← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 10875

المحيط البرهاني

برهان الدين ابن مازه البخاري

Полный текст (4 583 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

الحالين جميعاً، فوجب أجر المثل في الحالين جميعاً من هذا الوجه. وفي «نوادر ابن سماعة» ، عن أبي يوسف: رجل استأجر من آخر أرضاً، على أنها عشرة أجربه بعشرة دراهم، فزرعها، ثم وجدها خمسة عشر جريباً، أو وجدها تسعة أجربة، قال: فله الأجر الذي سمي. ولو قال: كل جريب بدرهم. حسب عليه كل جريب بدرهم. ذكر الحاكم استأجر عبداً للخدمة مدة معلومة، وعجل الأجرة، ثم مات المؤاجر كان للمستأجر أن يمسك العبد حتى يرد الأجر عليه، وإن مات العبد في يده لم يكن عليه فيه ضمان. ويرجع بالأجر، فيأخذه قوله حتى يرد الأجر عليه أي حصة ما بقي من المدة، وإنما كان له حق إمساك العبد إلى أن يستوفي الأجر بحصة ما بقي من المدة إظهاراً للعدل والإنصاف فإن بموت الآجر تنفسخ الإجارة، ويتعين حق ورثة الأجر في العبد فيجب تعيين حق المستأجر في حصة ما بقي من المدّة من الأجر، وذلك بالاستيفاء. ابن سماعة عن محمد رحمهما الله رجل اكترى من رجل داراً بعبد سنة، فسكن الدار، ثم ناقصه الإجارة في العقد، فإنه يرد العبد ويعطيه أجر مثل الدار، وإنما كان كذلك؛ لأن جعل العبد أجرة صحيح، كجعله ثمناً، فصارت الأجرة عوضاً وصارت هذه الإجارة في معنى بيع العوض بالعوض. وأحذ العوضين وهو العبد باقي. فيصح النقص والإقالة عليه؛ لأن في بيع العوض بالعوض بعد هلاك العوضين تصح الإقالة، والنقص على العرض القائم. وإذا صحت الإقالة على العبد عاد العبد إلى ملك المستأجر، فوجب على الآجر رد العبد على المستأجر، ووجب على المستأجر رد المنافع على الآجر، وتعذر ردها صورة فيجب ردها معنى برد أجر المثل. وفي «الأصل» إذا أستأجر عشراً من الإبل إلى مكة بعبد بعينه، أو بغير عينه، فإن كان العبد بعينه فالإجارة جائزة، وإن كان العبد بغير عينه، فالإجارة فاسدة، ثم إذا كان العبد بعينه حتى جازت الإجارة، فهلك العبد قبل التسليم بعدما استوفى المعقود عليه كان على المستأجر أجر مثل الإبل لما عرف أن العقد يفسد بهلاك أحد البدلين قبل القبض، إذا كانا عينيين، فإذا فسد العقد كان عليه رد ما استوفى بعينه من المنافع، وقد عجز عن ردها بعينها، فكان عليه رد قيمتها وقيمة المنافع أجر المثل، وإذا كان العبد بغير عينه حتى فسدت الإجارة كان على المستأجر أجر المثل مات العبد، أو لم يمت. رجل تكارى منزلاً كل شهر بدراهم معلومة، وطلق الرجل المستكري المرأة، وخرج من المصر، وذهب هل لصاحب المنزل سبيل على المرأة قالا: لا، لأن المرأة ليست بعاقدة، وليست بكفيلة عن العاقد بالأجر، والأجر إنما يجب بأحد هذين، وليس لصاحب الدار أن يخرج المرأة من الدار حتى الهلال؛ لأن الإجارة لازمة قبل مجيء الهلال ألا ترى لو كان المستأجر حاضراً لم يكن له أن يفسخ الإجارة قبل مجيء الهلال، فإذا كان غائباً أولى. فإن جاء الهلال والزوج غائب هل لصاحب الدار أن يفسخ الإجارة ويخرج المرأة من الدار يجب أن تكون المسألة على الاختلاف على قول أبي حنيفة ومحمد ليس له

стр. 3432

ذلك. وعلى قول أبي يوسف: له ذلك. إذا تكارى منزلاً كل شهر بدرهم على أن ينزله، ولا ينزل غيره، فتزوج امرأة أو امرأتين، فله أن ينزلهما وليس لصاحب الدار أن يأبى؛ لأن هذا شرط مانع لا منفعة فيه لصاحب الدار؛ لأن سكنى غيره لا يصير بالدار حتى يكون في ترك سكنى غير المستأجر منفعة للمستأجر، فقد حكم بجواز هذا العقد مع هذا الشرط، وإن كان هذا شرطاً لا يقتضيه العقد إلا أنه ليس لأحد المتعاقدين فيه منفعة، ومثل هذا الشرط لا يفسد العقد كما لو اشترى ثوباً بشرط أن لا يلبس، أو اشترى دابة بشرط أن لا يركبها وهذه المسألة مأولة تأويله أن لا يكون للمنزل بئر بالوعة ولا بئر وضوء وقد ذكرنا هذا التأويل في المسائل المتقدمة. وفي «الأصل» : إذا أستأجر الرجل من آخر داراً، ودفعها إليه رب الدار إلا بيتاً منها، كان فيه متاع له وسكنها المستأجر قال: يرفع عنه بحصة ذلك وهذا مشكل؛ لأن الغائب صفة؛ لأن البيت صفة للدار. ولهذا قالوا: لو أستأجر داراً على أن فيها ثلاثة بيوت، فإذا فيها بيتان، فإنه يتخير، ولا يسقط شيء من الأجر كما لو اشترى عبداً على أنه كاتب أو خباز، والجواب: أن الفائت إن كان صفة، إلا أن الفوات بفعل البائع، والوصف له حصة من البدل، إذا فات بفعل البائع. كما في بيع العين بخلاف ما لو انهدم بيت منها، أو حائط وسكن المستأجر في الباقي، حيث لا يسقط شيء من الأجر؛ لأن الوصف هناك فات بآفة سماوية، والوصف متى فات بآفة سماوية لا يوجب سقوط شيء من البدل. وما ذكرنا من الجواب: فيما إذا أستأجر داراً على أن فيها ثلاث بيوت، فإذا فيها بيتان أنه يتخير، ولا يسقط شيء من الأجر، فذلك فيما إذا لم يقل كل بيت بكذا، فأما إذا قال: كل بيت بكذا، يرفع عنه بحساب ذلك، على قياس مسألة الجريب التي تقدم ذكرها في هذا الفصل. قال: وإذا أستأجر الرجل داراً شهوراً مسماة بأجر معلوم، ثم أراد رب الدار أن يشتري من المستأجر بالأجر شيئاً قبل القبض جاز؛ لأن الأجر دين لم يجب بعقد صرف، ولا سلم، فيجوز الاستبدال به. قيل: كما في سائر الديون. وقد مرت المسألة من قبل. وكذلك الثاني يستأجر البيت ليبيع فيه كل شهر بأجر معلوم، فكان رب البيت يأخذ منه الدقيق. (٦١ب٤) والسويق يشرى، ذلك شيء يعني بالأجر، قبل استيفاء المنفعة، كان جائزاً، لما ذكرنا في أول الكتاب أن الشراء بالأجر جائز قبل الوجوب وبعد الوجوب، ولو أن رب البيت أراد أن يتعجل الأجر كله قبل الهلال فأبى المستأجر أن يعطيه، فإنه يجبر المستأجر على أن يعطيه بقدر ما سكن لأنه بقدر ما سكن وجب الأجر فيجر على اتفاقه، فأما حصة ما لم يسكن لا يجبر على إلغائه، لأن أجرة ما لم يسكن غير واجب عليه بعد، فلا يجر على اتفاقه. قال ولو أن رجلاً استقرض من رب البيت أجر هذين الشهرين ما من رب البيت الثاني أن يعطيه ذلك، فكان الرجل يشتري به الثاني السويق والدقيق والزيت والسمن حتى

стр. 3433

استوفى أجر الشهرين فهو جائز، وذلك لأن المستقرض قام مقام المقرض والمقرض لو اشترى من الثاني شيئاً بالأجر يصح الشراء، ويري الثاني من الأجر لوقوع المقاصة بين الأجر والثمن فكذا إذا اشتراه المستقرض. وإنما قلنا أن المستقرض قام مقام المقرض، لأن المقرض أقرضه الأجر منه وسلطه على قبضه يصح ذلك وصار الموهوب له وكيلاً عن رب البيت في القبض أولاً ثم قابضاً لنفسه بحكم الهبة، لأن الهبة لا تصح إلا بملك الواهب، ولا يصير ما وهب ملكاً للواهب إلا بالقبض فكذا ههنا لا يصح القرض إلا بملك المقرض وما أقرض لا يصير ملكاً له، إلا بالقبض فصار ثابتاً عنه في القبض أولاً ثم قابضاً لنفسه بحكم القرض، وإذا كان كذلك صح أن المستقرض قام مقام المقرض وليس للثاني على المستقرض شيء، لما ذكرنا أن المستقرض قام مقام المقرض والمقرض لو اشترى بالأجر شيئاً لم يكن للثاني على المقرض شيء؛ لوقوع المقاصة بين الأجر والثمن، فكذلك هذا، ولرب البيت على المستقرض أجر هذين الشهرين، لأن رب البيت ما ملكه الأجر هبة، وإنما ملكه قرضاً، والقرض مضمون بالمثل، فكان لرب البيت عليه أجر هذين الشهرين. قال: ولو اشترى المستقرض من الثاني بالأجر ديناراً فإنه يجوز إذا اشترى الدينار بعد وجوب الأجر، بأن مضت المدة أو شرط التعجيل عندهم جميعاً، وإن لم يكن وجب الأجر بأن كان قبل مضي المدة واشتراط التعجيل، فعلى قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد ﵀ يجوز، وعلى قول أبي يوسف الآخر لا يجوز، لأن المستقرض قام مقام المقرض والمقرض لو صادف مع الثاني كان الجواب على هذا التفصيل فكذلك هذا. قال: ولو كان للثاني على الرجل المستقرض دينار أو أجر البيت عشرة دراهم كل شهر، فمضى شهر ثم أمر رب البيت الثاني أن يدفع أجر هذين الشهرين إلى هذا الرجل قرضاً عليه، ورضى الرجل بذلك فهو جائز، لأنه ملكه الدين الذي له على الثاني، وسلطه على قبضه قرضاً، فيصح كما لو وجب منه، وسلطه على قبضه فإن قاصه بالدينار الذي له عليه وأخذ بالفضل حوائجه، قال فهو جائز وهذا الجواب لا يشكل فيما اشترى من الحوائج لأنه اشترى الحوائج بالأجر بما وجب من الأجر وبما لم يجب فيجوز كما يجوز من رب البيت، وإنما يشكل فيما إذا قاصه بالدينار ذكر أنه جائز إذا رضى بذلك الثاني، وإن كان الجنس مختلفاً، فإن أحدهما دينار والآخر دراهم، لأن المقاصة في الجنس المختلف، إنما لا يجوز إذا لم يوجد التراضي على المقاصة، فأما إذا وجد يجوز إلا أنه يكون صرفاً، ثم يجوز هذا الصرف عندهم بحصة ما وجب من أجر شهر عندهم جميعاً، لأن المستقرض قائم مقام المقرض، والمصارفة من المقرض بأجر واجب جائز عندهم، فكذا من المستقرض، فأما بحصة ما لم يجب من الأجر وهو الشهر الثاني يجب أن يكون المسألة على الخلاف، يجوز عند محمد وهو قول أبي يوسف الأول، ولا يجوز في قول أبي يوسف الآخر كما لو باشر المقرض الصرف بأجر لم يجب بعد، وهو الشهر الثاني. ثم قال: وليس هذا بصرف فيما بين رب البيت والمستقرض ولكنه صرف فيما بين

стр. 3434

المستقرض والثاني، وذلك لأن رب البيت ما عقد عقد الصرف مع المستقرض، إنما أقرضه الآخر الذي له على الثاني، وعقد المصارف إنما جرت بين المستقرض والثاني، ثم قال وهذا كله قول أبي يوسف وهو قول محمد، فأما على قوله الآخر فإنه لا يجوز، وقد ذكرنا هذا في أول الكتاب. قال: ولو كان رب البيت أقرضه الدراهم على أن يرد عليه ديناراً بعشرة دراهم فإنه لا يجوز لأن بجوازه قرضاً غير ممكن؛ لأن القرض يكون مضموناً لجنسه، فإذا شرط جنساً آخر فقد شرط ما لا يقتضيه القرض فكان قرضاً فاسداً، ولا وجه إلى أن جوزنا مصارفه، لأنهما صرف مشبه، فيكون باطلاً. قال: فإن أحاله على هذا الوجه بالدراهم الأجر على الثاني، يريد به أنه أحاله على الثاني ليأخذ الأجر منه ليعطيه ديناراً. فقال: فقاصه الثاني بالدينار، الذي له على المستقرض وأخذ بالبعض حوائجه قائماً لرب البيت على المستقرض عشرون درهماً تأويله، إذا وجب أجر هذين الشهرين حتى صار الصرف عندهم جميعاً، وصار المستقرض مستقرضاً عشرين درهماً من الثاني بالمقاصة، فيكون لرب البيت على المستقرض ما اقتضى من الثاني وذلك عشرون درهماً ولا يكون عليه دينار، كما شرط عليه لأن اشتراط الدينار اشتراط باطل لأنه صرف مشبه. قال: ولو أن هذا الثاني لم يكن وجب عليه أجر هذين الشهرين ولكن رجل استقرض من رب البيت أجر هذين الشهرين، فأمر هذا الثاني أن يعطيه إياه وأن يعجل له، وطابت نفس الثاني بذلك، فأعطى الرجل دقيقاً أو زيتاً أو ديناراً بعشرة، ثم مات رب البيت قبل أن يسكن الثاني شيئاً من هذين الشهرين أو انهدم البيت، فإن الثاني لا يرجع على الرجل بعشرين درهماً فرضاً عليه، وذلك لما ذكرنا أن المستقرض صار وكيلاً عنه بالقبض أولاً، حتى يصح القرض ثم لنفسه فإذا قبض ناب قبضه مناب قبضين، فصار قابضاً له أولاً ثم لنفسه بحكم القرض، وإذا صار قابضاً للأمر صار كأن الأمر قبض بنفسه ثم أقرضه ولو أن صاحب البيت قبض العشرين بيده، ثم أقرضه من المستقرض ثم انفسخت الإجارة لم يكن للثاني أن يرجع على المستقرض بشيء، وإنما يرجع على رب البيت، ثم رب البيت يرجع على المستقرض بحكم القرض فكذلك هذا، ثم يرجع بعشرين درهماً على رب البيت في قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد فأما على قول أبي يوسف الآخر ما كانت حصة الحوائج يرجع عليه بالدراهم، لأن الشراء قد صح فصار مقضياً للدراهم، فأما ما يخص الدينار فإنه لا يرجع على رب البيت بالدراهم ولكن يرجع على المستقرض فيأخذ منه الدينار؛ لأنه قبضه بحكم صرف فاسد. وفي «فتاوى الفضلي» : رجل اكترى حماراً من كسر إلى بخارى فبقى الحمار في الطريق وصاحب الحمار ببخارى فأمر المستكري رجلاً حتى ينفق على الحمار في علفه كل يوم مقداراً معلوماً وقاطعه أجره إلى أن يقبض صاحب الحمار حماره، فأمسكه الأجير أياماً وأنفق عليه في علفه. إن علم المأمور بالنفقة، أن الحمار لغير الآمر فهو متطوع، فما

стр. 3435

أنفق لا يرجع على أحد بشيء إلا أن يكون الآمر ضمن له النفقة. فإن كان لا يعلم بذلك رجع على الآمر بالنفقة، وإن كان لم يضمن له الآمر النفقة، فإن كان استأجر أجيراً لحفظه فالأجر عليه. وفي «الفتاوى» : إذا استأجر مشاطة ليزين العروس فالإجارة فاسدة، والأجر مكروه غير طيب لها إلا أن يكون على وجه الهدية من غير شرط ولا يتقاضى، فيكون أهون وفيه نظر. والصواب أن يقال إذا استأجرها مدة معلومة أو كان العمل معلوماً أنه يجوز الإجارة ويطيب لها الأجر لأن تزيين العروس ليس بمعصية، بل هو مباح فصار كسائر الأعمال المباحة. وفي «فتاوى الفضلي» : الدلالة في النكاح لا يستوجب الأجر وبه كان يفتي ﵀، وغيره من (٦٢آ٤) مشايخ زمانه كانوا يفتون بوجوب أجر المثل لهما، لأن معظم الأمر في النكاح يقوم بها، ولها سعي في إصلاح مقدمات النكاح، فيستوجب أجر المثل بمنزلة الدلال في باب البيع، وبه يفتى. وفيه أيضاً أهل بلدة ثقل عليهم مؤنات العمال فاستأجروا رجلاً بأجرة معلومة ليذهب ويرفع أمرهم إلى السلطان الأعظم، ليخفف عنهم بعض التخفيف، وأخذ الأجرة من عامتهم غنيهم وفقيرهم، ذكر أنه إن كان بحال لو ذهب إلى بلد السلطان يتهيأ له إصلاح الأمر بيوم أو بيومين جازت الإجارة، وإن كان بحال لا يحصل ذلك إلا بمدة وقتوا للإجارة وقتاً معلومة، فالإجارة جائزة، والأجر كله له، وإن لم يوقتوا فالإجارة فاسدة وله أجر مثله والأجر عليهم على قدر مونتهم، وهذا نوع توسيع واستحسان، أما على جواب الكتاب لا تجوز هذه الإجارة إلا مؤقتة، وبه يفتى. وهكذا ذكر شمس الأئمة السرخسي في باب الرشوة من شرح «أدب القاضي» أن هذه الإجارة لا يجوز إلا مؤقتة، وإن كان مدة الإصلاح يوماً أو يومين. قال في «الأصل» : رجل تزوج امرأة فنزل عليها وهي في منزل بكر، فمكث عندها سنة فجاء صاحب المنزل يطلب أجر منزله، فقالت المرأة: أجر منزله عليك. فقال الزوج: إنما استكريت بأجرة عليك. وقالت المرأة: قد أخبرتك أنه معي بأجر. وقال الرجل: ما أخبرتني أنها تسكن بأجر، فإنه لا عبرة لإنكار الزوج إنها لم تخبره لأنها وإن أخبرته فلا أجر عليه، وإنما لم يكن على الزوج أجر لأن الزوج ليس بعاقد ولا بضامن عنها الأجر لرب المنزل، فلا يجب عليه الأجر فإن ضمن الأجر عنها لرب البيت، الآن يؤاخذ الزوج بالأجر لأنه كفل عنها بالأجر لرب المنزل، والكفيل يؤاخذ بما كفل به، فإن أدى لا يرجع سواء كفل بإذنها أو بغير إذنها، إن كان بغير إذنها فلا إشكال، كما لو كفل عنها بدين آخر، وإن كان بإذنها فكذلك، وذلك لأن العرف أن الزوج إنما يضمن عنها أجر المسكن على سبيل الصلة، لا ليرجع بذلك عليها لأن الإسكان عليه، والمعروف كالمشروط فكأنه شرط في الكفالة أن يكفل عنها، ولا يرجع بذلك عليها ولو صرح أن لا

