Полный текст (538 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
فصل
قال النصراني:
" ثم إنه لم يكن للمسلمين النصر والغلبة دائما، فإن من المشهور أنهم انهزموا عدة مرات في البر والبحر، وأنهم طردوا عن جميع بلاد الأندلس وغيرها من البلاد، ولا يمكن الأمر الذي هو كثير الانقلاب من حال إلى حال، والذي يشترك فيه أهل الصلاح والطلاح أن يكون دليلا على صحة الدين ".
الجواب - والله الهادي إلى سواء السبيل -:
أن انهزام المسلمين في بعض المواطن غير قادح في صحة الدليل لوجوه:
الأول: أن ذلك لم يمنع حصول الظهور على الأعداء وتمام الوعد الذي وعد به النبي ﷺ بل مع وقوع ذلك في بعض المواطن كان الظهور للمسلمين على جميع أهل الملل، ولما كان الأمر كذلك بطل الاعتراض.
الوجه الثاني: أن سنة الله - تعالى - في رسله وأتباعهم أن يدالوا مرة، ويدال عليهم مرة أخرى، ثم تكون العاقبة لهم.
стр. 457
وبهذا أجاب هرقل أبا سفيان في حديثه الذي قدمناه، حيث قال له هرقل: كيف الحرب بينكم وبينه؟ قال: سجالا، يدال علينا المرة، وندال عليه الأخرى. فقال هرقل: كذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لها العاقبة. فصار هذا من أعلام الرسل، فهو دليل لنا لا علينا، ولله الحمد والمنة.
فإن قيل: ففي الأنبياء من قتل، كما أخبر الله أن بني إسرائيل يقتلون النبيين بغير حق، وفي أهل الفجور من يؤتي سلطانا، ويسلط على قوم مؤمنين كبخت نصر. أجيب بأن من قتل من الأ نبياء فهو كمن يقتل من المؤمنين في الجهاد، كما قال -تعالى-: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ .
ومعلوم أن حال هؤلاء أكمل من حال من يموت من المؤمنين حتف أنفه. كما قال - تعالى -: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ الآية.
стр. 458
ثم الدين الذي قاتل عليه الشهيد ينتصر ويظهر، فتكون لطائفته السعادة في الدنيا والآخرة، ومن قتل منهم كان شهيدا.
وهذا غاية ما يكون من النصر، إذ كان الموت لا بد منه، بخلاف من يهلك هو وطائفته فلا يفوز لا هو ولا هم بمطلوبهم، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
والشهداء قاتلوا باختيارهم، وفعلوا الأسباب التي بها قتلوا، فهم اختاروا الموت، إما أنهم قصدوه، وإما قصدوا ما به يصيرون شهداء، عالمين بأن لهم السعادة في الآخرة وفي الدنيا بالانتصار لطائفتهم، وبقاء لسان الصدق لهم ثناء ودعاء.
بخلاف غيرهم، فإنهم هلكوا بغير اختيارهم هلاكا لا يرجون معه سعادة الآخرة، ولم يحصل لهم ولا لطائفتهم شيء من سعادة الدنيا، بل أتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين، وقد أخبر الله -تعالى- أن كثيرا من الأنبياء قتل معه ربيون كثير، أى: ألوف كثيرة - كما هو أحد الأقوال في الآية - وأنهم ما استكانوا لما أصابهم، بل استغفروا من ذنوبهم التي كانت سبب ظهور العدو، وأن الله آتاهم ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة.
فإذا كان هذا قتل المؤمنين، فما الظن بقتل الأنبياء، ففيه لهم ولأتباعهم من سعادة الدنيا والآخرة ما هو أعظم الفلاح.
الوجه الثالث:
أن في وقوع الهزيمة والكسر على المسلمين في بعض المواطن مصالح عظيمة، وحكما باهرة كثيرة، فمع عناية الله بهم وإرادته
стр. 459
ظهورهم وكرامتهم، ابتلاهم بذلك في بعض الأوقات، لتتم المصلحة، وتنفذ الحكمة، فيعود المكروه محبوبا.
وقد أشار - سبحانه - في سورة آل عمران في سياق قصة أحد إلى أصول المصالح، والحكم في ذلك.
منها: تمييز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، فإنهم لو انتصروا دائما دخل معهم المؤمنون وغيرهم، ولم يتميز الصادق من الكاذب، فاقتضت حكمة الرب - تعالى - أن يبتليهم بذلك ليتميز من يتبعهم ويطيعهم للحق الذي جاءوا به، ممن لا يتبعهم إلا على الظهور والغلبة خاصة، ولم يجعل الغلبة على المؤمنين دائما، لأن ذلك يمنع حصول مقصود البعثة، فاقتضت حكمته - تعالى - أن يجمع لهم بين الأمرين، لتتم المصلحة، ثم يجعل العاقبة لهم.
ومنها: تعريفهم عاقبة المعصية، فإنه - تعالى - أخبر أن ما يصيبهم فهو بسبب ذنوبهم، فيكون ذلك تنبيها على شؤم عاقبة الذنب، ليحتروزا منه.
ومنها: أنه لو نصرهم دائما وأظفرهم بعدوهم في كل موطن،
стр. 460
وجعل لهم التمكن والقهر لأعدائهم أبدا لطغت نفوسهم، وشمخت أنوفهم، كما يكونون لو بسط لهم الرزق، فلا يصلح عباده إلا السراء والضراء، والشدة والرخاء، والقبض والبسط، فهو المدبر لأمر عباده، كما يليق بحكمته، إنه بهم خبير بصير.
