← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 10875

المحيط البرهاني

برهان الدين ابن مازه البخاري

Полный текст (4 583 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

قاصرة، فإذا تعذر القضاء بالوصيتين بكمالهما، وتعذر القضاء بالشركة لا بد من القضاء بأحدهما، فكان القضاء بما ثبت بالبينة، والبينة حجة في حق الناس كافة أولى من القضاء بما ثبت بالإقرار، وإنه حجة قاصرة. فإن قيل: ينبغي أن يقضى للمقر له بجميع بزيع، لأن بزيعاً في يد الوارث، وقد أقر الوارث أن جميعه للمقر له. قلنا: الوارث ما أقر بزيع إقراراً مطلقاً، إنما أقر به بجهة الوصية، والوصية تنفذ في الثلث، والقاضي لما قضى بسالم بحكم الوصية لأن القضاء يكون على وفق الدعوى، وصاحب البينة ادعاه بحكم الوصية، وإذا تعين سالم محلاً للوصية؛ خرج بزيع من أن يكون محلاً لها، فالإقرار من الوارث بزيع حصل في غير محله، فلم يصح. يوضحه: أن الإقرار ببزيع لما حصل بجهة الوصية، ومحل الوصايا الثلث كان الإقرار بزيع من الوارث بشرط أن يسلم للوارث ضعف بزيع، وبعدما قضى القاضي بسالم، لو قضينا ببزيع بإقراره لا يسلم الوارث ضعفه، فلا يكون تنفيذ إقراره كما أقر به. فإن قيل: لمَ لا يقضى للمقر له من بزيع بقدر ثلث ما بقي من التركة سوى سالم بحكم إقرار الوارث؟ وبيان ذلك أن في زعم الوارث أن صاحب البينة مبطل في دعواه، وأنه أخذ سالم بغير حق، فصار سالم بمنزلة الهالك حكماً، ولو هلك حقيقة، وقال الوارث: إن (٢٢١أ٤) الميت أوصى ببزيع، تنفذ الوصية في بزيع بقدر ثلث ما بقي من التركة وهو ثلث العبدين؛ فكذا هاهنا. والجواب عن هذا أن يقال بأن القاضي لما قضى بوصية سالم، فقد قضى بجميع ما يملك الموصى الإيصاء به، لأن القاضي إنما يقضي بالوصية بقدر الثلث، فإذا قضى بوصية سالم، وسالم ثلث ماله، فقد امتاز ما يملك الميت الإيصاء به، ولم يبق في يد الوارث شيء مما يملك الميت الإيصاء به فجعل الابن مقراً له بالوصية بما لا يملك الميت الإيصاء به، فرفع إقراره لغواً، ثم إذا قضى القاضي بسالم لصاحب البينة لو اشترى الوارث سالماً بزيع، جاز الشراء وكان ينبغي أن لا يجوز؛ لأن من زعم الوارث أن صاحب البينة أخذ سالم بغير حق، وأنه لم يصر ملكاً له بل بقي على حكم ملك الميت، وصار ملكاً للمقر له، وصار الوارث مشترياً ما هو يملكه بملك غيره أولى. قلنا في زعم الوارث: أن سالماً صار ملكاً لصاحب البينة ظاهراً عند محمد، وإحدى الروايين عن أبي حنيفة فإن في القضاء بالوصية بشهادة الزور روايتان؛ عن أبي حنيفة في رواية ينفذ ظاهراً لا باطناً كما في الأملاك المرسلة، وفي رواية ينفذ ظاهراً وباطناً، وإذا صار سالم ملكاً لصاحب البينة ظاهراً وباطناً بقي بزيع على ملك الوارث ظاهراً وباطناً حتى لا تزداد الوصية على الثلث. ولهذا لو باع الوارث بزيعاً من غيره يجوز وطريقه ما قلنا؛ ولما كان هكذا كان في زعم الوارث أنه يشتري ما هو ملك غيره ظاهراً، وباطناً، أو ظاهراً لا باطناً، ولو كان في

стр. 4307

زعم الوارث أن شراء سالم فاسد، ففي زعم بائعه أن شراءه صحيح. والحكم في مثل هذا يبنى على زعم البائع؛ كما لو اشترى عبداً أقر بحريته، وكذلك لو كان الوارث اشترى سالماً بألف درهم كان الشراء جائزاً، لما ذكرنا أنه اشترى ما هو مملوك لغيره ظاهراً وباطناً، أو ظاهراً لا باطناً، إلا أن التفاوت ما بين الفصلين؛ أن في الفصل الأول يضمن الوارث قيمة بزيع للمقر له بزيع. وفي الفصل الثاني: يؤمر الوارث بتسليم بزيع إلى المقر له، وهذا الجواب مستقيم على قول محمد وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة ﵀ بأن في زعم الوارث أن سالماً بقي على ملك الميت باطناً عند محمد، وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وأنه وصل إليه بحكم الميراث لا بحكم الشراء، وأن الشراء منه كان تخليصاً للمغصوب فإذا وصل سالم إلى الوارث فقد وصل إليه بحكم الميراث ثلثا ملك الميت بزعمه، فيجب تنفيذ وصية بزيع فيه، لأن المانع من تنفيذ وصيته عدم سلامة ضعفه للوارث، وقد زال هذا المانع لما سلم سالم للوارث بحكم الميراث، غير أن في الفصل الأول عجز الوارث عن تنفيذ وصيته في عينه، فينفذها في قيمته، وفي الفصل الثاني؛ قدر على تنفيذ وصيته في عينه فيسلم عينه إلى المقر له. رجل مات وترك عبداً قيمته ألف درهم؛ لا مال له غيره، فأقر الوارث أن الميت أوصى بهذا العبد لفلان، وإني أجزت وصيته بعد موته، وأقام رجل بينة أن له على الميت ألف درهم، وجحد الوارث دينه، فإن القاضي يبيع العبد بالدين ويقضي الدين من ثمنه؛ لأن الدين والوصية لو كانا ثابتين بالبينة كان الدين مقدماً على الوصية، فإذا كان الدين ثابتاً بالبينة، والوصية ثابتة بالإقرار؛ لأن تقدم الدين كان أولى، وإنما شرط محمد ﵀ إجازة الوارث وصية الميت لكون الوصية حاصلة بجميع مال الميت، فإذا باعه القاضي بدين ألف درهم، وقضى دين الغريم من ثمنه، ثم إن الوارث اشترى العبد أو رجع العبد إليه بهبة أو وصية أو ميراث، فأراد المقر له أن يأخذه من الوارث بإقراره له بالوصية لا سبيل له عليه. فرق بين هذا وبين المسألة المتقدمة؛ فإن في المسألة المتقدمة؛ إذا قضى القاضي بسالم لصاحب البينة، ثم وصل إلى الوارث سالم بشراء أو هبة أو وصية، فإنه يؤمر الوارث بدفع بزيع إلى المقر له بالوصية بزيع. والفرق: أن في مسألتنا القاضي يبيع العبد حول حق الموصى له من العبد إلى ثمنه، وله هذه الولاية. بيانه: أن للقاضي ولاية بيع الموصى به إذا كان منقولاً على الموصى له للحفظ عليه حال عجز الموصى له عن الحفظ بنفسه بالغيبة، وما أشبه ذلك لما عرف أن حفظ الدراهم أيسر من حفظ العين، وهاهنا الموصى له عجز عن الحفظ بنفسه؛ لأن القاضي حال بينه وبين العبد بسبب دين الغريم، فقد حصل بيع القاضي عن ولاية شرعية فنفذ ظاهراً وباطناً، فظهر العبد عن الوصية، وتحولت الوصية إلى بدل العبد.

стр. 4308

ولهذا لو ظهر أن الشهود على الدين كانوا عبيداً يبطل قضاء القاضي، ويدفع بزيع إلى المقر له؛ لأنه لم يسلم له بالميراث منفعة، فإذا وصل إليه سالم فقد سلم له منفعة، فيلزمه رده إلى المقر له. ولو أن الغريم مات بعدما قبض الثمن وورثه وارث الميت الأول، فإن ورث تلك الألف بعينها، فللمقر له أن يأخذها، وإن ورث مالاً آخر غير تلك الألف يباع منه بقدر ألف درهم، ويدفع ذلك إلى المقر له؛ لأن في زعم الوارث والمقر له أن الوصية تحولت إلى ثمن العبد، وأن الغريم حين أخذ الثمن صار غاصباً له، وصار ذلك ديناً عليه والدين مقدم على الميراث وزعمهما حجة في حقهما، ولو لم يرثه وارث الميت، ولكن أوصى الميت للمقر له بتلك الألف بعينها، على الوارث أن يردها على المقر، وإن كان قد أوصى له بمال آخر يعطي من ذلك للمقر له قدر ألف درهم. وصار الجواب في الوصية نظير الجواب في الميراث؛ لأن الدين كما يقدم على الميراث يقدم على الوصية أيضاً. وإن لم يكن شيء من ذلك ولكن وهب الغريم للمقر له تلك الألف بعينها، أو ألفاً أخرى إن كانت الهبة في حالة المرض، فالجواب فيها كالجواب في الوصية، لأن الهبة في مرض الموت وصية، وإن كانت الهبة في حالة الصحة؛ إن كان الموهوب تلك الألف بعينها أمر بالتسليم إلى الغريم؛ لأنه وصل إليه عين ما أقر به. وإن كان الموهوب ألفاً أخرى لا يؤمر بالتسليم إلى الغريم؛ لأنه لم يصل إليه ما أقر له به. ولا ما تعلق به حقه لأن دين الحر الصحيح لا يتعلق بماله على ما عرف. ولو أن القاضي لم يبع العبد من الأجنبي بالدين، لكن أعطاه الغريم بدينه، فقال: هذا العبد بيع لك بدينك، أو قال: جعلته لك بدينك فأخذه الغريم على هذا، ثم إن الوارث اشتراه منه، أو وهبه الغريم أو تصدق به عليه، فلا سبيل للمقر له على العبد، وهذا لو باعه من الأجنبي سواء؛ لأن بيع القاضي إنما يصح على المقر له بطريق الحفظ، وفي هذا المعنى البيع من الأجنبي ومن الغريم سواء؛ فصح بيع القاضي من الغريم، وانتقل حق الموصى له المقر به إلى الثمن. وهذه المسألة دليل على أن البيع ينعقد بلفظ الجعل، وهذا فصل اختلف المشايخ فيه، والصحيح أنه ينعقد لوجود معنى البيع وهو تسليم العين بدل، والعبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ، ألا ترى أن من قال لغيره: جعلت لك ابنتي بألف درهم؛ كان نكاحاً لوجود معنى النكاح؛ كذا هاهنا. قال: ولو أن القاضي لم يبع العبد من الغريم ولكن جعله صالحاً للغريم من ماله؛ بأن قال: هذا العبد صلح لك من مالك وسلمه إليه، ثم وصل العبد إلى الوارث يوماً من الدهر يؤمر الوارث بتسليمه إلى الموصى له المقر به بخلاف ما لو باعه من الغريم ثم وصل إلى الوارث، فإن هناك لا يؤمر الوارث بتسليمه إلى الموصى له المقر له. والفرق: وهو أن الصلح يتعلق بالدين المضاف، ولهذا لو صالح مع غيره على دين له عليه ثم ظهر أنه لا دين كان الصلح باطلاً، وفي زعم الوارث أنه لا دين للغريم على

стр. 4309

الميت، وأن الصلح وقع باطلاً، وأن حق المقر له في عين العبد باقٍ على حاله، فإذا وصل العبد إليه، يؤمر بتسليمه إلى المقر له عملاً بزعمه، أما البيع لا يتعلق بالدين المضاف إليه (٢٢١ب٤) ولهذا إذا باع شيئاً من غيره بالدين الذي له عليه، ثم ظهر أنه لا دين؛ لا يبطل البيع، فيتحول حق الموصى له المقر به من العين إلى الثمن بزعم الكل، فلهذا لا يؤمر الوارث بتسليم العين إلى المقر له متى وصل العين إليه. رجل مات وترك ثلاثة أعبد قِيَمُهم على سواء لا مال له غيرهم، شهد شهود أن الميت أوصى بهذا العبد الأكبر لهذا الرجل؛ وجحد الوارث في ذلك، وأقر أن الميت كان أوصى بهذا العبد الأصغر لهذا الرجل الآخر؛ فلم يقض القاضي بشهادة الشهود حتى أعتق المقر له العبد المقر به نفذ عتقه؛ لأنه أعتق ملك نفسه؛ لأن الوارث أقر بالأصغر، وصح إقراره لأنه ملكه ظاهراً، ألا ترى أن الوارث لو أعتقه بنفسه صح إعتاقه، فصح إقراره به للمقر له، فملكه المقر له فنفذ عتقه. فإن قضى القاضي بعد ذلك للمشهود له بالعبد المشهود به، يؤمر المقر له بتسليم قيمة العبد المقر به إلى الوارث؛ لأن الوارث ما أقر بالعبد الأصغر له مطلقاً إنما أقر له به وصية، وحين قضى القاضي للمشهود له بالمشهود به، فقد بطلت وصية المقر له، لأن محل الوصية الثلث، والثلث صار موضوعاً في يد المشهود له بولاية القضاء فيلزمه رد العبد الأصغر، وتعذر رده صورةً بالإعتاق، فيجب رده معنىً برد القيمة. فإن قيل: إذا بطلت الوصية للمقر له ينبغي أن يبطل إعتاقه؛ كما لو كان الوارث أقر بوصية الأكبر لهذا الرجل، وأعتق المقر له الأكبر، ثم قضى القاضي لمدعي الأكبر بالبينة، فإنه يظهر أن العتق باطل في الأكبر، ويسلم الأكبر للمقضي له. قلنا: في تلك المسألة قضى بعين العبد المقر به لغير المقر له، فيظهر أنه أعتق ملك الغير، وهاهنا ما قضى بعين المقر به لغير المقر له؛ لأن المقضي به العبد الأكبر دون الأصغر، إلا أنه في معنى البدل عن الأصغر؛ لأنه ما لم يسلم الأكبر للمقر لا يسلم الأصغر للمقر له، فكان في معنى البدل عنه من هذا الوجه. واستحقاق بدل العتق لا يوجب بطلان العتق؛ لأنه لا يظهر أنه أعتق ما لا يملك؛ لأن بدل المستحق بعد القبض مملوك للقابض ملكاً فاسداً على ما عرف، فإذا لم يبطل العتق وبطلت وصيته، وعجز عن رد عين العبد وجب رد القيمة. فإن قيل: القيمة لو وجبت وجبت للوارث، وفي زعم الوارث أنه أعتق نفسه، وأنه لا قيمة عليه. قلنا: القاضي لما قضى للمشهود له بالمشهود به وصية، فقد كذب الوارث فيما زعم، فالتحق زعمه بالعدم؛ ألا ترى أن المشتري عند الاستحقاق يرجع بالثمن على البائع، وإن كان في زعم المشتري أن المشترى ملك البائع؛ إلا أن القاضي لما قضى بالملك للمستحق، فقد كذب المشتري في زعمه، فالتحق زعمه بالعدم كذا هاهنا. ولو أن المقر له لم يعتق العبد المقر به حتى قضى القاضي بالعبد المشهود به

стр. 4310

للمشهود له؛ بطلت وصية المقر له، فإنما أعتق ما ليس بمملوك، فلا يصح إعتاقه، ولا كذلك ما قبل قضاء القاضي للمشهود له؛ لأن قبل قضاء القاضي وصية المقر له على الصحة، فإنما أعتق المقر له ملك نفسه، فإن وصل العبد المشهود إلى يد الوارث يوماً من الدهر بوجه من الوجوه، يؤمر بتسليم المقر به إلى المقر له، لأن في زعم الوارث أن هذا العبد لم يكن موصىً به، وأنه في يد المشهود له بحكم الغصب.l فإذا وصل إليه بطريق من الطرق؛ كان واصلاً إليه بحكم الميراث، فيؤمر بتسليم المقر به إلى المقر له؛ لأن قبل هذا إنما كان لا يؤمر به مع إقراره أنه موصى به لانعدام شرطه وهو سلامة ضعفه له، فإذا وصل إليه المشهود به بحجة الميراث، فقد سلم له ضعف المقر به فأمر بالتسليم إلى المقر له. فإن قيل: أليس إنكم قلتم: إن القاضي لما قضى للمشهود له بالمشهود به، فقد أبطل وصية المقر له في المقر به، وبعدما بطل حقه في المقر به كيف يؤمر بتسليم المقر به إليه؟. قلنا: معنى قولنا: أبطل وصية المقر له أنه امتنع من تنفيذ وصيته في المقر به لانعدام شرطه، وهو سلامة ضعفه للوارث، وقد جعل هذا الشرط بوصول سالم إليه، فيجب تنفيذ وصية المقر له، ويجوز أن يمتنع نفوذ الوصية لمعنى من المعاني، ثم يجب تنفيذه عند زوال ذلك المعنى. ألا ترى أن من أوصى بعبد لإنسان ثم مات وعليه دين مستغرق، فإنه لا يجب تنفيذ الوصية في العبد لمكان الدين، فإن سقط الدين بمعنى من المعاني نحو الإبراء أو ما أشبهه، فإنه يجب تنفيذ الوصية فيه لزوال المانع كذا هاهنا. أو نقول: بأن القاضي وإن أبطل وصية المقر له إلا أن الوارث مصر على إقراره بالوصية له، فأمر بالتسليم بحكم هذا الإقرار. ثم قال: ولا يعتق العبد المقر به على المقر له بذلك الإعتاق السابق، فلم يصحح هذا العتق من المقر له على سبيل التوقف، وإنه وجد بعد سبب الملك له، وهو إقرار الوارث، والعتق مما يتوقف على المعتق إذا وجد بعد وجود سبب الملك. أما عند محمد، فإنما لم يتوقف هذا العتق على المقر له؛ لأنه لا توقف على مالك ظاهر وهو الوارث، فإن المقر به ملك الوارث ظاهراً، ولهذا لو أجاز الوارث هذا العتق ينفذ عليه. والأصل عند محمد: أن العتق متى توقف على إجازة مالك ظاهر لا يتوقف على غيره كما في المشتري من الغاصب إذا أعتق، فإنه لا يتوقف عليه، لأنه توقف على إجازة مالك ظاهر، فلا يتوقف على غيره وهو المشتري. وبهذا الحرف يقع الفرق في مسألتنا ومسألة المشتري من الغاصب على مذهبه، وبينما إذا أوصى الرجل بعبده لإنسان، ثم مات الموصي، وعليه دين يحيط بماله، ثم إن الغرماء أبرؤوا الميت عن الدين، فإن العتق ينفذ على الموصى له، لأن هناك ما توقف