стр. 3436

يرجع بذلك عليها لا يرجع، فكذلك هذا. ونظير هذا قال محمد ﵀ في «كتاب النكاح» : أن الأب إذا ضمن المهر عن الصغير فإنه لا يرجع في مال الصغير استحساناً، لأنه في العرف إنما يبذل ذلك صلة للصغير لا ليرجع في ماله، فكذلك هذا، فإن لم يضمن لرب المنزل ذلك، ولكن أشهد لها بأن قال: أضمن لك الأجر ولم يضمن لرب البيت، فإنه لا يلزمه الأجر؛ لأنه لم يضمن عنها لرب البيت حتى يصير كفيلاً عنها بالأجر، فيؤخذ بذلك إنما ضمن لها ما عليها من الأجر، ومن ضمن للمديون ما عليه، ولم يضمن عنه لصاحب الدين لا يكون كفيلاً. الكفيل أن يضمن عن المديون ما عليه لصاحب الدين، ولم يوجد هذا فلم يمكن بجواز هذا كفالة، وإذا لم يكن كفالة، فإما أن يعتبر بعد ذلك هبة من الزوج لها أو عدة فإن كان هبة، فهي هبة، لم يقبض فلا يجر على الوفاء بها، وإن كان عدة فلا يجر على إنجاز هذا الوعد. قال في الأصل: رجلان استأجرا منزلاً من رجل، كل شهر بدرهم، واشترطا فيما بينهما على أن ينزل أحدهما في أقصى الحانوت، والأجر في مقدمه، ولم يشترطا ذلك في أصل الإجارة. قال: الإجارة جائزة، ولكل واحد منهما أن يرجع عن ذلك، أما الإجارة جائزة لأنها خلت عن شرط يفسدها، فإنه قال: ولم يشترطا ذلك في أصل الإجارة ولكل واحد منهما أن يرجع عن ذلك؛ لأن هذا مواضعه منهما على المهاياة، ولكل واحد من الشريكين أن ينقض المهاياه وإنما كان لكل واحد منهما نقض المهاياة، وذلك لأن المهايأة قسمة المنفعة فيعتمر بقسمة العين، وفي قسمة العين لكل واحد منهما، أن ينقص القسمة قبل التمام فإنهما إذا أفرزا أو عزلا الأنصب. فقلَّ أن يتعين نصيب كل واحد منهما بالإقراع. إذا أراد أحدهما نقص القيمة، كان له ذلك، فلان يكون لكل واحد منهما نقص القسمة ولم يتعين حق واحد منهما في المنفعة قبل وجودها، ولم ينفرز نصيب أحدهما من الآخر أولى وأحرى، ثم ذكر في «الكتاب» : أن الإجارة لا تفسد إذا لم يكن اشترطا ذلك في أصل الإجارة، ولم يذكر أنهما إذا شرطا ذلك في الإجارة هل يفسد الإجارة، قال مشايخنا: ولقائل أن يقول بأنه يفسد الإجارة، أما القائل أن يقول بأن الإجارة تفسد لأنه شرط في العقد ما لا يقتضيه العقد؛ لأن هذه المهايأة منها، والمهايأة على هذا الوجه الذي شرطا، وهو أن يسكن أحدهما في المقدم، والآخر في المؤخر مما لا يقتضيه الإجارة ألا ترى أن الآبي منهما لا يجير على ذلك، ولأحدهما في هذا الشرط منفعة، يوجب فساد العقد، وإليه أشار في «الكتاب» ؛ فإنه قال: ولم يشترطا ذلك في الإجارة فمفهوم ما ذكر يقتضي أنه إذا شرط ذلك في العقد أوجب فساده، وأما من قال بأنه لا يفسد ذهب في ذلك إلى أن هذا الشرط متى شرط في العقد، يكون اشتراطاً على المالك، صار كل واحد منهما مستأجراً ما عين من المالك فكان الأجر، قال: أجرت من هذا

стр. 3437

مقدم الحانوت، ومن الآخر مؤخره، ولو نص على هذا كان جائزاً. ومفهوم قول محمد: ولم يشترط ذلك في أصل العقد، أنهما متى شرطا ذلك في العقد لا يكون لكل واحد منهما أن يرجع، لأن كل واحد يصير مستأجراً ما عين من المالك، ومتى لم يكن مشروطاً في العقد يكون مهاياة منهما ولكل واحد منهما أن ينقض المهاياة. وروى بشر عن أبي يوسف في رجل استأجر رجلاً ليبني له حائطاً أراه موضعه، وسمى طوله في السماء، وطوله على الأرض وعرضه، على أن يبني كل ألف آجرة بكذا، وكذا من الجص بكذا، وكذا من الدراهم، فبنى في السفل فأدخل ألف أجرة بالجص المسمى لها، ثم مات البنّاء، فإن الآجر يقسم على موضع ما بقي من الحائط، وما بنى فيعطي بحصة ما بنى من القيمة؛ لأن كل ألف آجرة شرط بناؤها فهي في أعلى الحائط وأسفله، يدركها رخص الأسفل، وعلا الأعلى، فلا بد من الجمع بين القيمتين ليجتمع الرخص مع الغلاء، فيظهر في التوزيع العدل. وعنه أيضاً أجر الرجل عبده، وسلمه ثم باعه من غير عذر، وسلمه إلى المشتري، فقتل، لم يكن للمستأجر أن يضمن المشتري قيمته، والمستأجر في هذا الحرف مخالف للمرتهن، والفرق وهو أن حق المستأجر في المنافع والقبض لا يلاقيها، وحق المرتهن في العين والقبض يلاقيه. ذكر الحاكم استأجر عبداً للخدمة مدة معلومة، وعجل الأجرة، ثم مات المؤاجر، كان للمستأجر أن يمسك العبد حتى يرد الأجر عليه، وإن مات العبد في يده لم يكن عليه فيه ضمان، ويرجع بالأجر فيأخذه. قوله حتى يرد الأجر عليه، أي حصة ما بقي من المدة، وإنما كان له حق إمساك العبد إلى أن يستوفي الأجر بحصة ما بقي من المدة، إظهاراً للعدل والإنصاف، فإن بموت الآجر تنفسخ الإجارة، ويتعين حق ورثة الآجر في العبد، فيجب تعيين حق المستأجر، في حصة ما بقي من المدة من الأجر، وذلك بالاستيفاء. وإذا غصب رجل الدار المستأجرة من المستأجر ثم تركها الغاصب، فأراد المستأجر أن يمتنع عن قبضها في باقي المدة، أو أراد الآجر أن يمتنع من التسليم فليس للمستأجر أن يمتنع من التسليم في باقي السنة، وللآجر أن يمتنع عن التسليم. قال بعض مشايخنا: هذا إذا لم يكن في السنة وقت يرغب في الاستئجار لأجله، أما إذا كان ولم يسلم في ذلك الوقت، فإن المستأجر يتخير، وقد مرّ جنس هذا فيما تقدم. وفي «القدوري» : لو استأجر من آجر دارين فانهدمت أحداهما أو غصبت أو ما أشبه ذلك، فله أن يترك الأخرى؛ لأن الصفقة وقعت متحدة، وقد تفرقت فيثبت الخيار. قال محمد ﵀ في «الأصل» : وإذا استأجر دابة ليلاً ليزف عليها عروساً إلى بيت زوجها، فهذا على وجهين: إما أن تكون العروس بعينها أو بغير عينها، فإن كان

стр. 3438

العروس بعينها، وبيَّن المكان، فإنه يجوز الإجارة، كما لو استأجر رجلاً دابة ليركبها إلى مكان معلوم بأجر معلوم، كانت الإجارة جائزة، فكذلك هذا، وإن كان العروس بغير عينها فالإجارة فاسدة، كما لو استأجر دابة للركوب ولم يبين من يركب كانت الإجارة فاسدة فإن أركب عروساً فالقياس. (٦٢ب٤) أن لا يعود العقد جائزاً، وفي الاستحسان يعود العقد جائزاً، وعليه المسمى كما لو استأجر دابة للركوب، ولم يبين من يركب، ثم يركب هو أو أركب غيره، فإنه يعود العقد جائزاً استحساناً، وفي القياس لا يعود جائزاً، وقد ذكرنا هذا، فإن حبسوا الدابة حتى أصبحوا من الغد، هل يجب الأجر، إن كان استأجر هذه الدابة لركوب عروس بعينها في المصر، فإنه يجب الأجر، وإن استأجرها لركوب عروس بعينها خارج المصر، فإنه لا يجب الأجر لأنه لم يكن من الركوب في المكان الذي أضيف إليه العقد، فإنه لا يجب الأجر، وهذا لأن تسمية المكان في باب الدابة، وأنه شرط لجواز العقد عليها بمنزلة تسمية المدة في غيرها من الإجارات، والتمكن من الاستيفاء متى وجد في غير المدة المضاف إليها العقد، فإنه لا يجب الأجر، وهل يعتبر ضامناً بالحبس إن وقعت الإجارة على الركوب خارج المصر يضمن لأنه لم يجب الأجر بهذا الإمساك، ولم يؤذن له بإمساك لا يجب الآجر. وإن وقعت الإجارة على أن يركبها في المصر لا يصير ضامناً بهذا الحبس؛ لأنه يجب الأجر بهذا الإمساك، وإن كان استأجروها لركوب عروس بغير عينها، فإنه لا يجب الأجر متى حبسوها سواء استأجروها للركوب في المصر أو خارج المصر، لأن الإجارة فاسدة متى لم يعينوا العروس، وفي الإجارات الفاسدة الأجرة لا تجب بالتمكن من الاستيفاء، وإنما تجب بحقيقة الاستيفاء ولم يوجد، فإن استأجر لحمل عروس بعينها، فأركب غيرها صار ضامناً ولا يجب الأجر سلمت الدابة أم ملكت، كما لو استأجر دابة ليركب بنفسه فاركب غيره، وإن كان لحمل عروس بغير عينها، لم يضمن، كما لو استأجر دابة للركوب فاركب غيره، إذا اشترى بيتاً وأجره من غيره قبل القبض لا يجوز كما لو باعه، وهذا إذا كان منقولاً، فإن كان عقاراً، فقيل هو على الخلاف في البيع، وقيل لا يجوز الإجارة إجماعاً. في «الجامع الصغير» : رجلان استأجرا شيئاً ودفع أحدهما إلى صاحبه ليمسكه فلا ضمان عليه، إذا كان شيئاً لا يحتمل القسمة؛ لأن ما لا يحتمل القسمة فلأحد المستأجرين أن يدفعه إلى صاحبه ليمسكه، في «إجارة الفسطاط» استأجر قدراً ليطبخ فيه شيئاً معلوماً، فطبخ في البيت، وأخذ القدر بحجره مع ما فيه ليخرج إلى الدكان فانزلقت رجله في الطين، فوقع وانكسر القدر فعليه ضمان القدر بمنزلة الحمال، إذا انزلقت رجله، ووقع الحمل، وانكسر، وقيل: ينبغي أن لا يجب الضمان في هذه الصورة قياساً على ما إذا استأجرت المرأة ثوباً لتلبسه فلبسته وتخرق من لبسها، وقد مرت مسألة الثوب من قبل وهو الصحيح.u استأجر رجلاً شهراً معيناً ليعمل له عملاً معلوماً، فعمل له ذلك العمل بشهرين، هل

стр. 3439

يستحق الأجر في الشهر الثاني؟ يجب أن تكون المسألة على الخلاف المعروف في القصار أو الخياط، إذا عمل من غير عقد، وقد كان انتصب نفسه لذلك، وإذا تكارى دابة ليحمل عليها عشرة مخاتيم، فجعل في جوالق عشرين مختوماً، ثم أخر المستأجر رب الدابة، وكان هو الذي وضعها على الدابة، فلا ضمان؛ لأن صاحب الدابة هو المباشر لحمل الزيادة على دابته، وإن حملاها جميعاً، ووضعاها على الدابة، ضمن المستأجر ربع قيمة الدابة؛ لأن نصف الحمل يستحق بالعقد ونصفه غير مستحق، وفعل كل واحد منهما في الحمل شائع في النصفين، فما حمله المستأجر نصفه وهو ربع الكل مستحق بالعقد، ونصفه وهو الربع غير مستحق، فلهذا ضمن ربع قيمتها، وإن كان الحمل في عدلين، فحمل كل واحد عدلاً ووضعاها على الدابة جميعاً، لا يضمن المستأجر شيئاً ويجعل حمل المستأجر مما كان مستحقاً بالعقد في باب ما يضمن الأجر، ويعرف عن هذه المسألة كثير من المسائل، رجل يبيع بالمزايدة، فاستأجر رجلاً لينادي عليه أن وقت له وقتاً، أو قال كذا صوتاً، يجوز إذا دفع إلى صباغ لبداً ليصبغه أحمر، فقد قيل إن قال بكذا من العصفر يجوز، وإن لم يبين مقدار العصفر لا يجوز، وهذا ليس بصواب فقد ذكرنا الرواية في فصل الاستصناع، إن بان مقدار الصبغ ليس بشطر، فلو صبغه رديئاً هل يضمن؟ فقال: قيل إن انتقص الثوب، وكان النقصان فاحشاً عند أهل البصر فلصاحب اللبد أن يضمنه قيمة لبده أبيض، وإن كان النقصان يسيراً فله أن يضمنه النقصان. وعلى هذا التفصيل القصار إذا قصر الثوب رديئاً. إذا استأجر حماراً أو بقراً، ليس له أن يبعث به إلى السراح، هكذا ذكر في الفتاوى، وقيل إن كان المتعارف فيما بين الناس أن المستأجر يبعث ذلك إلى السراح، فله أن يبعث ومالا فلا. وذكر الصدر الشهيد في «فتاويه الصغرى» ، أن للمستأجر أن يؤاجر، وأن يعير، وأن يودع، والبعث إلى السرح إيداع، فهلكه المستأجر. وفي «مجموع النوازل» زوج أمته، ثم أجرها من زوجها، جاز لأن خدمة الزوج ليست عليها، فالإجارة وردت على ما ليس بمستحق فيصح. استأجر أرضاً ليلبن فيه لنفسه عليها، فالإجارة فاسدة، بعد ذلك ينظر إن كان للتراب قيمة في ذلك الموضع يضمن قيمة التراب، ويكون اللبن له؛ لأن الإجارة لما لم تصح، صار المستأجر غاصباً للتراب، ولما حوله لبناً فقد هلك على المالك، وإن لم يكن للتراب قيمة لا شيء عليه، واللبن له لأنه حصل بصنعه. رجل يقبل من رجل طعاماً على أن يحمله من موضع إلى موضع باثني عشر درهماً اليوم، فحمله في أكثر من ذلك لا يلزمه الأجر المسمى، بل يجب أجر المثل بمنزلة ما لو استأجر رجلاً لينجز له عشر مخاتيم دقيق اليوم، هكذا ذكر في الفتاوي، وهذا يجب أن يكون على قول أبي حنيفة؛ لأن على قوله هذه الإجارة وقعت فاسدة، لأنه جمع فيها بين الوقت والعمل، أما على قولهما هذه الإجارة وقعت جائزة، فيجب الأجر المسمى. رجل حمل رجلاً كرنا إلى بعض البلدان، فعلى الحامل كراؤه حتى يرده إلى الذي

