Полный текст (4 583 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
الفصل الرابع في معرفة وقت وجوب العشر
قال أبو حنيفة: وقت وجوب العشر عند وجود الخارج قال الله تعالى: ﴿ومما أخرجنا لكم من الأرض﴾ (البقرة: ٢٦٧) وقال أبو يوسف: عند الإدراك قال الله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾ (الأنعام: ١٤١) وقال محمد: عند استحقاقه وتصفيته، وحصوله في الحظائر. وثمرة هذا الاختلاف على قول أبي حنيفة تظهر في الاستهلاك، فإن ما يستهلكه قبل الوجوب لا يكون مضموناً عليه، وما يستهلكه بعد الوجوب يكون مضموناً عليه، وعندهما: يظهر في حق هذا الحكم، وفي حق تكميل النصاب؛ لأنهما يعتبران النصاب، فما هلك قبل الوجوب لا يكمل به النصاب، وما هلك بعد الوجوب لا يعدم الوجوب في الباقي، وإن انتقص النصاب كما في مال الزكاة، وما هلك من المال بعد الوجوب ألحق بغير فعل المالك سقط عنه من الواجب بقدره، ويفيد بما هلك في النصاب في قول من يعتبر النصاب؛ لأن الواجب عشره، فما هلك هالك بما فيه.
في «القدوري» قال أبو حنيفة: ما أكل من الثمرة، أو أطعم بثمن عشره، عند أبي يوسف أنه لا يضمن، ولكن بعشر ذلك في حق تكميل الأسوق.
وفي «المنتقى» قال أبو يوسف: ليس على الرجل فيما أكل من ثمره ونخله عشر، وقال: أنظر إلى رجل وعياله، وأترك له بقدر ما أظن أنه يكفيهم لأكلهم، وأحسبه لك لهم فيما أكلوا، وكأنه فعل ذلك دفعاً للحرج، قال: وأخذهم بالبغية، قال أبو حنيفة: آخذهم لكل شيء منه، ولا أحسبه لهم مما أكلوا شيئاً، وقال محمد: ما أكل حسب عليه من تسعة أعشاره، فالروايات اتفقت أن ما يعدو الكفاية له ولعياله يحتسب عليه من تسعة أعشاره، وإنما الخلاف في مقدار الكفاية، والله أعلم.
الفصل الخامس في معرفة أرض العشر، وما العشر
قال محمد ﵀ في «الأصل» : أرض العرب كلها عشرية، وهي من عذيب إلى مكة وعدن أبني إلى مهرة في أقصى اليمن، وكان ينبغي أن تكون أرض مكة خراجية؛ لأن رسول الله ﵇ فتحها قهراً، وكل أرض فتحت قهراً تكون خراجية، وإن أسلم أهلها طوعاً بعد ذلك كأراضي العجم، وأراضي العجم، وأراضي العرب، إذا كان أهلها من أهل الكتاب، وقد فتحت عنوة، لكن جعلناها عشرية اتباعاً لفعل رسول الله ﵇، فإن رسول الله ﵇ فتح مكة عنوة، وأسلم أهلها، وتركها عليهم، ووظف عليهم العشر والمعنى فيه: أن أهل مكة كانوا عبدة الأوثان، وعبدة الأوثان من مشركي العرب لا يقبل منهم إلا السيف، أو الإسلام، ولا يتركون على الكفر بالجزية والخراج.
стр. 842
فبالفتح قبل إسلام لم يثبت حق توظيف الخراج عليهم لو ثبت حق توظيف الخراج عليهم بعد الإسلام، كان هذا توظيف الخراج على المسلم ابتداءً، والمسلم لا يبتدأ بتوظيف الخراج، بخلاف العجم ومشركي العرب من أهل الكتاب، فإنهم يتركون بالجزية والخراج بعد الفتح، فبمجرد الفتح يثبت للإمام حق توظيف الخراج عليهم، فلو وضعنا الخراج بعدما أسلموا لا يكون في هذا توظيف الخراج على المسلم، ابتداء، والمسلم لا يبتدأ بتوظيف الخراج بخلاف العجم، ومشركي العرب من أهل الكتاب، فإنهم يتركون بالجزية والخراج بعد الفتح، فبمجرد الفتح يثبت الإمام حق توظيف الخراج عليهم، فلو وضعنا الخراج بعدما أسلموا لا يكون في هذا توظيف الخراج على المسلم ابتداء.
وكذلك كل أرض أسلم عليها أهلها طوعاً، فإنها تكون عشرية، «ألا ترى أن رسول الله ﵇ وظف العشر على أهل الحجاز واليمن، وقد أسلم أهلها طوعاً» ، فصار هذا أصلاً للعمل في كل بلدة أسلم أهلها عليها طوعاً، وكذلك كل أرض فتحت قهراً وعنوة، وقسمت بين الغانمين، فهي عشرية، عرف ذلك بفعل النبي ﵇ في أراضي قريظة والنضير.
وكذلك كل أرض من أراضي العرب، إذا فتحت عنوة وقهراً، وأهلها من عبدة الأوثان، فأسلموا بعد الفتح، وترك الإمام الأراضي عليهم، فهي عشرية، وكذلك بلدة من بلاد العجم إذا فتحها الإمام، أو عنوة، وتردد في أن يمن عليهم برقابهم وأراضيهم، ويضع على الأراضي الخراج، وبين أن يقسمها بين الغانمين، ويضع على الأراضي العشر، فقال: جعلت الأراضي عشرية، ثم بدا له، فمنّ عليهم برقابهم، فإن الأراضي تبقى عشرية، هكذا ذكر محمد في «النوارد» ، والكرخي في «كتابه» .
ولا يكون هذا ابتداء توظيف العشر على الكافر؛ لأن وضع العشر سبق المن، فلا يكون وضعه في أرض الكافر، وكذلك المسلم إذا جعل داره بستاناً أو مزرعة، فهو عشري هكذا ذكر في «الأصل» وفي «الجامع الصغير» فمن الحنفية من مشايخنا من قال: هذا إذا كانت الأرض في الأصل عشرية بأن أسلم أهلها عليها طوعاً، فمتى جعل داره في مثل هذه الأرض بستاناً تكون عشرياً؛ لأنها كانت عشرية في الأصل، إلا أنها ما دامت أياً كأن لا يوجد (١٤٨ب١) منها شيء؛ لأنها غير نامية، فإذ جعلها بستاناً صارت نامية، فجاءت الوظيفة الأصلية.
فأما إذا كانت أرضه في الأصل خراجياً، إذا جعل داره فيه بستاناً، فإنه يكون خراجياً لما ذكرنا في طرف العشر، ومن مشايخنا من قال: العبرة في هذا للماء، فإن كانت تسقى بماء العشر، فهي عشرية، وإن كانت تسقى بماء الخراج، فهي خراجية؛ لأن وظيفة الأرض بسبب النماء، وحياة الأرض، وحصول النماء بالماء، فإن كانت تسقى من هذا مرة، ومن هذا أخرى فالعشر أحق بالمسلم؛ لأن فيه معنى العبادة.
وكذلك أرض الخراج إذا انقطع عنها ماء الخراج، وصارت تسقى بماء العشر، فهي عشرية لما ذكرنا أن وجوب وظيفة الأراضي بسبب النماء، فإذا انقطع عنها ماء الخراج، وصارت تسقى بماء العشر كان النماء بسبب ماء العشر، وكذلك أرض الموات إذا أحييت
стр. 843
بإذن الإمام بماء العشر، فهي عشرية، وإن فتحت عنوة في الابتداء هكذا ذكر محمد ﵀ في «الأصل» ، والمعنى ما ذكرنا، وهذا قول محمد.
فأما على قول أبي يوسف، فإن كانت هذه الأراضي التي أحييت في جزء أرض العشر فهي عشرية، وإن كانت في جزء أرض الخراج فهي خراجية؛ لأن جزء الشيء يعطى له حكم ذلك الشيء، لهذا لا يجوز إحياء ما في خير القرية بحق أهل القرية، ويجوز لصاحب الدار الانتفاع بجزئه.
جئنا إلى بيان معرفة الماء، فنقول: ماء البئر التي حفرت في أرض العشر، وماء العين التي تظهر في أرض العشر؛ لأنه يخرج من الأرض، فإذا كانت الأرض عشرية كان الماء الخارج منها عشرياً تبعاً للأرض، وكذلك ماء السماء، وماء البحار العظام عشري؛ لأن الخراج من حكم الغنيمة، والغنيمة اسم لما كانت في أيدي الكفرة، ثم صارت في أيدينا بطريق القهر والغلبة، ولم تثبت أيدي الكفرة على ماء السماء، ولا على ماء البحار العظام؛ لأن ثبوت اليد على الماء إنما يتحقق بإمكان القنطرة، أو بإمكان السكر، أو بعقد الشقف بعضها ببعض حتى يصير بمنزلة القنطرة، وهذا الإمكان لا يثبت في ماء البحار وماء السماء، وإذا لم تأخذ هذه المياه حكم الغنيمة لم تكن خراجياً فتكون عشرياً؛ لأن العشر ليس من حكم الغنيمة.
فأما ماء السيحون، وماء الجيحون، وماء الفرات، فذكر المشايخ في شرح كتاب الزكاة من «الأصل» : أن على قول أبي يوسف خراجي، وعلى قول محمد عشري، وذكر محمد في أول كتاب «العشر والخراج» أنه خراجي، فإنه ذكر أن كل أرض تسقى بماء دجلة والفرات، فهي خراجية، وروي عن أبي حنيفة في «النوادر» أنه خراجي، وهكذا روي عن أبي يوسف في «النوادر» أيضاً، وروي عن محمد في «النوادر» أيضاً أنه عشري، فقيل أن يكون المذكور في كتاب «العشر والخراج» قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ويحتمل أن يكون قول الكل، فيكون في المسألة روايتان عن محمد، وإلى هذا مال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀، أو يكون ما ذكر في «الكتاب» ، أي في كتاب «العشر والخراج» تأولاً على قول محمد، وإليه مال شيخ الإسلام ﵀، وتأويله إذا كان الأرض بحالة بأن سقيها بماء الخراج، فسقيت بماء دجلة أو الفرات، وكل أرض خراجية يمكن سقيها بماء الخراج، إذا سقيت بماء العشر، فهي عشرية.
الفصل السادس في التصرف فيما يخرج من الأرض من الطعام، وفي التصرف في العشر
قال محمد ﵀ في «الأصل» : إذا كان للرجل أرض عشرية، وأخرجت طعاماً، فباع الطعام قبل أن يؤدي عشره، ثم جاء صاحب العشر يعني المصدق، والطعام عند المشتري كان للمصدق أن يأخذ من المشتري عشر الطعام، ذكر المسألة ههنا مطلقة،
стр. 844
وذكر في مسائل الزكاة أن المصدق، إذا جاء قبل أن يتفرقا عن مجلس العقد يتخير: إن شاء أتبع البائع، وإن شاء أتبع المشتري، وإن جاء بعدما تفرقا عن مجلس العقد، ففيه قياس واستحسان، فمن مشايخنا من قال: ذكر القياس والاستحسان عن ذكره ههنا، ومنهم من قال: الجواب هنا على الإطلاق، وللمصدق خيار أن يتبع المشتري على كل حال.
والفرق على قول هذا القائل بين الزكاة والعشر أن في باب العشر الحب كما نبت نبت على أن يكون العشر للفقير، وتسعة أعشاره للمالك؛ لأنه أوجب باسم العشر، وهذا الاسم ينبي عن الشركة، وأمكننا أن نجعل قدر العشر ملك الفقير قبل التسليم؛ لأن الأصل في العشر معنى المؤونة، ومعنى العبادة فيه تابع، فحصل تصرف المالك في مال الغير بغير إذنه فسد حق الفسخ على كل حال بخلاف الزكاة؛ لأن الزكاة عبادة، فلا يمكننا أن نجعل قدر الزكاة ملكاً للفقير قبل التسليم، إذ يفوت به معنى العبادة، وإنما الثابت للفقير والساعي قبل التسليم حق الأخذ، فأما الملك في قدر الزكاة فللمالك، فلاعتبار حق الأخذ للساعي أثبتنا له حق الفسخ، إذا وجده قبل التفرق عن مجلس لعقد.
وفي «المنتقى» : إذا وجب العشر في الطعام، وباعه السلطان من رب الأرض، ومن غيره من غير أن يقضيه يجوز قال: لأنه شريك فيه بالعشر، ولا يجوز ذلك في صدقة السوائم؛ لأنه ليس بشريك فيها.
وفيه أيضاً: لو مر على عاشر بمائتي درهم، فوجب له فيها خمسة دراهم، فباعها من صاحب المال بدينار، وقضى الدينار جاز، وهذا بمنزلة الصلح، ولو باعه من غيره لم يجز، ولا يشبه هذا عشر الطعام، واستشهد فقال: ألا ترى أن هذا قد يموت قبل أن يؤخذ عشرة دراهم، فلا يؤخذ، (١٤٩أ١) وإن هذا بطل بالدين يكون عليه، ولا يبطل عشر الطعام بموت صاحبه، ولا بالدين وغيره، وذكر عن محمد بعد هذا: إن عشر الطعام بمنزلة زكاة السائمة، ولا تبعية من رب الأرض، ولا من غيره حتى يقضيه وليس بشريك فيه، وكذلك قال بعد هذا في عشر مائتي درهم إذا باعه منه بدينار أنه لا يجوز.
وإن قال: خذ هذا الدينار من الخمسة التي يكون فيه حبيبه علي فهو جائز، وكذلك لو أخذ منه مكان عشر الطعام على غير بيع، فهو جائز، وإذا عجل عشر الأرض، أو عجل عشر الثمار، فقد ذكرنا هذه الفصول بتمامها في فصل تعجيل الزكاة، وإذا ترك السلطان عشر الأرض لرب الأرض لا يجزئه بلا خلاف في زكاة العيون.
قال محمد ﵀ في «الأصل» : من عليه العشر إذا صرف العشر إلى نفسه لا يجوز، ولا يبرأ عن العشر فيما بينه، وبين الله تعالى، ومن عليه الخمس، إذا صرف الخمس إلى نفسه، وكان فقيراً يجوز، ويخرج عن عهدة الخمس فيما بينه وبين الله تعالى، وكذلك إذا صرف من عليه العشر العشر إلى أبيه، أو ابنه، فإنه لا يجوز؛ لأن صرفه إلى هؤلاء كالصرف إلى نفسه.
стр. 845
وفي «مجموع النوازل» : سئل أبو القاسم عن أرض جبل يأخذ عشرها دهقان دون السلطان قال: إن كان الدهقان يأخذون بأمر السلطان جاز أخذه، وسقط عنهم العشر، وليس لصاحب الطعام أن يأكل الطعام قبل أن يؤدي عشره؛ لأن قدر العشر ملك الفقراء، والله أعلم.
الفصل السابع في المتفرقات
قال الكرخي في «كتابه» : يؤخذ العشر من جميع ما أخرجته الأرض، ولا يحتسب لصاحبها ما أنفق على الغلة من سقي، أو عمارة، أو أجرة حافظاً، وأجر العمال، ولا نفقة الثغور.
وفي «الأصل» : ولا يجتمع العشر والخراج في الأرض واحدة، سواء كان الأرض عشرية أو خراجية، به ورد الأثر عن رسول الله ﵇، والمعنى فيه: أن سبب وجوب الخمس واحد، وهو الأرض النامية، ولهذا يضاف كل واحد منهما إلى الأرض. يقال: عشر الأرض وخراج الأرض، والحكم أبداً يضاف إلى سببه.
قلنا: لا يجب حقان لله تعالى بسبب واحد، ولو اشترى أرض عشر، أو خراج للتجارة، ففيها العشر، والخراج يكون إنما زكاة التجارة.
وروي عن محمد: أنه جمع بين العشر والزكاة في الإيجاب، وإذا صرف العشر إلى صنف واحد يجوز، وكذا إذا صرفه إلى واحد يجوز؛ لأن العشر نوع صدقة كالزكاة، وقد ذكرنا وجه الكلام في الزكاة في مسائل الزكاة، ولا يسقط العشر بموت من عليه في ظاهر رواية أصحابنا، وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة أنه يسقط.
