثمن والمأذون لا يملك ذلك؛ لأنه يكون تبرعاً. وإن تقايلا قبل قبض الجارية بعد ما تغيرت الجارية إلى زيادة أو نقصان، فالجواب فيه كالجواب فيما إذا كانت الجارية قائمة على حالها؛ لأن الزيادة قبل القبض والنقصان قبل القبض لا يمنع الفسخ على كل حال، فصار وجود ذلك والعدم بمنزلة، فتصح الإقالة فسخاً إذا كان الثمن غير موهوب إلا إذا حصلت الإقالة على خلاف جنس الثمن الأول، فإن هناك لا تصح الإقالة أصلاً، وإن كان الثمن موهوباً للمأذون لا تصح الإقالة في الفصول كلها عندهم جميعاً. وأما إذا تقايلا بعد قبض الجارية، فإن تقايلا بعد قبض الجارية، فإن تقايلا والثمن غير موهوب، فإن كانت الجارية قائمة على حالها، إن تقايلا بالثمن الأول أو سكتا عن ذكر الثمن الأول تصح الإقالة فسخاً عنده؛ لأنه لم يوجد دليل البيع وأمكن اعتبارها فسخاً، وإن تقايلا بجنس الثمن الأول ولكن (١١٨ب٣) إلى زيادة أو نقصان تصح الإقالة فسخاً عند أبي حنيفة، ويلغو ذكر الزيادة والنقصان على قول أبي يوسف بيعاً؛ لأنه وجد دليل البيع وهو ذكر الزيادة أو النقصان وأمكن اعتبارها بيعاً وفسخاً، فجعلناها بيعاً حتى لا تبطل الزيادة أو النقصان، وعند محمد في هذه الصور روايتان. وإن تقايلا بخلاف جنس الثمن الأول فعلى قول أبي حنيفة ﵀: تبطل الإقالة لتعذر اعتبارها فسخاً، وعلى قول أبي يوسف ومحمد: تصح الإقالة بيعاً جديداً؛ لأنه أمكن اعتبارها بيعاً جديداً، هذا إذا تقايلا والجارية قائمة على حالها. فإن كانت الجارية قد تغيرت أو تغيرت إلى زيادة وكانت الزيادة منفصلة، فالإقالة باطلة عند أبي حنيفة على كل حال يعتبر الإقالة فسخاً، وتعذر اعتبارها فسخاً لمكان الزيادة المنفصلة، وعندهما تصح الإقالة بيعاً جديداً في الفصول كلها؛ لأنه أمكن اعتبارها بيعاً. وإن كانت الزيادة متصلة، فالجواب كما إذا كانت الجارية قائمة على حالها لم تتغير وإن تغيرت إلى نقصان بأن تعيبت في يد المشتري أو بآفة سماوية، فالجواب فيه كالجواب فيما إذا كانت الجارية قائمة على حالها لم تتغير هذا إذا تقايلا بعد القبض والثمن غير موهوب. فأما إذا تقايلا بعد القبض والثمن موهوب للمأذون، فإن كانت الجارية قائمة على حالها وقد تقايلا بالثمن الأول بطلت الإقالة عند أبي حنيفة؛ لأنه قد تعذر اعتبارها فسخاً إذا كان الثمن موهوباً، عندهما يجعل بيعاً؛ لأنه إن تعذر اعتبارها فسخاً أمكن اعتبارها؛ لأن البيع بعد هبة الثمن صحيح. وإن سكتا عن ذكر الثمن الأول فكذلك عند أبي حنيفة الإقالة باطلة، وعند أبي يوسف تصح بيعاً واضطربت روايات المأذون في هذا الفصل عند محمد، في بعض الروايات اعتبرها بيعاً كما فيما تقدم، وفي بعض الروايات الإقالة باطلة كما هو قول أبي حنيفة. ووجه هذه الرواية: أن الإقالة عند محمد إنما تجعل بيعاً عند تعذر اعتبارها فسخاً إذا أمكن جعلها بيعاً ههنا؛ لأنهما سميا ثمناً ولم يصر الثمن الأول مذكوراً يمقتضى الإقالة؛ لأن الثمن الأول إنما يصير مذكوراً بمقتضى الإقالة إذا بقي للعقد ثمن، ولم يبق ههنا ثمن فلم يصر الثمن الأول مذكوراً، والبيع لا يصح من غير تسمية الثمن بخلاف ما إذا كان الثمن غير موهوب؛ لأن هناك صار الثمن الأول مذكوراً بمقتضى الإقالة فأمكن أن يجعل بيعاً. وإن تقايلا بجنس الثمن الأول ولكن بزيادة أو نقصان فعلى قول أبي حنيفة الإقالة باطلة، فعلى قولهما تصح بيعاً، وإن تقايلا بخلاف جنس الثمن الأول فعلى قول أبي حنيفة ﵀ الإقالة باطلة، وعلى قولهما تجعل بيعاً، فإذا تقايلا وقد تغيرت عن حالها والثمن موهوب، وإن تغيرت إلى زيادة وكانت الزيادة منفصلة نحو الأرش والولد والعقر، فعند أبي حنيفة الإقالة باطلة، وعندهما الإقالة صحيحة بيعاً رواية واحدة إلا في فصل واحد، وهو إذا سكتا عن ذكر الثمن فإن هذا الفصل عن محمد روايتان في رواية تصح الإقالة بيعاً، وفي رواية تبطل الإقالة. وإن كانت الزيادة متصلة فهذا وما لو كانت الجارية قائمة على حالها لم تتغير سواء، وإن تغيرت إلى نقصان تعيبت بفعل المشتري أو بآفة سماوية أو ما لو كانت الجارية قائمة على حالها لم تتغير سواء عندهم جميعاً. هذه الجملة من «مأذون شيخ الإسلام خواهرزاده» ﵀. وفي «القدوري» : الإقالة فسخ في حق المتعاقدين عقد جديد في حق الثالث، قال أبو يوسف ﵀: الإقالة بيع وإلا إذا تعذر فتجعل فسخاً، وقال محمد: هو فسخ إلا إذا تعذر فيجعل بيعاً، وقال زفر: هو فسخ في حق المتعاقدين وغيرهما. وفي «المنتقى» قال محمد: إن الإقالة بعد القبض وقبل القبض مناقضة وليست ببيع، وكذلك قال أبو حنيفة، ثم هذا الخلاف الذي ذكرنا فيما إذا حصل الفسخ بلفظ الإقالة، أما إذا حصل بلفظ المفاسخة أو المتاركة أو الرد، فإنها لا تجعل بيعاً فإن أمكن جعلها بيعاً، وإذا حصل الفسخ بلفظ الإقالة فهو بيع جديد في حق الثالث بلا خلاف حتى أن الشفيع إذا سلم الشفعة في بيع مع المشتري تقايلا البيع يتجدد للشفيع حق الشفعة واعتبرت الإقالة بيعاً جديداً في حقه، ونظائر هذا كثيرة. ثم إنما تعتبر الإقالة فسخاً في حق المتعاقدين فيما كان من موجبات البيع، فأما ما لم يكن من موجبات البيع وإنما ثبت

стр. 2844

بأمر زائد أو شرط زائد فالإقالة تعتبر بيعاً جديداً في حقه على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى. قال محمد ﵀ في «الجامع» : وإذا اشترى الرجل من رجل عبداً بكر من طعام وسط إلى أجل أو حالاً وتقابضا وقد كان أعطاه المشتري حنطة أجود من المشروط أو أردأ أو مثل المشروط، ثم تقايلا لا يلزمه رد المقبوض بعينه وإن كان قائماً؛ لأن الطعام في هذه المسألة ثمن ولهذا جاز الاستبدال به، والأثمان لا تتعين عند الفسخ كما لا تتعين عند البيع. وكذلك الجواب فيما إذا كان الرد بالعيب بعد القبض بغير قضاء، وإذا لم يجب رد الطعام بعينه في هاتين الصورتين يرد مثل الذي كان مشروطاً أو يرد مثل المقبوض لم يذكر محمد ﵀ هذا الفصل في الكتاب نصاً، عامة المشايخ على أنه يرد مثل المشروط، وهذه الصورة ألزمه تفاوت ما بين المقبوض والمشروط وهو تفاوت ما بين الوسط والرديء بسبب تبرعه؛ لأن حقه كان في المشروط، فهو إذا تجوز بالرديء فقد تبرع بمقدار ذلك، فلو لزمه رد مثل المشروط لزمه ذلك التفاوت بسبب تبرعه وإنه لا يجوز. ثم على قول عامة المشايخ فرق بين الإقالة بعد القبض والرد بالعيب بغير قضاء وبين الرد بالعيب قبل القبض أو بعد القبض بقضاءٍ فقال: إذا كان الرد بالعيب قبل القبض كيف ما كان أو كان الرد بعد القبض بقضاء يلزمه رد مثل المقبوض لا رد مثل المشروط، والفرق: أن الرد بالعيب قبل القبض بقضاءٍ أو بغير قضاءٍ وبعد القبض بقضاءٍ فسخ من كل وجه في حق الكل وليس ببيع جديد، ولهذا لا يتجدد للشفيع حق الشفعة. وإذا انفسخ البيع من كل وجه فيما يستقبل من الأحكام صار وجود البيع وعدمه بمنزلة، ولو عدم البيع ووجب على القابض رد المقبوض بعد ما ملكه بسبب صحيح لزمه رد مثل المقبوض كما في العوض كذا ههنا. أما الإقالة والرد بالعيب بعد القبض إذا كان بتراضيهما بمنزلة بيع جديد ولهذا يتجدد للشفيع حق الشفعة، فإذا كان بمنزلة بيع جديد صار كأن المشتري باع العبد من البائع ثانياً بمثل الثمن المشروط في البيع؛ لأن الإقالة بناء على العقد، فإنما تصح بما كان مشروطاً في أصل البيع فكأن المشتري باع العبد من البائع بمثل الثمن الأول الذي كان مشروطاً في البيع، ولو كان كذلك كان على البائع أن يعطي المشتري مثل الثمن (١١٩أ٣) المشروط في البيع ولا يلزمه رد مثل المقبوض كذا ههنا، فإن قيل: الإقالة والرد بالعيب بعد القبض بغير قضاءٍ إنما اعتبر بيعاً جديداً في الثالث أما في حق المتعاقدين اعتبر فسخاً حتى أن البائع بعد الإقالة لو باع العبد من المشتري ثانياً قبل القبض يجوز، كما لو كان الرد بقضاءٍ أو قبل القبض بغير قضاءٍ ولو باعه من غيره لم يجز؛ لأنه في حق الثالث بيع جديد فصار بائعاً المبيع قبل القبض. إذا ثبت هذا فنقول: وجوب رد مثل المقبوض أو رد مثل المشروط في البيع في حق المتعاقدين فتعتبر الإقالة في هذا فسخاً وإذا اعتبر فسخاً يجب أن يعتبر الفسخ المقبوض لا بمثل ما كان مشروطاً في البيع.

стр. 2845

والجواب: أن الإقالة فسخ فيما بين المتعاقدين من موجبات البيع وهو ما يثبت بين البيع من غير شرط فصيرورة العين مبيعاً من موجبات البيع، فإنه يثبت من غير شرط فتعتبر الإقالة فسخاً في حق العبد فيما بينهما فيكون العبد عائداً إلى البائع بحكم الفسخ لا ببيع جديد فكان له أن يبيع العبد من المشتري قبل القبض كما لو كان الرد بقضاءٍ، فأما ما لم يكن من موجبات البيع فإنما يثبت بأمر زائد أو بشرط زائد فالإقالة تعتبر بيعاً جديداً في حقه، وإن كان ذلك في حق المتعاقدين. الدليل على صحة هذا مسألتان ذكرهما محمد ﵀ في «الزيادات» : إذا كان لرجل على غيره ألف درهم مؤجل باعه المطلوب بذلك عبداً قبل حلول الأجل أو صالحه من ذلك على عوض، قال: يبرأ المطلوب من الدين كما لو عجل الدين، فلو أن مشتري العبد وجد بالعبد عيباً بعد القبض فرده بغير قضاءٍ، قال: يعود الدين على الطالب حالاً لا مؤجلاً كأن الطالب باع العبد في المطلوب ثانياً بألف درهم، واعتبرت الإقالة والرد بالعيب بغير قضاء في حق الأجل بيعاً جديداً، وإن كان من حقهما لهذا المعنى أن الأجل ليس من موجبات البيع، فإنه لا يثبت بنفس البيع، وإنما يجب بشرط زائد، وبمثله لو كان الرد بالعيب في هذه المسألة قبل القبض بغير قضاءٍ، فالدين يعود مؤجلاً؛ لأن الرد بالعيب قبل القبض بغير قضاءٍ، وبعد القبض بقضاءٍ فسخ من كل وجه، فإذا انفسخ البيع الأول من كل وجه، صار وجوده وعدمه بمنزلة، ولو عدم البيع كان الدين على المطلوب مؤجلاً. المسألة الثانية: إذا اشترى عبداً فوجد به عيباً بعد القبض فرده بغير قضاءٍ، ثم جاء رجل وادعى أن العبد له، وأقام على ذلك شاهدين أحد الشاهدين مشتري العبد، قال: لا تقبل شهادته، واعتبر هذا بيعاً جديداً في حق الشهادة؛ لأنه ليس من موجبات البيع فصار كأن المشتري باع العبد ثانياً من بائعه وشهد للمدعي بالملك، ولو كان كذلك لا تقبل شهادته؛ لأنه ساعي في نقض ما تم به وبمثله لوروده بقضاء قاضي، أو بغير قضاءٍ قبل القبض تقبل شهادته واعتبر البيع منفسخاً من كل وجه، وإذا انفسخ البيع من كل وجه صار وجود البيع وعدمه سواء، ولو عدم البيع كان يقبل شهادته للمدعي فهنا كذلك، فعلم أن الإقالة والرد بالعيب بعد القبض بغير قضاءٍ، وإنما تعتبر فسخاً في حق المتعاقدين فيما كان من موجبات البيع، فأما ما لم يكن من موجبات البيع فاعتبر شراءً جديداً في حقه كما يعتبر شراءً جديداً في حق الثالث. إذا ثبت هذا فنقول: زيادة الجودة على المشروط في أصل البيع ونقصان الجودة ليس من موجبات البيع، فإنه لا يجب ذلك بالبيع، وإنما وجب بعارض آخر، وهو أن المشروط الجودة، أو إبراء البائع المشتري عن الجودة، وإذا لم يكن ما حصل من الجودة فللبائع من موجبات البيع اعتبرت الإقالة في ذلك بيعاً جديداً، وإن كان ذلك من حقهما، وإذا اعتبر بيعاً جديداً صار كأن المشتري باع العبد ثانياً من البائع بمثل الثمن الأول، ولو كان كذلك لا يجب على البائع رد مثل المقبوض، وإنما يجب عليه رد مثل المشروط في أصل البيع فكذا ههنا، وإذا كان فسخاً من كل وجه ظهر الفسخ في حقه كما ظهر في حق الأجل ولزمه رد مثل المقبوض لا رد مثل المشروط.