стр. 3440

حمله منه، وكذا في كل ما له حمل ومؤنة. رجل استأجر من آخر كرماً إجارة طويلة، وقبضها وأجرها من غيره مقاطعة كل ستة أشهر، ببدل معلوم فلما رآه المستأجر الثاني، وجد الأشجار قد احترق من البرد ولم يجد أجره ليرده عليه، حتى جاء أيام الفسخ وحضر آجره وفسخ الإجارة، وطلب مال المقاطعة، وأبى المستأجر الثاني، واعتل بعلة أن الأشجار محترقة، سمع علته وسقط عنه مال المقاطعة إذا لم يعمل في الكرم عملاً يدل على الرضا، ولو كان آخذه حاضراً حتى أمكنه الرد ولم يرد لا يسقط مال المقاطعة، وعلى هذا إذا أجر داره وأراد المستأجر ردها بخيار رؤية، أو بخيار عيب، إن لم يمكنه الرد بأن كان المؤاجر غائباً، كان له الرد إذا حضر المؤاجر، ولا يجب الأجر إذا لم يكن عمل في الدار عملاً يدل على الرضا، وإذا وجب الأجر على المستأجر مالاً بالقرض أو نحوه، فقال المستأجر للآجر: احسب هذا من مال الإجارة وفارسيته فرورواز مال إجارت فقال الأجر: فرور فتم فقد قيل: ينفسخ الإجارة بقدره. استأجر رجلاً ليذهب محمولاته إلى موضع كذا بكذا فلما سار نصف الطريق بدا للحمال أن يذهب فترك الحمولة على المستأجر ثمَّ وطلب نصف الأجر، قال: له ذلك إذا كان الباقي من الطريق مثل الأول في السهولة، هكذا ذكر في الفتاوي. وقد ذكرنا في فصل الاستصناع أن العبرة في قسمة الأجر بقدر المراحل للسهولة والصعوبة، فيتأمل عند الفتوى. قال في «الأصل» : ولو أن رجلاً دفع إلى صباغ ثوباً ليصبغه بعصفر بربع الهاشمي بدرهم فصبغه بقفيز، فهذا على وجهين أما إن صدقه رب الثوب في ذلك فصاحب الثوب بالخيار، إن شك ترك الثوب عليه وضمنه قيمة الثوب، وقد ذكرنا وجه ذلك فيما تقدم، وإن شاء أخذ الثوب وأعطاه ما زاد العصفر فيه مع الأجر، ولم يذكر أنه أراد به المسمى (٦٣أ٤) أو أجر المثل قال بعضهم: أراد به أجر المثل. وقال بعضهم: أراد به المسمى. من قال بأنه يعطيه أجر المثل، تقول بأن العمل وإن لم يصر معيناً من حيث الحقيقة بالزيادة، بل الزيادة تزيده جوده، لكن من حيث الحكم صار معيناً، لما كان لا يتوصل إليه إلا بزيادة عزم، ولهذا ثبت له الخيار كما لو يكن في العمل عيب من حيث الحقيقة، ولو يكن في العمل به عيب من حيث الحقيقة بأن خالف في صفة المأمور به، كان الجواب على ما عرف من الخلاف بين المشايخ، فكذلك هذا، وقال بعضهم: بأنه أراد به المسمى لأنه لا عيب في العمل المأمور به من حيث الحقيقة، فإنه أتى بما أمر به وزيادة، فالزيادة تزيده جودة، وإذا لم يتمكن في القدر المأمور به عيب من حيث الحقيقة، لا يكون له عطاء أجر المثل، لأن أجر المثل إنما يعطيه في مثل ذلك الموضع ليدفع عن نفسه ضرر العيب، ثم قال: يعطيه ما زاد العصفر في قيمة الثوب، يريد به ما زاد العصفر في قيمة الثوب من الثلاثة الأرباع، لا قيمة ما زاد القفيز فيه؛ لأنه ضمن للربع بدلاً، وهو الآجر فلا يضمن مرة أخرى، ثم إنما يعرف قيمة

стр. 3441

ما زاد العصفر فيه، وهو أن يغرم الثوب مصبوغاً بربع قفيز ومصبوغاً بقفيز فإن كانت قيمته ربع قفيز عشرة، وقيمته مصبوغاً بقفير اثنى عشر، علم أن الصبغ زاد فيه بقدر درهمين، فإن قيل في إيجاب قيمة ما زاد الصبغ فيه إيجاب قيمة العمل؛ لأن قيمة ما زاد الصبغ فيه أن يقوم مصبوغاً، وغير مصبوغ، وفي تقويمه مصبوغاً وغير مصبوغ اعتبار قيمة العمل والعمل لا يتقوم من غير عقد، ولا شبهة عقد، والجواب عنه أن قيمة ما زاد الصبغ فيه بدل الصبغ، من حيث الحكم لا قيمة العمل، لأن إيجاب قيمة الصبغ مزايلاً متعذر؛ لأنه لا يعرف قيمة الصبغ بقيمة العمل، مزايلاً حال ما يتصل بالثوب لأنه مخلوط بالماء، وإذا تعذر إيجاب قيمة الصبغ مزيلاً أوجبنا قيمة ما زاد الصبغ فيه، واعتبرنا ذلك كله قيمة الصنع. والدليل عليه أن محمداً أوجب أجر المثل حيث احتاج إلى إيجاب قيمة العمل مع قيمة الصنع، وهنا لما أوجب قيمة ما زاد الصبغ فيه، علمنا أنه جعل ذلك قيمة الصبغ مزايلاً، ومنهم من قال بأن الصباغ ملك رب الأرض صنعاً معمولاً وهو مال فلا بد من أن يغرم قيمته، كذلك على الوصف الذي ملكه كمن بنى في أرض رجل، ورضي به صاحب الأرض بأخذه، فإنه يغرم له قيمة البناء مبنياً لأنه ملك ذلك البناء وهو مبني معمول، فلزمه قيمة بناء مبني، فكذلك هذا، وإلى هذا ذهب الفقيه أبو بكر البلخي هذا إذا صدقه في الزيادة، فأما إذا كذبه في الزيادة، فإنه يري أهل البصر من تلك الصناعة، لأنه أمكن معرفة فيما وقع التنازع فيه لا من جهتها، فلا يلتفت إلى قول واحد منهما، فإن قالوا مثل هذا الصبغ قد يكون بربع قفيز كان القول قول رب الثوب لأن الظاهر معه، لكن مع يمينه بالله ما يعلم أنه زاد، لأنه لم يثبت من حيث اليقين أنه لم يرد فيه على الربع، وإن قالوا لا يكون إلا بالقفير صار الظاهر مع الصباغ مع اليمين؛ لأنه لم يثبت ما قالوا من حيث اليقين، فإن حلف تثبت الزيادة، وإذا ثبت الزيادة كان الجواب فيه كالجواب فيما إذا صدقه رب الثوب الخياط إذا فرغ من الخياط وبعث الثوب على يدي ابنه، وهو ليس ببالغ، فطر الطرار منه في الطريق، فإن كان الصبي عاقلاً ضابطاً يمكنه حفظه لا يضمن، وإن لم يكن ضابطاً ولا يمكنه حفظه ضمن. في «مجموع النوازل» مثل شمس الأئمة الأوزجندي ﵀ عن رجل استأجر رجلاً ليوقد النار في المطمورة ليلة، ففعل ونام في بعض الليل فاحترقت المطمورة وما فيها، هل يضمن الأجر؟ قال: لا قيل له فإن أوقد النار ثانياً، بغير أمر هل يضمن؟ قال: نعم. رجل دفع عيناً إلى رجل على أنه إن شاء قبضه بالشراء بكذا وإن شاء أخذه إجارة سنة بكذا، فقبض وملك عنده، إن ملك بعد الاستعمال فهو على الإجارة، ولو قال أردت الملك إن كانت قيمته مثل الآخر، أو أكثر قبل قوله وإن كان الأجر أكثر لا يصدق، ولو لم يستعمله حتى هلك فلا ضمان عليه، لأنه لم يقبضه على الضمان. في «مجموع النوازل» : رجل يبيع شيئاً في السوق فاستعان بواحد من أهل السوق

стр. 3442

على بيعه، فأعانه، ثم طلب منه الأجر، فإن العبرة في ذلك لعادة أهل السوق، فإن كان عادتهم أنهم يعملون بأجر يجب أجر المثل، وإن كان عادتهم أنهم يعملون بغير أجر فلا شيء له. رجل قال لخياط: خط هذا الثوب لأعطيك أجرك، فقال الخياط: لا أريد الأجر، ثم خاطه فلا أجر له. ولو أن صباغين أجر أحدهما آلة عمله من الآخر، ثم اشتركا في ذلك العمل، إن كان أجر كل شهر بكذا يجب الأجر في الشهر الأول، ولا يجب فيما بعده شيء، لأن الإجارة في الشهر الأول، وقعت صحيحة، وإنما ينعقد في كل شهر بعده بدخول ذلك الشهر، والشركة سبقت بأول الشهر الأول؛ فمنعت انعقادها فلا يجب أجر ما سوى الشهر الأول من هذا الوجه، وإن أجرها عشر سنين مثلاً، كل شهر بكذا، وجب أجر كل المدة؛ لأن الإجارة انعقدت على كل المدة في الحال، فلا يبطلها الشركة بعد ذلك، وإذا استأجر رجلاً ليبني له في هذه الساحة بيتين ذي سقفين أو ذي سقف واحد، وبيّن طوله وعرضه، وما أشبه ذلك وفارسيته، شكر درادن، ذكر في «فتاوي أبي الليث» : أنه لا يجوز، وينبغي أن يجوز إذا كان بآلات المستأجر للتعامل. وفي «مجموع النوازل» : رجل دفع إلى سراج بعض آلات السرج، وأمره أن يتخذ له سرجاً بهذه الآلات، وبآلات أخرى يحتاج إليها من عند نفسه، على أن يدفع إليه أجر عمله وثمن آلاته، ودفع إليه عشرة دراهم، فلما أتم السرج، استولى على السرج بعض الظلمة وذهب به، قال: يسترد من السراج قيمة آلاته، وما دفع إليه من الأجر؛ لأن العمل لم يصر سلماً إليه، ولم يصر المستأجر قابضاً آلات السرج، باتصاله بآلاته؛ لأنه يمكن تمييزها من غير ضرر، وهذه الإجارة فاسدة؛ لأنه لا يعامل في السرج بخلاف القلنسوة والخف، لأن فيهما تعاملاً. ومثل شمس الإسلام الأوزحندي ﵀ عمن دفع إلى طبيب جارية مريضة، وقال له: عالجها بمالك فما يزداد من قيمتها بسبب الصحة، فالزيادة لك، ففعل الطبيب ذلك، وبرأت الجارية، فللطبيب على المالك أجر مثل المعالجة، وثمن الأدوية والنفقة، وليس له سوى ذلك. وسئل أيضاً عمن قال لطيان أصلح هذا الخراب بعشرة، فلما شرع في العمارة ازداد الخراب فأصلح الكل فلا شيء له سوى العشرة. وسئل هو أيضاً: رجل استأجر رجلاً شهراً، قال: لا يدخل يوم الجمعة في العقد بحكم العرف. وفي «مجموع النوازل» : معلم طلب من الصبيان ثمن الحصير، وصرف البعض إلى حاجة نفسه، أو اشترى به الحصير، واستعمله في الكتب زماناً، ثم رفعه وجعله في بيته، هل يسعه ذلك قال: نعم؛ لأن هذا في الحقيقة تمليك من آباء الصبيان للمعلمين وفيه أيضاً: دفع الرجل ولده الصغير إلى أستاذ ليعلمه حرفة كذا، في أربع سنين، وشرط على الأب أنه لو حبسه قبل أربع سنين، فللأستاذ عليه مائة درهم فحبسه بعد ثلاث سنين،

стр. 3443

فليس للأستاذ أن يطالب الأب بالمائة، ولكن يطالبه بأجر مثل عمله. وقيل في الصغير يدفع شيئاً من المأكول إلى المعلم، إنه لا يحل للمعلم أكله، وقيل يحل، وهو الأصح لأن الآباء والأمهات راضون بذلك. استأجر رجلاً، ليكتب له عيناً بالعربية أو بالفارسية، يطيب له الأجر، وكذا لو استأجرت امرأة لتكتب لها إلى حبيبها، يجب الأجر ويطيب له، لأنه بدل كسبه هذا إذا بين ثم ... الجواز بأن بين مقدار الخط، وما أشبه ذلك، أما إذا لم يبين كانت الإجارة فاسدة. استأجر وراقاً ليكتب له جميع القرآن وينقطه ويعجمه. (٦٣ب٤) ويعشره وأعطاه الكاغد والحبر، وشرط له بدلاً معلوماً، فأصاب الوراق البعض وأخطأ في البعض، فإن فعل ذلك في كل ورقة فله الخيار، إن شاء أخذه وأعطاه أجر مثل عمله، لا يجاوز ما سمى، وإن شاء ترك عليه وأخذ منه قيمة ما أعطاه، وإن كان ذلك في بعض المصحف دون البعض، يعطيه حصة ما أصاب من المسمى، ويعطيه مثل عمله، لأنه وافق في البعض، وخالف في البعض، وقيل في النكال إذا غلط في جميع حدوده أو في بعضه، فإن لم يصلحه فلا أجر له وإن أصلحه فللآجر الخيار، وإن رضي به فللكاتب أجر مثله. رجل له أجيران يعملان له عمل الزراعة بنفور له عين أحدهما بقرين، ولآخر بقرين، فاستعمل أحدهما غير ما عين له، فهلك ضمن المستعمل قيمته، وهل يضمن الأجر بالدفع؟ فقد قيل: يضمن وقيل: لا يضمن؛ لأن مودع في البقر، وقد دفعه إلى من يقوم على الدواب، والقول الأول أصح؛ وأنه جواب ظاهر الرواية وبه كان يفتي شمس الأئمة السرخسي. في «مجموع النوازل» : رجل أودع عند رجل أحمالاً من الطعام، ففرغ المودع الظروف، وجعل فيها طعاماً له، ثم إن المودع سأل المودع أن يرد عليه أحماله حتى يحمل إلى مكة، فدفع إليه طعام نفسه، ولم يعلمه به، فحملها المودع على إبله حتى أتى مكة، كان للمودع أن يأخذ طعامه ولا أجر عليه. سئل شمس الأئمة الحلواني: عمن استأجر حماماً في قرية مدة معلومة، فنفر الناس، ووقع الخلا، ومضت مدة الإجارة، هل يلزم المستأجر الأجر؟ قال: إن لم يستطع الرفق بالحمام فلا وأجاب ركن الإسلام السعدي بلا مطلقاً، ولو بقي بعض الناس، وذهب البعض، يجب الأجر، كذا أجابا. وفي «مجموع النوازل» : استأجر من آجر طاحونة ببدل معلوم، على أن عليه ما سمى من الأجر أيام جريان الماء وانقطاعه، فهذا الشرط يخالف مقتضى العقد؛ لأنه لا ينتفع بالرحا زمان انقطاع الماء، والأجرة بدل المنفعة فيفسد به العقد. وفي «النوازل» سئل الفقيه أبو القاسم عن طحان ركب في الطاحونة حجراً من ماله،

стр. 3444

واتخذ فيه حديداً وأشياء أخر كلها من ماله، فانقضت مدة إجارته، هل له أن يدفع ذلك؟ قال: إن كان فعل ذلك بإذن صاحب الطاحونة على أن يرجع في العلة يرجع فيها، وأن فعل بغير أمره إن كان غير مركب فهو له، وإن كان مركباً يدفع إليه قيمته. وفي «فتاوى الفضلي» : وصي أو متولي أجر منزل اليتيم، أو منزل الوقف بدون أجر المثل، أيلزم المستأجر أجر المثل أم يصير غاصباً بالسكنى، فلا يلزمه الأجر بالسكنى، ذكر هنا أنه يجب على أصول علمائنا أن يصير غاصباً، ولا يلزمه الأجر لأنه قال في كتاب المزارعة الوكيل يدفع الأرض مزارعة: إذا دفعها مزارعة وشرط للمزارع من الزرع ما لا يتغابن الناس في مثلة، أن الوكيل يصير مخالفاً غاصباً ويصير الزارع غاصباً، ولم يقل أن هذه مزارعة فاسدة، فيحكم فيها بما يحكم في المزارعة الفاسدة، قال: وذكر الخصاف في كتابه: أن المستأجر لا يكون غاصباً، ويلزمه أجر المثل، وجعل حكمه حكم الإجارة الفاسدة، فقيل له الفتى بما ذكره الخصاف؟ فقال: نعم، وذكر بعد هذا أيضاً أنه يلزم المستأجر أجر المثل بكماله، لأن الإجارة لو كانت من مالك المنزل، ولم يكن سمى الأجر فيها، كان يجب على المستأجر أجر المثل بالغاً ما بلغ، ولو كان سمى فيها الأجر وجب الأجر، ولا يزاد على المسمى، فالزيادة على المسمى إنما لم تجب على المستأجر، لأن المؤاجر أبطلها بالتسمية، فالوصي والقيم أيضاً لولا يسميان فيها الأجر يجب فيها أجر المثل بالغا ما بلغ، فإذا سميا الأجر لو لم تجب الزيادة على المسمى لكان سقوط الزيادة لإبطالهما إياها بالتسمية وليس لهما إلى إبطالهما سبيل، فيجعل كأن التسمية لم توجد في الزيادة، فوجب وذكر قبل هذا إذا أجر منديلاً لابنه الصغير بدون أجر المثل. قال القاضي الإمام على السعدي لو غصب إنسان دار صبي، قال بعض الناس يجب عليه أجر المثل، فما ظنك في هذا، وهكذا فيمن غصب الوقف قال بعضهم: يجب أجر المثل. قال الفضلي ﵀: والذي يصح عندي أن المستأجر يصير غاصباً عند من يرى غصب الدور، ويجب جميع المسمى عنده، أما عند من يرى غصب الدور فعلى مذهبه جميع المسمى لازم له على كل حال. وكان الشيخ الإمام ظهير الدين يفتي بوجوب أجر المثل في أرض الوقف، في الغصب، وفي أرض الصبي لا. ومن المشايخ من يفتى بوجوب أجر المثل، أما إذا كان ضمان النقصان خير لليتيم وللوقف، وهكذا فيمن سكن داراً له، أو حانوتاً له وذلك وعد للإجارة، يجب أجر المثل، إلا إذا كان النقصان خيراً له. وفي «فتاوى الفضلي» أيضاً: أجر منزلاً إجارة طويلة، وهذا المنزل موقوف عليه، كان وقف والده عليه وعلى أولاده أبداً ما تناسلوا، وأنفق المستأجر في عمارة هذا المنزل بعض النفقات بأمر المؤاجر، فإن لم يكن للمؤاجر ولاية في الوقف، كان غاصباً، ولم يكن على المستأجر إلا المسمى، وذلك للمؤاجر يتصدق به، وإن كان له ولاية في الوقف وعلى المستأجر أجر المثل في المدة التي كانت في يده لا عبرة لما سمى من قليل الأجر