стр. 4311

العتق على إجازة أحد سوى الموصى له، فإن الغرماء أو الورثة لو أجازوا ذلك العتق لا ينفذ، فجاز أن يتوقف على إجازة الموصى له. وأما عند أبي حنيفة وأبي يوسف: فإنما لا يتوقف هذا العتق على المقر له؛ لأنه وجد قبل سبب الملك أو بعد وجود سبب قاصر، والعتق عندهما قبل وجود سبب الملك، أو بعد وجود سبب قاصر لا يتوقف. بيان ذلك: العتق من المقر له، إنما حصل بعدما أبطل القاضي وصيته، وكذب الوارث في إقراره بالقضاء بالشهود به للمشهود له، وهو السبب المتيقن لملك المقر له؛ إلا أن الوارث مصر على إقراره، فأمر بتسليم المقر به إلى المقر له بالإقرار الموجود بعد الإعتاق، فكان الإعتاق حاصلاً قبل سبب الملك، وإن لم يبطل السبب بقضاء القاضي لا أقل من أن ينتقض السبب. والأصل عندهما: أن العتق إنما يتوقف بعد وجود تمام سبب الملك، وبهذا الحرف خرج مسألة المشتري من الغاصب؛ لأن هناك العتق وجد بعد تمام سبب الملك على ما عرف في تلك المسألة، أما ههنا بخلافه، والله أعلم. الفصل الخامس والعشرون: في دعوى الرجلين عبداً في يد آخر ودعوى كل واحد منهماالإيداع من صاحب اليد، وإقرار صاحب اليد لأحدهما، وفي دعوى الرجل عيناً في يدي رجل وإقرار صاحب اليدبالعين له، ثم دعوى صاحب اليد الإيداع من جهة غيره قال محمد ﵀ في «الجامع» : عبد في يدي رجل ادعاه رجلان كل واحد منهما يدعيه أنه عبده أودعه (عند) الذي هو في يديه وذو اليد يجحد ولا يقر بل يسكت، فالقاضي يسمع بينتهما عليه؛ لأن الساكت أنزل منكراً حتى يصل المدعي إلى إثبات حقه، وهذا لأن المدعي استحق الجواب عليه إما بنعم أو لا، والسكوت محتمل الأمرين، فأثبتا الإنكار؛ لأنه احتيج في الاستحقاق به إلى قرينة أخرى وهي البينة. فلو أن القاضي سمع شهادة شهودهما إلا أنه لم يقض بشهادة الشهود لعدم ظهور عدالتهم يقضي بالعبد بينهما نصفان، وكان ينبغي أن يقضي بجميع العبد للذي لم يقر له ذو اليد؛ لأن ذا اليد لما أقر به لأحد المدعيين، فقد صار العبد مملوكاً له رقبة ويداً، ونزل المقر له مع غير المقر له منزلة ذي اليد مع الخارج إذا أقاما البينة على الملك المطلق، وهناك قضي بكل العبد للخارج واعتبره بما إذا أقر لأحدهما قبل إقامتهما البينة، ثم أقاما البينة وهناك يقضى بالعبد لغير المقر له بالطريق الذي قلنا. والجواب وهو الفرق بينما قبل إقامة البينة، وبينما بعدها أن التزكية لا تجعل الشهادة حجة، بل تظهر كونها حجة موجبة للاستحقاق من وقت (٢٢٢أ٤) وجودها،

стр. 4312

فإذا كانت الشهادة قبل وجود الإقرار حجة، فعند ظهور العدالة يظهر الاستحقاق قبل الإقرار ويتبين أنَّ الإقرار كان باطلاً في شخص وهو ليس بمالك، ومتى ظهر الإقرار بطل التصديق، لأنه ينبني عليه صار وجودهما، والعدم بمنزلة، ولو لم يوجد أيقضي بينهما، فكذا إذا صار وجودهما والعدم بمنزلة، فأما إذا كانت الشهادة بعد الإقرار، فعند ظهور العدالة لا يظهر الاستحقاق قبل الإقرار فلا يتبين أن الإقرار كان باطلاً، وإذا لم يبطل الإقرار صار المقر له صاحب يد وغير المقر له خارج، فيقضي ببينة الخارج، عبارة أخرى للفرق بينهما، أنهما إذا أقاما البينة بعد الإقرار فقد استحق كل واحد منهما القضاء بجميع العبد عند تركته ببينته على الإنفراد، ونصف العبد عبد تركته ببينته وبينة صاحبه، فهو بإقراره لأحدهما، يريد إبطال الاستحقاق الثابت لكل واحد منهما عليه، أما استحقاق المقر له؛ فلأنه يقول له من حيث المعنى: أنا مقر لك بالملك في العبد، والبينة إنما تسمع على الجاحد لا على المقر فبطل استحقاقه عليه بالبينة. وأما استحقاق الآخر فلأنه يقول له من حيث المعنى: العبد ملك المقر له، وفي يدي أمانة، ويد الأمانة ليست بيد خصومة، وليس له ولاية إبطال الاستحقاق الثابت لكل واحد منهما بإقراره، فصاروجود هذا الإقرار منه والعدم بمنزلة، والتقريب ما ذكرنا، فأما إذا أقر قبل إقامة البينة، فليس في هذا الإقرار إبطال الاستحقاق لهما عليه، لأن كل واحد منهما لم يستحق عليه شيئاً قبل إقامة البينة، لأن مجرد الدعوى لا يصلح سبباً للاستحقاق، فصح إقراره، وصار المقر له صاحب يد والتقريب ما ذكرنا، وكذلك لو أقام كل واحد منهما شاهداً واحداً على دعواه، ثم إن صاحب اليد أقر بالعبد لأحدهما، فالقاضي يدفع العبد الى المقر له لما ذكرنا، ولا يبطل ما أقام كل واحد منهما من الشاهد الواحد، حتى لو أقام كل واحد منهما بعد ذلك شاهداً آخر يقضى بالعبد بينهما، لأن كل واحد منهما استحق القضاء بهذا العبد منذ تمام الحجة، فهو بهذا الإقرار يريد إبطال استحقاق كل واحد منهما فلا يقدر عليه. يوضحه: أن كل واحد منهما قصد إثبات ملك مؤكد بالحكم والإقرار لا يدركه ذلك، فصار وجود إقراره فيما هو مقصود والعدم بمنزلة، فإن أقام غير المقر له شاهداً آخر، قضى بالعبد؛ لأن شهادة الشاهد الأول لما لم تبطل تنضم شهادة الثاني الى شهادة الأول، فتمت الحجة في حق غير المقر له، ولم تتم الحجة في حق المقر له، فقضى بجميع العبد لغير المقر له، لهذا، فإن لم يقض القاضي لغير المقر له في هذه الصورة، حتى أقام المقر له شاهداً آخر قضى بالعبد بينهما، لأن الحجة قد تمت في حق المقر له أيضاً وهما خارجان من حيث المعنى، ولارجحان لأحد هما على صاحبه؛ لأن كل واحد منهما ادعى الاستحقاق على صاحب اليد، ولم يدع أحدهما الاستحقاق من جهة صاحب اليد كما في ما تقدم، فلم يترجح أحدهما على الآخر، فيقضى بالعبد بينهما، فإن لم يقض القاضي بالعبد بينهما نصفان في هذه الصورة، حتى قال غير المقر له: أنا أعيد شاهدي الأول على المقر له، على أن العبد لي وأعاد، فالقاضي يقضي بكل العبد لغير المقر له؛ لأنه لما أقام شاهده الأول على المقر له فقد ترك الاستحقاق الثابت له بحكم

стр. 4313

شهادة الشاهد الذي شهد على صاحب اليد وأبطل شهادة ذلك الشاهد، وعند ذلك ينفذ إقرار المقر؛ لأن عدم نفاذ إقراره قبل هذا كيلا يبطل ما أقام غير المقر له من الشهادة، فإذا رضي ببطلانه، فقد زال المانع فنفذ إقرار المقر، فصار المقر له صاحب يد ووقع الدعوى بين الخارج، وبين صاحب اليد، فيقضى بالعبد للخارج، فإن قال المقر له: أنا أعيد شاهدي الأول أن العبد عبدي، لم يلتفت إليه لأنه صار مقضياً عليه، ولأنه لا يتصور في حقه أن يترك الاستحقاق الثابت له بما أقام من الشاهد على ذي اليد، ويستأنف الخصومة استئنافاً من غير المقر؛ لأنه صاحب يد فلا تسمع منه البينة على الملك المطلق، فإن قال غير المقر له: قد مات شاهدي الأول أو غاب، يقال له: هاتِ بشاهد آخر فأقمه على المقر له حتى يقضى لك بكل العبد، وهذا لأن شهادة الشاهد الأول لا تبطل بموته، ولا بغيبته، فكان موته وغيبته وبقاؤه حياً سواء، فإذا أقام شاهداً آخر، انضم الشاهد الثاني الى الشاهد الأول فيقضى له بالعبد كله، إلا أن يقيم المقر شاهداً آخر مع شهادة الأول، قبل القضاء لغير المقر له فحينئذٍ يقضى بالعبد بينهما؛ لأن هذه الخصومة بناء على الخصومة الأولى وهما خارجان في تلك الخصومة، من حيث أن المعنى. قال: أو يقيم المقر له شاهدين مستقبلين، فيقضي بينهما كما لو أقام كل واحد منهما شاهداً آخر، وهذه المسألة من المسائل التي كتب محمد بن سماعة الى محمد بن الحسن ﵀ يستفرقه بينهما وبين المسألة التي فيها طعن القضاة الثلاثة، فكتب إليه محمد ﵀ أن الصحيح أن يقضى بالعبد بينهما، ثم بينما لو أقام غير المقر له شاهدين مستقبلين على المقر له، وبينما أقام المقر له شاهدين مستقبلين على غير المقر له فقال: إذا أقام غير المقر له شاهدين مستقبلين يقضى بكل العبد له، وقال: إذا أقام المقر له شاهدين مستقبلين يقضى بالعبد بينهما. والفرق بينهما هو أن: لغير المقر له أن يستأنف الخصومة مع المقر له أن ما يدعيه غير المقر له في يد المقر له، فصار المقر له خصماً وهو ذو اليد، وغير المقر له خارج، فيقضى بالعبد للخارج، فأما المقر له فلا يمكنه أن يجعل الذي ليس بمقر له خصماً فيستأنف الخصومة معه، لأنه لا بد لغير المقر له فاعتبر إقامة الشاهدين بناء على الخصومة الأولى كأنه أقامها على ذي اليد فبقيا خارجين، فيقضى بالعبد بينهما، لهذا، فإن قيل: أنه لم يمكن أن يجعل إقامته شاهدين مستقبلين من المقر له على سبيل استئناف الخصومة مع المدعي لاستحقاق العبد عليه، يمكن أن يجعل هذا منه إبطالاً لما أقام غير المقر له من الشاهد الأول الذي أقامها على المقر، كما جعل فيما تقدم وهو ما ادعى ذو اليد أنه لفلان أودعه، فقبل أن يقضي القاضي ببينة مدعي الشراء. حضر فلان وأقام البينة أنه له أودعه من ذي اليد كما أقر، حيث تبطل به بينة مدعي الشراء، فههنا يجب أن يكون كذلك، والجواب ثمة أمكن قبول بينته على إبطال بينة المدعي للشراء، لأن المقر له ببينته يثبت أن مدعي الشراء أقام البينة على مودعه وهو غائب، وبينة المدعي على المودع حال غيبة المودع باطلة، فأمكن قبول بينته لإبطال بينة

стр. 4314

المدعي، أما في مسألتنا: لا يمكن قبول بينة المقر على إبطال ما أقام غير المقر له من الشاهد، لأن أكثر مافي الباب أنه يثبت أن غير المقر له أقام البينة على المودع، لكن المقر له حاضر، وبينة المدعي على المودع حال حضرت المودع مقبولة، فلهذا افترقا. قال محمد ﵀: عبد في يدي رجل ادعاه رجلان، كل واحد منهما أقام بينة أنه عبده أودعه الذي في يديه وصاحب البينة جاحد، أو ساكت، وقضى القاضي بالعبد بين المدعيين لاستوائهما في الحجة، ثم إن أحد المدعيين أقام بينة أن العبد عبده، لم ينتفع بتلك البينة، ولا يقضى على صاحبه بشيء؛ لأن كل واحد من المدعيين صار مقضياً عليه في النصف الذي قضى به لصاحبه؛ لأنه ببينته استحق الكل، ولولا بينة صاحبه، يقضى له بكل العبد، وإنما حرم كل واحد عن النصف ببينة صاحبه، وصار هو مقضياً عليه في شيء، لا يصير مقضياً له في عين ذلك الشيء. فإن قيل: كيف يجعل كل واحد من المدعيين مقضياً عليه في النصف الذي صار لصاحبه، ولم يكن له (٢٢٢ب٤) في ذلك النصف ملك قبل القضاء. قلنا: إن لم يكن له فيه ملك كان له حق الملك، لأنه أقام البينة أن الكل له وأنها توجب حقيقة الملك عند إيصال القضاء بها، فوجب حق الملك وحق الملك معتبر بحقيقة الملك، ولو ثبتت الحقيقة يصير مقضياً عليه كذا ههنا، ولو عدلت بينة أحدهما ولم يعدل بينة الآخر، أو لم يقم الآخر شاهداً واحداً، فقضى به لمن عدلت بينته، ثم جاء الآخر ببينة عادلة، قضي له به؛ لأنه لم يصر مقضياً عليه به من جهة صاحبه، لأنه لم يكن له في المقضي به لا حقيقة الملك، ولا حق الملك لانعدام الحجة الموجبة للقضاء، والقضاء على الإنسان بإزالة الاستحقاق الثابت له، فإذا لم يكن الحق ثابتاً له، كيف يتصور إزالته فعلم أنه لم يصر مقضياً عليه فسمع دعواه، وبينته بعد ذلك، ولو أقام أحدهما البينة، فلم يزل ببينته حتى أقر ذو اليد أن العبد الذي لم يقم البينة أودعه إياه، ودفع القاضي العبد إلى المقر له، ثم زكيت بينة الذي أقامها، وأخذ صاحب البينة العبد من المقر له، ثم إن المقر له أتى ببينة أنه عبده أودعه إياه ذو اليد، قبلت بينته، وقضي له بالعبد، لأن المقر له لم يصر مقضياً عليه؛ لأن بينة غير المقر له قامت على ذي اليد، وجعل المقر له كالوكيل عنه على ما مر قبل هذا. فإن قيل: الملك ثبت للمقر له بإقرار ذي اليد وجعل المقر له كالوكيل عنه وتصديق المقر له إياه ثم استحق عليه بالقضاء ببينة المدعي فيجعل المقر له مقضياً عليه. قلنا: إقرار ذي اليد كان بعد إقامة المدعي بينته على ذي اليد وعند ظهور عدالة الشهود ثبت الاستحقاق في وقت الشهادة، فظهر أن إقرار ذي اليد كان باطلاً؛ لأنه ظهر أنه لم يكن مالكاً للعبد، وإذا بطل إقراره بطل تصديق المقر له لكونه بناء عليه وإذا بطل الإقرار والتصديق صار وجودهما والعدم بمنزلة ولو عدما، وباقي المسألة بحاله كان المقضي عليه الذي كان العبد في يده دون المقر له كذا ههنا. وكذلك لو أقام المقر له البينة على ما ذكرنا قبل القضاء لصاحبه ببينته يقضى للمقر

стр. 4315

له ويبطل بينة صاحبه؛ لأن بينة المقر له ظهر أن بينة صاحبه قامت على مودع المقر له، وهو ليس بخصم، والبينة متى قامت على غير خصم كان باطلاً. فإن قيل: بينة المدعي متى قامت على المودع، المقر له إنما يبطل إذا كان المقر له غائباً وقت إقامة البينة على مودعه، أما إذا كان حاضراً كانت مقبولة كما فيما تقدم، ويكون إقامة البينة على مودع المقر له، وههنا المقر له كان حاضراً وقت إقامة المدعي البينة. قلنا: المقر له وإن كان حاضراً وقت إقامة البينة على الذي كان العبد في يديه حقيقة ههنا، لكنه غائب حكماً؛ لأنه ليس بخصم للمدعي وقت إقامة البينة على الذي كان العبد في يديه حقيقة ههنا لكنه غائب حكماً لأنه ليس بخصم للمدعي وقت إقامة البينة، لأنه لم يكن للمقر له في العبد لا ملك ولاحق، ولم يثبت له زيادة خصوصية بهذا العبد من بين سائر الأجانب، وهو كونه بحال لو أقام شاهداً واحداً يقضى له، فصار غائباً حكماً بخلاف ما تقدم، لأن ثمة إن لم يكن للمقر له حقيقة الملك، ولا حق الملك بإقامة الشاهد الواحد، ولكن له زيادة خصوصية في هذا العبد من بين سائر الأجانب، لأنه صار بحال يستحق هذا العبد بإقامة شاهد واحد، فكانت خصوصية معتبرة، واعتباره بخلاف ما نحن فيه على مامر، فإن قال غير المقر له: أنا أعيد شهودي على المقر له، هل تقبل بينته، فهذا على وجهين: إن كان ذلك بعد ما قضي ببينة المقر له، لا تسمع بينته؛ لأنه صار مقضياً عليه ببينة المقر له، وإن كان ذلك قبل القضاء ببينة المقر له، قبلت بينته؛ لأنه لم يصر مقضياً عليه، ثم يقضى له بجميع العبد، لأنه أعاد البينة فقد أبرأ ذا اليد عن الخصومة ورضي بنفاذ إقراره، واستأنف الخصومة مع المقر له على ما مر، فتقررت يد المقر له، واجتمع بينة الخارج وبينة ذي اليد، فكانت بينة الخارج أولى. قال محمد ﵀ في «لجامع» : دار في يدي رجل ادعاها رجل أخر، قال الذي في يديه الدار: أنها كانت للمدعي وفلان أودعنيها، وأقام البينة على ذلك، فلا خصومة بينهما فإقرار صاحب اليد أنها كانت للمدعي، لا يناقض دعواه الإيداع من فلان الآخر، لأن الجمع بينهما ممكن، فلعل أنها كانت للمدعي ثم صارت لفلان الآخر بوجه من الوجوه، ثم إن فلاناً أودعها صاحب اليد، وإذا لم يكن بين الكلامين تناقض يجب قبول بينته على ما ادعى من الإيداع، وإن لم يقم البينة على ما ادعي، لا تندفع عنه الخصومة لأنه أقر بالملك للمدعي، وتوجهت عليه الخصومة باعتبار يده، ولم يثبت ما يخرجه من الخصومة، وهو كونه مودعاً من جهة غيره فلا تندفع الخصومة عنه ويؤمر بتسليمها إلى المدعي بحكم إقراره، فإن حضر فلان وصدق صاحب اليد فيما قال، لا ينزع الدار من يد المدعي حتى يقيم الحاضر بينة أنها له، لأن صاحب اليد أقر بالدار للمدعي أولاً، وصح إقراره من حيث الظاهر، وصارت مستحقة للمدعي وإنما أقر للغائب بعد ذلك، فكان الإقرار للغائب لاغياً ملك المدعي، فلا يصح ويقال للغائب: إن شئت أن تأخذ الدار من المدعي أقم البينة عليه.