стр. 2846

وفي «القدوري» : وقبول الإقالة على المجلس؛ لأن الإقالة نظير البيع في حق ارتباط اللفظين بالآخر فيعتبر له المجلس كما في البيع، قال: الإقالة بلفظين، أحدهما: يعبر به عن المستقبل نحو أن يقول: أقلني فيقول: أقلت، وقال محمد: لا يقوم إلا بلفظين يعبر بهما عن الماضي اعتباراً بالبيع، ولهما أن الإقالة لا تكون إلا بعد نظر فتأمل، فلا يكون قوله أقلني مساومة بل كان تحقيقاً للتصرف كما في النكاح، وبه فارق البيع. وفي «نوادر ابن سماعة» قال: سمعت أبا يوسف ﵀ يقول في رجل باع رجلاً لبعد، ثم لقيه المشتري ولم يقبض البيع قال: إنك قد أغليت علي فلا حاجة لي فيما بعتني، فأقلني فقال البائع: قد أقلتك، قال: ينتقض البيع، وإن يقل (لم) المشتري: قبلت أو رضيت، وهذه الرواية عن أبي يوسف توافق القدوري عن أبي حنيفة، وأبي يوسف ﵀ قال: كذلك لو كان قال له المشتري: فافسخ البيع فيما بيني وبينك ففسخ كان جائز. وفي «المنتقى» عن محمد ﵀: مسألة تدل على أن قوله مثل قولهما، فإنه قال في رجل اشترى من رجل عنباً بألف درهم، ثم تقابضا، ثم قال المشتري للبائع: أقلني على أن أؤخرك ألف سنة فقال: قد فعلت جازت الإقالة ولم يجز التأخير، قال القدروي ﵀ أيضاً: وتصح الإقالة إذا كان المبيع قائماً أو بعضه ولا يعتبر قيام الثمن، يجب أن يعلم أن من شرط صحة الإقالة قيام العقد لكون الإقالة رفعاً للعقد، وقيام العقد بقيام المعقود عليه لا قيام المعقود به؛ لأن المعقود عليه محل إضافة العقد، ولا محل ثبوت حكمه، وما يكال ويوزن إذا كان موصوفاً في الذمة كان ثمناً، وإذا كان بعينه يكون مبيعاً. قال محمد في «الجامع الكبير» : رجل اشترى من آخر عبداً بكر حنطة بعينها وتقابضا فهلك العبد، ثم إنهما تقايلا العقد فيما بينهما جازت الإقالة؛ لأن الكر لما كان متعيناً كان هذا بيع العين بالعين، وفي بيع العين بالعين كل واحد منهما مبيع في حق نفسه ثمن في حق ما يقابله؛ لأن العقد لا بد له من معقود عليه، وليس أحدهما بأن يجعل معقوداً عليه أولى من الآخر فجعلنا كل واحدمن العوضين مبيعاً في حق نفسه ثمناً في حق ما يقابله، ولهذا لا يجوز الاستبدال بالكر قبل القبض لما فيه من استبدال المبيع قبل القبض، وإذا هلك قبل القبض، فسد العقد ولما كان كل واحد منهما معقوداً عليه في حق نفسه يبقى العقد ببقاء أحدهما فتصح الإقالة، وإذا صحت الإقالة لزم الآخر رد العبد وقد عجز عن رده بسبب الهلاك فيلزمه قيمته، وإذا باع العبد بكر بغير عينه وتقابضا فهلك، ثم تقايلا والكر فلم يعينه فالإقالة باطلة؛ لأن الكر إذا (١١٩ب٣) كان بغير عينه كان ثمناً، ولهذا لا يشترط فيه التأجيل، ولو كان مبيعاً فالمبيع لا يثبت في الذمة إلا مؤجلاً، وكذا لا يجوز الاستبدال به قبل القبض مع أن الاستبدال بالمبيع قبل القبض ممتنع، وكذلك لو تقايلا حال قيام العبد لا يلزم بائع العبد رد عين ما قبض من الكر، كما في الدراهم فكان ثمناً، ولما كان ثمناً لا يبقى العقد بيعاً به فلم يستقم رفعه.

стр. 2847

فرق بين هذا وبين ما لو أسلم عبداً في كر حنطة إلى أجل، ثم هلك العبد، ثم تقايلا على المسلم فيه ثمَّ يجوز، والفرق وهو: أن المسلم فيه مبيع بدليل عكس ماذكرنا من الأحكام ولما كان كذلك كان هذا بيع العرض بالعرض فهلاك أحدهما لا يمنع صحة الإقالة، أما ههنا بخلافه على ما مر. وإذا اشترى عبداً بدراهم وتقابضا، ثم تقايلا بعد ما هلك العبد، فالإقالة باطلة؛ لأن الدراهم ثمن من كل وجه فلا يبقى العقد ببقائها، ولو صح ما ذكرنا أن الثمن إنما يثبت له حكم الوجود في الذمة بالعقد، وما يكون وجوده بالعقد كان حكماً للعقد، وحكم العقد لا يكون محلاً للعقد؛ لأن محل العقد وشرط الشيء يسبقه وحكم الشيء يعقبه وبينهما تنافي. ولو اشترى عبداً بنقرة فضة إن كانت النقرة بغير عينها فكذلك الجواب، وإن كان بعينها لم تنتقض الإقالة بهلاك العبد لما مر، وإذا لم تنتقض الإقالة كان على الذي هلك العبد في يده قيمته دراهم أو دنانير. فرق بين هذا وبينما إذا كانت الإقالة على النقرة بعينها بعد هلاك العبد، فإن هناك قال: يقضي بالدنانير خاصة، والفرق وهو: أن ههنا الإقالة صحت على النقرة وعلى العبد، والربا لا يجري بين العبد والنقرة وهذه الحالة، وهو حال وجوب قيمة العبد حال بقاء الإقالة لا يجري الربا إذ الموجود في حالة البقاء ليس إلا القبض الذي له شبه بالعقد وأثره في إيجاب التصدق لا في جريان الربا، ووجوب التصدق حكم شيء بينه وبين ربه لا يدخل تحت القضاء فلم يجب القضاء بخلاف الجنس تحرزاً عن هذه الشبهة التي لا تدخل لها في القضاء لكن قيل: إن قضى بخلاف جنسه لا يجب عليه التصدق بشيء، وإن قضى بجنسه تصدق بالفضل تحرزاً عن الشبهة. كما لو اشترى عبداً قيمته ألفا درهم فقتل العبد قبل القبض وأختار المشتري أخذ القيمة قضى القاضي بالقيمة دنانير أو دراهم، لكن إن قضى بالقيمة دراهم بالفضل وإن قضى بالقيمة دنانير لم يتصدق بشيء كذا ههنا، أما فيما سبق الحال ابتداء الإقالة، فالإقالة عقد جديد في حق الثالث وحرمة الربا حق الشرع فصار في حق الشرع بمنزلة عقد مبتدأ على النقرة وعلى قيمة العبد، وفي حالة الابتداء يجري الربا وإنه يدخل تحت الحكم فيقضى بالدنانير تحرزاً عن الربا. وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد ﵀: رجل اشترى عبداً بألف درهم فلم يقبضه حتى قال المشتري للبائع: بعه فقيل هل يكون هذا نقضاً للبيع، فقد ذكرنا هذه المسألة مع أجناس في صدر هذا الكتاب إلا أن موضوع المسألة فيما وضع محمد ﵀ ثمة أن المشتري، قال للبائع: بعه فقيل، ثم باعه فهو مناقضة للبيع الأول، وموضوع المسألة ههنا أن المشتري قال للبائع: بعني فقيل هو مناقضة للبيع. وعنه في رجل اشترى من رجل عبداً فلم يقبضه حتى سأله البائع أن يبيعه إياه بألف درهم ففعل، لم تكن هذا مناقضة للبيع الأول.

стр. 2848

وفي «المنتقى» : رجل اشترى من رجل عبداً ودفع إليه الثمن ولم يقبض، ثم إن المشتري لقي البائع وقال: قد وهبت لك العبد والثمن لم تجز الهبة في الثمن، قال: لأني إنما جعلت قوله: وهبت لك العبد نقضاً للعبد فلا يمكنني أن أجعله هبة للثمن. وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: رجل اشترى من رجل عبداً بجارية وتقابضا، ثم تقايلا فدفع مشتري العبد العبد إلى بائعه، ولم يقبض الجارية حتى ماتت في يد مشتريها، فإن البيع يعود إلى حاله ويرد العبد إلى الذي كان في يده. وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: رجل باع عبداً بعبد وتقابضا فعمي أحدهما، ثم أقاله البيع، قال: إن كان يعلم بالعمى أخذه وليس له غيره، وإن لم يكن علم، فإنه يرد العبد ويأخذ قيمة عبده صحيحاً. إذا اشترى عبداً بألف درهم وتقابضا، ثم تقايلا، ثم قتله المشتري قبل أن يرده فقد ذهب بالثمن، وإن فقأ إحدى عينيه فالبائع بالخيار إن شاء أخذه بنصف الثمن وإن شاء ترك، وإن لم يفقأ عينه ولكن ذهبت من وجع، فإن شاء البائع أخذه بجميع الثمن، وإن شاء ترك. وفي «نوادر المعلى» عن أبي يوسف ﵀ قال أبو حنيفة ﵀: رجل اشترى من رجل عبداً، ثم قال للبائع قبل أن يقبضه: بعه، فإن أعتقه البائع فعتقه جائز عن نفسه، وقال أبو يوسف ﵀: باطل، قال أبو الفضل ﵀: يحتمل أن يكون وجه هذه المسألة أنه جعل قوله بعه بمنزلة الإقالة، وجعل عتق البائع بمنزلة قبول الإقالة على قول أبي حنيفة ﵀. وفي «المنتقى» : رجل اشترى من رجل عبداً بألف درهم وتقابضا، فقطعت يده عند المشتري فأخذ أرشها، ثم تقايلا البيع، فإن كان البائع علم بالقطع لزمته الإقالة بجميع الثمن ولا شيء له من الأرش، وإن لم يكن علم بالقطع، فهو بالخيار إن شاء أخذه دون الأرش بجميع الثمن، وإن شاء رده، وكذلك لو كانت جارية فولدت عند المشتري لم يبعها الولد في الإقالة. وفيه أيضاً: رجل باع عبداً بأمة وتقابضا، ثم باع نصف العبد، ثم إقالة البيع في الأمة جاز وكان له قيمة العبد والله أعلم. الفصل الحادي والعشرون: في الدعاوي والشهادة في البيع هذا الفصل يشتمل على أنواع: نوع منه إذا كانت الدار في يدي رجل ادعاها رجل أنه اشتراها وأقام على ذلك بينة فهذا على وجهين:

стр. 2849

الأول: أن تكون الدار في يد البائع وفي هذا الوجه لو شهد الشهود المشتري بمجرد الشراء منه يقضي له بالدار، وإن لم يشهدوا بالملك للبائع. الوجه الثاني: أن تكون الدار في يد غير البائع وذو اليد يدعي الدار لنفسه، وأنه على وجوه، فشهدوا أنه اشتراها من فلان فلم يزيدوا عليه، فإنما لا يقضي له بها ولا ينتقض يد ذو اليد بهذه الشهادة؛ لأنه لم يثبت الملك للمدعي بهذه الشهادة؛ لأنه لم يثبت إلا مجرد الشراء من فلان يوجب الملك للمدعي إن كان البائع مالكاً أو نائب المالك، وإن كان غاصباً لا يوجب الملك للمدعي فيقع الشك في نقض يد ذي اليد، فلا ينقض بالشك، وكان هذا بمنزلة ما لو شهدوا أنه كان في يد المدعي، ولم يزيدوا عليه، فإنه لا ينقض يد ذي اليد بهذه الشهادة، وإن ثبت حدوث يد ذي اليد؛ لأنه احتمل أن يد المدعي كان بحق فيجب نقضه بهذا الاعتبار، واحتمل أنه كان بغير حق فلا يجب نقضه فلم ينقض بالشك والاحتمال فكذلك هذا، ولا يقال (١٢٠أ٣) بأن الظاهر أن تكون يده يد الملك؛ لأنا نقول الظاهر يصلح حجة للدفع ولا يصلح حجة الاستحقاق وههنا حاجته إلى استحقاق اليد على ذي اليد. وإن شهدوا أنه اشتراها من فلان وهو يملكها، فإنه يقضي بذلك للمدعي وينقض يد ذي اليد؛ لأنه ثبت ملك المدعي بلا احتمال، فإنهم شهدوا بالملك للبائع، وإذا ثبت ملك البائع ثبت ملك المشتري بالشراء منه فينقض يد ذي اليد، كما لو شهدوا أنه ملك المدعي. وكذلك إن شهدوا أنه اشتراها من فلان وأنها لفلان تقبل شهادتهم؛ لأن شهادتهم أنها لفلان كشهادتهم أنه كان يملكها، وكذلك لو شهدوا أنها لهذا المدعي اشتراها من فلان يقضي بها للمدعي؛ لأنهم شهدوا بالملك للمدعي وشهدوا بالملك لبائعه، مقتضى شهادتهم بالملك للمدعي، فإن المشتري يملك من جهة البائع. وكذلك لو شهدوا أن فلاناً باعها منه وسلم إليه، فإنه يقضي للمدعي، وينقض يد ذي اليد وكان يجب أن لا يقضي وهو رواية القاضي أبو حازم عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله؛ لأنهم لم يشهدوا بالملك للمشتري نصاً، ولم يشهدوا بالملك للبائع ليكون شهادة بالملك للمشتري إذا ثبت شراء أو هبة إنما شهدوا بالبيع والتسليم، وكلا الأمرين قد يكون من المالك ومن نائبه، وقد يكون من الغاصب فصار هذا كما لو شهدوا أنه باعها وهي في يده يوم البيع ولم يزيدوا على ذلك، وهنا لا تقبل الشهادة كذا ههنا، إلا أن الجواب منه أن يقال: بأنهم بهذه الشهادة أثبتوا للمدعي يد ملك فينتقض يد ذي اليد، كما لو نصوا أنه كان في يده ملك، وإنما قلنا ذلك؛ لأنهم شهدوا للمدعي بيده مقرون بسبب الملك والشهادة للمدعي باليد مقروناً بسبب الملك فهي محتملة بين أن يكون يد ملك وبين أن لا تكون احتمالاً على السواء، فإذا اقترن به سبب الملك ترجح جانب يد الملك وسقط اعتبار احتمال أنه ليس بيد ملك، وإذا سقط هذا الاعتبار فكأنهم شهدوا نصاً أن يد المدعي يد ملك.

стр. 2850

ونظير هذا قالا: في شاهدين شهدوا بدار لرجل يدعيها في يد إنسان أنها كانت في يد ابنه وقت الموت، فإنه يقضى بالدار له وينتقض به يد ذي اليد؛ لأنهم شهدوا للمدعي بيد مقرون بسبب الملك؛ لأن ماكان في بدايته وقت الموت ينتقل إلى وارثه بعد الموت ويصير في يده فيكون شهادة له باليد مقروناً بسبب الملك؛ لأن الموت سبب ملك للوارث فيما تركه الميت للوارث فترجح يد الملك على يد غير الملك لما اقترن باليد سبب الملك، وإذا ترجح الملك صارت العبرة أو يقول الشهادة بالتسليم شهادة بالملك للبائع من حيث المعنى فيقبل كما لو شهدوا له بالملك نصاً. بيانه: أن التسليم إن كان تسليم مالك فلا شك أن يكون شهادة بالملك، وإن لم يكن تسليم مالك يصير مالكاً بالتسليم يصير عاجزاً عن الرد، وعجز الغاصب عن الرد يوجب الضمان والمضمون يصير مالكاً للضامن بالضمان كان بمنزلة الشهادة باليد عند الموت اعتبرت الشهادة بالملك عند الموت؛ لأن يد غير المالك تنقلب يد المالك بالموت بسبب العجز عن الرد بالتجهيل، وإذا شهدوا أنه كان في يد المدعي وقت البيع، فلا ذكر لهذا في «الأصل» . وقد اختلف المشايخ فيه ممن اختار العبارة الأولى في المسألة المتقدمة يقول: تقبل هذه الشهادة؛ لأن الشهادة باليد عند سبب..... شهادة بالملك كما لو شهدوا أنه كان في يده عند الموت، وهذا القائل لا يحتاج إلى الفرق بينما شهدوا أنه كان في يده يوم البيع، وبينما إذا شهدوا أنه كان في يده يوم الموت. ومن اختار العبارة الثانية في المسألة المتقدمة يقول: لا تقبل هذه الشهادة وهكذا روى هشام في «نوادره» عن محمد ﵀، وهذا القائل يحتاج إلى الفرق بين هذه المسألة وبينما إذا شهدوا أنها كانت في يده عند الموت، والفرق: أن الشهادة باليد عند البيع ليست بشهادة للملك للبائع؛ لأن يده إن لم تكن يد ملك لا تنقلب يد ملك بمجرد البيع لا يعجز عن التسليم ما دام في يده، فأما الشهادة باليد عند الموت شهادة بالملك له؛ لأن بالموت يعجز عن الرد فتنقلب يده بالموت يد ملك إن لم تكن يد ملك في الأصل. وأما إذا شهدوا أنه اشتراها من فلان وقبضها منه ولم يزيدوا على ذلك كان الجواب فيه كالجواب فيما إذا شهدوا أن فلاناً باعها منه وسلمها إليه؛ لأن الشهادة بقبض المشتري شهادة بتسليم البائع، ثم إذا قبلت الشهادة في هذه المسائل يثبت الشراء على البائع، وينتصب ذو اليد خصماً من البائع ويقوم إنكاره مقام إنكار البائع حتى لو حضر البائع، وأنكر البيع لا يلتفت إلى إنكاره. دار في يد رجل إدعاها رجل وشهد شاهدان أنه اشتراها منه إن سميا مقدار الثمن قبلت شهادتهما سواء شهدا بإستيفاء الثمن أو لم يشهدا؛ لأن المشهود به معلوم من كل