стр. 3445

في السنين الأولى، ويرجع المستأجر بالذي أنفق في غلة الوقف، إن كان للمؤاجر ولاية في الوقف، وإلا فهو متطوع فيما أنفق لا يرجع به على المؤاجر ولا في علة الوقف، لأنه إذا لم يكن له ولاية، صار وجود الأمن منه كعدمه، ولو أنفق بدون أمره لا يرجع بذلك على أحد، كذا ههنا، وقد ذكرنا فيما تقدم أن مكتري الحمار إذا أمر غيره أن ينفق على الحمار المكترى الذي بقي في الطريق ففعل، إن كان المأمور يعلم أن الحمار لغير الأمر فهو متطوع، لا يرجع بما أنفق علي أحد، إلا أن يكون الأمر ضمن له النفقة، وإن كان لا يعلم أن الحمار لغير الآمر فليس بمتطوع، فكذا في مسألة البناء، في الوقف بأمر الآجر يجب أن يكون الجواب على ذلك التفصيل. مريض أجر داره من رجل بدون أجر المثل، يعتبر من جميع المال؛ لأن حق الورثة لا يتعلق بالمنافع، وما لا يتعلق به حق الورثة، فالمريض والصحيح فيه على السواء. استأجر حانوتاً موقوفاً على الفقراء وأراد أن يبني عليه غرفة من ماله، وينتفع بها من غير أن يزيد في أجره، فحينئذ يبني على مقدار ما لا يخاف على البناء القديم من ضرر، وإن كان هذا حانوتاً يكون معطلاً في أكثر الأوقات، وإنما رغب فيه المستأجر لأجل البناء عليه، فإنه يطلق له في ذلك من غير زيادة في الأجر؛ لأن فيه مصلحة الوقف. رجل استأجر حجرة من أوقاف المسجد، ويكسر فيها الحطب بالقدوم، والجيران لا يرضون بذلك، والمتولي يرضى به، فإن كان في ذلك ضرر بين بالحجرة مثل القصارة والحدادة، والمتولي يجد من يستأجرها بذلك الأجر، فعليه أن يمنعه من ذلك، فإن لم يمنع أخرجه من الحجرة، وأجرها من غيره، وإن كان غيره لا يستأجر بتلك الأجرة، فالقيم يتركها في يده، إلا إذا خاف تلف بناء الوقف من ذلك العمل. وفي «فتاوي الفضلى» : متولي الوقف أجر ضيعة الوقف من رجل سنين، ثم مات الآجر، ثم مات المستأجر قبل انقضاء المدة، ودفع المستأجر غلة الضيعة، فإن كانت الغلة زرعا زرعها الورثة ببذرهم كانت الغلة لهم، وعليهم ما نقصت الزراعة الأرض، تصرف ذلك إلى مصالح أرض الوقف لا حق للموقوف عليهم الأرض في ذلك، لأن هذا النقصان إنما وجب لنقصان في عين الأرض، وهو الموقوف عليهم في منفعة الأرض لا في عينها، وإنما وجب نقصان الأرض دون الأجر؛ لأن الإجارة قد انفسخت بالموت، وصارت الورثة بالزراعة بعد ذلك غاصبين، فوجب النقصان دون الأجر لهذا. وفي «النوازل» ساحة (٦٤أ٤) بين يدي حانوت لرجل في الشارع، فأجرها من رجل يبيع الفاكهة كل شهر بدرهم، فما يأخذ من الأجرة فهو للعاقد؛ لأنه غاصب، وفي الغضب الأجرة للعاقد.v قال الفقيه أبو الليث: هذا إذا كان ثمة بناء أو دكان؛ لأن بذلك يصير غاصباً، أما بدونه لا يصير غاصباً؛ لأن غصب العقار عندهما لا يتحقق، وعندي أن الصحيح هو الأول، لأن عندهما الغصب إنما لا يتحقق في العقار في حق حكم الضمان، لا فيما وراء ذلك يتحقق، ألا ترى أن في حق الرد يتحقق، فكذا في حق استحقاق الأجرة.

стр. 3446

رجل استأجر أرضاً، وانفسخت الإجارة بينهما بمضي المدة أو بالفسخ، قبل مضى المدة وفي الأرض زرع، والزرع يغل، فالزرع للمستأجر، فإن أبى المستأجر الآجر عن جميع الخصومات والدعاوي، ثم بعد ذلك أدرك الزرع، ودفع الآجر الغلة، وادعى المستأجر الغلة وخاصم الآجر فيها، هل يسمع دعواه؟ فقد قيل يسمع دعواه، وقد قيل لا يسمع دعواه، وهو الأشبه، وكذلك لو كان الآجر دفع الغلة أولاً، ثم أبرأه المستأجر عن الدعاوي لا يصح دعوى المستأجر الغلة، وهذا إذا جحد الآجر أن الزرع زرعه، فأما إذا كان مقراً أن الزرع للمستأجر يؤمر بالرد عليه، وعلى هذا إذا أبرأ أحد الورثة الباقين، ثم ادعى التركة، وجحد باقي الورثة التركة، لا يسمع دعواه، ولو أقروا بالتركة يؤمرون بالرد عليه. استأجر طاحونة، وأجرها من غيره، فانهدم بعضه، فقال المستأجر الأول للثاني: أنفق في عمارة هذه الطاحونة، فأنفق هل يرجع بذلك على المستأجر الأول إن علم الثاني أنه مستأجر وليس بمالك، لا يرجع وإن ظنه مالكاً فيه روايتان، في رواية لا يرجع ما لم يشترط الرجوع، وفي رواية يرجع بدون الشرط. دار فيها بئر استأجر رجل الدار، فله أن يتوضأ بذلك الماء، ويشرب. استأجر حجرة كل شهر ببدل معلوم، وغاب وترك امرأته في الدار، فليس للآجر أن يخرجها؛ لأنه ليس له أن يفسخ الإجارة، من غير محضر من صاحبه، والحيلة في ذلك أن يؤاجر هذه الدار من إنسان، في بعض الشهور فإذا مضى ذلك الشهر ينفسخ الإجارة الأولى وتنعقد الثانية، وكان للمستأجر الثاني أن يخرج المرأة من الدار. وإذا استأجر من آجر داراً، ثم إن الآجر وهب له أجر شهر رمضان، إن استأجرها سنة جاز الهبة عند محمد ﵀ لأنه أبرأ بعد وجود سبب الوجوب، وإن استأجرها كل شهر لا يجوز الهبة عند محمد، إلا إذا دخل شهر رمضان. استأجر داراً وبنى فيها حائطاً من تراب، كان فيها بغير أمر صاحب الدار، ثم أراد الخروج وأراد نقض الحائط، هل له ذلك، ينظر إن كان اتخذ من التراب لبنا، وبنى الحائط من اللبن، فله ذلك وعليه قيمة التراب؛ لأن باتخاذ اللبن صار اللبن ملكاً له، فله أن يأخذ ملك نفسه، وإن كان بنى الحائط من الطين له يأخره بنايا شد فليس له أن ينقض الحائط، لأن ما نقض يعود على ملك المالك؛ لأنه يصير تراباً. رجل اشترى شجرة وقطعها، واستأجر أرضاً ليضع فيها الأشجار حتى تيبس، والأرض المستأجر لها طريق في أرض رجل آخر، فأراد مشتري الأشجار أن يمر في الأرض التي فيها طريق إلى الأرض المستأجرة بخشبه وحمولاته، وأراد صاحب الأرض أن يمنعه من ذلك، ليس له أن يمنعه، لأنه يحتاج إلى الإخراج والإخراج يكون بطريقة، وطريقه هذا. وبه ختم كتاب الإجارات بعون الله وحسن توفيقه والحمد لله رب العالمين.

стр. 3447

كتاب القضاء هذا الكتاب يشتمل على ثلاثة وثلاثين فصلاً ١ * في بيان من يجوز له تقليد القضاء منه. ٢ * في الدخول في القضاء. ٣ * في ترتيب الدلائل للعمل بها. ٤ * في اختلاف العلماء في اجتهاد الصحابة. ٥ * في التقليد والعزل. ٦ * في بعض التقليد وما يقع للقاضي نفسه وحكم الأمراء. ٧ * في جلوس القاضي، ومكان جلوسه. ٨ * في أفعال القاضي وصفاته. ٩ * في رزقه ومدته ودعوته. ١٠ * في بيان ما يكون حكماً، وما لا يكون حكماً، وما يبطل به الحاكم بعد وقوعه صحيحاً وما لا يبطل. ١١ * في العدو. ١٢ * فيما يقضي القاضي بعلمه، وفي القضاء بشهادة من أقل من اثنين. ١٣ * في القاضي يجد في ديوانه شيئاً لا يحفظه وفي نسيانه قضاءه وفي الشاهد يرى شهادته ولا يحفظ. ١٤ * في القاضي يقضي بقضيته ثم بدا له أن يرجع عنه وفي وقوع القضاء بغير حق. ١٥ * فيما إذا وقع القضاء بشهادة الزور، ولم يعلم القاضي. ١٦ * في القضاء بخلاف ما يعتقده المحكوم له أو المحكوم عليه وفيه بعض مسائل الفتوى. ١٧ * في أقوال القاضي، وما ينبغي للقاضي أن يقول وما لا ينبغي. ١٨ * في قبض المحاضر من ديوان القاضي المعزول. ١٩ * في القضاء في المجتهدات،

стр. 3448

٢٠ * فيما يجوز فيه قضاء القاضي وما لا يجوز. ٢١ * في الجرح والتعديل. ٢٢ * فيما ينبغي للقاضي أن يضعه على يدي عدل. ٢٣ * في الرجلين يحكمان بينهما حكماً. ٢٤ * في كتاب القضاة إلى القضاة. ٢٥ * في اليمين. ٢٦ * في إثبات الوكالة والوراثة وفي إثبات الدين. ٢٧ * وفي الحبس والملازمة. ٢٨ * فيما يقضي به القاضي ويرد قضاءه وما لا يرد. ٢٩ * في بيان ما يحدث بعد إقامة البينة قبل القضاء. ٣٠ * في بيان من يشترط حضرته بسماع الخصومة والبينة وحكم القاضي وما يتصل بذلك. ٣١ * في نصب الوصي والقيم وإثبات الوصاة عند القاضي. ٣٢ * في القضاء على الغائب والقضاء الذي يتعدى إلى غير المقضى عليه، وقيام بعض أهل الحق عن البعض في إقامة البينة. ٣٣ * في المتفرقات.

стр. 3449

الفصل الأول: في بيان من يجوز له تقليد القضاء منه قال الخصاف في «أدب القاضي» : إنما يجوز تقليد القضاء لمن كان عالماً بالكتاب والسنة واجتهاد الرأي؛ لأن القاضي مأمور بالقضاء بحق، قال الله تعالى: ﴿يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾ (ص: ٢٦) ، وإنما يمكنه القضاء بالحق، إذا كان عالماً بالكتاب والسنة واجتهاد الرأي، أما العلم بالكتاب والسنة؛ فلأن الاجتهاد في موضع النص باطل، فكان العمل بالنص في موضع النص متعيناً، وإنما يمكنه العمل بالنص، إذا كان عالماً به، وأما اجتهاد الرأي فلأن النصوص معدودة، والحوادث مهدودة، والإنسان لا يحد في كل حادثة تفصل به تلك الحادثة، فيحتاج إلى استنباط المعنى من المنصوص عليه، وإنما يمكنه ذلك، إذا كان عالماً باجتهاد الرأي، وعندنا العلم بالأدلة شرط الأولوية، وليس شرط جواز تقليد القضاء، حتى لو قلد جاهل وقضى هذا الجاهل بفتوى غيره، يجوز والصحيح مذهبنا؛ لأن المأمور في حق القاضي القضاء بالحق، والقضاء بما أنزل الله، والقضاء بفتوى الغير قضاء بالحق وبما أنزل الله تعالى. والخصاف لم يشترط العدالة، وصاحب كتاب «الأقضية» أبو جعفر، شرط العدالة، وكذلك الخصاف شرط العدالة وهي شرط لازم عند الشافعي، وهكذا روي عن أصحابنا في غير رواية الأصول، وبه أخذ بعض مشايخنا، حتى إن قلد القضاء وهو غير عدل، لا يصير قاضياً. وعلى ظاهر رواية أصحابنا العدالة شرط الأولوية، وهو اختيار عامة مشايخنا ﵏، حتى أن الأولى أن لا يقلد الفاسق، ومع هذا لو قلد يصر قاضياً، اعتباراً للقضاء بالشهادة، فإن الأولى أن لا تقبل شهادة الفاسق، ومع هذا لو قبلت وقضى بها نفذ القضاء. ولو قلد القضاء وهو عدل ثم فسق، فعلى قول الشافعي ﵀ ينعزل، وإشارات محمد ﵀ في الكتب متعارضة في بعضها يشير إلى أنه ينعزل، وبه أخذ بعض مشايخنا، وفي بعضها يشير إلى أنه لا ينعزل، ولكن به يستحق العزل، وبه أخذ عامة المشايخ، إلا إذا شرط في التقليد أنه متى خان ينعزل، فحينئذ ينعزل لأنها غايته لا بالجور وبعض مشايخنا قالوا: (٦٤ب٤) إن كان عدلاً حين قلده السلطان ثم فسق ينعزل، وإن كان فاسقاً حين قلده يصير قاضياً، وهذا لأنه إذا كان عدلاً يوم قلده فإنما، قلده اعتماداً

стр. 3450

منه على عدالته، تنفيذ التقليد بحال عدالته، ولا يبقى التقليد بعد ارتفاع العدالة، وإذا قلده فيما هو عدل، فلم يعقد على عدالته، فصح التقليد. ثم من شرط العدالة في القضاء، يحتاج إلى الفرق بين القضاء والإمارة، فإن الإمام يصير إماماً، وإن كان فاسقاً، وإذا كان عدلاً، ثم فسق لا يخرج عن الإمارة والإمامة، والفرق أن مبنى الإمارة على السلطنة والغلبة، ألا ترى أن من الأمراء من قد غلب، وجاز أحكامه، وصلى خلفه أصحاب رسول الله ﷺ ، ومبنى القضاء على الأمانة والعدالة، فإذا بطلت العدالة بطل القضاء ضرورة، هذا بيان من يجوز له تقلد القضاء. جئنا إلى بيان من يجوز تقلد القضاء منه، فنقول: يجوز تقلد القضاء من السلطان العادل والجائر، أما من السلطان العادل فظاهر، وأما من السلطان الجائر، فلأن الصحابة تقلدوا الأعمال من معاوية بعد ما أظهر الخلاف مع علي ﵁، والحق مع علي ﵁ في قومته، وتقلدوا من يزيد مع جوره وفسقه، والتابعين تقلدوا من حجاج بعد ما تبين منه اللجاج، ومع أنه كان أفسق أهل زمانه، حتى قال الحسن البصري: لو كان كلامه بحيث أنها وصية بأبي محمد قبلناه، ولكن أن يجوز تقلد القضاء من السلطان الجائر، إذا كان يمكنه من القضاء بحق، ولا يخوض في قضاياه بشر، ولا ينهاه عن تنفيذ بعض الأحكام كما ينبغي، أما إذا كان لا يمكنه من القضاء بحق ويخوض في قضاياه بشر، ولا يمكنه من تنفيذ بعض الأحكام كما ينبغي، لا يتقلد منه. قال القاضي الإمام أبو جعفر ﵀ وهو صاحب كتاب «الأقضية» بعد ما تبين أهل القضاء: ولا ينبغي لأحد أن يفتى للناس إلا من كان هكذا، يريد به أن المفتي ينبغي أن يكون عدلاً، عالماً بالكتاب والسنة واجتهاد الرأي، أما اشتراط العلم بهذه الأشياء؛ فلأن المفتي بفتواه يبين أحكام الشرع، وإنما يمكنه بيان أحكام الشرع إذا علم بالأدلة الشرعية، وأما اشتراط العدالة فمؤتمن عليه، قال: إلا أن يفتي بشيء قد سمعه فإنه يجوز، وإن لم يكن عالماً بما ذكرنا من الأدلة، لأنه حاك ما سمع من غيره، فهو بمنزلة الراوي في باب الأحاديث، فشرط فيه ما يشترط في الراوي، من العقل والضبط والعدالة والقهر على ما عرف في موضعه. الفصل الثاني: في الدخول في القضاء أورد الخصاف في «أدب القاضي» أحاديثاً في كراهة الدخول في القضاء، وفي الرخصة فيه، قال: وقد دخل فيه قوم صالحون، وامتنع عنه قوم صالحون، وترك الدخول أمثل وأسلم وأصلح في الدين، وهذا فصل اختلف فيه المشايخ أن بعد استجماع شرائط القضاء في شخص هل يجوز له تقلد القضاء؟ قال بعضهم: يكره له التقليد، ألا ترى كيف

