Полный текст (4 583 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
وعند محمد ﵀ لا يصير مدركاً لها، فأبو حنيفة وأبو يوسف جعلا هناك إدرك الإمام في التشهد كإدراك الركعة في حق إدراك الجمعة، فكذلك في حق هذا، ومحمد ﵀ لم يجعل هناك إدراك الإمام في التشهد كإدراكه في حالة القيام في حق إدراك الجمعة، كذلك في هذا.
ثم إن محمداً ﵀ ذكر في «الجامع الصغير» إذا انتهى الرجال إلى الإمام، والإمام في صلاة الفجر إن خشي أن تفوته ركعة، ويدرك ركعة من الفجر يصلي ركعتي الفجر ويدخل مع القوم في صلاتهم وذكر في كتاب الصلاة إذا انتهى إلى الإمام والإمام يريد أن يأخذ في الإقامة، وقد اختلفوا فيه قال بعضهم هذا، وذلك سواء، ويشتغل بركعتي الفجر في الحالين إذا كان يرجو إدراك ركعة مع الإمام، وقال بعضهم: إذا انتهى إلى الإمام، والإمام في الصلاة يشتغل بركعتي الفجر إذا كان يرجو إدراك ركعة مع الإمام، وأما إذا أراد الإمام أن يأخذ في الإقامة، يدخل في صلاة الإمام؛ لأن في الصورة الأولى تكبيرة الافتتاح فاتته حقيقة، وفي الصورة الثانية تكبيرة الافتتاح ما فاتته حقيقة، فلو دخل في صلاة الإمام يحرز فضيلة تكبيرة الافتتاح حقيقة، وفضيلة الجماعة، فكان هذا أولى، ومن سوى بين الحالين يقول في الصورة الثانية إن كان يحرز فضيلة تكبيرة الافتتاح حقيقة تقوم فضيلة ركعتي الفجر، وإذا اشتغل بركعتي الفجر يحرز فضيلة ركعتي الفجر، ويحرز فضيلة تكبيرة الافتتاح معنى وكان هذا أولى، والله أعلم.
(فصل في الرجل يشرع في صلاة ثم أقيمت تلك الصلاة أو يشرع في النفل ثم أقيمت الفرض
أو يدخل في مسجد قد أذن فيه إذا صلى رجل ركعة من الظهر ثم أقيمت الظهر في ذلك المسجد يقطعها، ويدخل مع القوم.
يجب أن يعلم بأن نقض العبادات مقصوداً بغير عذر حرام، النقض لأداء ما هو فوقه جائز؛ لأنه ليس بنقض معنى، بل هو إكمال، فيجوز كهدم المسجد للإصلاح، وكنقص الظهر يوم الجمعة لأداء الجمعة، قلنا: والصلاة بجماعة ضرب مزية على الصلاة منفرداً، قال ﵇: «صلاة الرجل بجماعة تفضل على صلاة الرجل وحده بخمس وعشرين درجة» ، وفي رواية «بسبع وعشرين درجة» ، فيجوز نقض الصلاة منفرداً لإحراز الجماعة؛ لأن هذا النقص وسيلة إلى ما فوقه، ولكن هذا إذا لم تثبت شبهة الفراغ عن صلاة منفرداً، فأما إذا ثبت شبهة الفراغ لا ينقضها؛ لأن العبادة بعد الفراغ عنها لا تقبل البطلان إلا بالردة.
стр. 422
إذا ثبت هذا جئنا إلى تخريج المسألة التي ذكرناها، والجواب فيها ما ذكرنا، وإنما يقطعها ويدخل مع القوم إحرازاً لفضيلة الجماعة، ولكن يضيف إليها ركعة أخرى؛ لأنه يمكنه إحراز الجماعة مع إحراز النفل بإضافة ركعة أخرى إلى الركعة الأولى حتى تصير شفعاً، فإن التطوع شرع شفعاً لا وتراً، ومهما أمكن إحراز العبادتين لا يصار إلى إبطال إحداهما، وإن كان في الركعة الأولى قائماً لم يتمها بعد حتى أقيمت الظهر ماذا يصنع؟ يمضي في صلاته أو يقطع للحال، هذا الفصل في «الكتاب» وقد اختلف المشايخ بعضهم قالوا: يقطعها للحال؛ لأن هذا القدر ليس له حكم فعل الصلاة، ألا ترى أن من حلف لا يصلي لم يحنث بهذا القدر، وإلى هذا القول مال الشيخ الإمام فخر الإسلام علي البزودي، فإن فعل ما أدى، إن لم يكن له حكم فعل الصلاة، فهو قربة، وفي القطع إبطال القربة والجماعة سنّة، فلم يكن إبطال القربة أولى من مراعاة السنّة؟
توضيحه: أنه لو شرع في التطوع فأقيمت الظهر، وهو قائم في الركعة الأولى، فهنا كذلك يجب، قلنا: هذا إبطال صورة، لكنه وسيلة إلى ما هو أكمل منه فيكون حكمه حكم الكمال، كمن صلى وسهى فيها وكان ذلك أول ما سهى يقطعها ويستقبل الصلاة؛ لأنه يقطعها ليؤدي أكمل منه، فكذلك هنا.
بخلاف النفل؛ لأن ذلك القطع ليس للتكميل، فلا يجوز، وقال بعضهم: لا يقطع، وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن إبراهيم الميداني إذا سئل عن هذه المسألة تارة يفتي بالمضي، وتارة يفتي بالقطع، فقيل له لم لا يثبت الشيخ على قول واحد، فقال: إن قلبي لا يثبت على شيء واحد فكيف يثبت قولي، وإذا لم يقطع على قول هؤلاء ماذا يصنع؟ اختلفوا فيما بينهم.
قال بعضهم: يخفف إذا شرع المؤذن في الإقامة، ويتم الصلاة، وقال بعضهم: يصلي ركعتين ثم يقطع، وإليه مال شمس الأئمة السرخسي ﵀، وإن كان قد صلى من الظهر ركعتين، وقام إلى الثالثة ثم أقيمت الظهر فإن لم يقيد الثالثة بالسجدة قطعها ولم يسجد؛ لأنه لو سجد لا يمكنه النقض بعد ذلك لما نبين (بعد هذا) إن شاء الله تعالى.
ثم اختلف المشايخ بعد ذلك، قال بعضهم هو بالخيار إن شاء عاد فقعد وسلم ودخل في صلاة الإمام، وإن شاء كبّر قائماً ينوي الدخول في صلاة الإمام.
وبعضهم قالوا يعود إلى التشهد لا محالة ويسلم، وإلى هذا مال شمس الأئمة السرخسي؛ لأنه أراد بالخروج عن صلاة معتد بها والخروج عن صلاة معتد بها لم يشرع إلا بالقعدة، ثم إذا عاد إلى القعدة على قول من يقول اختلفوا فيما بينهم أنه هل يقرأ التشهد ثانياً أم لا، بعضهم، قالوا يقرأ؛ لأن القعدة الأولى لم تكن قعدة ختم، وقال بعضهم يكفيه التشهد الأول؛ لأن بالعود إلى القعدة يرتفض القيام؛ لأن ما دون الركعة محل الرفض فحين عاد إلى القعدة ارتفضت هذه الركعة، وجعلت، كأنها لم توجد أصلاً، فكانت هذه القعدة غير القعدة الأولى، وقد تشهد فيها، فلا يتشهد مرة أخرى ثم يسلم تسليمتين عند بعض المشايخ؛ لأنه تحلل من التحريمة، فيكون بتسليمتين، وعند بعضهم
стр. 423
يسلم تسليمة واحدة؛ لأن التسليمة الثانية للتحلل، وهذا قطع من وجه؛ لأن التحلل في ذات الأربع لم يشرع على رأس الركعتين، وبعضهم قالوا: لا يعود إلى التشهد لا محالة؛ لأن القعدة شرط التحلل، وهذا قطع وليس بتحلل؛ لأن التحلل في الظهر لا يكون على رأس الركعتين، لكن يقطع بالسلام قائماً.
وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ في شرح هذا الكتاب في هذا الفصل: أنه لو لم يعد إلى القعدة وسلم قائماً تفسد صلاته، قال ﵀: وهكذا فسر في «النوادر» وإن كان قد قيد الثالثة بالسجدة أتمها؛ لأن الثلاث أكثر الصلاة وللأكثر حكم الكل، فالآتي بها كالآتي بكل الصلاة، فثبتت شبهة الفراغ، ولو ثبتت حقيقة الفراغ لا يقبل البعض، فكذا إذا وجدت شبهة الفراغ، فإذا أتمها إن شاء دخل مع الإمام بنية التطوع.
وإن شاء لم يدخل؛ لأن ما يؤدي مع الإمام تطوع له، والناس في التطوعات بالخيار، ولكن الأفضل أن يدخل في صلاة الإمام، ويكون ما صلى مع الإمام تطوعاً؛ وهذا لأن التطوع بعد الظهر مشروع لو خرج من المسجد، ولم يصل مع الإمام ربما يتهم أنه ممن لا يرى الجماعة، فلهذا يدخل مع الإمام.
وقد ورد في عين هذه الصورة نص، وهو ما روي أن رسول الله ﵇ فرغ من الظهر، فرأى رجلين في أخريات الصفوف، لم يصليا معه، فسألهما عن ذلك فقالا كنا صلينا في رحالنا، فقال: ﵇: «إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما صلاة قوم، فصليا معهم، واجعلا صلاتكما معهم سبحة» ، أي: نافلة، وإن أراد أن يكون فرضه أصلياً مع الإمام، فالحيلة له أن لا يقعد في الرابعة من صلاته التي أداها وحده، ويصلي الخامسة والسادسة فيصير ذلك نفلاً له، ويكون فرضه ما صلى مع الإمام، وكذلك الحكم في صلاة العشاء؛ لأن التنفل بعد العشاء مشروع.
فإن قيل: أليس إن أدى النفل بجماعة خارج رمضان مكروه.
قلنا: نعم، ولكن إذا كان (٧١ب١) الإمام والقوم مؤدّون النفل أما إذا أدى الإمام الفرض والقوم النفل لا بأس به بدليل ما روينا من الحديث وأما في العصر لا يدخل في صلاة الإمام بعدما أتم صلاته؛ لأن النفل بعد العصر مكروه، وفيما عدا هذا الحكم العصر نظير العشاء، ونظير الظهر.
ولو كان في صلاة الفجر، وقد صلى ركعة منها ثم أقيمت الفجر في ذلك المسجد قطعها إحرازاً لفضيلة الجماعة، كذلك إذا قام إلى الثانية، ولم يقيدها بسجدة قطعها؛ لأنه لو قيد بالسجدة، لا يمكنه القطع بعد ذلك؛ لأنه يصير....... وثبتت شبهة الفراغ منها، فلو كان في المغرب وقد صلى ركعة منها ثم أقيمت في ذلك المسجد قطعها،
стр. 424
وكذلك إذا قام (إلى) الثانية ولم يقيدها بسجدة قطعها؛ لأنه لو قيدها بالسجدة لا يمكنه القطع بعد ذلك؛ لأنه يصير...... لأكثر. وإن قيدها الثانية بالسجدة أتمها، فلا يشرع في صلاة الإمام بعدما أتمها؛ لأنه لو شرع لا يخلو إما أن يسلم على رأس الركعتين أو يسلم مع الإمام على رأس الثالثة أو يقوم، فيضيف إليها ركعة أخرى حتى يصير أربعاً لا وجه أن يسلم على رأس الركعتين؛ لأنه يصير مخالفاً لإمامه ومخالفة الإمام مكروه، قال ﵇: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه» ولا وجه أن يسلم مع الإمام على رأس الثالثة؛ لأنه يصير متنفلاً بثلاث ركعات غير مشروع، ولا وجه إلى أن نضيف إليها ركعة أخرى لتصير أربعاً؛ لأنه يصير متنفلاً بأربع ركعات، وقد قعد على رأس الثالثة، وإنه مكروه. وعن أبي يوسف له قال الأحسن أن يدخل مع الإمام، ويصلي أربعاً يصلي ثلاث ركعات مع الإمام.
وإذا فرغ الإمام قام وأتم الرابعة أكثر ما فيه أن فيهن نوع تغيير إلا أن هذا التغيير، إنما وقع بسبب الاقتداء، والتغيير بسبب الاقتداء لا بأس به، كمن أدرك الإمام في السجدة، فإنه يتابعه فيها، والسجود قبل الركوع غير مشروع، وكمن أدرك الإمام في القعدة، فإنه يتابعه فيها، والقعدة قبل أداء الأركان ليس بمشروع، فعلم أن التغيير إذا وقع بسبب الاقتداء لا بأس به، وعندنا إن دخل في صلاة الإمام فعل كما قال أبو يوسف.
وعن أبي يوسف نظرية أخرى أنه يدخل في صلاة الإمام، ويسلم على رأس الثالثة مع الإمام؛ لأن هذا تغير وقع في التطوع بسبب الاقتداء، فلا يكون به بأس كما إذا صلى الظهر وحده أولاً، ثم يدخل في هذا الظهر مع الإمام، وترك الإمام للقراءة في الأخريين، فإنه يجوز صلاة المقتدي وهذه الصلاة تطوع في حق المقتدي، وإذا تطوع منفرداً على هذا الوجه لا يجوز، ولكن لما كان هذا تغيير بسبب الاقتداء لم يكن به بأس.
وإذا صلى الظهر في بيته يوم الجمعة ثم صلى الجمعة مع الإمام فالجمعة فريضة، ويصير الظهر نفلاً له، فهذا؛ لأنه مأمور بالسعي إلى الجمعة، قال الله تعالى: ﴿فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (الجمعة: ٩) ، ويعد أداء الظهر في بيته هذا الأمر؟ وكان مفترضاً في أداء الجمعة لا متطوعاً، ولا يجتمع فرضان في وقت واحد، فمن ضرورة كون الجمعة فرضاً ينقلب ما أداها قبلها تطوعاً، بخلاف سائر الأيام، فإن في سائر الأيام لو صلى الظهر في بيته، ثم شرع فيها مع الإمام، فإن الأولى تكون فرضاً، والثانية تطوعاً؛ لأن بعد أداء الظهر في سائر الأيام في بيته لا يبقى مخاطباً بشهود الجمعة في تلك الصلاة، فإذا شهد ما كان متنفلاً بها.
يوضح الفرق بينهما: أن الجمعة عبادة مقصودة بنفسها، وليست بتبع للظهر، فلا تسقط بأداء الفرض، فأما الجمعة تبع للظهر؛ لأنه وصف للظهر، فإذا سقط الأصل سقط التبع ضرورة، وأما إذا شرع في النفل ثم أقيمت الفريضة وهو قائم في الركعة الأولى لا يقطع بالاتباع، ولكن يتم ذلك بالشفع، ويدخل في الفرض.
стр. 425
وإن كان في الأربع قبل الظهر، فقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: الجواب فيها كالجواب في الظهر من أولها إلى آخرها؛ لأن حرمته لا تكون فوق حرمة الظهر، وقال بعضهم يتمها أربعاً؛ لأنه بمنزلة صلاة واحدة، حتى إن الشفيع إذا انتقل إلى الشفع الثاني بعدما أخبر بالبيع لا يبطل خياره، فعلم أنها بمنزلة صلاة واحدة، وبمنزلة شفع واحد.
والفرق بين الظهر وبين هذه ظاهر؛ لأن القطع في الظهر إنما شرع ليؤديها على أكمل الوجوه، وها هنا لو قطعها لا يعيدها على أكمل الوجوه؛ لأنها فائت من وقتها، فلا يكون الثاني مثل الأول فضلاً عن الزيادة، وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀ يقول: كنت أفتي زماناً أنه يتم الأربع هنا حتى وجدت رواية عن أبي يوسف أنه يسلم على رأس الركعتين، فرجعت عن ذلك، فإن قطعها قضى على ركعتين عند أبي حنيفة ومحمد، وعلى قياس قول أبي يوسف يقضيها أربعاً كما في سائر التطوعات إذا شرع فيها ينوي أربع ركعات، وأفسدها يلزمه قضاء ركعتين عندهما، وعند أبي يوسف يلزمه قضاء الأربع، وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري ﵀ يفتي في سنّة الظهر أنه يقضيها أربعاً متى قطعها في أي حال قطعها، وكان يقول في سائر التطوعات عندهما: إنما تقضى بركعتين؛ لأن كل شفع من التطوع في حكم صلاة على حدة.