стр. 2851

وجه؛ لأن المشهود به في البيع المبيع والثمن، وكل ذلك معلوم فكانت الشهادة مقبولة، وأما إذا لم يسميا بأن لم يشهدا باستيفاء الثمن لا تقبل شهادتهما؛ لأن الثمن مجهول وهو مقضي به إذا لم يكن مستوفياً؛ لأنه لا بد للقاضي من القضاء بالثمن على المشتري حتى يمكن قبض المبيع من البائع، وإذا كان مقدار الثمن مجهولاً لا يمكنه القضاء، وإذا تعذر القضاء بالثمن تعذر القضاء بالمبيع وشهادة لا يمكن القضاء بها لا تقبل. وأما إذا شهدا بإستيفاء الثمن كانت الشهادة مقبولة، فإن كان مقدار الثمن غير مقضي به متى كان مستوفياً، فجهالته وهو غير مقصودة لا يصير ما هو مقضي به وهو المبيع معلوم، فإن أنكرت قضاء بهذه البينة فقبلت، وإذا ادعى على آخر أنك اشتريت مني هذه العين والمشتري يجحد، فجاء المشتري بشاهدين واختلفا في جنس الثمن أو في مقدار الثمن، فإنه لا تقبل شهادتهما على كل حال، وإذا كانت العين قائماً في يد المشتري، وذلك لأن المعقود عليه ما دام قائماً فالعقد مقضي به أيضاً، ألا ترى أنهما إذا تقايلا حال قيام المعقود عليه صحت الإقالة؟ ولا يمكن للقاضي أن يقضي بالعقد بما شهدوا؛ لأنهما شهدا بعقدين مختلفين؛ لأن العقد بألف غير العقد بألفين، ولهذا قلنا: إن الاختلاف لو وقع فيما بين المتعاقدين على هذا الوجه يتحالفان، وإذا كان العقد بألف غير العقد بألفين فقد شهد كل واحد منهما بعقد لم يشهد به صاحبه، وما غاب عن علم القاضي لا يثبت بشهادة واحد هذا إذا كان المبيع قائماً، فأما إذا كان المبيع هالكاً في يد المشتري، وادعى المشتري الشراء أو أنكر البائع، وقال: لا بل غصب مني فأقام المشتري شاهدين فاختلفا فهذا على وجهين. إما أن يختلفا في المقدار أو جنس الثمن، فإن اختلفا في جنس الثمن بأن شهد (١٢٠ب٣) أحدهما بألف درهم والآخر بمائة دينار، فإنه لا تقبل هذه الشهادة، وإن لم يكن العقد مقضياً به حال هلاك المعقود عليه حتى لو تقايلا لم تصلح الإقالة، وإنما المقضي به المال إلا أن الدعوى لو وقعت في مطلق المال، واختلفا على هذا الوجه لا تقبل شهادتهما؛ لأنه لابد للمدعي من أن يدعي أحد المالين، وأنه إذا ادعي أحدهما وقد كذب شاهد فلا تقبل شهادته، وأنه اختلفا في مقدار الثمن إن تخلل بين الإثنين حرف العطف بأن شهد أحدهما بألف والآخر بألف وخمسمائة، فإن كان المدعي يدعي أكثر المالين، فإنه يقبل هذه الشهادة على الأقل؛ لأن العقد غير مقضي به في هذه الإقالة فكأن الدعوى وقعت في مطلق المال. واختلف الشاهدان على هذا الوجه والمدعي يدعي أكثر وهناك تقبل الشهادة على الأقل عندهم جميعاً نص على هذا في كتاب الإجارات كذا هنا، وإن كان المدعي يدعي أقل المالين، فإن كان يدعي ألف درهم لا تقبل؛ لأنه كذب شهادة بالأكثر إلا أن يوفق المدعي فيقول: كان لي عليه ألف وخمسمائة كما شهد به الشاهد بالأكثر إلا أني استوفيت خمسمائة لم يعلم به هذا الشاهد إن وفق على هذا الوجه، فإنه يقضى له بألف درهم؛ لأن المانع من قبول الشهادة تكذيب الشاهد بالأكثر وقد زال التكذيب متى وفق المدعي على هذا الوجه فتقبل الشهادة.u

стр. 2852

فأما إذا لم يتخلل بين الأقل والأكثر حرف العطف بأن شهد أحدهما بالألف والآخر بألفين إن كان المدعي يدعي الأقل، فإنه لا تقبل هذه الشهادة عندهم جميعاً كما لو وقع الدعوى في مطلق المال؛ لأنه كذب شاهده بأكثر المالين إلا أن يوفق المدعي على قول أبي يوسف ومحمد، فيقول: كان لي عليه ألفان إلا أني استوفيت منه ألف درهم ولم يعلم به الشاهد بأكثر المالين فحينئذ تقبل الشهادة عندهما؛ لأن المانع من قبول الشهادة عندهما في هذا الفصل تكذيب الشاهد بأكثر المالين، وقد زال التكذيب فتقبل الشهادة كما لو تخلل بين المالين حرف العطف، وعند أبي حنيفة ﵀: أنه لا تقبل وإن وفق على هذا الوجه؛ لأن المانع من قبول الشهادة أنهما لم يتفقا على ألف لفظاً ولا يثبت اتفاقهما على ألف لفظاً ولا يبيعه هذا التوفيق، وإن كان المدعي يدعي أكثر المالين ألفي درهم، فالمسألة على هذا الوجه والاختلاف لا تقبل عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: تقبل هذه الشهادة. قال: وإذا ادعى رجل داراً في يدي رجل أنه قد اشتراها منه وأقام على ذلك شاهدين فشهدا أنه باعها وسميا الثمن، واتفقا عليه، غير أنهما اختلفا في الأيام أو البلدان، فإنه لا يمنع قبول الشهادة؛ لأن البيع تصرف قولي واختلاف الشاهدين في الزمان والمكان لا يمنع قبول الشهادة متى قامت الشهادة على القبول، ألا ترى أن العادة بين الناس أنهم يدورون على الشهود، وعند الإشهاد فتختلف الأماكن والأوقات ويكون الإقرار واحداً. قال: وإذا ادعى الرجل داراً في يدي رجل أنه اشتراها وأقام شاهدين عليها غير أنهما لا يعرفان الدار ولا الحدود ولا يسميان من ذلك شيئاً، فإن شهادتهما لا تقبل؛ لأنهما شهدا لمجهول؛ لأنهما لم يشيرا ولا حدود المشهود به، والتعريف في العقارات يقع بأحد هذين الأمرين، فإذا لم يوجد واحد منهما كان المشهود به مجهولاً، وجهالة المشهود به تمنع قبول الشهادة؛ لأنه لا يمكن القضاء بها، وإن قالا: قد سمى البائع والمشتري موضع الدار وحدودها وصفوا ذلك وسمو إلا أنا لا نعرف أن هذا المحدود هل هو في يد البائع أم لا؟ فإنه تقبل هذه الشهادة؛ لأن المشهود به معلوم، فإنهم حدوا الدار، والتعريف يقع بذكر الحدود في باب العقار إلا أنه لا يقضى بها متى أنكر المشهود عليه أن تكون الدار التي ذكرها الشهود وحدوها وهي الدار التي في يده الجواز أن يكون لهذا الدار التي ادعاها الحدود التي ذكرها الشهود، ويحتاج المدعي إلى إقامة بينة أخرى، أن الدار التي ادعاها المدعي بهذه الحدود التي ذكرها الشهود، فإذا أقام بينة أخرى على هذا الوجه قضي بالدار. ونظير هذا: ما قالوا في رجل جاء بكتاب قاض إلى قاض أن فلاناً وفلاناً شهدا عندي أن لفلان بن فلان على فلان بن فلان كذا وكذا ديناراً فأحضر المدعي أنه فلان بن فلان، وأنكر الرجل أن يكون بن فلان ما لم يقم المدعي بينة أخرى أن هذا الرجل فلان بن فلان، فإنه لا تقبل بينته كذا ههنا، وإذا كان المشتري يجحد الشراء، والبائع يدعيه فالجواب فيه

стр. 2853

كالجواب فيما إذا كان يدعيه المشتري، فإن القاضي يحتاج إلى أن يقضي بالثمن إذا كان البائع مدعياً كما يحتاج لو ادعاه المشتري، فيكون الجواب في الفصلين واحد. وإذا كانت الدار في يد رجل، فأقام على ذلك الرجل شاهدين أنها داره ابتاعها من فلان، وأقام الذي في يديه بينة أنها داره ابتاعها من ذلك لفلان أيضاً، فهذه المسألة على ثلاثة أوجه: إما أن تكون الدار في أيديهما أو في أيد أحدهما أو في يد البائع، وكل وجه من ذلك على أربعة أوجه: أما إن أرخا وتاريخهما على السواء أو تاريخ أحدهما أسبق من تاريخ آخر، أو لم يؤرخا أصلاً، أو أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر، فإن كانت الدار في أيديهما وقد أرخا وتاريخهما على السواء، أو لم يؤرخا، فإنه يقضى بالدار بينهما نصفين؛ لأنهما استويا في الدعوى والحجة واليد فتستويان البينة، فإنه يقضى بينهما نصفان فكذلك هذا، وكذلك إذا أرخ أحدهما دون الآخر،، فإنه يقضي بالدار بينهما نصفان ولا يقضي بجميع الدار لصاحب التاريخ؛ لأن الذي لا تاريخ له ثابت بيقين وقع الشك في نصفها إن كان شراءه بعد شراء صاحب التاريخ وجب نقض يده، وإن كان قبله لا يجب نقضه وقد احتمل شراء الدار التي لا تاريخ له أن يكون سابقاً على صاحب التاريخ وأن يكون لاحقاً فقد وقع الشك في نقض يده فلا يجوز نقضها بشك ويخبر كل واحد منهما أثبت الشراء في الجميع ولم يسلم له إلا النصف فيخبره. كما لو اشترى داراً، ثم استحق نصفها، وإن أرخا وتاريخ أحدهما أسبق، فأسبق التاريخ أولى لوجهين: أحدهما: أن الثابت بالبينة العادلة كالثابت معاينة ولو عاينا شراء أحدهما سابقاً وشراء الآخر بعد ما كان السابق بينهما أولى، وإن كانت الدار في أيديهما، وكذا إذا ثبت بالبينة العادلة. والثاني: وهو بينة أسبقهما تاريخاً أكثر إثباتاً؛ لأنها تثبت ملكه منذ شهرين والآخر منذ شهر فكانت بينة من أسبق التاريخ أكثر إثباتاً فكان أولى، وإن كانت الدار في يد أحدهما، إن أرخا وتاريخهما على السواء أو لم يؤرخا، أو أرخ أحدهما فذو اليد أولى إن كان تاريخهما على السواء أو لم يؤرخا؛ لأنهما استويا في إثبات الشراء مما يتأكد باليد فيكون صاحب اليد، وأنه يثبت آكد لشيئين أولى كالعتق مع الشراء إذا اجتمعا (١٢١أ٣) كان العتق أولى؛ لأنه آكد فكذلك هذا، وكذلك إن أرخ أحدهما فصاحب اليد أولى؛ لأن يده ثابتة بيقين وقع الشك في نقض يده إن كان شراء الذي لا تاريخ به سابقاً على يده وجب نقض يده، وإن كان لاحقاً لا يجب نقض يده وقد احتمل كلا الأمرين، فلا ينقض يده بالشك. وإن أرخا وتاريخ أحدهما أسبق كان أسبقهما تاريخاً أولى سواء كان في يده أو في يد الآخر إن كان أسبقهما تاريخاً ذو اليد فلا إشكال؛ لأنه من غير تاريخ كان أولى، وإن كان أسبقهما تاريخاً من الآخر فكذلك أولى؛ لأن الثابت بالبينة العادلة كالثابت معاينة؛ ولأنه أكد ثباتاً.

стр. 2854

إن كانت الدار في يد البائع إن أرخا وتاريخهما على السواء أو لم يؤرخا فالدار بينهما نصفاً ويجبر كل واحد منهما استويا في الدعوى والحجة، وإن كان تاريخ أحدهما أسبق فالسابق أولى كما لو ثبت الأمر أن متعاينة، فأما إذا أرخ أحدهما ولم يؤرخ الآخر، فإن صاحب التاريخ أولى. فرق بين هذا وبينما إذا كانت الدار في يد أحد المشتريين، وقد أرخ الخارج ولم يؤرخ ذو اليد، ذكر أن ذا اليد أولى من صاحب التاريخ، ووجه الفرق بينهما: وهو أن الدار متى كانت في يد البائع لو جعلنا صاحب التاريخ أولى نقل بعض ما هو ثابت، ومتى جعلنا صاحب الإطلاق أولى أنكر بعض ما هو الثابت وتقليل نقض ما هو الثابت أولى، وإنما قلنا ذلك؛ لأنا متى جعلنا صاحب التاريخ أولى نقضنا بشراء الآخر غير أنه لم يثبت الشراء ومتى قضينا للذي لا تاريخ له فقضينا على صاحب التاريخ شراءه وتاريخه بعدما ثبت الأمران بالبينة وتقليل نقض ما هو الثابت أولى من تكثرة بخلاف ما لو كان في يد أحد المشتريين حيث قضي لذي اليد ولا يقضى لصاحب التاريخ حتى نقل بعض ما هو الثابت، وذلك لأنا متى قضينا لصاحب التاريخ يحتاج إلى أن ينتقض الشراء على ذي اليد ويده ثابت معاينة، والثابتة معاينة فوق الثابت بالبينة فيكون نقض الثابت معاينة وهو أكثر من نقض الثابت بالبينة وهو التاريخ، فإذاً من حيث المعنى لا فرق بينهما؛ لأنا في الموضعين نقضي على وجه نقل النقض هذا الذي ذكرنا كله إذا ادعيا يلغي الملك من وجه واحد، فأما إذا ادعيا تلقي الملك من وجه. اثنين ادعى أحدهما أنه اشترى هذه الدار من زيد، وادعى الآخر أنه اشتراها من عمرو وأقاما جميعاً البينة فهذا لا يخلو من وجهين: إما أن تكون في أيديهما أو أيد أحدهما، إن كان في أيديهما يقضي بالدار بينهما؛ لأن كل واحد منهما بينة يثبت الملك لبائعه؛ لأن الملك لبائعه غير الثابت باتفاق صاحبه فكأن البائعين حضرا وادعيا، وأقام البينة على الملك والدار في أيديهما، وهناك المدعي بينهما يكون نصفين؛ لأنهما استويا في الدعوى والحجة واليد، فكذلك إن كان في أيد أحدهما فالخارج أولى بخلاف ما إذا ادعيا تلقي الملك من وجه فلا يقضي لذي اليد. ووجه الفرق بينهما: أنهما متى ادعيا تلقي الملك من وجه اثنين فكل واحد منهما يحتاج إلى إثبات الملك لبائعه فيجعل كأن البائعين حضرا وادعيا ملكاً مطلقاً والدار في أيد أحدهما وأقام البينة. ولو كان كذلك كان الخارج أولى فكذلك هذا، وأما إذا ادعيا تلقي الملك من جهة واحدة فكل واحد منهما يحتاج إلى إثبات الملك لبائعه ثابت بتصادقهما، وإنما يثبت كل واحد منهما بينة الملك بسبب الشراء وذو اليد آكد الشرائين والقضاء للآكد أولى إذا تعذر العمل بهما، كالرهن مع الشراء هذا إذا ادعيا تلقي الملك من جهة اثنين من غير التاريخ، فإن ادعيا مع ذلك تاريخاً أو ادعاه أحدهما فهذا وما لو ادعيا ملكاً مطلقاً سواء؛ لأن كل واحد منهما يحتاج إلى إثبات الملك بملكيته، فكأن كل واحد من المالكين حضر وادعى الملك لنفسه، وسيأتي الكلام في دعوى الملك المطلق في كتاب الدعوى إن شاء الله تعالى.