ومنها: أنه - سبحانه - هيأ لعباده منازل في دار كرامته لم تبلغها أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة، فقيض لهم الأسباب التي توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه.
ومنها: أن الشهادة عند الله من أعلى المراتب، والشهداء هم خواصه المقربون من عباده، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتسلط العدو.
إلى غير ذلك من الحكم، والمصالح التي تفوت الوصف.
فإذا كان في إدالة العدو على المؤمنين في بعض المراتب ما فيه من المصالح والغايات المحمودة، كان إلى الدلالة على صحة الشريعة أقرب منه إلى العكس، ولم يكن ناقضا للاستدلال؛ إذ هذا يكون لأمر عارض، ومقتض طارئ، ثم تكون العاقبة والنصر للمؤمنين.
بل قد قدمنا أن مثل هذه الأدلة من أعلام الرسل.
ومما يزيد ذلك بيانا ما أشرنا إليه من أن ظهور الكفار على المؤمنين - أحيانا - هو سبب ذنوب المسلمين كيوم أحد.
فإذا تابوا انتصروا، كما قد جرى للمسلمين في عامة ملاحمهم مع الكفار.
стр. 461
فهذا من آيات النبوة؛ فإن النبي إذا قاموا بوصاياه نصروا، وإذا ضيعوها ظهر أولئك عليهم.
فمدار النصر والظهور مع متابعة النبي وجودا وعدما من غير سبب يزاحم ذلك، ودوران الحكم مع الوصف وجودا من غير مزاحمة وصف آخر يوجب العلم بأن المدار عليه.
ومن المعلوم بالاستقراء والتتبع أن نصر الله سببه اتباع النبي ﷺ فهو يدل على أن الله - سبحانه - يريد إعلاء كلمته ونصره ونصر أتباعه. فهذا يوجب العلم بنبوته.
ومن هذ ظهور بخت نصر، إنما كان لما غيرت بنو إسرائيل عهود موسى ﵇ فإذا اتبعوها كانوا منصورين، كما كان في زمن داود وسليمان وغيرهما.
قال الله - تعالى -: " ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ .
стр. 462
فكان ظهور بني إسرائيل تارة وظهور عدوهم تارة من دلائل نبوة موسى ﷺ .
وقد قال - تعالى -: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ فأخبر - تعالى - أن سنته التي لا تبديل لها نصر المؤمنين على الكافرين، والإيمان المستلزم لذلك يتضمن طاعة الله ورسوله، فإذا نقص بالمعاصي كان الأمر بحسبه، كيوم أحد. فهذه عادته المعلومة.
والكاذب الفاجر وإن أعطي دولة فلا بد من زوالها، ولا بد من بقاء لسان السوء له في العالم، وهو وإن ظهر سريعا فإنه يزول سريعا.
وأما الأنبياء فإنهم يبتلون كثيرا؛ ليمحصوا بالبلاء، فإن الله - تعالى - إنما يمكن العبد إذا ابتلاه، ويظهر أمرهم شيئا فشيئا كالزرع.
قال الله - تعالى -: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ ... إلى قوله: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ ... الآية.
стр. 463
ولهذا كان أول من يتبعهم ضعفاء الناس، أشار إليه بعض الأئمة.
فاعتبار هذه الأمور، وسنة الله في أوليائه وأعدائه مما يوجب الفرق بين النوعين وبين دلائل هذا ودلائل هذا.
وأما قول النصراني: " إنهم - يعني المسلمين - طردوا عن بلاد الأندلس وغيرها من البلاد " فهذا من قبيل ما تقدم مما يبتلي الله - تعالى - به عباده، وهو مما جاءت به الأنذار عن النبي ﷺ فإنه أخبر بإدالة العدو على المسلمين، حتى يأخذوا بعض ما في أيديهم إذا أضاعوا أمر الله، وفرطوا فيما أوجبه عليهم من طاعة نبيهم ﷺ فهو من أدلة الرسالة من وجهين:
من جهة إخباره بذلك، فوقع كما أخبر. ومن جهة الاعتبار في ترتب ذلك على معصية الرسول ﷺ .
ثم إنه وإن أخذت من أيدي المسلمين بعض البلاد التي كانت في أيديهم فقد غلبوا على بلاد كثيرة بعد غلبهم على ما غلبوا عليه، فإنه قد حصل للمسلمين الغلبة في بلاد الروم وما والاها بعد خروج الأندلس عن أيديهم بما أكبر بكثير مما غلبوا عليه.
ولا تزال طائفة من هذه الأمة المحمدية على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة.
стр. 464
فظهر بما قررناه الفرق بين الفتوحات الإسلامية وصحة الاستدلال بها على صحة الشريعة، وبين محاربات الملوك المبطلين.
وتبين أن الاشتراك الصوري بين أهل الصلاح والطلاح من بعض الوجوه مع ظهور الفروق الصورية والمعنوية من وجوه أخرى غير قادح في صحة الدليل.
كما أن دخول كثير من الناس في الأديان الباطلة بمجرد الدعوة إليها وإلقاء الشبهات غير مقتض صحة ذلك الباطل، ولا قادح في صحة حجج الأنبياء وأتباعهم، حيث استجاب لهم كثير من الناس بمجرد الدعوة. فهذا اشتراك في صورة الاستجابة بالدعوة.