ألا ترى أن فساد الشفع الثاني لا يوجب فساد الشفع الأول، فلا يعتبر شارعاً في الشفع الأول قبل الفراغ من الشفع الأول، ووجوب القضاء حالة الإفساد لصيانة ما أدى، وإلا لم يصر شارعاً في الشفع الثاني قبل الفراغ من الشفع الأول، وكان الإفساد في حق الشفع الثاني امتناعاً لا إفساداً ولا يلزمه قضاء الشفع الثاني، وهذا المعنى للثاني في سنّة الظهر؛ لأنها بمنزلة صلاة واحدة بدليل ما ذكرنا من مسألة الشفعة، وخيار المخيرة، ألا ترى أن في سائر التطوعات تبطل الشفعة، والخيار بالانتقال إلى الشفع الثاني بعد العلم بالبيع والخيار، وفي سنّة الظهر لا تبطل، فعلم أنها بمنزلة واحدة، والتقريب ما ذكرنا، وكذلك إذا شرع في الأربع قبل الجمعة.
ثم افتتح الخطيب الخطبة، هل يقطع؟ فيه اختلاف المشايخ، منهم من قال يصلي ركعتين ويقطع، ومنهم من قال يتم أربعاً، وبه كان يفتي الصدر الشهيد برهان الأئمة ﵀، قال محمد ﵀ في رجل دخل مسجداً قد أذن فيه كره له أن يخرج حتى يصلي.
اعلم بأن هذه المسألة على وجهين: أما إن كان هذا الرجل قد صلى تلك الصلاة أو لم يصل؛ فإن لم يصل، وكان هذا المسجد مسجد حيه، لقوله ﵇: «لا يخرج من المسجد أحد إلا منافق أو رجل يخرج لحاجة يريد الرجعة» ، ولأنه دعي إلى صلاة عليه فيلزمه طاعة الله تعالى عند سماع النداء بالإجابة.
توضيحه: أنه إذ خرج من المسجد يلزم الدخول ثانياً، لأداء الصلاة بالجماعة، فلا يفيد الخروج من المسجد، وما لا يفيد لا يرد الشرع به، ولأنه يتهم بترك الصلاة، وقد
стр. 426
قال ﵇: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يقفن مواقف التهم» وأما إذا كان المسجد مسجداً آخر، فإن كان أهل مسجده قد صلوا في مسجده لا ينبغي له أن يخرج أيضاً لما روينا من الحديث، فإنه مطلق، ولما ذكرنا من المعنى، فإنه لا يجب الفصل بين مسجد ومسجد.
وإن كان أهل مسجده لم يصلوا فيه فقد اختلف المشايخ فيه. بعضهم قالوا: إن خرج ليصلي في مسجد حيه، فلا بأس فيه؛ لأن لمسجد حيه عليه حقاً، وإن صلى في ذلك فلا بأس به، والأفضل أن يصلي في ذلك المسجد لما ذكرنا، وبعضهم قالوا: إن كان هذا الرجل يقوم بأمر الجماعة في مسجده كإمام أو مؤذن وتتفرق الجماعة بسبب غيبته لم يكره له الخروج استحساناً، صيانة للجمع في مسجد حيه، هذا إذا لم يصل الرجل تلك الصلاة، وإن كان صلى تلك الصلاة لا بأس بأن يخرج قبل أن يأخذ المؤذن في الإقامة؛ لأن الأذان دعاء لمن لم يصلِ، فلا يعمل في حق من صلى، فإذا أخذ المؤذن في الإقامة، ففي الظهر والعشاء لا يخرج، وشرع في صلاة الإمام، فيجعلها تطوعاً؛ لأن التطوع بعدهما مشروع، وفي العصر والفجر يخرج، ولا يشرع في صلاة الإمام؛ لأن التطوع بعدهما ليس بمشروع، وكذلك في المغرب لا يدخل في صلاة الإمام لما ذكرنا من المعنى، والله أعلم.
ومما يتصل بهذا الفصل
رجل له مسجد في محلته أراد أن يحضر المسجد الجامع لكثرة جمعه لا ينبغي له أن يحضر، الصلاة في مسجده أفضل قل أهل مسجده أو كثر لأن لمسجده حقاً عليه، وليس لذلك المسجد عليه حق ليترجح كثرة الجمع، ومنها أن المؤذن إذا لم يكن حاضراً لا ينبغي للقوم أن يذهبوا إلى مسجد آخر، بل يؤذن بعض القوم ويصلي، وإن كان واحداً؛ لأن لمسجده عليه حقاً، فلا يجوز تركه من غير ضرورة.
ومنه مسجد إن أراد الرجل أن يصلي في أحدهما صلى في أقدمهما بناءً؛ لأن له زيادة حرمة، فإن كانا منزلة منهما ويصلي في أقربهما، وإن استويا فهو مخير؛ لأنه لا ترجيح لأحدهما على الآخر، وإن كان قدم أحدهما أكثر، فإن كان هو فقيهاً يذهب إلى الذين قومه أقل ليكثر جمعه بسببه، وإن لم يكن فقيهاً يذهب حيث أحب ذكر الصدر الشهيد هذه المسائل في «واقعاته» .
قال في «الجامع الصغير» : في تحية المسجد بركعتين: إنها ليست بواجبة، وهذا مذهب علمائنا، وقال الشافعي، إنها واجبة، حجته: قوله ﵇: «من دخل مسجداً، فليحيه بركعتين» والأمر للوجوب، وإن قول النبي ﵇ كما أمر، فقد ذكر التحية، وإنه يدل على عدم الوجوب، فيحمل الأمر على الندب ليكون عملاً بلفظة الأمر، والتحية جميعاً، والله تعالى أعلم (٧٢أ١) .
стр. 427
الفصل الثالث عشر في التراويح والوتر مسائل التراويح تشتمل على أنواع:
النوع الأول في بيان صفتها وكميتها وكيفية أدائها
أما الكلام في صفتها، فنقول: التراويح سنّة هو الصحيح من المذهب، وهكذا روى الحسن عن أبي حنيفة رحمة الله عليه نصاً، والدليل على أنها سنّة قوله ﵇: «إن الله تعالى فرض عليكم صيامه وسننت لكم قيامه» ، وقد صح أنه ﵇ أقامها في بعض الليالي، وبين العذر في ترك المواظبة عليها، وهو خشية أن تكتب علينا ثم واظب عليها الخلفاء الراشدون، وقال ﵇: «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي» ، وقال ﵇ في حديث سلمان؛ «إن الله تعالى فرض عليكم صيامه وسن لكم قيامه» ، فهذا الخبر يشير إلى أنه سنّة الله، ومعناه: موضع الله ومرضاته وإنها سنة الرجال والنساء جميعاً ما روى عرفجة بن عبد الله الثقفي عن علي ﵁، بدليل أنه كان يأمر النساء بصيام رمضان، وكان يجعل للرجال إماماً وللنساء إماماً، قال عرفجة: فأمرني فكنت إماماً للنساء. وعن هشام بن عروة عن أبي مكية أن عائشة ﵂ أعتقت ديجون عن دين، مكان قومها ومن معها في رمضان في المصحف، وقال أبو حنيفة ﵀ لم يرد ذلك، فإنه روى في إبراهيم النخعي ﵀ أنه قال: كانوا يكرهون أن يؤم الوصل في المصحف، لما فيه من الشبه باليهود.
وأما الكلام في كمها، فنقول إنها مقدرة العشرين ركعة عندنا والشافعي ﵀، وعند مالك رحمة الله عليه أنه مقدرة بست وثلاثين ركعة اتباعاً لعمر وعلي ﵄، فإن قاموا بما قال مالك بالجماعة، فلا بأس به عند الشافعي، وعندنا يكره بناءً على أن التنفل بجماعة.......، والمكروه عندنا خلافاً للشافعي ﵀، وإن أتوا ما على العشرين إلى تمام ست وثلاثين فرادى، فلا بأس به وهو مستحب.
وأما الكلام في كيفيته أدائها، روي الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمة الله عليهما أن الإمام يصلي بالقوم ويسلم في كل ركعتين، وكلما يصلي ترويحة ينتظر بعد الترويحة قدر ترويحة، وينتظر بعد الترويحة الخامسة قدر ترويحة ويوتر بهم والانتظار بين كل
стр. 428
ترويحتين مستحب بقدر ترويحة عند أبي حنيفة ﵀. وعليه عمل أهل الحرمين، غير أن أهل مكة يطوفون بين كل ترويحتين أسبوعاً، وأهل المدينة يصلون بدل ذلك أربع ركعات، وأهل كل بلدة بالخيار يسبحون أو يهللون أو ينتظرون سكوتاً، وهل يصلون؟ اختلف المشايخ، ومنهم من كره ذلك فكان أبو القاسم الصفار وإبراهيم بن يوسف، وخلف وشداد ﵏، لا يكرهون ذلك، وكان إبراهيم بن يوسف يقولون: ذلك حسن جميل، وأما الانتظار والاستراحة على رأس خمس تسليمات، فقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا يكره، وعامتهم على أنه يكره؛ لأنه يخالف أهل الحرمين.
وإذا صلى كل تسليمة إمام على حدة حتى يصير لكل ترويحة إمامان، فقد جوزه وبعض المشايخ. وعامتهم على أنه مكروه، وينبغي أن يؤدي كل ترويحة إمام على حده، وهو عمل أهل الحرمين وغيرهم.
نوع آخر في بيان أن الجماعة
ذكر الطحاوي في اختلاف العلماء عن المعلى، عن أبي يوسف رحمهما الله أنه قال: من قدر على أن يصلي في بيته كما يصلي مع الإمام في شهر رمضان، فأحب إليّ أن يصلي في بيته، وذكر نحوه عن مالك، وكان الشافعي ﵀ يقول في القائم صلاة المنفرد في قيام رمضان أحب إليّ.
أن قال الطحاوي ﵀: وقد قال قوم: إن الجماعة في ذلك أفضل، منهم عيسى بن أبان ﵀، وقد ذكر الطحاوي في «مختصره» استحب له أن يصلي التراويح في بيته، إلا أن يكون فقيهاً عظيماً يقتدى به، ويكون في حضوره ترغيب لغيره في الامتناع عن الحضور تقليل الجماعة، فحينئذٍ (لا) يستحب له أن يصلي في بيته ينبغي أن يحضر المسجد.
وفي «نوادر هشام» قال سألت محمداً ﵀ عن القيام في شهر رمضان في المسجد أحب إليك أم في البيت؟ قال: إن كان عمله يقتدى به فصلاته في المسجد أحب إليّ، وقال أبو سليمان كان محمد بن الحسين ﵀ يصلي مع الناس التراويح ويؤم ثم يرجع، وهكذا كان يفعل أبو مطيع وخلف وشداد وإبراهيم بن يوسف ﵏، فمن المشايخ من قال: من صلى التراويح منفرداً كان تاركاً للسنّة، وهو مسيء، وبه كان يعني ظهير الدين المرغيناني ﵀ لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّمقدر ما صلى التراويح صلى بجماعة، وهكذا نقل عن الصحابة رضون الله عليهم، ومن المشايخ من قال يكون تاركاً لفضيلة، فلا بأس به، فقد صح عن ابن عمر وسالم ونافع أنهم كانوا ينصرفون، ولا يقومون، فدل عن الجماعة، وليست السنّة ولكن المشايخ على أن إقامتها بالجماعة سنّة على سبيل ثبوته حتى لو ترك أهل مسجد كلهم إقامتها بالجماعة، فقد أساؤوا وتركوا السنّة.
وإن أقيمت التراويح بالجماعة في المسجد و........، وزاد الناس وصلى
стр. 429
في بيته، فقد ترك الفضيلة، ولم يكن مسيئاً، وإن صلوا بالجماعة في البيت، فقد اختلف المشايخ فيه، والصحيح أن للجماعة في البيت نصيبه؟...... فضيلة أخرى، فهذا قد جاء إحدى الفضيلتين وترك الفضيلة الزائدة.
ولو أن إماماً يصلي التراويح في مسجدين في كل مسجد على الكنار لا يجوز؛ لأنه لو؟....... هكذا حكي عن أبي بكر الإسكاف ﵀، ثم قال أبو بكر، سمعت أبا نصر يقول يجوز لأهل كل المسجدين، قال أبو الليث ﵀: قول أبو بكر أحب إليّ، وذكر القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀ فمن صلى العشاء والتراويح والوتر في مسجد، ثم أم قوماً آخرين في التراويح ونوى الإمامة كره له، ولا يكوه للمأمومين.
ولو لم ينوِ الإمامة وشرع في الركوع، فاقتدى الناس لم يكره لواحد منهما، والمقتدي إذا صلى في مسجدين لا بأس به؛ لأن اقتداءه في المسجد الثاني يكون اقتداء المتطوع بمن يصلي السنّة، ولكن ينبغي أن يوتر في المسجد الثاني، هكذا حكي عن الفقيه أبي القاسم ﵀ معناه لا يوتر في المسجد الأول، ويوتر في المسجد الثاني.
ولو صلى التراويح ثم أرادوا أن يصلوا....... يصلون فرادى.
نوع آخر في بيان وقت التراويح
قال الشيخ الإمام الزاهد إسماعيل المستملي، وجماعة من متأخري مشايخ بلخ رحمة الله عليهم إلى وقت طلوع الفجر وقت إنهاء بعد العشاء قبل الوتر وبعد الوتر؛ لأنها مقام الليل فوقتها الليل.
وقال كافة مشايخ بخارى رحمة الله عليهم: وقتها ما بين العشاء والوتر، فإن صلاها قبل العشاء، أو بعد الوتر لم يؤدها في وقتها، وأكثر المشايخ على أن وقتهما ما بين العشاء إلى طلوع الفجر، حتى لو صلاها قبل العشاء لا تجوز، ولو صلاها (٧٢ب١) بعد الوتر يجوز؛ لأنها نوافل سنّت بعد العشاء، فأشبهت التطوع المسنون بعد العشاء في غير شهر رمضان، قال القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀: هذا القول يصح قال القاضي الإمام هذا أراد مشايخ بلدتنا تقديم التراويح على العشاء، لتعجيل الناس العشاء في ليالي رمضان؛ لأجل التراويح مخافة أن يقع العشاء قبل الوقت، لكن كرهوا مخالفة السلف.
وفي «الفتاوى» : إمام صلى العشاء بغير وضوء وهو لا يعلم، ثم صلى بهم إمام أخر التراويح ثم علموا، فعليهم أن يعيدوا العشاء والتراويح، وهذا الجواب في التراويح على قول من يقول أن وقت التراويح ما بين العشاء إلى آخر الليل.
стр. 430
نوع آخر في نية التراويح
إذا نوى التراويح أو سنة الليل (أو) الوقت، أو قيام الليل في النيتين يجوز وصار كما إذا نوى الظهر أو فرض الوقت، فإنه يجوز وإن نوى صلاة مطلقة، أو نوى تطوعاً فحسب، اختلف المشايخ فيه، ذكر بعض المتقدمين أنه لا يجوز؛ لأنها سنّة والسنّة لا تتأدى بنية التطوع أو بنية الصلاة المطلقة روى الحسن عن أبي حنيفة رحمة الله عليهما ذلك في ركعتي الفجر، أو يقول: هذه الصلاة مخصوصة كالمكتوبات، فلا تتأدى بمطلق النية ولا بنية التطوع كالمكتوبات، وأكثر المتأخرين على أن التراويح وسائر السنن تتأدى بمطلق النية، لأنها نافلة لكن واظب عليها رسول الله ﷺ والنوافل تتأدى بمطلق النية، والاحتياط في التراويح أن ينوي التراويح، أو بنية الوقت أو قيام الليل، وفي سائر السنن الاحتياط أن ينوي الصلاة متابعاً لرسول الله ﵇.
ولو صلى التراويح بنية الفوائت من صلاة الفجر لم تكن محتسبة في التراويح........ ليشترط النية في كل شفع، فقد اختلف المشايخ فيه.
نوع آخر في بيان قدر القراءة في التراويح
اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم؛ يقرأ في كل ركعة كما يقرأ في المغرب؛ لأن التراويح أخف من أخف المكتوبات، وقال بعضهم: يقرأ في كل ركعة كما يقرأ في العشاء، وقال بعضهم: يقرأ في كل ركعتين في عشرين أية إلى مائتين.
وعن أبي حنيفة رحمة الله عليه: أنه يقرأ في كل ركعة عشر آيات.
والحاصل: أن السنّة الختم في التراويح مرة، والختم مرتين فضيلة، والختم ثلاث مرات في كل عشر مرة أفضل؛ لأن كل عشر من رمضان مميز مخصوص، والختم مرة يقع بقراءة عشر آيات في كل ركعة؛ لأن عدد ركعات التراويح في ثلاثين ليلة ستمائة، وآيات القرآنستة آلاف وشيء، فيكون في كل ركعة عشر آيات والختم مرتين يقع بقراءة عشرين آية في كل ركعة والختم ثلاث مرات يقع بقراءة ثلاثين آية في كل ركعة.