стр. 2855

قال: وإن كانت الدار في يدي رجل فأقام عليها رجل البينة أنه اشتراها من ذي اليد بألف درهم، وأقام الذي في يديه البينة أنه باعها منه بألفي درهم ولا يدري التاريخ بين البيعين، فإنه يقضي بألفي درهم ببينة البائع؛ لأن القضاء بالعقدين متعذر؛ لأن أحدهما يفسخ الأول لا محالة وبأخذهما بعينه متعذر؛ لأنه ليس أحدهما بأن يعتبر بأولى من الآخر، فإذا تعذر القضاء بالعقدين، وبعقد واحد، يجعل كأن الدعوى وقعت في مطلق المال كما لو حصل الدعوى بعد هلاك المبيع، ولو وقع الدعوى في مطلق المال ادعى أحدهما العين، وأقر المدعي قبله بألف وأقاما جميعاً البينة كان بينة صاحب العين أولى لوجهين؛ الأول: أنه أكثر إثباتاً، والثاني: أنه يثبته ببينة دعواه والآخر يثبت إقراره لغيره والبينة مشروعة على إثبات الدعوى لا على الإقرار لغيره فكذلك هذا. ولو أقام البائع البينة أنه باعها بعبد أو طعام وأقام المشتري بينة أنه اشتراها منه بألف درهم كانت بينة البائع أولى، ولا تجيء العلة الأولى التي ذكرنا في الفصل الأول أنه بينة البائع أولى، ولا تجيء العلة الأولى التي ذكرنا في الفصل الأول أن إلي أكثر إثباتاً يثبت زيادة؛ لأن الزيادة إنما تتحقق في جنس واحد ولا تتحقق في جنسين، وإنما تجيء العلة الأخيرة وهو أن البائع بببنته يثبت دعواه على المشتري والمشتري ببينته يثبت إقراره بألف للبائع والبينات مشروعة لإثبات الدعوى على الغير لا لإثبات إقرار الغير، فإن من أقر لإنسان ورد المقر له إقراره، فأراد إثبات إقراره بالبينة لا تقبل بينتهُ. هذا معنى قولهم: إن البائع أثبت لنفسه والمشتري لغيره، فكان البائع أشبه بالمدعي عين فكذلك هذا، قال: ولو أقام المشتري البينة أنه ابتاع هذه الدار ودار أخرى بألف درهم وأقام البائع البينة أنه باع هذه الدار وحدها بألفين أجزت البيع فيهما جميعاً بألفين؛ لأن القضاء بالعقدين متعذر؛ لأن الدار متى بيعت مرة أخرى لا يمكن أن تباع (مرة) أخرى مع آخر ما لم يشترها البائع ثانياً والشهود لم يشهدوا بذلك، وإذا تعذر القضاء بالعقدين لزمنا قبول البينتين؛ لأن كل واحد منهما يثبت زيادة فوجب قبول بينة كل واحد منهما في إثبات الزيادة. قال: إذا كانت الدار في يدي رجل فأقام بينة أنه باعها من فلان بألف درهم في رمضان، وأقام فلان البينة أنه اشتراها في شوال بخمسمائة، فإنه يقضي بالشراء بخمسمائة؛ لأن الثابت بالبينة العادلة إذا قبلت كالثابت معاينة، ولو عاينا الشراء الآخر بخمسمائة، فإنه ينتقض البيع بألف درهم؛ لأن القضاء بالعقدين وبعقد واحد بعينه متعذر على ما بينا فتعتبر الدعوى في مطلق المال، ادعى أحدهما بألف والآخر بخمسمائة وأقام البينة كان كذلك تقبل بينة من يثبت (١٢١ب٣) ألف للوجهين اللذين ذكرنا فيما تقدم. قال: وإذا ادعى الرجل داراً في يدي رجل وأقام بينة أنه اشتراها بألف درهم والبائع يقول: لم أبع شيئاً وأقام البائع البينة على أنه قد رد عليه الدار، فإني أقبل ذلك منه وأنقض البيع، هكذا ذكر في كتاب الدعوى، ويجب أن لا تقبل بينة البائع، وذلك لأن البائع ناقض في هذه الدعوى؛ لأنه زعم أولاً أنه لم يبع، ثم ادعى الفسخ حين ادعى

стр. 2856

الفسخ لا يصح إلا بعد البيع فكان مناقضاً في الدعوى. والمناقضة في الدعوى تمنع صحة الدعوى فكان يجب أن لا تقبل بينة البائع على الفسخ بعدما جحد البيع إلا أن الجواب عنه في وجهين: الأول: المناقضة إنما تتحقق بين الدعوى إذا لم يمكن التوفيق بينهما، وههنا التوفيق ممكن بين الكلامين بأن يقول البائع: لم أبع شيئاً لنفسي، وإنما باع وكيلي، ثم فسخت البيع بعد ذلك نفي، وإذا أمكن التوفيق بين الكلامين من هذا الوجه يوفق ويحمل عليه حملاً لأمره على الصلاح، وإذا حمل عليه يجعل كالمنصوص عليه فكأن البائع قال: لم أبع بنفسي وإنما باع وكيلي، ثم استحقت العقد معك وأقام على ذلك بينة، ولو كان كذلك تقبل بينة البائع على الفسخ فكذلك هذا. ونظير هذا ما قالوا فيمن ادعى على آخر ديناً فقال المدعي قبله لم يكن لك علي دين فأقام المدعي بينة على الدين، ثم ادعى قبله الإيفاء أو الإبراء وأقام على ذلك بينة قبلت بينته؛ لأن التوفيق بين الكلامين ممكن بأن يحمل قوله: لم يكن لك دين حين أنكرت؛ لأني قضيت ذلك أو أبرأتني، فكذلك هذا التوفيق بين الدعوتين ممكن فتوفيق القاضي أنهما حملاً لأمر البائع على الصلاح، فإن الظاهر من حال العاقل أن لا يناقض في كلامه، ومحمد ﵀ لم يذكر توفيق المدعي والمسألة مجهولة على أنه وفق إلا أنه يذكر في بعضها توفيق المدعي ولا يذكر في البعض. والثاني: وهو أن قوله فسخت البيع؛ لأن جحود البيع فسخ، ألا ترى أنهما لو تبايعا، ثم تجاحدا لفسخ البيع بينهما كما لو تقايلا فيكون جحود أحدهما دعوى الفسخ؟ فكأن البائع ادعى الفسخ أول مرة وأنكر المشتري، ثم أقام البائع البينة على الفسخ، ولو كان كذلك تقبل منه بينة البائع على الفسخ فكذلك هذا. نوع منه قال محمد ﵀: في «الزيادات» : رجل باع عبد رجل من رجل، ثم اختلف البائع والمشتري فقال البائع: أمرني صاحب العبد بالبيع وقال المشتري: لا بل (لم) يأمرك به، ادعى المشتري عدم الأمر وادعى البائع الأمر فالقول قول من يدعي الأمر؛ لأن دخولهما في هذا العقد وهما عاقلان اعتراف بينهما لصحته ونفاذه، والنفاذ في ملك الغير لا يكون إلا بالأمر فمن يدعي عدم الأمر يدعيه بعد الإقرار بالأمر فيكون مناقضاً، فإن أقام المدعي لعدم الأمر بينة، صاحب العبد لم يأمره بالبيع لم تقبل بينته؛ لأن هذه البينة قامت على النفي؛ ولأن البينة إنما تسمع إذا ترك ثبت على دعوى صحيحة والدعوى ههنا لم تصح لمكان التناقض. وكذلك لو أقام بينة على إقرار صاحبه إن صاحب العبد لم يأمره بالبيع لا تقبل بينته؛ لأن الدعوى لم تصح على عدم أمره، وكذلك لو لم يكن له بينة، فإن أراد أن يحلف صاحبه على ما ادعى من عدم الأمر لا يلتفت إلي ذلك؛ لأن الدعوى لم تصح والاستحلاف يترتب على دعوى صحيحة.

стр. 2857

وإن تصادق البائع والمشتري أن البيع كان بغير الأمر فذاك بينهما فسخ للعقد، والوكيل مع الموكل يفسخان العقد ويصح فسخهما. بيانه: أن دخولها في هذا العقد اعتراف منهما نفاذه وإقراره بأمر صاحب العقد واتفاقهما على عدم الأمر بعد ذلك يجعل اتفاقاً منهما على الفسخ فيجعل ذلك فسخاً منهما على طريق الابتداء على طريق نفي العقد في الأصل، وإنما يصح الفسخ بينهما لا على الموكل؛ لأن تصادقهما لا يعمل في حق الموكل ويجعل في حق الموكل هذا بيعاً مبتدأً، فإن حضر صاحب العبد وصدقهما ادعى لزمه الفسخ وهذا العبد إلى قديم ملكه؛ لأن فسخهما إنما لم يقبل في حق الموكل دفعاً للضرر حتى صدقهما فيما زعما، وإن كذبهما فيما زعما وقال: كنت أمرته فالبيع ماض في حقه صحيح في حقهما، ويجعل في حق الموكل كأن الوكيل اشتراه من المشتري. وهو نظير المشتري مع الوكيل إذا قالا: البيع بفسخ الإقالة فسخاً بينهما بيعاً مبتدأً في حق الموكل كذا ههنا، ثم يبطل الثمن على المشتري عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأن الفسخ قد صح فيما تلقهما والفسخ يبطل الثمن عن المشتري؛ لأن الوكيل بالبيع يملك إسقاط الثمن عن المشتري عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله بالفسخ كما يملك الإبراء ويضمن للموكل مثله كما في الإبراء، وعلى قول أبي يوسف لا يبطل الثمن عن المشتري؛ لأن عنده الوكيل بالبيع لا يملك إسقاط الثمن عن المشتري. وفيه أيضاً: رجل في يده مملوك لرجل قال رجل لصاحب العبد: آمرك أن تبيعه مني بكذا فصدقه صاحب اليد أو سكت وباع منه العبد وتقابضا، ثم حضر البائع عند القاضي وقال: إن صاحب العبد قد حضر وأنكر الأمر بالبيع، وأقام البينة على ذلك وأراد نقض البيع، أو أراد استحلاف المشتري على ذلك بأن لم يكن له بينة لا يلتفت إلى قوله؛ لأن هذه الدعوى منه لم تصح لمكان التناقض والسعي في بعض ما تم به، أما إذا صدق المشتري فيما قال فظاهر، وأما إذا سكت؛ فلأنه إنما باعه بناءاً على ما ادعى به الأمر فصار بمنزلة المقر بالأمر، ولم يذكر في «الكتاب» أن صاحب اليد لو كذب في دعوى الأمر وباعه بعد ذلك، والصحيح: أن الجواب فيه نظير الجواب فيما إذا تصدق أو سكت؛ لأنه إنما باعه بناءاً على دعوى الأمر فيعلق به حق الغائب فلا يملك إبطاله، وإن حضر صاحب المملوك عند القاضي وجحد الأمر بالبيع، ثم غاب وطلب البائع نقض البيع أجابه القاضي إلى ذلك؛ لأنه لما جحد الأمر عند القاضي، فقد ظهر عنده أن البائع كان فضولياً وإن العقد كان موقوفاً والفضولي يملك نقض العقد الموقوف، ويكون فسخ القاضي إعانة له لا أن يكون فسخاً على الحقيقة بخلاف الفصل الأول؛ لأن هناك القاضي لم يعاين جحود المالك، وإنما البائع يريد إثباته بالبينة بيمين المشتري، ولا بد لذلك من الدعوى الصحيحة، ودعوى البائع لم تصح، فإن طلب المشتري يمين المالك بالله ما أمره بالبيع فالقاضي لا يؤخر النقض لذلك ويقول له: انقض البيع ورد العبد على البائع وانطلق واطلب يمين المالك؛ لأن حق النقض قد ثبت للحال بدليل وهو جحود المالك الأمر؛

стр. 2858

لأن الشرع لما جعل القول قول المنكر فقد جعله حجة فيثبت به عدم الأمر من غير يمين؛ إذ اليمين شرع لنفي التهمة لا لكونه حجة مثبتة فهو معنى قولنا: إن حق النقض قد ثبت للحال بدليل، فلا يجوز تأخيره بطلبه اليمين على ذلك، ولو أن صاحب العبد لم يحضر ولم يجحد الوكالة حتى مات فورثه البائع فقال (١٢٢أ٣) إن صاحب العبد لم يأمرني بالبيع لا يلتفت إليه؛ لأنه ساع في نقض ما تم به. فإن قيل: ينبغي أن يلتفت إليه من حيث أنه صار بمنزلة الميت وقام مقامه ومن هذا الوجه لا يتحقق التناقض، ألا ترى أن صاحب العبد لو كان حياً فحضر وجحد الوكالة قبل ذلك منه؟ قلنا: إنما يلتفت إلى قوله إذا صار بمنزلة الميت قائماً مقامه في هذا العين، وشرط قيامه مقام الميت في هذا العين بقاء هذا العين على ملكه وذلك لا يثبت بمجرد قوله، فلهذا لا يلتفت إلى قوله، وكذلك لو طلب يمين المشتري على ذلك لا يلتفت إلى ذلك؛ لأن الدعوى لم تصح لما مر، وكذلك لو لم يمت رب العبد وادعى البائع أنه جحد الأمر، ووهب هذا العبد مني وسلمه إلي وصار العبد لي لا يلتفت إلى قوله؛ لأنه يدعي بطلان بيع أقر بصحته متناقضاً ساعياً في نقض ما تم به. بيانه: أنه يدعي أن ذلك العقد كان موقوفاً، وإن العبد صار ملكاً لي بالهبة فطرأ الملك البات على الملك الموقوف فأوجب بطلان العقد الموقوف فصار مدعياً انتقاض ما تم به فلم يصح، ولو مات صاحب العبد فورثه البائع وأقام بينة على أنه يثبت بينته على إقرار المشتري بطلان حقه ولا يريد إبطال ما أوجبه بل يقول: أوجبت البيع وألزمت التسليم إلا أن المشتري نقض وأبطل ما أوجبت البيع له فانعدم التناقض من جهة البائع، والمشتري في دعوى النقض في هذه الفصول بمنزلة البائع؛ لأنه أحد المتعاقدين، وإن حضر صاحب العبد من المشتري كان له ذلك؛ لأن العبد كان مملوكاً له لو خرج عن ملكه إنما يخرج إذا حصل البيع من البائع بأمره، وقوله في إنكار الأمر مقبول إذا لم يبين منه ما يجعله متناقضاً في إنكار الأمر فلم يثبت الأمر فبقي العبد على ملكه كما كان فكان له أن يأخذ العبد وعليه اليمين إن طلب المشتري ذلك لاحتمال النكول، وإن كان المشتري غائباً فلا سبيل له على العبد؛ لأن العبد في يد المشتري حقيقة وقد صار مملوكاً له ظاهراً؛ لأنا حكمنا بصحة البيع ظاهراً؛ لأنه إنما اشتراه بناءاً على ظاهر الوكالة فلا بد من نقض العقد وإبطال يد المشتري ليتمكن المولى من أخذه، وفي ذلك قضاء على الغائب وأنه لا يجوز، ولكن للمولى أن يضمّن البائع قيمة العبد؛ لأنه باعه بغير أمره وسلمه بغير أمره فوجب عليه قيمة العبد عند تعذر رد العبد كما في الغاصب إذا أبق المغصوب من يده، وللبائع أن يطلب يمين المولى، بالله ما أمره بالبيع لاحتمال النكول، فإن حلف أخذ قيمته وإن نكل بطل الضمان؛ لأنه صار مقراً.v وكذلك لو أقام البائع بينة على صاحب العهد في هذه الصورة أنه أمره بالبيع قبلت بينته لأنه بهذه البينة يسقط الضمان عن نفسه فكان خصماً فيه، وإن لم يجد بينة على ذلك وحلف الآمر فحلف حتى