стр. 4316

وكذلك لو أن صاحب اليد بدأ بالإقرار بالوديعة بأن قال: هذه الدار أودعنيها فلان وهي لهذا المدعي، إن أقام البينة على الإيداع تندفع عنه الخصومة، وإن لم يقم لا تندفع عنه الخصومة ويؤمر بتسليمها الى المدعي، وإن أقر أولاً للغائب ثم للمدعي فالأصل عندنا أن من أقر بعين لغائب ثم لحاضر، وصدقه الحاضر في إقراره، يؤمر المقر بتسليم العين الى الحاضر، لأن تصديق الحاضر اتصل بإقراره، ولم يتصل تصديق الغائب بإقراره وعسى لا يصدقه، فلا يتعطل هذا الإقرار والتصديق لأمر موهوم، فإن حضر المقر له بالوديعة البينة أنها داره، لأن تصديقه استند الى وقت إقراره، وكان إقراره بالوديعة أولاً، فظهر أن استحقاقه كان سابقاً، وأن الإقرار للمدعي لا في حق صاحب الوديعة فوقع باطلاً فيؤمر المدعي بتسليم الدار إليه، ويقال له: إن شئت أخذ الدار فأقم البينة، ولوأن المدعي صدق صاحب الوديعة وأنها وديعة فلان فلا خصومة بينهما اعتباراً للثابت بالتصادق بالبينة معاينة. ولو علم القاضي أن الدار لرجل فصارت للمدعي يدي آخر، فخاصمه الذي كانت الدار له الى القاضي، فقال الذي الدار في يديه: إن فلاناً أودعنيها، وأقام على ذلك بينة فلا خصومة بينهما، ولا تخرج الدار من يد الذي كانت الدار في يده، حتى يحضر فلان؛ لأن الثابت بالبينة العادلة إذا قبلت كالثابت عياناً، ولو عاين القاضي هذا دفع الخصومة تكون الدار للمدعي في زمان لا يجعل الذي في يديه الدار متناقضاً في دعوى الإيداع من الغائب، بجواز أنها كانت للمدعي، ثم باعها أو آجرها أو رهنها من فلان من الذي في يديه، ولو علم القاضي أن فلاناً غصبها من الذي كانت له وأودعها الذي في يديه، أخذها من الذي في يديه، ودفعها الى الذي علم أنها كانت له، لأنه علم أن يد ذي اليد مبطلة، بخلاف ما لو علم أن فلاناً أودعها هذا الذي في يديه، ولم يعلم أنه غصبها من المدعي، لأن هناك لم يعلم بكون ذي اليد مبطلة بل شك في ذلك يجوز أن يكون المدعي باع من فلان، ثم إن فلاناً أودعها من ذي اليد، فتكون يده مبطلة فيجب نقضها، فلا يجب نقضها بالشك، ثم إن محمداً ﵀ اعتبر علم القاضي في هذه المسألة حتى قال: إذا علم القاضي أن فلاناً غصبها من المدعي، يأخذها من صاحب اليد ويدفعها (٢٢٣أ٤) الى المدعي، وهذا جواب رواية «الأصول» . وروى ابن سماعة عن محمد ﵀: أن القاضي بعلمه يقضي، قال ابن سماعة: رجع إلى هذا القول في آخر عمره القاضي لا يقضي بعلمه، وإن استفاد العلم في حالة القضاء حتى يشهد معه شاهد واحد، قال: لعل القاضي غالط فيما يقول، فشرط مع علمه شهادة شاهد آخر حتى يصير علمه مع شهادة شاهد آخر في معنى شاهدين، والله أعلم بالصواب. الفصل السادس واالعشرون: في دعوى الوكالة والكفالة والحوالة رجل من وكلاء باب القاضي ادعى قبل القاضي على رجل أنه وكيل من جهة

стр. 4317

فلان بن فلان الغائب بإثبات حقوقه وديونه على الناس، وللغائب على هذا عشرة دراهم قرض مدة حتى يسلم إلي، فلم يجب المدعى عليه لكن وكيل آخر من وكلاء القاضي بحضرة المدعى عليه أجاب وقال: إن موكلي يقول ليس علي هذه العشرة، وليس لي علم بهذه الوكالة، فأقام الوكيل شاهدين على التوكيل، وطلب الحكم من القاضي، فقضى القاضي بثبوت وكالته، والمدعى عليه ساكت لم يجب أصلاً، وتوكيل الوكيل من المدعى عليه ليس ثابت هل يصح هذا الحكم؟ وهل يثبت التوكيل؟ قيل: لا، وبه كان يفتي الإمام ظهير الدين ﵀، وهي واقعة العامة فتحفظ. رجل استأجر كرماً إجارة طويلة وغاب بعد ذلك جاء رجل وقال: أنا وكيله بقبض المال وفسخ الإجازة وأنكر هو التوكيل وأقر بالباقي فيقضي. رجل ادعى القاضي ثبوت الوكالة بحضرة المدعى عليه كان ذلك قضاء على الغائب أنه وكيل فلان باستيفاء الدين من رجل، فادعى المديون الإبراء والإيفاء قال المدعي: عزلني الموكل إن كان التوكيل بالتماس الخصم لا يملك عزله فلا يسمع هذه الدعوى، وإن كان بغير التماس منه تثبت الدعوى إذا أقام البينة على الغرماء على العزل أما بدون البينة فلا. ولو قال: لست بوكيل وصدقه الخصم لا يسمع، وأثر هذا في أنه إذا صالح مع الخصم ثم قال: لست بوكيل وأراد استرداده دفع وصدقه الخصم لا يسمع. رجل ادعى على آخر الكفالة بمال الإجارة معلقة بالفسخ، وقال: إني قد فسخت الإجارة ونرد منك المال، وأقام على ذلك بينة والآخر غائب قبلت بينته ويكون ذلك قضاء على الآخر، وانتصب الوكيل خصماً عنه؛ لأن المدعي ادعى المال على الكفيل ولا يمكنه إثبات ذلك على الكفيل إلا بإثبات على الأصيل فينتصب الكفيل عنه، وإذا أدى الكفيل رجع على الآخر إن كانت الكفالة بأمره، وإن كانت بغير أمره لا يرجع عليه، فإن حضر الآخر قبل أن يأخذ المدعي من الكفيل شيئاً، وأنكر الفسخ لم يلتفت إلى إنكاره، وكان الفسخ ماضياً. رجل ادعى على آخر أنه كفل له أنه إن مات فلان مجملاً لوديعتي وهي كذا، فضمانها علي وقد مات فلان مجملاً لوديعتي، وأقام البينة عليه هل تسمع هذه الدعوى؟ فقد قيل: تسمع، وفي دعوى الكفالة لابد وأن يقول: وأنا أجزت كفالته مجلس الكفالة، وبه كان يفتي الشيخ الإمام ظهير الدين، وقد قيل: لا يشترط ذلك، ودعوى الكفالة تتضمن ذكر الإجارة كدعوى البيع تتضمن ذكر الشراء، حتى إن من ادعى على آخر أنك بعت مني كذا كذا لا يحتاج إلى أن يقول: وأنا اشتريت. رجل ادعى الكفالة بالمال معلقة بعدم تسليم النفس في يوم كذا، والمال الذي وقعت الكفالة وجب على الأصيل بسبب الصلح، وإنه كاسد اليوم؛ لا بد وأن يبين في دعواه أن الصلح عن أي شيء كان لينظر أنه هل صح؟ ولو صح هل فسد بكساد البدل قبل القبض كما يفسد البيع بكساد الثمن قبل القبض.

стр. 4318

رجل اشترى عبداً بألف درهم، وقبض العبد بإذن البائع، وطلب البائع الثمن، فقال المشتري: قد كنت أحلته على فلان وفلان غائب، وأقام على ذلك بينة قبلت بينته ويتعدى ذلك إلى الغائب، وفي مثل هذا ينتصب الحاضر خصماً عن الغائب وكثير من هذا الجنس ذكرناها في كتاب أدب القاضي، وسيأتي بعد ذلك في كتاب الكفالة والحوالة إن شاء الله. الفصل السابع والعشرون: في دعوى العتق بعض مسائل هذا الفصل قد مر قبل هذا: عبد في يدي رجل قال: إني كنت عبداً لهذا الرجل، وأنا اليوم حر لما أنه قال لي: اكرد وسال كار من كنز توازر ومن دو سال كارله وكردم، وأقام على ذلك بينة قبلت بينته، وحكم بعتقه. عبد ادعى أنه حر الأصل في موضع لم يسبق منه الإقرار بالرق، فقضى القاضي بحريته لما أن القول في ذلك قوله، لا يرجع المشتري بالثمن على بائعه، والبينة للمشتري في ذلك حتى يرجع بالثمن على البائع أن يدعي المشتري على العبد الرق، ويقول: أقر لي بالرق، ويقيم البينة عليه ثم يقيم العبد البينة عليه أنه حر الأصل، فيرجع المشتري بالثمن على البائع. عبد في يدي رجل يزعم أنه ملكه، وادعى العبد عليه أنه أعتقه وشهد الشهود أنه حر الأصل لا تقبل. وكذلك لو ادعى العبد أنه حر الأصل، وشهد الشهود أن صاحب اليد أعتقه تقبل، وعلى العكس لا تقبل، وقيل: تقبل في الوجهين جميعاً. ادعى غلاماً في يدي رجل أنه ملكه أعتقه منذ سنة، والقاضي يسأل المدعي البينة على الكل لا على العتق، لأنه إذا أقام البينة على العتق، ولم يكن له بينة يحلف المدعى عليه على الملك. ادعى على امرأة بأنها أمته، فأقامت الأمة بينة أنها كانت لفلان وأنه أعتقها، وأقام المدعي بينة أن فلاناً ذلك قد أقر أن هذه الأمة أمتي ومملوكتي، فإن أرخا وتاريخ الإقرار أسبق قضي بالملك للمدعي، وإن لم يؤرخا يجعل كأنهما وقعا معاً الإقرار والإعتاق بالملك للمدعي فيقضي بالعتق ببينة الأمة. ادعت حرية الأصل ثم ادعت حرية عارضية تسمع، وكذلك على العكس يجب أن تسمع. الجارية إذا تداولتها الأيدي، فادعت أنها حرة الأصل، أو ادعت عتقاً عارضياً بتاريخ قبل تاريخ البياعات، ورجع المشتري الآخر على بائعه، وكذلك بائعه رجع على بائعه، وللبائع الأول الرجوع عليه، ففيما إذا ادعت حرية الأصل إن لم يسبق منها إقرار

стр. 4319

بالرق لا نصاً ولا دلالة من انعقاد البيع، وما أشبه ذلك على ما عرف في كتاب الإقرار ليس له أن يأتي؛ لأن حرية الأصل ثبتت بمجرد قولها في حق الناس كافةً، إذا لم يسبق منها إقرار بالرق، ولو سبق منها إقرار بالرق كان للبائع الأول أن يأتي بالرجوع عليه؛ لأن حرية الأصل لا تثبت بمجرد قولها في موضع سبق منها الإقرار بالرق. وفيما إذا ادعت عتقاً عارضياً كان للبائع الأول أن يأتي بالرجوع عليه على كل حال، لأن العتق العارضي لا يثبت بمجرد قولها، وفي كل موضع قضى القاضي بحرية الأصل لا يشترط حضرة العبد والأمة لرجوع المشتري على البائع بالثمن والله أعلم. الفصل الثامن والعشرون: في دعوى النسب هذا الفصل يشتمل على أنواع: النوع الأول: في بيان مراتب النسب قال أصحابنا ﵏: لثبوت النسب مراتب ثلاثة: أحدها: بالنكاح الصحيح، وما هو في معناه من النكاح الفاسد، والحكم فيه: أن يثبت النسب من غير دعوى، وله أن ينفيه مالم يقر بنسبه صريحاً أو يظهر منه ما يكون اعترافاً به في قبول تهنئة، أو شراء متاع الولادة، أو تطاول المدة، مع العلم بالولادة أو يقع الاستغناء، أو يقع فيه حكم لا يقبل النقض والإبطال، متى وجد واحد من هذه الأسباب لا بملك النفي بعد ذلك. أما إذا أقر بنسب الولد صريحاً؛ لأن الإقرار بنسب الولد إقرار له بحقوق مالية نحو النفقة والميراث، وأشباه ذلك اقتضاء، ولو أقر له بهذه الحقوق صريحاً، لا يعمل رجوعه بعد ذلك، فكذا إذا أقر له بذلك اقتضاء. وأما إذا قبل التهنئة: فدل قبول التهنئة على أن الولد منه. وأما إذا اشترى متاعاً للولادة: فلأنه أقر بالولد دلالة عادة، فإن العادة أن الإنسان لا يشتري متاعاً للولادة إذا (٢٢٣ب٤) لم يكن الولد منه. فأما إذا وقع الاستغناء عن نفيه: فلأن بعدما وقع الاستغناء عن نفيه؛ لا يكون في النفي فائدة، والشرع لا يرد بما لا يفيد. وأما إذا تطاولت المدة: فلأن ترك النفي مدة طويلة مع العلم بالولادة دلالة الإقرار بالولد ظاهراً، لأن الظاهر أن الإنسان لا يترك النفي مدة طويلة، مع العلم بالولادة، إذا لم يكن الولد منه. والمرجع في معرفة تطاول تلك المدة العرف والعادة، إذا مضى من المدة ما ينفى

стр. 4320

فيها الولد عادة ولم يبق، فليس له أن ينفيه بعد ذلك هذه رواية أبي حنيفة، وروي عنه رواية أخرى: أنه يفوض ذلك إلى رأي القاضي، وعن أبي يوسف ومحمد: أنهما قدرا المدة الطويلة بالأربعين، فبعد الأربعين لا يصح النفي. وأما إذا وقع فيه حكم لا يقبل النقض، بيانه فيما لو جنى هذا الولد جناية، وقضى القاضي على عاقلة الأب بالأرش لا يستطيع نفي هذا الولد؛ لأنه وقع فيه حكم لا يقبل النقض والبطلان؛ لأنا حكمنا بنسب هذا الولد من الأب لما قضينا بالأرش على عاقلته، والقضاء بالأرش على العاقلة بعدما صح لا يقبل النقض والإبطال، ومتى صار نسب الولد مقضياً به بحكم لا يقبل البطلان لا يصح نفيه بعد ذلك، ولا يمكن قطعه إلا بعد قطع ذلك الحكم، ولا يمكن قطع ذلك الحكم، فامتنع النفي والقطع. وبيانه في مسألة أخرى وروي عن أبي يوسف ﵀: رجل جاءته امرأته بولد فنفاه ولم يلاعنها حتى قذفها أجنبي بالولد فحد، ثبت النسب ولا يلاعن بينهما، والمعنى ما ذكرنا، وبعدما وجد النفي لا ينتفي نسب الولد إلا باللعان، وشرائط جريان اللعان عرفت في كتاب الطلاق. المرتبة الثانية: أم الولد، والحكم فيها: أن نسب ولدها ثبت بدون الدعوى إذا كانت بحال يحل للمولى وطؤها، أما إذا كان بحال لا يحل للمولى وطؤها لا يثبت النسب من المولى بدون الدعوى، ولا للمولى أن ينفيه إذا لم تتطاول المدة مع العلم بالولادة، ولم يقر به صريحاً ولم يقع فيه حكم لا يقبل النقض والإبطال. وعن هذا قلنا: إذا جنى هذا الولد جناية وقضى القاضي على عاقلة المولى بالأرش، أو جنى عليه وقضى القاضي بالأرش جناية الأحرار والقصاص لا يستطيع أن ينفيه المولى بعد ذلك؛ لأنه وقع فيه حكم لا يقبل النقض والإبطال؛ لأن حكمنا بحريته بسبب أن ولده لما قضي على عاقلته الأرش إن كان جانياً، وقضى له بأرش الأحرار إن كان مجنياً عليه، والحرية مما لا يقبل النقض والإبطال، ومتى حكمنا بنسب الولد منه بحكم لا يقبل النقض والإبطال ولا يمكن نفيه؛ وقطع نسبه بعد ذلك لا يمكن قطعه إلا بعد نقض ذلك الحكم وذلك الحكم لا يبدل النقض. ولم يذكر في ولد أم الولد ما إذا قتل لا شك أنه يكون إقراراً، فقد ذكر في عتاق «الفتاوى» : أنه لو جنى المولى بولد الأمة، فسكت يكون إقراراً لقبول التهنئة، أو لأن يكون إقرار التهنئة فيه. ولو مات هذا الولد لا يملك المولى نفيه أما إذا ترك مالاً فلوجهين: أحدهما: أنه صار مخلوفاً بكونه مخلوقاً من مائه بحكم لا يقبل البطلان وهو الميراث، فإنه ورث منه بالولادة، والوارثة منه بالولادة حكم بكونه مخلوقاً من مائه، والإرث لا يقبل القطع والإبطال. والثاني: أنه وقع الاستغناء عن نفيه؛ لأن مقصود المولى من نفيه أن لا يستحق هذا