قال القاضي الإمام أبو علي النسفي رحمة الله عليه، إذا قرأ بعض القرآن في سائر الصلوات بأن كان القوم الختم في التراويح، فلا بأس به. ويكون لهم ثواب الصلاة، ولا يكون لهم ثواب الختم.
وسئل أبو بكر الإسكاف ﵀ عن الإمام في شهر رمضان أيجرد للفريضة قراءة على حدة، أو يخلط قراءة الفرض بقراءة التراويح؟ قال سهل إلى ما هو أخف للقوم.
وسئل أيضاً: عن الإمام إذا فرغ من التشهد هل يزيد عليها أو يقتصر، قال؛ إن علم
стр. 431
أن ذلك لا يمل القوم يزيد في الصلوات والاستغفار ما شاء. وإن علم أنه يثقل على القوم لا يزيد.
قالوا: ويكره للإمام إذا ختم في التراويح أن يقرأ الإمام في ركعة واحدة إذا علم أن القوم يملون، وكذا يكره له أنه يعجل، ويختم القرآن في ليلة إحدى وعشرين إذا علم أن القوم يملون.
قال مشايخ بخارى: وينبغي للإمام إذا أراد الختم أن يختم في ليلة السابع والعشرين، أكثره ما جاء في الأخبار فيها أنها ليلة القدر، وإذا غلط في القراءة في التراويح، فترك سورة أو آية وقرأ ما بعدها، فالمستحب له أن يقرأ المتروكة ثم المقروءة ليكون قد قرأ القرآن على نحوه
وإذا فسد شفع وقد قرأ فيه هل يعتبر بما قرأ؟ اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا يعتد ليكون الختم في صلاة صحيحة، وقال بعضهم: إذا فسد شفع وقرأ..... يعتد؛ لأن المقصود هو القراءة ولا فساد في القراءة؛ وإذا ختم القرآن، فله أن يبدأ من حيث شاء بقية الشهر.
قال القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀، وإذا ختم في التراويح مرة وصلى العشاء يقية الشهر من غير تراويح يجوز من غير كراهة؛ لأن التراويح ما شرعت بحق نفسها بل لأجل القراءة فيها، فالسنّة هو الختم مرة وقد ختم مرة، فلو أمرناه بالتراويح بعد ذلك أمرناه بهابحق نفسها وإنها ما شرعت بحق نفسها.
وعن هذا قلنا: إن في النساء من كانت قارئة تصلي عشرين ركعة في كل ليلة وتختم القرآن في الشهر مرة، ومن لم تكن قارئة منهن تصلي ستاً وثمانياً وعشراً.
قال القاضي الإمام هذا ﵀: إذا كان إمامه يخلط لا بأس بأن يترك مسجده ويطوف، وكذلك إذا كان غيره أخف قراءة وأحسن صوتاً، وهذا يبين أنه إذا كان لا يختم في مسجد حيّه يطوف. وما ذكر الصدر الشهيد ﵀ أنه إذا كان يقرأ في مسجد حيه قدر المسنون لا يترك مسجد حيه لم يتضح في معناه.
ومما يتصل بهذا النوع
أن الفضل تعديل الصراط بعد التسليمات، هكذا روى الحسن عن أبي حنيفة رحمة الله عليهما وبنحوه ورد الأثر عن عمر ﵁ وإن خالف هذا، فلا بأس؛ لأن السنّة هي الختم، وإنها لا تفوت بترك التعديل، وأما في التسليمة الواحدة، فلا يستحب تطويل الركعة الثانية على الركعة الأولى، كما في سائر الصلوات، أما تطويل الركعة الأولى على الركعة الثانية فقد قيل لا بأس به، من غير ذكر خلاف، وقد قيل ذكر يجب أن..... المسألة على الخلاف على قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ﵀ لا يطول.
стр. 432
بل يسوي وقال محمد ﵀: يستحب تطويل الأولى كما في الظهر والعصر والعشاء.
نوع آخر في القوم يصلون التراويح قعوداً
اعلم بأن هذا النوع على وجوه:
الأول: أن يصلي الإمام والقوم جميعاً التراويح قعوداً من غير عذر، والكلام فيه في موضعين في الجواز وفي الاستحباب. أما الكلام في الجواز فقد اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا يجوز؛ لأنها سنّة فصار كركعتي الفجر، وقال بعضهم: يجوز وهو القائل بفرق بين التراويح وبين سنّة الفجر.
والفرق: أن هذه نافلة لم تختص بزيادة تأكيد، فأشبهت سائر النوافل بخلاف ركعتي الفجر. وعلى قول من يقول بالجواز يكون ثوابه على نصف ثواب القائم، هكذا حكي عن القاضي الإمام أبي علي النسفي ﵀، وأيضاً الكلام في الاستحباب بلا خلاف أنه لا يستحب؛ لأنه (٧٣أ١) خلاف المتوارث، وخلاف عمل السلف.
الوجه الثاني: أن يصلي القوم والإمام جميعاً قعوداً بعذر، وإنه جائز بغير كراهة، والكلام فيه ظاهر.
الوجه الثالث: أن يصلي الإمام التراويح قاعداً بعذر أو بغير عذر، واقتدى به قوم قيام، والكلام فيه في موضعين أيضاً، في الجواز والاستحباب، أما الكلام في الجواز فقد اختلف المشايخ فيه: قال بعضهم على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لا يجوز بناءً على اختلافهم في اقتداء القائم بالقاعد في الفرض.
ومنهم من قال يجوز الاقتداء إجماعاً، قال القاضي الإمام أبو علي النسفي رحمة الله عليه هو الصحيح، وإذا صح الاقتداء على الوفاق على قول هؤلاء هل يستحب للقوم القيام؟ اختلفوا فيما بينهم، قال بعضهم: لا يستحب احترازاً عن صورة المخالفة، وقال بعضهم عن قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمة الله عليهما يستحب القيام، وعلى قول محمد يستحب القعود.
وذكر أبو سلمان عن محمد رحمهما الله: في رجل أم قوماً في رمضان جالساً أيقومون؟ يعني القوم قال: نعم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، فبعض مشايخنا قالوا: إن محمداً خص قول أبي حنيفة وأبي يوسف في بيان حكم الجواز، يعني على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: يجوز لقوم أن يصفوا قياماً، والإمام قاعد وتخصص قولهما في بيان حكم الجواز دليل على أنه لا يصح اقتداؤهم به عند محمد رحمة الله عليه، وبعض مشايخنا قالوا خص قوليهما في بيان حكم الاستحباب يعني يستحب لهم القيام عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
وعند محمد ﵀ لا يستحب، وهذا لأن عند محمد ﵀ الاختلاف بين الإمام والقوم في القيام والقعود اختلاف معتبر حتى يمنع الفرض من الجواز، فيمنع النفل في الاستحباب أيضاً.
стр. 433
نوع آخر
فيما إذا صلى ترويحة واحدة أو أكثر أو أقل بتسليمة واحدة.
يجب أن يعلم بأن هذه المسلة على وجهين:
الأول: أن يقعد على رأس الركعتين، في هذا الوجه اختلاف المشايخ، قال بعض المتقدمين: لا يجزئه إلا عن تسليمة واحدة، وقال بعض المتقدمين، وعامة المتأخرين: إنه يجزئه عن تسليمتين، قال القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀: لأنه أكمل ولم يجد بشيء إنما جمع المتفرق، واستدام التحريم، وإنه لا يؤثر في المنع في الجواز.
ألا ترى أن من أوجب على نفسه أن يصلي أربع ركعات بتسليمتين فصلى أربعاً بتسليمة واحدة، وقعد على رأس الركعتين يجوز عن جميع ما أوجبه على نفسه، كذا ها هنا. روى ذلك أصحاب «الأمالي» عن أبي يوسف رحمة الله عليه.
ولو صلى ستاً أو ثمانياً بتسليمة واحدة، وقعد على رأس كل ركعتين لم يجزئه إلا عن ركعتين في قول بعض المتقدمين، وبعض المتقدمين وعامة المتأخرين الذين قالوا بالجوار عن تسليمتين إذا صلى أربعاً وقعد على رأس الركعتين اختلفوا فيما بينهم، عامتهم على أنه يجزئه كل ركعتين عن تسليمه تسليمتين؛ لأنه أكمل كل ركعتين بالقعود في آخرهما، وسائر الأفعال والتسليم قطع، وخروج، وليس بمقصود.
وقال بعضهم: متى صلى عدداً بتسليمة واحدة، وهي مستحبة في صلاة الليل، وكل ركعتين من ذلك يجزىء عن تسليمة واحدة، ومتى صلى بتسليمة واحدة عدداً بعضها مستحبة في صلاة الليل، وبعضها غير مستحبة في صلاة الليل فإنما يجزئه عن القدر المستحب؛ لأنه في الزيادة مسيء، فكيف ينوب..... عن التراويح وما كان في..... اختلاف كان في هذا اختلاف أيضاً.
فعلى هذا إذا صلى ستاً أو ثمانياً بتسليمة واحدة، وقعد على رأس كل ركعتين قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: يجزئه عن تسليمتين؛ لأن عندهما الزيادة على الأربع في صلاة الليل بتسليمة واحدة مكروهة، فلا تنوب الزيادة عن التراويح، وعلى قول أبي حنيفة ﵀: فيما إذا صلى ستاً يقع ذلك عن ثلاث تسليمات باتفاق الروايات؛ لأن عنده إلى الست بتسليمة واحدة لا تكره باتفاق الروايات.
وفيما إذا صلى ثمانياً يقع عن أربع تسليمات على ما ذكر في «الأصل» وعلى ما ذكر في «الجامع الصغير» يقع عن ثلاث تسليمات، وعلى ما قاله بعض المشايخ: إنه ليس في المسألة اختلاف الروايتين، ولكن طول في الأصل وأوجز في «الجامع» يجوز عن أربع تسليمات.
ولو صلى عشر ركعات بتسليمة وقعد في كل ركعتين، فعلى قولهما: يجوز عن أربع ركعات، وعلى قول أبي حنيفة ﵀ في الروايات الظاهرة يجوز عن أربع تسليمات؛
стр. 434
لأن ما زاد على الثماني ليس بمستحب عنده باتفاق الروايات الظاهرة، وعلى قول العامة وهو الصحيح يجوز عن خمس تسليمات كل ركعتين عن تسليمة.
ولو صلى التراويح كلها بتسليمة واحدة، وقعد على رأس كل ركعتين، فعندهما يجزئه عن أربع ركعات، وعلى قول أبي حنيفة ﵀: يجوز عن ثماني ركعات وعلى قول عامة المشايخ: يجوز على كل ركعتين عن تسليمة عن أبي حنيفة ﵀.
ولو صلى أربعاً بتسليمة واحدة، ولم يقعد على رأس الركعتين، ففي هذا الوجه القياس، وهو قول محمد ﵀ وزفر وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة ﵏: إنه تفسد صلاته، ويلزمه قضاء هذه الترويحة.
وفي الاستحسان وهو قول أبي حنيفة ﵀، وهو المشهور، وقول أبي يوسف ﵀: يجوز، ولكن يجوز عن تسليمة واحدة، وعن تسليمتين، وقال بعضهم: عن تسليمتين، وبه أخذ الفقيه أبو الليث ﵀، وهكذا كان يفتي الشيخ الإمام أبو عبد الله الخيزاخزي ﵀، وكان يقول التراويح سنّة مؤكدة، فكان كسنّة الظهر.
ولو صلى سنّة الظهر أربعاً، ولم يقعد على رأس الركعتين أجزأه عن الأربع، كذا ههنا، وكان الفقيه أبو جعفر الهنداوي ﵀ يقول: يجزئه عن تسليمة واحدة، وبه كان يفتي الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل ﵀. قال القاضي الإمام أبو علي النسفي قول الفقيه أبي جعفر والشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل ﵀ أقرب إلى الاحتياط، فكان الأخذَ بالاحتياط، فكان الأخذ به أولى فهكذا اختار الصدر الشهيد حسام الدين ﵀، وعليه الفتوى.
فهذا لأن القعدة على رأس الثانية في التطوع فرض، فإذا تركها كان ينبغي أن تفسد صلاته أصلاً، كما هو وجه القياس.
وإنما جاز استحساناً، فأخذنا بالقياس، فقلنا بفساد الشفع الأول، وأخذنا بالاستحسان في حق بقاء التحريمة.
وإذا بقيت التحريمة صح الشروع في الشفع الثاني، وقد أتمهما بالقعدة فجاز عن تسليمة واحدة.
وعن أبي بكر الإسكاف ﵀: أنه سئل عن رجل قام إلى الثالثة في التراويح، (٧٣ب١) ولم يقعد على رأس الثانية، قال: إن تذكر في القيام، فينبغي أن يعود إلى القعدة فيعود ويسلم، وإن تذكر بعد ما ركع الثالثة وسجد، فإن أضاف إليها ركعة أخرى كانت هذه الأربعة عن تحريمة واحدة، ورأيت في نسخة فيما إذا صلى أربعاً بتسليمة واحدة، ولم يقعد على رأس الركعتين إن على قول أبي حنيفة ﵀: يجوز عن تسليمتين، وعلى قول أبي يوسف ﵀ يكون عن تسليمة واحدة.
стр. 435
وأما إذا صلى ثلاثاً بتسليمة واحدة، إن قعد على رأس الثانية يجرئه عن تسليمة واحدة، وعليه قضاء ركعتين؛ لأنه شرع في الشفع الثاني وصح الشروع فيه، وقد أفسده فيجب عليه قضاء الشفع الثاني.
وإن لم يقعد على رأس الثانية، ساهياً أو عامداً لا شك أن صلاته باطلة قياساً، وهو قول محمد وزفر وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة ﵏ في المشهور، وهو قول أبي يوسف رحمهما الله اختلف المشايخ، قال بعضهم: يجزيه عن تسليمة، وقال بعضهم: لا يجزيه أصلاً، وكذلك الاختلاف في غير التراويح في قول أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأن الثالثة قد صحت حيث حكم بصحة التحريمة إن قعد في آخر الصلاة، ولم يكملها بضم أخرى إليها فيلزمه القضاء، وعلى قول من يقول: لا يجزئه الثلاثة أصلاً لزمه قضاء الأوليين، وهل يلزمه؛ لأجل الثالثة شيء؟ إن كان ساهياً لا شيء عليه، لأنه شرع في مظنون. وإن كان عامداً لزمه ركعتان في قول أبي يوسف لبقاء التحريمة، وفي قول أبي حنيفة ﵀: لا يلزمه شيء؛ لأن التحريمة قد فسدت حين لم يقعد على رأس الثالثة، ولم يأتِ بالرابعة، فإذا قام إلى الثالثة، فقد قام إليها بتحريمة فاسدة، وذلك موجب القضاء عند أبي يوسف ﵀، وعند أبي حنيفة لا في الصحيح من مذهبه.
فعلى هذا إذا صلى التراويح....... تسليمات كل تسليمة ثلاث ركعات، ولم يقعد على رأس الركعتين، فعلى جواب القياس، وهو قول محمد وزفر ﵀: عليهما وهو رواية عن أبي حنيفة رحمة الله عليه قضاء التراويح كلها، ولا شيء عليه سوى ذلك.
وأما قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله.
فعلى قول من يقول: إذا صلى ثلاث ركعات لا غير بتسليمة واحدة يجزئه عن تسليمة واحدة أجزأه هنا عن التراويح كلها، ولا شيء عليه إن كان قام ساهياً، وإن كان قام عامداً فعليه قضاء عشرين ركعة، وعلى قول من يقول: لا يجزئه الثلاث عن تسليمة واحدة عليه قضاء التراويح كلها، ولا شيء عليه سوى ذلك في قول أبي حنيفة ﵀ كيف ما كان. وفي قول أبي يوسف ﵀: إن كان ساهياً فهو كذلك، وإن كان عامداً فعليه مع التراويح قضاء عشرين ركعة أخرى أيضاً.