стр. 2859

ضمن قيمة العبد للآمر سلم العبد للمشتري وكان الثمن للبائع؛ لأن البائع ملك بأداء الضمان فتبين أنه باع ملك نفسه وسلم ملك نفسه، ألا ترى أن الغاصب إذا باع المغصوب ثم ادعى الضمان نفد البيع وسلم العبد للمشتري كذا هذا. فإن قيل: الملك بالضمان يستند إلى وقت وجوب الضمان، وسبب وجوب الضمان هو التسليم دون البيع والبيع كان سابقاً على التسليم فيستند الملك إلى وقت البيع فينبغي أن لا ينفذ البيع. قلنا: الرواية محفوظة لمودع الوديعة وضمن القيمة للمودع أنه ينفذ بيعه. وطريقة أنه وإن كان أميناً في العين إلا أنه لما أشغل بالبيع وتبين لذلك جر القبض لنفسه فيصير ضامناً بالقبض السابق على البيع، فعند أداء الضمان يثبت الملك له من ذلك الوقت، فكان ثبوت الملك سابقاً على البيع والتسليم فيفسد البيع كذا هنا. ولو لم يحضر به العبد حتى مالت فورثة البائع ورجل آخر نصفين فأراد الوارث الآخر أن يأخذ نصف العبد وجحد الآمر المورث كان له ذلك؛ لأنه قام مقام الموروث في نصف العبد ولم يبق منه ما يجعله متناقضاً في جحود الأمر ولا ساعياً في نقض ما تم به، ولكن يحلف أولاً بالله ما يعلم أن المورث أمر بالبيع إن طلب المشتري يمينه؛ لأنه قام مقام المورث. ولو حضر المورث وجحد الأمر وطلب المشتري يمينه أن يحلف فكذلك ههنا، إلا أن المورث يحلف على الثبات بالله ما أمرت بالبيع؛ لأنه يحلف على فعل نفسه والوارث يحلف على العلم؛ لأنه يحلف على فعل الغير، فإذا حلف، إن نكل صار مقراً للأمر فلا يكون له على العبد سبيل ولكن يأخذ نصف الثمن لم يصر مقراً بالأمر فكان له أن يأخذ نصف العبد. ولو أراد البائع أن ينقض البيع في النصف الآخر ليس له ذلك لما قلنا من التناقض، والسعي في نقض ما تم به وكان للمشتري الخيار في النصف إن شاء أخذه بنصف الدين، وإن شاء رده؛ لأن الصفقة قد تغيرت عليه باستحقاق النصف، ودخله عيب الشركة فكان له الخيار لهذا، هذا الذي ذكرنا إذا اتفق البائع والمشتري يوم العقد أن العبد لفلان، فإذا لم يجز بينهما شيء من ذلك وقت العقد فقال البائع بعد بيع العبد: كان لفلان وقد بعتك بغير أمره وقال المشتري: لا أدري لمن كان هو فالقاضي لا يلتفت إلى قول البائع ولا ينقض البيع بينهما؛ لأن العقد قد صح من حيث الظاهر فيصير البائع بدعواه متناقضاً ساعياً في نقض ما تم به فلا يصل ذلك منه وكذلك إذا حضر فلان المقر له وصدق البائع فيما أقر به وأراد أخذ العبد ليس له ذلك إلا ببينة يقيمها على ملكه أو يستحلف المشتري فنكل بخلاف الوجه الأول؛ لأن في الوجه الأول البائع مع المشتري اتفقا على كون العبد ملكاً لفلان فجاز أن يعتبر قوله في إنكار الأمر، أما ههنا اتفقا على كون العبد ملكاً لفلان ليعتبر قوله في إنكار الآخر إذا اعتبر قوله إنما يعتبر في دعوى الملك لنفسه، ودعوى الإنسان الملك لنفسه من غير حجة مردود، فإن لم يكن له بينة وحلف المشتري، فنكل ودفع العبد إلى المقر له رجع المشتري بالثمن على البائع؛ لأن البائع كان مقراً بأن المبيع

стр. 2860

ملك المستحق وقد رجع المشتري إلى تصديقه بحكم النكول القائم مقام الأب فظهر أن البائع أخذ ما أخذ من الثمن بغير حق فكان للمشتري حق الرجوع عليه بالثمن، وإن لم يحضر المقر له حتى مات فورثه البائع، أن البائع أقام بينة أن العبد كان ملك الميت وقد بعته بغير أمره، ثم مات البائع وانتقض البيع لطروء الملك النافذ بحكم الإرث على ملك (١٢٢ب٣) . الموقوف فالقاضي لا يقبل بينته، ولو أراد أن يحلف المشتري على ذلك لا يحلف؛ لأن الدعوى منه لم تصح فكان التناقض والسعي في بعض ما تم به، فلا يترتب عليه سماع البينة والتحليف، وإن مات المقر له ورثه البائع ورجل آخر، فأقام الوارث الآخر بينة أن العبد كان لفلان الميت مات وتركه ميراثاً بيني وبينه، وأنه باع بغير أمره وصحح الميراث منه وقبل ذلك لعدم التناقض يقضي له بنصف العبد ولا يقضي بنصف البائع؛ لأنه لو قضى به البائع لا يصلح خصماً في ذلك، ودعواه فيه فاسدة فيه كيف يصح القضاء به للبائع والبائع لا يصلح خصماً فيه، ثم يسأل القاضي المشتري العبد كان للمقر، فإن قال: كان للميت وقد كان أمر البائع بالبيع فالقاضي لا يقضي بالبيع في النصف الباقي؛ لأن المشتري مع البائع تصادقا أن العبد كان للميت وقد كان أمر البائع بالبيع فالقاضي لا يقضي بالبيع في النصف الباقي؛ لأن المشتري مع البائع تصادقا أن العبد كان للميت، وأن البيع حصل بأمر المشتري يقر بالأمر صريحاً والبائع يقر بذلك مقتضي الإقدام على البيع، فإن إقدامه على البيع ولا يصح البيع في ملك الغير إلا بإذنه فقد تصادقا على الأمر، وعلى صحة البيع، ولكن تصادقهما يعمل في حقهما ولا يعمل في حق الوارث الآخر، فكان للوارث الآخر أن يأخذ نصيبه وبقي البيع في نصيب البائع. فإن قال: ينتقض البيع في نصيب البائع لحقه، ولكن لو أراد المشتري أن ينقض البيع فيه لتفرقة الصفقة وبدخول عيب الشركة فيه كان له ذلك، وإن أقال المشتري البيع كان للبائع أن يسلم له شيء من العبد ونقض البيع في كل العبد؛ لأن الملك يثبت للعبد في جميع العبد بإقالة الوارث الآخر البينة على ذلك؛ لأن أحد الورثة يتنصب خصماً عن الميت فيما يدعي للميت وصار البائع مستحقاً عليه بزعم المشتري، والشراء من المستحق عليه باطل فلهذا نقض البيع في الكل، قال ولو لم يمت رب العبد ولكن أقال، ثم أمر البائع بالبيع وأشهد على ذلك شهوداً، لو كان ذلك في غير مجلس القضاء، ووكل البائع بخصومة المشتري في ذلك لم يكن البائع وكيلاً؛ لأنه يصير ساعياً في بعض ما تم به، إذ جحود صاحب العبد في غير مجلس القضاء غير معتبر، فلا يصح ذلك منه، واستشهد في «الكتاب» أن الشيء في نقض ما تم من جهته مردود. فقال: ألا ترى أن بائع الدار إذا كان شفيع الدار وأراد أن يأخذها بالشفعة ليس له ذلك، وذلك لأجل أنه يسلم الشفعة مباشرة العقد بدليل أن المشتري إذا كان شفيعاً كان له حق الأخذ، وإن كان باشر العقد ولكن إنما كان ذلك؛ لأن البائع في نقض ما تم به والمشتري ليس ببائع في نقض ما تم به. قال في «الكتاب» أيضاً: ألا ترى أن البائع لا يصح وكيلاً عن الشفيع في طلب الشفعة، وإنما لم يصح لما قلنا، وهو السعي في نقض ما تم به.

стр. 2861

نوع آخر رجل اشترى من رجل بيتاً بألف درهم وتقابضا، ثم ادعى المشتري أن الطيسلان كان لابنه يوم اشترى، فإن أباه مات وترك ميراثاً له لا وارث له غيره وأراد الرجوع على البائع بالثمن لم يسمع دعواه وأقام على ذلك بينة لم تقبل بينته؛ لأنه بالإقدم على الشراء صار شراء بالملك للبائع على رواية «الجامع» ، وعلى رواية «الزيادات» صار مقراً بصحة الشراء على الروايات كلها فبدعواه للأب والإرث من جهته يصير متناقضاً ساعياً في نقض ما تم به فلا تصح دعواه ولا تقبل بينته، ولو كان الأب حياً وادعى الطيلسان لنفسه، وأقام على ذلك بينة تصح دعواه قبلت بينته بعد ذلك، فورث الأب الطيلسان سلم له، ولم يكن للبائع على الطيلسان سبيل. أما على رواية «الجامع» ؛ فلأنه وإن صار مقراً بملك الطيلسان للبائع ولكن إقراره حصل في ضمن الشراء وقد بطل الشراء بالقضاء بالطيلسان للأب فبطل الإقرار الحاصل في ضمنه، وعلى رواية «الزيادات» المشتري صار مقراً بصحة الشراء لا يملك الطيلسان للبائع إلا أن القاضي لما قضى بالطيلسان للأب تبين أن الشراء لم يكن له حق البيع فصار مكذباً في إقراره فالتحق بالعدم. وكذلك لو قضى القاضي بالملك للأب فلم يقبضه الأب حتى مات فورثه الأب كان الطيلسان له ميراثاً؛ لأن الملك تقرر للأب بقضاء القاضي، فلا يبطل بالموت للأب، وإن كان القاضي لم ينقض للأب بالطيلسان حتى مات بطلت البينة، ولم يكن له على البائع سبيل؛ لأن دوام الخصومة إلى وقت القضاء شرط صحة القضاء وقد انقطعت خصومة الأب بالموت، والابن لا يصلح خصماً لكونه متناقضاً، فإن كان الأب قد ترك ابناً آخر غير هذا المشتري كان هو على حجته يعني في البينة التي أقامها الأب في البينة التي بينها بنفسه؛ لأنه لم يسبق منه ولا من أبيه ما يوجب المناقضة ولكن القاضي إنما يقضي بنصف الطيلسان، وذلك حصته وكان ينبغي أن يقضي تلك الطيلسان؛ لأن أحد الورثة ينتصب خصماً عن الميت في جميع ما يدعي له كما ينتصب خصماً عنه في جميع ما يدعي عليه، ولو كان الميت حياً ليس له أن يقضي بكل الطيلسان كذا ههنا. وجوابه: أن القضاء يقع للوارث من وجه من حيث أن الملك في العين يثبت للوارث ويقع للمورث من وجه فمن حيث إنه يقع للمورث يصلح الابن الآخر خصماً في النصف الآخر ومن حيث إنه يقع للوارث ففي نصيب الصلح يصير خصماً إذ لا مناقضة فيه، وفي نصيب الابن المشتري يكون نائباً عنه فلا يصلح خصماً، كما لو كان الابن المشتري حاضراً. ولو كان حاضراً بنفسه لا يسمع خصومة فكذلك ههنا فامتنع القضاء به، ثم إذا قضى القاضي بالنصف للابن الآخر والابن المشتري بالخيار في النصف الباقي؛ لأن بعض المبيع استحق من يده، فإن اختار امساكه لزمه نصف الثمن، وإن اختار رده لا يلزمه شيء ولو كان المشتري أقر عند البيع صريحاً أن الطيلسان للبائع، ثم اشتراه منه، ثم

стр. 2862

استحق الطيلسان والد المشتري وقضى القاضي له بالطيلسان، ثم مات الوالد فورث الابن الطيلسان منه فهذا على وجهين. إن لم يرجع الابن المشتري بالثمن على البائع سلم الطيلسان للابن المشتري فلا رجوع له بالثمن على البائع؛ لأن المشتري لما أقر بالملك للبائع صريحاً فقد أقر أن البيع كان صحيحاً فهذا الإقرار منه لم يبطل في حقه بقضاء القاضي؛ لأن في زعمه أن الشهود شهدوا بزور وأن القاضي أعطاه في قضائه فحين مات الأب سلم الطيلسان له بجهة البيع لا بجهة الإرث فلا يكون له حق الرجوع على المشتري بالثمن بخلاف الوجه الأول، وهو ما إذا لم يكن أقر الابن المشتري بالملك للبائع صريحاً؛ لأن الإقرار هناك (١٢٣أ٣) يثبت في ضمن الشراء وقد بطل الشراء بقضاء القاضي فيبطل ما يثبت في ضمنه فسلم الطيلسان للأب بحكم الإرث لا بحكم البيع، فكان له أن يرجع بالثمن على بائعه وإن كان الابن قد رجع على البائع بالثمن قبل موت المورث، ثم مات الأب، وورث الابن الطيلسان ليس له ذلك ويرد الثمن على البائع؛ لأن البائع مع المشتري وإن تصادقا أن البيع قد صح، وأن القاضي أخطأ في قضائه إلا أن المشتري لما رجع على البائع بالثمن فقد رضي بانفساخ البيع وإنفسخ العقد في حقه فلا يكون له أن يلزم البائع بالبيع وقد انفسخ العقد في حقه ولكن البائع بالخيار، إن شاء استرد الطيلسان وترك الثمن في يد المشتري؛ لأن البيع لم ينفسخ في حق البائع برجوع المشتري عليه بالثمن؛ لأنه يلزم لكن راضياً بالفسخ. ألا ترى أنه احتيج فيه إلى قضاء القاضي بل يوقف على إجازته، فإن شاء أجاز الفسخ وأخذ الطيلسان على المشتري واسترد الثمن قبل هذا على قول محمد؛ لأن قضاء القاضي بالفسخ لم ينفذ باطناً عنده فكان البائع بالخيار، إن شاء أبطله، فأما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر فقضاء القاضي بالفسخ نفذ باطلاً فلا يكون للبائع الخيار، فيأخذ الطيلسان من المشتري ليترك الثمن عليه. وإن كان الرجوع بالثمن بغير قضاء القاضي فالثمن يسلم للمشتري ويؤمر برد الطيلسان على البائع؛ لأن العقد قد انفسخ فيما بينهما بتراضيهما فيسلم الثمن للمشتري ويؤمر المشتري برد الطيلسان على البائع؛ لأن المشتري قد كان أقر صريحاً أن الطيلسان للبائع ولم يبطل هذا الإقرار فيؤمر بتسليم الطيلسان إليه لهذا. نوع آخر فيه من المسائل المتفرقات قال أبو يوسف: رجل ادعى عبداً في يدي رجل أنك بعتني هذا العبد ونقدتك الثمن وهو ألف درهم، وحجة البائع البيع وقبض الثمن فشهد شاهدان على إقراره بالبيع وقبض الثمن، وقالا: لا نعرف العبد ولكنه قال: إن عبدي زيد وشهد آخران هذا العبد اسمه زيد أو شهدا على إقرار البائع على هذا العبد اسمه زيد فالبيع لا يتم بهذه الشهادة ويحلف البائع، وإن حلف رد الثمن، وإن نكل عن اليمين لزمه البيع بنكوله.