стр. 4321

الولد عليه أحكام النسب، وهو غير مخلوق من مائه، وقد حصل هذا المقصود للمولى بموت الولد. وأما إذا لم يترك مالاً فللوجه الثاني. وإذا زوج الرجل أم ولده من رجل ومات عنها وطلقها وانقضت عدتها، ثم جاءت بولد لستة أشهر منذ انقضت، فهو ابن المولى وله أن ينفيه ما لا توجد منه إحدى الأسباب التي ذكرنا، وهذا لأنه لما انقضت عدتها حلت للمولى، وعادت فراشاً له؛ لأن بانقضاء العدة يرتفع النكاح بحقوقه من كل وجه، وهو المانع من ظهور فراشه، وإذا ظهر فراش المولى صار الحال بعد انقضاء العدة كالحال قبل النكاح، وقبل النكاح له أم الولد إذا جاءت بالولد كان ثابت النسب، وكان للمولى أن ينفيه ما لم يوجد واحد من الأسباب التي ذكرناها كذا ههنا. وإذا حرم المولى أم ولده على نفسه أو حلف أن لا يقربها، فجاءته بولد لزمه ما لم ينفه؛ لأن فراشها لا يبطل بتحريم المولى ولا بالإيلاء، ألا ترى أنه لا يبطل فراش النكاح بالتحريم والإيلاء، فكذا فراش ملك اليمين إلا أن الإيلاء في النكاح يبطل ملك النكاح بعد أربعة أشهر، والإيلاء في الأمة لا يبطل ملك اليمين؛ لأن الإيلاء يصير طلاقاً بعد مضي أربعة أشهر في المنكوحة، ولا يصير طلاقاً في الأمة فيبقى يميناً. ولو وطئها أب المولى أو ابن المولى فحرمت على المولى، ثم جاءت بولد بعد ذلك أكثر من ستة أشهر لايلزمه. ولو جاءت به لأقل من ستة أشهر يلزمه؛ لأن حرمة المصاهرة تزيل الفراش في ملك النكاح، ففي ملك اليمين أولى؛ لأن فراش ملك النكاح أقوى من فراش ملك اليمين، إلا أنه يزول لا إلى عدة، فكان بمنزلة ما لو زال فراش النكاح قبل الدخول بها لا إلى عدة ثم جاءت بالولد، وهناك لو جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر يثبت النسب من الزوج، وإن جاءت به لستة أشهر لا يثبت النسب منه كذا ههنا. وإذا نفى المولى نسب أم الولد ينتفي نسبه بمجرد النفي، وهذا لأن بيان النسب ينبني على الفراش وفراش المنكوحة أقوى، وآكد من فراش أم الولد؛ لأن فراش المنكوحة يزول بسبب واحد وهو الطلاق، ولا يزول بالتمليك من الغير، فإنه لو زوج منكوحته من غيره لا يزول فراش الزوج، وفراش أم الولد يزول بسببين وهو الإعتاق والتمليك من الغير، و (ما) يزول (بسببين) يكون أضعف مما يزول بسبب واحد، وإذا كان فراش المنكوحة أقوى وأكد، فالنسب الثابت بناء على هذا الفراش يكون أقوى، فلم يجز أن ينتفي بما ينتفي به نسب أم الولد؛ لأنه حينئذٍ يكون تسوية بين الأقوى والأضعف وإنه لا يجوز، وههنا وقفة يجب حفظها أنه إنما ينتفي نسب أم الولد بمجرد النفي إذا لم يحدث العتق في الأم وسيأتي بعد ذلك هذا ونوع يتعلق بمسائل أم الولد، وولد أم الولد إن شاء الله. المرتبة الثالثة: الأمة، والحكم فيها: أن نسب ولدها بعد الولادة لا يثبت بدون دعوى المولى، ويستوي في ذلك أن يدعي المولى نسب ولدها بعد الولاد، أو يدعي نسبه

стр. 4322

وهو في بطنها بأن قال: هذا الحمل الذي في بطن أمتي هذه مني، أو قال: هذا الولد الذي في بطن هذه مني. ولو قال: إن كان في بطن جاريتي هذه غلام فهو مني، وإن كان جارية فهو من فلان، أو قال: فليس مني، فولدت ابنة ثبت نسبها منه، هكذا ذكر في «عتاق عصام» . وفي «الأصل» : رجل له أمة حامل، فقال: إن كان حملها غلاماً فهو مني، وإن كان جارية فهو من فلان، أو قال: فليس مني، فولدت غلاماً وجارية لأقل من ستة أشهر، ثبت نسبها منه، وكان ينبغي أن لا يثبت؛ لأنه علق الدعوى بشرط للدعوة منه بد، فلا يصح كما (لو) علقها بدخول الدار. بيانه: أنه علق الدعوة بكون الحمل غلاماً، وبكون الحمل غلاماً مما أمر الدعوى منه بد، فإنه لو قال: هذا الحمل مني، كانت دعوته صحيحة، وإن كان الحمل جارية، فكان كون الحمل غلاماً كدخول الدار من هذا الوجه. بخلاف ما لو قال: إن كان لها حمل فهو مني، لأن هذا تعليق الدعوة بما لابد للدعوة منه، لأنه لا بد لدعوة الحمل من وجود الحمل، والجواب: الدعوة ههنا معلقة بأصل الحمل لا بصفة في الحمل، والتعليق بأصل الحمل صحيح. بيانه: أنه وإن ذكر صفة الحمل إلا أنا لو اعتبرنا حقيقة الصفة يبطل التعليق، ولو جعلنا ذكر الصفة عبارة عن الحمل مجازاً يصح التعليق، ويمكن جعل الصفة مجازاً عن الموصوف لاتصال منهما، كما يقال: أعطيه جزيلاً، أي: عطاءً جزيلاً، ويصير تقدير كلامه إن كان حملها حملاً على الحقيقة فهو مني، ولما قال بعد ذلك: وإن كان جارية فليس مني، فتقديرها أيضاً، وإن كان حملها حملاً على الحقيقة، فليس (٢٢٤أ٤) مني، فيصح الإقرار ولا يصح الرجوع بعد ذلك بخلاف دخول الدار؛ لأن دخول الدار أن يجعل عبارة عن أصل الحمل؛ لأنه لا اتصال بينهما، فتبقى الدعوة معلقة بالدخول حقيقة. وبخلاف ما إذا قال: إن كان حملك غلاماً فهوحر، فولدت لأقل من ستة أشهر جارية حيث لا تعتق الجارية، لأن تعليق العتق بالصفة صحيح، فلا ضرورة الى أن يجعل صفة مجازاً عن أصل الحمل وإنما يثبت نسبها مع أنه ادعى نسب أحدهما؛ لأنا تيقنا بوجودهما في البطن وقت الدعوة، فدعوة نسب أحدهما ودعواه نسبهما على السواء، وقد ذكرنا جنس هذه المسائل في كتاب العتاق في فصل أم الولد. وفي «نوادر بشر بن الوليد» عن أبي يوسف ﵀ في أمة حامل أقر سيدها أنها حامل منه، فجاءت بولد لأكثر من ستة أشهر أو لستة أشهر، فنفاه قال: لا يكون ابنه وتكون أم ولده بإقراره، وكذلك إن لم تلد ولكن أسقطت سقطاً لم يستبن خلقه. وفي «المنتقى» عن أبي حنيفة ﵀: وإذا عالج الرجل جاريته فيما دون الفرج وأنزل، فأخذت الجارية ماءه في شيء واستدخلته فرجها في جريان ذلك، فعلقت الجارية وولدت ولداً، فإن الولد ولد الرجل والجارية تصير أم ولده.

стр. 4323

ولو هنىء المولى بولد فسكتت الأمة، روي عن محمد ﵀: أنه لا يكون اعترافاً بخلاف ولد الحرة وولد أم الولد، ولو قبل المولى التهنئة كان اعترافاً. ومما يتصل بهذا النوع: ما روى إبراهيم عن محمد في رجل وطء جارية له ولم....... ولم يحصنها قال أبو حنيفة ﵀: له أن ينفي ولدها ويبيعها، وأما في قول.... فأحب أن يعتق ولدها ويتمنع منها، فإذا مات أعتقها. وذكر المعلى عن أبي يوسف: في رجل له أمة يطأها ويحصنها ولا يعزل عنها، فجاءت بولد؛ لا يسعه أن ينفيه في قول أبي حنيفة وقولي، وأحب إلي أن يدعيه إذا كان يطؤها ولم يحصنها. ومما يتصل بهذا أيضاً: إذا ولدت أمة الرجل ولداً، فادعت أن مولاها أقر به، وجحد المولى ذلك، فأقامت على ذلك شاهدين وشهد أحدهما أنه ابنه ولد على فراشه، وشهد الآخر أن المولى أقر به؛ لا تقبل شهادتهما، لأن المشهود به قد اختلف لأن أحدهما شهد على الولادة وإنها فعل، والآخر شهد على إقرار المولى بها وإنه قول، والقول مع الفعل مختلفات. فإن قيل: كيف يعلم الشاهد ولادة الولد على فراشه؟ قلنا: أصل الولادة يعلمها الشاهد بطريقين؛ بالمعاينة إن اتفق له ذلك كما في الزنا، أو بالشهرة والتسامع، وكونها على فراشه يعلمه شرعاً إن كانت الوالدة منكوحة، أو أم ولد لأن له فراشاً على المنكوحة وعلى أم الولد شرعاً، وإن كانت الوالدة أمته يعلم بإقرار المولى أنها ولدت منه على فراشه، لأن الأمة لا تصير فراشاً للمولى ما لم تقر بولادتها منه. فإن قيل: إذا كان طريق وقوف الشاهد (على) ولادة ولد الأمة على فراش المولى، إقرار المولى أنها ولدت منه، وينبغي أن تقبل الشهادة في هذه المسألة؛ لأن شهادة كل واحد منهما قاصرة على القول. قلنا: المشهود به شيئان: الولادة والفراش في الأمة إن كان لا يعلم الشاهد إلا بإقرار المولى، فالولادة يعلمها من غير إقرار المولى بالمعاينة فشهادتهما على الولادة قد اختلف، فلا يثبت بالولادة بهذه الشهادة، وما لم تثبت الولادة فالفراش لا يكفي. وإن اتفق الشاهدان على إقرار المولى أنها ولدت منه قبلت شهادتهما لاتفاقهما على الإقرار الثابت بالبينة كالإقرار الثابت عياناً. وكذلك إذا شهدا على نفس الولادة على فراشه قبلت شهادتهما لاتفاقهما على نفس الفعل وهو الولادة. وإذا كان المولى من أهل الذمة والأمة مسلمة، فشهد شاهدان ذميان أنه أقر أنه ابنه منها، وأنها ولدته على فراشه فهذا على وجهين: الأول: أن تدعي هي ويجحد المولى، وفي هذا الوجه الشهادة مقبولة ونسب الولد ثابت منهما، أما في المولى: فلأن المولى ذمي وشهادة الذمي على الذمي مقبولة، وأما

стр. 4324

منها وإن كانت مسلمة؛ لأنها ادعت أنها صارت أم ولد له، فكانت هذه شهادة ذمي قامت للمسلم على الذمي. الوجه الثاني: أن يدعي المولى وتجحد الأمة، وفي هذا الوجه لا تقبل الشهادة؛ لأن هذه شهادة ذمي قامت على المسلم، قال شمس الأئمة ﵀: تأويل المسألة في الوجه الثاني إنها تجحد المملوكية للمولى، أما لو أقرت بالمملوكية: فالمولى ينفرد بدعوة النسب وثبت نسب الولد منه، وتصير الجارية أم ولد له بإقراره ولا عبرة لتكذيبها. ومما يتصل بهذا الفصل أيضاً في معرفة أم الولد فنقول: أم الولد الجارية التي يستولدها الرجل بملك اليمين، أو استولدها بملك النكاح ثم اشتراها بعد ذلك، أو ملكها بسبب آخر، أو استولدها بشبهة ثم اشتراها بعد ذلك، أو ملكها بسبب آخر وهذا مذهبنا؛ وقال الشافعي: إذا استولدها بحكم النكاح ثم اشتراها لا تصير أم ولد له، وإذا استولدها بالزنا ثم ملكها؛ القياس أن تصير أم ولد له، وهو قول زفر في الاستحسان، ولا تصير أم ولد له، وهو قول علمائنا الثلاثة، والمسألة تأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى. وكذلك إذا قال الرجل: تزوجت هذه الجارية وولدت مني، ولا يعلم ذلك إلا بقوله، وأنكر ذلك المولى الذي هي له، فإذا ملكها الذي أقر بهذا بعد ذلك تصير أم ولد له عند علمائنا الثلاثة ﵏.f وإذا أسقطت أمة الرجل سقطاً استبان خلقه أو بعض خلقه تصير أم ولد له، وإن لم يستبن شيء من خلقه لا تصير أم ولد له عندنا. وفي «المنتقى» : قال أبو يوسف: إذا أقر الرجل أن جاريته هذه قد أسقطت منه، فهذا إقرار أنها أم ولده، قال: إنما يقع اسم السقط على ما تبين خلقه؛ أما إذا لم يبن خلقه لا يسمى سقطاً، وقد ذكرنا هذه المسائل في كتاب العتاق. نوع آخر في المسائل التي تتعلق بنفي الولد قال محمد ﵀: إذا تزوج الرجل امرأة، وجاءت بولد لستة أشهر منذ تزوجها حران مسلمان، فادعى أحدهما أنه ابنه وكذبه الآخر فهو ابنه منها؛ لأن هذا الولد ولد النكاح القائم بينهما لما جاءت لستة أشهر منذ تزوجها، وولد النكاح ثابت النسب من صاحب النكاح لا ينتفي نسبه إلا باللعان. وكذلك لو قال الزوج: هذا الولد كان لك من زوج قبلي، وقالت المرأة: بل هو منك، فهو ولد الزوج؛ لأنه ولد النكاح القائم بينهما، ولا حد على الزوج؛ لأنه لم يقذفها بالزنا، إنما نسبه إلى وطء حلال، فلا يوجب حداً ولا لعاناً. ولو قال الزوج: ولدته من الزنا وكذبته، يلاعن بينهما، ويقطع نسب الولد من الزوج ويلحق بالأم، وإن صدقته فهو ابنهما؛ لأن اللعان لا يجري بين المتصادقين. وإذا ولدت المرأة ولدين في بطن واحد وأقر الزوج بالأول منهما ونفى الآخر؛ فهما ابناه، ويلاعن بينهما لقطع النكاح؛ لأنهما لا يتجريان في حق ثبات النسب، فإذا أقر بأحدهما فكأنه أقر بهما، فإذا نفى الآخر بعد ذلك فكأنه نفاهما جميعاً، ولو أقر بهما ثم

стр. 4325

نفاهما فإنهما يتلاعنان لقطع النكاح إن كانا لا يتلاعنان لقطع النسب فكذا ههنا. فإن كان نفى الأول منهما وأقر بالثاني جلد الحد وكانا أثبته؛ لأنه لما نفى الأول فكأنما نفاهما، فإذا أقر بالآخر فكأنه أقر بهما، ولو نفاهما ثم أقر بهما لا يلاعن؛ لأنه أكذب نفسه، والملاعن إذا أكذب نفسه يجلد ولا يلاعن لما نبين بعد هذا إن شاء الله تعالى، وإذا امتنع اللعان بقيا ثابتي النسب من الزوج. وإذا تزوج الرجل امرأة وجاءت بولدين فنفاهما الزوج، وقضى القاضي باللعان، فمات أحدهما يعني أحد الولدين قبل اللعان فهما ابنا الزوج، ويلاعن لقطع النكاح، وإنما كانا ابني الزوج (٢٢٤ب٤) لأنه تعذر قطع نسب الميت منهما باللعان، فيتعذر قطع نسب الحي تبعاً له فبقي نسبهما ثابتاً من الزوج. فإن قيل: أمكن قطع نسب الحي باللعان فيمكن قطع نسب الميت تبعاً له. قلنا: اعتبار جانب الحي يوجب قطع نسبهما واعتبار جانب الميت يوجب ثبوت نسبهما وقع الشك في القطع، والنسب كان ثابتاً فلا يقطع بالشك، وكذلك لو لم يمت واحد من الولدين، ولكن مات الزوج قبل اللعان فالولدان ثابتا النسب منهما؛ لأنه تعذر إقامة اللعان بعد موت أحد الزوجين. وكذلك لو التعنا عند القاضي إلا أن القاضي لم يفرق بينهما، ولم يلزم الولد أمه حتى مات الزوج أو المرأة، فالولدان ثابتا النسب منهما؛ لأن بمجرد اللعان لا ينقطع نسب الولد من الزوج ما لم يقطعه القاضي، وتعذر قطع النسب بعد موت أحد الزوجين متعذر، فكذا قطع النسب من جملة اللعان، وإقامة اللعان بعد موت أحد الزوجين متعذر، فكذا قطع النسب الذي هو من جملة اللعان. وإذا ولدت امرأة الرجل ولداً فنفاه الزوج، ولاعن القاضي بينهما وفرق بينهما، وألزم الولد أمه، ثم ولدت ولداً آخر في ذلك البطن، فإن الولدين يلزمان الأب؛ لأن نسب الثاني ثبت من الزوج لأنه لم يوجد فيه نفي ولا لعان، وثبات النسب الثاني يوجب ثبات نسب الأول. فإن قيل: هلا اعتبرتم جانب القطع قلتم: قطع نسب الأول يوجب قطع نسب الثاني. قلنا: اعتبار الثاني في حق النسب أولى من اعتبار الأول في حق القطع، لأنا إذا اعتبرنا الثاني في حق ثبات النسب، وثبت نسب الأول باعتبار الثاني كان في ذلك إبطال النفي في حق المنفي، وأنه جائز كما لو أكذب الملاعن نفسه. ولو اعتبرنا الأول في حق القطع وانقطع نسب الثاني باعتبار الأول، فقد انقطع نسب الحبل باللعان، وقطع نسب الحبل باللعان غير مشروع، لكان اعتبار الثاني في حق إثبات النسب، وفيه إثبات أمر مشروع أولى من اعتبار الإقرار في حق القطع وفيه إثبات أمر غير مشروع، ولكن كانت ولدتهما جميعاً، وعلم بأحدهما ونفاه، ولاعن وألزمه القاضي أمه، وفرق بينهما، ثم علم بالآخر؛ فهما ابناه، لأن النسب الذي علم بعد ذلك