стр. 846
كتاب الخراج
هذا الكتاب يشتمل على ثمانية فصول:
١ * في بيان نوعه.
٢ * في بيان أراضي الخراج.
٣ * في بيان مياه الخراج.
٤ * في بيان مقدار الخراج.
٥ * في بيان من يجب عليه الخراج ومن لا يجب عليه.
٦ * في الأسباب الموجبة لسقوط الخراج.
٧ * في تعجيل الخراج.
٨ * في المتفرقات.
стр. 847
الفصل الأول في بيان نوعه
فنقول: في الخراج نوعان: خراج الأراضي، وخراج الروس، ويسمى ذلك جزية فبذا ثنتان.
خراج الأراضي: وإنه نوعان خراج وظيفة، وخراج مقاسمة.
فخراج المقاسمة صورته: أن يفتح الإمام بلدة من بلاد أهل الحرب قهراً، أو عنوة، ويمنّ عليهم برقابهم وأراضيهم، ويقاسمهم في زروع أراضيهم، وثمار كرومهم على النصف والثلث والربع، وهذا النوع من الخراج بفعل رسول الله ﵇، فإنه روي «أنه ﵇، فتح خيبر قسم بعض أراضيه بين الغانمين، ومنّ عليهم بالبعض، ووضعهم في زروع ما منّ عليهم أرزاقاً لأهله» .
وخراج الوظيفة صورتها: أن يفتح الإمام بلدة من بلاد أهل الحرب قهراً وعنوة، ويمنّ عليهم برقابهم وأراضيهم، ويوظف على الأراضي مقداراً معلوماً من الدراهم والدنانير، أو أقفزة معلومة من الطعام، وهذا النوع من الخراج عرف بقضاء عمر ﵁، «فإنه حينما فتح سواد العراق، أراد أن يوظف هذا النوع من الخراج، فاستسلمت الصحابة له إلا شرذمة قليلون، مثل بلال وغيره، ثم ندموا، ورجعوا إلى رأيه، وبعث عمر ﵁ حذيفة بن اليمان، وعثمان بن حنيف يقسمان الأراضي، وأمرهما أن يفرضا على كل جرين من جرين أرض الزرع درهماً، وعلى كل جرين أرض من أرض الكرم عشرة دراهم، وعلى كل جرين من أرض الرطبة خمسة دراهم ففعلا، فلما رجعا قال لهما عمر ﵁: لعلكما حملتما الأراضي ما لا تطيق فقالا: لا بل حملناها ما تطيق، ولو زدنا لما ضاقت، فسكت عمر ﵁، وقرر على ذلك بمحضر من الصحابة» .
وروي أن عمر ﵁ ندم عن ذلك، وأحب أن يزيد، فبعثهما من أخرى، وأمرهما أن يضعا على كل جرين من أرض الزرع مع الدرهم قفيزا بر، وفي رواية قفيزاً من زرع ذلك الأرض، وأن يضعا على كل جرين من أرض الرطبة مع الدراهم عشرة أقفزة من البر، وهذا فنصاب المقادير لا يثبت قياساً، إنما يثبت نصاً وسماعاً، وكأنه بلغ عمر ﵁ حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﵇ أنه قال: «في أشراط الساعة منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت الشام دينارها ومدها، ومنعت مصر دينارها وإِرْدِبّها» وأراد رسول الله ﵇ بهذا الحديث الإخبار عما يكون
стр. 848
بعده، فبهذا الحديث علم عمر ﵁: أن التقدير في الخراج على هذه........
الفصل الثاني في بيان أراضي الخراج
قال محمد ﵀ في كتاب «العشر والخراج» أرض السواد كلها خراجية، وحدّها من عذيب إلى عقبة همذان طولاً، ومن عذيب إلى السواد عرضاً، وأراد به سواد العراق، وإنما صار سواد العراق خراجياً بقصة عمر ﵁ على نحو ما بينا. قال: وكذلك (١٤٩ب١) ما في سواد العراق من أرض الجبل كأراضي طبرستان، ونحوها خراجية، عرف ذلك بفعل عمر ﵁، فإن عمر وظف الخراج على أرض الجبل، كما وظف على الأرض السواد، وكذلك كل أرض فتحت قهراً وعنوة، وتركت على أهلها خراجية، كما فعل عمر ﵁ بسواد العراق، وكذلك كل بلدة طلب أهلها من الإمام أن يقروا ذمة لنا، فإن الإمام يجيبهم إلى ذلك، ويضع على أراضيهم الخراج، وهذا لأن وظيفة الأراضي في الأصل كانت هو الخراج، وإنما ثبت النقل إلى العشر في بعض الأراضي بسبب إسلام المالك، فبدونه لا يثبت النقل، ويبقى خراجياً كما كان في الأصل.
وكذلك الإمام إذا نقل قوماً من أهل الذمة من بلدة إلى بلدة أخرى لمصلحة رآها، فإن الأراضي المنتقل إليها أراضي خراج بما ذكرنا، وكذلك الذمي، إذا اتخذ داره مزرعة، أو كرماً يوضع عليها الخراج؛ لأن الأراضي النامية لا تخلى عن وظيفة، والوظيفة إما العشر أو الخراج، ويقدر إيجاب العشر على الذمي، فيتعين الخراج.
قال بعض مشايخنا: وعلى قياس قولهما ينبغي أن يجب العشر إذا كانت الأرض في الأصل عشرية، كالذمي إذا اشترى أرضاً عشرية، وكذلك الإمام إذا فتح بلدة عنوة، وتردد بأن يمنّ عليهم برقابهم، وأراضيهم بالخراج، وبين أن يقسمها بين الغانمين، فوظف الخراج على الأراضي، ثم بدا له أن يقسمها بين الغانمين، فقسمها، فهي خراجية، وليس هذا توظيف الخراج على المسلم ابتداءً؛ لأن الخراج وضع فيها قبل القسمة، وبدون القسمة لا يثبت الملك للغانمين فيها، ولذلك أرض عشرية انقطع عنها ماء العشر، وصارت تسقى بماء الخراج، فهي خراجية، وهذا قول محمد على نحو ما بينا، في جانب العشر، وفي هذا المقام يحتاج إلى معرفة ماء الخراج، وهو:
стр. 849
الفصل الثالث في بيان مياه الخراج
فنقول: ماء الخراج ماء الآبار التي حفرت في أرض الخراج.
وماء العيون التي تظهر في أرض الخراج.
وماء الأنهار التي حفرتها الأعاجم كنهر يزدجرد.
ونهر الملك، وأشباهها؛ لأن هذه الأودية كما كانت في يد أهل الكفر، وصارت في أيدينا بطريق القهر والغلبة، فأخذ حكم الغنيمة، وأما سيحون، وجيحون، ودجلة، والفرات، فقد ذكرنا حكم مائها في مسائل العشر، فلا نعيده.
الفصل الرابع في بيان مقدار الخراج
فأما خراج الوظيفة، فقال محمد ﵀: في أرض الخراج على كل جريب يصلح للزراعة قفيز ودرهم، وعلى جريب الرطبة خمسة دراهم، وعلى جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب الزعفران يقدر ما يطيق، أما أرض الزرع والكرم والرطبة، فالتقدير فيها من جهة عمر ﵁، وأما أرض الزعفران، فلم يرد فيها تقدير من جهة عمر؛ لأنه لم يكن بسواد العراق في ذلك الوقت، واعتبر فيها الطاقة، وهذا لأن الخراج توظيف بقدر الطاقة، ألا ترى أن عمر ﵁ قال: للذين مسحا سواد عراق لعلكما حملتما الأراضي ما لا تطيق، فقد اعتبر الطاقة.
وذكر القاضي الإمام صدر الإسلام في شرح كتاب العشر والخراج، ذكر في بعض الروايات: أن في أرض الزعفران قفيز ودرهم، والجريب اسم لستين ذراعاً بذراع الملك، وذراع الملك تسع قبضات، وذلك يرد على ذراع العامة بقبضة، هذه الجملة لفظ كتاب العشر والخراج.
قال شيخ الإسلام المعروف بخواهرزاده ﵀: إن قول محمد: الجريب اسم لستين ذراعاً في ستين ذراعاً، فكان عن جريبهم في أرضهم، وليس بتقدير لازم في الأراضي كلها، بل جريب الأراضي يختلف باختلاف البلدان، فيعتبر في كل بلدة بتعارف أهلها، وأراد بذراع الملك ذراعاً، كان ينسب إلى ملكهم في زمانهم، وكان يزيد على ذراع العامة بقبضة، وكانت الأرض في ذلك الزمان تزرع بذراع الملك وفيه الأرض نحو الكرباس وأشباهه يزرع بذراع العامة، وأراد بالدراهم بوزن سبعة، وقد مر تفسيره في كتاب الزكاة، وأراد بالقفيز الصاع الذي كان على عهد رسول الله ﵇، وهو ثمانية أرطال بالعراقي، وهو أربعة أمنان، وهذا قول أبي حنيفة، ومحمد، وهو قول أبي يوسف الأول، ثم رجع أبو يوسف، وقال: هو ثمانية أرطال وثلث رطل، وهو صاع أهل
стр. 850
المدينة، وسيأتي ذلك في مسائل صدقة الفطر، وهذا القفيز يكون من الحنطة، هكذا ذكر في موضع من كتاب العشر والخراج، وذكر في موضع آخر منه، قال: ويكون هذا القفيز بما يزرع في ذلك الأرض، وهو الصحيح قال في كتاب العشر والخراج: وينبغي أن يكال هذا القفيز بزيادة حفنتين، وتكلموا في تفسير قوله يكال بزيادة حفنتين.
قال بعضهم تفسيره: أن يضع الكيال كفيه على جانب القفيز عند الكيل من الصبرة، ويمسك ما يقع في كفيه من الطعام، ونصف القفيز مع ما بحفنتيه في جوالق العاشر، وبعضهم قالوا: معناه أن يملأ الكيال القفيز، ثم يمسح أعلى القفيز في أعلاه من الحبات، ثم يصب القفيز في جوالق العاشر بما بحفنتيه في الصبرة، ويرميها في جوالق العاشر زيادة على القفيز، وإنما شرطنا زيادة حفنتين احتياطاً لحق الله تعالى، ليخرج عن حقه بيقين، وذكر في أرض الزعفران أن خراجها بقدر ما تطيق، ومعنى الطاقة يأتي بعد هذا إن شاء الله.
ثم هذا المقدر لا يجب (١٥٠أ١) في كل سنة إلا مرة واحدة، زرع المالك مرة واحدة، أو مراراً إلا أن عمر ﵁، لما وظف هذا المقدار في السنة مع علمه أن الأرض قد تزرع مرتين، علمنا بأن المعتبر أصل الزراعة لا المرات بخلاف خراج المقاسمة والعشر؛ لأن هناك الواجب جزء الخارج فيتكرر الوجوب بتكرر الخراج الوظيفة بخلافه.
ثم ما ذكرنا في مقدار الخراج، فذلك إذا كانت الأراضي تطيق ذلك، فأما إذا كانت الأراضي لا تطيق ذلك، بأن قل ريعها، فإنه ينقص عنه إلى ما يطيق، فالنقصان عن وظيفة عمر إذا كانت الأراضي تطيق الزيادة بأن كثر ريعها، هل يجوز؟ ففي الأرض التي صدر التوظيف فيها من عمر لا يجوز الزيادة بالإجماع، وإن أطاقت الزيادة، وهذا لأن المقادير لا يعرف توقيفاً وسماعاً، والظاهر أن عمر ﵁ عرف هذا التقدير من جهة رسول الله ﵇، وفي بعض الآثار ما يدل على هذا، وهو حديث أبي هريرة على ما روينا، وكأنه أخذ التقدير من حديث أبي هريرة ﵄، والتقدير الشرعي يتبع الزيادة. مع هذا رضي عمر بهذا المقدار.
أو نقول: الصحابة أجمعوا على هذا المقدار، وإجماع الصحابة حجة شرعاً، فيمنع الزيادة، وكذلك لو أن هذا الإمام وظف على أراضي مثل وظيفة عمر، ثم أراد أن يزيد على تلك الوظيفة ليس له ذلك، وإن كانت الأراضي تطيق الزيادة، وكذلك لو أراد أن يحولها إلى وظيفة أخرى بأن كانت الوظيفة الأولى دراهم، فأراد أن يحولها إلى المقاسمة، أو كانت الوظيفة الأولى مقاسمة، فأراد أن يحولها إلى الدراهم ليس له ذلك، فإن زاد عليهم على تلك الوظيفة، أو حولها إلى وظيفة أخرى، وحكم بذلك عليهم، وكان من رأيه ذلك، ثم ولي بعده والي يريد خلاف ذلك، فإن كان الأول صنع ما صنع بطيب أنفسهم، أمضى الثاني ما فعله الأول، وإن كان الأول صنع ذلك بغير طيب أنفسهم، فإن كانت الأراضي فتحت عنوة، ثم مَنَّ الإمام بها عليهم أمضى الثاني ما صنع الأول؛ لأن
стр. 851
فعل الأول حصل في محل مجتهد فيه.B
بيانه: أن العلماء اختلفوا في الأراضي التي فتحت عنوة، ومنّ الإمام عليهم بها، منهم من قال: بأن الأراضي تصير للمسلمين ضرب عليهم الضرائب، وهكذا قالوا: سواد العراق إن جعل السواد بمنزلة العبيد للمسلمين، وجعل أراضيهم ملكاً للمسلمين، وما وضع عليهم، فهو كالضريبة التي يضربها المولى على عبده، وعبيدنا هم أحرار، والأراضي مملوكة لهم، وما يؤخذ منهم، فهو خراج كأهل بلدة من أهل الحرب ما...... مع الإمام على أن نجعلهم رقيق، فإن كان الأمر كما قال علماؤنا ﵏: لا يجوز الزيادة، وإن كان الأمر كما قاله أولئك يجوز الزيادة، ويجوز التحويل؛ لأن للإمام ولاية نقل الجند من وظيفة إلى وظيفة، وأن يزيد على الوظيفة الأصلية، فإذا اجتهد الإمام حول أولئك، وحكم عليهم بالزيادة وبالتحويل، فقد حكم في فعل مجتهد فيه، فلا يكون للثاني أن يبطله بعد ذلك.
وإن افتتح الأراضي بالصلح قبل أن يظهر الإمام عليهم، وباقي المسألة بحاله، فالثاني ينقض فعل الأول؛ لأن فعله فعل في موضع لا يسوغ فيه الاجتهاد، لأن العلماء اتفقوا على أن هؤلاء أحرار، وأموالهم باقية على ملكهم، وليسوا بمنزلة العبيد للمسلمين إذ لم يوجد فيهم سبب الرق، والإمام أعطاهم الأمان بما شرط عليهم من الوظيفة، والتحويل والزيادة عليها تكون غدر بهم بالإجماع، فلم يقبل حكم الأول، فرده الثاني، بخلاف ما إذا فتحت الأراضي عنوة؛ لأن هناك وجد سبب الرق فيهم، وهو القهر والغلبة والاستيلاء، فيأتي الخلاف أن الإمام بالمن جعلهم أحراراً، أو جعلهم عبيداً للمسلمين على نحو ما بينا، الأراضي التي يريد الإمام توظيف الخراج عليها ابتداء، إذا زاد على وظيفة عمر ﵁ على قول محمد، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف يجوز، وعلى قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أبي يوسف لا يجوز، وهو الصحيح للمعنى الذي ذكرنا هذا هو الكلام خراج الوظيفة حيناً إلى خراج المقاسمة، فالتقدير فيه مفوض إلى الإمام، ولكن لا يزاد على نصف الخارج؛ لأن الشرع لم يرد بالزيادة على نصف الخارج.
ثم إن محمداً ﵀ يعتبر طاقة الأراضي في الخراج، ومعنى الطاقة أن لا يزيد الخراج نصف الخارج؛ لأن الشرع لم يرد بالزيادة على نصف الخارج، إليه أشار في كتابه «العشر والخراج» .