وإذا صلى التراويح كلها ثلاثاً ثلاثاً يصلي إحدى وعشرين ركعة بسبع تسليمات، كل تسليمة ثلاث ركعات، ولم يقعد على رأس الركعتين ساهياً رأيت في نسخة «مجموع النوازل» : أن عليه قضاء ركعتين لا غير عندهما، وعند محمد ﵀ يعيد التراويح كلها، ولا يلزمه بالقيام إلى الثالثة شيء قال ثمة: والصحيح قولهما؛ لأنه لما صلى ثلاثاً ولم يقعد في الثانية وسلم ساهياً على رأس الثالثة فهذا السلام لم يخرجه عن حرمة الصلاة، ولو قام وكبّر وصلى ثلاث ركعات صار ست ركعات قد قعد في آخرهن فقام مقام ثلاث تسليمات، ثم الثلاث....... لهذه التسليمة عما عليه، فكان عليه قضاء الركعتين وثلاث وثلاث هكذا، فتصير ثماني عشرة ركعة قائمة مقام تسع تسليمات بقي
стр. 436
عليه تسليمة واحدة، فإذا صلى ثلاث ركعات وترك القعدة على رأس الركعتين من هذا الوجه حتى لو تذكر، وضم إلى الثالثة ركعة أخرى جاز ترويحه، ولا شيء عليه.
نوع آخر في الشك في التراويح
إذا سلم الإمام في ترويحة، فاختلف القوم عليه قال بعضهم: صلى ثلاثاً وقال بعضهم: صلى ركعتين، قال أبو يوسف ﵀ يأخذ الإمام بعلم نفسه، ولا يدع علمه بقول غيره، وقال محمد رحمة الله عليه: يقبل قول غيره، ويكتمل بقول من معه. وإن كانوا أقل، وكذلك إذا وقع الاختلاف بين الإمام، وجميع القوم، وإن شك الإمام فأخبره عدلان يأخذ بقولهما.
وإذا شك أنه صلى عشر تسليمات، أو تسع تسليمات اختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: لا يعيدون تسليمة؛ لأن الزيادة على التراويح ليست بمشروعة، وقال بعضهم: عليهم أن يعيدوا تسليمة بالجماعة، وليس في هذا زيادة على التراويح بجماعة، بل هو إتمام التراويح، فالزيادة على التراويح إن يتموا التراويح، ثم يصلوا ويريدوا الزيادة بنية التراويح، وها هنا يشرعون في هذه التسليمة بنية إتمام التراويح، فلا يكره.
وهو نظير التطوع بعد العصر إذا شرع فيه مع العلم أنه يكره، وإذا شرع في التطوع بنية العصر، ثم علم أنه كان أذن فإنه يتم صلاته، ولا يكره كذا هنا.
وقال بعضهم: يريدون، ولا...... تسليمة أخرى احترازاً عن الزيادة على التراويح. وقال بعضهم: يصلون تسليمة واحدة فرادى، حتى يقع الاحتياط من بعد السنّة بتمامها، ويقع الأخير من غيره إذ النافلة غير التراويح في الجماعة، وهو الصحيح.
نوع آخرإذا صلى التراويح مقتدياً بمن صلى مكتوبة أو نافلة غير التراويح
اختلف المشايخ فيه، منهم من بنى هذا الاختلاف في النية، حتى قال..... المشايخ: إن التراويح لا تتأدى إلا بنيتها نقول ها هنا لا يصح؛ لأنها لو كانت لا تتأدى إلا بنيتها منه لا تتأدى بنية إمامه، وهي تخالف نيته، ومن قال بأنها تتأدى من غير نيتها بل بنية مطلقة يجب أن يقول بصحة الاقتداء هاهنا، ومنهم من قال: لا يصح، قال القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀، وهو الأظهر والأصح.
وعلى هذا الخلاف إذا لم يسلم من العشاء حتى بنى عليه التراويح الصحيح: إنه لا يصح، وهذا أظهر؛ لأنه مكروه وعلى هذا الخلاف إذا بناها على السنة بعد العشاء الصحيح أنه لا يصح.
وكذلك لو كان الإمام يصلي التراويح واقتدى به رجل، ولم ينوِ التراويح، ولا صلاة للإمام لا يجوز، كما لو اقتدى رجل يصلي المكتوبة فنوى الاقتداء به، ولم ينوِ
стр. 437
المكتوبة ولا صلاة للإمام لا يجوز وفي التراويح للقاضي الإمام أبو علي (٧٤أ١) النسفي ﵀:
رجل صلى العشاء بمنزله ثم أتى مجسداً، ووجد الإمام في الصلاة ظن أنه في التراويح، فاقتدى به ثم ظهر أنه في العشاء، قال هذا متنفل اقتدى بمفترض بتحريمة، ولم يقل يجزيه عن التراويح أو عن النفل.
وفي «فتاوى النسفي» : إذا ظن المقتدي أن إمامه افتتح الوتر وأتم التراويح، ونوى الوتر ثم تبين أنه في التراويح فتابعه في ذلك قال: يجوز عن شفع يتأدى بنية النفل، هكذا: ونحوه في «فتاوى النسفي» وقد ذكرنا في قصد النية أن التراويح لا تتأدى إلا بنية التراويح، أو بنية سنّة الوقت أو قيام الليل في شهر رمضان عن بعض المشايخ.
وفي التراويح للقاضي الإمام أبي علي النسفي ﵀: إذا اقتدى الإمام في التراويح ينوي العشاء، بأن لم يأت لسنّة العشاء حتى قام الإمام إلى التراويح أجزأه.
وإذا اقتدى في التسليمة الأولى أو الثانية ثم يصلي التسليمة الخامسة أو السادسة، اختلف المشايخ فيه، قال الصدر الشهيد ﵀؛ فالصحيح أنه يجوز قال؛ لأن الصلاة واحدة ونية الأولى أو الثانية لغو الأولى أنه لو نوى الثالثة بعد الأولى لم يكن إلا الثانية.
وألا ترى أنه لو اقتدى في الركعتين بعد الظهر، فمن يصلي الأربع بعد الظهر يجوز، فهذا كذلك. وإذا لم يدر المقتدي أن الإمام في التراويح أو العشاء، فنوى أنه إن كان في العشاء، فقد اقتديت به. وإن لم يكن في العشاء وكان في التراويح ما اقتديت به لا يصح الاقتداء، سواء كان في العشاء أو في التراويح.
وإن نوى أنه إن كان في العشاء اقتديت به وإن كان في التراويح أيضاً اقتديت، فظهر أنه كان في التراويح أو في العشاء صح الاقتداء، وإذا فاتته ترويحة أو ترويحتان، وقام الإمام إلى الوتر يتابعه في الوتر أم يأتي بما زاد فإنه من الترويحات؟ فقد اختلف مشايخ زماننا فيه.
وذكر في «واقعات الناطفي» عن أبي عبد الله الزعفراني أنه يوتر مع الإمام، ثم يقضي ما فاته من الترويحات.
نوع آخر في إمامة الصبي في التراويح
جوزها أكثر علماء خراسان، ولم يجوزها مشايخ العراق، وفي «الفتاوى» عن نصر بن يحيى قال: لا بأس بأن يؤم الصبي في شهر رمضان، إذا بلغ عشر سنين يعني في التراويح، وقال أحمد بن سلمة ﵀: إنه لا يجوز، وعن محمد بن مقاتل ﵀: أنه قال: يجوز في التراويح خاصته.
وكان الحسن بن علي ﵄ يؤم عائشة ﵂ في التراويح، وإنه صبي، وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀: يفتي بالجواز وكان شمس الأئمة السرخسي ﵀: يفتي بعدم الجواز، وكان يقول الإمام ضامن والصبي لا يصلح
стр. 438
للضمان، ولأن صلاة القوم صلاة حقيقية، وصلاة الصبي ليست حقيقية، ولا يجوز بناء الحقيقي على غير الحقيقي، فعلى..... لو أن هذا الصبي أم صبياً....
وفي «المنتقى» : لو أن قوماً صلوا خلف صبي لا تجوز صلاتهم؛ لأنهم يصلون للتقيد لا تقيد فيما ينفله الصبي، ولهذا قلنا إن الصبي لو أحرم ثم بلغ لا يمضي على إحرامه.
نوع آخرإذا فاتت التراويح عن وقتها هل تقضى؟
اختلف المشايخ فيه قال بعضهم يقضي ما لم يدخل وقت تراويح آخر، وقال بعضهم: يقضي ما لم يمضِ رمضان، وقال بعضهم: لا يقضي أصلاً وهو الأصح؛ لأن التراويح ليست بأكثر من في السنّة بعد المغرب والعشاء، وهي لا تقضى، فهذا أولى.
والدليل عليه: أنها لا تقضى بالجماعة بالإجماع، ولو كانت تقضى لقضيت كما فانت، فإن قضاها منفرداً كان نفلاً مستحباً كسنّة المغرب إذا قضيت.
وفي «الفتاوى» ، من ترك السنّة سئل عن تركها وإذا فاتت عن وقتها لا يؤمر بالقضاء، قال الفقيه أبو الليث ﵀: من ترك السنّة بعذر، فهو معذور في تركه بغير عذر، فهو غير معذور، وإذا تذكرها في الليلة الثانية أنه فسد عليهم شفع سنّته الأولى، فأرادوا أن يقضوا يكره لهم؛ لأنهم لو قضوا بنية التراويح تزيد على تراويح هذه الليلة، وإنه مكروه.
نوع آخر في المتفرقات
إمام شرع في الوقت على ظن أنه...... التراويح، فلما صلى ركعتين تذكر أنه ترك تسليمة يسلم على رأس الركعتين، لم يجزىء ذلك عن التراويح؛ لأنه ما صلى بنية التراويح، ويكره للمقتدي أن يقعد في التراويح، فإذا أراد الإمام أن يركع يقوم؛ لأن هذا إظهار للكاسد في الصلاة والتشهد كالمنافقين، قال الله تعالى ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾ (النساء: ١٤٢) وكذلك إذا غلبه النوم يكره له أن يصلي، بل ينصرف حتى يسقط لأن في الصلاة مع النوم تهاوناً وغفلة وترك تقيد.
وكذا لو صلى على السطح في شدة الحر، لقوله تعالى ﴿قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا بفقهون﴾ (التوبة: ٨١) ، وكذا يكره أن يضع يديه على الأرض عند القيام، بل يقوم بواحدة؛ لأن وضع اليد على الأرض تشبه بالمنافقين، إلا أن لا يستطيع، فحينئذٍ لا يكره، ويكره عد الركعات في التراويح لما فيه من إظهار الملالة، ولا يصلي تطوعٌ بجماعة إلا قيام رمضان، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّمأنه قال: «صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجده إلا مكتوبة» ، ولو كان أداء النافلة بالجماعة لكان أداؤها في المسجد أفضل،
стр. 439
كما في المكتوبة، ولأن الجماعة لإظهار السعاية، فيختص بالمكتوبات فأما قيام رمضان، فقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلّمفي المسجد..... الحديث، واستشهاد عمر ﵁ الصحابة رضوان الله عليهم أن يجمع الناس على قارىء فلم يخالفوه، فجمعهم على أبي بن كعب، فدل ذلك على جوازه فباعده، فردوه إلى الأصل وحكي من الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي ﵀ أن التطوع بالجماعة إذا صلوا التطوع...... سبيل التداعي أما إذا اقتدى واحد بواحد لا يكره، وإذا اقتدى ثلاثة بواحدة، ذكر هو ﵀: أن فيه اختلاف المشايخ، قال بعضهم: يكره وقال بعضهم: لا يكره. وإذا اقتدى أربعة بواحد يكره بلا خلاف.
(فصل في الوتر)
جئنا إلى مسائل الوتر: ذكر القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀: أن الوتر بالجماعات أحب إليّ في رمضان، قال وأجاز علماؤنا ﵏: أن يوتر في منزله في رمضان كما اجتمعوا على التراويح فيها بعمر ﵁ كان يؤمهم فيها في رمضان، وأبي بن كعب كان لا يؤمهم فيها.
والوتر ثلاث ركعات عندنا. وقال الشافعي إن شاء أوتر بركعة أو ثلاث أو خمس أو سبع أو إحدى عشرة، لقوله ﵇: «من شاء أوتر بركعة، ومن شاء أوتر بثلاث أو بخمس» .
ولنا ما روي عن عائشة ﵂ وابن مسعود وابن عباس ﵃: أن النبي ﵇ «أوتر بثلاث ركعات» ، وقال الحسن أجمع المسلمون أنه يصلى الوتر (٧٤ب١) ثلاث ركعات لا يسلم إلا في آخرهن، وما روى الخصم محمول على ما قبل استقرار الوتر، وإنها سنّة عن أبي يوسف ومحمد رحمة الله عليهما وعن أبي حنيفة ﵀ في الوتر ثلاث روايات، في رواية هي واجبة، وفي رواية قال هي سنّة وفي رواية هي فرض.
وفي الصحيح أنها واجبة عنده، ومعنى قولنا إنه فرض عنده أنها فرض عملاً لا اعتقاداً حتى إن جاحده لا يكفر، ومعنى قوله على رواية: إنها سنّة أن وجوبه ثلاث بالسنّة.
حجة أبي يوسف ومحمد رحمة الله عليهما في المسألة قوله ﵇: «ثلاث كتبت علي ولم تكتب عليكم الوتر والضحى والأضحى» ، وفي رواية: «خصصت بثلاث وهي لكم سنّة الوتر الضحى والأضحى» ؛ ولأن هذه صلاة لم يشرع لها أذان ولا
стр. 440
إقامة، ولا جماعة ولا يشرع لها وقت على حدة وشرعت القراءة في الركعات، وكل ذلك إبانة كونها سنّة.
ولأبي حنيفة ﵀ ما روي عن..... ﵁ خرح علينا رسول الله صلى الله عليه وسلّممستبشراً وقال: «إن الله تعالى زادكم صلاة على صلواتكم الخمس ألا وهي الوتر، فحافظوا عليها» فالاستدلال بها من وجهين:
أحدهما: أن النبي ﵇ سمى الوتر زيادة، والزيادة من جنس المزيد عليه، لا يقال زادني الثمر إذا وهب.
والثاني: أمر بالمحافظة عليها، والأمر للوجوب، وما روي من الحديث محمول على الابتداء، وإنما لم يشرع لها أذان وإقامة وجماعة؛ لأن هذه الأشياء شرعت فيما هو فرض عملاً واعتقاداً والوتر عندنا، فرض عملاً لا اعتقاداً، ولأنه شرع باسم الزمان، فلا يلحق بالأصل في حق الشرائط، وإنما شرعت القراءة في الكل لأنها سنّة عملاً، فأوحينا القراءة في الكل احتياطاً على أنه يجوز أن تجب القراءة في الفريضة في جميع الركعات احتياطاً، فإن من دخل في صلاة إمام قد سبقه بركعتين وأحدث الإمام، واستخلف هذا المسبوق يجب عليه أن يقرأ في هاتين الركعتين، وإذا أتم صلاة الإمام..... يستخلف أحداً أدرك أول الصلاة حتى يسلم بهم، يقوم ويصلي ركعتين بقراءة فهذه صلاة فريضة مع ذلك افترضت القراءة فيها في جميع الركعات.
وفي «المنتقى» : عن أبي يوسف ﵀، قال: سمعت أبا حنيفة ﵀ يقول: الوتر فريضة واجبة فقد جمع بين صفة الفرضية وصفة الوجوب، والواجب عند أهل الفقه غير الفريضة.
والجواب: أنها فريضة عملاً لا علماً، وواجبة علماً، وتفسيره أن من نفى فرضيته لا يكفر أو نقول بين بقوله واجبة أن وجوبها لم يثبت بطريق قطعي، كسائر الواجبات في اليوم والليلة.
وعن أبي يوسف ﵀ أنه قال: الوتر سنّة واجبة قيل في طريق الجمع بين السنّة والواجب إنه أراد بالسنّة الطريقة بمعنى قوله الوتر سنّة واجبة ووجوب الوتر طريقة مسنونة.
وقيل أراد به بيان الطريق الذي عرفنا وجوب الوتر به؛ لأن وجوب الوتر ما عرف إلا بالسنّة، ففي القولين استناد إلى أن الوتر واجبة عند أبي يوسف ﵀، وإنه خلاف المشهور من قوله.
وفي «النوازل» : أهل قرية اجتمعوا على ترك الوتر آذاهم الإمام وحبسهم، فإن لم
стр. 441
يمتنعوا قاتلهم، هذا الجواب ظاهر على قول أبي حنيفة، وكذلك على قولهما على ما اختاره........ بخارى ﵏، فإنهم قالوا إذا اجتمع أهل البلدة على الامتناع من أداء الوتر فجواب أئمة بخارى أن الإمام يقاتلهم كما يقاتلهم على ترك الفريضة.