стр. 2863

وإن شهد شاهدا البيع أنه باع عبده زيد المولد ونسبه إلى شيء يعرف من عمل أو صناعة أو حلية ذلك هذا العبد فهذا والأول سواء في القياس، إلا أني استحسن إذا نسبوه أمر معروف أن أجيزه وكذلك الأمة. وسئل الفقيه أبو جعفر ﵀: عمن اشترى من آخر أرضاً على أنها..... وامتنع المشتري عند نقد الثمن لعلة أنه أنقص والبائع يقول بعتها كما هي، فإن القول قول البائع مع اليمين فيما أنكر من شرط الجرتبين معنى المسألة أن المشتري قال: اشتريتها على أنها...... وأنكر البائع شرط الجربين فالقول قول البائع، وإن حلف أحد تمام الثمن وإن نكل وأقام البينة للمشتري على شرط الجربين قال: بعد هذا القول قول المشتري مع اليمين أنها ليست جربين، فإن حلف فله ردها وليس للمشتري أن يتربص أن يسمح بل ينقد تمام الثمن، وإذا اختلف البائع والمشتري فادعى المشتري بيعاً بائناً والبائع يدعي بيع الوفاء فالقول قول البائع؛ لأن المشتري يدعي زوال ملك البائع عنه وهو ينكر. وإن أقاما البينة فالبينة بينة المدعي الوفاء؛ لأنها أكثر إثباتاً؛ لأنه خلاف الظاهر في الساعات. فإن قيل: أليس أن بيع الوفاء اعتبر في الحكم رهناً، وفي الاختلاف في الرهين البيع البيع أولى؛ لأنه يزيل الملك فكانت البينة عليه إثباتاً. قلنا: ليس هذا تم ظاهراً بل له حكم الرهن بعد ثبوته فلا بد من اعتبار ظاهر الكلام أولاً وكلاهما بيع وأحدهما ظاهر والآخر خلاف الظاهر فكان فيه زيادة فكان أولى، وكذلك إذا ادعى أحدهما البيع والصلح عن غير طوع، وادعى الآخر عن طوع، فأقام البينة على ما ادعيا فبينة مدعي الكره أولى. وكذلك إذا ادعى أحدهما إقرار بدين كذا طائعاً، والآخر يدعي على إكراه أو كانت البينة بينة من يدعي الإكراه، والقول في هذه المسائل قول من يدعي الطوع، ذكر هذه المسائل في «مجموع النوازل» وقد تقدم في مسألة بيع الوفاء أن القول قول من يدعي الوفاء وهو البائع، وقد ذكر جنس هذه المسائل قبل هذا في فصل الاختلاف الواقع مع المتعاقدين. الفصل الثاني والعشرون: في السلم هذا الفصل يشتمل على أنواع: نوع منه في بيان شرائط السلم فنقول: للسلم شرائط كثيرة:

стр. 2864

أحدها: بيان جنس المسلم فيه كقولنا تمرزلا. والثاني: بيان نوعه كقولنا فارسي أو ما أشبهه. والثالث: بيان صفته كقولنا جيد أو رديء. والرابع: بيان قدره في المكيلات بالكيل والموزونات بالوزن والمعدودات بالعد لأن بدون بيان هذه الأشياء يقع بينهما منازعة من التسليم والتسلم، أما إذا لم يبينا الجنس، فإن المسلم فيه أجناس مختلفة فالمسلم فيه ربما يعطي جنساً، ورب السلم يطالبه بجنس آخر وليس الرجوع إلى قول أحدهما بأولى من الآخر؛ لأنهما متعاوضان وقضية المعاوضة التساوي، وأما إذا لم يبينا النوع والصفة؛ فلأن المسلم فيه يختلف باختلاف النوع وصفته فتعين كل واحد منهما نوعاً آخر وصفة أخرى، وأما إذا لم يبين المقدار؛ فلأن كل واحد منهما يعين المقدار غير ما يعين صاحبه، وينبغي أن يعلم مقداره بمعيار يؤمن فقده من أيدي الناس، ولو علم قدره بمكيل بعينه نحو أن يقول بهذه الإناء بعينه أو بهذا الزنبيل أو بوزن هذا الحجر لا يجوز إذا كان لا يعرف كم يسع في الإناء ولا يعرف وزن للحجر، وبيع العين يخالف بيع السلم هذا في المشهور. فإن من قال لغيره: بعت منك من هذه الصبرة بهذه الزنبيل أو بوزن هذا الحجر جاز في المشهور من الرواية؛ لأن التسليم في باب السلم لا يعقب العقد، وإنما يكون بعد حلول الأجل، ومن الجائز أن يهلك ذلك الإناء الحجر قبل حلول الأجل فلا يدري كم يجب تسليمه، فأما في بيع العين السلم يعقب العقد، وأنه لا يهلك في هذه الساعة الطبيعة غالباً فلا تتمكن الجهالة. وكذا في الذرعيات ينبغي أن يعلم قدر يؤمن فقده من أيدي الناس وإن أعلمه بخشبة بعينها ولا يدري كم هي أو بذراع مده أو يد فلان لا يجوز. الشرط الخامس: أن يكون المسلم فيه مؤجلاً بأجل معلوم حتى إن سلم الحال لا يجوز وهذا مذهبنا، وقال الشافعي ﵀: الأجل ليس بشرط لجواز السلم والصحيح مذهبنا؛ لأن جواز السلم عرف بخلاف القياس بالنص والنص جوزه بشرط الأجل قال ﵇: «من أسلم منكم فليسلم في كيل (١٢٣ب٣) معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم» ، واختلفت الروايات في الأجل الذي لا يجوز السلم بدونه. ذكر ابن أبي عمرو أن البغدادي أستاذ البخاري قال: إنه مقدر بثلاثة أيام فصاعداً قال: وهو قول أصحابنا ﵏ عن أبي الحسن الكرخي أنه ينظر إلى مقدار المسلم فيه وإلى عرف الناس في تأجيل مثله، فإن كان شرط أجلاً يؤجل لمثله في العرف والعادة تجوز السلم ومالا فلا، وعن أبي بكر الرازي ﵀ أنه قال: أقل مقدار يتعلق به

стр. 2865

جواز السلم أن يكون زائداً على مجلس العقد ولو بساعة، وعن محمد أنه أدناه بالشهر فصاعداً وعليه الفتوى. الشرط السادس: أن يكون المسلم فيه موجوداً من وقت العقد إلى وقت محل الأجل حتى أن السلم في المنقطع لا يجوز وهذا مذهبنا. وقال الشافعي: الشرط وجوده وقت محل الأجل لا غير، والصحيح مذهبنا؛ لأنه أسلم فيما هومعجوز التسليم في الحال فلا يجوز كما لو حصل محل الأجل قبل إدراك المسلم فيه. بيانه: أن العجز ثابت في الحال لو ارتفع العجز إنما يرتفع بسبب قيام الأجل إلى وقت الإدراك، ألا ترى أنه لو جعل محل الأجل قبل ذلك لا يجوز. قلنا: وقيام الأجل وقت الإدراك ثابت باستصحاب الحال لا بدليل يوجب بقاؤه بيقين لجواز أنه سقط قبل ذلك لها بإسقاط من له الأجل أو بموته، واستصحاب الحال يصلح لإثبات ما كان ثابتاً ولا يصلح لإثبات ما لم يكن ثابتاً إلا لضرورة ولا ضرورة ههنا؛ لأنه يمكنه أن يقبل السلم في المنقطع وإذا لم يثبت القدرة بسبب قيام الأجل الثابت باستصحاب الحال حصل السلم في معجوز الحال، وفي الثاني: وليس كما لو كان موجوداً عند العقد؛ لأن القدرة ثابتة في الحال بيقين لوجوده في أيدي الناس فجاز العقد لثبوت القدرة في الحال ولم يمتنع الجواب لتوهم زوالها بعارض يستمر إذا كان المسلم فيه موجوداً من وقت العقد إلى وقت محل الأجل، حتى جاز السلم فلم يأخذه رب السلم بعد محل الأجل حتى انقطع، فصاحب السلم بالخيار، ان شاء فسخ العقد وأخذ رأس ماله وإن شاء انتظر وجوده؛ لأن العقد وقع صحيحاً وقد عجز المسلم إليه عن تسليم المعقود عليه، فكان لرب السلم أن يفسخ العقد ويرجع برأس ماله، وحد الانقطاع ما ذكر الفقيه أبو بكر البلخي ﵀ أن لا يوجد في السوق الذي تباع فيه، وإن كان يوجد في الثبوت. الشرط السابع: أن يكون المسلم فيه يتعين بالتعيين حتى لا يجوز السلم في الأثمان نحو الدراهم المضروبة والدنانير المضروبة؛ لأن المسلم فيه يجب أن يكون مبيعاً؛ لأن السلم شرع بطريق الرخصة، والرخصة باستباحة المحضور مع قيام الحاضر فاستباحة الشيء مع قيام الحاضر بخلاف القياس، فالتنصيص على الرخصة في السلم تنصيص على أن السلم بخلاف القياس، وإنما يكون جواز السلم بخلاف القياس أن لو كان المسلم فيه مبيعاً، فأما إذا كان ثمناً كان جوازه على مواقعة القياس؛ لأن البيع بالثمن والثمن ليس في ملكه بجائز قياساً واستحساناً، فلا يجوز السلم في التبر على رواية كتاب الصرف لا يجوز؛ لأن على رواية كتاب الصرف التبر ثمن، وعلى رواية كتاب الشركة يجوز؛ لأن على رواية كتاب الشركة التبر مبيع. الشرط الثامن: أن يكون المسلم فيه من الأجناس الأربعة من المكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة والذرعيات، حتى لا يجوز السلم في الحيوإن هذا

стр. 2866

مذهبنا، وإنما كان كذلك؛ لأن الحيوان متفاوت في نفسه، فإنك تجد حيوانين (متساويين) في الجنس والصفة والنوع، ثم يختلفان في القيمة اختلافاً فاحشاً لتفاوت بينهما في المعاني الباطنة من الهماجة وحسن السير وما أشبه ذلك، ولهذا لا يضمن الحيوان في الإتلاف بمثله وما كان بهذه الصفة لا يجب ديناً في الذمة بدلاً عما هو مال، إما لأنه يفضي إلى المنازعة المانعة من التسليم والتسلم أو؛ لأن الواجب في الذمة يفضي بالمثل بلا زيادة ونقصان كضمان الإتلاف، وإذا كان المماثلة شرطاً بين الواجب والمؤدى وإنها لا توجد في الحيوان أدى إلى الربا، إلى هذا أشار عمر ﵁ في قوله: فإن من الربا صوباً لا يكذب.g ... على أحد منهما السلم في السن أي السلم في الحيوان، فقد جعل السلم في الحيوان من الربا، وإنما يتحقق الربا في السلم في الحيوان من الوجه الذي قلنا كان القياس أن لا يجوز السلم في النبات أيضاً؛ لأنها ليست من ذوات الأمثال، فيؤدي إلى الربا أيضاً على نحو ما بينا في الحيوان، لكن تركنا القياس ثمة بحديث ابن عباس ﵄، فإنه سئل عن السلم في الكراس، فقال: «لا بأس به إذا كان ضرباً معلوماً إلى أجل معلوم» والنص الوارد في النبات بخلاف القياس لا يكون وارداً في الحيوان؛ لأن في الحيوان نصاً آخر بخلافه، وهو حديث عمر ﵁. الشرط التاسع: بيان مكان الإيفاء إذا كان المسلم فيه شيئاً له حمل ومؤنة كالحنطة وغير ذلك، وهذا قول أبي حنيفة آخراً، وكان أبو حنيفة لا يقول ببيان مكان الإيفاء ليس بشرط، ولكن إن ببيان مكان الإيفاء يتعين ذلك المكان للإيفاء، وإن لم يبينا مكاناً بتعين مكان العقد للإيفاء لا يتعين مكان العقد للإيفاء، بل بقي مكان الإيفاء مجهولاً. وأجمعوا أن مكان العقد يتعين لإيفاء رأس المال، وأجمعوا على أن بيع العين إذا كان المبيع حاضراً في مجلس العقد يتعين مكان العقد لإيفاء المبيع، وأجمعوا على أن في مكان القرض والغصب والاستهلاك يتعين للإيفاء. وعلى هذا الخلاف إذا باع عبداً حاضراً بكر حنطة ديناً في الذمة إلى أجل عند أبي حنيفة آخراً يشترط بيان مكان الإيفاء للحنطة هو الصحيح، وعندهما يتعين مكان العقد للإيفاء. وعلى هذا الخلاف إذا قسم الرجلان داراً على أن يرد أحدهما كراً مؤجلاً في الذمة على صاحبه عند أبي حنيفة ﵀ آخراً يشترط بيان مكان الإيفاء للحنطة لصحة القسمة هو الصحيح، وما ذكر في كتاب القسمة مجهول على قوله الأول، وعندهما: يتعين مكان القسمة للإيفاء. وعلى هذا الخلاف إذا أجر داره بما له حمل ومؤنة عند أبي حنيفة ﵀ آخراً يشترط بيان مكان الإيفاء لصحة الإجارة، وعندهما: يتعين مكان الدار للإيفاء. وجه قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله في المسألة: أن سبب التزام الكر السلم، فيتعين مكان السلم للإيفاء كما في الغصب والقرض وما أشبه ذلك، وهذا؛ لأن

стр. 2867

العقد عقد معاوضة والمعاوضة تقتضي التساوي، فإذا وجب تسليم أحد البدلين وهو رأس (١٢٤أ٣) المال في مكان العقد يجب تسليم البدل الآخر فيه تحقيقاً للتساوي، ألا ترى أن بيع العين إذا كان المبيع حاضراً في مكان العقد حتى وجب تسليم المبيع في مكان العقد يجب تسليم الثمن في مكان العقد، وإذا كان غائباً عن مكان العقد حتى وجب تسليمه في المكان الذي فيه يجب تسليم الثمن في ذلك المكان ليستوي حكم البدلين كذا ههنا، وإذا تعين مكان العقد للإيفاء كان مكان الإيفاء معلوماً، ولو فسد العقد ههنا فسد لجهالة مكان الإيفاء. ولأبي حنيفة: أن مكان العقد لو تعين مكان الإيفاء، أما إن تعين نصاً بالعقد أو ضرورة لا وجه إلى الأول؛ لأن العقد يتعرض للمكان أصلاً من حيث النص، ولا وجه إلى الثاني؛ لأن الضرورة إنما تتحقق إذا وجب تسليم المعقود عليه عقب العقد حتى يصير مطالباً بالتسليم عقيب العقد، فيتعين مكان العقد للإيفاء ضرورة وجوب التسليم عليه في مكان العقد، وفي هذه المسائل التي ذكرناها لم يجب تسليم العقد عليه عقيب العقد، فلم يصر مطالباً بالتسليم في مكان العقد، فلا يتعين مكان العقد للإيفاء، وإذا لم يتعين مكان العقد للإيفاء، ولم يعينا مكاناً آخر يبقى مكان الإيفاء مجهولاً وإنه يفسد العقد فيما له حمل ومؤنة لمكان المنازعة، وأما إذا كان المسلم فيه شيئاً ليس له حمل ومؤنة لا يشترط بيان مكان الإيفاء بالإجماع. وهل يتعين مكان العقد للإيفاء؟ ذكر في بيوع «الأصل» وفي «الجامع الصغير» ما يدل على أنه يتعين عندهم جميعاً، وذكر في كتاب الإجارات ما يدل على أنه لا يتعين عندهم جميعاً، وإن بينا مكاناً آخر للإيفاء فيما ليس له حمل ومؤنة هل يتعين ذلك المكان للإيفاء؟ وذكر في كتاب الإجارات أنه لا يتعين، وذكر الطحاوي أنه يتعين، وإليه أشار محمد في «الأصل» . الشرط العاشر: قبض رأس المال في المجلس سواء كان رأس المال شيئاً يتعين بالتعيين أو لا يتعين، إنما كان كذلك لأن السلم عقد جوز بخلاف القياس إلى رأس المال، فإذا افتراقا من غير قبض رأس المال يتبين أنه لا حاجة فيعمل فيه بالقياس، فقد ذكر قبض رأس المال والمجلس، وقبض رأس المال في المجلس ليس بشرط لا محالة، وإنما الشرط القبض قبل افتراقهما بالأبدان ألا ترى أن ما ذكر في «النوادر» لو تعاقدا عقد السلم ومشيا ميلاً أو أكثر ولم يغب أحدهما عن صاحبه، ثم قبض رأس المال فافترقا جاز. وفي «النوادر» أيضاً: لو ناما أو نام أحدهما لم يكن ذلك فرقة، وفيه أيضاً: إن أبى المسلم إليه قبض رأس المال في المجلس أجبر عليه. الشرط الحادي عشر: إعلام قدر رأس المال في المقدرات نحو المكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة، فإن كان مشاراً إليه ليس بشرط حتى أن من قال لغيره: أسلمت إليك هذه الحنطة في كذا منٍ من الزعفران لا يعرف قدر الحنطة لا يجوز على