ولما لم يكن هذا الاشتراك الصوري بين أهل الصلاح والطلاح قادحا في صحة دين الحق ولا مضعفا حجة أهله، فكذلك ما نحن فيه.
стр. 465
فصل
قال النصراني:
" لا سيما حيث إن أكثر حروب الملوك بغير عدل، إذ يقاتلون أمما من غير الظالمين لهم، وليس لهم ما يتعللون به على محاربتهم سوى الاختلاف في الدين، وهذا ما هو إلا غاية عدم الدين، إذ لا تكون عبادة الله إلا ما يصدر عن إرادة النفس.
وأما الإرادة فهي تنقاد بالتعليم والإقناع، لا بالتهديد والقهر.
ومن اضطر لتصديق الدعوى من غير إرادة منه، فهو لا يصدقها، بل يظهر فقط أنه يصدقها هربا من الشدائد.
ومن يلزم غيره بالتسليم له بوساطة التعذيب له، فهو بفعله هذا يدل على عدم ما يستدل به على صحة دعواه ".
الجواب - وبالله التوفيق -:
أما حروب ملوك المسلمين بعضهم لبعض في طلب الملك فليس مما نحن فيه، إذ هو من قتال الفتنة الذي نهى عنه النبي ﷺ وحذر منه، وهو قتال على الدنيا.
وأما القتال الشرعي فهو القتال في سبيل الله لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه.
стр. 466
ولا ريب عند الموافق والمخالف، أن محمدا ﷺ جاء بشرع الجهاد، وتضمن الأمر به القرآن الذي أنزل عليه. وإنما شرع في المدينة بعد الهجرة إلى المدينة حين اجتمع بها المهاجرون والأنصار.
وعند ذلك علم أعداؤه من العرب واليهود أنها كانت لهم دار منعة، فخافوا منهم ما كانوا يحذرون، فرموهم عن قوس واحد، وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم من كل جانب، وكان الله يأمرهم بالصبر والعفو والصفح.
ثم إنه - تعالى - بحكمته أذن لهم في القتال، ولم يفرضه عليهم، فقال - تعالى -: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ .... .
ثم فرض عليهم القتال لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم، فقال - تعالى -: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ ... .
ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة، فقال - تعالى -: ... ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ .
فكان محرما، ثم مأذونا فيه، ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورا به لجميع المشركين.
وإذ كان القتال عن أمر الله وشرعه، كان القيام به من أكبر
стр. 467
الفضائل، وأعظم الوسائل، لما فيه من بذل النفوس والأموال في مرضاة الله وما كان عن أمر الله فهو على وفق الحكمة والعدل، لأنه صدر عن أمر الحكيم الخبير، وقد قامت البراهين واتضحت الدلائل، وظهرت المعجزات على أن محمدا رسول الله، فبطل أن يكون قتال المسلمين لمن خالف الملة قتالا بغير عدل.
وقد ذكرنا فيما تقدم إشارة إلى بعض ما في شرع الجهاد من الحكم والغايات المحمودة.
وأما قتال المسلمين أمما من غير الظالمين لهم، وأن السبب إنما هو الاختلاف في الدين، فهذا أوضح حجة على أنه على مقتضى العدل، لأنهم إنما يقاتلون المشركين بالله الكافرين به وبرسله، كما كان النبي ﷺ إذا بعث سرية، قال:.... «اغزوا بسم الله، قاتلوا من كفر بالله» ... . فأعظم الظلم وأكبر الذنوب الشرك بالله والكفر به.
فشرع الله الجهاد ليكون الدين كله له كما قال تعالى:
стр. 468
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ .
وإذا كان قتالك من ظلمك واعتدى عليك، حتى يكف عن ظلمه واعتدائه لا يكون ظلما ولا قبيحا، فكيف يكون قتال الكافر بالله، المكذب لرسوله وكتابه، الآتي بأعظم الظلم وأكبر الذنب، يقال فيه: إنه بغير عدل؟ ! ما هذا إلا جهل عظيم، كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون.
وقوله: " إذ لا تكون عبادة الله إلا ما يصدر عن إرادة النفس " إلى قوله: " فهو لا يصدقها، بل يظهر فقط أنه يصدقها، هربا من الشدائد ".
جوابه:
أن هذا وإن وجد في آحاد من الناس فليس على العموم، فلا تنتقض به الحكمة في مشروعية الجهاد، فإنه قد دخل في الإسلام فئام من الناس بالقتال، وافتتحت ديارهم بالسيف، فدخلوا وكثير منهم كارهون، فلما خالطوا المسلمين، وسمعوا القرآن، وبلغتهم معجزات النبوة وآيات الرسالة صلحت عقائدهم، وانفتحت بصائرهم، وعلموا أنه الحق، ودانوا به باطنا وظاهرا، وعلموا أبناءهم ونساءهم، وبذلوا يه نفوسهم وأموالهم.
هذا ما لا يرتاب فيه ذو عقل صحيح.