стр. 3451

امتنع عنه أبو حنيفة ﵀ حتى ضرب ثلاث مرات في كل مرة ثلاثين سوطاً، وألا ترى أن محمداً ﵀ كيف أباه حتى قيد نيفاً وخمسين يوماً، وفي رواية نيفاً وأربعين يوماً، وقال بعضهم: له أن يقلد إذا كان يمكنه القيام بحقه، ألا ترى أن الأنبياء ﵈ اشتغلوا به حتى نبينا ﵇ والصحابة ﵃ اشتغلوا به، ولأن في القضاء إظهار سنة رسول الله ﷺ وإحياء شريعته، ولهذا يطلق على القاضي اسم خليفة رسول الله بلا خلاف، وإن اختلفوا أنه هل يطلق عليه اسم خليفة الله، وفيه إيصال الحق إلى مستحقيه، وفيه نصرة المظلومين، وكل ذلك حسن عقلاً وشرعاً، وقال بعضهم: من قلد بغير مسألة فلا بأس بالقبول، ومن سأل يكره له ذلك، وهذا لأن من سأل فقد اعتمد على نفسه، ووكل إليه، ومن أجبر عليه فقد اعتمد على الله، ومن يتوكل على الله فهو حسبه، والذي عليه عامة المشايخ أن الدخول في القضاء رخصة، والامتناع عنه عزيمة، أما الدخول فيه رخصة لما ذكرنا أن فيه إيصال الحق إلى المستحق، وفيه نصرة المظلومين، وأما الامتناع عنه عزيمة، لوجهين أحدهما أن القاضي مأمور بالقضاء بحق وعسى يظن في الابتداء أنه يقضي بحق، ثم لا يقضى في الانتهاء بحق، والثاني أنه عسى لا يمكنه القضاء إلا بإعانة غيره، وذلك الغير عسى لا يعينه على القضاء، ولكن هذا إذا كان في البلد قوم صالحون للقضاء، أما إذا لم يكن في البلد قوم يصلحون للقضاء سواه، يدخل في القضاء لا محالة؛ لأنه لو لم يدخل ربما تقلد الجاهل فيضيع أحكام الله تعالى، وعلى هذا حكم الإثم، إذا كان في البلد قوم يصلحون للقضاء، وامتنع واحد منهم لا يأثم، وإذا لم يكن في البلد من يصلح للقضاء إلا واحد وامتنع هو يأثم، وإذا كان في البلد قوم يصلحون للقضاء فامتنعوا جملة عن القضاء، فإن كان الوالي بحيث يفصل الخصومات بنفسه، كما ينبغي، فإنهم لا يأثمون، وإن كان الوالي بحيث لا يفصل الخصومات بنفسه كما ينبغي، فإنهم يأثمون، لأنهم ضيعوا حقوق الله تعالى وحقوق العباد، فإنهم يشتركون في الإثم. الفصل الثالث: في ترتيب الدلائل للعمل بها قال: ينبغي للقاضي أن يقضي بما في كتاب الله تعالى، وينبغي أن يعرف ما في كتاب الله تعالى من الناسخ والمنسوخ، لأنه إنما يجب العمل بالناسخ دون المنسوخ وينبغي أن يعرف من الناسخ ما هو محكم، وما هو متشابه، وفي تأويله اختلاف، كالأقراء فإن الله تعالى نص على الأقراء في مضي العدة، وقد اختلف العلماء في تأويلها، فمنهم من جعلها عبارة عن الأطهار، فينبغي أن يعرف المتشابه، وما فيه اختلاف العلماء؛ ليترجح قول البعض على البعض باجتهاده، فإن لم يجد في كتاب الله تعالى، يقضي بما جاء عن رسول الله عليه والسلام، قال الله تعالى: ﴿ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (الحشر: ٧)) وينبغي أن يعرف الناسخ والمنسوخ من الأخبار، لما ذكرنا

стр. 3452

أنه يجب العمل بالناسخ دون المنسوخ، فإن اختلفت الأخبار يأخذ بما هو الأشبه، ويحيل اجتهاده إليه، ويجب أن يعلم المتواتر والمشهور، وما كان من خبر الآحاد؛ لأن المتواتر واجب العمل به قطعاً، يكفر جاحده، ولكن يخشى عليه المأثم، وما كان من خبر الآحاد يخطّأ جاحده. ويجب أن يعلم مراتب الرواة، فإن منهم من عرف بالفقه والعدالة كالخلفاء الراشدين، والعبادلة وغيرهم، ومنهم من عرف بطول الصحبة وحسن الضبط، والأخذ براوية من عرف بالفقه أولى من الأخذ برواية من لم يعرف بالفقه، وكذلك الأخذ برواية من عرف بطول الصحبة، أولى من الأخذ برواية من لم يعرف بطول الصحبة، وإن كان حادثة لم يرد فيها سنة رسول الله، يقضي فيها بما اجتمع عليه الصحابة ﵃؛ لأن العمل بإجماع الصحابة واجب، فإن كان الصحابة فيها مختلفين، يجتهد في ذلك، ويرجح قول بعضهم على البعض باجتهاده، إذا كان من أهل الاجتهاد، وليس له أن يخالفهم جميعاً باختراع قول ثالث؛ لأنهم مع اختلافهم اتفقوا على أن ما عدا القولين باطل، وكأن الخصاف ﵀ يقول له ذلك، لأن اختلافهم اتفقوا على أن ما عدا القولين باطل، وكان الجصاص ﵀ يقول: ذلك لأن اختلافهم يدل على أن للاجتهاد فيه مجالاً، والصحيح ما ذكرنا، ولا يفضل قول الجماعة على قول الواحد، قال الفقيه أبو جعفر ﵀: وهذا على أصل أبي حنيفة ﵀، أما على أصل محمد: يفضل قول الجماعة على قول الواحد، وقد ذكر محمد ﵀ في «السير الكبير» في مسألة: قال أهل العراق وأهل الحجاز كذا، وقال أهل الشام: كذا، فأخذنا بقول أهل العراق والحجاز لكثرتهم ولانتفاء التهمة عن قولهم. ثم الإجماع (٦٥أ٤) ينعقد بطريقين: أحدهما: اتفاق كل الصحابة على حكم بأقوالهم، وهذا متفق عليه. والثاني: تنصيص البعض، وسكوت الباقين، بأن اشتهر قول البعض وبلغ الباقون ذلك، فسكتوا ولم ينكروا ذلك، وهذا مذهبنا، وإنما كان كذلك لأنه لو كان عند الباقين خلاف ذلك، لما حل لهم السكوت فيحمل سكوتهم على الموافقة حملاً لأمرهم على ما يحل لهم شرعاً، ولكن هذا الإجماع في المرتبة دون الأول، لأن الأول مجمع عليه، والثاني مختلف فيه، فإن وجد من كل الصحابة اتفاق إلا واحد، فإنه خالفهم فعلى قول الكرخي لا يثبت حكم الإجماع، وهو قول الشافعي، والصحيح عندنا أنهم إن سوّغوا له الاجتهاد، ولا ينعقد الإجماع مع مخالفته، نحو خلاف ابن عباس ﵄ في زوج وأبوين، قال: للأم ثلث جميع المال، وإن لم يسوغوا له الاجتهاد، بل أنكروا عليه ذلك، يثبت حكم الإجماع بدون قوله حتى لو قضى قاض بجواز بيع الدرهم بالدرهمين، لا ينعقد قضاؤه. وحكي عن القاضي أبي حازم ﵀: أن الخلفاء الراشدين إذا اتفقوا على شيء

стр. 3453

لا يلتفت إلى خلاف من خالفهم، حتى لم يعتبر خلاف زيد في توريث ذوي الأرحام، وأمر المعتصم برد الأموال التي اجتمعت من تركات ذوي الأرحام، فقال له أبو سعيد البردعي: هذا شيء يفتى فيه على قول زيد، فقال أبو حازم: لا يعتبر خلاف زيد في مقابلة الخلفاء الراشدين. ولكن الصحيح ما ذكرنا، فإن جاء حديث من واحد من الصحابة ولم ينقل عن غيره خلاف ذلك، فعن أبي حنيفة ﵀ ثلاث روايات: في رواية قال: أقلد منهم من كان من القضاة المفتيين لقوله ﵇: «اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر ﵄» ، وقد اجتمع في حقهما القضاء والفتوى، فمن كان منهما كعثمان وعليّ والعبادلة الثلاثة وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل، ومن كان بمثابتهم أقلدهم، ولا أستجر خلافهم. وفي رواية قال: أقلد جميع الصحابة إلا ثلاثة منهم أنس بن مالك، وأبو هريرة، وسمرة بن جندب رضى الله عنهم. أما أنس فقد بلغني أنه اختلط عقله في آخر عمره، وكان يستفتي من علقمة، وإنما لا أقلد علقمة فكيف أقلد من يستفتي علقمة، وأما أبو هريرة فإنه لم يكن من أئمة الفتوى، بل كان من الرواة فيما كان يروى لا يتأمل في المعنى، وكان لا يعرف الناسخ والمنسوخ، ولأجل ذلك حجر عليه عمر ﵁، عن الفتوى في آخر عمره، وأما سمرة بن جندب فقد بلغني عنه أمر يتأبى، والذي بلغ عنه، إنه كان يتوسع في الأشربة المسكرة سوى الخمر، وكان يتدلك في الحمام بالخمر، فلم نقلدهم في فتواهم لهذا، أما فيما روي عن النبي ﵇ أنه كان يأخذ بروايتهم، لأن كل واحد موثوق به فيما يروي. وفي رواية قال: أقلد جميع الصحابيين ولا أستجر خلافهم، وهو الظاهر من المذهب، فقد قال في كتاب الحيض: أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام، بلغنا ذلك عن أنس بن مالك ﵁، وقال في كتاب الأيمان: إذا نذر بذبح ولده يصح نذره عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، بلغنا نحو ذلك، عن ابن عباس رضى الله عنهما، وقال: في شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن، أنه لا يجوز، بلغنا ذلك عن عائشة رضى الله عنها، ونظائره في الكتب كثيرة، وهذا لأنهم ما كانوا يفتون جزافاً، وإنما كانوا يفتون سماعاً أو اجتهاداً، فإن كان سماعاً يلزمنا اتباعهم، وهذا ظاهر، وإن كان اجتهاداً فكذلك، لأنهم صحبوا رسول الله ﷺ ، وعاينوا وشهدوا التنزيل، وشهد لهم رسول الله ﵇ بالخيرية، بقوله: «خير القرون قرني الذي أنا فيهم» . فيوفقون في الصواب بسبب صحبة رسول الله ﵇ ولكونهم خير القرون

стр. 3454

مالا يوفق غيرهم، ولأنهم عرفوا طريق رسول الله في بيان الأحكام، وشاهدوا الأحوال التي نزلت فيها النصوص، والمحال التي تعتبر باعتبارها الأحكام، فيكون رأيهم أقوى، واجتهادهم أصوب. وإن اجتمعت الصحابة على حكم، وخالفهم واحد من التابعين، إن كان المخالف ممن لم يدرك عهد الصحابة، لا يفيد خلافه، حتى لو قضى القاضي بقوله، بخلاف إجماع الصحابة كان باطلاً، وإن كان ممن أدرك عهد الصحابة، وزاحمهم في الفتوى، وسوغوا له الاجتهاد، كشريح والنخعي والشعبي ﵃، لا ينعقد الإجماع مع مخالفته. ولهذا قال أبو حنيفة ﵀: لا يثبت إجماع الصحابة في الأسعار؛ لأن إبراهيم النخعي كان يكرهه وهو ممن أدرك عهد الصحابة، فلا يثبت الإجماع بدون قوله، وهذا لأنه لما أدرك عهد الصحابة وسوغوا له الاجتهاد، حتى زاحمهم في الفتوى، فقد جعلوه كواحد منهم فصار خلافه كخلاف واحد منهم. فإن كانت حادثة ليس فيها إجماع الصحابة، ولا قول واحد من الصحابة، ولكن فيه إجماع التابعين، فإنه يقضى بإجماعهم؛ لأن إجماع التابعين حجة قال الله تعالي: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى﴾ (النساء: ١٥) الآية، وخلاف إجماعهم اتباع غير سبيل المؤمنين، إلا أن إجماع التابعين في كونه حجة دون إجماع الصحابة، لأن بعض الناس قالوا: إجماعهم ليس بحجة، إنما ذلك للصحابة، وكذلك إجماع كل فريق بعد ذلك حجة، ولكنه دون الأول في كونه حجة. [ وإن كانت حادثة فيها اختلاف التابعين، يجتهد القاضي في ذلك، إذا كان من أهل الاجتهاد، ويقضي بما هو أقرب للصواب، وأشبه بالحق، وليس له أن يخالفهم باختراع قول ثالث عندنا، على نحو ما ذكرنا في الصحابة، وإن جاء عن بعض التابعين ولم ينقل عن غيرهم فيه شيء، فعن أبي حنيفة ﵀ فيه روايتان: في رواية قال: لا أقلدهم، رجال اجتهدوا، ونحن رجال نجتهد، وهو ظاهر المذهب، وفي رواية «النوادر» قال: من كان منهم أفتى في زمن الصحابة، وسوغوا له الاجتهاد، مثل شريح، ومسروق بن الأجدع، والحسن، فأنا أقلدهم، وهذا لأن من أفتى في زمن الصحابة وسوغوا له الاجتهاد، فقد جعلوه كواحد منهم، فإن لم يجد عنهم بإجماع، يعمل بإجماع من بعدهم، إن كان في الزمان الذي هو فيه، وهذا لأن إجماع كل عصر حجة بالنص الذي تلونا وبقوله ﵇: «لا تجتمع أمتي على الضلالة» . فإن لم يجد في ذلك إجماعاً، وكان فيه اتفاق بين أصحابنا أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏، يأخذ بقولهم ولا يسعه أن يخالفهم برأيه؛ لأن الحق لا يعدوهم.

стр. 3455

فإن أبا يوسف ﵀ كان صاحب حديث، حتى روي عنه أنه قال: أحفظ عشرين ألف حديث من المنسوخ، وإذا كان هذا يحفظ هذا من المنسوخ، فما ظنك من الناسخ، وكان صاحب فقه ومعنى أيضاً. ومحمد ﵀ كان صاحب فقه ومعنى، وكان صاحب قريحة أيضاً، ولهذا قال في «المسائل» رجوعه وأبا حنيفة ﵀ كان مقدماً في هذا كله إلا أنه قلّت روايته لمذهب يقول به، في باب الحديث: إنما يحل رواية الحديث لمن يحفظ من حين يسمع إلى أن يروي. وإن اختلفوا فيما بينهم، قال عبد الله بن مبارك: يأخذ بقول أبي حنيفة لا محالة لأنه كان في زمن التابعين وزاحمهم في الفتوى، وقد شهد رسول الله ﵇ بالخيرية فالظاهر أن يوفق للصواب، ما لا يوفق غيره، والمتأخرون من مشايخنا ﵏ اختلفوا وقالوا: إذا اجتمع اثنان منهم على شيء وفيهما أبو حنيفة ﵀، أنه يأخذ بقول أبي حنيفة ﵀، وإن كان أبو حنيفة من جانب وأبو يوسف ومحمد رحمها الله من جانب، فإن كان القاضي من أهل الاجتهاد يجتهد، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد يستفتي غيره، ويأخذ بقول المفتي بمنزلة العامي، وإن كان أبو حنيفة ﵀ أعلى رتبة؛ لأنه قد يرزق الرجل الصواب، وإن كان غيره أعلى رتبة، فإن أدراك الصواب فضيلة يرزقه الله تعالى من عباده من يشاء وإن لم يكن من أهل الاجتهاد يأخذ بقول (٦٥ب٤) أبي حنيفة، ولا يترك مذهبه؛ لأنه أفقه عنده من غيره، فلا يترك متابعته. وإن اختلف المتقدمون على قولين، ثم أجمع من بعدهم على أحد هذين القولين فهذا الإجماع، هل يرفع الخلاف المتقدم؟ فقد قيل على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، لا يرفع، وعلى قول محمد ﵀: أنه يرفع، وذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀ أنه يرفع الخلاف المتقدم بلا خلاف بين أصحابنا ﵏، وإنما يخالف في ذلك بعض العلماء، على ما يأتي بيانه بعد هذا، إن شاء الله. وإن اتفق أهل عصر على قول،.....، فخرج هذا القاضي عن قولهم، وقضى بخلاف قولهم لما رأى الصواب بخلافه، فإن كان قد سبق هذا الاتفاق، اختلاف العلماء، فقد اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: لا يسعه الخلاف. وبعضهم قالوا: يسعه. فإن لم يسبق هذا الاتفاق اختلاف لا يسعه الخلاف بالاتفاق، بقي الكلام بعد هذا في تفسير الاجتهاد، وفي أهلية الاجتهاد. أما تفسيره فالاجتهاد بذل المجهود لطلب المقصود، وأما أهله: فأهل الاجتهاد من يكون عالماً بالكتاب، والسنة، والآثار، ووجوه الفقه، ويشترط مع ذلك، أن يكون صاحب قريحة يعرف عرف الناس، وعاداتهم، ومعاملاتهم، فالعرف قد يغلب على