وروى داود بن رشيد عن محمد: في معنى الطاقة أن يترك لكل رجل من أصحاب الأراضي من زرعه ما يقوته، ويقوت عياله، ويذره في أرضه، إلى أن يعود الزرع من قابل، وذكر القاضي الإمام صدر الإسلام معنى الطاقة في أرض الزعفران فقال: ينظر إلى ما خرج من جريب الأرض من الزرع كم قيمته، فإن كان قيمته مائة ينظر إلى الواجب فيه،
стр. 852
وهو قفيز ودرهم كم يبلغ؟ فإن كان يبلغ أربعة بأن كان قيمة القفيز ثلاثة عرفت أن الواجب في المائة أربعة دراهم، ثم ينظر أن الخارج من الزعفران كم قيمته؟ فإن كان قيمته مائة يجب فيه أربعة، وإن كان قيمته (١٥٠ب١) مائتين يجب فيه ثمانية، فعلى هذا القياس يجب.
الفصل الخامس في بيان من يجب عليه الخراج ومن لا يجب
كل من ملك أرض الخراج يؤخذ منه الخراج كافراً كان، أو مسلماً صغيراً كان، أو مكاتباً، أو عبداً مأذوناً، رجلاً كان أو امرأة؛ لأن الخراج مؤنة محضة، وهؤلاء من أهل إيجاب المؤن عليهم، قال محمد رحمة الله عليه في كتاب «العشر والخراج» : وليس في النخيل والشجر شيء، فقد صح عن عمر ﵁ إنما في النخيل والشجر في سواد العراق، ومضى المسألة إذا كان حول المزرعة أشجار، إلا أن لا تكون ملتفة بحيث يمكن زراعة ما تحتها، فإنه لا يجب بسبب الأشجار والنخيل وظيفة أخرى زيادة على خراج الأرض، فأما إذا كان في نفس المزرعة، فبعض المزرعة أشجار ملتفة بحيث لا يمكن زراعة من تحتها. ذكر محمد في كتاب «العشر والخراج» من أصل: أنه يوضع على كل جريب عشرة دراهم، ولم يذكر أن هذا قول مَن.
وفي «النوادر» عن أبي يوسف: أنه يوضع على كل جريب عشرة دراهم مثل ما ذكر محمد في «الأصل» ، وذكر محمد في «نوادر الزكاة» ، وفي «الجامع الصغير» أن على قوله يوضع على كل جريب بقدر ما يطيق، وبين ذكر محمد من قوله في «النوادر» وفي «الجامع الصغير» أن المذكور في الأصل قول أبي يوسف.
وجه قول محمد: أنه لم يرد في الأشجار الملتفة تقدير من جهة عمر، لأن الذي ورد منه ثلاثة مقادير؛ جريب الأرض قفيز ودرهم، وفي جريب الرطبة خمسة دراهم، وفي جريب الكرم عشرة دراهم، ففي الأشجار الملتفة يوضع بقدر الطاقة، لما مر أن المعتبر في الخراج الطاقة.
ووجه قول أبي يوسف: أنه ورد في الأشجار الملتفة تقدير من جهة عمر ﵁، فإنه روي أنه وظف على جريب النخل عشرة دراهم.
ونقول: الأشجار الملتفة في معنى الكرم؛ لأنها تسمى بستاناً فيما بين الناس، والبستان في معنى الكرم، فالمعنى الوارد في الكرم يكون وارداً في البستان، قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير» : رجل له أرض خراج عطلها، فعليه الخراج؛ لأنه قصد الإضرار بالمقابلة بإبطال حقهم في الخراج، فيرد عليه قصده، وذلك بإبرام الضمان، وقال في كتاب «العشر والخراج» من أصل: لو أن أرضاً من أراضي الخراجية عجز عنها صاحبها، وعطلها، وتركها للإمام أن يدفعها إلى من يقوم عليها، ويؤدي خراجها، وأراد
стр. 853
بقوله: من يقوم عليها، ويؤدي خراجها: من يعمل فيها بالخراج يأخذ الأرض، ويزرعها، ويؤدي الخراج من الغلة، ويمسك الباقي لنفسه.
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني ﵀: والصحيح من الجواب في هذه المسألة أن يؤجر الإمام الأرض أولاً وما ويرفع عنه قدر الخراج، ويمسك الباقي لرب الأرض، وهكذا ذكر محمد ﵀ في «الزيادات» ؛ وهذا لأن الإمام نصب ناظراً لكل، وتمام نظر في الإجارة أولاً حتى لا يزول ملكهم مع اتصال حق المقابلة إليهم، فإن كان لا يجد من يستأجرها، فدفعها مزارعة بالثلث، أو الربع على قدر من يوجد مثل ملك الأرض مزارعة، فيأخذ (مقدار) الخراج من نصيب صاحب الأرض، ويمسك الباقي على رب الأرض، فإن كان لا يجد من يأخذها مزارعة يدفعها إلى من يقوم عليها، ويؤدي الخراج عنها، وعن هذه المسألة قلنا: أن للسلطان إذا دفع أراضي مملكة إلى قوم ليعطوا الخراج جاز، وطريق الجواز أخذ إلى إقامتهم مقام الملاك في الزراعة، وإعطاء الخراج والإجارة تقدير الخراج، ويكون المأخوذ منهم خراجاً في حق الإمام أجرة في حقهم.
قال: وإن لم يجد الإمام من يعمل فيها بالخراج يبيعها ويرفع الخراج عن ثمنها، ويحفظ الباقي على رب الأرض، وإنما كان كذلك؛ لأن الإمام نصب ناظراً للمسلمين وينظر رب الأرض، والمقاتلة في الترتيب الذي قلنا قبل ما ذكر أن الإمام يبيع الأراضي قول أبو يوسف، ومحمد، وأما على قول أبي حنيفة، ينبغي أن لا يبيعها؛ لأن الخراج دين، وأبو حنيفة لا يرى بيع مال المديون بغير رضاه؛ لأن في بيع ماله حجر عليه، وأبو حنيفة لا يرى الحجر على الحر.
وقيل: هذا قول الكل، وهو الصحيح؛ لأن أبا حنيفة يرى الحجر في موضع يعود بنفعه إلى العامة كالحجر على الطبيب الجاهل، ومنفعة الحجر هنا عائدة إلى عامة المسلمين، فيجوز البيع على قول الكل من هذا الوجه.
وذكر في بعض الكتب في هذه المسألة؛ أن الإمام يشتري ثيراناً، وأداة الزراعة، ويدفعها إلى إنسان يزرعها، فإذا حصل الغلة نأخذ منها قدر الخراج، وما أنفق عليها، وحفظنا الباقي على رب الأرض، وقال أبو يوسف: يقرض الإمام صاحب الأرض من مال بيت المال مقدار ما يشتري به الثيران والأداة، ويأخذ منه حقه، ويكتب عليه بذلك كتاباً ليزرع، فإذا ظهرت الغلة أخذ منها الخراج، ومقدار ما أقرض من مال بيت المال، فيكون ديناً على صاحب خراج الأرض، قال: وإن لم يكن في بيت المال شيء يدفعها إلى من يقوم عليها ويؤدي خراجها، وهذا كله إذا كان رب المال عاجزاً عن الزراعة بأن كان معسراً، فأما إذا كان غنياً، فالإمام يتقدم إليه، ثم لا تزرع أرضك، ولا يجيزه على العمل، ولكن يأخذ الخراج منه لترك زراعتها مع الإمكان؛ ثم إذا كان رب الأرض عاجزاً
стр. 854
عن الزراعة، وصنع الإمام بالأرض ما ذكرنا، ثم عادت قدرته، وإمكانه من العمل والزراعة يستردها الإمام ممن هي في يده، ويردها على صاحبها، إلا في البيع خاصة؛ لأن بالبيع قد زالت عن ملك صاحبها.
رجل له أرض خراج باعها من غيره فهذه المسألة على وجهين:
الأول: (١٥١أ١) أن تكون الأرض فارغة، والجواب في هذا الوجه أنه، إن بقي من السنة مقدار ما يقدر المشتري على زراعتها قبل دخول السنة، فالخراج على البائع، وإلى هذا أشار محمد ﵀ في «النوادر» ، فإنه ذكر في «النوادر» : إذا غرق أرض الخراج، ثم نضب الماء عنها، إن نضب الماء عنها في وقت يقدر على زراعتها ثانياً قبل دخول السنة الثانية، فلم يزرعها، فعليه الخراج، وإن نضب الماء عنها في وقت لا يقدر على زراعتها ثانياً قبل دخول السنة الثانية لا يجب الخراج، ثم اختلف المشايخ فيما بينهم أن المعتبر زرع الحنطة، والشعير، أو أي زرع كان؟ فالفقيه أبو نصر ﵀ يعتبر أي زرع كان، والفقيه أبو القاسم يعتبر زرع الحنطة أو الشعير، وكذلك اختلفوا أنه هل يشترط إدراك الريع بكماله؟
بعضهم شرطوا، فقالوا: إذا بقي من السنة مقدار ما يتمكن المشتري من أن يزرع الأرض، ويدرك ريعها قبل دخول السنة الثانية، فلم يزرعها، فالخراج على المشتري، وإن كان بخلافه فلا خراج عليه، وإلى هذا القول مال شمس الأئمة الحلواني ﵀.
وبعضهم لم يشترطوا إدرك الريع بكماله، وقالوا: إذا بقي من السنة مقدار ما يمكنه أن يزرع الأرض أي زرع، فتصير قصيلاً، فتبلغ قيمته قدر الخراج، ومثله يجب الخراج على المشتري، وإن كان بخلافه، فالخراج على البائع.
وكان الصدر الشهيد حسام الدين ﵀ يختار إن بقي من السنة تسعون يوماً، فالخراج على المشتري، وإن كان أقل من ذلك، فالخراج على البائع، وهذا منه اعتبار زرع الدخن، وإدراك الريع بكماله، فإن ريع الدخن يدرك في مثل هذه المدة.
الوجه الثاني: إذا كانت الأرض مزروعة، فإن كان الزرع لم يبلغ بعد، فالخراج على المشتري على كل حال. وذكر في «نوادر مختصر عصام» وإن كان الزرع قد بلغ، وانعقد الحب كان هذا، وما لو باع أرضاً فارغة في حق هذا الحكم سواء، ويعتبر في ذلك المدة، ويكون هذا بمنزلة ما لو باع حنطة من تبنه مع الأرض.
في آخر زكاة «فتاوى أبي الليث» ، وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: رجل له أرض خراج باعها من رجل، ومكث عند المشتري شهراً، ثم باعها المشتري من رجل آخر، ومكث عنده شهر أيضاً، ثم وتم يبيع كل مشتري بعد شهر له حتى مضت السنة، فليس على واحد منهم خراج وإنه ظاهر؛ لأنه لم يكن في يد كل منهم مقدار ما يتمكن من الزراعة، حتى لو كان في المشتري الآخر مقدار ما يتمكن من الزراعة على حسب ما اختلفوا، يجب الخراج عليه.
وإذا كان للأرض ريعان خريفي، وربيعي، وسلم الواحد منهما للبائع، والآخر
стр. 855
للمشتري، أو تمكن كل واحد منهما من تحصيل أحد الريعين لنفسه، فالخراج عليهما، هكذا ذكر صدر الإسلام في شرح كتاب «العشر والخراج» .
قال محمد في كتاب «العشر والخراج» : ولو أن رجلاً له أرض خراج، وهي سبخة، لا تصلح للزرع، ولا يبلغها الماء، وهي مما يصلح أن يعالج ويزرع، فعلى صاحبها الخراج، قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني ﵀: من به من هذا أن الخراج إنما لا يجب بشرطين أن ينقطع الماء عنها، وإن غلب عليها السبخة حتى أنه إذا انقطع الماء عن أرض، وأنها ليست بسبخة، أو كانت سبخة إلا أنه يصل الماء عليها يجب الخراج، وهذا لأن الأرض، وإن كانت سبخة إذا كان الماء يصل إليها، ولا ينقطع يمكن زراعتها وعمارتها؛ لأن عمارة الأراضي بالماء، والسبخة تزول إذا غرقت بالماء، والتمكن من الزراعة يكفي لوجوب الخراج، وكذلك إذا انقطع الماء عن الأرض إلا أنها ليست بسبخة يمكن زراعتها؛ لأن السماء تسقيه، والأنهار،....... والتمكن من الزراعة يكفي لوجوب الخراج، وعن هذا قلنا: إن ماء الخراج إذا انقطع عن أرض عاماً واحداً وعامين، فالخراج لا يسقط، لأن السماء تسقيه فينزل ذلك منزلة النهر.
فأما إذا كانت الأرض سبخة، والماء لا يصل إليها لا يجب الخراج؛ لأن الأرض السبخة، لا يمكن معالجتها وعمارتها بماء السماء، فلا يثبت التمكين من الزراعة، ثم اختلفت..... في هذه الصور، في بعضها، أن الخراج لا يجب، وفي بعضها أن الخراج يجب، والمشايخ وقفوا، فقال: موضوع المسألة في السبخة التي فيها وجوب الخراج أن يكون السبخة قليلة بأن يكون السبخة في جانب واحد من جوانب الأرض، وعامة جوانبها صالحة للزراعة، وهذا لا يوجب سقوط الخراج؛ لأن هذا يؤخذ في عامة الأراضي، وموضوع المسألة في السبخة التي فيها نفي الوجوب أن السبخة تكون عالية على الأرض كلها، وسقوط الخراج في هذه الصورة ظاهر.
وكذلك لو لم تكن الأرض سبخة في الأصل وتركها حتى صارت سبخة، فلا خراج فيها بعدما صارت سبخة، وكذلك إن كانت الأرض ذات بر لا يخرج شيئاً، فلا خراج فيها، ذكر هذين الفصلين صدر الإسلام ﵀.
قال ثمة أيضاً: رجل له أرض غرس مائة جريب منها كرماً، وهي مما لا يقلع سنين، ولا مما..... لا قليلاً ولا كثيراً، فإن عليه فيه ما يجب في الأرض تزرع في كل جريب قفيز ودرهم، ولا يجب عليه خراج الكرم؛ لأنه ما لم يدرك كرماً، فهو كرم اسماً لا حقيقة، وأما عليه خراج المزارع، وإن لم يبق ممكّناً من الزراعة؛ لأن فوات التمكين كان لمعنى من جهته، فيبقى على ما كان في الأصل، فإن بلغ الكرم وأثمر، وكان قيمة الخارج يبلغ عشرين درهماً فصاعداً، فعليه خراج الكرم عشرة دراهم في كل جريب، وإن كان قيمة الخارج أقل من عشرين درهماً، (١٥١ب١) فإنه يؤخذ منه قفيز ودرهم؛
стр. 856
لأنه لو لم يزرع فيها شيئاً يؤخذ منه قفيز ودرهم، فإذا زرع وخرج شيء قليل أولى.
وذكر في بعض روايات، أنه إذا كان الخارج أقل من عشرين درهماً يؤخذ منه قفيز ودرهم؛ لأنه قد كان فيها قفيز ودرهم، فيبقى ذلك حتى يحصل له ريع الكرم عادة ذكر القاضي الإمام صدر الإسلام في شرح كتاب «العشر والخراج» : إذا زرع في الأرض الخراج الأشجار التي ليست لها ثمرة مثل الحلاف وأشباهه، ففيها قفيز ودرهم، إذا كان جريناً؛ لأنها في معنى الزرع؛ لأنها تقطع وتباع.
وذكر أيضاً: إذا غرس نخيلاً وأشجاراً أخرى مثمرة تلتف في جميع الأرض، وهي جرين ففيها عشرة دراهم، وإن لم يبلغ، هكذا ذكر في بعض الروايات بخلاف شجر الكرم؛ لأن شجر الكرم ليس لها قيمة كثيرة، بل قيمتها مثل قيمة الزرع، فيجب فيها ما يجب في الزرع إلى أن يبلغ، فإن قيمة الأشجار والنخيل المثمرة كثيرة مثل قيمة الكرم المدركة، فيجب فيها ما يجب في الكرم المدركة، وإذا استأجر الرجل أرضاً، وزرعها أو استعار أرضاً وزرعها، والخراج خراج وظيفة، فالخراج على الأجر والمعير؛ لأن الخراج الوظيفة وعُدَّ به معتمد التمكن من الزراعة، وصاحب الأرض يمكن من الزراعة ههنا؛ لأن المستأجر والمستعير إنما تمكنا من ذلك بتمكنه.