стр. 469
وهل يستجيز من له أدنى مسكة من عقل أن يقول: إن من دخل في الإسلام بعد قيام الجهاد من العرب وغيرهم من أصناف الأمم أنهم إنما يصدقون بالإسلام ظاهرا فقط؟
هذا مما يعلم فساده ببديهة العقل فإن الله قد خص هذه الأمة بما وهبها من الإيمان بالله ورسوله، وتمام الانقياد لما جاء به الرسول، منشرحة بذلك صدورهم، مصدقة به قلوبهم، ما لم يعط غيرهم من الأمم، وذلك لما أيد به نبيهم ﷺ من المعجزات، وأنواع الأدلة والآيات، ولهذا كان أكثر الأنبياء تابعا يوم القيامة، وكان أمته خير الأمم، وأكثر أهل الجنة، وأول الناس سبقا إلى الجنة كما قال ﷺ : " «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» ".
ولا ينتقض ما ذكرناه بالمنافقين والزنادقة، فإنهم مقهورون مغمورون في المؤمنين، بل في وجودهم بين المؤمنين مع كونهم أعداء لهم في صورة أولياء، واجتهادهم في الإضرار بدينهم ودنياهم وسعيهم في ذلك بكل ما أمكنهم، ثم لم يظفروا بمطلوبهم، ولم يحصلوا على مرادهم دليل على صحة الشريعة وأنها من عند الله .
والمقصود أن الله نصب الأدلة والبراهين على صدق رسوله وصحة
стр. 470
ما جاء من النبوة والكتاب، وشرع الجهاد وسيلة إلى إبلاغ الحجة وإيصال الدليل إلى المكلفين، فإن من كان على دين وجد عليه آباءه وأسلافه، وأشربه قلبه، وألفته نفسه لا يختار دينا غيره، ولا يلتفت إلى سواه، فلا يصغي إلى حجج الحق وبراهينه.
فكان من رحمة الله بعباده أن أمر رسوله ﷺ بالجهاد، لتبلغ الحجة مبلغها، فينذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين.
وأما قول النصراني: " ومن يلزم غيره بالتسليم له بوساطة التعذيب أو التخويف ... إلى آخره " فهو كلام ساقط، فإن الأنبياء ﵈ جاؤوا بالرسالة إلى الأمم مقرونة بالتخويف بالعذاب للمكذبين والإنذار للمخالفين، كما جاءت بالبشارة للمؤمنين والرجاء للمصدقين، ومنهم من جاء بالقتال.
وبنو إسرائيل لما امتنعوا من التزام أحكام التوراة - لثقلها عليهم - رفع الله جبلا فوق رؤوسهم، وقيل لهم: التزموا وإلا وقع عليكم الجبل.
كما قال - تعالى -: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
وقال - تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ﴾ .... .
стр. 471
وأيضا فالشرائع جاءت بالحدود وإيقاع العقوبة بالعصاة، ليرتدعوا عن المعاصي والمخالفات، وكل هذا إلزام بالأحكام بوساطة التعذيب أو التخويف، أفكان ذلك دليلا على عدم البرهان فيما دعا إليه الأنبياء ﵈؟ ! وإذا لم يكن كذلك بطل هذا التمويه.
стр. 472
فصل
قال النصراني:
" ثم إن ما يجعلونه علة للقتال من الاختلاف في الدين فينقضه فعلهم، حيث يتركون من ينخضع لهم، ويتدين بأي دين أراد.
وقولهم - أيضا -: إن للنصارى في شريعتهم ما يكفي لهم خلاصا ".
الجواب - وبالله التوفيق -:
مراده بتركهم من يخضع لهم إقرار أهل الكتاب ونحوهم بالجزية.
وهذا ليس على العموم في أهل كل دين، فإطلاقه باطل، فإنها لما نزلت آية الجزية، وهي قول الله - تعالى -: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ .
أخذها النبي ﷺ من ثلاث طوائف: اليهود، والنصارى، والمجوس، ولم يأخذها من عباد الأصنام.
стр. 473
فاختلف العلماء ههنا، فقيل: لا يجوز أخذها من كافر غير هؤلاء ومن دان بدينهم، اقتداء بأخذه وتركه. وقيل: بل تؤخذ - أيضا - من عبدة الأصنام من العجم دون العرب.
والأول قول الشافعي وأحمد في رواية عنه.
والثاني قول أبي حنيفة وأحمد في روايته الأخرى.
وعلى القول الأول فإنما أخذها النبي ﷺ من المجوس، لأن لهم شبهة كتاب، لما ورد في بعض الأحاديث أنه كان لهم كتاب ثم رفع.
وجاء عنه ﷺ أنه قال في المجوس: " «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» ".
стр. 474
وليس المراد بسط هذه المسألة، وإنما المقصود أن أخذ الجزية ممن بذلها للمسلمين ليس على العموم في حق كل كافر.
وإذا عرف هذا فليس في إقرار من يقر بالجزية من الكفار ما يكون قدحا في حكمة الشريعة وكمالها، فإن أحكام الشريعة جاءت في كل باب على وفق الحكمة والمصلحة، والذي شرعها هو الرب وهو أحكم الحاكمين.
وقد قامت الأدلة القاطعة على نبوة محمد ﷺ وأن القرآن كلام الله - تعالى - ورسالته إلى خلقه، وشرعه هو ما تضمنه كتابه وحكمة رسوله، والحكم والغايات في أحكامه لا يحيط بها إلا هو، فما علمناه منها قلنا به، وما جهلناه وكلناه إلى عالمه.