стр. 4326

ثابت من الزوج لأنه لم يوجد في حقه نفي ولا لعان، ومن ضرورة ثبوت نسبه ثبوت نسب الآخر؛ لأنهما لا يختلفان في النسب لكونهما توأمان، فإن قيل: لم لا يجعل نسب أحدهما باللعان قطعاً في حق الآخر. قلنا: اللعان يعتمد النفي في حق الآخر، ولم يوجد من حيث الصريح، أو جعل النفي موجوداً في حق الآخر إنما يجعل موجوداً من حيث المعنى، إلا أن النفي لا يثبت من حيث المعنى بل يعتمد الصريح، وإذا لم يوجد في حق الآخر نفي صريح لا يثبت اللعان في حق الآخر فكان الآخر ثابت النسب ما لم يقطع باللعان ثابتاً. وأما اللعان ثانياً فتعذر لأن الزوجية انقطعت بها لفرقة بينهما، ولأن الذي انقطع نسبه باللعان يحتمل الثبوت منه بالإكذاب فالذي نفى ثابت النسب منه بعدما قضى القاضي بينهما بالفرقة فنسبه لا يحتمل النفي لأن انتفاء نسب ولد النكاح باللعان، واللعان بعد وقوع الفرقة ممتنع فكان الترجيح لجانب الإثبات. ولو علم الثاني قبل أن يفرق القاضي بينهما فنفاه، فالقاضي يعيد اللعان بينهما لأجل الثاني، ويقطع نسبهما من الزوج لأن النفي في حق الثاني وجد صريحاً، وإقامة اللعان ممكن فيعاد اللعان ويقطع نسب الثاني من الزوج كما قطع نسب الأول. وإذا أكذب الملاعن نفسه، وادعى نسب الولد بعدما فرق القاضي بينهما وألزم الولد أمه، إن كان الولد حياً ثبت نسب الولد منه لأنه بالإكذاب بطل اللعان، لأن اللعان شهادات، والشهادة تنفسخ برجوع الشاهد، وإذا بطل اللعان صار وجوده كعدمه، ولو عدم اللعان كان الولد ثابت النسب من الزوج؛ فكذا ههنا، ويقام عليه الحد لأنه ملاعن أكذب نفسه، والحكم في مثله الحد ثم يقام عليه الحد سواء كانت المرأة حية أو ميتة. إن كانت حية فلا إشكال لأنه صار قاذفاً حية محصنة. وإن كانت ميتة فلا بد أن يصير قاذفاً لها بالقذف السابق عند الإكذاب، فيصير قاذفاً لها وهي ميتة. ومن قذف ميتة كان على القاذف الحد؛ وهذا إذا كان الولد حياً لأن الحي محتاج إلى أن يتشرف بالنسب ويتجمل به، فلا يصح دعوته، فإن ترك هذا الولد المنفي ابناً أو ابنة، أو ابن ابن فادعاه الملاعن صحت دعوته، لأن الميت إن استغنى عن النسب فولده محتاج إليه حتى يثبت نسبه من الحد فيتشرف به، وحاجة ولده وهو بعضه كحاجة نفسه. ولو كان المنفي محتاجاً إلى النسب أليس أنه يصح دعوته، فكذا إذا كان بعضه محتاجاً إليه، ولو كان الولد المنفي ابنة، وتركت ابنة وابناً ثم أكذب الملاعن نفسه لم يصدق، ولم يرث في قول أبي حنيفة وفي قولهما يصدق ويرث. فوجه قولهما: أن ولد الابن كما هو محتاج إلى نسب أبيه، فولد الابنة يحتاج إلى نسب أمه؛ لأن الإنسان كما ينسب إلى أبيه، وكما يتشرف بشرف الأب يتشرف بشرف الأم، ويصير كريم الطرفين فكان في الفصل الأول جعل بقاء ولد الولد المنفي كبقاء الولد المنفي، فكذا في هذا الفصل يجعل كذلك، ولأبي حنيفة ﵀: أن هذا الولد غير

стр. 4327

منسوب إلى الملاعن لأن نسب الولد إلى قوم أبيه لا إلى قوم أمه، فلا يلاعن نفسه في حقه بخلاف الفصل الأول. وإذا لاعن الرجل بجارية، وألزمها الأم ثم أراد ابن الملاعن أن يتزوجها لم يكن له ذلك، ويفرق بينهما، وكذلك الملاعن نفسه لو ادعى أنه لم يدخل بالأم، وتزوج بالبنت فرق بينهما؛ وهذا لأن النسب باقٍ في حق حرمة المناكحة كما في حق حرمة قطع الزكاة عنده، وقبول الشهادةبيانه أن النسب، وإن انقطع باللعان حقيقة إذا كان ممكن الإعادة يعتبر قائماً حكماً، هذا أصل متمهد في قواعد الشرع. فإذا كان النسب بعد اللعان منقطعاً حقيقة قائماً حكماً، كان قائماً من وجه، منقطعاً من وجه، فاعتبرناه منقطعاً في حق الميراث والنفقة، فاعتبرناه قائماً في حق حرمة وضع الزكاة، وقبول الشهادة أخذا بالاحتياط في كل فصل. ولأجل ما ذكرنا قلنا بأنه لا يصح دعوى غيره نسب ولد الملاعنة لأن النسب من الأول باق من وجه. نوع آخر في بيان ولد المطلقة طلق الرجل امرأته ثم جاءت بولدين؛ فهذه المسألة على وجهين: إما أن كان الطلاق رجعياً. أو بائناً، وكل وجه من ذلك على ثلاثة أوجه: إما إن جاءت بهما لأقل من سنتين. أو جاءت بهما لأكثر من سنتين بيوم. وبالآخر من سنتن بيوم، وبدأ محمد في الكتاب بالطلاق الرجعي. فقال: إذا جاءت بولدين لأقل من سنتين من وقت الطلاق، ولم تقر المرأة بانقضاء العدة فنفى الزوج الولد الأول، ثم ولدت الثاني؛ فهما ابناه لأنهما ولدا لنكاح، ونسب ولد النكاح لا ينقطع إلا باللعان، واللعان ههنا يتعذر. بيانه: أن المرأة وإن كانت منكوحة له وقت نفي الولد الأول بقيام العدة إلا أنها لما ولدت الثاني بعد ذلك فقد انقضت عدتها، وانقضاء العدة في الطلاق الرجعي بقطع النكاح، وانقطاع النكاح بعد النفي يمنع جريان اللعان لقيام الزوجية وقت النفي والعقد متى انعقد موجباً للعان لا يوجب الحد بعد ذلك إلا بإكذاب الملاعن نفسه، ولم يوجد الإكذاب ههنا. وإن جاءت بهما لأكثر من سنتين، وقد نفى الأول فلأنة لا يلاعن بينهما لقطع النكاح، وقطع النسب يكون موقوفاً إن نفى الثاني قطع نسبهما منه وإلا فلا يلاعن بينهما لقطع النكاح لأنا نتيقن أن العلوق بالولدين من وطء بعد الطلاق لأن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين عندنا، فصار الزوج مراجعاً لها، فولادة الولد الثاني حصلت بعد رجعته الزوج، فيكون النكاح قائماً، وقت ولادة الولد الثاني، وهما من أهل اللعان بينهما، وإنما كان قطع النسب موقوفاً على نفي الثاني، لأن نفي الأول لا يكون نفياً للثاني في حق اللعان (٢٢٥أ٤) فبقي الثاني ثابت النسب، وثبوت نسب أحدهما يوجب ثبوت نسب الآخر، فلهذا توقف قطع النسب على نفي الثاني.

стр. 4328

فإن قيل: كان ينبغي ألا يقطع نسبهما، وإن نفى الثاني لأنا حكمنا بكون الولدين مخلوقين من مائه لما حكمنا بالرجعة، وكون الولد مخلوقاً من مائه يمنع قطع النسب باللعان كما لو كان مقراً به. قلنا: اختلفت عبارة المشايخ في الجواب: فعبارة بعضهم: أن الحكم بكون الولد مخلوقاً من مائه لو ثبت إنما يثبت إذا ثبت الحكم بالرجعة بوطء الزوج ولم يحكم بالرجعة بوطء الزوج؛ لأن الرجعة كما تثبت بالوطء تثبت بدواعي الوطء وبمقدماته، وهي اللمس عن شهوته. وعبارة بعضهم وهو الأصح: أنّا وإن حكمنا بكون الولدين مخلوقاً من مائه، فإنما حكمنا به بالرجعة، والرجعة مما تقبل الإبطال بعد ثبوتها فإنه لو طلقها ثلاثاً بعد الرجعة تبطل الرجعة، والحكم بكون الولد مخلوقاً من ماء الإنسان إذا كانت بسبب حكم يقبل الطلاق لا يمنع القطع باللعان، ألا ترى أن قبل النفي حكمنا بكون الولد مخلوقاً من مائه لما حكمنا بثبات النسب، ثم لم يمنع ذلك جريان اللعان، وقطعه به لما كان النسب يقبل القطع والإبطال بعد الثبوت. وإن جاءت بأحدهما لأقل من سنتين بيوم، وجاءت بالآخر لأكثر من سنتين بيوم، ونفى الزوج الأول منهما، فالجواب فيه عند أبي حنيفة وأبي يوسف كالجواب فيما إذا جاءت بهما لأقل من سنتين؛ لأنهما يجعلان الثاني تبعاً للأول لأنه لا بد من جعل أحدهما تبعاً للآخر لأنهما خلقا من ماء واحد فكان جعل اللاحق تبعاً للسابق أولى لأن للسبق إبراء في كثير من الأحكام. وعند محمد الجواب فيه كالجواب فيما إذا جاءت بهما لأكثر من سنتين لأنه يجعل الأول تبعاً للثاني لأن العلوق بالثاني متيقن أنه بعد الطلاق لأن الولد لا يبقى في الولد أكثر من سنتين والعلوق بالأول مشكوك يجوز أن يكون بعد الطلاق، ويجوز أن يكون قبله، ولا شك بأن جعل المتيقن أصلاً أولى هذا الذي ذكرنا إذا كان الطلاق رجعياً. فإن كان الطلاق بائناً، فإن جاءت بهما لأقل من سنتين من وقت الطلاق فهما ابناه لأنهما ولدا لنكاح وتعذر قطع نسبهما باللعان لانقطاع الزوجية، وعلى الزوج حد القذف لأنه قذفها وهي أجنبية محصنة. وإن جاءت بهما لأكثر من سنتين؛ لا يثبت نسبهما من الزوج، ولا حد على الزوج، وإن قذفها وهي أجنبية لما أنها في صورة الزانيات، ولأن في حجرها ولد لم يثبت نسبه من أحد. وإن جاءت بأحدهما لأقل من سنتين بيوم، وجاءت بالآخر لأكثر من سنتين؛ فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف، هذا وما لو جاءت بهما لأكثر من سنتين سواء. وإذا طلق الرجل امرأته واحدة بائنة، وقد دخل بها ثم تزوجها ثانياً، ثم جاءت بولد لأقل من ستة أشهر من وقت النكاح الثاني فنفاه فإنه يلاعن بينهما لقيام النكاح بينهما في الحال ويفرق بينهما، والولد ثابت النسب من الأب.

стр. 4329

لأنا تيقنا أن العلوق به كان في النكاح الأول، والنكاح الأول قد انقطع، والنكاح الذي منه الولد إذا انقطع لا يمكن قطع نسب الولد بعد ذلك باللعان لأن الولد فرع النكاح ولا يمكن قطع ذلك النكاح باللعان، فكذا قطع نسب ولد يكون منه. وإن جاءت به لستة أشهر فصاعداً فإنه يلاعن ويقطع نسب الولد لأن علوق هذا الولد من النكاح الثاني لأن الوطء حلال للزوج فيحال به على أقرب الأوقات، فالنكاح الذي منه هذا الولد قائم فيجوز نسبه باللعان. نوع آخر في نفي ولد المنكوحة إذا كانت أمته وإذا كانت منكوحة الرجل أمة جاءت بولد فهذا على وجهين: الأول: إن جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت النكاح، وفي هذا الوجه إن ادعاه الزوج لا يثبت نسبه إلا بتصديق المولى، لأن علوق هذا الولد كان في ملك المولى فيحتاج إلى تصديق المولى لثبات نفسه كما قبل النكاح، وإن نفاه لا يلزمه لأنه لا يلزم بدون النفي، ففي النفي أولى. الوجه الثاني: أن تجيء به لستة أشهر فصاعداً من وقت النكاح، وفي هذا الوجه يثبت نسب الولد منه ادعاه أو لم يدع لأنه ولد النكاح، وإن نفاه لا يلاعن بينهما لأن اللعان لا يجري بين الحر والأمة، ولا ينتفي نسب الولد لأن نسب ولد المنكوحة لا ينتفي إلا باللعان، ولا لعان بينهما؛ ولا حد عليه لأنها ليست بمحصنة، فإن كان المولى أعتق الأمة، ثم جاءت بولد فهو على وجهين: الأول: أن تجيء بالولد لأقل من ستة أشهر من وقت العتق، وأنه على وجهين أيضاً: الأول: أن يدعي الزوج الولد وفي هذا الوجه يثبت نسب الولد من الزوج اختارت زوجها أو نفسها قبل الدعوى أو بعد الدعوى، إن اختارت زوجها فلأن النكاح قائم وقت العلوق، ووقت الدعوى، وذلك كاف لثبات النسب بدون الدعوى، فمع الدعوى أولى، وإن اختارت نفسها حتى ماتت، فكذلك إن اختارت نفسها بعد النكاح فظاهر، وإن اختارت نفسها قبل الدعوى؛ فلأن النكاح إن كان منقطعاً وقت الدعوى فقد كان قائماً وقت العلوق، وإن كان لثبات النسب من غير دعوى فمع الدعوى أولى. الوجه الثاني: أن ينفي الزوج الولد؛ وفي هذا الوجه، وإن اختارت زوجها فنسب الولد ثابت منه، ويتلاعنان بقطع النكاح، أما نسب الولد فلأنه ولد النكاح؛ وتعذر قطعه باللعان لأنهما لم يكونا من أهل اللعان وقت العلوق. وأما التلاعن بقطع النكاح فلأن النكاح قائم وقت النفي، وهما من أهل اللعان وقت النفي فيتلاعنان بقطع النكاح إن كانا لا يتلاعنان بقطع النسب، وهو نظر ما لو نفى ولد امرأته بعدما أقر به، فإنهما يتلاعنان بقطع النكاح؛ لا بقطع النسب؛ كذا ههنا، وإن اختارت نفسها؛، فإن كان ذلك قبل نفي الولد ثم نفى الزوج الولد فنسب الولد ثابت من

стр. 4330

الزوج ولا يلاعن لأنه لا نكاح بينهما وقت النفي؛ لأنه ثابت باختيارها نفسها قبل النفي، ولا يقام اللعان بعد البينونة، ويجب الحد على الزوج لأنها محصنة وقت القذف. وإن كان اختيارها نفسها بعد النفي قبل إقامة اللعان فالولد ثابت النسب من الزوج، ولا لعان لأنها بانت من زوجها، ولا حد أيضاً لأن القذف انعقد موجباً للعان لأنها كانت محصنة وقت القذف منكوحة للقاذف، والقذف متى انعقد موجباً للعان لا يوجب الحد إلا إذا أكذب الملاعن نفسه؛ ولم يوجد ذلك ههنا، هذا إذا جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر من وقت العتق. فأما إذا جاءت بالولد لستة أشهر فصاعداً من وقت العلوق، فإن ادعى الزوج الولد، فالولد ثابت النسب منه ولا حد ولا لعان في الوجوه كلها، وإن نفاه فهو على وجهين: إن اختارت زوجها، فهما يتلاعنان بقطع نسب الولد، فيه قياس واستحسان، القياس: أن لا يقطع، وفي الاستحسان: يقطع على ما مر. وإن اختارت نفسها قبل نفي الولد، فإن الولد ثابت النسب من الزوج ولا لعان لأنه قذفها وهي أجنبية، ولكن يجب الحد لأنها محصنة وقت القذف. وإن اختارت نفسها بعد النفي قبل إقامة اللعان؛ فالولد ثابت النسب من الزوج، ولا لعان ولا حد لما مر. رجل تحته أمة اشتراها من مولاها؛ ثم جاءت بالولد، فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت الشراء فالولد ثابت النسب من الزوج سواء كانت المرأة مدخولاً بها أو غير مدخول بها لأنه ولد النكاح بيقين، وولد النكاح ثابت النسب، فإن نفاه الزوج في هذه الصورة فالولد ثابت النسب من الزوج، ولا لعان بينهما، إما لأن المقذوف أمة، أو لأن النكاح قد انقطع وقت القذف، ولا حد أيضاً لأن القذف صادف أمة، وإن جاءت بالولد لستة أشهر فصاعداً إلى سنتين من وقت الشراء (٢٢٥ب٤) ، فإن ادعاه الزوج ثبت النسب منه، وإن نفاه لا يثبت النسب منه سواء كانت مدخولاً بها أو غير مدخول بها لأنه ولد الأمة. بيانه: أن العلوق حادث والأصل في الحادث أن يحال بحدوثها على أقرب الأوقات إلا لضرورة، وذلك بأن يتضمن إحالتها على أقرب الأوقات نسبة الزوج إلى ارتكاب الحرام كما في الطلاق البائن، فإن الوطء بعد الطلاق البائن حرام على الزوج، فيحال بالعلوق على أبعد الأوقات وهو ما قبل النكاح صيانة له عن النسبة إلى الحرام، أو يتضمن خلاف السنة بأن يصير الزوج مراجعاً بالوطء فيحال بالعلوق على أبعد الأوقات صيانة للزوج عن النسبة إلى مخالفة السنة، وهذه الضرورة معدومة في مسألتنا؛ لأن الوطء حلال للزوج بعد الشراء بملك اليمين، ولا يصير مراجعاً بالوطء بعد الشراء فيحال بالعلوق على ما بعد الشراء، فهو معنى قولنا: إن ولد الأمة، وولد الأمة لا يثبت نسبه بدون الدعوى، فمع النفي أولى. رجل تحته أمة اشتراها من مولاها فأعتقها ثم جاءت بالولد؛ هذه المسألة على ثلاثة أوجه:

стр. 4331

الأول: أن تجيء بالولد لأقل من ستة أشهر من وقت العتق، فإن ادعاه ثبت نسبه منه سواء كانت المرأة مدخولاً بها أو غير مدخول بها، لأنها إن جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر من وقت الشراء فهذا ولد النكاح. وإن جاءت به لستة أشهر من وقت الشراء فهذا ولد أمته وقد ادعاه، ومن ادعى ولد أمته يثبت النسب منه، وإذا ثبت النسب منه صارت الجارية أم ولد له، لأنه ملك جارية له منها ولد؛ وهو ثابت النسب منه. وأما إذا نفاه الزوج إن جاءت به لأقل من ستة أشهر من وقت الشراء لا ينتفي نسبه، ولا لعان بينهما لانقطاع النكاح، ويجب حد القذف؛ لأن المقذوف محصنة أجنبية من القاذف وقت القذف، وإن جاءت به لستة أشهر من وقت الشراء، فإن نسب الولد لا يثبت منه، لأنه ولد أمة لما بينا أن العلوق حادث يحال به على أقرب الأوقات ما أمكن، ولا لعان لانقطاع النكاح، ولا حد على الزوج لأن في حجرها ولد غير ثابت النسب من أحد فكانت في صورة الزانيات. الوجه الثاني: إذا جاءت بالولد لستة أشهر فصاعداً إلى سنتين من وقت العتق، فإن ادعى الزوج نسب الولد ثبت نسبه منه سواء كانت المرأة مدخولاً بها أو غير مدخول بها، وإن نفاه إن كانت المرأة غير مدخول بها؛ لا يثبت نسبه منه عندهم جميعاً، وإن كانت المرأة مدخولاً بها ونفاه، أو لم ينفِ، ولم يدعُ بل سكت؛ اختلفوا فيه؛ قال أبو يوسف ﵀: لا يثبت نسبه من الزوج، ولا يضرب الحد إذا نفى، وقال محمد ﵀: يثبت النسب من الزوج ويضرب الحد إذا نفى، وجه قول محمد أنَّ هذه معتدة قد ثبت نسب ولدها من صاحب العدة إلى سنتين، وإنما قلنا: هذه معتدة قد ثبت نسب ولدها من صاحب العدة إلى سنتين لأن العدة قد وجبت بالفرقة الشرعية بالشراء، وظهر بالعتق حتى لزمها الإيفاء عن محظورات العدة، وحرم على الزوج، ولا يحل له أن يتزوج بأختها وأربع سواها، بخلاف ما لو لم يعتقها، وجاءت بالولد لستة أشهر من وقت الشراء، فإنه لا يثبت نسبه من غير دعوى لأنا قلنا: معتدة جاءت بولد، وقيل: العتق بعد الشراء لا تظهر العدة في حق المولى، فإن شيئاً من أحكامها لا يظهر في حق المولى، فكان بمنزلة المطلقة قبل الدخول بها من هذا الوجه. وأما أبو يوسف يقول بأن هذه ولد الأمة فلا يثبت نسبه بدون الدعوى قياساً على ما لو لم يعتقها. بيانه: أن العلوق حادث، فيحال بالحدوث على أقرب الأوقات ما أمكن، وأمكن إحالته إلى ما بعد الشراء؛ لأن الوطء حلال للمولى بعد الشراء بملك اليمين، ولا يصير المولى بالوطء مراجعاً حتى يصير مخالفاً للسنة، بخلاف المطلقة بعد الدخول بها إذا جاءت بولد؛ لأن الوطء حرام على الزوج بعد الفرقة إن كان الطلاق بائناً، وإن كان رجعياً يصير الزوج مراجعياً بها لوطء، وإنه خلاف السنة، فأحيل به على حال النكاح،

стр. 4332

فكان ولد منكوحة، وإذا لم يثبت النسب من الزوج عند أبي يوسف لم يجب الحد وإن نفى، فإن في حجرها ولداً غير ثابت النسب من أحد، وعند محمد لما ثبت النسب لا يجب الحد، وإن نفى إذ ليس في حجرها ولد غير ثابت النسب من أحد. الوجه الثالث: إذا جاءت بالولد لأكثر من سنتين من وقت العتق؛، فإن ادعاه الزوج ثبت نسبه منه، وإن نفاه لا يثبت نسبه منه عندهم كما في المطلقة، وإذا لم يثبت نسب الولد من النكاح لا يجب الحد لما ذكرنا. رجل تحته أمة اشتراها ثم باعها من غيره، ثم جاءت بولد بعد البيع، فهذه المسألة على وجوه أيضاً: الأول: أن تجيء بالولد لأقل من ستة أشهر من وقت شراء الزوج إياها، وفي هذا الوجه ثبت نسبه منه، ادعاه أو سكت؛ لأنه ولد النكاح، وولد النكاح ثابت النسب من الزوج ادعاه أوسكت، وإذا ثبت النسب ظهر بطلان بيع الزوج؛ لأنه ظهر أنه باع أم ولده وولده الحر فوجب على الزوج رد الثمن، وإن نفاه لا ينتفي نسبه أيضاً، لأن نسب ولد النكاح لا ينقطع إلا باللعان، وتعذر إقامة اللعان ههنا لانقطاع النكاح، وتكون المقذوفة أمته. الوجه الثاني: إذا جاءت بالولد لستة أشهر فقط منذ اشتراها الزوج فادعاه الزوج فالجواب فيه كالجواب فيما إذا جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر منذ اشتراها الزوج، لأنها ولدت لستة أشهر منذ اشتراها الزوج، لأنها ولدت لأقل من ستة أشهر منذ باعها الزوج، لأنها ولدت لستة أشهر منذ اشتراها فيكون لأقل من ستة أشهر منذ باعها، ومن باع جارية وجاءت بولد لأقل من ستة أشهر منذ باعها، وادعاه البائع صحت دعوته. الوجه الثالث: إذا جاءت بالولد لأكثر من ستة أشهر منذ بيع الزوج وادعاه الزوج ثبت نسب الولد منه من غير تصديق المشتري وبطل كما لو باع أمة لم تكن زوجة له وجاءت بولد عند المشتري لأقل من ستة أشهر من وقت البيع، وإن نفاه الزوج في هذه الصورة لا يثبت نسبه، لأنه ولد الأمة ولم يدع نسبه، وإذا لم يثبت النسب، ففي البيع على حاله، وإن جاءت بالولد لستة أشهر فصاعداً إلى سنتين من وقت بيع الزوج، وادعاه، فإن كانت المرأة غير مدخول بها لا يثبت نسبه إلا بتصديق المشتري، كما لو باع أمة لم تكن زوجة له وجاءت بولد لستة أشهر فصاعداً إلى سنتين من وقت البيع، وادعاه البائع، وإذا صدقه المشتري حتى ثبت النسب بطل البيع، وإن كانت المرأة مدخولاً بها، وباقي المسألة بحاله، كان أبو يوسف يقول أولاً تصح دعوته من غير تصديق المشتري؛ وهو قول محمد. ووجه ذلك: أن هذه ولد المعتدة، لأن المعتدة وجبت بالفرقة الواقعة بالشراء، وظهر بالبيع حتى لا يحل للمشتري أن يقربها ما لم تنقض عدتها، والمعتدة إذا جاءت بولد إلى سنتين يثبت نسبه من صاحب العدة من غير تصديق ودعوى، كما في المطلقة، وكما لو أعتقها الزوج في هذه الصورة على قول محمد، وإنما شرط محمد رحمه الله

стр. 4333

الدعوى ههنا لثبات النسب، وإن كان ولد المعتدة لأجل الضرورة لأنها متى لم يشترط الدعوى وأثبتها النسب بدون الدعوى ابتداءً لزمنا اشتراط الدعوى انتهاءً. بيانه: أنه متى ثبت النسب بدون الدعوى ينتقض البيع، وصار كأنه لم يبع، ولو لم يبع، وجاءت بالولد لستة أشهر منذ اشتراها الزوج لا يثبت النسب إلا بالدعوى فيثبت، أما لو لم يشترط الدعوى ابتداءً، لشرطناها انتهاءً، فشرطناها من الابتداء لهذه الضرورة بخلاف ما لو أعتقها على أصل محمد ﵀، لأن هناك لو لم تشترط الدعوى في الابتداء إثبات النسب لا يلزمها اشتراطها في الانتهاء؛ لأنها إذا جاءت بالولد بعد العتق لا ينتقض العتق، وبخلاف ما لو لم تكن المرأة مدخولاً بها لأن هناك بالشراء وقعت الفرقة قبل الدخول من غير عدة، وكان ولد أمة لا ولد معتدة، وجه قول أبي يوسف الآخر أن هذا ولد الأمة لأن العلوق بحال (٢٢٦أ٤) على ملك اليمين على ما مر في فصل العتق فقد جاءت بالولد بعد البيع لستة أشهر فإذا ادعاه البائع يجب ألا تصح دعوته من غير تصديق المشتري، كما لو لم تكن الأمة زوجة له، هذا إذا ادعاه، وإن نفاه لا يثبت نسبه عندهم جميعاً. إذا جاءت بالولد لأكثر من سنتين من وقت بيع الزوج، إن ادعاه الزوج لا يثبت نسبه إلا بتصديق المشتري عندهم جميعاً، أما عند أبي يوسف الآخر فلأنها إذا جاءت به إلى سنتين لا يثبت النسب إلا بتصديق المشتري فههنا أولى، وأما عند محمد فلأنه يعتبرها بالمعتدة، والمعتدة إذا جاءت بالولد لأكثر من سنتين من وقت الفرقة لا يثبت النسب من غير دعوى، فههنا كذلك، وإن نفاه لا يثبت النسب عندهم جميعاً. رجل تحته أمة رجل، اشتراها ثم باعها من آخر فولدت في يد المشتري ولداً، وأعتق المشتري الولد، ثم ادعاه البائع وقد كان دخل بها في النكاح، فهذا على وجهين أيضاً: الأول: أن تجيء بالولد لأقل من ستة أشهر منذ اشتراها الزوج، وفي هذا الوجه يثبت نسب الولد من الزوج، ادعاه الزوج أو لم يدعِ، لأنه ولد النكاح وبطل البيع، وبطل عتق المشتري لأنه ثبت أنه باع أم ولده، وأن الولد كان حراً، وإن جاءت به لستة أشهر منذ اشتراها الزوج لا يثبت نسبه منه، لأنه ولد الأمة فلا تصح فيه دعوى البائع بعدما أعتقه المشتري، كما لو لم تكن الأمة زوجة له. وإن لم يكن المشتري أعتق الولد ولكن أعتق الأم، فهذا على ثلاثة أوجه: الأول: إذا جاءت به لأقل من ستة أشهر منذ اشتراها الزوج؛ وفي هذا الوجه صحت دعوته في حق الأم والولد جميعاً، لأنه ولد النكاح فكان ثابت النسب من الزوج، وإن لم يدعه وظهر أنه باع أم الولد فظهر بطلان البيع وظهر بطلان إعتاق المشتري، وإن جاءت به لستة أشهر فصاعداً منذ اشتراها الزوج، فإن كان لأقل من ستة أشهر منذ

стр. 4334

باعها لا يثبت النسب إلا بالدعوى لأنه ولد الأمة، وإذا ادعى صحت دعوته في حق الولد، ولم تصح دعوته في حق الأم، كما لو باع أمة ليست بزوجة له وجاءت بالولد لأقل من ستة أشهر من وقت البيع فأعتق المشتري الأم ثم ادعى البائع الولد صحت دعوته في حق الولد من غير تصديق المشتري حتى يرد الولد على البائع، ولا يسلم للبائع ما قبض من حصته من الثمن، ولم تصح دعوته في حق الأم حتى لا ترد الأم على البائع ويسلم للبائع ما قبض من حصتها من الثمن؛ كذا ههنا، وإن جاءت بالولد لأكثر من ستة أشهر منذ باعها الزوج فإنه لا تصح دعوته إلا بتصديق المشتري عند أبي يوسف الآخر، وعند محمد تصح دعوته إلى سنتين من غير تصديق المشتري إذا كانت مدخولاً بها لمكان العدة، وهو قول أبي يوسف الأول، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم. وإن جاءت به لأكثر من سنتين منذ اشتراها فسواء جاءت لأقل من سنتين أو لأكثر من سنتين منذ باعها الزوج لا تصح دعوى الزوج إلا بتصديق المشتري، إلا إذا جاءت بالولد لسنتين من وقت البيع وصدقه المشتري ينتقض البيع، وإن جاءت به لأكثر من سنتين من وقت البيع لا ينتقض البيع. وإذا طلق الرجل امرأته الأمة تطليقة بائنة ثم أعتقت ثم جاءت بالولد إلى سنتين منذ طلقها فإنه يلزمه إياه، فإنه ولد النكاح؛ لأن العلوق ههنا محال به على أبعد الأوقات وهو وقت النكاح؛ لأن الوطء حرام بعد النكاح، ويضرب الزوج الحد لأنه قذفها وهي محصنة أجنبية من القاذف. وولاء الولد لمولى الأم لأنه معتق.... إلا أنا حكمنا بوجوده وقت إعتاق الأم حيث أحلنا العلوق على حال النكاح، والمعتق...... لا يتبع أحداً في الولاء، ويكون ولاؤه للمعتق، قال ﵇: «الولاء للمعتق» ، ولو مات الأب وقد أعتقت بعده بيوم، وجاءت بالولد إلى سنتين فالجواب فيه، والجواب فيما إذا طلقها سواء، لأن العدة كما تجب بالطلاق تجب بالموت، وإذا كانت امرأة الرجل أمة، فولدت منه ولداً فاشتراها الزوج وأعتقها تزوجها، ثم ولدت ولداً آخر لستة أشهر فصاعداً منذ تزوجها فنفاه لاعن القاضي بينهما، ولزم الولد أمه، أما اللعان فلأنهما من أهل اللعان وقت النفي، ويقطع نسب الولد؛ لأن العلوق يحال به على أقرب الأوقات وهو ما بعد النكاح، وهما من أهل

стр. 4335

اللعان في ذلك الوقت، وإن جاءت به لأقل من ستة أشهر منذ تزوجها آخر أو لأكثر من ستة أشهر منذ اشتراها يلاعن ويلزم الولد أباه، لأنها بالشراء صارت أم ولد له، فإذا جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر من وقت النكاح الأخير علمنا أن العلوق كان سابقاً على هذا النكاح فكان ولد أم الولد ونسب ولد أم الولد لا ينتفي بمجرد النفي بعدما ثبت فيها العتق، واللعان متعذر؛ لأن حالة العلوق لم يكونا من أهل اللعان، ولو جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر منذ اشتراها لاعن القاضي بينهما، ولزم الولد أمه، لأن العلوق كان في حال النكاح حال ما لا يجري بينهما اللعان، ويضرب الحد إذا كانت أم الولد مسلمة لأنها محصنة، ولو صدقته المرأة أن الولد ليس منه لم يصدقا على الولد لأن النسب من حق الولد وقد استحق النسب لأنه ولد النكاح، فلا يصدقان على إبطال حقه والله أعلم. نوع آخر من المسائل التي تتعلق بأم الولد الجارية إذا كانت بين رجلين جاءت بولد فادعياه حتى يثبت النسب منهما، ثم جاءت بولد آخر بعد ذلك لم يثبت نسبه من غير دعوى منهما، وإن كانت الجارية أم ولد لهما ونسب ولد أم ولد يثبت بدون الدعوى، والوجه فيه ما ذكرنا: أن نسب ولد أم الولد إنما يثبت بدون الدعوى إذا كانت أم الولد بحال يحل للمولى وطؤها، أما إذا كانت بحال لا يحل للمولى وطؤها لا يثبت نسب ولدها بدون الدعوى، وإن ادعاه أحدهما ثبت النسب منه، وضمن لشريكه نصف عقرها، ولا يضمن من قيمة الولد شيئاً عند أبي حنيفة، لأن ولد أم الولد بمنزلة أم الولد، ومالية أم الولد غير متقومة عند أبي حنيفة ﵁؛ لأن ولد أم الولد غير متقوم عند أبي حنيفة؛ حتى لو أعتقها أحد الشريكين لا يضمن لشريكه شيئاً، فكذا مالية ولدها، وعندهما مالية أم الولد متقومة لو أعتقها أحد الشريكين يضمن لشريكه نصف قيمتها إن كان موسراً، وسعت في نصف قيمتها إن كان المعتق معسراً، فكذا مالية ولد أم الولد. وإذا أعتق الرجل أم ولده ثم تزوجها، فجاءت بولد فنفاه المولى، فإن جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر منذ تزوجها فإنهما يتلاعنان؛ لأنهما من أهل اللعان وقت القذف، والنكاح بينهما قائم، ولزم الولد أباه هكذا ذكر محمد ﵀ في «الأصل» ، قال شمس الأئمة السرخسي: تأويل المسألة: إذا جاءت بالولد لأقل من سنتين منذ أعتقها حتى لا ثبت النسب من المولى؛ باعتبار زوال الفراش إلى عدة، والشيخ الإمام شيخ الإسلام خواهر زاده أجرى المسألة على إطلاقها من غير تأويل، قال: العلوق كان في حال كونها أم ولد له، وقد حدث العتق فيها من قبل المولى، ونسب ولد أم الولد لا ينتفي بمجرد النفي بعدما حدث العتق في الأم، وإنما ينتفي بمجرد النفي، قبل حصول العتق، فلا ينتفي بمجرد النفي ههنا، واللعان متعذر؛ لأنهما لم يكونا من أهل اللعان حال ما حصل العلوق أنها كانت أم ولد في تلك الحالة، وإن جاءت بالولد لأكثر من سنتين منذ تزوجها، فإنهما يتلاعنان، ويقطع نسب الولد استحساناً، فإذا مات الرجل وترك امرأة (فجاءت ب) ولد فأقر الوارث أنها ولدت هذا الغلام من الميت، فإن لم يكن هناك للمقر