وإن غصب من آخر أرضاً، وزرعها، والخراج خراج وظيفة، فإن لم تنقص الزراعة الأرض، فالخراج على الغاصب؛ لأنه بقدر إيجابها على المالك أمكن إيجابها على الغاصب، بيانه: أن وجوب خراج الوظيفة إن كان يعتمد سلامة الخارج، فالخارج لم يسلم للمالك لا حقيقة، وهذا ظاهر، ولا حكماً؛ لأنه لم يسلم له بدل ما استوفى الغاصب من منفعة الأرض شيء، فهي لم تنقص الزراعة الأرض حتى يجعل سلامة البدل له كسلامة المبدل، فإن كان يعتمد التمكن من الزراعة، فالمالك لم يتمكن من الزراعة؛ لأن الكلام فيما إذا كان الغاصب جاحداً، ولم يكن للمالك بينة عادلة حتى لو كان الغاصب مقر، وكان للمالك بينة عادلة، فقد اختلف المشايخ.
قال بعضهم: يجب الخراج على المالك.
وقال بعضهم: يجب على الغاصب على كل حال، وإن تمكن المالك من الزراعة، إلا أنه يسقط التمكن إذا خرج الحب، ويتعلق الواجب بالحب، ألا ترى أنه يسقط الواجب إذا فات الحب من غير صنع صاحب الأرض ورضاه بأن اصطلم الزرع آفة؟ على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وروي عن أبي يوسف أن الخراج على المالك في هذه الصورة، وأما إذا أنقصتها الزراعة غرم الغاصب النقصان، وعلى قول أبي حنيفة: الخراج على رب الأرض؛ لأن الخارج قد سلم للمالك اعتباراً حيث سلم له بدله، وهو رواية عن أبي يوسف، وعن محمد روايتان:
في رواية، قال: إن كان النقصان أقل من الخراج، فالخراج على الغاصب، ويدخل في ذلك النقصان حتى لا يضمن الغاصب لرب الأرض نقصان الأرض.
وإن كان النقصان مثل الخراج وأكثر منه، فالخراج على رب الأرض.
стр. 857
وفي رواية قال: بمقدار ما حصل من ضمان النقصان يجب على رب الأرض والباقي على الغاصب، وهو رواية عن أبي يوسف.
في «فتاوى أهل سمرقند» : رجل اشترى أرضاً خراجية، وبنى فيها داراً، فعليه الخراج، وإن لم يبق متمكناً من الزراعة؛ لأن التمكن إنما فات بصفة، وسيأتي في الفصل الذي يليه بخلاف هذا.
الفصل السادس في بيان الأسباب الموجبة لسقوط الخراج
قال محمد ﵀: إذا زرع الرجل أرضه الخراجية، فأصاب زرعها آفة فاصطلمه، فلا خراج عليه، فرق بين هذا، وبينما إذا لم يزرعها.
والفرق: أن الذي لم يزرعها قصد الإضرار بالمقاتلة، فيرد عليه قصده، فأما الذي هلك زرعه لم يقصد الإضرار بالمقاتلة بل بذل جهده وأتى بما في وسعه؛ ولأن وجوب الخراج باعتبار النماء فقضية هذا يكون الحكم متعلقاً بحقيقة النماء، إلا أن الشرع أقام التمكن من تحصيل النماء؛ لكونه مفضياً إلى النماء مقام حصول النماء في موضع قصر في تحصيل النماء كما أقام التمكن من استيفاء المنفعة، في باب الإجارة مقام استيفاء المنفعة، وإذا زرعها، وخرج الحب تعلق الحكم بحبه الخارج، وسقط اعتبار التمكن واعتبار السبب، هذا هو الأصل المعهود في الشرع، إن حقيقة العلة مع السبب الظاهر إذا اجتمعا يتعلق الحكم حقيقة بالعلة لا بالسبب أن السبب في معنى الخلف بعد وجود الأصل وإذا تعلق الواجب حقيقة بالخارج في هذه الحالة أشبه العشر، وخراج المقاسمة، وذلك يسقط بهلاك الخارج ويسلم بسلامته كذا ههنا. هذا إذا ذهب كل الخارج، فأما إذا ذهب بعض الخارج، فإن بقي من الخارج مقدار الخراج بأن بقي مقدار درهمين وقفيزين يجب الخراج؛ لأن الخراج ههنا لا يزيد على نصف الخارج، فيمكن إيجابه إذ الشرع ورد بالخراج إلى نصف الخارج كما في خراج المقاسمة، وإن بقي أقل من مقدار الخراجِ ومثلِهِ لا يجب تمام الوظيفة، وإنما يجب قيمة نصف الخارج؛ لأنا لو أوجبنا الوظيفة بتمامها زاد الخراج على نصف الخارج والشرع لم يرد بمثله.
قال (١٥٢أ١) مشايخنا: والصواب في مثل هذا أن ينظر الإمام أولاً، إلى ما أنفق هذا الرجل في هذه الأرض، وينظر إلى الخارج، فيحتسب له ما أنفق، فيرفع أولاً من الخارج، فإن فضل شيء منه أخذ منه الخراج على نحو ما بينا.
قال مشايخنا: وما ذكر محمد ﵀ في «الكتاب» ، أن الخراج يسقط بهلاك جميع الغلة محمول على ما إذا لم يبق من السنة مقدار ما يمكنه أن يزرع الأرض ثانياً، قبل دخول السنة الثانية، أما إذا بقي من السنة مقدار ما يمكنه أن يزرع الأرض ثانياً قبل دخول السنة
стр. 858
الثانية، فلم يزرعها لا يسقط عنه الخراج، ويؤيده مسألة «النوادر» على ما تقدم ذكرها.
وذكر القاضي الإمام المظفر رحمة الله عليه في «شرح كتاب العشر والخراج» أن الخراج إنما يسقط بهلاك الغلة إذا كان الهلاك بآفة سماوية لا يمكن التحرز عنها، كالحرق والغرق والبرد وغيرها، أما إذا كان الهلاك بآفة يمكن الاحتراز عنها، كأكل السبع ونحو ذلك، لا يسقط الخراج؛ لأن التقصير جاء من قبل صاحب الأرض، حيث لم يحفظ.
وبعض مشايخنا قالوا: لا خراج، وإن هلك بآفة يمكن التحرز عنها، والقول الأول أصح، ويسقط خراج الأراضي الموت من عليه إذا كان خراج وظيفة، في ظاهر الرواية من أصحابنا، وروى ابن المبارك عن أبي حنيفة أنه لا يسقط، ورفع الفرق بين الخراج وبين العشر على ظاهر الرواية، وعلى رواية ابن المبارك عن أبي حنيفة، فإن العشر لا يسقط بموت من عليه في ظاهر رواية أصحابنا، وفي رواية ابن المبارك عن أبي حنيفة يسقط، أما الفرق على رواية ابن المبارك أن العشر عبادة نظير الزكاة، ثم الزكاة تسقط بالموت، فكذا العشر، أما الخراج فليس بعبادة، بل مؤنة محضة والمؤنة لا تسقط بالموت، وأما الفرق على ظاهر الرواية، أن الخراج صلة تستحق على صاحب الأرض؛ لأن صاحب الأرض لا يسلم له عوض بإزاء ما يعطي، فيشبه من هذا الوجه نفقة الزوجات، فإنها تسقط بالموت، فكذا الخراج.g
فأما العشر فليس بصلة، بل هو في معنى الأعواض؛ لأن الخارج يجب شركاً بين صاحب الأرض، وبين الفقير، وما كان عوضاً لا يسقط بالموت كثمن المبيع، وما أشبهه.
وفي «الفتاوى» : إذا جعل الرجل أرضه الخراجية مقبرة، أو خاناً للغلة، أو مسكناً للفقراء سقط الخراج؛ لأن سبب الخراج أرض تصلح للزراعة، وقد انعدمت الصلاحية، فيسقط ضرورة.
خراج الأراضي إذا توالى على المسلمين سنون: فعند أبي يوسف ومحمد: يؤخذ بجميع ما مضى، وعند أبي حنيفة لا يؤخذ إلا بخراج السنة التي هو فيها، والاختلاف هنا نظير الاختلاف في الجزية، هكذا ذكر شيخ الإسلام في «شرح السير الصغير» ، وذكر صدر الإسلام: الصحيح أنه يؤخذ.
الفصل السابع في تعجيل الخراج
ذكر محمد ﵀ في «نوادر الزكاة» : إذا جعل خراج أرضه لسنة أو سنين، فإنه يجوز؛ لأنه أدى الواجب بعد انعقاد سبب الوجوب؛ لأن سبب وجوب الخراج الأرض النامية، ومحله الذمة، وقد وجدنا بعقد السبب كما في باب الزكاة.
في «المنتقى» : رجل عجل خراج أرضه، ثم غرقت الأرض في تلك السنة، قال: يرد عليه ما أدى من خراجه، فإن زرعها في السنة الثانية حسب له، وعن محمد: في رجل أعطى خراج أرضه لسنين، ثم غلب عليها الماء، وصارت دجلة قال: يرد عليه إذا كان
стр. 859
قائماً بعينه، وإن كان قد دفعه، فلا شيء عليه يريد به: إذا كان صرفه إلى المقاتلة، فلا شيء عليه، فقد راعى شرطاً، وهو كون المدفوع قائماً بعينه؛ لأن الخراج في حق المصروف إليه في معنى الصلة، والصلات إذا أمضيت لا يتبعها تبعة.
الفصل الثامن في المتفرقات
وإن وجوب الخراج عند أبي حنيفة ﵀ أول السنة لكن بشرط بقاء الأرض النامية في يديه سنة، إما حقيقة، أو اعتباراً السلطان إذا جعل خراج الأرض لصاحب الأرض، وترك عليه يجوز عند أبي يوسف، وقال: أبو يوسف.... أن السلطان لو قبض الخراج من ضاحية الأرض، ثم رأى الصرف إليه أولى كان له ذلك ولا فائدة في أخذ ثم دفع، وقال محمد ﵀؛ لا يجوز، رواه ابن سماعة عنه، ويتبقى لمن عليه أن يؤدي ما عليه من الخراج، وإن جعل العشر لصاحب الأرض لا يجوز بالإجماع، محمد سوى بينهما من حيث أن الحق فيهما للعامة، فلا يجوز تخصيص البعض به.
وفي «نوادر هشام» : إذا جعل السلطان خراج الأرض لصاحب الأرض يجوز من غير ذكر خلاف، وعن أبي يوسف: السلطان إذا ترك الخراج لمن يعلم أنه ليس بمحل لصرف الخراج إليه ينبغي أن يجهز غادياً ويتصدق به على المساكين، وهذا لأن مصرف الخراج المقاتلة، وإن فضل، فالمصرف المساكين المتروك له قادر على الصرف إلى المقاتلة، وإلى المساكين فله ذلك.
وعنه أيضاً: والي الزكاة إذا ترك لرجل خراجه، فليجهز غازياً، أو يتصدق به على المساكين، وإلا لم يسعه، وأراد بوالي الزكاة العاشر ومن بمعناه، إذا فوض إليه أخذ الأخرجة، ولم يكن والياً مطلقاً عام الولاية، فترك الخراج منه لا يصح؛ لأن المفوض إليه مجرد الأخذ.
قال في كتاب «العشر والخراج» : إذا كان للرجل أرض خراج لا يسعه يأكل منها حتى يؤدي خراجها، قال بعض مشايخنا: هذا (١٥٢ب١) إذا كان الخراج خراج مقاسمة؛ لأنه بمعنى العشر بعض الخارج، فيصير أكله من غلة مشتركة، أما إذا كان الخراج خراج وظيفة، فهو يجب في الذمة لا تعلق له بالمحل، فكان الخارج حق صاحب الأرض على الخلوص، فيجعل له التناول، وبعضهم قالوا: وإن كان الخراج خراج وظيفة، فالجواب يكون كذلك أيضاً؛ لأن الخارج محبوس بالخراج، فإن للسلطان أن يحبس الغلة إلى أن يستوفي الخراج، فهو بمنزلة المبيع إذا كان محبوساً بالثمن، ولا يحل للمشتري تناول المبيع قبل أداء الثمن، كذا هذا.
стр. 860
قال في «الجامع الصغير» : إذا كان للرجل أرض زعفران، فترك الزعفران بغير عذر، وزرع فيها الحبوب يوضع عليه خراج الزعفران، وكذلك من انتقل إلى أحد الأمرين بغير عذر، بأن كان له كرم مثلاً، أو زرع فيها الحبوب، يؤخذ منه خراج الكرم؛ لأنه هو الذي صنع الزيادة، فصار كما لو عطل أرضه.
وفي كتاب «العشر والخراج» ، إذا أجر أرضاً تصلح للزراعة من الأراضي الخراجية من رجل، فجعلها المستأجر كرماً، ذكر في بعض الروايات: أن مقدار خراج المزرعة على رب الأرض، والزيادة إلى تمام خراج الكرم على المستأجر؛ لأنها إنما صارت كرماً بصنع المستأجر.
السلطان الجائر إذا أخذ خراج الأراضي خرج صاحب الأراضي عن العهدة؛ لأنهم يضعون الخراج مواضعها، وهم المقاتلة.
في «فتاوى أبي الليث» وفي «فتاوى أهل سمرقند» : السلطان إذا لم يطلب خراج الأرض، فعلى أصحاب الأراضي أن يتصدقوا به على الفقراء، ولو طلب السلطان الخراج وتصدق من عليه بنفسه لا يجزئه.
إذا اشترى أرضاً من أراضي الخراج، ولم يقبضها، أو قبضها، ولكن منعه إنسان عن زراعتها، فلا خراج عليه؛ لأن الخراج إنما يجب على المالك، ليتمكن من الزراعة وفي «فتاوى أبي الليث» : فيه خراج أراضيها على التعاون.
طلب من ثقل خراج أرضه تسوية خراج أراضي القرية، قال الفقيه أبو القاسم: إذا لم يعرف ابتداء وضع الخراج على هذه القرية أنه كان على التساوي أو على التفاوت ترك على حاله.
وفي كتاب «العشر والخراج» ، وينبغي للوالي أن يولي الخراج رجلاً يرفق بالناس ويعدل عليهم في خراجهم، وأن يأخذهم بالخراج كلما خرجت غلة، فيأخذهم بقدر ذلك حتى يستوفي تمام الخراج في آخر الغلة، وأراد بهذا أن يوزع الخراج على قدر الغلة، حتى إن الأرض إذا كان يزرع فيها غلة الربيع وغلة الخريف، فعند حصول غلة الربيع ينظر المتولي أن هذه الأرض كم تغل غلة الخريف بطريق الحزر والظن؟ فإن وقع عنده أنها تغل مثل غلة الربيع، فإنه ينصف الخراج، فيأخذ نصف الخراج من غلة الربيع، فيؤخر النصف إلى غلة الخريف، وهذا لأن وجوب الخراج باعتبار الريع، ولهذا لو هلك الريع يبطل الخراج، فيتوزع على الريع، وبهذا لو هلك الريع يبطل الخراج، فيتوزع على الريع، وكذلك يفعل في البقول ينظر إن كان مما يخرج خمس مرات يأخذ من كل مرة خمس الخراج، وإن كان مما يخرج أربع مرات يأخذ من كل مرة ربع الخراج، وعلى هذا القياس، فافهم.
وفي «فتاوى أهل سمرقند» : ضيعة لرجل بعضها كروم، وبعضها قراح، فاشترى قوم الكروم، واشترى قوم القراح، فإن كان حصة الكروم من الخراج معلومة من الابتداء وحصة القراح، كذلك يبنى الحكم عليه، وإن كان خراج يخرج جملة ولا يعلم حصة
стр. 861
الكروم، ولا حصة القراح من الابتداء، فإن كان الكرم كرماً من الابتداء لم يعرف إلا هو كرم، والأرض القراح كذلك كان على الكروم وعلى القراح، فإن كان الكل دراهم يقسم على قدر المنافع، فإن كان موضع الكرم قراحاً في الأصل، ثم جعل كرماً من بعد قسم الخراج على الأرض القراح، فإن الكل كذلك، والله أعلم.