وقد ذكر العلماء من الحكمة في إقرارهم بالجزية وجوها:
فمنها: أنهم أقروا بذلك، ولم يعاملوا معاملة غيرهم من الكفار لحرمة الكتاب الذي ينتمون إليه.
ومنها: أن ذلك لحرمة آبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة والإنجيل.
ومنها: أن إقرارهم بذلك لأنهم أهل الكتاب وبأيديهم التوراة والإنجيل، وفيها صفة محمد ﷺ فربما يتفكرون ويعلمون صدق محمد ﷺ فيتبعون الحق، فأمهلوا لهذا المعنى.
стр. 475
ومنها: أن إبقاءهم كذلك من الشواهد والدلائل على نبوة محمد ﷺ لأن في الكتب التي بأيديهم ما يدل على أنهم بدلوا، وفيها ما يدل على أن شريعتهم ستنسخ بغيرها، كما قدمنا الإشاره إلى بعض ذلك.
وفيها من صفة محمد ﷺ وأدلة نبوته ما قدمنا بعضه. وفيها من التناقض والاختلاف ما يبين - أيضا - وقوع التبديل.
قال شيخ الإسلام أبو العباس:
" وعند أهل الكتاب ما يدل على هذه المطالب، وقد ناظرنا غير واحد منهم، وبينا لهم ذلك، وأسلم من علمائهم وخيارهم طوائف، وصاروا يناظرون أهل دينهم، ويتبينون ما عندهم من الشواهد والدلائل على نبوة محمد ﷺ .
قال: وهذا من الحكمة في إبقاء أهل الكتاب بالجزية، إذ عندهم من الشواهد والدلائل على نبوته، وعندهم من الشواهد على ما أخبر به من الإيمان بالله واليوم الآخر ما يبين أن محمدا ﷺ جاء بالدين الذي بعث الله به الرسل قبله، وأخبر من توحيد الله ومن صفاته بمثل ما أخبرت به الأنبياء قبله.
قال الله - تعالى -: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ .
стр. 476
وقال: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ . انتهى.
وأما قول النصراني: " وقولهم - يعني المسلمين -: إن للنصارى في شريعتهم ما يكفي لهم خلاصا " فهو كلام باطل، وكذب صريح، فإن المسلمين متفقون على مقالة واحدة لا اختلاف بينهم، أن من بلغته رسالة محمد ﷺ فلا خلاص له ولا نجاة إلا باتباعه والإيمان به، سواء في ذلك اليهود والنصارى وعباد الأصنام وغيرهم من طوائف بني آدم.
وقد علم من دينه بالضرورة أنه دعا الناس كافة إلى اتباعه، وأنه جاهد أهل الكتاب، كما جاهد المشركين، فجرى له مع يهود المدينة وغيرهم ما هو معلوم.
وغزا النصارى عام تبوك بنفسه وسراياه، وضرب الجزية على نصارى نجران.
وكذلك خلفاؤه الراشدون بعده جاهدوا أهل الكتاب يهودهم ونصاراهم، وقاتلوا من قاتلهم، وضربوا الجزية على من أعطاها منهم عن يد وهم صاغرون.
وهذا الكتاب الذي يعرف كل أحد أنه الكتاب الذي جاء به مملوء من دعوة أهل الكتاب إلى اتباعه، ويكفر من لم يتبعه منهم، ويذمه، ويلعنه.
стр. 477
قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ .
وقال - تعالى -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ... .
وقال - تعالى -: ... ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ .
وقال - تعالى -: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " «والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار» ".
وقال ﷺ : " «بعثت إلى الأحمر والأسود» ".
وقال: " «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» ".
إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على هذا الأصل الذي لا يرتاب فيه مسلم.
стр. 478
المقام الخامس
قال النصراني:
" فصل: في الترجيح بين الشريعتين من جهة الوصايا ".
ونقول قبل إيراد كلامه في هذا الفصل:
إنا قد بينا - فيما تقدم - أن النظر في الترجيح بين الشريعتين ساقط بعد ثبوت نبوة محمد ﷺ وعموم رسالته، وأنه لا يبقى لطالب النجاة والسعادة إلا الإيمان به واتباعه مع الإيمان بجميع أنبياء الله ورسله، وألا يفرق بين أحد منهم.
ثم إذا نظرنا إلى كمال الشرائع وحكمتها وعظمة وصاياها، وجدنا شريعة محمد ﷺ خير الشرائع وأفضلها من كل طريق من طرق التفضيل.
كما أن الذي جاء بها أفضل المرسلين وسيدهم في الدنيا والآخرة.
وكما أن ما جاء به من المعجزات أعظم مما جاء به موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء ﵈ فالذي جاء به من الدين والشريعة كذلك، فما جاء به من النوعين أعظم مما جاء به موسى وعيسى، وقد جمع الله له محاسن ما في التوراه والإنجيل.
ولهذا يقال: " إن موسى ﵇ بعث بشريعة الجلال، والمسيح ﵇ بعث بشريعة الجمال، ومحمد - صلى الله
стр. 479
وأما نبينا ﷺ فكان في مظهر الكمال الجامع بين القوة والعدل والشدة في الله وبين اللين والرأفة والرحمة، فشريعته أكمل الشرائع، وأمته أكمل الأمم، وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات، ولذلك تأتي شريعته بالعدل إيجابا له وفرضا، وبالفضل ندبا إليه واستحبابا، وبالشدة في موضع الشدة وباللين في موضع اللين، ووضع السيف موضعه، ووضع الندى موضعه.