стр. 2868

قول أبي حنيفة، وأجمعوا على أن رأس المال إذا كان شيئاً ذرعياً أو حيواناً أو شيئاً من العدديات المتقاربة أنه يصير معلوماً بالتعيين والإشارة، وأجمعوا أن في بيع العين الثمن يصير معلوماً بالإشارة إليه والتعيين، ولا يحتاج إلى إعلام قدره، وأبو حنيفة ﵀ يقول: بأن الدراهم قلما تخلو عن الزيف، وقد يرد الاستحقاق على بعضها، فإذا رد الزيف ولم يستبدل في المجلس، إن استحق بالبعض فسخ العقد بقدره، فإذا لم يعلم مقداره لا يدري في أي قدر نفي العقد، وفي أي قدر انفسخ، أكثر ما في الباب أن هذه أمور موهومة إلا أن الأصل في السلم عدم الجواز، وإنما جوز إذا وقع الأمن عن الغرر من كل وجه، وإنما يقع الأمن عن الغرر من كل وجه بإعلام رأس المال، وبه فارق ما إذا كان رأس المال ثوباً بعينه حيث لا يشترط بيان ذرعانه؛ لأن الذرعان في الثياب تجري مجرى الوصف بعد الإشارة ليس بشرط. وينبنى على هذه المسألة إذا أسلم عشرة دراهم في سنتين ولم يبين حصة كل واحد منهما أن كانا مختلفي الجنس بأن أسلم (في) هروي ومروي أو أسلم في حنطة وشعير أو كانا متفقي الجنس مختلفي الصفة بأن أسلم في هرويين أحدهما جيد والآخر رديء لا يجوز عند أبي حنيفة ﵀ ما لم يبين حصة كل واحد منهما، وإن كانا متفقي الجنس والصفة بأن أسلم في هرويين جيدين، القياس على قول أبي حنيفة: أن يشترط بيان حصة كل واحد منهما، وفي الاستحسان: لا يشترط بيان حصة كل واحد بالإجماع قياساً واستحساناً. الثاني عشر: أن يكون رأس المال منتقدة عند أبي حنيفة ﵀ أن غيره كرها خلافا لهما، بأن ترك الانتقاد يؤدي إلى فساد السلم على ما عليه غالب دراهم الناس، فإما لا يخلو عن الزيوف حتى لم ينقده ربما يجده أكثره زيوفاً فيرده، وينفسد السلم في قدر المردود استبدل مثله خياراً في مجالس الرد، أو لم يستبدل والاحتراز عن هذا الفساد يمكن (عند) الالتقاء ويكون شرطاً عند أبي حنيفة ﵀. الشرط الثالث عشر: أن يكون عقد السلم باتاً لا خيار فيه، فإذا عقد عقد السلم بشرط الخيار لهما أو لأحدهما، فالسلم فاسد إلا إذا أبطل صاحب الخيار خياره قبل التفرق بالأبدان ورأس المال قائم في يد المسلم إليه، فحينئذ ينقلب العقد جائزاً. ولو كان رأس المال هالكاً في يد المسلم إليه وقت إبطال الخيار لا ينقلب العقد إلى الجواز. الشرط الرابع (عشر) : أن يكون ما جعل مسلماً فيه مضبوطاً بالوصف على الوجه الذي يذكر الوصف بذوات الأمثال حتى قالوا ما كان مضبوطاً بوصفه معلوماً بقدره موجوداً من وقت أجله يجوز السلم فيه ومالا فلا. نوع آخر في بيان ما يجوز السلم فيه وما لا يجوز إذا أسلم ثوباً هروياً في ثوب مروي لا يجوز، وإذا أسلم قفيز حنطة في قفيز شعير لا يجوز أيضاً، والأصل في جنس هذه المسائل معروفة، علة الحرمة في ربا النقد، وفي

стр. 2869

ربا النساء، فنقول ربا النقد يحرم بوصفين وهو القدر والجنس، ومعنى القدر الكيل في المكيلات والوزن في الموزونات، وربا النساء يحرم بأحد وصفي علة ربا النقد، وهو الجنس بثمنين بأن أسلم هروياً في ثوب هروي أو الوزن أو الكيل في مثمنيين أو ثمنين حتى إنه إذا أسلم قفيز حنطة أو قفيز شعير لا يجوز لوجود الكيل في مثمنيين. وكذا إذا أسلم دراهم في الذهب لا يجوز لوجود الوزن في ثمنين، وإذا أسلم في الحديد في الزعفران لا يجوز لوجود الوزن في مثمنين، فإذا أسلم الدراهم في الزعفران يجوز؛ لأنه لم يوجد الوزن في مثمنين أو ثمنين إنما وجد في ثمن ومثمن. ولا بأس بأن يسلم الفلوس في الحديد والرصاص وما أشبهه؛ لأنه لم يجمعهما أحد وصفي علة الربا النقد وهو الوزن أو الجنس. وإذا أسلم الفلوس في الصفر لا يجوز؛ لأن جمعهما الجنسية والمراد من الفلوس الفلوس الرائجة، أما لو كانت كاسدة لا يجوز إسلامها في الحديد والرصاص؛ لأنها بالكساد صارت وزنية، فيكون هذا إسلام الموزون وهما مثمنان. ولو أسلم النصل في الحديد لا يجوز (١٢٤ب٣) لمكان الجنسية، وكذا السيف في الحديد، وإن أسلم السيف في الصفر يجوز إذا كان السيف يباع وزناً لا يجوز؛ لأن في الوجه الثاني جمعهما الوزن وفي الوجه الأول لا. وإذا أسلم الدراهم في المكيلات وزناً وأسلم الدراهم في الوزنيات كيلاً، ومعناه: وإذا أسلم فيما ثبت كيله بالنص وزناً أو أسلم فيما يثبت وزنه كيلاً وروى الحسن في «المجرد» عن أصحابنا ﵏ أنه يجوز، وذكر الطحاوي عن أصحابنا أنه لا يجوز، فصار فيه روايتان. وفي «المنتقى» ذكر قول أبي حنيفة ومحمد فيما إذا أسلم في المكيل وزناً في طرف عدم الجواز، وقول أبي يوسف في طرف الجواز. واتفقت الروايات عن أصحابنا أن ما يثبت كيله بالنص لا يجوز بيعه بجنسه وزناً، وإن تماثلا وزناً كالحنطة بالحنطة وأشباهها؛ لأن الشرع ورد فيها بالجواز بشرط التماثل في الكيل، قال: وفي «فتاوى أهل سمرقند» لو علم أنهما تماثلاً كيلاً يجوز، وكذا بيع الدقيق بالدقيق وزناً لا يجوز إن تماثلا في الوزن؛ لأن الدقيق كيلي حتى لو علم أنهما تماثلاً كيلاً يجوز، وفيه أيضاً: وما ثبت وزنه بالنص لا يجوز بيعه بجنسه كيلاً كالدراهم بالدراهم كيلاً إلا رواية شاذة عن أبي يوسف ﵀ قال: يجوز إذا اعتاد الناس ذلك. والحاصل: أن ما ثبت كيله بالنص فهو مكيل أبداً، وما ثبت وزنه بالنص فهو موزون أبداً، وما لا نص فيه ولكن عرف كونه مكيلاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّمبعرف أصل زمانه فهو مكيل أبداً، وإن تعارف الناس بيعه وزناً في زماننا، وما عرف كونه موزوناً في تلك الوقت فهو موزون أبداً، وما لم يعرف حاله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّميعتبر فيه عرف الناس في زماننا، إن تعارفوا كيله فهو مكيل، وإن تعارفوا وزنه فهو موزون، وإن تعارفوا كيله ووزنه فهو مكيل وموزون، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. وقال أبو يوسف: المعتبر في جميع الأشياء عرف الناس في زماننا، عرف ذلك بالنص مكيلاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّمأو موزوناً أو لم يعرف، وما ثبت كيله أو وزنه بالنص لا يجوز بيعه بجنسه مجازفة. وإن تبايعا صبرتين مجازفة، ثم كيلا بعد ذلك فكانتا متساويين لم يجز العقد عندنا؛ إذ المعتبر في جواز العقد العلم بالمساواة وقت العقد، هكذا ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «شرحه» في آخر الباب الأول من كتاب البيوع. وإذا أسلم في اللبن في جبنه كيلاً أو وزناً معلوماً إلى أجل معلوم جاز؛ لأن كون اللبن مكيلاً أو موزوناً غير ثابت بالنص، ولم يعرف حاله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّمأيضاً، فتكون العبرة فيه للعرف، والناس اعتادوا بيعه كيلاً ووزناً، وكذلك الخل والعصير نظير اللبن لما قلنا، ثم ذكر في اللبن جبنه قال شمس الأئمة ﵀: هذا في ديارهم؛ لأن اللبن كان ينقطع من أيدي الناس في بعض الأوقات، أما في ديارنا لا ينقطع فيجوز في كل وقت، والخل يوجد في كل وقت فلا يشترط الجبن، والعصير لا يوجد في كل وقت فيشترط السلم في جبنه في هذا الباب أيضاً. وإذا شرط في السلم طعام قرية أو أرض خاصة لا يبقى طعامها في أيدي الناس فالسلم فاسد، وإن شرط طعام موضع يبقى طعامه كطعام خراسان وما وراء النهر يجوز؛ لأنه إذا كان لا يبقى طعامها في أيدي الناس لا تثبت القدرة على التسليم قطعاً أو شبهاً به وقت حلول الأجل، ولا بد منها لجواز التسليم، وإذا كان طعامها يبقي تثبت القدرة على التسليم قطعاً أو شبهاً بالقطع ذكر المسألة في «الأصل» . وذكر في «الأصل» أيضاً: إذا أسلم في حنطة هراة خاصة وهي تنقطع من أيدي الناس لا يجوز، بخلاف ما لو أسلم في ثوب هروي حيث يجوز، قال عامة المشايخ: لم يرد بهذا هراة خراسان؛ لأن تلك بلدة عظيمة لا يتوهم انقطاع حنطتها عن أيدي الناس، وإنما أراد به قرية في الهراة تسمى هراة، فطعام تلك القرية مما يتوهم انقطاعه عن أيدي الناس. والحاصل: أن ما ثبت كيله بالنص فهو مكيل أبداً، وما ثبت وزنه بالنص فهو موزون أبداً، وما لا نص فيه ولكن عرف كونه مكيلاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّمبعرف أصل زمانه فهو مكيل أبداً، وإن تعارف الناس بيعه وزناً في زماننا، وما عرف كونه موزوناً في تلك الوقت فهو موزون أبداً، وما لم يعرف حاله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّميعتبر فيه عرف الناس في زماننا، إن تعارفوا كيله فهو مكيل، وإن تعارفوا وزنه فهو موزون، وإن تعارفوا كيله ووزنه فهو مكيل وموزون، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.

стр. 2870

وقال أبو يوسف: المعتبر في جميع الأشياء عرف الناس في زماننا، عرف ذلك بالنص مكيلاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّمأو موزوناً أو لم يعرف، وما ثبت كيله أو وزنه بالنص لا يجوز بيعه بجنسه مجازفة. وإن تبايعا صبرتين مجازفة، ثم كيلا بعد ذلك فكانتا متساويين لم يجز العقد عندنا؛ إذ المعتبر في جواز العقد العلم بالمساواة وقت العقد، هكذا ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «شرحه» في آخر الباب الأول من كتاب البيوع. وإذا أسلم في اللبن في جبنه كيلاً أو وزناً معلوماً إلى أجل معلوم جاز؛ لأن كون اللبن مكيلاً أو موزوناً غير ثابت بالنص، ولم يعرف حاله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّمأيضاً، فتكون العبرة فيه للعرف، والناس اعتادوا بيعه كيلاً ووزناً، وكذلك الخل والعصير نظير اللبن لما قلنا، ثم ذكر في اللبن جبنه قال شمس الأئمة ﵀: هذا في ديارهم؛ لأن اللبن كان ينقطع من أيدي الناس في بعض الأوقات، أما في ديارنا لا ينقطع فيجوز في كل وقت، والخل يوجد في كل وقت فلا يشترط الجبن، والعصير لا يوجد في كل وقت فيشترط السلم في جبنه في هذا الباب أيضاً. وإذا شرط في السلم طعام قرية أو أرض خاصة لا يبقى طعامها في أيدي الناس فالسلم فاسد، وإن شرط طعام موضع يبقى طعامه كطعام خراسان وما وراء النهر يجوز؛ لأنه إذا كان لا يبقى طعامها في أيدي الناس لا تثبت القدرة على التسليم قطعاً أو شبهاً به وقت حلول الأجل، ولا بد منها لجواز التسليم، وإذا كان طعامها يبقي تثبت القدرة على التسليم قطعاً أو شبهاً بالقطع ذكر المسألة في «الأصل» . وذكر في «الأصل» أيضاً: إذا أسلم في حنطة هراة خاصة وهي تنقطع من أيدي الناس لا يجوز، بخلاف ما لو أسلم في ثوب هروي حيث يجوز، قال عامة المشايخ: لم يرد بهذا هراة خراسان؛ لأن تلك بلدة عظيمة لا يتوهم انقطاع حنطتها عن أيدي الناس، وإنما أراد به قرية في الهراة تسمى هراة، فطعام تلك القرية مما يتوهم انقطاعه عن أيدي الناس. ثم اختلفوا فيما بينهم قال بعضهم: لا فرق بين مسألة الحنطة وبين مسألة الثوب؛ لأن محمداً ﵀ ذكر: إذا أسلم في حنطة هراة، وهو مما ينقطع عن أيدي الناس لا يجوز، وذكر إذا أسلم في ثوب هروي يجوز، ولم يذكر هو ينقطع عن أيدي الناس، ولو كان ينقطع من أيدي الناس لا يجوز، فعلى هذا يقع الفرق بين الثوب والحنطة. ومن المشايخ من فرق بين الحنطة والثوب، والفرق: أن نسبة الثوب إلى هراة لبيان جنس المسلم فيه لا لتعيين المكان؛ لأن الهروي ما ينسخ على صفة معلومة سواء نسخ على تلك الصفة بهراة أو غيرها يسمى هروياً، وذلك الجنس مما لا يتوهم انقطاعه عن أيدي الناس حتى (لو) كان هذا لتعيين المكان وثبات ذلك المكان مما يتوهم انقطاعه عن أيدي الناس لا يجوز السلم أيضاً، فأما نسبة الحنطة إلى مكان لتعيين ذلك المكان، فإذا كان طعام ذلك الموضع مما يتوهم انقطاعه عن أيدي الناس لا يجوز السلم فيه حتى لو كان نسبة الحنطة

стр. 2871

إلى مكان لبيان ذكر الصفة لا لتعيين المكان كالجسموإني ببخارى، فإنه يذكر لبيان الجودة لا يفسد السلم، وإن كان يتوهم انقطاع حنطة ذلك الموضع. وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد ﵀: يجوز أن يسلم المروي البغدادي في مروي مرو؛ لأنهما جنسان، وكذلك المروي البغدادي في مروي الأهوازي ومروي الواسطي. وفي «نوادر هشام» قال: سمعت أبا يوسف ﵀ قال: «لا خير أن يسلم عن لا في قطن؛ لأنه وزني وكله» ، وفي «الفتاوى» : إذا أسلم قطن هروي في ثوب هروي جاز؛ لأنه عدمت المجانسة؛ لأن الثوب خرج من أن يكون قطناً. وفيه أيضاً: إذا أسلم شعراً في مسح شعر، إن كان لا ينقص ذلك المسح ولا يصير شعراً جاز؛ لأنه انعدمت المجانسة، وإن كان ينقص ويصير شعراً لا يجوز؛ لأنه حتى شعراً ألا ترى أنه يعود شعراً؟. وفي «المنتقى» : إذا أسلم صوفاً في لبد وشعراً في مسح أو خز في ثوب خز لا يجوز ولم يوصل. ولو أسلم غزلاً في ثوب جاز، وعلل فقال: لأن اللبد ينقض فيعود صوفاً، وكذلك الخز والمسح والثوب لا ينقض فيعود غزلاً، وعن أبي يوسف ﵀: لا بأس أن يسلم اللبن في الجبن، وعنه أيضاً: ويجوز أن يسلم السمن في الناطف وإن لم يخلط الناطف بالدقيق. قال في «الجامع الصغير» : لا (خير) بالسلم في الجوز (و) في البيض عدداً ووزناً وكيلاً، ولا خير في سلم الرمان والسفرجل والبطيخ والقثاء وما أشبه ذلك؛ لأن الجوز والبيض عددي متفاوت والسلم في العدديات المتفاوتة جائز ولا كذلك الرمان والسفرجل؛ لأنه عددي متفاوت والسلم في العدديات المتفاوتة لا يجوز، والمتقارب ما نقل عن أبي يوسف ﵀ أن كل ما يتفاوت آحاده في القيمة فهو عددي متفاوت وما لا يتفاوت في القيمة فهو عددي متقارب، ثم قال: يجوز السلم في الجوز والبيض عدداً، لم يشترط للجواز (١٢٥أ٣) إعلام الصفة أنه جيد أو وسط أو رديء، قالوا: وذكر محمد ﵀ في «الزيادات» أنه يجوز السلم في الجوز وإن لم يسم وسطاً ولا جيداً، وأما البيض: إن بين بيض الأوز أو الدجاجة أو الحمام يجوز، وإن لم يسم وسطاً ولا جيداً، فلم يجعل إعلام الصفة شرطاً للجواز في البيض والجوز؛ لأنه لما سقط إعلام القدر حتى جاز السلم فيها عدداً مع أن بين العددين تفاوت من حيث القدر، فلأن يسقط إعلام الصفة أولى. وفي «المنتقى» عن أبي يوسف: ولا خير في السلم في الجوز الهندي وفي بيض النعام، وعنه أيضاً: (لو أسلم) بيض الأوز في بيض الدجاج أو أسلم بيض النعام في بيض الدجاج جاز، وإن أسلم بيض الدجاج في بيض النعامة أو أسلم بيض الدجاجة في بيض الأوز إن كان في حين يقدر عليه لا يجوز.