ولو ترك الوتر حتى يطلع الفجر، فعليه قضاؤها في ظاهر رواية أصحابنا ﵏، وعن أبي يوسف ﵀ في غير رواية «الأصول» أنه لا قضاء عليه، وعن محمد ﵀ في غير رواية «الأصول» أحب إليّ أن يقضيها، وما ذكر في الجواب في ظاهر الرواية ظاهر على مذهب أبي حنيفة ﵀؛ لأن الوتر على مذهبه واجب، والواجب تقضى بعد فواتها يشكل على قولهما لأنها سنّة عندهما، والسنّة إذا فاتت عن وقتها لا تقضى وبهذا الفصل يستدل أبو حنيفة ﵀ أن قضية القياس أن لا تقضى، لكن تركنا القياس بالأثر، وهو ما روي أن النبي ﵇ قضى الوتر ليلة....... وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وسلّمقال: «من نام عن وتر أو نسيه، فليصله إذا ذكره» ، وربما تذكر بعد ذهاب الوقت، والله أعلم.
ومتى قضي الوتر قضي بالقنوت؛ لأنه لا وتر بدون القنوت، فإذا وجب قضاء الوتر وجب قضاؤه بقنوته.
ثم إذا أراد أن يصلي الوتر كبر وفعل بعد التكبير ما يفعل في سائر الصلوات فإذا فرغ من نوع القراءة في الركعة الثالثة كبّر ورفع يديه حذاء أذنيه ويقنت، والأصل فيه قوله ﵇: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن، وذكر في جملتها قنوت الوتر» .
والكلام في الوتر في مواضع.
أحدها: أنه لا قنوت إلا في الوتر عندنا.
والثاني: أن القنوت في الوتر مشروع عندنا قبل الركوع، وعند الشافعي بعد الركوع.
والثالث: أن القنوت في الوتر في جميع السنّة عندنا. وقال الشافعي لا قنوت إلا في النصف الآخر من شهر رمضان.
والرابع: أن مقدار القيام في القنوت قدر سورة إذا السماء انشقت وليس فيه دعاء مؤقت؛ لأن القراءة أهم من القنوت، فإذا لم يؤقت في القراءة بشيء من الصلاة، ففي الدعاء أولى، وقد روي عن محمد ﵀ أن التوقيت في الدعاء يذهب برقة القلب.
قال بعض مشايخنا ﵏: يريد بقوله ليس فيه دعاء مؤقت ليس فيه سوى قوله: اللهم إنا نستعينك دعاء مؤقت، والصحابة اتفقوا على هذا في الوتر وقال بعضم لا بل ليس فيه شيء مؤقت أصلاً مما ذكرنا والأولى أن يقأ: اللهم إنا نستعنيك ويقرأ بعده
стр. 442
اللهم اهدنا فيمن هديت، هكذا علم رسول الله صلى الله عليه وسلّمالحسن بن علي ﵄.
والخامس: إذا نسي القنوت حتى ركع فذكر في الركوع، ففي أصحابنا عنه روايتان نسي القنوت، وتذكر في الركوع في رواية يعود إلى القيام ويقنت؛ لأن الركوع له حكم القيام الأولى أنه لو أدرك الإمام في الركوع كان مدركاً للركعة، وهي رواية أخرى يمضي على ركوعه، ولا يرفع رأسه للقنوت؛ لأنها شيء فائت عن وقتها فتسقط بخلاف تكبيرات العيد إذا تذكرها في الركوع، فإنها لا تسقط.
والفرق: أن محل القنوت القيام المحض، فكذا محل القنوت، ولا يمكن أن يأتي به في الركوع؛ لأن الركوع ليس بمحله ولا يمكن نقض الركوع لأجله؛ لأن الركوع فرض والقنوت سنّة، ولا يجوز نقض الفرض لأداء السنّة، وأما تكبيرات العيد فكما شرعت في القيام المحض شرعت (٧٥أ١) فيما له حكم القيام، وهو الركوع.
وذكر في بعض المواضع يعود إلى القيام، ويأتي بهما ثم إذا عاد إلى القيام وقنت على إحدى الروايتين، لا يعيد الركوع؛ لأن ركوعه لم يرتفض بالعود إلى القيام للقنوت لأن الركوع فرض والقنوت واجبة، ولا يجوز رفض الفرض لإقامة الواجب.
ولو أوتر وقرأ في الثالثة القنوت ولم يقرأ الفاتحة ولا السورة أو قرأ الفاتحة دون السورة، وركع ثم تذكر ذلك في الركوع فإنه يعود إلى القيام ويقرأ ثم يركع؛ لأن ركوعه قد ارتفض في هذه الصورة، أما إذا لم يقرأ أصلاً لأن القراءة فرض وجاز أن يرتفض الفرض بالفرض، وأما إذا قرأ الفاتحة دون السورة؛ فلأن ضم السورة إلى الفاتحة، وإن كان من الواجبات، ولكن إذا ضم السورة إلى الفاتحة يصير الكل فرضاً، فيكون هذا نقض الفرض، لأجل الفرض، ثم قال: وعليه السجود للسهو عاد أو لم يعد قنت أو لم يقنت.
السادس: إنه يجهر بالقنوت أو يخافت به وقع في بعض الكتب أن على قول محمد ﵀ يخافت؛ لأنه دعاء والسبيل في الدعاء الإخفاء، على قول أبي يوسف ﵀ يجهر به لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلّمأنه كان يجهر به، حتى روي أن الصحابة ﵃ تعلموا القنوت في قراءة رسول الله ﵇، ووقع في بعض الكتب الخلاف على عكس هذا على قول أبي يوسف ﵀ (كانت) به، وعلى قوله محمد ﵀ يجهر به وذكر القاضي الإمام علاء الدين المعروف.... ﵀ في «شرح المختلفات» : أن المنفرد يخافت بالقنوت، والإمام يخافت عند بعض المشايخ.
منهم: الشيخ الإمام أبو بكر بن محمد الفضل، والشيخ الإمام أبو حفص الكبير ﵀ فلولا علم في إشارة محمد بن الحسن رحمة الله عليه: أنه من سنّته المخافتة وإلا لما خالف أستاذه، وهذا لأنه دعاء على الحقيقة وخير الدعاء الخفي قال ﵀، وقد كانوا يستحسنون الجهر في بلاد العجم، ليتعلموا كما جهر عمر ﵁ إلينا حين قدم وفد العراق، وقال بعض مشايخ زماننا إن كان الغالب في الفقه أنهم لا يعلمون دعاء القنوت،
стр. 443
فالإمام يجهر به ليتعلموا منه. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلّمجهر به، والصحابة تعلموا القنوت في قراءته، وإن كان الغالب فيهم أنهم يعلمون يخفي به، لأنه دعاء، والسبيل في الدعاء الخفية، وقال بعض المشايخ: يجب أن يجهر به، لأن له شبهاً بالقرآن، فإن الصحابة رضوان الله عليهم اختلفوا فيه، قال بعضهم هما سورتان من القرآن ويجهر بما هو فرض على الحقيقة، فكذا بما له نسبة بالقرآن، وقال صاحب «شرح الطحاوي» : الإمام يجهر بالقنوت، ويكون ذلك الجهر دون الجهر بالقراءة في الصلاة.
السابع: في بيان المقتدي هل يقرأ القنوت؟
ذكر القاضي الإمام عز الدين في «شرح المختلفات» : إن على قول أبي يوسف ﵀: يقرأ، وعلى قول محمد ﵀: لا يقرأ، وهكذا ذكر في «الفتاوى» ، وذكر في موضع آخر أن القوم يُؤمنون عند محمد ﵀ ويسكتون، عند أبي يوسف ﵀ القوم بالخيار إن شاؤوا قرأوا، وإن شاؤوا سكتوا.
وقال محمد ﵀: إن شاؤوا قرؤوا وإن شاؤوا أمنوا لدعائه، وذكر الطحاوي ﵀: أن القوم يتابعونه إلى قوله؛ إن عذابك بالكفار ملحق، فإذا دعا الإمام، فعند أبي يوسف ﵀ يتابعونه، وعند محمد ﵀ يؤمنون.
الثامن: أن في حالة القنوت يرسل يديه أو يعتمد: كان الفقيه أبو بكر الإسكاف ﵀ يعتمد، وكان الفقيه أبو بكر بن أبي سعيد يرسل، وكذلك في صلاة الجنازة، وكذلك في الركوع والسجود، وكان الفقيه أبو جعفر يختار هذا القول.
التاسع: في الصلاة على النبي ﵇ في القنوت، وفي الشك الواقع فيه.
قال بعضهم: هذا ليس موضع الصلاة على النبي ﵇ يعني لا يصلي عليه، وقال الفقيه أبو الليث ﵀: هذا دعاء، والأفضل في الدعاء أن يكون فيه الصلاة على النبي ﷺ فإن صلى على النبي في القنوت وفي الشك الواقع فيه لم يصلِ في القعدة الأخيرة عند بعضهم، وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀: أن عليه السهو، وقال محمد ﵀:؟..... أن ألزمه السهو لأجل الصلاة على النبي ﵇. وإذا قنت في الركعة الأولى أو الثانية ساهياً لم يقنت في الثالثة لأنه لا يتكرر في الصلاة الواحدة، وإن شك أنه قنت أم لا يعني في الثالثة وهو في قيام الثالثة تحرى، فإن لم يحضره شيء قنت، لأنه عسى لم يقنت.
وذكر في «الواقعات» : رجل شك في الوتر وهو في حالة القيام أنه في الأولى أو الثانية أو في الثالثة فإنه يأخذ بالأقل احتياطاً إن لم يقع تحريه على شيء ويقعد في كل ركعة، ويقرأ، وأما القنوت: فقد قال أئمة بلخ: إنه يقنت في الركعة الأولى لا غير، وعن أبي حفص الكبير ﵀: إنه يقنت في الركعة الثانية أيضاً، وبه أخذ القاضي الإمام أبو علي النسفي ﵀.
стр. 444
ولو شك في حالة القيام أنه في الثانية أو في الثالثة تمت تلك الركعة، ويقنت فيها، لجواز أنها الثالثة ثم يقعد ويقوم فيضيف إليها أخرى، ويقنت فيها أيضاً على قول أبي حفص الكبير، والقاضي الإمام أبي علي النسفي، فرقا بين هذا وبين المسبوق ركعتين في الوتر في شهر رمضان إذا قنت مع الإمام في الركعة الأخيرة من صلاة الإمام حيث لا يقنت في الركعة الأخيرة إذا قام إلى القضاء في قولهم جميعاً.
والفرق: أن المسبوق هو مأمور بأن يقنت مع الإمام فصار ذلك موضعاً له فما أدى به مع الإمام وقع في موضعه فلا يقنت مرة أخرى لأن تكرار القنوت ليس بمشروع.
أما في مسألة الشك لم يتيقن بوقوع الأولى في موضعها فيقنت مرة أخرى، وعن الشيخ الإمام أبي بكر الفضل ﵀ أن في مسألة الشك لا يقنت مرة أخرى كما هو قول أئمة بلخ في المسألة الأولى.
وإذا صلى الفجر خلف (من) لا يقنت فيها لا يتابعه في القنوت في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف ﵀: يتابعه، ولو صلى الوتر خلف من يقنت في الوتر بعد الركوع تابع فيه.
وكذلك لو اقتدى بمن نوى سجود السهو قبل السلام تابعه فيه، وكذلك لو اقتدى بمن يرى الزيادة في تكبير العيد يتابعه فيها ما لم يخرج عن حد الاجتهاد، وإن اقتدى في صلاة الجنازة بمن يرى التكبير خمساً لا يتابعه في الخامسة.
الفصل الرابع عشر فيمن يصلى ومعه شيء من النجاسات
صلى ومعه نافجة مسك ذكر الفضلي في «فتاويه» إن كانت النافجة بحال متى أصابها الماء لم تفسد جاز وصلاته، لأنها بمنزلة جلد ميتة دبغ، فإن كانت وأصابها تفسد فإن كانت هذه نافجة..... لم تزل تجز صلاته بمنزلة جلد ميتة لم يدبغ.
وفي «البقالي» : فأما نافجة المسك فيبسها دباغها فهذا إشارة إلى جواز الصلاة معها على كل حال.
وفي «القدوري» : وكل شيء دبغ به الجلد مما يمنعه من الفساد ويعمل عمل الدباغ فإنه يطهر وإذا ألقى جلداً للنشر في الشمس حتى يبس أو عولج بالتراب حتى نشف فهو طاهر، هكذا روي عن أبي يوسف ﵀، وهذا لأن الدباغ إنما يؤثر في الجلد لاستحالته، فإذا استحال بالشمس والتراب، كان كما لو استحال..... والقرظ حتى قيل: لو لم يستحل وخف لم يطهر، وعن أبي يوسف ﵀ إذا أتاه من الشمس والدبغ ما لو ترك لم يفسد كان دباغاً، وذكر الكرخي ﵀ في «جامعه» عن محمد
стр. 445
رحمه الله في جلد الميتة إذا يبس ووقع في الماء لم يفسده من غير فصل، وكذا روى عنه داود بن رشيد.
ذكر رواية داود في «المنتقى» : وقيل: في جلد الميتة إذا يبس بالتراب أو الشمس ثم أصابه الماء هل يعود نجساً فعن أبي حنيفة ﵀ فيه روايتان، واختلاف الروايات في عود النجاسة عند إصابة الماء دليل على الطهارة (٧٥ب١) قبل إصابة الماء، وهذا يعني أن الصحيح في مسألة النافجة جواز الصلاة معها من غير التفصيل.
ولو صلى ومعه جلد حية أكثر من قدر الدرهم لا تجوز الصلاة، مذبوحة كانت أو غير مذبوحة، لأن جلدها لا يحتمل الدباغ لتقام الذكاة فيه مقام الدباغ، فأما قميص الحية فقد ذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ في «صلاة المستفتي» قال بعضهم: هو نجس، (وقال بعضهم) هو طاهر. وأشار إلى أن الصحيح أنه طاهر، فإنه قال عين الحية طاهر، حتى لو صلى وفي كبد حية خرء الحية يجوز، وإذا كان عين الحية طاهراً كان قميصها طاهراً، وخرء الحية وبولها نجس نجاسة الطير.
وفي «المنتقى» : عن محمد ﵀: رجل صلى ومعه حية أو سنور أو فأرة أجزأه، ولو صلى ومعه جرو كلب أو ثعلب لم تجزئه صلاته. وذكر لجنس هذه المسائل أصلاً فقال: كل ما يجوز التوضؤ بسؤره تجوز الصلاة معه، وما لا يجوز التوضؤ بسؤره لا تجوز الصلاة معه.
وذكر مسألة الجرو في متفرقات الفقيه أبي جعفر ﵀ فقال: إذا كان فم الجرو أكثر من قدر الدرهم فمه خارج الفم.
وفي «القدوري» : عين الكلب نجس، فإن محمداً ﵀ يقول في «الكتاب» : وليس الكلب بأنجس من الخنزير وقد ذكرنا المسألة مع ما فيها في الاختلاف في كتاب الطهارات.
وفي «البقالي» : في قطعة من جلد كلب ترق على جراحة في الرأس فيثبت أنه في معنى الدباغ ويعيد ما صلى قبل ذلك، وفي صلاة «النوازل» إذا صلى ومعه مرارة الشاة فمرارة كل شيء كقوله فكل حكم ظهر في البول فهو الحكم في المرارة والله أعلم.
وتطهر الجلود كلها بالدباغ إلا جلد الإنسان والخنزير، وهذا قول علمائنا ﵏ في المشهور، وعن أبي يوسف ﵀ في جلد الخنزير إنه يطهر بالدباغ، وفي بعض الروايات عن أصحابنا ﵏ في جلد الكلب روايتان: في رواية يطهر وهو الصحيح، وما طهر جلده ولحمه (بالدباغ، فإنه يطهر) بالذكاة. وقال الشافعي ﵀ لا تؤثر الذكاة فيما لا يؤكل لحمه.
قيل: ويشترط عند علمائنا ﵏ أن تكون الذكاة من أهلها ما بين اللبة واللميين وتكون الذكاة مقرونة بالتسمية بحيث لو كان المذبوح مأكولاً تحل بتلك التسمية.
стр. 446
حكي فصل التسمية عن شمس الأئمة الحلواني ﵀.
قال أصحابنا ﵏ بأن صوف الحيوانات الميتة وعصبها ووبرها وشعرها وعظمها طاهر. ألا ترى أنه يكون على العظم دسم سواء كان مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم حتى تجوز الصلاة مع هذه الأشياء عندنا جز قبل الموت أو بعده.
وقال الشافعي ﵀: إن كانت هذه الأشياء في مأكول اللحم جُزَّ منها قبل موتها فهي طاهرة يجوز الانتفاع بها، وإن جز منها بعد موتها فإنها نجسة، وإن كانت هذه الأشياء في غير مأكول اللحم، فإنها نجسة لا يجوز الانتفاع جز قبل الموت أو بعده.