فيذكر الظلم فيحرمه، والعدل فيأمر به، والفضل فيندب إليه في بعض آيه. كقوله - تعالى -: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ .... فهذا عدل، ... ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ .... فهذا فضل، ... ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ فهذا تحريم الظلم.
وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ فهذا إيجاب للعدل، وتحريم للظلم،.... ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ فهذا ندب إلى الفضل.
وكذلك تحريم ما حرم على هذه الأمة كان صيانة وحماية لهم، حرم عليهم كل خبيث وضار، وأباح لهم كل طيب ونافع، فتحريمه عليهم رحمة، وعلى غيرهم لم يخل من عقوبة.
стр. 480
وهداهم لما ضلت عنه الأمم قبلهم كيوم الجمعة، ووهب لهم من علمه وحلمه، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس.
وكمل لهم من المحاسن ما فرقه في الأمم، كما كمل لنبيهم من المحاسن ما فرقه في الأنبياء قبله، وكمل في كتابه من المحاسن ما فرقه في الكتب قبله.
وكذلك في شريعته، فهذه الأمة هم المجتبون، كما قال إلههم: ... ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ... .
وجعلهم شهداء على الناس وقال - تعالى -: ... ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ... فأقامهم في ذلك مقام الرسل الشاهدين على أممهم " انتهى.
ولا ريب أن حنس أهل الكتاب أكمل في العلوم النافعة والأعمال الصالحة ممن لا كتاب لهم. وأن هذه الأمة أكمل من أهل الكتابين وأعدل، فليس عند أهل الكتاب فضيلة علمية وعملية إلا وأمة محمد ﷺ أكمل منهم فيها.
كما قال شيخ الإسلام أبو العباس:
من نظر بعقله حتى في هذا الوقت إلى ما عند المسلمين من العلم
стр. 481
النافع والعمل الصالح، وما عند اليهود والنصارى، علم أن بينهما من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق.
فإن الذي عند المسلمين من توحيد الله ومعرفة أسمائه وصفاته وملائكته وأنبيائه ورسله، ومعرفة اليوم الآخر، وصفة الجنة والنار، والثواب والعقاب، والوعد والوعيد، أعظم وأجل مما عند اليهود والنصارى.
وما عند المسلمين من العبادات الظاهرة والباطنة مثل الصلوات الخمس وغيرها من الصلاة والأذكار والدعوات أعظم وأجل مما عند أهل الكتاب.
وما عندهم من الشريعة في المعاملات والمناكحات والأحكام والحدود والعقوبات أعظم وأجل مما عند أهل الكتاب.
فالمسلمون فوقهم في كل علم نافع وعمل صالح. وهذا يظهر لكل أحد بأدنى نظر، لا يحتاج إلى كثير سعي.
والمسلمون متفقون على أن كل هدى وخير حصل لهم فإنما حصل بنبيهم ﷺ " انتهى.
فأما العلوم فالمسلمون أحذق من جميع الأمم، حتى العلوم التي ليست بدينية كعلم الحساب والطب ونحو ذلك هم فيها أحذق، ومصنفاتهم فيها أكمل، وهم أحسن علما وبيانا لها من الأولين الذين كانت هي غاية علمهم.
стр. 482
وقد يكون الحاذق فيها من هو عند المسلمين مرمي بنفاق، ولا قدر له عندهم، لكن حصل له بما تعلمه من المسلمين من العقل والبيان ما أعانه على الحذق في تلك العلوم، فصار حثالة المسلمين أحسن معرفة وبيانا لها.
وأما العلوم الإلهية فكل من نظر في كلام المسلمين وأهل الكتاب وجد كلام المسلمين فيها أكمل وأتم، ومعلوم أن أهل الكتاب فيها أتم من غيرهم.
وأما العبادات فالناس مختلفون في صفاتها:
فمنهم من يظن أن الأشق هو الأفضل. وهذا مذهب كثير من مشركي الهند وغيرهم وكثير من مبتدعة المسلمين.
ومنهم من يقول: الأفضل ما كان أدعى إلى تحصيل الواجبات العقلية.
ومنهم من يقول: الأفضل لا علة له، بل يرجع إلى محض المشيئة.
والرابع - وهو الصواب -: أن أفضلها ما كان لله أطوع، وللعبد أنفع.
وعلى كل قول فعبادات المسلمين أكمل.
أما الأولون فيقال لهم: الجهاد أعظم مشقة من الجوع والسهر وغير ذلك.
стр. 483
وأما على القول الثاني فلا ريب أن عبادات المسلمين أدعى إلى العدل الذي هو جماع الواجبات العقلية من عبادات غيرهم، فإنها متضمنة للظلم المنافي للعدل.
وأما على قول النفاة فمن تكون عباداته تابعة لأمر الله - تعالى - خير ممن عباداته قد ابتدعها أكابرهم.
وأما على القول الرابع فما علم أن الله أمر به يتضمن طاعته دون ما ابتدع، وأما انتفاع العباد بها فهذا يعرف بثمراتها، ومن ذلك آثارها في صلاح القلوب، فليتدبر العاقل عقول المسلمين وأخلاقهم وعدلهم، يظهر له الفرق.