وفي «مجموع النوازل» قال إبراهيم بن يوسف: سألت أبا يوسف عن رجل ارتد، ولحق بدار الحرب، والعياذ بالله، وله كروم، وأرض خراج وورق، ثم رجع مسلماً بعد الحول، والمال قائم، قال: ليس عليه في الدراهم شيء، ويؤخذ منه العشر والخراج. انتهى بيان النوع الأول، وهو خراج الأراضي بيقين.
جئنا إلى بيان النوع الثاني، وهو خراج الروس، فنقول: ترك الكافر في دار الإسلام بالجزية جائز عرف ذلك بالكتاب، وبفعل النبي ﷺ وإجماع الصحابة من بعده.
أما الكتاب بقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ (التوبة: ٢٩) والأمر بقتال الكفرة إلى غاية إعطاء الجزية، فهذا يدلك على أن ترك الكفرة بالجزية جائز.
وأما فعل النبي ﵇؛ فلأنه ترك كثيراً من الكفار على الكفر بالجزية.
وأما إجماع الصحابة، فإن عمر ﵁ «بعث حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف لتوظيف خراج الأراضي، والروس بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد، وكان إجماعاً» .
بعد هذا يحتاج إلى معرفة من يقبل منه الجزية ومن لا تقبل، وإلى معرفة ما يجب عليهم، وإلى معرفة وقت وجوبه، وإلى معرفة ما يوجب سقوطه وإلى معرفة ما يؤاخذون به بعد صرف الجزية (١٥٣أ١) وقبول عقد الذمة.
أما بيان من تقبل منه الجزية.
فنقول: تقبل الجزية من جميع أهل الكتاب بلا خلاف سواء كانوا من العرب، أو من العجم، ولا تقبل من مشركي العرب، وعبدة الأوثان، والمرتدين بلا خلاف، وتقبل من مشركي العجم من عبدة الأوثان عندنا، وتقبل من المجوسي بلا خلاف، والمسألة تأتي في كتاب «السير» إن شاء الله تعالى.
وأما بيان ما يجب عليهم:
فنقول: أهل الذمة في حق ما يجب عليهم أنواع ثلاثة التغلبي والنصراني من النصارى وسائر أهل الذمة.
أما التغلب: ي فالواجب عليه الصدقة المضاعفة اتباعاً لصلح عمر ﵁ معهم.
وأما النصراني: فالواجب عليهم الحلل اتباعاً لصلح رسول الله ﵇.
وأما سائر أهل الذمة قالوا: الواجب على المعتمل منهم الجزية على الترتيب الذي نبين بعد هذا، وتكلموا في معنى المعتمل والصحيح من معناه الذي يقدر على العمل، وإن لم يحسن حرفته، وإنما خصصنا القادر على العمل بإيجاب الجزية حتى لا تجب على المقعد، والأعمى والشيخ الكبير الذي لا يستطيع الكسب؛ لأن الجزية لا تجب إلا على المقاتلين؛ لأنها عقوبة للمقاتلين، ولهذا لا يجب على النسوان والصبيان، وكذلك لا تجب على العبيد والمكاتب والمدبرين؛ لأنهم لا يملكون القتال شرعاً؛ لأنهم لا يملكون ماله قوام القتال، وهو البدن، فبسبب أن الجزية عقوبة المقاتلين، والذي لا يقدر على
стр. 862
العمل لا يقدر على القتال، فلا يجب عليه الجزية، فشرطنا القدرة على العمل لهذا.
ثم القادر على العمل. إن كان معسراً، فعليه اثني عشر درهماً، وإن كان وسط الحال، فعليه أربعة وعشرون درهماً، وإن كان غنياً فعليه ثمانية وأربعون درهماً، وإنما اعتبرنا هذا الترتيب؛ لأن الجزية عقوبة باليد، والغني أمثل لهذه العقوبة من الفقير، فشرع في حق الغني أكثر مما شرع في حق الفقير استدلالاً بسائر العبادات المالية، فأصل التفاوت بتفاوت الغنى معقول، والتقدير اتبعنا فيه الشرع، وقد ورد أن الشرع بنى التقدير على الترتيب الذي بينا، فقد صح أن عمر ﵁ حين بعث حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف إلى سواد العراق ليوظف الخراج، والجزية، وظفا الجزية على الترتيب الذي ذكرنا، وقدر عمر ﵁ ذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد، وكان إجماعاً، وتكلم العلماء في معرفة الغني والفقير والوسط.
حكي عن عيسى بن أبان أنه قال: الفقير المعتمل الذي لا مال له، وإنما يعيش بكسب يده في كل يوم، وإنما يؤخذ منه اثنا عشر درهماً، إذا كان يفضل شيء من كسبه عن قوته وقوت عياله، أما إذا كان لا يفضل شيء من قوته وقوت عياله، فإنه لا يؤخذ منه شيء، وهكذا ذكر في «النوادر» عن محمد.
وأما الوسط فهو الذي له مال إلا أن ذلك المال لا يكفيه مَدَّ عمره، فيحتاج إلى العمل في بعض الأوقات لرحبة عمره.
وأما الغني، فهو الذي له مال يكفيه لعمره من غير أن يعمل فيه.
وقال الفقيه أبو جعفر ﵀: يعتبر في كل بلدة عرفها، فمن عده الناس في بلدهم فقيراً أو وسطاً أو غنياً، فهو كذلك، وهو الأصح، وتؤخذ الجزية من قسيسهم ورهبانهم، هكذا ذكر في كتاب «العشر والخراج» ، وفي آخر «السير الكبير» أن عند أبي حنيفة تؤخذ، منهم الجزية، وعندهما لا تؤخذ ولا تؤخذ من المجنون والمعتوه.
وأما بيان وقت وجوب الجزية، فنقول: الجزية تجب بأقل الحول عندنا، حتى كان للإمام أن يطالبه بالجزية متى قبل عقد الذمة، والاستيفاء في آخر الحول بطريق التخفيف، والتأجيل عند أبي حنيفة، وهذا لأن الجزية خلف عن القتل، وبعقد الذمة سقط الأصل، فيجب خلفه في الحال غير أن الحول تخفيف وتأجيل عند أبي حنيفة، فيؤخذ في آخر الحول قبل دخول الحول الثاني.
وعن أبي يوسف أنه قال: يؤخذ في كل شهرين يقسط ذلك.
وفي «المنتقى» : عن أبي يوسف: يعامل على الجزية كالضريبة كلما مضى شهران، أو نحو ذلك أخذ منه شيء، ولا يؤخذ منه جميع ذلك حتى تتم السنة، وعن محمد أنه يؤخذ في كل شهر بقسطه.
وفي «المنتقى» بشر عن أبي يوسف إذا احتلم الغلام من أهل الذمة في أول السنة قبل أن توضع الجزية على رؤوس الرجال، وهو موسر، وضع عليه الجزية، وإن أسلم بعدما وضعت الجزية على رؤوس رجال لم يؤخذ عنه لتلك السنة، هذا الفصل بناءً على ما قلنا إن وجوب الجزية وتوظيفها في أول السنة، فراعى أهلية التوظيف في تلك الحالة،
стр. 863
وعلى هذه المجنون يعتق، والمملوك يعتق، والحربي إذا صار ذمة أول السنة، أو آخرها.
وفي «المنتقى» قال أبو يوسف: إذا أغمي عليه، أو أصابه زمانة، وهو موسر أخذت منه الجزية، قال الحاكم أبو الفضل: هذا خلاف رواية «الأصل» ، معنى المسألة إذا أغمي عليه، أو أصابته زمانة في آخر السنة، فعلى رواية هذا الكتاب شرط أخذ الجزية أهلية الوجوب من أول الحول إلى آخره.
وأما بيان ما يوجب سقوطه، فمن جملة ذلك الموت، وإنه على وجهين:
إما أن يموت في بعض السنة، أو بعد تمام، وكيف ما كان لا يؤخذ من تركته؛ لأنها عقوبة الكفر وجبت للزجر عن الكفر، وهذا المقصود (١٥٣ب١) لا يتحقق بعد الموت، فيسقط ضرورة، وكذلك يسقط بالإسلام لما ذكرنا.
وفي «المنتقى» عن محمد: نصراني عجل خراج رأسه لسنتين، ثم أسلم قال: يرد إليه خراج سنة، وإن أدى خراج سنة، ثم أسلم في أول السنة لم يرد إليه، وهذه مسألة بناءً على ما قلنا: إن وجوب الجزية في الأولى لسنة، والخطاب بالأداء في آخر السنة، أو متفرق على أشهر السنة على حسب ما اختلفوا، فإذا أدى في أول سنة خراج هذه السنة، وخراج سنة أخرى على سبيل التعجيل، ثم أسلم ففي السنة الأولى وجد المانع من الوجوب قبل الوجوب، وفي هذه السنة عقوبة استوفيت بعد الوجوب، فلا يجب الرد.
قال محمد ﵀ في كتاب «العشر والخراج» : قوم لم يؤخذ منه خراج رأسه على ما وظف حتى جاء سنة أخرى لا يؤدي، لما مضى عند أبي حنيفة.
وعندهما يؤخذ، ولعل المسألة أن الجزية إذا اجتمعت وتوالت تداخلت عند أبي حنيفة، وعندهما لا.
هما يقولان: إن امتداد المدة يؤكد السبب، وما يؤكد السبب لا ينافي حكم السبب.
بيانه: أن سبب الجزية الكفر، والكفر يتغلظ لطول المدة، ولأبي حنيفة أن الجزية في حق من تجب عليه عقوبة الكفر شرعت الزجر عن الكفر، وفي حق المصروف إليهم، وهم مقاتلة خلف عن النصرة بالبدل، فإن نظرنا إلى معنى العقوبة، فالعقوبات إذا اجتمعت تداخلت؛ لأن الزجر يحصل بالواحد؛ لأن الزجر لا يحصل في الماضي، وإنما يحصل في المستقبل، والواحد يكفي لذلك، وإذا عمي، أو صار مقعداً، أو شيخاً كبيراً لا يقدر على العمل لا يؤخذ لما مضى بالاتفاق، أما على قول أبي حنيفة فظاهر، وأما على قولهما؛ فلأن الجزية إنما تؤخذ بطريق العقوبة، وهؤلاء ليسوا من أهل هذه العقوبة.
وأما بيان ما يؤخذون به بعد ضرب الجزية وقبول عقد الذمة.
قال محمد ﵀: في آخر «الجامع الصغير» ويؤخذ أهل الذمة بإظهار الكستيجات والركوب على السرج كهيئة الأكف، وقال في كتاب «العشر والخراج» : وينبغي أن لا يترك أحد من أهل الذمة يتشبه بالمسلمين في ملبوسه ولا مركوبه، ولا في
стр. 864
زيه وهيئته، والمعنى: أنا لو تركناهم يتشبهون بنا في هيئة اللباس والمركب كنا متشبهين بهم، وقد نهينا عن التشبه بهم بقدر الإمكان، والإمكان في أصل اللباس إن لم يكن ثابتاً، ففي هيئة اللباس ثابت، فوجب المخالفة فيه؛ ولأنهم من أهل الصغار، والمسلمون من أهل العز، فيجب إظهار المخالفة في الزي، والهيئة ليقع التمييز بيننا وبينهم، فلا يذل المسلم، ولا يعز الكافر، ولأنا نهينا عن بدايتهم بالسلام والتحية. قال الله تعالى: ﴿لا تتخذوا عدوي﴾ إلى قوله: ﴿تلقون إليهم بالمودة﴾ (الممتحنة: ١) ، فلا بد من علانية يعرفهم كيلا يحسبهم مسلمين، فيبدأهم بالتحية، ويمنعون عن ركوب الفرس؛ لأن من باب العز، وهم من أهل الصغار، فيمنعون عنه إلا إذا وقعت الحاجة إلى ذلك بأن استعان بهم الإمام في المحاربة، والذب عن المسلمين، هكذا ذكر شيخ الإسلام.
وذكر صدر الإسلام: ويمنعون عن ركوب الأفراس الفاخرة؛ إلا الكوادن قال شيخ الإسلام: ولا يمنعون عن ركوب البغل، لأنه نتج الحمار، ولا يمنعون عن ركوب الحمار؛ لأن كل أحد لا يقدر على المشي، ولكن يمنعون من أن يضعوا على المركب سرجاً كسرج المسلمين، وينبغي أن يكون على قربوس سرجهم مثل الرمان، والأصل في هذا كله ما روي عن عمر ﵁ «أنه كتب إلى أمراء الأمصار والجنود أن لا يتركوا أهل الذمة يتشبهون بالمسلمين في ثيابهم ومركبهم» .
واختلفوا في قوله: وينبغي أن يكون على قربوس سرجهم مثل مقدم الأكاف وهو مثل الرمان، وقال بعض مشايخنا:..... أن تكون سروجهم كسروج المسلمين، وعلى مقدمها شيء كالرمان والأول أصح، فإنه أقرب إلى موافقة رواية «الجامع الصغير» .
قال: ويمنعون لبس الرداء والعمائم، والدباغة التي يلبسها علماء الدين؛ لأن فيه تشدقاً، وينبغي أن يلبسوا ملابس مضربة، وكذلك يمنعون أن يكون شراك نعالهم كشراك نعالنا، وفي ديارنا لا يلبس الرجال النعال، وإنما يلبسون المكاعب، فيجب أن تكون مكاعبهم على خلاف مكاعبنا، وينبغي أن تكون خشنة فاسدة اللون، ولا تكون مزينة تحقيراً لهم، وينبغي أن يؤخذ..... يتخذ كل إنسان منهم بمثل الخيط الغليط يعقد على وسطه به أمر عمر ﵁، والمعنى فيه أن المقصود هو العلامة، ليقع التمييز بين المسلمين وبينهم، والغالب وقوع البصر على الوسط، وكان الوسط في تحصيل هذا المقصود أبلغ، وينبغي أن يكون ذلك من الخيط أو الصوف، ولا يكون من الإبريسم وينبغي أن يكون غليظاً، ولا يكون رفيعاً بحيث لا يقع البصر عليه، إلا وأن يدقق النظر قال شيخ الإسلام: أن يعتمد الخيط ويربط عقداً، ولا يجعل له حلقة يشده كما يشد المسلم المنطقة، ولكن يعلقون على الحقارة، واندفاع التلبيس في هذا أشد، ولا يتركون أن يلبسوا خفافاً مزينة، وينبغي أن تكون (١٥٤أ١) خفافهم خشنة فاسدة اللون.
стр. 865
وكذا لا يتركون أن يلبسوا أقبية خشنة من كراس، أراد أنها طويلة وذيولهم قصيرة، وكذلك يلبسون قمصاً خشنة من كربيس جيوبهم على صدورهم كما يكون النسوان، وهذا كله إذا وقع الظهور عليهم، فأما إذا وقع معهم الصلح على بعض هذه الأشياء، فإنهم يتركون على ذلك، ثم اختلف المشايخ بعد هذا أن المخالفة بيننا وبينهم شرط بعلامة واحدة أو بعلامتين، أو بالثلاث، قال بعضهم: بعلامة واحدة إما على الرأس كالقلنسوة الطويلة المصرية، أو على الوسط، كالكستيج، أو على الرجل كالنعل والمكعب على خلاف نعالنا ومكاعبنا، لحصول ما هو المقصود وهو التمييز بالعلامة الواحدة، وقال بعضهم: لا بد من الثلاث؛ لأن التمييز لا يحصل بالواحدة لا محالة؛ لأن البصر قد يقع على الرأس لا غير، وقد يقع على الوسط لا غير، وقد يقع على الرجل لا غير، والمقصود هو التمييز وقت اللقاء وقت وقوع البصر عليهم حتى لا يعظمهم، فلا يبدئهم بالسلام، ومنهم من قال: في النصراني يكتفي بعلامة واحدة، وفي اليهود يحتاج إلى علامتين، وفي المجوس يحتاج إلى ثلاث علامات، وإليه مال الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل ﵀، ووجه ذلك أن هذه العلامات تشعر بالذل والصغار، وإنما صاروا مستحقين للذل والصغار بالكفر، فيزداد بزيادة غلظ الكفر، وينتقص بخفة الكفر، وكفر المجوسي أغلظ من كفر اليهود، والنصارى؛ لأنهم أنكروا نبوة جميع الأنبياء، فشرط في حقهم ثلاث علامات زيادة في ذلهم وصغارهم، وكفر اليهود بعد ذلك أغلط من كفر النصارى؛ لأن اليهود يجحدون نبوة نبيين نبوة نبينا ونبوة عيسى.