حاصل الاختلاف راجع إلى أن لهذه الأشياء روح أم لا، فعندنا لا روح في هذه الأشياء. وعند الشافعي ﵀ في هذه الأشياء روح كما في اللحم، وإذا لم يكن فيها روح عندنا لا تحلها الوفاة فيجعل وجود الموت في الأصل وعدمه سواء وعندنا لما كان في هذه الأشياء، فالشافعي ﵀ احتج بقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ (المائدة: ٣) والميتة اسم لجميع أجزائها فيحرم الانتفاع بجميع أجزائها عملاً بهذا الطاهر، والدليل عليه قوله ﵇: «لا تنتفعوا في الميتة بشيء» ، والمعنى فيه أن هذا جزء، ويتصل بذي روح....... الأصل فيتنجس بالموت قياساً على سائر الأطراف.
والدليل على (أن) في العظم حياة أنه يتألم المرء بكسر العظم كما يتألم يقطع اللحم فتلحقه الوفاة ويتنجس بالموت، وكذا العظم وعلماؤنا ﵏ احتجوا بقوله تعالى: ﴿أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومقاماً إلى حين﴾ (النحل: ٨٠) الله تعالى من علينا بأن يجعل هذه الأشياء مستمتعاً لنا من غير فصل بينما إذا أخذ منه قبل الموت أو بعده، في مأكول اللحم أو من غير مأكول اللحم، وعن عائشة ﵂ عن النبي ﵇ أنه قال: «لا...... الجلود الميتة إذا دبغت ولا بقرونها ولا بشعورها إذا غسلت بالماء» والمعنى فيه. وهو أن هذا بمعنى لو انفصل منه حالة الحياة حكم بطهارته، فكذلك إذا انفصل بعد الموت قياساً على البيض والولد.
والدليل على أنه لا روح في هذه الأشياء أن الحي لا يتألم بقطعها، فلو كان فيه حياة لتألم بقطعها كما في اللحم، ولا نقول إن العظم يتألم بل ما هو متصل به من اللحم يتألم.
فالحاصل: أن عظم ما سوى الخنزير والآدمي من الحيوانات، إذا كان الحيوان ذكاة إنه طاهر سواء كان العظم رطباً أو يابساً، وأما إذا كان الحيوان ميتاً، فإن كان عظمه رطباً فهو نجس، وإن كان يابساً فهو طاهر؛ لأن اليبس في العظم بمنزلة الدباغ من حيث
стр. 447
إنه يقع الأمن في العظم باليبس عن الفساد كما يقع الأمن في الجلد بالدباغ، فكذا العظم باليبس، وأما عظم الخنزير فنجس وفي عظم الآدمي اختلفوا، بعض مشايخنا قالوا: إنه نجس، وبعضهم قالوا: إنه طاهر، واتفقوا (أنه) لنقص بكرامته؛ لأن الآدمي مكلف بجميع أجزائه، وفي الانتفاع بأجزائه نوع إهانة به، والله أعلم.
وأما العصب ففيه روايتان: في رواية لا حياة ((فيه، فلا ينجس، وفي رواية) فيه حياة فيتنجس بالموت، وبه أخذ شمس الأئمة السرخسي ﵀.
وأما شعر الآدمي ففي (قول) محمد ﵀ فيه روايتان: في رواية نجس وفي رواية طاهر حتى لو صلى ومعه شعر الآدمي أكثر من قدر الدرهم تجوز صلاته، نص عليه الكرخي ﵀ وهو الصحيح. وحرمة الانتفاع به لكرامته لحرمة الانتفاع بعظمه، وهذا لا يدل على النجاسة.
وأما شعر الخنزير فهو نجس هو الظاهر في مذهب أبي حنيفة رحمة الله عليه، وروي أنه رخص للخزازين استعماله؛ لأن منفعه الخرز عادة لا تحصل إلا به وجرت العادة في زمن الصحابة رضوان الله عليهم إلى يومنا هذا في استعماله في الخرز من غير نكير منكر، وعن أبي يوسف ﵀؛ أنه لا يفسد إلا أن يغلب على..... هل يجوز بيعه؟
قال الفقيه أبو الليث ﵀: إذا لم يجد الخزاز شعر الخنزير إلا بالشراء يجوز له الشراء، ويكره للبائع بيعه لأنه لا ضرورة للبائع بخلاف المشتري، وعن ابن سيرين وجماعة من الزهاد ﵏ أنه لم يجوزوا الانتفاع به كذا ذكره الإمام الزاهد الصفار ﵀، وكانوا يقولون غيره يقوم مقامه وهو......
وأما عظم الفيل روي عن محمد ﵀ أنه نجس؛ لأن الفيل لما يزكى كالخنزير، فيكون عظمه كعظم الخنزير، وروي عن أبي يوسف ﵀ أنه طاهر، وهو الأصح.
ذكره شمس الأئمة السرخسي ﵀ لحديث ثوبان ﵁ أن النبي ﷺ «اشترى لفاطمة سواراً من عاج سوارين» وظهر استعمال الناس العاج من غير نكير منكر، والعاج عظم الفيل فدل أنه طاهر.
وأما السبع إذا ذبح (هل) تجوز الصلاة مع لحمه؟ ولو وقع في الماء القليل هل ينجسه؟ قال أبو الحسن الكرخي ﵀: تجوز الصلاة مع لحمه ولا ينجس الماء لا يؤكل، وقال الفقيه أبو جعفر ﵀: لا تجوز الصلاة وينجس، وكان الصدر الشهيد ﵀ يفتي بطهارة لحمه، وجواز الصلاة معه مطلقاً من غير قيد.
وأما سباع الطير كالبازي وأشباهه، والفأرة، والحية تجوز الصلاة مع لحمها إذا
стр. 448
كانت مذبوحة؛ لأن سؤر هذه الأشياء ليس بنجس، وما لا يكون سؤره نجساً لا يكون لحمه نجساً، فتجوز الصلاة معه.
وعن نصر بن يحيى أنه كان يفرق بين سباع ما يكون سؤرها نجساً، وبين سباع ما يكون سؤره طاهراً، وكان يجوز الصلاة (مع) ما يكون سؤره (٧٦أ١) طاهراً، ولا يجوزها مع مع تجوز ما يكون سؤره نجساً، وفي صلاة «المنتقى» لشمس الأئمة الحلواني رحمة الله عليه: أن لحم الكلب وغيره من السباع سوى الخنزير يطهر بالذكاة، إذا كانت من اللبة واللحيين فيها إنهار الدم وإفراء الأوداج، وأما إذا عقر ومات من ذلك لا يطهر جلده. قال ثمة: وهذا إذا كان الكلب ألفاً، فأما إذا توحش فرمي بسهم، فمات من ذلك، فذلك ذكاة له، فيطهر جلده ولحمه وكذا الذئب والأسد والثعلب.
وفي «العيون» جلد ومعها صبي ميت هي حامل له، فإن كان لم يستهل فصلاتها فاسدة، غسل لو لم يغسل لأن بالغسل إنما يطهر الميت الذي كان حياً، وكذلك إن استهل ولم يغسله، وإن استهل وغسل فصلاتها جائزة.
وكذلك إذا صلى الرجل وهو حامل رجلاً ميتاً إن غسل فصلاته جائزة وإن لم يغسل فصلاته فاسدة، وهذا في المسلم، فأما إذا كان حاملاً ميتاً كافراً فصلاته فاسدة وإن غسل الميت، وإن صلى وهو حاملٌ شهيداً عليه دمه جازت صلاة، وإن أصاب دم الشهيد ثوب إنسان أفسده.
وفي «نوادر المعلى» عن أبي يوسف رحمهما الله: من صلى وهو حامل ميتاً قد غسله، فعليه إعادة الصلاة.
وفي «متفرقات الفقيه أبي جعفر» ﵀: لو أن رجلاً صلى ومعه صبي، وعلى صبي يستمسك بنفسه وهو الذي يركب عليه فإن صلاته معه تجوز، وإن كان لا يستمسك بنفسه، ويحتاج إلى من يمسكه عليه فصلاته فاسدة.
وفي «العيون» : عن أبي يوسف ﵀: إذا قطع فضل أذنه أو قلع سنّه، وأعاد ذلك فصلى مع ذلك أول إلى مكانه، وإن أعاد سنّه وأذنه المقطوع أو السن المقلوعة في كمه، فصلاته قائمة وإن كان أكثر من قدر الدرهم، وبه أخذ الفقيه أبو الليث ﵀، وعن أبي يوسف ﵀ أنه قال: إن كانت سنّه جازت صلاته، وإن كان شيء غيره لم تجز صلاته، قال: وبينهما فرق وإن لم يحضرني.
وفي «متفرقات» الفقيه أبي جعفر رحمة الله عليه: إذا صلى ومعه عظم إنسان عليه لحم أو قطعة من لحمه لا تجوز، وإن كان ذلك مغسولاً، وفي العضو، نحو اليد والرجل إذا كان مغسولاً روايتان.
وفي «الجامع الأصغر» : في سن الإنسان وعظمه إذا كان أكثر من قدر الدرهم لم
стр. 449
تجز الصلاة معه، واعتبر الوزن، وفي شعر الآدمي على الرواية التي تقول بأنه نجس اعتبر...... حتى قال: لو صلى ومعه شعر الآدمي أكثر من قدر الدرهم لا تجوز صلاته.
وفي «صلاة المستفتي» إن أسنان الكلب الميت طاهرة لو صلى معها يجوز وأسنان الإنسان إذا سقطت بحبسه لو...... معها لا تجوز.
وحكى الفقيه أبو جعفر الهندواني ﵀ عن المتقدمين أصحابنا ﵏ أن من أثبت مكان أسنانه أسنان آدمي آخر منع ذلك جواز صلاته؛ لأن فمه...... من النجاسة، ولو أثبت مكان أسنّته أسنان الكلب لا يمنع ذلك جواز الصلاة.
قال الفقيه أبو جعفر هذا ﵀: وتأويله عندي إذا أمكن قلع أسنانه من غير إلحاح ولا ضرر، أما إذا كان لا يمكن قلعها إلا بالإلحاح بالإجماع لا يمنع جواز الصلاة، وكذا إذا كسر ساقه ووصل فيه ساق إنسان أو عظم آخر من عظامه منع جواز الصلاة، وإن وصل فيه عظم كلب لا يمنع جواز الصلاة، وتأويله عند الفقيه أبي جعفر ﵀ ما قلنا وكذا إذا احتمل الدباغ، فعولج ودبغ يطهر حتى لو صلى معه تجوز الصلاة، ولو جعل منه.... كرش الميتة يتنجس، وإن كان مائعاً.
وإذا استنجى رجل بالماء ثم خرج منه ريح بعد أن..... لا يتنجس من.... الموضع الذي يمر فيه الريح عند عامة المشايخ، وكذلك لو كان السراويل مبتلاً وأصابه هذا الريح لا يتنجس سراويله عند عامة المشايخ، وكذلك إذا دخل إنسان المربط في الشتاء وبدنه مبتل بالماء أو بالعرق يجفف البلل من حر المربط وأدخل شيء مبتل في المرابط يجف ذلك الشيء من حر المربوط، لا يتنجس البدن وذلك الشيء عند عامة المشايخ إلا (أن) يظهر أثره كصفرة ظهرت في السراويل المنبذ بعد خروج الريح، أو في ذلك الشيء بعد الإدخال في المربط إذا نشر، فإن هذا يتنجس، لأنه صار متجمد الظهور......، وكذلك بخار المربط إذا ارتفع؟...... واستجمد أو خرج من شق الباب، واستجمد أو ارتفع بخار الكنيف إلى السقف، واستجمد ثم ذاب فأيما أصاب فتلك البلة تنجسه.
وإذا ارتفع بخار البيت إلى الطاق، واستجمد إن كان ارتفاعه من موضع نجس، فهو نجس، وإذا ذاب ذلك، وأصاب شيئاً نجسه. وإن كان ارتفاعه من طاهر فهو طاهر ورأيت في موضع..... الطاق نجس قياساً وليس بنجس استحساناً، فصور ذلك فقال: إذا أحرقت...... في بيت فأصاب ماء الطاق ثوب إنسان لا يفسده استحساناً ما لم يظهر أنه النجاسة فيه وبه كان يفتي الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاري ﵀، وهو اختيار ظهير الدين المرغيناني رحمة الله عليه.
وكذلك الإصطبل إذا كان حالاً أو على كوته طاق أو بيت أو على كونه طابقاً أو
стр. 450
ثبت البالوعة إذا كان عليه طائق فعرق الطائق، وتقاطر منه، وكذلك الحمام ارتفعت فيه النجاسات فعرقت حيطانه وكوته وتقاطرت، وكذلك لو كان في الإصطبل كوز معلق فيه ماء يترشح من أسفل الكوز وتقاطر في القياس ويكون نجساً؛ لأن أسفل الكوز صار نجساً بنجاسة الإصطبل.
وفي الاستحسان: لا يكون نجساً؛ لأن الكوز كان طاهراً في الأصل، وكذا الماء الذي فيه وصيرورة..... نجساً موهوم والمتيقن لا يزول بالموهوم.
وإذا صلى وفي كمه بيضه حال محها دماً مذرة وما جازت صلاته، وكذلك البيضة فيه فرخ ميت والبيضة الرطبة أو السحلة إذا وقعت في...... لا تفسده في قياس قول أبي حنيفة ﵀.
وفي «الجامع الأصغر» والبيضة المذرة لا يجوز معها الصلاة عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، وعلى قياس أبي حنيفة والحسن بن زياد رحمهما الله يجوز.
وفي «الفتاوى» عن أبي عبد الله البلخي: إن الصلاة مع البيضة المذرة جائزة، فإذا صلت امرأة ومعها دود القز لا تفسد صلاتها؛ لأنها ليست بنجسة، ولو صلى..... من شعر الكلب لا تفسد صلاته، وإذا اختصت...... نجسته وصلت بعدما غسلت اليد ثلاثاً بماء طاهر جازت صلاتها؛ لأن الذي في وسعها هذا، وقد مرت المسألة في كتاب الطهارات، وإذا كان على يد الرجل نفطة يبست ما تحتها من الرطوبة ولم تذهب الجلدة عنها، فتوضأ وأمر الماء على الجلدة جاز، وإن لم يصب الماء تحتها لأن الواجب غسل الظاهر دون الباطن.
إذا صلى ومعه درهم تنجس جانباه لا يمنع جواز الصلاة؛ لأن الكل درهم واحد إذا صلى وفي كمه قارورة فيها بول لا تجوز الصلاة سواء كانت ممتلئة أو غير ممتلئة؛ لأن هذا ليس في؟.
..... ولا في معدته.
إذا صلى الرجل وفي كمه فرخة حية فلما فرغ من الصلاة رآها ميتة، فإن لم يكن في غالب رأيه أنها ماتت في الصلاة بأن كان مشكلاً لا يعيد الصلاة؛ لأنه لم تجب الإعادة غالباً، وإن كان في غالب رأيه أنها ماتت في الصلاة أعادها؛ لأنه وجبت الإعادة غالباً، وإذا شق جبته فوجد فيها فأرة ميتة، ولا يعلم متى دخلت فيها إن لم يكن للجبة ثقب يعيد صلوات ثلاثة أيام ولياليها، وعندهما لا يعيد إلا أن يعلم متى ماتت فيها كما في مسألة البئر.
وإن صلى في ثوب أياماً ثم اطلع على نجاسة (٧٦ب١) بدون أن يعلم متى أصابت الثوب، لا يعيد شيئاً مما صلى حين يتيقن هو متى الإصابة.
ذكر في «الكتاب» : أن هذا قولهم جميعاً، قال أبو يوسف سألت أبا حنيفة رحمة الله عليه عن هذه المسألة، فقال؛ لا يعيد صلاة صلاها قبل ذلك حين يتيقن بوقت الإصابة
стр. 451
ولا أرى هذا يشبه البئر، وروى أبو حمزة السكوتي عن أبي حنيفة رحمة الله عليهما أنه قال في الثوب يعيد صلاة يوم وليلة، وروي عنه في رواية أخرى إن كان ظنياً يعيد صلاة يوم وليلة، وإن كان متيقناً يعيد صلاة ثلاثة أيام ولياليها، وبعض مشايخنا قالو: إن كان بولاً يجوز لأول ما بال فيه، وإن كان رعافاً، فلأول ما ترعف، وإن كان منياً فلأول ما احتلم أو جامع فيه.