فالصلاة فيها من الكمال والاعتدال كالطهارة والاصطفاف، والركوع والسجود، واستقبال بيت إبراهيم والإمساك عن الكلام، وما فيها من الخشوع وتلاوة القرآن واستماعه الذي يظهر الفرق بينه وبين غيره لكل متدبر منصف.
إلى أمثال ذلك مما يظهر به فضل عبادات المسلمين.
وأما حكمهم في الحدود والحقوق فلا تخفى على عاقل، حتى إن النصارى في طائفة من بلادهم ينصبون من يقضي بينهم بشرع المسلمين، وهذه جمل يطول تفصيلها.
وبما ذكرناه يعلم الجواب عن كلام النصراني في هذا الفصل على وجه الإجمال، ويتبين به أفضلية شريعة محمد ﷺ على غيرها من شرائع الأنبياء ﵈، كما أنه خيرهم وسيدهم في الدنيا والآخرة.
стр. 484
فصل
وأما شريعة الضلال التي بدل بها النصارى دين المسيح ﵇ فتلك ضلالة استخفهم بها الشيطان فأطاعوه، ودعاهم إليها فأجابوه، وتلاعب بهم فيها كل التلاعب حتى خرجوا عن مقتضى العقول والشرائع في أصول دينهم وفروعه.
كما أشرنا إلى بعض ذلك فيما سبق، فتلاعب بهم الشيطان في شأن الملك المعبود وتلاعب بهم في أمر المسيح، وتلاعب بهم في شأن الصليب وعبادته، وتلاعب بهم في تصوير الصور في الكنائس.
فلا تجد كنيسة من كنائسهم تخلو من صورة مريم والمسيح وجرجيس وبطرس وغيرهم من القديسين والشهداء، وأكثرهم يسجد للصور، ويدعونها من دون الله.
حتى لقد كتب بطريق الإسكندرية إلى ملك الروم كتابا يحتج فيه بالسجود للصور، وأن الله أمر موسى أن يصور صورة الساروس،
стр. 485
وبأن سليمان بن داود لما عمل الهيكل عمل صورة الساروس من ذهب ونصبها داخل الهيكل.
قال في كتابه: " وإنما مثال هذا مثال الملك يكتب إلى بعض عماله كتابا، فيأخذه العامل ويقبله، ويضعه بين عينيه، ويقوم لا تعظيما للقرطاس والمداد، بل تعظيما للملك. كذلك السجود للصور تعظيما لاسم هذا المصور لا للأصباغ والألوان ".
قال ابن القيم: " وبهذا المثال بعينه عبدت الأصنام. وما ذكر هذا المشرك عن موسى وسليمان لو صح لم يكن فيه دليل على السجود للصور، وغايته أن يكون بمثابة ما يذكر عن داود: أنه نقش خطيئته في كفه، لئلا ينساها.
فأين هذا مما يفعله هؤلاء المشركون من التذلل والخضوع والسجود بين تلك الصور؟ !.
وإنما المثال المطابق لما يفعله هؤلاء المشركون مثال خادم من خدام الملك دخل على رجل، فوثب من مجلسه، وسجد له وعبده، وفعل به ما لا يصلح أن يفعل إلا مع الملك.
стр. 486
فكل عاقل يستجهله ويستحمقه في فعله، إذ قد فعل مع عبد الملك ما كان ينبغي أن يختص به الملك دون عبيده من الإكرام والخضوع والتذلل. ومعلوم أن هذا إلى مقت الملك وسقوطه من عينه أقرب منه إلى إكرامه له، ورفع منزلته.
كذلك حال من سجد لمخلوق ولصورة مخلوق، لأنه عمد إلى السجود الذي هو غاية ما يتوسل به العبد إلى رضا ربه، ولا يصلح إلا له، ففعله لصورة عبد من عبيده، وسوى بين الله وبين عبده في ذلك، وليس وراء هذا في القبح والظلم شيء، ولهذا قال تعالى: ... ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ .
وقد فطر الله -سبحانه- عباده على استقباح معاملة عبيد الملك وخدمه بالتعظيم والإجلال والخضوع والذل الذي يعامل به الملك، فكيف بحال من فعل ذلك بأعداء الملك؟ فإن الشيطان عدو الله، والمشرك إنما يشرك به لا يوالي الله ورسوله، بل الله ورسوله وأولياؤه بريئون ممن أشرك بهم، معادون لهم، وهم أشد الناس مقتا لهم في نفس الأمر، إنما أشركوا بأعداء الله، وسووا بينهم وبين الله في العبادة والتعظيم والسجود والذل.
ولهذا كان بطلان الشرك وقبحه معلوما في الفطرة السليمة والعقل الصحيح، والعلم بقبحه أظهر من العلم بسائر القبائح ".
стр. 487
والمقصود ذكر تلاعب الشيطان بالأمة الضالة في أصول دينهم وفروعه، وأنهم ليسوا على شيء من دين المسيح ألبتة.
فمن ذلك تلاعبه بهم في صلاتهم، وذلك من وجوه:
أحدها: أن طوائف منهم كثيرين يصلون بالنجاسة والجنابة، ويقوم أحدهم فيتغوط، ويقوم بأثر البول والغائط إلى صلاته بتلك الرائحة، ويحدث من يليه بأنواع الحديث، كذبا كان أو فجورا، أو غيبة، أو سبا أو شتما، ويخبره بسعر الخمر ولحم الخنزير وما شاكل ذلك، ولا يضر ذلك الصلاة، ولا يبطلها، وإن دعته الحاجة إلى البول في الصلاة بال وهو يصلي، ولا يضر ذلك صلاته.