والنصارى يجحدون نبوة نبي واحد، وهو نبينا، وكان كفر اليهود أغلظ، فشرط في حقهم علامتان، واكتفي في حق النصراني بعلامة واحدة، قال شيخ الإسلام: والأحسن أن يكون في الكل ثلاث علامات، ليقع الامتياز لا محالة، وكان الحاكم الإمام أبو محمد الكوفي ﵀ يقول: إن صالحهم الإمام، وأعطاهم الذمة بعلامة واحدة، لا يزاد عليها، وأما إذا فتح بلدة قهراً وعنوة كان للإمام أن يلزمهم بعلامات، وهو الصحيح.m
ولا يتركون حتى يحدثوا كنيسة أو بيعة، وبيت نار في مصر من أمصار المسلمين، قال ﵇: «لا كنيسة ولا بيعة في الإسلام» ؛ ولأن في إحداث البيع والكنائس في الأمصار إعلان دين الكفر، ونحن إنما أعطيناهم الذمة بشرط أن لا يعلنوا ما كان في دينهم ولا يمنعون من إحداث الكنائس في القرى في ظاهر الرواية، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنهم يمنعون من إحداث الكنائس في القرى، كما يمنعون من ذلك في الأمصار، وهكذا ذكر محمد في كتاب «العشر والخراج» ؛ لأن في إحداث الكنائس إعلان دين الكفر، وقد منعوا عن إعلان دين الكفر في القرى كما يمنعون عنه في الأمصار، ألا ترى أنهم يمنعون من إظهار الخمور والخنازير ومنع الربا في القرى كما يمنعون عن ذلك في الأمصار؟ فكذا يمنعون عن إحداث الكنائس في القرى كما يمنعون عن ذلك في الأمصار.
стр. 866
وظاهر رواية أصحابنا: أن إحداث الكنيسة والبيعة مباح بعينه؛ لأنه بناء وعمارة، والبناء والعمارة مباح في الإسلام، ولهذا لو وجد مثل ذلك من المسلمين كان مباحاً، وإنما تحريمه لأجل قصدهم هذا البناء المعصية، وكان حراماً لغيره، فلكونه حراماً لغيره منعوا عن إحداثها في الأمصار، ولكونه مباحاً لعينه لم يمنعوا عن إحداثها في القرى توفيراً على الشبهين حظهما، بخلاف بيع الخمر والخنزير؛ لأنه حرام ومعصية لعينه، وهم منعوا عن إظهار المعاصي في دار الإسلام، فأما إذا كانت الكنيسة قديمة، ففي القرى تترك القديمة بلا خلاف، وفي الأمصار كذلك يترك القديمة على رواية الإجارات، وعامة الكتب، وعلى رواية كتاب العشر لا يترك القديمة، وبرواية كتاب العشر أخذ الحسن، وعلى هذا إذا كان لهم كنيسة في قرية، فبنى أهلها فيها أبنية كثيرة، وصارت من جملة الأمصار أمروا بهدم الكنيسة على رواية كتاب العشر، وعلى عامة الروايات لا يؤمرون بذلك، وهكذا إذا كانت لهم كنيسة بقرب من المصر، فبنو حولها أبنية حتى اتصل ذلك الموضع بالمصر، وصار كمحلة من محال المصر، أمرهم الإمام بهدم الكنيسة على رواية كتاب العشر، وعلى عامة الروايات لا يؤمرون بذلك، وبرواية كتاب العشر أخذ الحسن بن زياد، والصحيح ما ذكر في عامة الروايات بدليل ما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «أيما أرض صَّر به العرب، فليس لأحد من أهل الذمة أن يبنوا فيها بيعة، ولا كنيسة ولا بيت نار وأن يبيعوا فيها خمراً أو أن يضربوا فيه بناقوس، وما كان قبل ذلك، فحق على المسلمين أن يوفوا لهم» ؛ ولأنه جرى التوارث فيه من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلّمإلى يومنا هذا، تترك الكنائس في الأمصار من غير (١٥٤ب١) نكير منكر، وتوارث الناس من غير نكير منكر حجة شرعاً.
ثم هذه الرواية فيما إذا ظهر الإمام عليهم من غير صلح، فأما إذا وقع الصلح بينهم، وبين الإمام قبل ظهور الإمام، فإن الكنائس تترك على حالها في الروايات كلها، المصر والقرى في ذلك سواء، ثم إذا كانت الكنائس قديمة حتى لم يكن للإمام هدمها ونقضها على عامة الروايات.
إذا انهدمت كنيسة كان لهم بناؤها؛ لأن هذا ليس بإحداث، بل هو إعادة الأول، وكأنه الأول، فلا يمنعون عنه إلا إذا أرادوا أن يبنوا أوسع من الأول، فحينئذٍ يمنعون من الزيادة؛ لأن في حق الزيادة إحداثاً.
قال في كتاب «العشر والخراج» : ولا يترك واحد منهم حتى يشتري داراً، ولا منزلاً في مصر من أمصار المسلمين، وكذلك لا يترك واحد منهم حتى يسكن في مصر من أمصار المسلمين، وبهذه الرواية أخذ الحسن بن زياد، وعلى رواية عامة الكتب يمكنون المقام في دار الإسلام إلا أن يكون المصر من أمصار العرب نحو أرض الحجاز، فإنهم لا يمكنون فيها.
стр. 867
وجه رواية كتاب العشر ما روي أن رسول الله ﵇ «أمر بإخراج اليهود من جزيرة العرب» ، وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﵇ قال: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب لا أدع فيها إلا مسلماً» ، قال: فأخرجهم عمر ﵁، وعن علي ﵁ «أنه أجلاهم من الكوفة» ، والمعنى في ذلك أنهم، لا يمكنوا من شري الدور، لا يشتري كل واحد منهم دوراً، أو منازل، فيؤدي إلى أن يصير جميع المصر لهم، ويخرج من أن يكون دار الإسلام، وإنه لا يجوز.
وجه ما ذكر في عامة الروايات قول ابن عباس ﵄، «وما كان قبل ذلك، فحق على المسلمين أن يوفوا لهم» وسكناهم في الأمصار كان قبل ذلك، فيوفي لهم بترك ذلك عليهم، وعن عمر ﵁ أنه فتح بيت المقدس قهراً، وترك أهل الذمة فيها، وخالد بن الوليد فتح مدينة وترك أهل الذمة فيها، وفتح أبو عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان أرض الشام عنوة وقهراً، وتركوا أهل الذمة فيها، ولأنا أجمعنا على أنهم يتركون المقام في القرى من أرض العجم، وإنما يتركون، ليسمعوا كلام الله تعالى، فيقفون على مجلس الإسلام، وليروا عزة الإسلام، وعزة أهله، وربما يميل قلبهم إلى الإسلام، وهذا المعنى يقتضي تركهم في الأمصار من الطريق الأولى؛ لأن هذه الفائدة في الأمصار، أتم وأكمل، وما روي من الأخبار سوى خبر علي ﵁، فوجه الجواب عن التمسك بها أنها وردت في الأرض العرب.
ونحن نقول: أنهم لا يمكنون من المقام في أرض العرب، والنص الوارد بخلاف القياس في أرض العرب لا يكون وارداً في سائر الأمصار؛ لأن أرض العرب لها زيادة حرمة لمكان رسول الله ﵇ فيهم ليست تلك الحرمة بسائر الأمصار، فالنص الوارد ثمة لا يكون وارداً هنا، وأما خبر علي ﵁، فهو محمول عندنا على أنه إنما أجلاهم من الكوفة، لمصلحة رأى في ذلك بأن عرف أنهم يقصدون بذلك أن يتملكوا جميع الكوفة، فتصير الدار لهم، ولا كلام فيما ينقله الإمام على سبيل المصلحة، فإنا نقول به.
فصل في تبين خراج الروس والأراضي
قال محمد ﵀ في «الزيادات» : إذا أراد أن يصالح أهل دار من ديار الحرب كل سنة على دراهم معلومة، وعلى كيل من الطعام معلوم، أو على عدد من الثياب معلومة عن أراضيهم وجماجمهم، فهو جائز، فقد صح «أن رسول الله ﵇ صالح أهل الحرب، وهم نصارى كل سنة على ألف ومئتي حلة من حللهم يؤدون النصف في المحرم والنصف في رجب» ، وله الخيار إن شاء جمع بين الرقاب والأراضي فجعلها خراجاً
стр. 868
واحداً من دراهم، أو الدنانير، أو الكيل، أو الوزن، أو الثياب، كما فعل رسول الله ﵇ بأهل نجران، وإن شاء أفرد كل واحد منهما، فإن جمع قسم المال على الأراضي والجماجم على قدر حال الجماجم وعددهم، وعلى قدر الأراضي بالعدل والإنصاف؛ لأن المال قوبلت بشيئين بالأراضي والجماجم، والمال متى قوبل بشيئين يقسم عليهما بالحصص.
فما أصاب الجماجم، فهو جزية حتى يقسم على الترتيب الذي ذكرنا دون النسوان والصبيان، والذمي غير المقاتلين.
وما أصاب الأراضي يكون خراجاً حتى يقسم على عدد الأراضي على قدر ريع والعلة على الترتيب الذي ذكرنا، وهذا لأنه لا وجه إلى إهمال جماجم الكفار عن الجزية بعدما وقع الصلح، ولا إلى إخلاء الأراضي النامية عن المؤنة، ويقدر إيجاب مال آخر مكان الصلح، فمست الضرورة إلى أن يجعل ما أصاب الجماجم جزية، وما أصاب الأراضي خراجاً.
فإن قلت الجماجم بأن مات بعضهم، وأسلموا تدخل حصتهم في خراج الأراضي إن احتملت، وكذلك لو زادت الجماجم فهاهنا دخل حصة الجماجم في خراج الأراضي إن احتملت؛ لأن المال مسمى في الصلح جملة، وليس بمفرق، فلهذا يمنع الطرح، فتدخل وظيفة الأراضي وأمكن القول به؛ لأن الأراضي أصل في هذا الباب، والرقاب (١٥٥أ١) تبع حتى لم يجز إفراد الرقاب بالمن، والمعنى أن الجماجم ليس لها أصول باقية؛ لأنها تهلك فينقطع حق المقاتلة، والأراضي لها أصول باقية، وهو الخراج، فتبقى منفعة المقاتلة، والبدل متى قوبل بشيئين أحدهما تبع، والآخر متبوع كان للبائع حصة من البدل ما دام باقياً، وإذا هلك يصرف كل البدل إلى المتبوع، كما إذا اشترى أرضاً فيها نخيل بثمن معلوم كان للنخيل حصة من الثمن ما دامت قائمة، وعند الهلاك يجعل كل الثمن بمقابلة الأرض كذا ههنا.
قال: إذا كانت الأراضي لا تحتمل ذلك، فحينئذٍ يوظف عليها بقدر ما احتملت اعتباراً لكل منها بالابتداء، فإن كثرت الجماجم بعد ذلك رد عليهم حصتهم؛ لأن الطرح كان لضرورة، وقد ارتفعت الضرورة.
وإن هلكت الأراضي بأن بارت، أو غرقت، وبقيت الجماجم لا يحول وظيفة الأراضي إلى الجماجم؛ لأن الجماجم تبع في هذا الباب، والأراضي أصل، وعند هلاك الأصل لا يجعل كل البدل بمقابلة التبع، بل تسقط حصة الأصل.
ولو لم تهلك الأراضي، ولكن قل ريعها تحسب حصة الأراضي، وتقلب إلى الجماجم إن احتملت، فإن عاد ريع الأراضي على الكمال اعتد عليها ما رد، وكذلك إذا لم يقل ريع الأراضي، ولكن كثرت الجماجم نقص عن الأراضي، وصرف من خراجها إلى الجماجم بقدر ما تحتمل كما إذا دُقَّ النخل قبل القبض، فإنه ينقص من حصة الأرض، ويصرف إلى النخيل، كذا هنا، هذا إذا جمع بين الرقاب والأراضي في الصلح،
стр. 869
وأما إذا أفرد، فحمل للجماجم حصة معلومة من المال يدخل إحدى الوظيفتين في الأخرى حتى أنه إذا قلت الجماجم سقط حصة من قلت، وكذلك إذا هلكت الجماجم جملة سقط حصة الجماجم جملة، ولا يصرف إلى الأراضي شيء من حصة الجماجم، وكذلك إذا كثرت الجماجم، وقل ريع الأراضي، أو بقي على حاله لم يصرف إلى الجماجم شيء من حصة الأراضي.
وإنما كان كذلك؛ لأن الجماجم وإن كانت تابعة للأراضي في حكم المنّ، إلا أنها لما أفردت بالصلح وبالبدل صارت أصلاً، وهلاك بعض الأصل يسقط ما بإزائه من البدل، كما لو اشترى أرضاً فيها نخيل، وسمى لكل واحد ثمناً معلومة، فاحترقت بنخيل قبل القبض، ولو صالحهم الإمام في الابتداء على مال معلوم على أن يأخذ ذلك من الأراضي دون الجماجم، أو من الجماجم دون الأراضي، كان ذلك باطلاً؛ لأن فيه إهمال جماجم الكفار، وإخلاء الأرض النامية عن المؤنة، وذلك باطل، ولكن هذا لا يبطل الذمة؛ لأن عقد الذمة لا يبطل بالشروط الفاسدة، بل يبطل الشرط، ويبقى المال مقابلاً بهما، وصار هذا، وما تقدم سواء.
قال: ولو أسلم أهل هذه الدار التي صالحهم الإمام على مال معلوم يؤدون عن رؤوسهم وأراضيهم سقط عنهم خراج الرؤوس، وخراج الأراضي على حاله، فالإسلام ينافي خراج الرؤوس، أما لا ينافي خراج الأراضي، والأصل في ذلك ما روي أن علياً ﵁ قال لدهقان: «إن أسلمت وضعنا عنك خراج رأسك، وأخذنا منك خراج أرضك» ، وعن عمر ﵁ «أنه أخذ من دهقانة نهر الملك خراج أرضها بعدما أسلمت» ، وعن ابن مسعود، والحسن بن علي، وأبي هريرة، وابن عمر ﵃ «أنهم اشتروا أراضي خراجية بالسواد، وكانوا يؤدون الخراج عنها» .
وإن أراد الإمام أن يجعل الأراضي عشرية فليس له ذلك، فقد صح أن عمر ﵁ ترك من أسلم من أهل سواد عراق على خراج أرضه، ولم يغير، وهو المقتدى في هذا الباب، ولو فعل ذلك، وحكم به وكان من رأيه ذلك، ثم ولى غيره، ورأى حكمه بعده، وأمضاه؛ لأنه مجتهد فيه، فإن من العلماء من قال: بأن أراضي الكفار بعدما أسلموا تصير عشرية، وهو مالك.
ولو لم يسلم أهل هذه الدار، لكن أراد الإمام أن ينقلهم من دارهم إلى دار قوم من أهل الذمة لا يجوز ذلك إلا بعلة؛ لأنهم لما قبلوا عقد الذمة ليتوطنوا في دارهم، فكان في النقل غدر بهم، والغدر حرام، فلا يفعل الإمام ذلك إلا لعلة، والعلة أن يخاف الإمام عليهم لضعفهم وعجزهم عن دفع الكفار عن أرضهم إن قصدهم، أو يخاف عليهم أن يخبروا الكفار بعورات المسلمين، وإذا فعل إن شاء قوم أراضيهم، وأعطاهم أثمانها، كما
стр. 870
فعل يهود وادي القرى، وإن شاء أبدلهم أراضي القوم الذين نقلهم إلى بلادهم كما فعل عمر ﵁ بأهل نجران «فإنه ﵁ أعطاهم أراضي من العراق مثل أراضيهم» ، وإذا فعل ذلك كان على رأس كل فريق الوظيفة التي كانت عليهم في بلدتهم، وكان على كل فريق خراج الأرض المنقول عنها، هكذا ذكر في «الزيادات» ، وذكر في رواية أخرى أن على كل فريق خراج الأرض المنقول (لها) ، واختلف المشايخ فيه.