стр. 2872

قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير» : ويجوز السلم في الفلوس عدداً، ذكر المسألة مطلقاً من غير ذكر خلاف، فمن مشايخنا من قال: إن جواز السلم في الفلوس قولهما؛ لأن ثمنية الفلوس عندهما قابلة للبطلان؛ لأن الفلوس إنما صار ثمناً باصطلاح الناس، وإلا فهي سلعة في الأصل، وما ثبت باصطلاحهم على خلافه، فإذا أقدما على السلم فيها والسلم لا يجوز إلا في المثمن ذلك إبطالاً لاصطلاح الأول، فعادت سلعة، فيجوز السلم فيها، فأما على قول محمد ﵀: ينبغي أن لا يجوز لا يعتبر الفلس ثمناً حتى لا يجوز بيع فلس بفلسين، والسلم في الأثمان لا يجوز. قالوا: وقد روى أبو الليث الخوارزمي عن محمد نصاً: أن السلم في الفلوس لا يجوز. ومن المشايخ من قال: جواز السلم في الفلوس قول الكل، وهذا القائل يفرق لمحمد ﵀ بين السلم وبين البيع، والفرق: أن من ضرورة جواز السلم كون المسلم فيه مثمناً، فيضمن أقدامها على البيع إبطالاً لذلك الاصطلاح في حقهما، فبقي ثمناً كما كان، فلا يجوز بيع الواحد بالاثنين، ويجوز السلم في الثوم والبصل كيلاً لا عدداً، ذكرهما شيخ الإسلام في «شرحه» وجعلهما من العدديات المتفاوتة، والسلم في الباذنجان يجوز عدداً، ذكره شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «شرحه» ، والسلم في الكاغد يجوز عدداً؛ لأنه عددي ذكره الصدر الشهيد في «واقعاته» ، ولا خير في السلم في الرطبة؛ لأن الرطبة لا تباع وزناً إنما تباع حزماً وبين الحزم متفاوت، وكذلك في الحطب حزماً أو قالا، فإن بين من ذلك على وجه لا تتمكن المنازعة بينهما في التسليم والتسلم يجوز في بعض الشروح لو بين الطول والعرض والغلظ في المسألتين، وكان عرف ذلك، وإذا أسلم في كندم بنكير أو قال: كندم منك، أو قال: كندم سره يجوز؛ لأنه لايراد بهذه الألفاظ الجيد. في «فتاوي أبي الليث» ، وفي «الأصل» : لا خير في السلم في الزجاج إلا أن تكون مكسرة، فيشترط منها وزنا معلوماً فيجوز، وكذلك الزجاج فإنه موزون معلوم على وجه لا تفاوت فيه، فأما الأوإني المتخذة من الزجاج فهي عددية متفاوتة فلا يجوز السلم لا بذكر العدد ولا بذكر الوزن، قال شمس الأئمة السرخسي: إلا أن يكون شيئاً معروفاً يعلم أنه لا تفاوت في المالية كالمكاحل والطاسات، فإن أبعاد ذلك لا تختلف في المالية إنما تختلف أنواعه، وكل نوع معلوم عند أهل هذه الصنعة، فيجوز السلم فيه حينئذ بذكر العدد. قال: ولا بأس بالسلم في الآجر واللبن إذا اشترط من ذلك معروفاً وأجلاً معلوماً ومكاناً معلوماً وأراد بقوله شيئاً معلوماً لبناً معلوماً. ولو اشترى آجره لم يجز من غير إشارة رواه الحسن في «المجرد» عن أبي حنيفة إلا أن وضع المسألة في «المجرد» في مائة آجرة من أبون. وذكر شيخ الإسلام وجه الفرق، فقال: الآجر من العدديات المتقاربة باعتبار القدر متى كان اللبن واحداً إلا أن ما يكون من التفاوت بين لبن ولبن من حيث المقدار لايعتبر الناس فيما بينهم متى كان اللبن واحداً. ولا تجوز المماسكة بينهم لأجل ذلك، فأما باعتبار الصنعة وهي النضج من العدديات المتفاوتة؛ لأن التفاوت من حيث النضج بين آجر متفاوت معتبر يعتبره الناس

стр. 2873

فيما بينهم، وتجري فيه المماكسة فيما بينهم، فألحق بالعدديات المتقاربة في باب السلم باعتبار الحاجة وبالعدديات المتفاوتة في البيع لانعدام الحاجة، ويمكن أن يقال بأن الآجر من العدديات المتقاربة إذا كان الملبن واحداً في السلم وفي بيع العين جميعاً وفساد البيع في مسألة «المجرد» لاختلاف اللبن واحداً لما قلتم، فإن الموضوع بمسألة «المجرد» لو باع مائة آجرة من أتون لم يجز، ولم يذكر أن الملبن واحد أو مختلف، وكما يوضع في الأتون اللبن من ملابن واحد يوضع اللبن من ملابن تختلف، فيمكن أن نحمل مسألة «المجرد» على الملابن المختلفة وعند ذلك لا يقع الفرق بين مسألة السلم وبين مسألة البيع، ثم ذكر في هذه المسألة مكاناً معلوماً. واختلف المشايخ بعضهم قالوا: أراد به مكان الإيفاء وهذا قول أبي حنيفة ﵀، وبعضهم قالوا: أراد به المكان الذي يضرب فيه اللبن. ولا بأس في السلم بالثياب والبسط والحرير بعد أن يشترط طولها وعرضها بذرع معلوم ويبين صفتها وهذا استحسان. والقياس: أن لايجوز؛ لأن الثياب ليست من ذوات الأمثال، لكن استحسنا ذلك بحديث ابن عباس على ما مر، وبحديث علي فإنه قال: «لا بأس بالسلم في الثياب» ، والمعنى فيه أن الثياب مصنوع العباد والعبد إنما يصنع بآلة، فإذا اتحد الصانع والآلة يتحد المصنوع، فلا يبقى بعد ذلك إلا تفاوت يسير، والتفاوت اليسير في المعاملات متحمل، ثم إن محمداً ﵀ اشترط لجواز هذا السلم بيان الطول والعرض والصفة ولم يشترط بيان الوزن، ولا شك أن بيان الوزن في الكرباس ليس بشرط؛ لأن الكرباس لايختلف باختلاف الوزن. وهل يشترط بيان الوزن في الحرير؟ اختلف المشايخ فيه والصحيح أنه يشترط، وإليه مال شمس الأئمة السرخسي، وهكذا ذكر في «شرح القدوري» ؛ لأن الحرير يختلف باختلاف الوزن ولم يبين الذرع لايجوز؛ لأن الذروعات بمنزلة الصفة، فكأنه أسلم في موزون وترك صفته. قال شيخ الإسلام خواهر زاده في «شرحه» : إذا اشترط الوزن في الحرير ولم يشترط الذرعان إنما لا يجوز السلم إذا لم يبين لكل ذرع ثمناً، أما إذا بين لكل ذرع ثمناً يجوز، وإن بين طولها وعرضها بذراع رجل معروف فلا خير فيه، هكذا ذكر في «الأصل» . قال مشايخنا: أراد بقوله بذراع رجل معروف فعل الذرع لا الاسم وهو الخشب، ألا ترى أنه قال: لو مات ذلك الرجل لم يدر رب السلم، وإذا شرط كذا كذا ذراعاً مطلقاً فله ذراع وسط اعتباراً للنظر من الجانبين. واختلف المشايخ في تفسير قوله: فله ذراع وسط، بعضهم قالوا: أراد به المصدر، وهو فعل الذرع لا الاسم وهو الخشب، يعني لا يمد كل المد (ولا يرخى كل) الإرخاء، وقال بعضهم: أراد به الخشب؛ لأن خشب الذرع يتفاوت في الأسواق، فمنها ما يكون أقصر ومنها مايكون أطول. قال شيخ الإسلام: والصحيح أنه يحمل عليهما إذا شرط مطلقاً (١٢٥ب٣) فيكون له الوسط منهما نظراً بين الجانبين. قال في «الأصل» : ولا بأس بالسلم بالتبن كيلاً معلوماً وضماناً معلوماً وكيله

стр. 2874

العرارة، فإن كان معلوماً يجوز، وإن كان لا يعرف ذلك فلا خير فيه، فقد شرط الكيل في التبن، وقد اختلف المشايخ قال بعضهم: إنه مكيل على كل حال؛ لأنه متولد من المكيل وإن تعارفوا كيلاً فهو مكيل. ولا باس بالسلم في البواري بعد أن يشترط ذرعاً وصفة معلومة وصنعة معلومة، هكذا ذكر في «القدوري» ، ولا خير في السلم في جلود الإبل والبقر والغنم؛ لأنه عددي متفاوت وإن بين لذلك ضرباً معلوماً يجوز. والأدم إذا كان يباع وزناً يجوز السلم فيها بذكر الوزن إذا بينوا على وجه لا تمكن المنازعة بينهما في التسليم، والتسليم معه لا يصير. (ولا خير) في السلم في الرؤوس والأكارع؛ لأنها من العدديات المتفاوتة؛ لأن التفاوت الذي يكون بين رأس ورأس وكراع وكراع تفاوت يعتبره الناس فيما بينهم، وتجري المماسكة لأجله، ولا يشترون إلا بعد الإشارة. ولا خير في السلم في اللحم في قول أبي حنيفة من غير فصل بينما إذا كان منزوع العظم أو لم يكن، وعلى قول أبي يوسف ومحمد لا بأس به إذا بين الجنس بأن قال: جذع أو ضأن، بأن قال: مضى أو حل وبين صفة اللحم بأن قال: سمين أو مهزول وبين الموضع بأن قال: من الحنت مثلاً وبين القدر بأن قال: عشرة أمناء فوجه قولهما أن الجهالة تنعدم ببيان هذه الأشياء، ولو لم يجز السلم ههنا، إنما لم يجز لمكان الجهالة. ولأبي حنيفة وجهان: أحدهما: أن اللحم يتفاوت باختلاف العظم، ويكثر عند صغره، فكان المسلم فيه مجهولاً، وهذا التعليل يقتضي جواز السلم إذا كان منزوع العظم. الثاني: أن اللحم يتفاوت من حيث السمن والهزال ورغبات الناس تتفاوت فيه أيضاً، وهذا التعليل يقتضي جواز السلم إذا كان منزوع العظم، ولا بأس بالسلم في الشحوم والألبان؛ لأنها لا تختلف سمناً وهزالاً، وكذلك ما فيها من الدسم لا يختلف باختلاف ما فيها من العظم. قال محمد ﵀ في «الأصل» : ولا بأس بالسلم في السمك المالح وزناً معلوماً. يجب أن يعلم أن السلم في السمك عدداً لا يجوز طرياً كان أو مالحاً؛ لأنه عددي متفاوت فيه الصغير والكبير، وأما السلم فيه وزناً، فإن كان طرياً وكان السلم في غير حينه لا يجوز، هكذا ذكر في «الأصل» ، وطعن بعض المشايخ في قوله غير حينه وقالوا: الطري مما يوجد في الأحايين كلها؛ لأن وجوده بالأخذ واحدة ممكن في الأوقات كلها، والجواب: أن الأخذ قد يتعذر في بعض الأوقات بأن يتجمد الماء أو يكثر أو ما أشبه ذلك، فلهذا شرط الحين وإن كان السلم في الطري في حينه، أو كان السلم في المالح ذكر في «الأصل» ولم يحك خلافاً. وروى أبو يوسف ﵀ عن أبي حنيفة: أن السلم في السمك لا يجوز بحال من الأحوال، وجه هذه الرواية: أن السمك لحم، فلا يجوز السلم فيه كما لا يجوز في لحم البقرة والشاة عنده. وجه الفرق لأبي حنيفة على ظاهر الرواية: أن السلم في لحم

стр. 2875

البقرة والشاة إنما لم يجز، إما لأن اللحم يتفاوت باختلاف العظم، وهذا المعنى لم يكن بحقيقة ههنا؛ لأن العظم في السمك ساقط الاعتبار فيما بين الناس لا تجري المماكسة باعتباره، أو لأن اللحم يتفاوت من حيث السمن والهزال، وهذا المعنى لا يمكن يحقيقة ههنا أيضاً؛ لأن السمن والهزال ليس بظاهر فيه، وهذا كله قول أبي حنيفة. و (قال) أبو يوسف ومحمد: لا يجوز السلم في كبار السمك، وفرقا بينه وبين اللحم؛ لأن في اللحم يمكن بيان مكان اللحم، فتزول الجهالة في السمك لا يمكن، وهذا كله في كبار السمك، وأما الصغار منه فالسلم فيها جائز وزناً معلوماً أو كيلاً معلوماً، طرياً كان أو مالحاً بعد أن يكون السلم في الطري في حينه، فقد فرقا بين الصغار والكبار، والفرق: أن في الكبار إنما لا يجوز السلم عندهما؛ لأنه لا يمكن بيان مكان اللحم وهذا المعنى لا يتأتى في الصغار. وقال في «الأصل» : ولا خير في السلم في شيء من الطيور ولا لحومها، أما في الطيور فلا يجوز؛ لأنه سلم في الحيوان، فإن قيل: السلم في الحيوان إنما كان باطلاً لتفاوت الحيوان في نفسه تفاوتاً يعتبره الناس، ومن الطيور ما لا يتفاوت تفاوتاً يعتبره الناس كالعصفور، فكان يجب أن يجوز السلم فيه كما في الجوز والبيض، والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن بطلان السلم في الحيوان ثابت نصاً على ما روينا والعبرة في المنصوص عليه النص لا للمعنى، والنص لم يفصل بين حيوان وحيوان، وإليه أشار محمد ﵀ حين سئل: لماذا لا يجوز السلم في الحيوان لأنه لا يضبط في الوصف؟ قال: لا لأني أجوز السلم في الديباج ولا أجوزه في الشاة وضبط الشاة أهون علي من ضبط الديباج السنة.... والثاني: أن العصفور إن كان من العدديات المتقاربة إلا أنه بمعنى المنقطع؛ لأنه مما لا يقتنى ولا يحبس التوالد وقد يمكن أخذه وقد لا يمكن، ولا رجحان لإمكان الأخذ على عدم الإمكان حتى يقام مقام الوجود في أيدي الناس، فيبقى العبرة للانقطاع بخلاف السمك الطري؛ لأن إمكان الأخذ راجح على عدم الإمكان، فيكون العبرة لإمكان الأخذ فيقام إمكان الأخذ مقام الوجود في أيدي الناس. وأما لحومها: فأما عدداً فلا إشكال أنه عددي متفاوت، وأما وزناً هل يجوز؟ فظاهر ما ذكر محمد يدل على أنه لا يجوز؛ لأنه أطلق إطلاقاً، فمن مشايخنا من قال: بأن المسألة على الاختلاف لا يجوز عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما: يجوز كما لو أسلم في اللحم، ومنهم من يقول: لا يجوز وزناً عند الكل إلا أنه حمل المذكور من لحم الطير على طيور لا تقتنى ولا تحبس للتوالد، فيكون البطلان بسب أنه أسلم في المنقطع، فلا يجوز بسبب الانقطاع عندهم جميعاً، وإن ذكر الوزن فأما فيما يقتنى ويحبس للتوالد
следующие страницы →