стр. 4336

منازع ثبت نسب الغلام من الميت ويرث ولا يشترط العدد في المقرين، ولا لفظة الشهادة، فإن كان (٢٢٦ب٤) للمقر منازع يشترط العدد باتفاق الروايات، ولا يشترط العدالة باتفاق الروايات، وهل يشترط لفظة الشهادة؟ فيه روايتان: رجل باع أم ولده من رجل؛ والمشتري يعلم به، فجاءت بولد وادعاه المشتري، لا يثبت نسبه منه وهو ابن البائع، لأنه ولد على فراشه؛ لأن أم الولد فراش المولى، ولا يبطل هذا الفراش بالبيع لأن بيع أم الولد باطل، فإذا نفاه المولى فقد انتفى نسبه من المولى، والمشتري يدعيه فيثبت نسبه من المشتري كيلا يبقى بلا أب، وكذلك إذا لم يعلم المشتري بكونها أم ولد للبائع كان الجواب كما قلنا إلا أن في هذه الصورة إذا نفى البائع الولد يكون الولد حراً على المشتري بالقيمة لأن المشتري صار مغروراً ههنا، بخلاف الوجه الأول، فإن هناك الولد لا يكون حراً على المشتري إذا نفاه البائع، وإن ثبت النسب من المشتري لأن المشتري هناك لم يصر مغروراً. اشترى جارية وظهر بها الحبل بعد أيام فخاصم المشتري البائع، فقال البائع: امسكها، فإن كان في بطنها ولد فهو مني، فاسقطت هذه الجارية سقطاً مستبين الخلقة لأقل من أربعة أشهر منذ قال هذه المقالة، فالولد ثابت النسب من البائع والجارية أم ولد له لأنه تبين أن الولد كان موجوداً في البطن وقت إقراره لأن الولد منه، وكان عليه أن يرد على المشتري بما أخذ من الثمن لأنه تبين أن الولد وقع باطلاً. نوع آخر يتصل بهذا النوع جارية بين اثنين؛ قال أحدهما: هذه أم ولدي وأم ولدك، أو قال: أم ولدك وأم ولدي، أو قال: أم ولدنا، فإن صدقه صاحبه في ذلك صارت الجارية أم ولد لهما فرق بين هذا وبينما إذا ولدت ولداً، فقال أحدهما لصاحبه: هو ابنك وابني، أو قال: ابننا حتى ثبت النسب من المقر صارت الجارية أم ولد للمقر. والفرق: أن المقر هناك أقر بنسب الولد مقصوداً وبأمية الولد تبعاً لما ذكرنا أن أمية الولد تبع لثبات النسب وحكم البيع يوجد من الأصل فإذا ثبت نسب الولد من المقر خاصة لأنه لا يقبل الشركة والتجزؤ صارت الجارية أم ولد للمقر بطريق التبعية أيضاً، أما ههنا أقر بأمومية الولد مقصود لا تبعاً فيعتبر حكمها بنفسها، ومن حكم الاستيلاد أنه يقبل الشركة والتجزؤ إذا وقع حمله. ولهذا قلنا: إذا جاءت الأمة المشتركة بين رجلين بولد فادعياه حتى يثبت النسب منهما صارت الجارية أم ولد بينهما، ولولا أن الاستيلاد يقبل الشركة والتجزؤ وإلا لصارت الجارية أم ولد لكل واحد منهما كملاً ألا ترى أن النسب لما كان لا يتجزأ إذا ثبت النسب منهما ثبت من كل واحد منهما كملاً، حتى لو ماتا ورث من كل منهما ميراث ابن كامل إذا ثبت أن الاستيلاد يتجزأ في هذه الصورة فيقول المقر: أقر أن الاستيلاد وجد منهما وقد صدقه صاحبه فيه، فكأنهما ادعيا ذلك جميعاً معاً، فلهذا صارت الجارية أم ولد لهما، ولا ضمان لواحد منهما على الآخر كما لو ادعيا معاً، وإن كذبه صاحبه في

стр. 4337

ذلك ضمن المقر لشريكه نصف قيمتها موسراً كان أو معسراً إلا أنه يصير متملكاً نصيب شريكه بزعم شريكه إن كان لا يصير متملكاً بزعمه لأن في زعمه أن ذلك النصف أم ولد الشريك وأم ولد الشريك لا يحتمل التملك ولكن الضمان حق الشريك فيعتبر التملك في حق الشريك، وقد وجد وضمن أيضاً نصف العقر لشريكه؛ لأن إقراره بوطء جارية مشتركة بينه وبين غيره ثم يكون نصف الجارية أم ولد للمقر ونصفها موقوف بمنزلة أم الولد، وإنما يوقف لما قلنا: إنه لما ضمن المقر نصيب الشريك فقد انعقد سبب الملك له في نصيب الشريك، فصار كأنه اشترى، وأقر بالاستيلاد على البائع، وهو ينكر وهناك يجب القول بالتوقف كذا ههنا. يوضحه: أن للشريك حق الرجوع إلى التصديق فربما يصدقه ساعة فساعة فتصير أم ولد بينهما فلأجل هذا التوهم أثبتنا التوقف، فإن عاد الشريك إلى التصديق صارت أم ولد بينهما أو يرد ما أحدث الضمان لإقراره أنه أخذ ما أخذ بغير حق، وإن لم يعد إلى التصديق فنصفها أم ولد للمقر ونصفها موقوف بمنزلة أم الولد تخدم المقر يوماً وتوقف يوماً وفي بعض النسخ يكتسب لنفسه يوماً، فإن مات أحدهما، ففي فصل التصديق عتقت أيهما مات لمعنى واحد أن نصيب الميت قد عتق بموته، فيتعدى إلى الباقي ولا سعاية عليها للحي في قول أبي حنيفة لما عرف من مذهبه أن أم الولد ليست بمال وعندهما عليها السعاية؛ لأن أم الولد مال عندهما، فقد أحبس عندهما نصيب الحي، وهو مال فيجب عليهما السعاية رداً لمال حبس عندهما، فقد احتبس عندهما، وفي فصل التكذيب كذلك تعتق أيهما مات، ولكن لمعنيين مختلفين إن مات المقر عتقت؛ لأن في زعم المنكر أن كلها أم ولد للمقر، وأنها عتقت بموته وزعمه معتبر في حقه ولا سعاية عليها للمنكر؛ لأن في زعم المنكر أنها خرجت عن ملكه وصارت كلها أم ولد للمقر وأنها عتقت بموته وزعمه معتبر في حقه ولا سعاية عليها للمنكر؛ لأن في زعم المنكر أنها خرجت عن ملكه وصارت كلها أم ولد للمقر، وأنها عتقت بموته وزعمه معتبر في حقه وقد أخذ الضمان من المقر فكيف يأخذ السعاية، وإن مات المنكر عتقت؛ لأن في زعم المقر أن نصفها أم ولد للمنكر وقد عتق ذلك النصف بموته فيتعدى إلى الباقي ولا سعاية عليها للمقر عند أبي حنيفة خلافاً لهما لما مر. رجلان بينهما جارية جاءت بولد فادعاه أحدهما ثبت النسب منه وحكم بحرية الولد وصارت الجارية أم ولد وضمن لشريكه نصف قيمتها موسراً كان أو معسراً، وهو نصف العقر وأصل المسألة معروف، فإن قال المدعي لصاحبه: إن هذه الجارية قد ولدت منك ولداً، وادعيته قبل أن تلد مني وصارت أم ولد لك وصدقه صاحبه في ذلك وكذبته الجارية، فإنهما لا يصدقان على الجارية وعلى ولدها حتى لا يبطل ما ثبت لهما من الحقوق من جهة المدعي ولا يبطل الضمان عن المدعي لأنا لما جعلناها أم ولد للمدعي فقد كذبنا المدعي في إقراره فبطل إقراره، فلهذا لم يبطل عنه الضمان ولكن يضمن المقر نصف قيمتها أم ولد باعتبار أن صاحبه لما أقر بثبوت الاستيلاد منه قبل هذا فقد أقر

стр. 4338

بفوات ذلك الجزء، ومن جهته فصار ميراثاً للمدعي عن فضل قيمتها فيه على قيمتها مدبرة، من مشايخنا من قال هذا قولهما. أما على قول أبي حنيفة: لا يضمن المقر للمقر له شيئاً، لأن أم ولد الولد غير متقوم عنده، وقيل لا بل هو قولهم جميعاً؛ لأن أمية الولد من جهة المقر له لم يثبت في الحكم، لأنها أم ولد للمقر في الحكم فصار متملكاً نصيبه، والتملك لا يكون مجاناً، لكن يضمن قيمتها أم ولد لما قلنا، والأول أشبه وأقرب الى الصواب، لأن إقرار المقر له بالاستيلاد قبل ذلك إبراء المقر عن الضمان أصلاً، لأن الاستيلاد يمنع التملك بعد ذلك، ولو وجب الضمان ههنا لوجب بالتملك، فإن اكتسبت الجارية إكساباً، أو قتلت هي أو ولدها، فذلك كله للمقر؛ لأنها أم ولد المقر والولد ابن المقر في الحكم، فلهذا قال: كل ذلك للمقر. ولو قال هذا المدعي للشريك: كنت أعتقتها أنت قبل هذا، وصدقه الشريك في ذلك، فالأمة تعتق لأن المقرر أقر بعتقها، وهو مالك الإقرار بعتقها، ولا ضمان على المقر في نصف قيمتها، ولا في نصف عقرها بخلاف فصل الاستيلاد عندهما. والفرق: أن الإقرار بالعتق قبل ذلك إقرار ببراءة المقر عن الضمان؛ لأن العتق ينافي ضمانها أصلاً، وهو يملك إنشاء الإبراء، فيصح الإقرار به، أما الإقرار بالاستيلاد ليس بإقرار ببراءته عن الضمان أصلاً؛ لأن الاستيلاد لا ينافي الضمان عندهما، على ما عرف في تلك المسألة، فلهذا افترقا. رجل في يديه أمة فوطئها، وولدت منه ولداً فادعى ولدها ثم قال: كانت هي أم ولد فلان فزوجنيها فولدت لي هذا الولد، وصدقه فلان في ذلك، فإن صدقتهما الأمة في ذلك أو كذبتها ولكن رجعت الى تصديقها قبل قضاء القاضي بكونها أم ولد للمقر فهي أم ولد للمقر، ويكون حكم ولدها كحكمها، فيعتقان إذا مات المقر له؛ لأن تصديقها في حق نفسها صحيح، وكذلك في حق الولد لأنها في يدها، وإنه لا يعبر عن نفسه، فصار كثوب أو دابة في يدها، فإن كبر الولد بعد ذلك وكذبها فيما أقرت، لم يلتفت الى تكذيبه، لأن إقرار الجارية قد نفذ عليه حين كان في يدها (٢٢٧أ٤) صغيراً لايعبر عن نفسه، فلا يتغير ذلك لصيرورته كبيراً معبراً عن نفسه كما قلنا في الملتقط إذا ادعى نسب اللقيط، ثم كبر اللقيط وكذبه لا يلتفت إلى تكذيبه، وطريقه ما قلنا، ولو لم تصدقه الجارية المقر ولم تكذبه حتى ماتت صدق المقر والمقر له؛ حتى كان الولد عبداً للمقر له؛ لأنا إنما كنا لا نصدقهما حال حياة الجارية لحق الجارية، وقد زال حقها، ولا يعتبر بحق الصغير؛ لأنه لا يعبر عن نفسه، وهو في يد المقر، فصار كثوب أو دابة في يده فيصح إقراره بالملك فيه للمقر، فإن كبر الولد وأنكر أن يكون عبداً للمقر له لم يلتفت إلى إنكاره لما قلنا. وإن كذبتهما الأمة، وثبتت على ذلك، فالقاضي يجعلها أم ولد للمقر؛ لأن أمية الولد للجارية، ونسب الولد وحرمته ثابتة من جهة المقر بناءً على الظاهر، فالمقر بقوله: إن الولد من نكاح يريد إبطال ذلك فلا يصدق عليه وعلى المقر قيمتها أم ولد للمقر له؛ لأن المقر أقر بكونها أم ولد للمقر له، وقد احتبست عنده بقضاء القاضي قيل: هذا على

стр. 4339

قولهما، أما على قول أبي حنيفة لا ضمان على المقر؛ لأنه لا تقوم لمالية أم الولد عند أبي حنيفة، فلا يضمن بالاحتباس عنده، ولا عقر للمقر له على المقر لأنه ما أقر بالوطء إلا بحكم النكاح وإنه لا يوجب العقر، وأشار في «الكتاب» إلى فرق آخر، فقال: بأن القاضي لما قضى بكونها أم ولد للمقر فقد قضى بأن المقر وطء ملك نفسه، وهذا إشارة إلى أنه لا يلزمه المهر أيضاً بخلاف المسألة التي تقدم ذكرها؛ لأن هناك القاضي قضى بكونها أم ولد للمقر بعد إذ كانت مشتركة بينهما ظاهراً، فكان ذلك قضاء باستيلاد الجارية المشتركة، وإنه يوجب العقر إنما ههنا بخلافه على ما بينا. وإن كذبتهما فلم يقض القاضي بشيء حتى ماتت توقف أم الولد حتى يكبر بخلاف ما إذا لم يكذبهما، ولم يصدقهما حتى ماتت، فإنه يقضي بولدها للمقر له، والفرق أنها إذا لم يصدقها ولم يكذب لم يوجد ما يوجب سقوط اعتبار يد المقر، فإذا ماتت والولد في يد المقر يعتبر قوله فيه، فأما إذا كذبت المقر، فقد سقط اعتبار يده؛ لأن تكذيبها كتكذيبه، وهو يعبر عن نفسه فلا يحكم برقه باعتبار يده، إلا أنه يحتمل أن يعقل الغلام فيصدق المقر، والتصديق بعد التكذيب يعتبر، فلهذا يوقف أمره. فإن كبر وصدق المقر فيما أقر كان عبداً للمقر له، وأمه أم الولد للمقر له، وإن مضى على التكذيب جعله القاضي حراً من جهة المقر، وأمه أم ولد للمقر، وإن كانت الأم حية والغلام يعبر عن نفسه فصدقت الأم المقر وكذبه الغلام، فالغلام حر والجارية أم ولد للمقر؛ لأن تكذيب الولد قد صح بكونه من أهله، ومع صحة تكذيب الولد لا يعتبر بتصديق الأم لأن الولد أصل في هذا الباب، والأم تبع على ما عرف. قال: وكذلك إن كذبت الأم وصدقه الغلام في جميع ما وصفت لك ولم يفسر لذلك تفسير، فمن مشايخنا من قال: تفسيره أن تصديق الولد أولى حتى كانا رقيقين للمقر له؛ لأن تصديق الولد قد صح لكونه من أهله، ولا يعتبر تكذيب الأم مع تصديقه لما قلنا، ومنهم من قال: تفسيره أن تكذيب الأم أولى حتى كان الولد حراً والجارية أم ولد للمقر، كما لو كذب الغلام، ألا ترى إلى قوله في «الكتاب» ، وكذلك لو كذبت الأم المقر، وصدقه الغلام وإنما يستقيم ذلك كذلك إذا كان الجواب في الفصلين متحداً، وهذا لأن قول كل واحد منهما صحيح معتبر بانفراده، فعند التعارض يرجح قول من يوجب الحرية على من يوجب إبطالها. نوع آخر في بيان أنواع دعوى الرجل نسب الولد فنقول: الدعوى في النسب لا تخلو من ثلاثة أوجه: دعوى استيلاد، ودعوى تحرير، ودعوى الأب ولد جارية أبيه، ومن يقوم مقام الأب كأب الأب حال عدم الأب حقيقة واعتباراً. أما دعوى الأب ولد جارية أبيه فظاهر، وشرط صحتها: أن يكون للأب تأويل ملك في جارية أبيه من وقت العلوق إلى وقت الدعوى، وولاية التملك أيضاً من وقت العلوق إلى وقت الدعوى، وأن تكون الجارية محلاً ينقل من ملك إلى ملك، وإنما شرطنا أن

стр. 4340

تكون الجارية محل النقل من ملك إلى ملك؛ لأن الأب يمتلك جارية الابن سابقاً على أصل الوطء لما نبين بعد هذا، ولا بد للتملك من كون المحل قابلاً للنقل من ملك إلى ملك وإنما شرطنا أن يكون له ولاية التملك من وقت العلوق إلى وقت الدعوى؛ لأن دعوة الأب متى صحت استندت إلى وقت العلوق، وإنما يمكن القول بالإسناد إلى وقت العلوق إذا كان له ولاية التملك، من وقت العلوق إلى وقت الدعوى، أما بدون ذلك فلا إمكان، فلا تصح دعوته. إذا عرفنا هذه الجملة فنقول: إذا ولدت أمة الرجل ولداً وادعى أبو الرجل الولد صحت دعوته صدقه الابن في ذلك أو كذبه، أما إذا صدقه فظاهر، وأما إذا كذبه؛ فلأن علوق الولد اتصل بتأويل ملكه لأن للأب تأويل الملك في مال ولده، قال ﵇: «أنت ومالك لأبيك» ، ولهذا لو وطء جارية ابنه وقال: علمت أنها حرام عليَّ لا حد عليه، ولو اتصل العلوق بحقيقة ملكه كان مصدقاً في الدعوى وكان اتصال العلوق بملكه بمنزلة البينة العادلة في إبطال الملك على الملك بغير رضاه فكذا إذا اتصل العلوق تأويل الملك، وإذا صحت الدعوى صارت الجارية أم ولد له، وضمن الأب قيمة الجارية، لأنه يملك الجارية على الأب لأن الشرع أثبت له ولاية تملك مال الابن عند الحاجة، ولهذا كان له أن يأكل طعام الابن وأن يلبس ثيابه عند حاجته إلى ذلك، وقد مست الحاجة ههنا إلى التملك، لأنه احتاج إلى ثبات نسب الولد منه، بعدما أعلقها بولده إلا أن هذه الحاجة دون الحاجة إلى المأكول والملبوس؛ لأن الحياة المتعلقة بالمأكول والملبوس حياة حقيقية، والحياة المتعلقة بالولد حياة معنوية فلوجود أصل الحاجة أثبتنا ولاية التملك ولانعدام كمالها أثبتنا ولاية التملك بالقيمة لتظهر رتبة هذه الحياة عن رتبة تلك الحاجة ولا عقر على الأب عندنا، لأن تملكها سابق على الوطء. بيانه: أن التملك باعتبار الحاجة إلى ثبات النسب منه، وثبات النسب وإن كان وقت العلوق إلا أن الوطء قائم مقام العلوق، فيجب تقديم الملك على الوطء ليثبت نسب الولد منه، فيتبين أنه وطء ملك نفسه، وليس كما يعلقها لأن هناك لم يمتلك الجارية؛ لأن ولاية التملك عند الإعلاق باعتبار الحاجة إلى ثبات نسب الولد منه، وقد انعدمت هذه الحاجة إذا لم يعلقها. وليس كالأمة المشتركة بين رجلين إذا استولدها أحدهما هناك؛ لأن الوطء في نصف الشريك حصل قبل الملك؛ بيانه أن تملك نصيب الشريك هناك وقع بعد الوطء لا قبله، لأن التملك قبل الوطء في مسألتنا باعتبار الحاجة إلى ثبات نسب الولد، وثمة نسب الولد ثابت باعتبار ما له من الملك في نصيبه، ألا ترى أن الجارية المشتركة إذا كانت مدبرة واستولدها أحدهما صح استيلاده، وأن يمتلك نصيب صاحبه، أما ههنا مست