بعضهم قالوا: في المسألة روايتان، وذكروا لكل رواية وجهين:
وجه ما ذكر في الزيادات: أن الوظيفة إنما وجب عليهم بالصلح، وإنما وقع الصلح مع كل فريق على وظيفة المنقول عنها، وجه الرواية الأخرى: أن هذا من الإمام مبادلة الأراضي بالأراضي، وفي مبادلة (١٥٥ب١) الأراضي بالأراضي بعشر خراج المنقول إليه، كما إذا اشترى الرجلان أرضاً بأرض، وبعضهم قالوا: ليس في المسألة روايتان، ولكن كل رواية مأولة.
واختلفوا في التأويل، بعضهم قالوا: ما ذكر في الزيادات محمول على ما إذا لم يكن للمنقول إليها خراج موظف، فيقدر خراج المنقول إليها بخراج المنقول عنها؛ لأن ذلك الخراج المنقول حقيقة، وما ذكر في الرواية الأخرى محمول على ما إذا كان للمنقول إليها خراج موظف مقدر، وبعضهم قالوا: ما ذكر في الزيادات محمول على ما إذا وقع الصلح عن الأراضي إذ لا يمكن الفصل، وما ذكر في الرواية الأخرى محمول على ما إذا وقع الصلح متفرقاً، وعند ذلك الفصل ممكن، فيعتبر في الأراضي خراج المنقول إليها، فإن كانت إحدى الأراضي خير من الأخرى، والإمام يريد للذين حولهم إلى الأراضي الردية في المساجد حتى يأخذوا مثل ما أخذ منهم في القيمة اعتباراً لنظر بين الجانبين.
هذا إذا نقل إلى تلك الأراضي قوماً من أهل الذمة، وإن نقل إليها قوماً من المسلمين، فعلى المسلمين خراج تلك الأراضي؛ لأن الخراج استقر وظيفة هذه الأراضي، فلا يبطل بإسلام المالك بعد ذلك، كما لو اشترى المسلم أرضاً خراجياً، فبعد ذلك: إن كان المال مفرداً في الصلح جعل الإمام على المسلمين حصة الأراضي، وإن كان جملة قسم المال على جماجم الذين أخرجهم، وعلى الأراضي كل سنة، فما أصاب الأراضي جعل على المسلمين الذين نقلهم إليها، وما أصاب الجماجم جعل على الذين نقلهم عنها، والله أعلم.
стр. 871
كتاب المعادن والركاز والكنوز
اعلم بأن الكنز اسم لمال مدفون في الأرض دفنه بنو آدم، والمعدن اسم لمال جعلها الله تعالى في الأرضين يوم خلقها، والركاز قد يذكر، ويراد به المعدن وقد يذكر ويراد به الكنز إلا أنه للمعدن حقيقة وللكنز مجاز؛ لأن الركاز مأخوذ من الركز، وهو الإتيان يقال: ركز رمحه في الأرض إذا ثبته فيها، والمثبت في الأرض حقيقة عرق الذهب، فأما الكنز موضوع فيها، وليس بمثبت حقيقة، وأما الكلام في المعدن، فلا يخلو: إما إن وجده في أرض مباحة، أو وجده في أرضه، أو في داره.
فإن وجده في أرض مباحة وجب فيه الخمس، سواء كان معدن ذهب، أو معدن فضة، أو رصاص، أو أصفراً، ولأن له حكم الغنيمة؛ لأن هذه المواضع كانت في أيدي الكفرة ثم وقعت في أيدينا بحكم القهر، فكانت غنيمة، فيجب فيها الخمس، ويكون أربعة أخماسها للواحد، وكان ينبغي أن يكون للمسلمين الغانمين؛ لأن لها حكم الغنيمة.
والجواب: هذا المال كان مباحاً قبل أخذ الغانمين، والمال المباح إنما يملك بإثبات اليد عليه، كالصيد، ويد الغانمين ثابتة في هذا المال حكماً لا حقيقة؛ لأن إثبات اليد على ظاهر الأرض إثبات على باطنها حكماً لا حقيقة، وهو في يد الواحد حقيقة، فاعتبار الحكم إن أوجب الملك للغانمين، فاعتبار الحقيقة لا يوجب الملك لهم، والملك لم يكن ثابتاً لهم، فلا يثبت بالشك والاحتمال، فلا يعطى الأربعة الأخماس حكم الغنيمة في حق الغانمين لهذا المعنى، أما في حق وجوب الخمس أعطيت حكم الغنيمة؛ لأن جهة الحكم توجب الخمس وجهة الحقيقة لا توجب، فيترجح الموجب احتياطاً.
وإن وجده في دار، فليس فيه شيء، وهو لصاحب الدار، وقال أبو يوسف ومحمد: فيه الخمس اعتباراً بالأرض، والجامع بينهما أنه مال معلوم، ولأبي حنيفة ﵀: أن الذهب والفضة التي في المعادن من جملة أجر الأرض؛ لأنها قامت مع الأرض، ولهذا يملكه المشتري بشراء الدار، والدار بسائر أجزائها خلف عن حقوق الله تعالى، وصارت ملكاً للمالك.
ألا ترى أنه لا يجب فيها عشر ولا خراج فكذا هذا الجزء وأما الأرض، ففي الموجود فيه روايتان عن أبي حنيفة ذكر في «الأصل» أنه لا يجب فيه شيء، وسوى بين الموجود في الأرض، والموجود في الدار، وجه ذلك أن سائر أجزاء الأرض سلم له بالعشر والخراج، ولا يجب فيها حق آخر، فكذا هذا الجزء.
وذكر في «الجامع الصغير» أن فيه الخمس، وفرق على هذه الرواية بين الموجود في
стр. 872
الأرض، وبين الموجود في الدار، والفرق: أن سائر أجزء الأرض غير سالمة لصاحب الأرض خالياً عن حق الله تعالى، فإنه يجب فيه عشر، أو خراج، فكذا هذا الجزء، وسائر أجزاء الدار سلم لصاحبها خالية عن حق الله، فكذا هذا الجزء.
وأما قوله: بأن هذا مال معلوم، قلنا: نعم، ولكنه مودع في الأرض، وقد أخذ الخمس من ظاهر الأرض، فجاز أن لا يؤخذ فيما هو مودع فيها.
وأما الكلام في الكنز، فلا يخلو من وجهين الأول: أن يجده في دار الإسلام، وإنه على وجوه:
أحدها: أن يجده في أرض غير مملوكة بحق المغارة والجبال وما أشبهها، فإن كان فيه علامات الإسلام كالمصحف والدراهم المكتوبة فيها الشهادة، وما أشبه ذلك، فهو بمنزلة اللقطة يعرفها حولاً، وإن كان فيه علامات الشرك نحو الصنم والصليب (١٥٦أ١) وما أشبهها، ففيه الخمس، وأربعة الأخماس للواجد، وهذا لأنه إذا كان فيه علامات الإسلام، فالظاهر أنه من وضع المسلمين، ومال المسلم لا يصير غنيمة، والمالك ليس بمعلوم، فيكون له حكم اللقطة.
وإذا كان فيه علامات الشرك، فالظاهر أنه من وضع مشركين، وقع في أيدينا بإيجاف الخيل والركاب، فيكون غنيمة، فيجب فيه الخمس، وإن لم يكن فيه علامات تدل على شيء، فهو لقطة في زماننا؛ لأن العهد قد تقادم، فالظاهر أنه لم يبق شيء مما دفنه أهل الحرب، ويستوي أن يكون الواجد صغيراً أو كبيراً، أو عبداً مسلماً، أو ذمياً؛ لأن استحقاق هذا المال بمنزلة استحقاق الغنيمة، ولجميع من سميت حق في الغنيمة، فيكون لهم حق في استحقاق هذا المال، إلا إن ترجح للعبد والذمي والصبي في القتال، ولا يبلغ نصيبهم السهم تحرز عن المساواة بين التبع والمتبوع عند المزاحمة، وهنا لا تزاحم للواجد في الاستحقاق حتى يصير التفاضل، فلهذا كان الواجد حربياً مستأمناً لا يعطى له شيء؛ لأنه لا حظ لأهل الحرب من غنيمة المسلمين إلا أن يكون الحربي عمل بإذن الإمام وشرطه وتعاطيه، فعليه أن يفي بشرطه؛ لأن الوفاء بالشرط واجب قال ﵇ «المسلمون عند شروطهم» .
وإن وجده في دار مملوكة له، وفيه علامات الشرك، أو لم يكن فيه، الخمس وأربعة أخماسه للمختط له عند أبي حنيفة، ومحمد، وهو الذي اختطه الإمام حين فتح أهل الإسلام تلك البلدة إن كان فيئاً، ولا شيء للواجد، وقال أبو يوسف: هو للواجد؛ لأن هذا مال مباح سبقت إليه يده الحقيقية، فيكون أحق به كما لو وجده في المغارة.
بيانه: إن هذا المال كان مباحاً، والمباح يملك بإثبات اليد، ويد المختط له، تثبت على هذا المال حكماً لا حقيقة، ويد الواجد تثبت عليها حقيقة، فاعتبار الحكم إن كان
стр. 873
يقتضي ثبوت الملك للمختط له فاعتبار الحقيقة يقتضي ثبوت الملك للواجد، فيترجح الواجد؛ لأن الحقيقي فوق الحكمي.
ولأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: أن يد المختط له على الكنز سبقت يد الواجد، فيكون ملكاً له كالمعدن، وهذا لأن اليد على ما في باطن الأرض تثبت حكماً لثبوتها على الظاهر؛ لأن قبل القسمة تلك يد عموم، وبعد الاختطاط تصير يد خصوص، واليد الحكمية تكفي لثبوت الملك في المباح إذا كانت يد خصوص، ولا تكفي إذا كانت يد عموم تعتبر اليد الحكمية باليد الحقيقية، واليد إذا كان يد خصوص تفيد الملك على وجه يكفي لنفاذ التصرف.
ألا ترى أن تصرف الغازي في الغنيمة قبل القسمة لا ينفذ، وبعد القسمة ينفذ، فكذا اليد الحكمية، فيثبت الملك للمختط باليد الحكمية، ثم المختط له إن باع، وتناولته الأيدي لا يبطل ملكه في الكنز؛ لأن البيع تناول الدار، والكنز ليس من أجزاء الدار، والمشتري وإن استولى على الكنز لا يملكه، لأن الكنز للمختط له، وإنه مسلم، ومال المسلم لا يملك بالاستيلاء.
الوجه الثاني: إذا وجد كنزاً في دار الحرب، فاعلم بأن محمداً ﵀ وضع هذه المسألة في «الجامع الصغير» ، وفي «الأصل» في الركاز، فقال:
m
مسلم دخل دار الحرب بأمان، ووجد في دار بعضهم ركازاً رده عليهم، وإن وجده في الصحراء يريد به موضعاً، لا يكون مملوكاً لأحد كالمغارة ونحوها، فهو له، ولا شيء فيه، قال شيخ الإسلام: أراد بالركاز في هذه المسألة المعدن دون الكنز؛ لأن الموجود في الصحراء إن كان كنزاً يلزمه الرد عليهم؛ لأن الداخل دار الحرب بأمان التزم أن لا يغدر بهم، وفي أخذ الكنز من دارهم غدر وخيانة لما فيه من التعرض بملكهم؛ لأن المدفون ملكهم سواء في الصحراء، أو في دار.
والقدوري ذكر هذه المسألة في «شرحه» ، ووضعها في الكنز، وجعل الجواب فيه على نحو ما ذكره محمد ﵀ في «الأصل» وفي «الجامع الصغير» ، فهذا يبين لك أن الكنز والمعدن في هذه الصورة واحد.
ووجه ذلك: أن يد صاحب الدار حقيقة، فتعتبر ثابتة على ما في باطن الدار حكماً، والأمان يمنع إزالة يدهم عما فيها، فأما الصحراء، فلا يد لأحد ظاهرة حقيقة حتى تعتبر ثابتة على ما في باطنه حكماً، فلا يمنع الأمان أخذه كما لا يمنع أخذ الحطب والحشيش.
ولا خمس في العنبر والروح الذي يوجد في الجبال، وكذا في الياقوت والزمرد؛ لأنه ليس له حكم الغنيمة؛ لأنه لم يكن في يد أحد، وليس له معدن إنما يوجد بالطلب، فكان كالصيد بخلاف الكنز؛ لأن الكنز كان مملوكاً للكفرة، وكان في أيديهم، ثم كنزوها، فيكون له حكم الغنيمة، فيجب فيه الخمس.
ولا خمس في الذهب والفضة يستخرجان من البحر، وكذلك جميع ما يستخرج من
стр. 874
البحر كالعنبر واللؤلؤ، فلا خمس فيه ليس بغنيمة؛ لأن الغنيمة ما كان في أيدي الكفرة، ثم صار في أيدينا بحكم القهر والغلبة، وباطن البحر لا يرد عليه يد أحد، ولا قهر أحد، فلم يكن غنيمة، وفي كل موضع وجب الخمس لو دفع الواجد الخمس بنفسه إلى الفقراء، ولم يدفعه إلى السلطان لا يأخذ منه السلطان (١٥٦ب١) ثانياً بخلاف زكاة السوائم، ولو دفع الواجد الخمس إلى والديه، أو إلى والده، وهم فقراء يجوز بخلاف الزكاة والكفارات وصدقة الفطر، ويجوز له أن يحبس الخمس لنفسه إذا كان أربعة الأخماس لا يكفيه لحديث علي ﵁.
قال محمد ﵀: في آخر كتاب الزكاة من «الأصل» فصل في بيان بيوت الأموال: يجب أن تكون بيت الأموال أربعة:
أحدها: بيت مال الزكاة والعشور والكفارات إذا وصلت إلى يد الإمام.
والثاني: بيت مال الخراج والجزية التي نقلت، وما يأخذه العاشر من الكفرة.
والثالث: فصل في بيان بيوت الأموال: بيت مال الخمس يعني خمس الغنائم والمعادن والركاز والكنوز.
والرابع: بيت مال اللقطات والتركات، وإنما وجب أن يكون بيوت المال أربعة أما بيت مال الزكاة والخراج والخمس؛ فلأن بكل مال منها حكم يختص به لا يشاركه مال آخر فيه، فمتى جعل الكل في بيت واحد، وخلطه لا يمكنه إقامة حكم كل مال، وأما بيت مال اللقطات والتركات؛ لأنه ربما يظهر لها مستحق بعينها، فلو خلطها بغيرها لا يمكنه ردها بعينها على مستحقها، فيجعل بيوت المال أربعة لهذا.
بيان ذلك: إن مال الزكاة، وعشور الأراضي مصروفة إلى المذكور في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ (التوبة: ٦٠) إلا أنه لا يجوز صرفها إلى المقاتلة، ولا إلى فقراء بني هاشم، وقال: الخراج والجزية تصرف إلى المقاتلة، وإلى سد ثغور المسلمين، وبناء الحصون في الثغور، وإلى مراصد الطريق في دار الإسلام ليقع الأمن عن قطع الطريق من جهة اللصوص، وإلى كري الأنهار العظام الذي فيه صلاح المسلمين، وإلى من فرغ نفسه لعمل المسلمين نحو القضاة والمحتسب والمفتين والمؤذنين والمعلمين، وإلى عمارة المساجد والقناطر، وإلى معالجة المرضى إذا كانوا فقراء، وإلى تكفين الموتى الذين لا مال لهم، وإلى نفقة اللقيط وعقل حياته، وما أشبه ذلك.
والحاصل: أن هذا النوع يصرف إلى ما فيه صلاح الدين، وصلاح دار الإسلام والمسلمين، ومال الخمس يصرف إلى فقراء المسلمين الهاشمي وغيره سواء، اللقطات والتركات تصرف إلى ما فيه صلاح المسلمين كمال الخراج والجزية، إلا أنه يجعل لها بيت على حدة، لما ذكرنا أنه ربما يظهر لها مستحق بعينها.