стр. 3456

الناس، كما في الاستصناع، والحكم قد يتغير بتغير العصر والزمان، ويشترط مع ذلك أن يكون عالماً بلغة العرب؛ لأن القرآن والأخبار جاءت بلغتهم. قال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀: إذا كان يحفظ المنسوخ من أقوال المتقدمين له أن يجتهد. قال: وإذا كان في البلد قوم من أهل الفقه شاورهم في ذلك؛ لأن القاضي لا يكون أفطن في نفسه من رسول الله ﵇، ورسول الله ﷺ أمر بالمشاورة، قال الله تعالى: ﴿وشاورهم﴾ (آل عمران: ١٥٩) وقال ﵇: «من العزم أن تستشير ذا رأي ثم تطيعه» ، وقال ﵇: «المستشير يصيب» أو قال: «كاد أن يصيب» . وشاور رسول الله ﷺ أبا بكر، وعمر رضى الله عنهما في شيء، فسكتا مهابة منه فقال ﵇: «قولا فإني فيما لم يوح إلي مثلكما» . ولأن بالمشاورة تجتمع الآراء، وظهور الحق عند اجتماع الآراء أَبْيَنُ، ولهذا قيل: في المشاورة تلقيح العقول، فإذا شاورهم، واتفق رأيه ورأيهم على شيء، حكم به؛ لأنه لما اتفق رأيه ورأيهم صار ذلك كالإجماع، والإجماع من جملة الحجج، وإن وقع الاختلاف بين هؤلاء الذين شاورهم، نظر إلى أقرب الأقاويل عنده من الحق، وأمضى على ذلك باجتهاده، إذا كان من أهل الاجتهاد، ولا يعتبر في ذلك كبر السن، ألا ترى أن عمر ﵁ كان شاور ابن عباس ﵄، وكان يقول له: «غص يا غّواص» ، وكان يأخذ بقوله وعمر كان أكبر سناً منه، وكذلك لا يعتبر كثرة العدد، فالواحد قد يوفق للصواب ما لا يوفق الجماعة، ولأجل ذلك قبلنا شهادة الواحد على رؤية الهلال، إذا كانت السماء متغيمة، وينبغي أن يكون ههنا قول أبي حنيفة ﵀، أما على قول محمد ﵀ يعتبر كثرة العدد على ما مر قبل هذا، وإن لم يقع اجتهاده على شيء، وبقيت الحادثة مختلفة ومشكلة عليه، كتب إلى فقهاء غير المصر الذي هو فيه، فالمشاورة بالكتاب سنة قديمة في الحوادث الشرعية. وروي عن ابن مسعود وأبي موسى الأشعري ﵄ أنهما كانا يكتبان إلى عمر ﵁ يستشيرانه، وعمر كان يكتب إلى ابن مسعود ﵁ يستشيره، وكان ابن سماعة يكتب إلى محمد ﵀، وهذا لأن المشورة من الغائب بالكتاب بمنزلة المشورة من الحاضر بالخطاب، فإن اتفق الذين كتب إليهم القاضي على شيء ورأي القاضي يوافق رأيهم، وهو من أهل الرأي والاجتهاد، مضى ذلك برأيه، وإن اختلفوا أيضاً فيما بينهم نظر إلي أقرب الأقوال عنده من الحق، إذا كان من أهل الاجتهاد، وإن لم يكن القاضي من أهل الاجتهاد في هذه الصورة، وقد وقع الاختلاف

стр. 3457

بين أهل الفقه، أخذ بقول من هو أفقه وأورع عنده كذا هنا، لأنه بمنزلة العامي والعامي إذا استفتى في حادثة، وقد وقع الاختلاف فيما بين الفقهاء، أخذ بقول من هو أفقه عنده، كذا هنا، وإن كان القاضي شاور قوماً من أهل الفقه، فاتفقوا على شيء، ورأي القاضي بخلاف رأيهم، لا ينبغي للقاضي أن يترك رأي نفسه، ويقضي برأيهم، لأن عنده أن هؤلاء على الخطأ، ولا متابعة في الخطأ، فإن قيل: إذا كان لا يأخذ برأيهم فأي فائدة في المشورة. قلنا: احتمال انضمام رأي غيره إلى رأيه فيقوى بذلك رأيه إلى هذا أشار عبيدة السلماني حين قال علي: اتفق رأي ورأي عمر في أمهات الأولاد، أن لا يبعن، ثم رأيت بعد ذلك أن يبعن فقال عمر ﵁: رأيك مع رأي عمر خير من رأيك وحده. أشار إلى أن عند اجتماع الرأيين يحدث زيادة قوة، وإن شاور القاضي رجلاً واحداً كفى، ولكن مشاورة الفقهاء أحوط، فإن شاور ذلك الرجل إلى شيء، ورأي القاضي بخلاف رأيه، فالقاضي لا يترك رأي نفسه، لما قلنا، فإن اتهم القاضي رأيه لما إن ذلك الرجل أفضل وافقه عنده، لم يذكر هذه المسألة ههنا. وذكر في كتاب «الحدود» وقال: لو قضى برأي ذلك الرجل أرجو أن يكون في سعة من ذلك وإن لم يتهم القاضي رأيه، لا ينبغي له أن يترك رأي نفسه، وقضى برأي غيره لما قلنا، ولو ترك رأي نفسه وقضى برأي غيره، هل ينفذ قضاؤه؟ سيأتي الكلام فيه بعد هذا إن شاء الله تعالى. الفصل الرابع: في اختلاف العلماء في اجتهاد الصحابة في زمن رسول الله ﷺ يجب أن يعلم بأن العلماء اختلفوا في هذا الفصل على ثلاثة أقوال، منهم من قال: ما كان له أن يجتهد لأنه كان يمكنه أن يرجع إلى رسول الله ﵇، فيسأله فكان الاجتهاد في ذلك الزمان اجتهاداً في موضع النص وإنه باطل، ومنهم من قال: من كان بعيد عن رسول الله ﷺ كان له الاجتهاد، ومنهم من قال: كان له الاجتهاد مطلقاً ويستدل هذا القائل بما روي عن رسول الله ﵇ أنه قال لأبي بكر وعمر ﵄: «قولا فإني فيما لم يوح إلي مثلكما» ؛ وقال ﵇ لعمرو بن العاص: «اقض بين هذين» ، فقال علي: ماذا؟ فقال ﵇: «على أنك إن أصبت فلك أجران، وإن أخطأت فلك أجر واحد» .

стр. 3458

واختلفوا أيضاً أن رسول الله ﵇ هل كان يجتهد فيما لم يوح إليه، ويوصل الحكم باجتهاده، بعضهم قالوا: ما كان يجتهد بل كان ينتظر الوحي، ومنهم من قال: كان يرجع فيه إلى شريعة من قبله؛ لأن شريعة من قبلنا شريعة لنا ما لم يعرف نسخه، ومنهم من قال: كان لا يعمل بالاجتهاد إلى أن ينقطع طمعه عن الوحي، فإذا انقطع كان يجتهد، فإذا اجتهد صار ذلك شريعة له، فإذا أنزل الوحي بخلافه يصير ناسخاً له، ونسخ السنة بالكتاب جائز عندنا، وكان لا ينقض ما أمضى بالاجتهاد، وكان يستأنف القضاء في المستقبل. الفصل الخامس: في التقليد والعزل ذكر الخصاف ﵀ في «أدب القاضي» في باب القاضي يقضي بعلمه، إذا قلّد السلطان رجلاً قضاء بلدة كذا، لا يصير قاضياً في سواد تلك البلدة ما لم يقلده قضاء البلدة ونواحيها، ويكتب في رسمه ومنشوره أنا قلدناه قضاء بلدة كذا ونواحيها. وهذا الجواب إنما يستقيم على رواية «النوادر» ، لأن على رواية «النوادر» المصر ليس بشرط النفاذ القضاء فأما على ظاهر الرواية المصر شرط نفاد (٦٦أ٤) القضاء فلا يصر مقلداً على القرى، وإن كتب في منشوره ذلك. وإذا علق السلطان القضاء والإمارة بالشرط وأضافهما إلى وقت في المستقبل، بأن قال للرجل إذا قدمت بلدة كذا فأنت قاضيها إذا أتيت مكة فأنت أمير الموسم، أو قال جعلناك قاضياً رأس الشهر أو قال جعلتك أمير رأس الشهر فذلك جائز والأصل فيه ما روي أن رسول الله ﵇ بعث جيشاً وأمر عليه زيد بن حارثة وقال: «إن قتل زيد فجعفر أميركم وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة أميركم» . وأما تعليق الحكومة بين اثنين وإضافتها إلى وقت في المستقبل، ففيه خلاف بين أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، وسيأتي بيانه في باب التحكيم إن شاء الله تعالى، ويجوز تعليق عزل القاضي بالشرط، إليه أشار في «أدب القاضي» للخصاف في باب ثبوت الخليفة، والمذكور ثمة إذا كتب الخليفة إلى القاضي: إذا وصل كتابي إليك فأنت معزول، فوصل إليه الكتاب انعزل؛ لأن هذا عزل معلق بالشرط، وقد وجد الشرط وإذا قلد السلطان رجلاً قضاء يوم يجوز وتأقت في هذا وإذا قيده بالمكان يجوز ويتقيد بذلك المكان أيضاً. ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «شرح كتاب الصلح» في باب الحكمين وإنه معقول؛ لأنه أنابه فثبت بقدر ما أنابه وللمقلد في هذا التقليد فائدة؛ لأنه عسى يجوز

стр. 3459

النائب في موضع آخر، ولا يمكنه الخيانة في ذلك الموضع، وربما يكون أقدر على إحضار الخصوم، وتتقيد الأحكام في ذلك الموضع، فعلى هذا لو قلد القاضي أنابه نائبه بمسجد معين لا يكون للنائب أن يقضي في مسجد آخر، وإذا استقضى الصبي، ثم أدرك ليس له أن يقضي بذلك الأمر. في باب الجمعة من صلاة «المنتقى» ، رواه إبراهيم عن محمد ﵀. والعبد إذا استقضى ثم أعتق كان له أن يقضي بذلك الأمر. والفرق أن العبد أهل حقيقة فيصح تقليده إلا أنه لم يجز حكمه لقيام الرق، فإذا زال الرق بالعتق فقد زال المانع من نفاذ حكمه، فنفذ حكمه من غير تقليد جديد ولا كذلك الصبي، وسيأتي فصل العبد بخلاف هذا في فصل التحكيم إن شاء الله تعالى وفي «فتاوي المنتقى» : سئل عن سلطان مات، واتفقت الرعية على ابن صغير له جعلوه سلطاناً ما حال القضاء والخطباء وتقليده أيامهم، مع عدم ولايته قال ينبغي أن يكون الاتفاق على والي عظيم فيصير سلطاناً لهم، ويكون السلطان في الحقيقة هو الوالي. وفي «نوادر هشام» : عن محمد ﵀ في قاضٍ أو والٍ ارتد عن الإسلام والعياذ بالله، أو عمي، أو فسق، ثم مات أو أبصر أو أسلم، فهو على عمله، وهكذا روى داوود بن رشيد عن محمد ﵀، وفي رواية هشام زيادة وهي وإن كان قضى بقضاء في حال فسقه، ثم صلح أبطلته، قال هشام: قلت لمحمد: والي من ولاة المسلمين ولى قاضياً مشركاً يقضي بين المسلمين ثم أسلم، قال: هو قاض على حاله ولا يحتاج إلي توليه ثانية. وروى هشام عن محمد ﵀: النصراني إذا استقضي ثم أسلم لم يجز حكمه. في «كتاب الأقضية» في باب الحكمين: القاضي إذا ارتد عن الإسلام خرج عن الحكومة، وعن الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵀: لا ينبغي أن يستقضي فاسق ولا مرتشٍ، ولا آكل ربا ولا ينبغي أن يستقضى شارب خمر معاود للشرب ولا صاحب مغنيات، ولا يستقضى ذمي من أهل الذمة، ولا تستقضى المرأة على حال فإن كان ما ذكر في حق المرأة جواب الحكم لا جواب الأولوية، فهذه الرواية مخالفة لظاهر الرواية، وستأتي مسألة المرأة بعد هذا إن شاء الله تعالى. وإذا أقر السلطان غلاماً من غلمانه على بلده، وأمره نصب القاضي جاز له نصب القاضي بطريق النيابة من السلطان، ويصير نصب الغلام بأمر السلطان كنصب السلطان بنفسه، وإذا قال الخليفة لوالي بلدة (مذكراً في ما بدت قضاء تقليدكن وعن مئة قلد من شئت صح، ولو قال كسرى قضاء تقليدكن وعرهية قلد أحداً لا يصح) . وهو نظير الموكل إذا قال للوكيل وكل من شئت صح، ولو قال: وكل أحداً لا يصح وإذا قال السلطان لأمير من أمرائه فلان ولاية بنود آدم أو قال تراد آدم لا يملك تقلد القضاء لأنه لا يراد بمثل هذا الكلام في المتعارف تفويض الأمور الشرعية، وإنما يراد به

стр. 3460

تفويض الأمور الحسية وتخليص أموال تلك البلدة من الجنايات وغير ذلك، وإن جعله أميراً على بلدة وجعل خراجها له فأطلق له التصرف في الشرعية على العموم كما تقتضيه الإمارة، فله أن يقلده وأن يعزل لأنه لما فوض إليه أمور هذه البلدة مطلقاً، أو على الأمور فقد قام مقام السلطان فكان له أن يقلد، وأن يعزل كالسلطان وههنا دقيقة مروية عن أبي يوسف ﵀ تأتي في الفصل الذي يلي هذا الفصل. وإذا قال السلطان لرجل: جعلتك قاضياً ولم يعين بلدة وللسلطان بلاد كثيرة لا شك أنه لا يصير قاضياً على البلاد كلها وهل يصير قاضياً على البلدة التي هو فيها؟ فقد قيل لا يصير وقيل يصير وهو الأظهر والأشبه. وإذا اجتمع أهل بلدة على رجل وجعلوه قاضياً يقضي فيما بينهم لا يصير قاضياً، ولو اجتمعوا على رجل وعقدوا معه عقد السلطنة أو عقد الخلافة يصر خليفة وسلطاناً. وإذا قلد السلطان رجلاً قضاء بلدة واستثنى من ذلك خصومة رجل بعينه لو استثنى نوعاً من أنواع الخصوم صح التقليد والاستثناء ولا يصير قاضياً في المستثنى وهذا لأن التقليد إنابة فإنما يثبت بقدر ما أناب، وعلى هذا إذا قال السلطان للقاضي لا تسمع خصومة فلان حتى أرجع من سفري، لا يجوز للقاضي أن يسمع خصومته قبل رجوع السلطان عن السفر ولو سمع وقضى لا ينفذ قضاؤه، لأنه أخرج خصومة فلان عن ولايته في الانتهاء فيعتبر بما لو أخرجها في الابتداء بالاستثناء، وذلك صحيح فهاهنا كذلك. السلطان إذا قال لرجل جعلتك قاضياً فليس له أن يستخلف إلا إذا أذن له بذلك صريحاً، ولو قال له جعلتك قاضي القضاة فله أن يستخلف، وإن لم يأذن له بذلك صريحاً لأن قاضي القضاة هو الذي يتصرف في القضاء عزلاً وتقليداً. وكان القاضي الإمام شمس الإسلام الأوزجندي يقول إذا كتب السجل من الحاكم ينبغي أن يكتب فيه خليفة الحاكم، من قبل فلان وفلان مأذون بالاستخلاف بحكم المثال الصحيح من جهة فلان. إذا قال السلطان لرجل جعلتك نائبي في القضاء بشرط أن لا ترتشي ولا تشرب الخمر ولا تميل أمر أحد على خلاف الشرع فالتقليد صحيح والشرط صحيح، وإذا فعل شيئاً من ذلك لا يبقى قاضياً لأن تقدير هذا الكلام أنت نائبي ما دمت لا تشرب ولا ترتشي ولا تميل أمر أحد على مخالفة الشرع، فهذا تقليد مؤقت معنى، ومثل هذا التقليد صحيح، فإذا وجد الوقت ينتهي التقليد. السلطان إذا قال: قلدت قضاء بلدة كذا زيداً، أو عمرواً لا يصح؛ لأن هذا تقليد للمجهول المرأة فيما تصلح شاهدة تصلح قاضية، لأن القضاء من باب الولاء كالشهادة ذكره الخصاف في «أدب القاضي» في باب القاضي يستخلف رجلاً وما يجوز له من ذلك. إذا وقع القضاء، في حادثة بحق، فأمر السلطان القاضي أن يسمع تلك الحادثة ثانياً بحضرة فلان لا يفترض على القاضي ذلك، لأنه لا فائدة فيه. أهل البغي إذا غلبوا على بلاد أهل العدل، فالقضاة قضاة على حالهم ما لم يعزلهم

стр. 3461

الباغي، فإذا عزلوهم خرجوا عن القضاء حتى لو انهزم البغاة بعد ذلك، لا ينفذ قضاؤهم ما لم يقلدهم سلطان أهل العدل (٦٦ب٤) ثانياً، لأن الباغي صار سلطاناً بحكم القهر ألا ترى أن تقلد القضاء منه يجوز، فيصح العزل منه. السلطان إذا قلد رجلاً قضاء بلدة لها قاض، ولم يعزل الأول صريحاً، إن قيل ينعزل الأول فله وجه؛ لأن تقليد قاضيين في مصر واحد غير معتاد، فيضمن تقليد الثاني عزل الأول، فإن قيل لا ينعزل الأول، فله وجه وهو الأظهر والأشبه؛ لأنه لا تنافي بينهما. ألا ترى أن السلطان من الابتداء لو قلد رجلين قضاء بلدة يجوز وللسلطان أن يعزل القاضي، ويستبدل مكانه آخر لرتبة، ولغير رتبة؛ لأن للسلطان ولاية عامة، فيملك التقليد والصرف في أي زمان أراد، وقد صح عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: لا يترك القاضي على القضاء أكثر من سنة؛ لأنه لا يتفرغ للتعليم والتعلم حال اشتغاله بالقضاء، فنسى العلم. السلطان إذا عزل قاضياً لا ينعزل ما لم يصل إليه الخبر حتى لو قضى بقضايا بعد العزل قبل وصول الخبر إليه، جازت قضاياه، وهو نظير الوكيل إذا عزل لا ينعزل قبل وصول الخبر إليه. وعن أبي يوسف ﵀، أنه لا ينعزل، وإن لم يعزله حتى يقلد غيره مكانه، ويقدم صبيانه لحق العباد، واعتبره بإمام الجمعة إذا عزل، وهذا إذا حصل العزل مطلقاً، فأما إذا حصل العزل مطلقاً بشرط وصول الكتاب إليه لا ينعزل ما لم يصل إليه الكتاب، علم بالعزل قبل وصول الكتاب إليه، أو لم يعلم، ورواية أبي يوسف ستأتي ها هنا، وإذا مات الخليفة وله قضاة وأمراء وولاة، فهم على حالهم قضاة وأمراء وولاة، رواه هشام وداود بن رشيد عن محمد، وليس هذا كالوكالة. إذا عزل السلطان القاضي انعزل نائبه بخلاف ما إذا مات القاضي حيث لا ينعزل صاحبه، هكذا قيل، وينبغي أن لا ينعزل النائب بعزل القاضي؛ لأنه نائب السلطان، أو نائب العامة، ألا ترى أنه لا ينعزل بموت الخليفة، وعليه كثير من المشايخ، وإذا عزل السلطان نائب القاضي لا يعزل القاضي. الفصل السادس: فيه بعض التقليد وما يقع لمقاضي نفسه وحكم الأمراء قال أبو حنيفة ﵀ إذا غلب الخوارج على بلدة، واستقضوا عليها قاضياً من أهل البلدة ليس من الخوارج، ثم غلب عليهم أهل العدل يمضي قاضي أهل العدل من قضاياه، كل ما تخالف فيه الفقهاء، قال محمد ﵀: ولا يجوز قضاء أهل الخوارج، وشهادتهم علل وقال لأنهم إذا اخرجوا فقد استحلوا دماءنا وأموالنا.