وذكر ابن رستم في «نوادره» : إن وجد منياً في ثوبه يعيد الصلاة من آخر نومة نامها فيه، وعن ابن رستم ﵀ أيضاً: إن وجد في ثوبه منياً يعيد الصلاة من آخر ما احتلم، أو جامع فيه، وإن رأى لا يعيد حتى يتيقن أنه صلى وهو فيه، هذا إذا كان ثوباً يلبسه بنفسه، وإن كان الثوب قد يلبسه غيره، فالنطفة والدم في ذلك سواء لا يلزمه الإعادة حتى يتيقن بوقت الإصابة، رطباً كان أو يابساً....... التي خرجت في المقعد أو غسلت وأمسكها مصلي، وصل معها جازت صلاته. والله أعلم. هذه المسائل قد ذكرناها في كتاب الطهارات.
رجل به جرح سائل لا يرقأ ومعه ثوبان، أحدهما نجس، والآخر طاهر فأيها صلى فيه يجوز إذا كان الثوب الطاهر يفسده الدم إن لبسه؛ لأن لبس الطاهر غير مأجور عليه إذا كانت الحالة هذه؛ لأنه يفسده من ساعته.
وفي «نوادر هشام» ﵀، قال: سألت محمداً ﵀ عن رجل صلى وفي ثوبه أكثر من قدر الدرهم من النبيذ السكر أو نبيذ المنصف أو من نقيع الزبيب، يعني إذا غلى..... أن أبا حنيفة ﵀، قال يعيد الصلاة.
وكذلك قول أبي يوسف ﵀، قلنا: فما قول أبي حنيفة فيمن صلى وفي ثوبه نبيذ نقيع يعني نبيذ الزبيب المطبوخ، قال: صلاته تامة؛ لأنه كان لا يرى بشربه بأساً، قال؛ وهو قول أبي يوسف ﵀، قال محمد: وأما أنا فأرى يعيد الصلاة بناءً على أن محمداً ﵀ لا يرى للطبخ أثراً في الجلد، فسوَّى بين الطبيخ؛ إذ في طبخه وهي غير الطبيخ، والله أعلم.
قد ذكرنا في أول هذا الفصل بعض مسائل الجلود قال محمد ﵀: وما لا تقع الذكاة عليه إذا دبغ جلده لم يطهر مثل الخنزير، أما الأسد إذا دبغ جلده فقد طهر، وكذا الثعلب المفتى عن أبي يوسف رحمهما الله في شعر الخنزير يفسد الماء وقد ذكرنا قول أبي يوسف في شعر الخنزير قبل هذا أنه يفسد الماء إنما أوردنا رواية المعلى لزيادة فائدة فيها، فإن رواية المعلى شعر الخنزير يفسد الماء إن كانت شعرة، وعنده أيضاً برواية المعلى لو صلى في جلد خنزير مدبوغ، فصلاته تامة وقد أساء، قد ذكرنا حكم عظم الفيل مثل هذا، وذكرنا الخلاف فيه نهي أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
وفي كتاب الحج لمحمد قال أبو حنيفة ﵀: لا بأس ببيع عظام الفيل وغيره
стр. 452
من الميت إذا نزع عنه اللحم ويبس وغسل، وكذلك جلدها إذا دبغ.
وفي «نوادر إبراهيم» : عن محمد رحمة الله عليهما: امرأة صلت وفي عنقها قلادة فيها سن ثعلب، أو كلب أو أسد، فصلاتها تامة؛ لأنه لا يقع عليها الذكاة، قال ألا ترى أنه أجيز بيع الكلب، فأجيز بيعه وبيع جلد الأسد والثعلب، والله أعلم.
إبراهيم عن محمد رحمهما الله مصارين شاة وصلى وهو معه، فصلاته جائزة، ألا ترى أنه يتخذ منه الأوتار قال: وكذلك لو دبغ المثانة، وأصلحها، فجعل فيها لبناً جاز ولا يفسد اللبن، قال؛ وأما الكرش فإن كنت تقدر على إصلاحه كما تقدر على إصلاح المثانة، فلا بأس بجعل اللبن فيه، وإن صليت وهو معك أجزأك، وعن أبي يوسف ﵀ في الكرش أنه مثل اللحم أكرهه، وإن يبسه والله أعلم.
وفي «عيون المسائل» : رجل زحمه الناس يوم الجمعة فخاف أن يضيع نعله، فرفعه وهو يجيء الصلاة وكان فيه نجاسة أكبر من قدر الدرهم فقام ثم وضعه لا تفسد صلاته حتى يركع ركوعاً تاماً أو يسجد سجوداً تاماً، والنعل في يده حتى يصير مؤدياً ركناً تاماً مع النجاسة من غير خلاف، بخلاف حالة القيام لأنه له في رفع النعل حالة القيام حالة كيلا يضيع نعله، وبخلاف ما إذا شرع في الصلاة، والبول النجس في يده لأن الشروع في الصلاة لم يصح.
وفي «المنتقى» : عن إبراهيم عن محمد ﵀، لو أن مصلياً حمل نعله وفيه قذر أكثر من قدر الدرهم، ووضعه من ساعته فصلاته جائزة، وكذا ذكر ثمة أصلاً فقال جر النجاسة أكثر من قدر الدرهم إذا كان قليلاً لا يوجب فساد الصلاة، وإذا كان كثيراً، ولا كذلك......
الفصل الخامس عشر في الحدث في الصلاة
قال: رجل دخل في الصلاة ثم أحدث حدثاً من بول أو غائط أو ريح أو شيء.... لا يتعمد به، فلا يخلو إما إن كان إماماً أو مقتدياً أو منفرداً،.
فإن كان إماماً تأخر وقدم رجلاً من خلفه ليصلي بالقوم، ويذهب هو فيتوضأ ويبني صلاته إن لم يتكلم عندنا استحساناً.
وفي القياس: وهو قول الشافعي ﵀ يستقبل الصلاة وكان مالك يقول أولاً يبني ثم رجع وقال: يستقبل فعابه محمد ﵀ في كتاب الحج ارجوعه من الآثار إلى القياس، ولم يذكر في «الكتاب» أن المستحب أن هذا، وقد روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمة الله عليهما أنه قال: المستحب أن يقطع الصلاة ويستقبل، وأجمعوا أنه لو أحدث متعمداً لا يجوز له البناء، إنما الاختلاف فيا إذا سبقه الحدث من غير قصد.
стр. 453
وأجمعوا أنه لو نام في الصلاة واحتلم لا يجوز له البناء استحساناً، وأجمعوا على أنه لو أغمي عليه أوجن في الصلاة لا يجوز له البناء، احتج الشافعي ﵀ في المسألة، وقال هذا حدث وجد في وسط الصلاة، فيمنع البناء مقاساً على الحدث العمد، والاحتلام في النوم والجنون والإغماء، هذا لأن الطهارة كما هي شرط صحة التحريمة فهي شرط بقاء التحريمة؛ لأن المقصود لا يحصل بدون الطهارة، فكما لا يتحقق شروعه في الصلاة بدون الطهارة، فكذلك بقاؤها؛ لأن الحدث منافٍ للصلاة، قال ﵇: «لا صلاة إلا بطهور» ولا بقاء للعبادة مع وجود ما ينافيها، والدليل عليه أنه لو أخلد ساعة بعدما أحدث ثم انصرف وتوضأ لا يبني، فكذلك ها هنا.
وعلماؤنا ﵏ قالوا القياس ما قال الشافعي ﵀، إلا أنا تركنا القياس بالأثر، وهو ما روي عن أبي مليكة عن عائشة ﵂ عن النبي ﵇ أنه قال: «من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته، فلينصرف وليتوضأ، وليبنِ على صلاته ما لم يتكلم» وروي عن عبد الله بن عباس ﵄ عن النبي صلى الله عليه وسلّمأنه قال: «من قاء أو رعف انصرف وتوضأ وليبنِ على صلاته ما لم يتلكم» .
وفي المسألة إجماع في صلاة الصحابة رضوان الله عليهم، فإنه روي عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وابن عباس وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك وسلمان الفارسي رضوان الله عنهم أجمعين أنهم قالوا مثل قولنا، وترك علماؤها القياس بهذه الآثار وبقينا التحريمة بالآثار بخلاف القياس، والآثار وردت في الحدث السماوي، فلا يقاس عليه الحدث العمد؛ لأن الحدث العمد فوق السماوي.
ألا ترى أن الشرع ما أوجب القضاء والكفارة في أكل الناسي، وأوجب في أكل العامد فنأخذ (به) ولا نقيس هذا على ذلك فكذلك ها هنا (٧٧أ١) .
والدليل على الفرق بينهما: أن في الحدث العمد يأثم، وها هنا لا يأثم وليس هذا كالاحتلام؛ لأنا عرفنا البناء في الحدث الصغرى بخلاف القياس، والنص الوادر في شيء يكون وارداً لما هو مثله أو دونه، (أو ما لا) يكون وارداً فيما هو فوقه، والجنابة فوق الحدث الصغرى فالنص الوارد ثم لا يكون وارداً ها هنا.
وليس هذا كالإغماء والجنون؛ لأنه إذا أغمي عليه أو جن صار محدثاً من ساعته، وكما صار محدثاً لا يمكنه الانصراف في تلك الساعة نفسها به، بل يمكث ساعة ثم يفيق، والمفيق إذا سبقه الحدث في الصلاة، فمكث ساعة ثم انصرف تفسد صلاته فلا يمكنه البناء بعد ذلك؛ وهذا لأنه متى مكث ساعته يصير مؤدياً جزءاً من الصلاة مع الحدث، وأداء الصلاة مع الحدث لا تجوز، ففسد ما أدى، وإذا أفسد ما أدى يفسد الباقي ضرورة، وإن كان مقتدياً يذهب ويتوضأ، وإن كان فرغ من الوضوء قبل أن يفرغ
стр. 454
الإمام من الصلاة فعليه أن يعود إلى مكانه لا محالة؛ لأنه بقي مقتدياً ولو أتم يعيد الصلاة في بيته لا يجزئه؛ لأن بينه وبين إمامه ما يمنع صحة الاقتداء..... لوقوع إمامه تجير المقتدي بين أن يعود إلى المسجد، وبين أن يتمه في بيته على ما بين، وإن كان منفرداً يذهب ويتوضأ ثم يتخير بين الرجوع إلى المسجد ليكون مؤدياً جميع الصلاة في مكان واحد وبين أن يتم في بيته إذ ليس..... المشي في الصلاة، وذلك لا يضره، واختلف المشايخ في فضله للمنفرد وللمقتدي إذا فرغ الإمام من صلاته.
ذكر الإمام السرخسي ﵀، والإمام خواهر زاده ﵀: أن العود إلى المسجد أفضل، وبعض مشايخنا قالوا: الصلاة في بيته أفضل لما فيه من تقليل المشي.
وذكر في «نوادر ابن سماعة» : في المقتدي أنه إذا عاد إلى المسجد بعد ما فرغ الإمام تفسد صلاته؛ لأنه مشى في صلاته من غير حاجة، إلا أن محمد بن الحسين رحمة الله عليه لم يقسم هذا التقسيم، والصحيح ما بينا.
والرجل والمرأة في حق حكم البناء سواء، هكذا ذكر محمد رحمة الله عليه في الباب الأول من «الجامع الكبير» : وهذا لأن جواز البناء عرف بالحديث الذي روينا أنه يتناول الرجل والمرأة لأن النبي ﵇ ذكره بكلمة (من) عامة للرجال والنساء جميعاً.
وعن أبي يوسف رحمة الله عليه في غير رواية «الأصول» : إذا أمكنها البناء من غير كشف العورة بأن أمكنها غسل ذراعها مع الكمين، وأمكنها مسح الرأس مع الخمار بأن كانا رقيقين يصل الماء إلى ما تحتهما فكشفتها لا تبني، لأنها كشفت عورتها من غير حاجة، فهو نظير الرجل إذا كشف عورته حالة البناء من غير حاجة، وإن لم يمكنها المسح والغسل بدون الكشف بأن كان عليها جبة وخمار ثخين لا يصل الماء إلى ما تحتها، فكشفت الذراعين والرأس فإن لها البناء لأنها كشفت عورتها لحاجة.
فهو نظير الرجل إذا كشف عورته لحاجة بأن جاوزت النجاسة موضع الخروج أكثر من قدر الدرهم، حتى وجب عليه غسل ذلك الموضع يجوز له البناء، كذا هنا إلا أن محمداً ﵀ أطلق الجواب في «الجامع» : إطلاقاً لأنه لا يمكنها غسل الذراعين من غير الكشف إلا بالغسل مع الكمين وفي ذلك حرج عليها، والحرج في الأحكام ملحق بالعجز ولو عجزت عن البناء إلا بعد كشف العورة جاز لها البناء، وكذا إذا خرجت.
وعن إبراهيم بن رستم ﵀: أنه قال: لا يجوز للمرأة البناء، لأن المرأة من قرنها إلى قدمها عورة فتحتاج إلى كشف العورة، فلا يجوز لها البناء.
بعض مشايخنا قالوا: ليس الأمر كما قال إبراهيم، والإطلاق في الجواب أنه لا يجوز لها البناء لا وجه إليه، لأن وجه المرأة ليس بعورة، وكذا الذراعين منها ليس بعورة في رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀، والقدم منها ليس بعورة في رواية أبي حنيفة ﵀، بقي الرأس منها، فإن أمكنها أن تمسح على خمارها وتصل البلة إلى شعرها لا
стр. 455
يحتاج إلى كشف العورة فيجوز لها البناء، وإن لم يصل البلة إلى شعرها، لأن يحتاج إلى كشف العورة، فلا يجوز لها البناء، ولكن كلا القولين بخلاف قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
وعن محمد ﵀ في «النوادر» : أن الرجل إذا سبقه الحدث لا يستنجي، إن استنجى من تحت ثيابه فإن صلاته لا تفسد وبنى، وإن كشف عورته فسدت صلاته، ولا يبني، وهكذا ذكر القدوري في «شرحه» ، وهذا لأنه إن لم يكن مصلياً فهو في حرمة الصلاة وقد حصل الكشف عن غير ضرورة وحاجة؛ لأن الاستنجاء سنة فإن قاء في صلاته مرة أو طعاماً أو ماء أو تقيأ هل يبني على صلاته؟ فهذا على وجهين:
إن كان أقل من ملء الفم لا تفسد صلاته ولا حاجة إلى البناء، القيء والتقيؤ في سواء، وإن كان ملء الفم ففي القيء، وهو ما إذا ذرعه القيء من غير قصد، فيذهب ويتوضأ ويبني عليه صلاته ما لم يتكلم كما في الرعاف، وفي التقيؤ: لا يبني، لأن هذا حدث عمد فيفسد الصلاة، فيمنع البناء، وإذا فعل بعدما سبق الحدث فعلاً ينافي الصلاة، فإن كان فعلاً لا بد منه كالمشي والاغتراف من الإناء لا يمنع البناء، وإن كان فعلاً له منه بد بأن دخل المخرج أو جامع أهله أو تغوط أما أشبه ذلك منع البناء، لأن تحمل ما لا بد منه لأجل الضرورة، وذلك لا يوجد فيما له منه بد، فيرد إلى ما يقتضيه القياس.
وكذلك إذا فعل فعلاً لا بد منه بحكم الحال، وله منه بد في الجملة نحو أن يستقي ماء الوضوء من البئر؛ لا يبني لأن الأحوال يعتبر لبقاء الأحكام الشرعية وإنما تعتبر الجملة وفي الجملة لا يحتاج إلى الاستقاء من البئر؛ لأن الحاجة تندفع بالاغتراف من الجب.
وفي «الفتاوى» : إذا سبقه الحدث والماء بعيد ويقربه بئر يذهب إلى الماء لأنه لو نزح الماء من البئر استقبل الصلاة.
وفي «متفرقات الفقيه أبي جعفر» ﵀: إذا سبقه الحدث وفي إناء (ماء) فيتوضأ بذلك الماء حمل ذلك الإناء إلى موضع صلاته جاز له البناء إن كان حمل الإناء على..... حده لأنه عمل يسير، وإن ملأ الإناء وحمل مع نفسه ليتوضأ لا يبني.
ولو أدى شيئاً من صلاته مع الحدث قد فسد فيفسد الباقي ضرورة عدم التحري.
وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف رحمهما الله: إذا تفكر الإمام المحدث من يقدم ولم ينو بمقامه الصلاة لم تفسد صلاته شرط في حال تفكره أن لا ينوي بمقامه أبطل الأداء مع الحدث.
وفي «نوادر إبراهيم» عن محمد ﵀: إمام أحدث في سجوده فرفع رأسه وكبر وكبر معه الناس، قال: فسدت صلاته وصلاة القوم، قال: لأنه كبر بعد الحدث ومعه الناس فقد مع الحدث.