стр. 4341

الحاجة إلى تقديم الملك؛ لأن ما للأب من تأويل الملك في مال الابن لا يكفي لثبات النسب منه، ألا ترى أنه لو ادعى نسب ولده من يد أبيه لا يصح إلا بتصديق الابن. وروى بشر أن آخر ما استقر عليه قول أبي يوسف ﵀: أن الجارية لا تصير أم ولد للأب، ولكن الولد حر بالقيمة بمنزلة الولد المعروف، فيغرم الأب عقرها وقيمة ولدها، وقاسه على ما إذا ادعى ولد جارية مكاتبة، فإنه لا تصير الجارية أم ولد له، فأما ليس للأب في مال الابن حق الملك، ألا ترى أنه يجوز للابن وطؤها، فلا يمكن إثبات النسب من الأب، إلا بتقديم الملك له في الجارية، وإذا قدمنا الملك في الجارية صار الأب مستولداً في ملكه، فتصير الجارية أم ولد له لهذا. وإذا اشترى الرجل أمة حاملاً وولدت عنده بعد الشراء بيوم، فادعى أب المشتري الولد لا تصح دعوته إلا بتصديق الابن؛ لأن العلوق لم يكن متصلاً لا بملكه، ولا بتأويل ملكه ولا (٢٢٧ب٤) بد من أحدهما لصحة الدعوة من غير تصديق المالك، وكذلك المدبرة تكون عند الرجل فتلد ولداً، فإنه لا تصح دعوة الأب إلا بتصديق الابن؛ لأن تدبير الجارية يمنع صحة الدعوى، والعلوق متصل بتأويل الملك، وإذا لم تصح الدعوة في حق الجارية لا تصح في حق الولد. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف: أن دعوة الأب في ولد مدبرة الابن صحيحة يثبت نسب الولد منه ويضمن عقرها وقيمة الولد مدبراً، وهذا على الأصل الذي ذكرنا لأبي يوسف ﵀ أنه لا يتملك الجارية ولكنه بمنزلة المغرور في دعوة النسب، وفي هذا القنة والمدبرة سواء إلا أنه يضمن قيمته مدبراً؛ لأنه كما انفصل من أمه انفصل مدبراً، فإنما يضمن قيمته على الوجه الذي أتلفه بدعوته. وفرق على هذه الرواية بين ولد المدبرة وبين ولد أم الولد، والفرق: أن ولد أم الولد ثابت النسب من مولاها، فيمنع ذلك صحة دعوى الأب فيه، وكذلك إذا ادعى ولد مكاتبة ابنه لا تصح دعوته إلا بتصديق الابن، لأن دعوة الابن إنما تصح إذا كانت الجارية محل التملك، لأنه إذا صحت دعوته تملك الجارية سابقاً على الاستيلاد والمكاتبة ليست بمحل التملك. ثم يستوي في هذه الصورة إن ولدته وهي مكاتبة أو كانت الكتابة بعد الولادة، وكذلك هذا على وجوه: أما إن كاتب الأم والولد جميعاً، أو كاتب الولد خاصة في هذين الوجهين لا تصح دعوة الأب؛ لأن الولد هو المقصود، وقد ثبت في الولد من جهة الابن ما يمنع نقله إلى الأب، فلهذا لا تصح دعوة الأب، وإن كانت الأم بعدما ولدت خاصة، ثم ادعى الأب نسب الولد، قال في موضع من كتاب الدعوى: لا تصح دعوته، وقال في موضع آخر: تصح وثبت نسب الولد ولا يصدق في جوابه. قيل: ما ذكر أنه تصح دعوته قول أبي يوسف ﵀، وما ذكر أنه لا تصح دعوته قول محمد ﵀، نص على الخلاف على هذا الوجه فيما إذا باع الابن الأم بعد الولادة، ثم ادعى أبوه نسب الولد على قول أبي يوسف ﵀: تصح دعوته

стр. 4342

ويثبت نسب الولد، وستأتي مسألة البيع بعد هذا إن شاء الله. ويستوي في دعوا الرجل ولد جارية الابن أن تكون الجارية موطوءة الابن أو لم تكن؛ لأن العلوق قد اتصل بتأويل ملكه في الحالين، والجارية محل التملك، وإن كان لا يحل للأب فيتملكها بالقيمة كما لو كانت تحل له. وإذا قال الأب: وقعت على جارية ابني وأنا اعلم أنها علي حرام تصح دعوته وثبت نسب الولد كما لو لم يعلم، وإنما أعلم أنها حرام علي؛ لأن الوطء في الحالين جميعاً اتصل بتأويل ملكه. وإذا ادعى ولد جارية أبيه، وضمن قيمتها للابن ثم استحقها رجل، فإن للمستحق أن يأخذ الجارية وعقرها وقيمة الولد من الأب، أما أخذ الجارية والعقر فظاهر، وأما أخذ قيمة الولد؛ لأن الأب في معنى المغرور؛ لأنه لا يملك الجارية على الولد بعوض وهو القيمة، فصار في معنى المشتري، والمشتري مغرور في ولد الجارية عند الاستحقاق، ثم يرجع الأب على الابن بما أخذ منه من قيمة الجارية؛ لأنه تبين أنه لم يمتلكها على الابن، وأن الابن أخذ بغير حق. وإذا ولدت أمة الرجل ولداً، وادعى المولى وأبوه الولد معاً صح دعوة الابن، ولا تصح دعوا الأب؛ لأن دعوا الابن سابقة معنى تعتبر بما لو كانت سابقة حقيقة. بيانه: أن دعوى الابن توجب ثبات النسب منه بلا واسطة، ودعوى الأب لا توجب ثبات النسب منه إلا بواسطة التملك، فحال ما يتملكها الأب يثبت نسب الابن، فيكون ثبات النسب من الابن سابقاً على دعوى الابن الوجه، ولو كانت دعوى الابن سابقة على دعوى الأب حقيقة لا تصح دعوة الأب، فههنا كذلك. وإذا حبلت جارية الرجل في ملكه وولدت ولداً وادعاه الجد، والولد حي حقيقة واعتباراً بأن كان الولد حراً مسلماً، فدعوى الجد باطلة لانعدام شرط صحة الدعوى، فإن شرط صحة دعوى الجد، ولد جارية حافده أن يكون له تأويل ملك في جارية حافده من وقت العلوق إلى وقت الدعوى لأن الجد يقوم مقام الأب، وشرط صحة دعوى الجد ولد جارية حاضرة. إذا ثبت هذا فنقول حال قيام الأب حقيقة واعتباراً: إن كان للجد تأويل الملك في مال حافدة حتى قلنا: إن الجد إذا وطئ جارية حافدة حال قيام الأب حقيقة واعتباراً لا يجب الحد على الجد كما لا يجب على الأب فليس له ولاية تملك مال حافدة لحاجة الاستيلاد إنما يثبت إن كان له ولاية التصرف في المال إذا كان صاحب المال صغيراً كما في الأب؛ لأن الولاء باب إنما يثبت في حالة الصغر، غير أن الثابت للأب في حالة الصغر ولاية التصرف لحاجة الصغير، وولاية التملك بالاستيلاد لحاجة نفسه، وهي الحاجة إلى صيانة ماله عن الضياع، وصيانة نفسه عن الزنا فما يثبت من الولاية لحاجة

стр. 4343

الصغير لن تزول ببلوغه عن عقل، وما ثبت من الولاية لحاجة نفسه يبقى بعد البلوغ بطريق ثبوت الولاية للأب في ملك جارية الابن لحاجة الاستيلاد ما ذكرنا. إذا ثبت هذا فنقول: ما دام الأب حياً حقيقةً واعتباراً فليس للجد ولاية التصرف في مال حافده وإن كان صغيراً، فلا يثبت له تملك جارية حافده لحاجة الاستيلاد، فلو صحت دعواه لصحت دعوته باعتبار مجرد تأويل الملك، ولا وجه إليه لما ذكرنا أن دعوى الأب صحت باعتبار تأويل الملك، وباعتبار ولاية التملك لحاجة الاستيلاد، ففي الجد يجب أن يكون كذلك. فإن كان الولد نصرانياً والجد والحافد مسلمين، أو كان الأب عبداً أو مكاتباً والجد والحافد حرين صحت دعوى الجد؛ لأن للجد ولاية تملك مال حافده لحاجة الاستيلاد في هذه الصورة؛ لأن الأب في حكم الميت في هذه الصورة، ألا ترى أنه تزول ولايته عن المال بالكفر والرق كما تزول بالموت، ولو مات الأب حقيقة ثبت للجد ولاية تملك مال حافده لحاجة الاستيلاد، ويصح دعوى ولد جارية حافده كذا ههنا. والدليل عليه: أن زوال ولاية الأب بالكفر والرق تعتبر بزوال ولايته بالموت في حق الجد في حق ثبوت ولاية التصرف في مال الصغير، وفي حق تملك مال الصغير بالنفقة وبالبيع، حتى لو باع مال حافده من نفسه يجوز، فكذا في حق التملك لحاجة الاستيلاد. ولو كان الأب مرتداً والجد والحافد مسلمين، فدعوى الجد موقوفة عند أبي حنيفة ومحمد: إن أسلم الأب بطلت دعوته، وإن مات أو قتل على الردة صحت دعوته، وعلى قول أبي يوسف ومحمد: دعوى الجد باطلة، وهذا لأن لدعوى الجد صحة وبطلاناً ينبني على ولاية الأب، ونفاذ ولاية الأب موقوفة عند أبي حنيفة فكذا دعوى الجد موقوفة، وعندهما ولاية الأب باقية بلا توقف، فدعوى الجد تكون باطلة بلا توقف أيضاً. فإن قيل: على قولها يجب أن تتوقف دعوى الجد أيضاً؛ لأن التمليك بالاستيلاد تصرف في مال الابن، وولاية المرتد في مال ولده موقوفة عند الكل، نص عليه محمد في كتاب الوكالة، إنما الخلاف فيما يتصرف المرتد في مال نفسه، فتكون دعوى الجد موقوفة ضرورة. والجواب عن هذا أن يقال: بأن ولاية التملك بالاستيلاد نظير ولايتة على نفسه؛ لأنها إنما تثبت حقاً له، ولهذا لا تزول بالبلوغ عن عقل، وكان نظير الولاية في ماله لا في مال الابن وفي توقف ولايته في ماله اختلاف، وكان بطلان دعوى الجد عندهما صحيح. ولو كانوا جميعاً أحراراً مسلمين، ثم مات الأب، فادعاه الجد لم تصح دعوته لما ذكرنا أن من شرط صحة دعوى الجد قيام ولاية التملك له من وقت العلوق إلى وقت الدعوى، وقد انعدمت ولاية التملك للجد وقت البلوغ حقيقة واعتباراً لكون الأب حياً وقت العلوق حقيقة. استشهد في «الكتاب» فقال: ألا ترى أن رجلاً لو اشترى جارية حاملاً، فوضعت عنده لستة أشهر، فادعاه والد المشتري لم تصح دعوته لانعدام ولاية التملك له وقت

стр. 4344

العلوق لكونها زائلاً عن ملك الابن، أورد هذا البيان أن شرط صحة دعوى الجد قيام ولاية التملك له من وقت العلوق إلى وقت الدعوى، وكذلك (٢٨٨أ٤) لو كان الأب نصرانياً، والجد والحافد مسلمين، ثم أسلم الأب والجارية حامل وضعت حملها لأقل من ستة أشهر كانت دعوى الجد باطلة لانعدام ولاية التملك حالة الدعوى بإسلام الأب، وكذلك لو كان الوالد مكاتباً وأدى بدل الكتابة، فعتق قبل دعوى الجد أو كان عبداً، فأعتق قبل دعوى الجد كانت دعوى الجد باطلة لانعدام ولاية التملك له وقت الدعوى. قال محمد ﵀: إذا كان للرجل جارية حبلت في ملكه، وللرجل والد معتوه، وله جد حر مسلم، فولدت الجارية ولداً فادعاه الجد فدعوته جائزة؛ لأن الأب جعل كالمعدوم بسبب العته لعجزه عن التصرف، وظهر ولاية الجد وصحت دعوته، وإن لم يدع الجد الولد حتى أفاق الأب لا تصح دعوى الجد بعد ذلك لانعدام ولاية الجد وقت الدعوى، وإن لم يدع الولد الجد بعدما أفاق الأب وإنما ادعاه الأب بعدما أفاق؛ القياس: أن لا تصح دعوته، وفي الاستحسان: تصح دعوته، وجه القياس في ذلك ما مر: أن شرط صحة دعوى الأب قيام حق التملك وقت الدعوى، وههنا لم يكن للأب ولاية التملك وقت الدعوى لكونه معتوهاً، فانعدم شرط صحة الدعوى. وجه الاستحسان في ذلك: الولاية كانت قائمة وقت العلوق، فإن العته لا ينافي الولاية، ولهذا يستوجب نفقته على ولده، والإرث طريقه طريق الولاية، ولهذا ما ينفي الولاية كالرق، واختلاف الدين يمنع الإرث، فكان من هذا الوجه بمنزلة العتق، إلا أنه بمنزلة العبد من وجه؛ لأنه عاجز عن التملك كما أن العبد عاجز، إلا أن عجز المعتوه لفساد عبارته، وعجز العبد لكونه غير أهل لملك المال، أما فيما يرجع إلى العجز فهما سواء، ولو كان بمنزلة العتق من كل وجه بأن كان له ولاية التملك، ويكون قادراً على التملك صحت دعوته ولا تصح دعوى الجد. ولو كان بمنزلة العبد من كل وجه بأن لم يكن من أهل التملك أصلاً لا تصح دعوته وتصح دعوى الجد، فإذا كان بينهما فمن حيث إنه معتوه تصح دعوته بعد إفاقته وإن كان علوق الولد قبل إفاقته، ومن حيث إنه بمنزلة العبد صحت دعوى الجد قبل إفاقته توفراً على الشبهين حطهما. وجه آخر للاستحسان: إن العته والجنون إنما ينافي الأهلية والولاية في كل باب إذا كان مستغرقاً مدة ذلك الحكم، فأما إذا لم يستغرقه، فهو ملحق بالنوم والإغماء، ألا ترى أنه لا يعمل في الزكاة حتى يستغرق الحول، ولا يمنع الصوم حتى يستغرق الشهر، ولا يمنع الصلاة حتى يزيد على خمس صلوات، وههنا مدة هذا الحكم من حين العلوق إلى حين الدعوى، ولم يوجد امتداد العته في هذه المدة، فصار ذلك بمنزلة النوم. جئنا إلى بيان دعوى الاستيلاد فنقول: دعوى الاستيلاد أن يكون ابتداء العلوق في ملك المدعي، وشرط صحتها في المحل قيام الملك في المحل وقت الدعوى ليس بشرط لصحة الدعوى عند علمائنا الثلاثة، حتى إن من باع جارية وولدت في يد المشتري لأقل

стр. 4345

من ستة أشهر من وقت البيع، فادعى البائع الولد صحت دعوته استحساناً لما نبين بعد هذا إن شاء الله تعالى. جئنا إلى بيان دعوى التحرير، فنقول: دعوى التحرير أن لا يكون العلوق في ملك المدعي، وشرط صحتها قيام الملك للمدعي في المحل وقت الدعوى. جئنا إلى المسائل؛ قال محمد ﵀ في «الأصل» : وإذا باع الرجل جارية من غيره، وولدت عند المشتري ولداً، فادعاه البائع (أن المشتري) ، فهذه المسألة على ثلاثة أوجه: الأول: إذا جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر من وقت البيع وقد علم ذلك، والحكم: أنه إذا ادعاه البائع صحت دعوته، صدقه المشتري أو كذبه؛ حتى يثبت نسب الولد منه وصارت الجارية أم ولد له، وانتقض البيع ورد الثمن على المشتري إن كان نقد الثمن، وهذا استحسان أخذ به علماؤنا الثلاثة ﵏. والقياس: أن لا تصح دعوى البائع إذا كذبه المشتري، وبه أخذ زفر. وجه القياس في ذلك: أن البائع في الدعوى متناقض ساع في نقض ما تم به وهو البيع، فلا يقبل قوله، كما لو قال: كنت أعتقتها أو دبرتها قبل البيع. بيانه: أن إقدامه على البيع إقرار منه أنها ليست بأم ولد له، فيصير بدعوى أمية الولد بعد ذلك متناقضاً. وجه الاستحسان في ذلك: أنا تيقنا بحصول العلوق في ملك البائع، لأن أدنى مدة الحبل ستة أشهر، فإذا جاءت بالولد لأقل من ذلك وقد تيقنا بحصول العلوق قبل البيع، واتصال العلوق بملك الإنسان ينزل منزلة البينة في إبطال حق الغير عليها، ألا ترى أن جارية المريض إذا جاءت بولد في ملكه وادعى نسبه ينزل ذلك منزلة البينة في حق إبطال حق الغرماء والورثة عنها وعن ولدها وهذا لأن بحصول العلوق في ملكه ثبت له حق استحقاق النسب بالدعوى، وذلك لا يحتمل الإبطال فلا يبطل بالبيع، وما يقول بأنه متناقض قلنا: نعم، ولكن طريقه طريقة الخفاء فإن الإنسان قد لا يعلم بالعلوق أصلاً، ولا يعلم أن العلوق منه، لم يعلم بعد ذلك، والتناقض في مثل هذا عفو، ومثل هذا الخفاء لا يمكن تصويره في دعوى الإعتاق والتدبير، فإن ادعى المشتري الولد بعد ذلك، فعلى طريق الاستحسان لما صحت دعوى البائع، لا تصح دعوى المشتري، وعلى طريق القياس لما لم تصح دعوة البائع لا تصح دعوة المشتري. هذا الذي ذكرنا إذا ادعاه البائع وحده، وإن ادعاه المشتري وحده صحت دعوته أيضاً، وثبت النسب منه، وصارت الجارية أم ولد له فكانت دعوى المشتري دعوى تحرير، لأن العلوق لم يتصل بملكه حتى كان للمشتري ولاء على الولد كما لو أعتقه المشتري، والمشتري يصح منه تحرير الولد؛ لأنه ملكه فيصح منه التحرير أيضاً، وإذا صحت دعوى المشتري، وثبت النسب منه يحمل أمره على جهة يثبت به النسب من نكاح جائز أو فاسد لا على وجه الزنا، وإذا صحت دعوى المشتري لا تصح دعوى البائع بعد
следующие страницы →