ولو كان في بعض بيوت هذه الأمور مال، ولم يكن في البعض مال، فللإمام أن يصرف مال ذلك البيت إلى هذا البيت عند الحاجة حتى إذا لم يكن في بيت مال الخراج مال، وفي بيت مال الصدقة مال، فالإمام يأخذ بيت مال الصدقة، ويصرفه إلى المقاتلة،
стр. 875
ثم إذا وصل إليه مال الخراج، يرد على بيت مال الصدقة مثل ما أخذ؛ لأنه لا حق للمقاتلة في مال الصدقة، وإنما صرف إليهم على وجه القرض، فيرد مثله عند القدرة، إلا إذا صرف إلى فقراء المقاتلة، فحينئذٍ لا يرد؛ لأنه صرفه إلى مصرفه.
ولو لم يكن في بيت مال الصدقة مال، وصرف مال الخراج إلى الفقراء، ثم وصل إليه مال الصدقات، لا يرد مثله إلى بيت مال الخراج؛ لأن الخراج له حكم الغنيمة، وللفقراء حظ من الغنيمة، وإنما كان لا يعطي الفقير من مال الخراج؛ لاستغنائه بالصدقات، فإذا احتاج وصرف إليه كان الصرف إلى المصرف، فلا يصير قرضاً، والله أعلم.
стр. 876
كتاب الصوم
هذا الكتاب يشتمل على أربعة عشر فصلاً:
١ * في بيان وقت الصوم وما يتصل به.
٢ * فيما يتعلق برؤية الهلال.
٣ * فيما يتعلق بالنية.
٤ * فيما يفسد الصوم، وما لا يفسد.
٥ * في وجوب الكفارة في إفساد الصوم.
٦ * فيما يكره للصائم أن يفعله، وما لا يكره.
٧ * في الأسباب المبيحة للفطر.
٨ * في بيان الأوقات التي يكره فيها الصوم.
٩ * فيما يصير شبهة في إسقاط الكفارة.
١٠ * في المجنون والمغمى عليه، والصبي يبلغ، والنصراني يسلم، والحائض تطهر، ومن بمعناهم.
١١ * في النذور.
١٢ * في الاعتكاف.
١٣ * في صدقة الفطر.
١٤ * في المتفرقات.
стр. 877
الفصل الأول في بيان وقت الصوم وما يتصل به
قال أصحابنا ﵏: وقت الصوم من حين يطلع الفجر الثاني، وهو الفجر المستطير المنتشر في الأفق إلى وقت غروب الشمس خروج وقت الصوم، ولم ينقل عنهم أن العبرة لأول طلوع الفجر الثاني، أو لاستطارته وانتشاره، وقد اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: العبرة لأوله، وبعضهم قالوا: العبرة لاستطارته، قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀: القول الأول أحوط، والثاني أوسع.
وإذا شك في الفجر قال في «الأصل» : أحب إليّ أن يدع الأكل والشرب، قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الخليلي ﵀: الواجب على من شك في طلوع الفجر أن يطالع الفجر أو يأمر من ينوبه حتى يطالعه، فإن طالع وليس في السماء علة بأن لم تكن السماء مقمرة، ولا متغيمة وليس ببصره علة، وهو ينظر إلى مطلع الفجر، فله أن يأكل ما لم يطلع الفجر، فإن كان في موضع لا يرى طلوع الفجر، أو يرى، إلا أن السماء كانت مقمرة، أو متغيمة، فإن انضم إلى الشك علامة أخرى تدل على طلوع الفجر من حيث الظاهر بأن كان له ورد يوافق فراغه طلوع الفجر، ففرغ منها. (١٥٧أ١)
وشك في طلوع الفجر، أو كان يرى نجماً إذا أخذ مكاناً من السماء يوافق ذلك طلوع الفجر، فإذا انضم إلى الشك مثل هذه العلامة يدع الأكل والشرب، ويكون مسيئاً إذا أكل أو شرب، ويكون عليه القضاء إن كان أكبر رأيه أن الفجر طالع، هكذا ذكر شيخ الإسلام خواهرزاده.
وذكر القدوري: أن في هذا الفصل روايتين، وقال: الصحيح أنه لا قضاء عليه؛ لأن الأصل بقاء الليل، ونحن على ذكر الأصل حتى يقوم الدليل بخلافه، إلا أنه يستحب له القضاء احتياطاً لأمر العبادة، وإن لم يصم إلى الشك مثل ما ذكرنا من العلامة يستحب له أن يترك الأكل.
وإن أكل لا يكون مسيئاً، ولا قضاء عليه، إلا إذا كان أكبر رأيه أن الفجر طالع، فحينئذٍ يستحب له القضاء، وإن أمر إنساناً ليطالع طلوع الفجر، فأخبره بالطلوع، فإن كان المخبر عدلاً يجوز له أن يأكل حراً كان أو مملوكاً ذكراً كان أو أنثى، وإن أخبره صبي عاقل لا يأكل إذا غلب على ظنه أنه صادق، وإن أخبره عدل بالطلوع، وعدل آخر بعدم الطلوع يتحرى سواء كان أحدهما حراً، والآخر مملوكاً، وإن كان من أحد الجانبين عدلان، أو من الجانب الآخر عدل يأخذ بقول العدلين، وإن كان من أحد الجانبين عدلان حران، ومن الجانب الآخر مملوك يأخذ بقول الحرين، وإن كان يأكل، فأخبره
стр. 878
عدل أن الفجر طالع، فأتم الأكل لا تلزمه الكفارة؛ لأنه قد أكل قبل الإخبار، وفسد صومه، لا عن كفارة، فلا تلزمه الكفارة بأكل يوجد بعد ذلك حتى لو لم يكن أكل قبل الإخبار، وإنما أكل بعد الأخبار تلزمه الكفارة، وإن كان يأكل فقال: له واحد عدل محوركه سهده دمدمي أو قال: مي دمد، فأكل مع ذلك، وظهر أن الفجر كان طالعاً لزمه الكفارة.
في «مجموع النوازل» ؛ لأن قوله: دمدمي إخبار أنه يطلع الآن، فما كان من الأكل قبل الإخبار، فإنما كان قبل طلوع الفجر، فلم يفسد به الصوم، وما وجد من الأكل بعد ذلك وجد بعد طلوع الفجر، وبعد العلم به فيكون عمد وقصد، فيوجب الكفارة.
ولو أخبره عدلان أن الفجر قد طلع، وعدلان أنه لم يطلع، فأكل بعد ذلك، ثم ظهر أن الفجر كان طالعاً هل تلزمه الكفارة؟ اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: لا تلزمه الكفارة؛ لأن البينتين قد تعارضتا، فتساقطتا، وكان سحراً على ظن أن الفجر لم يطلع، وهناك لا تلزمه الكفارة، وبعضهم قالوا: تلزمه الكفارة.
ولو شهد واحد على طلوع الفجر، واثنان على أنه لم يطلع لم تجب الكفارة، ولو أراد أن يتسحر بالتحري، فإن ذلك إذا كان بحال لا يمكنه مطالعة الفجر بنفسه أو بغيره، وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀: أن من تسحر بأكبر الرأي لا بأس إذ كان هذا الرجل ممن لا يخفى على مثله، مثل ذلك، وإن كان ممن يخفى عليه مثل ذلك قبيله أن يدع الأكل، وإن أراد أن يتسحر بضرب طبل سَحَرِيَ، فإن كثر ذلك الصوت من كل جانب، وفي جميع أطراف البلدة، فلا بأس به، وإن كان يسمع صوتاً واحداً، فإن علم عدالته يعتمد عليه وإن عرف فسقه لا يعتمد عليه وإن لم يعرف حاله يحتاط ولا يأكل.
وإن أراد أن يعتمد بصياح الديك، فقد أنكر ذلك بعض مشايخنا، وقال بعضهم: لا بأس به إذا كان قد جربه مراراً، وظهر له أنه يضبط الوقت، إذا تسحر فدخل عليه قوم، وقالوا له: الفجر طالع، فقال: إذاً حصل الفطر آكل أكلاً مشبعاً، فأكل، ثم ظهر أن الأكل الأول كان قبل الصبح، والثاني بعد الصبح قال الحاكم أبو محمد الكوفي ﵀: إن كانوا مما عرف عدالتهم؟ لا كفارة.
وإن كان المخبر واحداً إلا أنه عدل، فكذلك الجواب، وإن كان فاسقاً، فعليه الكفارة،
وإذا قالت المرأة لزوجها: طالعت الفجر، فلم يطلع بعد، فجامعها، ثم ظهر أن الفجر كان طالعاً قال الحاكم الإمام أبو محمد الكوفي ﵀: إن صدقها، وهي ثقة لا كفارة عليه، وقال عبد الرحمن بن أبي الليث، في «فتاويه» : لا كفارة عليه من غير تقييد، وعليها الكفارة، وكذا أفتى القاضي الإمام أبو علي، والخطيب مصطفى بن اليمان، هذا كله بيان الأحكام المتعلقة بأول وقت الصوم.
جئناً إلى بيان الأحكام المتعلقة بآخر الوقت قال بعض مشايخنا: لا يجوز الإفطار بالتحري، وعن محمد: إن كان في موضع يمكنه معاينة غروب شمس لا يمنعه عن ذلك
стр. 879
مانع لا يفطر بالتحري، بل يفطر بالمعاينة، وإن منعه عن ذلك مانع يفطر بالتحري بعد أن يتيقن فيه، ويحتاط نحو أن يتبع العلامة من الظلام ونحوه وبنحوه، روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀، وذكر شمس الأئمة الحلواني أن ظاهر مذهب أصحابنا: أنه يجوز الإفطار بالتحري،
وإن أفطر وغالب رأيه أن الشمس قد غربت، ثم تبين أنها لم تغرب بعد كان عليه قضاء ذلك اليوم، بخلاف ما إذا تسحر، وغالب رأيه أن الفجر لم يطلع؛ ثم تبين أنه قد طلع، فإنه لا يجب عليه القضاء، بل يستحب له القضاء على الرواية الصحيحة؛ لأن ثمة الأصل بقاء الليل، فلا يترك إلا بيقين مثله، وههنا الأصل بقاء النهار، فلا يترك إلا بيقين مثله
وأما إذا شك في غروب الشمس، والشك يساوي اليقين، فلو فطر، ثم تبين (١٥٧ب١) أن الشمس ما غربت تلزمه الكفارة، هكذا قاله الفقيه أبو جعفر، ووجه ما ذكرنا: أن الأصل بقاء النهار، وروى ابن رستم عن محمد أنه لا كفارة عليه استحساناً، وإن أخبره مخبر بغروب الشمس، من المشايخ من قال: لا يجوز له الفطر بقول الواحد بل شرط المثنى.
قال شمس الأئمة الحلواني: كان الجواب أنه لا بأس بأن يعتمد على قوله إذا كان عدلاً، ويميل قلبه إلى صدقه كما في السحر،
ولو أخبره عدلان أن الشمس قد غربت، وأخبره عدلان أنها لم تغرب، فلا كفارة عليه؛ لأن اللذان شهدا بعدم الغروب لم تقبل شهادتهما، إما لأن هذه شهادة على النفي، أو لأن الأصل هو النهار، وإن بانت بدون شهادتهما، أو اللذان شهدا على الغروب شهدا على إثبات ما ليس بثابت بشهادتهما، فيثبت الغروب بشهادتهما؛ فلهذا لا تجب الكفارة، وبهذا الطريق تجب الكفارة عند بعض المشايخ في مسألة طلوع الفجر، وهو الصحيح
سئل شمس الأئمة الحلواني عن الإفطار يوم الغيم، فقال: جواب هذه المسألة لا يؤخذ في الكتب، والجواب فيها كالجواب في مراعاة الوقت ليصلي، وهناك قال أصحابنا: يؤخر المغرب فكذا ههنا يؤخر الإفطار يأخذ فيه بالثقة ما استطاع، والله أعلم.
الفصل الثاني فيما يتعلق برؤية الهلال
الواحد إذا شهد برؤية هلال رمضان، فإن كانت السماء متغيمة تقبل شهادة الواحد إذا كان مسلماً رجلاً كان، أو امرأة، أو عبداً، أو أمة أو محدوداً في قذف تائباً بعد أن يكون عدلاً في ظاهر الرواية، وذكر الطحاوي: أنه تقبل شهادة الفاسق، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنه لا تقبل شهادة المحدود في القذف بعد التوبة.
أما إذا كان مستور الحال، فالظاهر أن لا تقبل شهادته، وروى الحسن عن أبي
стр. 880
حنيفة: أنه تقبل شهادته، وهو الصحيح، وكان الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن فضل ﵀ يقول: إذا كانت السماء متغيمة إنما تقبل شهادة الواحد إذا فسر، وقال: رأيت الهلال خارج البلدة في الصحراء، ويقول: رأيته في البلدة بين الخلل السحاب في وقت يدخل في السحاب ثم ينجلي، أما بدون هذا التفسير لا تقبل شهادة الواحد في ظاهر الرواية، خلافاً لما روي الحسن عن أبي حنيفة، بل يحتاج فيه إلى زيادة العدد، واختلفوا في مقدار ذلك،
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنه تقبل شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، وعن أبي يوسف أنه قال: يعتبر في ذلك جمع عظيم، وروي عنه أنه قدره بعدد القسامة.
وعن خلف بن أيوب أنه قال: خمسمائة ببلخ قليل، وعن أبي حظ الكبير أنه يعتبر الوفاء، وعن محمد أنه قال: يفوض مقدار القلة والكثرة إلى رأي الإمام، ثم إنما لا تقبل شهادة الواحد على هلال رمضان، إذا كانت السماء مصحية، إذا كان هذا الواحد في المصر، فإذا جاء من خارج المصر، أو جاء من أعلى الأماكن في مصر ذكر الطحاوي أنه تقبل شهادته، وهكذا ذكر في كتاب الاستحسان، وذكر القدوري: أنه لا تقبل شهادته في ظاهر الرواية هذا الذي ذكرنا في هلال رمضان.
وأما إذا قامت الشهادة برؤية هلال شوال، أو برؤية هلال ذي الحجة، إن كانت السماء مصحية، فالجواب فيه كالجواب في رؤية هلال رمضان يعني لا تقبل فيه شهادة الواحد، بل بشرط زيادة العدد، ولا بد من اعتبار العدالة والحرية في شهادات خواهرزاده، وفي «شرح الطحاوي» عن أبي حنيفة ﵀: أنه تقبل في ذلك شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين،
فأما إذا كانت السماء متغيمة، فلا تقبل ما لم يشهد بذلك رجلان، أو رجل وامرأتان في ظاهر الرواية، وفي «المنتقى» أنه يقبل في ذلك شهادة الواحد، علل محمد في «المنتقى» القبول شهادة الواحد على هلال رمضان، فقال: لأن هذا أمر يدخل في فريضة وحق، وفي فصل الإفطار يقول: ههنا خروج عن فرض وحق.
قال: ألا ترى لو شهد مسلم عدل على نصراني أنه أسلم قبل موته، وبرأ من دينه قبلت شهادته حتى يصلى عليه، ولو شهد مسلم عدل على مسلم أنه ارتد، والعياذ بالله لا تقبل شهادته، ولا تترك الصلاة عليه لهذا إن الإسلام دخول في حق وفرض، وتقبل شهادة الواحد العدل عليه، والارتداد خروج حق وفرض، فلم تقبل شهادة الواحد العدل عليه،
وذكر شيخ الإسلام في شرح الشهادات: أن شهادة المثنى في الفطر والأضحى إنما تقبل إذا كان بالسماء علة، أو كانت مصحية وجاءا من مكان آخر، أما إذا كانت مصحية، وما جاءا من مكان آخر لا يكتفى بشهادة اثنين، بل يشترط فيه شهادة جماعة، وعن أبي يوسف في «المنتقى» : ما هو قريب من هذا، فقال: إنما أقبل شهادة الرجلين على هلال شوال إذا كانا قادمين، أو أخبرا أنهما رأياه في غير البلد، أما إذا أخبرا أنهما رأياه في البلد، وكان البلد كثير الأهل يراه الناس لا بد وأن يكونوا جماعة كثيرة.
следующие страницы →