стр. 456
وفي «الفتاوى» : لأبي الليث ﵀: إذا صلى فسبقه الحدث في قيامه في موضع القراءة، فذهب ليتوضأ، فسبح في ذلك الوقت قبل أن يتوضأ فصلاته تامة وإن قرأ فصلاته فاسدة، لأنه أدى ركناً من الصلاة مع الحدث، والجواب بينما إذا قرأ ذاهباً أو عائداً عند بعض المشايخ، ومن المشايخ.... فقال: إن قرأ ذاهباً تفسد، وإن قرأ عائداً لا تفسد، ومنهم من قال على العكس، والمختار أنه لا فرق؛ لأنه إن قرأ ذاهباً فقد أدى ركناً من الصلاة مع الحدث، وإن قرأ عائداً فقد أدى ركناً من الصلاة مع عمل السير.
وفي «المنتقى» : قال الحاكم: وفي «نوادر الصلاة» : أحدثت..... فاقتضت في ما لها فتوضأت ثم تقنعت بنت، وإن رجعت إلى الصلاة غير..... قامت ثم تقنعت استقبلت، وإن قهقهة في صلاته توضأ واستقبل الصلاة ناسياً كان أو عامداً لأن البناء لأجل البلوى، وذلك لا يتحقق في القهقهة، ولأن جواز البناء عرف بخلاف القياس بالشرع في الحدث الحقيقي الذي يسبقه، والقهقهة حدث حكمي فيكون مردوداً إلى أصل القياس (٧٧ب١) وإن ضحك دون القهقهة يبني على صلاته؛ لأن القهقهة عرفت حدثاً بخلاف القياس في الشرع.
ألا ترى أنه لا يكون حدثاً خارج الصلاة، والضحك دون القهقهة.
ألا ترى أن القهقهة لا تكون وارداً في الضحك، وإن قهقه بعدما قعد قدر التشهد قبل أن يسلم لا تفسد صلاته، لأنه خارج من الصلاة بالقهقهة وليس عليه ركن من أركان الصلاة، ولا واجب من واجباتها، وعليه الوضوء لصلاة أخرى عندنا، خلافاً لزفر رحمة الله عليه؛ لأن هذه القهقهة لا توجب فساد الصلاة، والشرع إنما جعل القهقهة موجبة أيضاً انتقاض الطهارة في موضع أوجبت فساد الصلاة.... يرد إلى الأصل، ولعلمائنا ﵏ أن القهقهة لاقت حرمة الصلاة.
ألا ترى أنه لو اقتدى به إنسان في هذه الحالة إلا أن الصلاة لا تفسد؛ لأنه صار خارجاً عن الصلاة بالقهقهة وليس عليه ركن ولا واجب والله أعلم.
وإذا أصاب المصلي حدث من غير فعله بأن شجه إنسان استقبل في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف ﵀: يبني؛ لأن الحدث سبق بغير صنعه فهو كالحدث السماوي.
ولهما: أن العذر فيها جاء من لا قبل من له الحق، وفي الحدث السماوي جاء من قبل من له الحق.
ألا ترى أن المريض يصلي قاعداً ثم لا يلزمه الإعادة إذا بره...... فصلى قاعداً ثم يعيد إذا زاد من العبد.
والفقه فيه: أن التحرز عن العباد ممكن في الجملة بخلاف العذر السماوي، فإن التحرز عنه لا يمكن فلم يجز إلحاق هذا بذلك، ولو سقط من السطح....... يسبح
стр. 457
برأسه رأيته إن كان بمرور الماء فهو على الاختلاف، وإن كان لا بمرور ماء فمن مشايخنا من قالوا: شيء فلا خلاف؛ لأنه حصل لا بصنع من جهة العباد، ومنهم من قال: على الاختلاف؛ لأن الشرط مضاف إلى الواضع، ولو وقع الكمثري من الشجر على رأسه فهو على هذا.
منهم من قال: لا يبني لأنه حصل بصنعه، فإنه يمكنه التحفظ منه، ومنهم من قال: على الاختلاف، ولو أضاف بدنه أو ثوبه نجاسة إن أصاب بسبب مطلق له البناء بأن قاء أو رعف فأصاب ثوبه أو بدنه من ذلك يغسل ويبني؛ لأن هذه نجاسة حقيقية أصابته لا بصنع من جهة العباد فيعتبر بنجاسة تصيبه لا من جهة العباد، ولأن الشرع لما جوز البناء بمطلق رعاف مع علمه أن ذلك قد لا يخلو عن النجاسة علم أنه جعله عفواً، فأما إذا أصابته لا بسبب يطلق له البناء، فإن انتضح البول على ثوبه أكثر من قدر الدراهم فغسلها يبني.
وعن أبي يوسف رحمة الله عليه: إنه يبني، وقيل الغسل: لو أمكنه النزع فإن يجد ثوباً آخر ينزع من ساعته أجزأه، لأن النجاسة الكثيرة في مدة قليلة بمنزلة النجاسة القليلة في مدة كثير، كما أن الكشف الكبير من مدة قليلة بمنزلة الكشف القليل في مدة كثيرة.
وإن لم يمكنه النزع من ساعته بأن لم يجد ثوباً آخر، فإن أدى جزءاً من الصلاة مع ذلك الثوب تفسد صلاته بالإجماع، وإن لم يؤد جزءاً من الصلاة ولكن مكث كذلك لم تفسد صلاته، وإن طال مكثه وإن أمكنه النزع في ساعته بأن كان يجد ثوباً آخراً، فلم ينزع ولم يؤد جزءاً من الصلاة اختلف أصحابنا فيه، قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: تفسد صلاته فيذهب ويغسل الثوب ويستقبل الصلاة، وقال محمد ﵀: لا تفسد صلاته، فيغسل ويبني...... أصاب جسده.
وعلى هذا الاختلاف مسائل: إحداها في النجس حملت ساعة فإن كان بعذر بأن لم يمكنه أن يتحول ولم يؤد شيئاً، فإن صلاته لا تفسد، وإن مكث بغير عذر، ولم يؤد شيئاً فهو على الاختلاف.
وكذلك المصلي إذا سقط عنه ثوبه فمكث عرياناً ولم يستتر من غير عذر ولم يؤد شيئاً فعلى هذا الاختلاف محمد ﵀ يقول: لم يؤد شيئاً في الصلاة فلا تفسد، كما لو مكث بعذر وهما يقولان: مكث من غير عذر فتفسد كما لو أدى ركناً، وهذا لأن بقاء الحرمة بعد فوات هذه الشرائط بخلاف القياس والشرع إنما...... الانصراف من ساعته، والله أعلم.
وإن أصابه الدم بسبب الرعاف وأصابه بغير أدنى سبب آخر، وذلك أقل من قدر الدرهم لكن مع الرعاف أكثر من قدر الدرهم فغسل النجاسة التي لا تسبب الرعاف تثبت صلاته سواء كانا في محلة واحدة أو في محلتين، وإن سال من دمل به دم توضأ وغسل
стр. 458
ويبني ما لم يتكلم، ولو أصاب ثوبه من ذلك الدم، فإنه يغسل الثوب ويبني بخلاف ما إذا أصابته نجاسة أخرى فغسلها حيث لا يبني، وإن عصر الدمل حتى سال أو كان في موضع ركبتيه فانفتح من اعتماده على ركبتيه في سجوده فهذا بمنزلة الحدث العمد فلا يبني على صلاته، ولو خاف المصلي سبق الحدث فانصرف ثم سبقه فتوضأ ليس له أن يبني في قول أبي حنيفة ومحمد وزفر ﵏.
وعن أبي يوسف ﵀: أنه يبني ذكر الاختلاف في اختلاف.m
.... ويعقوب.
حجته: أن الخوف من سبق الحدث كسبق الحدث من حيث الحكم، والمعنى حجة أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: أن جواز البناء عرف بالنص بخلاف القياس عند سبق الحدث، فلا يجوز الانصراف قبل سبق الحدث، ولو ظن الإمام أنه أحدث ثم علم أنه لم يحدث، وهو في المسجد رجع وبنى.
وروي عن محمد ﵀: أنه لا يبني وإن خرج من المسجد فسدت صلاته ولو ظن أنه على غير وضوء أو أن في ثوبه نجاسة فابتعد وتحول إلى القبلة فسدت صلاته، وكذا المتيمم إذا رأى سراباً فظنه ماء ولم يسلم في الركعتين ساهياً على ظن أنه تيمم ثم يبني له ذلك صار حكمه وحكم الذي ظن أنه أحدث سواء على الاختلاف الذي ذكرنا.
وجه (ما) روي عن محمد رحمة الله عليه وهو القياس أنه انحرف عن القبلة بغير عذر فتفسد صلاته كالذي ظن أنه على غير وضوء كالمتيمم إذا رأى سراباً ظنه ماء.
وجه الاستحسان؛ إن عرضه إصلاح صلاته والاستدبار بهذا القصد ليس بقاطع بدليل أنه لو تحقق ما توهم بنى فلم يكن على هذا القصد قاطعاً، لأن الصلاة يلائمها ما يصلحها الأداء..... مسجد؛ لأن اختلاف المكانين قاطع للصلاة لا عند العذر وبخلاف ما لو ظن أنه على غير وضوء، والمتيمم إذا رأى سراباً ظنه ماء؛ لأن..... لم يكن فيما صنع قاصداً إلى إصلاح صلاته بل كان قاصداً رفض التحريمة بدليل أنه لو تحقق ما توهم يبني والانحراف عن القبلة بهذا القصد مفسد للصلاة، وإذا كان يصلي في الصحراء فظن أنه أحدث فذهب عن مكانه ثم علم أنه لم يحدث بأن كان يصلي وحده فموضع سجوده ككونه في المسجد، وكذلك يمينه وشماله وخلفه، وإن كانوا يصلون بالجماعة فإن انتهى إلى آخر الصفوف ولم يجاوز الصفوف صلى ما بقي استحساناً، وإن جاوز الصفوف استقبل الصلاة، وإن تقدم إمامه وليس بين يديه بناء ولا سترة إن تقدم بمقدار ما لو قام جاوز الصفوف فسدت صلاته، وإن كان أقل من ذلك لا تفسد وصلى ما بقي.
وإن كان بين يديه حائط أو سترة، فإذا جاوزها بطلت صلاته، وذكر هشام عن محمد رحمة الله عليهما: لا تفسد صلاته حتى يتقدم مثل ما لو تأخر خرج من الصفوف
стр. 459
وجاوز أصحابه وإن كان بين يديه سترة، والله أعلم.
الفصل السادس عشر في الاستخلاف
وكل موضع جاز البناء فللإمام أن يستخلف؛ لأنه عجز عن إتمام ما ضمن القوم، الوفاء به فيستوي بمن تعذر عليه (٧٨أ١) والأثر في ذلك ما روي عن النبي ﵇ لما ضعف في مرضه قال: «مروا أبا بكر ﵁ يصلي بالناس، فقالت عائشة ﵂ لحفصة: قولي لرسول الله ﷺ إن أبا بكر رجل أسيف إذا وقف في مكانك لا يملك نفسه فلو أمرت غيره، فقالت ذلك، فقال:؟..... «صواحب يوسف، مروا أبا بكر يصلي بالناس» ، فلما افتتح أبو بكر ﵁ الصلاة وجد رسول الله ﵇ في نفسه خفة، فخرج وهو يتهادى بين علي والفضل بن عباس ﵃، وتصل رجليه بخطاب الأرض حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حسه فناجز القوم رسول الله ﷺ وصلى أبو بكر فصلى بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكر يعني: أبو بكر يصلي بتكبير الرسول والناس يصلون بتكبير أبي بكر بين يدي الله ورسوله، فصار هذا أصلان: إن في كل موضع عجز الإمام عن الإتمام أن يتأخر ويستخلف معه، وما لا يصح منه البناء كالحدث العمد، فلا استخلاف فيه، لأن الاستخلاف في القائم، وقد فسدت صلاته بما صنع والإمام يحدث على بناء إمامته ما لم يخرج من المسجد أو يستخلف رجلاً ويقوم الخليفة في مقام ينوي أن يقوم الناس فيه أو يستخلف القوم غيره حتى لو لم يوجد شيء من ذلك يقوما في جانب المسجد والقوم ينتظر فيه ورجع إلى صلاته وأتم صلاته بهم آخر أتم.
وإنما صح فنفذت ولايته عليهم فيما يرجع إلى تصحيح صلاتهم، فإذا استخلف القوم الخليفة فيه فصار هو الإمام وبطلت الإمامة في حق الأول؛ لأنه لا يجتمع في الصلاة الواحدة إمامان، وكذا إذا استخلف القوم صح استخلافهم بحاجتهم إلى تصحيح صلاتهم، وصار المقدم إماماً وبطلت الإمامة في حق الأول لما مر، فإن لم يستخلف الإمام ولا القوم حتى خرج من المسجد فسدت صلاة القوم، ويتوضأ الإمام ويبني لأنه في حق نفسه كالمنفرد.
والقياس: أن لا تفسد صلاة القوم فإن بعد الحدث بقوا مقتدين به حتى لا يوجد الماء في المسجد فتوضأ وعاد إلى مكانه وأتم تتمة الصلاة أجزأه فكذلك بعد خروجه ولكن استحسن...... أن يكون قوم في الصلاة في المسجد وإمامهم في الصلاة في
стр. 460
المسجد وإمامهم في أهله وإماماً آخر في المسجد فكأنه في المحراب؛ لأن المسجد في كونه مكان الصلاة كبقعة واحدة فلم يكن بينه وبينهم في الاقتداء بخلاف ما نحن فيه وكل من يصلح إماماً للإمام الذي سبقه الحدث في الابتداء يصلح خليفة له، ومن لا يصلح إماماً له في الابتداء لا يصلح خليفة.
ولو لم يكن مع الإمام إلا رجل واحد فهو إمام نفسه قدمه المحدث أم لا، لأن التقديم إنما يحتاج إليه للتعيين، والذي مع الإمام المحدث بناء معتبر فاستغنى عن التعيين، ولو اقتدى رجل بهذا الإمام المحدث قبل أن يخرج من المسجد صح دخوله، وإن كان بعد انصرافه؛ لأن حكم الإمامة قائم بخيار البناء عليه، وإن كان بعد انصرافه لأن المسجد مع تباين أطرافه وتباعد أكنافه جعل بمكان واحد بدليل جواز الاقتداء به، وإن كان المقتدي في آخر المسجد، فصار كأن الإمام في مكان الإمامة بعد فيؤد ذلك ينظر إن قدم المحدث خليفة يصلي بالقوم جازت صلاة الداخل، وإن لم يقدم حتى خرج من المسجد فصلاة الداخل فاسدة، وهذا هو الحكم في حق الذي كان مع الإمام قبل الحدث.
ولو قدم الإمام امرأة فسدت صلاتهم جميعاً الرجال والنساء، والإمام المقدم، وقال زفر ﵀: صلاة المقدمة والنساء تامة، لأنها صلحت إماماً للنساء واعتبر ذلك بالابتداء.
ولنا: أن المرأة..... لما تصلح لإمامة الرجال صار الإمام ولا استقبال باستخلاف من لا يصلح خليفة له معرضاً عن الصلاة فتفسد صلات النساء، وصلاته تفسد صلاة القوم، لأن الإمامة لم تتحول عنه.
وكذلك إذا قدم صبياً فسدت صلاته وصلاة القوم؛ لأن الصبي لا يصلح إماماً في الفرض ولا يصلح خليفة له.
وكذلك إذ قدم رجلاً على غير وضوء فسدت صلاته وصلاة القوم؛ لأن المحدث لا يصلح إماماً له، فلا يصلح خليفة له فصار بمنزلة ما لو استخلف امرأة.
ولو أن الإمام حين قدم واحداً من هؤلاء لم يتقدم المقدم بنفسه، ولكن استخلف هو رجلاً آخر ذكر هذه المسألة في باب الجمعة: وإن المقدم على غير وضوء فإن استخلافه غير جائز، وإن كان المقدم امرأة أو صبياً أو كافراً لا يجوز استخلافه غيره.
والفرق: أن المقدم إذا كان على غير وضوء فهو من أهل الإمامة في الجملة، فإن أهلية الإمام بالإسلام والذكورة والبلوغ من عقد وقد وجد ذلك من حقه فصح استخلافه؛ إلا أنه عجز عن الأداء لعدم الطهارة فيعتبر كما لو كان الأول على حاله وعجز عن الأداء لعدم الطهارة، وهناك يجوز الاستخلاف كذا هنا.
فأما المرأة ليست من أهل الإمامة للرجال، وكذا الصبي ليس بأهل إمامة البالغين
следующие страницы →