стр. 3462

وفي «أدب القاضي» للخصاف: إذا كان القاضي من أهل البغي لا تنفذ قضاياه، وأشار في كتاب الأقضية إلى أنه تنفذ قضاياه، فإنه قال: هو بمنزلة فساق أهل العدل، وقد ذكرنا أن الفاسق يصلح قاضياً على أصح الأقاويل، وفي «واقعات الناطفي» الإمام إذا لم يكن عادلاً فأحكامه جائزة، فإن كثيراً من العلماء تقلدوا الأعمال والقضاء من معاوية مع أنه كان جائراً وكان في الصحابة من هو أفضل منه. وفي «فتاوى أهل سمرقند» ،: إذا كان الأمير الذي يولى القضاء جائراً لم يجز حكمه ويجوز حكم قضاته وسيأتي عن أبي يوسف ﵀ ما يؤكد هذا القول، والصواب ما ذكر في «واقعات الناطقي» أن حكم الإمام جائز، وإن كان جائراً السلطان إذا قضى بين اثنين.g ذكر في «شهادات فتاوي أبي الليث» ﵀: قول بعض المشايخ: أنه لا يجوز، وذكر الخصاف في «أدب القاضي» أنه يجوز، ومسألة الواقعات التي مرت تشهد لقول الخصاف، والصحيح ما ذكر الخصاف، لأن القاضي استفاد الولاية من جهة السلطان وتقلد القضاء منه، فمن المحال أن ينفذ من القاضي ولا ينفذ من السلطان. وفي «المنتقى» عن أبي يوسف: الأمير إذا كان يولى القضاء من قبله، فيقضي ذلك الأمير، أو كتب إلى القاضي فهو جائز إذا كان عدلاً، وإذا كان جائراً فلا، فهذه الرواية عن أبي يوسف ﵀ تؤكد ما ذكر الخصاف من نفاذ قضاء الأمير، ويؤكد ما ذكر في «فتاوى أهل سمرقند» من عدم جواز حكم الأمير إذا كان جائراً، وإذا كان القاضي من قبل الخليفة لا من قبل الأمير، فليس للأمير أن يقضي، ولو قضى لا ينفذ قضاؤه. قال هشام ﵀ سمعت أبا يوسف ﵀ يقول: إذا كان القاضي من الأصل يعني من الخليفة ثم مات، فليس للأمير أن يولي قاضياً، وإن كان أمير عشرها وخراجها؛ لأنه قد عزل عنه الحكم، حيث كان القاضي من الأصل، وإن حكم هذا الأمير لم يجز حكمه وكذلك إن ولي هذا الأمير قاضياً من قبله لم يجز حكمه، وإن جاء هذا القاضي الذي ولاه هذا الأمير كتاب الخليفة إليه من الأصل لا يكون ذلك إمضاء للقضاء، وإذا كان للقاضي خصومة على إنسان، أو كان لغيره عليه خصومة، فترافعا إلى خليفة هذا القاضي، فقضى للقاضي أو عليه، اختلف المشايخ فيه. قال بعضهم: لا يجوز، وقال بعضهم: يجوز، وجه هذا القول أن خليفة القاضي ليس بنائب عن القاضي، ليصير حكم الخليفة كحكم القاضي بل هو نائب عن الله، أو عن جماعة المسلمين، ألا ترى أنه لا ينعزل بموت القاضي؟ فيجوز حكمه له وعليه. وقد صح أن علياً رضى الله عنه قلد شريحاً رضى الله عنه، وخاصم عنده في حادثة، وذكر الخصاف في «أدب القاضي» لو أن قاضياً قضى للإمام الذي ولاه بقضية، أو قضى عليه جائز ذلك، وكذلك لو قضى لولد الإمام أو والده أو زوجته، وكذلك قاضي القضاء لو خوصم إلى قاضي ولاه، فقضى له أو عليه جاز، وكذلك لو أن الإمام ولى قاضياً على مثل خراسان والمروان، فولى قضاة على الكور، ففعل ثم خاصم القاضي إلى

стр. 3463

بعض من ولاه فقضاؤه جائز له وعليه، وسيأتي في الفصل الذي يلي هذا الفصل ما يؤكد هذا القول. والذي يشهد للقول الأول ما ذكر هشام في «نوادره» قال سألت محمداً ﵀ عن قاض وجب له الشفعة قبل رجل فلم يعطها إياه، وجحد، والوالي الذي في بلاده ليس بمن يولي القضاء، كيف يصنع؟ قال: ينبغي للوالي أن يقول لهما: اختارا رجلاً يحكم بينكما، قلت: فإن أبى الرجل ذلك أجبره عليه قال: نعم، فقد أشار محمد ﵀ إلى التحكيم في هذه الصورة، ولو صار حكم الخليفة للقاضي لا حاجة إلى التحكيم. قال هشام: سألته عن قاضي البلدة إذا مات وواليها ممن لا يولى القضاء أيجبر الخصوم على رجل يحكم بينهم؟ قال: أما كل شيء يحتاج فيه إلى أن يرجع المقضي عليه إلى آخر فلا يجوز، ولا يجبر عليه، وأما ما كان من قرض، أو غصب يجبر عليه. وفي «المنتقى» : إذا خاصم ابن القاضي غيره إليه، أو خاصم غيره ابنه إليه ينظر فيه، فإن توجه القضاء على ابنه يقضي على ابنه، وإن توجه لابنه تركهما، ويقول لهما: اختصما إلى غيري. الفصل السابع: في جلوس القاضي ومكان جلوسه قال الخصاف ﵀ في «أدب القاضي» قال أبو حنيفة: وينبغي للقاضي أن يجلس للحكم في المسجد الجامع وبين المعنى، فقال: لأنه أشهر المجالس، ومعناه أنه في المصر الغرباء وأهل البلدة، فينبغي أن يختار للجلوس موضعاً هو أشهر المواضع، حتى لا يخفى على أحد مجلسه، والمسجد الجامع في كل موضع أشهر المواضع، قال الشيخ الإمام فخر الإسلام علي البزدوي ﵀: هذا إذا كان المسجد الجامع في وسط البلدة؛ كيلا يلحق بعض الخصوم زيادة مشقة بالذهاب إلى طرف البلدة، وإن جلس في مسجد حيه فلا بأس به، هكذا روي عن بعض السلف أنهم يجلسون في مسجد حيهم. وكذلك إن جلس في بيته لا بأس به، قال فخر الإسلام: هذا إذا كان مسجد حيه أو بيته في وسط البلدة، ويختار مسجد السوق؛ لأنه أشهر، قال الخصاف في «أدب القاضي» : أيضاً وإذا دخل المسجد لا بأس بأن يسلم على الخصوم فقد صح أن شريحاً ﵁ كان يسلم على الخصوم وهذا، لأن السلام سنة متبعة، والقاضي (٦٧آ٤) بسبب قضائه لا يمتنع عن سائر السنن كصلاة الجنازة، وعيادة المريض، فكذا عن هذه السنة، والمراد من السلام المذكور التسليم العام، ولا ينبغي له أن يسلم على أحد الخصمين؛ لأن الذي سلم عليه القاضي قد يجترئ على صاحبه فيطمع الجور في القاضي. واختلف المشايخ في التسليم العام، ذكر الخصاف ﵀ أنه لا بأس به وبعض

стр. 3464

مشايخنا قالوا عليه أن يسلم؛ لأن السلام سنة متبعة، ولا يجوز ترك السنة لأجل العلم، وهذا القائل يقول: إن الأمير والوالي إذا دخل المسجد، فالأولى أن لا يسلم لما قلنا، وإذا دخل المسجد، وجلس ناحية منه لفصل الخصومة، لا ينبغي له أن يسلم على الخصوم، ولا ينبغي للخصوم أن يسلم عليه أما لا ينبغي له أن يسلم، لأنه إنما جلس لفصل الخصومة فينبغي أن يشتغل بما جلس له لا بغيره، ولأن القاضي جالس، والسنة في السلام أن يسلم القائم على الجالس، والماشي على القائم، والراكب على الماشي، وأما لا ينبغي للقوم أن يسلموا عليه لأن السلام تحية الزائرين، والخصوم ما تقدموا إليه لأجل الزيارة، إنما تقدموا إليه لأجل الخصومة، هكذا ذكر الخصاف في «أدب القاضي» . وبعض مشايخنا يقيسون الأمراء والولاة على القضاة، فقالوا: هم لا يسلمون على الرعية، والرعية لا يسلمون عليهم، قال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي: والصحيح هو الفرق بين القضاة والأمراء والولاة، والرعية يسلمون على الأمراء والولاة، والخصوم لا يسلمون على القضاة، والفرق وهو أن القاضي ما جلس للزيارة، والخصوم ما تقدموا إليه لأجل الزيارة والسلام تحية الزائرين فلا يسلمون عليه لهذا، وأما الأمراء والولاة يجلسون للزيارة لا لفصل الخصومات، والناس يدخلون عليهم لأجل الزيارة، فيسلمون عليهم لما ذكرنا أن السلام تحية الزائرين، فعلى قول هذا لو جلس الأمير لفصل الخصومة لا يسلمون عليه، ولو جلس القاضي لزيارة الناس يسلمون عليه، ولو سلم الخصوم على القاضي بعد ما جلس ناحية من المسجد لفصل الخصومات، فلا بأس بأن يرد ﵈، هكذا ذكر الخصاف، وهذا إشارة إلى أنه لا يجب عليه رد السلام، وهذا لأن الرد جواب السلام، والسلام إنما يستحق الجواب إذا كان في أوانه، أما إذا كان في غير أوانه فلا. ألا ترى أن من سلم على المصلي لا يستحق الجواب، وإنما لا يستحق لما قلنا حكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد الفضل البخاري ﵀ أنه كان يقول: من جلس لنفع تلامذته فدخل عليه داخل وسلم، وسعه أن لا يرد، لأنه إنما جلس للتعليم لا لرد السلام فلا يكون السلام في أوانه، وإذا جلس القاضي لفصل الخصومات ينبغي أن يقيم بين يديه رجلاً يمنع الناس عن التقدم بين يديه في غير وقتها، ويمنعهم عن إساءة الأدب، ويقال له صاحب المجلس، وله أسامي الشرطي، والعريف، والحلوان. وينبغي أن يكون معه سوط؛ لأنه يحتاج إلى تأديب السفهاء، والتأديب عادة يكون بالسوط، وقد كان لرسول الله ﵇ قضيب يأخذ بيده، وكان ذلك القضيب معه إلى أن توفي ﵇، ثم صار القضيب في يد أبي بكر ﵁، ثم صار في زمن عمر ﵁ الدرة، ثم صار بعده السياط. وينبغي أن يكون أميناً لأن مجلس القاضي بحضرة النسوان، فيؤدي إلى الفتنة لو لم يكن أميناً، وينبغي أن لا يكون طماعاً حتى لا يرتشي، فلا يميل إلى بعض الخصوم، ولا يترك إذا أساء الأدب. وإذا جلس الخصمان بين يدي القاضي، ورأى القاضي أن يأمر صاحب المجلس

стр. 3465

ليقوم معدتيه حتى لا يعرف ما يدور بين الخصمين وبين القاضي، ولا يعلم به أحد الخصمين ولا يلق شيئاً فعل ذلك، وإن كان ثقة مأموناً، فتركه بقرب منه، فلا بأس والقاضي أن القاضي يعمل ما فيه النظر والاحتياط في أمور الناس، ولا ينبغي لهذا الرجل أن يسار لأحد الخصمين، لأنه ربما يتهم الخصم الآخر أنه واضعه على شيء، فيجر بذلك تهمة إلى القاضي، وينبغي للقاضي إذا تقدم إليه الخصمان أن يسوي بينهما في النظر، والمجلس فيجلسهما بين يديه، لأن القاضي مأمور بالعدل والإنصاف بين الخصوم وعين العدل التسوية بينهما في المجلس إذا أجلسهما بين يديه، لأنه إذا لم يجلسهما بين يديه أما إن أجلسهما من جانب واحد وفيه تفويت التسوية، لأن أحدهما يكون أقرب إلى القاضي، وأما إن أجلس أحدهما من جانب، والآخر من جانب وفيه تفويت التسوية أيضاً؛ لأن لليمين فضلاً على الشمال. وفي «النوازل» : رجل خاصم السلطان إلى القاضي، فجلس السلطان مع القاضي في مجلسه، والخصم على الأرض ينبغي للقاضي أن يقوم من مكانه، ويجلس خصم السلطان فيه، ويقعد على الأرض، ثم يقضي بينهما حتى لا يكون مفضلاً أحد الخصمين على الآخر، وهذه المسألة دليل على أن القاضي إذا وقع له خصومة، أو عليه لا بأس أن يحكم فيه خليفته، وقد صح أن يهودياً ادعى على الرشيد دعوى في زمن أبي يوسف بين يدي أبي يوسف، وقد سمع أبو يوسف ﵀ خصومتهما، وقضى على الرشيد، وإنه دليل على دليل القول أيضاً. وحكي عن الشيخ الإمام ظهير الدين المرغيناني ﵀ أنه كان يقول: إذا وقع الدعوى بين الرجل وابنه ينبغي أن يسوي بينهما في المجلس، لأن الدليل الموجب للتسوية لا يوجب الفضل بين خصم وخصم، وينبغي للخصمين أن يجثوا بين يدي القاضي، أو صاحب مجلسه تعظيماً للحكم، كما يجلس المتعلم بين يدي المعلم تعظيماً للمعلم. وينبغي للقاضي أن يسوي بينهما في النظر، ولا ينظر إلى أحدهما دون الآخر؛ لأن نظره إلى أحدهما إن كان نظر شفقة ورأفة، فقد مر تهمة الميل إلى نفسه، وإن كان نظر هيبة ينكر، قلت: المنظر فعسى يذهب ويترك حقه، فيكون القاضي هو المضيع لحقه، وكذلك لا ينبغي له أن يرفع صوته على أحدهما؛ لأنه ينكسر قلب الذي رفع صوته عليه، لأنه يجر به تهمة الميل إلى خصم الآخر، وكذلك لا ينبغي له أن يطلق بوجهه إلى أحدهما في شيء من المنطق ما لا يفعل ما لآخر مثله لما ذكرنا. وكذلك لا ينبغي له أن يسأل على أحدهما، ويلقنه حجته، لأنه مكسرة لقلب الخصم الآخر، وسبباً لتهمة الميل.

стр. 3466

والحاصل: أن القاضي مأمور بالتسوية فيما يقدر على التسوية وفيما في وسعه، وكل شيء يقدر على التسوية بينهما فيه لا يعذر تركها فيه، وما لا يقدر على التسوية فيه لا يؤاخذ بترك التسوية فيه، وقد صح أن رسول الله ﷺ كان يسوي في القسم بين نسائه وكان يقول: «هذه قسمتي فيما أملك فلا تؤاخذني فيما لا أملك» يعني: بميل القلب إلى عائشة رضى الله عنها. قال صاحب «الأقضية» : وينبغي أن يكون جلوسهما بين يدي القاضي على قدر ذراعين، أو نحو ذلك بحيث يسمع كلامهما من غير أن يرفع أصواتهما، وهذا لأن القاضي لا يمكن من القضاء بحق على الوجه الذي أمر إلا بعد سماع كلامهما، والخصوم نهوا عن رفع الصوت بين يدي القاضي لما فيه من إسقاط حشمته، فقدرنا موضع جلوسهما بما قدرنا ليتمكن القاضي من القضاء على الوجه الذي أمر من غير أن يكون إسقاط حشمته وهيبته. وينبغي للقاضي إذا جلس في المسجد أن يسند ظهره إلى المحراب، وكان الرسم في زمن الخصاف وغيره أن يجلس مستقبلاً القبلة بوجهه، ورسم زماننا أحسن؛ لأن القاضي إذا جلس مستقبل القبلة كان القوم والخصوم بين يده مستدبرة في القبلة، وإذا أسند القاضي ظهره إلى المحراب كان الخصوم والقوم بين يديه مستقبل القبلة، ويقف أعوان للقاضي بين يدي القاضي ليكون أهيب في أعين الناس، ويجب أن يكون قيامهم بعيد من القاضي حتى لا يسمعوا ما يدور بين القاضي وبين من تقدم إليه من الخصوم، ولا يعرفون رأي القاضي في بعض ما يقع لهم من المسائل، ولا يحتالون لإبطاله ويجلس كاتبه ناحية منه بحيث يراه حتى إذا احتاج إليه كان قادراً عليه (٦٧ب٤) ولأنه إذا كان يراه لا يخشى منه الزيادة والنقصان في الكتابة. قال الخصاف في «أدب القاضي» : وإذا جلس القاضي للقضاء فلا بأس بأن يجلس مع نفسه من يثق بدينه، وأمانته وفقهه في مجلس الحكم قريباً منه، بحيث يسمعون كلامه وكلام من يحضره من الخصوم. قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني: ينبغي للقاضي أن ينظر لنفسه وإن كان رأى رجلاً حيياً، ورأى جلوسه بانفراده أحسن لنفسه لا يجلس مع غيره؛ لأن الرجل إذا كان حييّاً ربما يحتشم ممن معه فينقطع، ويعجز عن أدراك الصواب، ولا يتبين له الحق لحيائه وحشمته ممن معه، وإذا كان معه يكون مجتمع الرأي يدرك الصواب، ولا يغيب عنه الصواب فإذا كان هكذا فالأصل أن لا يجلس معه غيره، وإن كان جريء القلب غريم الصواب والنصرة، فلا بأس بأن يجلس معه قوماً من أهل العلم والرأي والتدبير لمنافع. أحدها: أن يكون أعظم لأمر القضاء وأهيب في أعين الناظرين.

стр. 3467

والثاني: أنه إذا اشتبه إليه شيء يشاورهم وإذا أشكل عليه شيء سألهم. والثالث: أنه إذا ضل يرشدونه وإذا زل ينبهونه، وقد جاء على هذا أثار من الصحابة والتابعين، ثم شرط الخصاف في الذي جلس مع القاضي الأمانة والديانة والفقه، أما اشتراط الأمانة، والديانة؛ فلأن مجلس القضاء يحضره الشبان من النسوان فلو لم يكن أميناً متديناً ربما يمكن فيه فساد، وأما الفقه فلأن المقصود من إجلاس غيره معه المشورة وإصابة الحق واستخراج الحكم، وإنما يحصل من الفقيه لا من غيره. قال الخصاف: ولا ينبغي للقاضي أن يشاورهم بمحضر من الخصوم، حتى لا يقع في قلب من كان جاهلاً أن القاضي لا يدري ويسأل عن غيره فيذهب حرمته وماء وجهه، ثم إذا تقدم إليه الخصمان سأل المدعي دعواه هكذا ذكر الخصاف وصاحب كتاب «الأقضية» أبو جعفر ﵀. وهذا فصل اختلف فيه المشايخ بعضهم قالوا: ليس للقاضي أن يسأل المدعي عن دعواه، لأن فيه تهيج الخصومة، والقاضي نصب لقطع الخصومة لا لتهييجها، ولكن يسكت ويستمع ما ادعاه المدعي، وبعضهم قالوا يسأل وبه أخذ الخصاف، وصاحب كتاب «الأقضية» ، وهذا لأن مجلس القضاء مجلس هيبة وحشمة، فمن لم ير مثل هذا المجلس يتحير وعسى يعجز عن بيان دعواه، فينبغي للقاضي أن يسأل ولو نسبه لكلامه حتى يقدر على بيان دعواه، وهكذا ذكر في «محاضر ابن سماعة» وهكذا ذكر في «المنتقي» . وروي عن محمد ﵀: إن القاضي بالخيار إن شاء سأل وإن شاء سكت، وذكر الشيخ الإمام فخر الإسلام علي البزدوي ﵀ أن على قول أبي يوسف ﵀ القاضي يسأل، وعلى قول محمد ﵀ لا يسأل بل يسكت، ثم إذا سأله أو لم يسأله ولكن ادعى بنفسه سأل القاضي المدعى عليه عن دعوى المدعي في صحيفة وينظر فيه، أصحيح هو أو فاسد؟ فإن كان فاسداً لا تقبل على المدعى عليه؛ لأن الدعوى إذا لم تكن صحيحة لا يتوجه الجواب على المدعى عليه، ولكن يقول للمدعي قم فصحح دعواك هكذا ذكر الخصاف في موضع من «أدب القاضي» . وذكر في موضع آخر أن القاضي لا يقول له ذلك، وبه أخذ بعض مشايخنا ﵏، لأن هذا من القاضي تلقين، ولكن يقول له: دعواك هذه فاسدة، فلا يلزمني سماعها وهذا ليس تلقين بل هو فتوى بالفساد، وإنما يقول له: إن دعواك فاسدة؛ لأنه لو لم يقل له ذلك ربما يتهمه المدعي بالميل إلى خصمه حيث لم يقبل عليه، ولم يسأل الجواب فيبين ذلك، ليعلم المدعي أنه إنما لم يسأله؛ لأن السؤال لم يكن مستحقاً عليه، وإن كانت دعواه صحيحة فالقاضي يسأل المدعي عليه ويقول له: إن خصمك ادعى عليك كذا أو كذا فماذا تقول هكذا ذكر الخصاف، وصاحب كتاب «الأقضية» . وفيه اختلاف المشايخ على نحو ما ذكرنا في جانب المدعي فإن عند بعض المشايخ لا يسأله القاضي الجواب، حتى لا يكون تلقينا، ولكن ينظر إليه ليأتي بالجواب ثم إذا

стр. 3468

سمع جواب المدعى عليه كتب جوابه في قرطاس، أو أمر الكاتب أن يكتب ذلك بين يديه: بسم الله الرحمن الرحيم حضر القاضي فلان بن فلان يوم كذا بكذا ليلة خلت من شهر كذا من سنة كذا فأما الكتابة ليقع الأمن عن الزيادة والنقصان في جواب المدعى عليه، فيمكن الرجوع إليه عند مساس الحاجة، ولأجل ذلك قال: يكتب الكاتب بين يدي القاضي حتى يقع الأمن عن الزيادة والنقصان من الكاتب وأما كتابة التاريخ فلأن المدعي عليه، ربما يأتي بالدفع والحكم فيه يختلف، بينما قبل الدعوى، وبينما بعد الدعوى. ثم إن كان القاضي يعرف المدعى عليه والمدعي أثبتهما في رقعه معروفة، وكتب حضر فلان وأحضر معه فلاناً وإن لم يعرفهما أرسل الكتابة إرسالاً وكتب حضر رجل ذكر أنه فلان بن فلان، ينسبه إلى أبيه وجده أو إلى مواليه فكتب ذكر أنه مولى فلان بن فلان فإن كان له تجارة أو صناعة يعرف بها ينسبه إليها زيادة في التعريف، وكذلك بحملة زيادة في التعريف ولكن يحليه بما يره لا بما يشبه، وأحضر رجلاً ذكر أنه فلان على نحو ما بينا في جانب المدعي ثم يكتب فادعى فلان بن فلان يعني المدعي، ثم يكتب فادعى فلان بن فلان يعني المدعي الذي حضر على فلان بن فلان يعني المدعى عليه، الذي أحضره معه كذا وكذا يكتب دعواه من غير زيادة ونقصان، ثم يكتب، فسأل القاضي المدعي عليه فلان بن فلان عما ادعي عليه فلان بن فلان من الدعوى الموصوفة في هذا الكتاب، فإن كان قد أقر به كتب إقراره، وإن كان قد جحد يكتب جحوده، ليعلم بعد ذلك أنه هل ينبغي له أن يسمع البينة عليه أم لا، وينبغي أن يكتب الجحود بلفظه، ولا يحوله إلى لسان العربية إلا إذا أمكنه أن يحوله من غير زيادة ونقصان، ومن غير أن يدخل فيه كلمة مبهمة مشتركة، فإن الجحود يختلف حكمه باختلاف أنواعه. فإن في الوديعة لو جحد الإيداع أصلاً ثم ادعى الرد أو الهلاك لا تسمع دعواه، ولو قال: ليس علي تسليم ما ادعيت ولا قيمتها ثم ادعى الرد أو الهلاك لا تسمع دعواه، فكتب عبارته بلسانه من غير زيادة ونقصان حتى يبني عليه حكمه، وهذا الذي ذكرنا رسم قضاة ديار الخصاف، وصاحب كتاب «الأقضية» ، وعرف زماهما والقضاة في زماننا على رسم أحسن من هذا، فإن المدعي في زماننا ما في كاتب باب القاضي حتى يكتب دعواه في بياض، وكتب حضر القاضي يكتب اسم القاضي الذي ترفع إليه الحادثة، ويترك موضع التاريخ، ثم يكتب اسم المدعي، ونسبه ويكتب اسم المدعى عليه ونسبه ويكتب دعواه بشرائطه، ثم يترك موضع الجواب، فإذا جلس المدعي ووكيله للخصومة يدعى وكيله من ذلك الكتاب، ويسأل القاضي المدعى عليه الجواب عن دعواه، فإذا أجابه بالإقرار أو بالإنكار دفع البياض إلى القاضي حتى يكتب التاريخ في أوله والجواب في آخره، بعبارة المدعى عليه، ثم إن كان الجواب بالإقرار أمره القاضي بالخروج عن عهده بالقرينة، وإن كان بالجحود فالقاضي يقول للمدعي: إن خصمك قد جحد دعواك فماذا تريد؟. هكذا ذكر الخصاف، وصاحب كتاب «الأقضية» ، وهو اختيار بعض المشايخ وإنه

стр. 3469

على الاختلاف، فإن قال المدعي: حَلِّفه فالقاضي يقول للمدعي: ألك بينة على ما هو رأي الخصاف وصاحب كتاب الأقضية، وهو قول بعض المشايخ فإن قال: لا حلف القاضي المدعي عليه، وإن قال نعم لي بينة فالقاضي يأمر بإحضارها، ويكتب أسماء الشهود وأنسابهم وحلاهم ومحالهم، أو يأمر الكاتب حتى يكتب ذلك فإذا أحضر المدعي شهوده يكتب الكاتب لفظ شهادتهم (٦٧آ٤) من غير زيادة ونقصان، فإذا جلس الشهود بين يدي القاضي، وجاء أوان الشهادة أخذ للقاضي البياض، وسألهم عن شهادتهم، وإن كتب القاضي لفظ شهادتهم بنفسه فهو أوثق وأحوط، ثم يقلد القاضي لفظ شهادتهم بالدعوى فإن كانت موافقة للدعوى، وعرف القاضي الشهود بالعدالة يقول للمدعي عليه هل لك دفع؟ فإن قال نعم ولكن أمهلني حتى آتي به أمهله. وإن قال: لا وجه عليه القضاء، وإن لم يعرف القاضي إياهم بالعدالة يتوقف وإن قال المدعي لي بينه حاضرة إلا أني أطلب يمين المدعى عليه، إن قال حاضر في المجلس فالقاضي لا يجيبه ولا يحلف المدعى عليه بالإجماع كذا ذكره القدوري ﵀ في «شرحه» ، وإن قال حاضره في بلدته، فالقاضي لا يجيبه ولا يحلف المدعى عليه، في قول أبي حنيفة ﵀، وقال أبو يوسف ﵀: يجيبه وقول محمد مضطرب ذكره القدوري ﵀ مع قول أبي حنيفة ﵀، وذكره الخصاف مع قول أبي يوسف، وذكر الشيخ الإمام فخر الإسلام علي البزدوي ﵀ أن القاضي يحلفه في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف ومحمد لا يحلفه.h وجه من قال يجيبه، أن المدعي عسى يقدر عليه الوصول إلى حقه بالبينة بأن لا يعدل شهوده، فيجيبه إلى طلب التحليف حتى لا يصير معرضاً لحقه على الهوى والتلف. وجه قول من قال: لا يجيبه أن القياس يأبى استحقاق اليمين على المدعى عليه، لأنها تستحق بمجرد الدعوى، ومجرد الدعوى لا يصلح سبباً للاستحقاق لكن عرفنا الاستحقاق قريباً على البينة في قصة الخضري والكندي فيبقى الاستحقاق لا بهذه الصفة، على أصل القياس وإذا كانت المسألة مختلفة، فإن كان القاضي لا يرى استحلافه لا يحلفه، وإن كان يرى استحلافه يحلفه وإذا حلفه، وحلف وطلب من القاضي أن يعطيه رقعة أن فلاناً ادعى على فلان كذا وحلفه وحلف حتى لا يقدمه إلى هذا القاضي ثانياً، أو إلى قاض آخر، فيحلفه مرة أخرى، أعطاه نظراً له والقاضي بالخيار إن شاء كتب ذلك في رقعة على حدة وإن شاء كتب ذلك في البياض الذي كتب فيه الدعوى والإنكار، وكتب فيه التاريخ وأعطاه. ثم الدعوى لا تخلو أما أن تقع في العين، أو في الدين فإن وقع الدين والمدعى مكيل، فإنما يصح الدعوى إذا ذكر المدعي جنسه أي أنه حنطة أو شعير، ويذكر نوعه أنه صيفي أو بري، أو خريفي أو ربيعي، وصفته أنه وسط أو جيد أو رديء، ويذكر الحمراء أو البيضاء في الحنطة، ويذكر قدره فيقول: كذا قفيزاً؛ لأن الحنطة تكال بالقفيز ويذكر بقفيز، كذا لأن القفيزات تتفاوت في ذاتها، ويذكر سبب الوجوب لأن أحكام الديون

стр. 3470

تختلف باختلاف أسبابها، فإنه إذا كان بسبب السلم لا يجوز الاستبدال به، ويحتاج إلى بيان مكان الإيفاء فيه، ليقع التحرر عن موضع الخلاف. وإن كان من ثمن بيع جاز الاستبدال به، وبيان مكان الإيفاء فيه، ليس بشرط، وإن كان من قرض لا يجوز التأجيل فيه بمعنى أنه لا يلزم، ويذكر في السلم شرائط صحته من أعلام جنس رأس المال ووزنه، إن كان وزنياً وإيفائه في المجلس حتى يصح عند أبي حنيفة ﵀ وتأجيل المسلم فيه شهراً، أو أكثر حتى يخرج عن حد الاختلاف، وكذا ما سوى ذلك من شرائط السلم، على ما عرف في البيوع. ويذكر في القرض القبض وصرف المستقرض إلى حاجته، لأن عند أبي حنيفة ﵀ لا يصير ديناً عليه إلا بالاستهلاك، وينبغي أن يذكر في دعوى القرض أيضاً أنه أقرضه كذا من مال نفسه، لجواز أن يكون وكيلاً في الإقراض، والوكيل في الإقراض سفير ومعبّر، ولا يكون له حق الأخذ، ولا حق المطالبة بالأداء، وكذلك في كل سبب من الأسباب يذكر شرائط أيضاً لأن كل أحد لا يهتدي إلى العقد شرائط. العقد فينبغي أن يبين ذلك للقاضي حتى يتأمل فيه القاضي إن وجده صحيحاً عمل به وإلا رده، وإن كان المدعي به وزنياً يذكر جنسه، فإن كان ذهباً وكان مضروباً، ويذكر كذا ديناراً، ويذكر نوعه أنه نيسابوري الضرب أو بخاري الضرب، أو ما أشبه ذلك، ولم يذكر صفته أنه جيد أوردئ أو وسط، وإذا ذكر البخاري والنيسابوري لا يحتاج إلى ذكر الأحمر، لأن البخاري أو النيسابوري لا يكون إلا حمراء، ولا بد من ذكر الجيد، عليه عامة المشايخ. وفي «فتاوي النسفي» : إذا ذكر أحمر خالص كفى ولا يحتاج إلى ذكر الجيد، ولا بد أنه يبين أن من ضرب أي والي عند بعض المشايخ؛ لأن في مضروب الولاة تفاوتاً، وبعضهم لم يشترطوا ذلك، وأنه أوسع، ويذكر المثقال مع ذلك، فإن الدنانير توزن بالمثقال، ويذكر نوع المثقال؛ لأن مثاقيل البلدان مختلفة، وإن لم يذكر مضروباً لا يذكر كذا ديناراً بل يذكر مثقالاً، فإن كان خالصاً من الغش تذكر كذلك، وإن كان فيه غش ذكر ذلك أيضاً نحو والده نوصي أوده متى والده شتى، أو ما أشبه ذلك. فإن كان المدعي به نقرة، وكان مضروباً ذكر نوعها وهو ما يضاف إليه، وصفتها أنها جيد أو وسط أو رديئة، وكذا ذكر قدرها كذا درهماً وزن سبعة؛ لأن وزن الدراهم مختلف باختلاف البلدان، والذي في ديارنا وزن سبعة، وهو الذي كل عشرة منها يزن سبعة مثاقيل، وإن كانت فضة غير مضروبة ذكر فضة خالصة من الغش، إن كانت خالية من الغش، ويذكر نوعها نقرة كليخة أو نقرة طمغاجي، ويذكر صفتها أنها جيدة أو وسط أورديء، ويذكر قدرها كذا كذا درهماً، وقيل: إذا ذكر كذا كذا طمغاجي كفى، ولا يحتاج إلى ذكر الجيد، وإن كان المدعي به دراهم مضروبة والغش فيها غالب فإن كان يعامل بها وزناً يذكر نوعها وصفتها ومقدار وزنها، وإن كان يعامل بها عدداً، ومنها أشياء أخر تأتي في كتاب «الدعوى» إن شاء الله. وإن كان الدعوى في العين، فإن كان المدعى به منقولاً وهو هالك، ففي الحقيقة
следующие страницы →