والمسيح ﵇ بريء من هذه الصلاة، وسبحان الله، أن يتقرب إليه بمثل هذه الصلاة! فقدره أعلى وشأنه أجل من ذلك.
ومنها: صلاتهم إلى مشرق الشمس، وهم يعلمون أن المسيح لم يصل إلى المشرق أصلا، بل قد نقل مؤرخوهم أن ذلك حدث بعد المسيح بثلاثمائة سنة.
стр. 488
وإلا فالمسيح إنما كان يصلي إلى قبلة بيت المقدس، وهي قبلة الأنبياء قبله، وإليها كان يصلي نبينا ﷺ مدة مقامه بمكة، وبعد هجرته ثمانية عشر شهرا، ثم نقله الله إلى قبلة أبيه إبراهيم.
ومنها تصليبهم على وجوههم عند الدخول في الصلاة، والمسيح بريء من ذلك.
فصلاة مفتاحها النجاسة، وتحريمها التصليب على الوجه، وقبلتها الشرق، وشعارها الشرك، كيف يخفى على العاقل أنها لا تأتي بها شريعة من الشرائع ألبتة؟.
ولما علمت الرهبان والمطارنة والأساققة أن مثل هذا الدين تنفر عنه العقول أعظم نفرة، زينوه بالحيل والصور في الحيطان بالذهب واللازورد، والزنجفر، وبالأعياد المحدثة، ونحو ذلك مما يروج على السفهاء وضعفاء العقول والبصائر.
стр. 489
ومن ذلك: تلاعبه بهم في صيامهم، فإن أكثر صومهم لا أصل له في شرع المسيح، بل هو مختلق مبتدع، فمن ذلك أنهم زادوا جمعة في بدء صومهم يصومونها لهرقل ملك بيت المقدس.
وذلك أن الفرس لما ملكوا بيت المقدس، وقتلوا النصارى، وهدموا الكنائس أعانهم اليهود على ذلك، وكانوا أكثر قتلا وفتكا في النصارى من الفرس.
فلما سار هرقل إليها استقبله اليهود بالهدايا، وسألوه أن يكتب لهم عهدا. ففعل، فلما دخل بيت المقدس شكا إليه من فيه من النصارى ما كان اليهود صنعوه بهم. فقال لهم هرقل: وما تريدون مني؟ قالوا: تقتلهم.
قال: كيف أقتلهم وقد كتبت لهم عهدا بالأمان، وأنتم تعلمون ما يجب على ناقض العهد؟
قال: إنك حين أعطيتهم الأمان لم تدر ما فعلوا من قتل النصارى
стр. 490
وهدم الكنائس، ونحن نحتمل عنك هذا الذنب، ونكفره، ونسأل المسيح ألا يؤاخذك به، ونجعل لك جمعة كاملة في بدء الصوم نصومها لك، ونترك فيها أكل اللحم ما دامت النصرانية، ونكتب به إلى جميع الآفاق غفرانا لما سألناك.
فأجابهم، وقتل اليهود لما لا يحصى كثرة، فصيروا أول جمعة من الصوم الذي تترك فيه الملكية أكل اللحم يصومونها لهرقل الملك غفرانا لنقضه العهد، وقتل اليهود، وكتبوا بذلك إلى الآفاق.
وكذلك لما أرادوا نقل ذلك الصوم إلى فصل الربيع المعتدل، وتغيير شريعة المسيح، زادوا فيه عشرة أيام عوضا وكفارة لنقلهم له.
ومن ذلك ما أحدثوه من الأعياد الباطلة المخترعة، فإن أعيادهم كلها مختلقة محدثة بآرائهم واستحسانهم، فمن ذلك عيد ميكائيل، وسببه أنه كان بالإسكندرية صنم، وكان جميع من بمصر والإسكندرية يعيدون له عيدا عظيما، ويذبحون له الذبائح، فولي بتركة الإسكندرية واحد منهم، فأراد أن يكسره، ويبطل الذبائح، فامتنعوا عليه، فاحتال عليهم، فقال: إن هذا الصنم لا ينفع ولا يضر، فلو جعلتم هذا العيد لميكائيل ملك الله، وجعلتم هذه الذبائح له كان يشفع لكم عند الله، وكان خيرا لكم من هذا الصنم، فأجابوه إلى ذلك، فكسر الصنم وصيره صلبانا، وسمى الكنيسة كنيسة ميكائيل.
стр. 491
ثم احترقت الكنيسة وخربت، وصيروا العيد والذبائح لميكائيل، فنقلهم من كفر إلى كفر، ومن شرك إلى شرك، فكانوا في ذلك كمجوسي أسلم فصار رافضيا، فدخل عليه الناس يهنئونه، ودخل عليه رجل، وقال: إنك إنما انتقلت من زاوية من النار إلى زاوية أخرى.
ومن ذلك عيد الصليب. وهو مما اختلقوه وابتدعوه، فإن ظهور الصليب إنما كان بعد المسيح بزمن كثير، وكان الذين أظهروه زورا وكذبا أخبرهم به بعض اليهود أن هذا هو الصليب الذي صلب عليه إلههم وربهم.
فنظروا إلى هذا السند، وهذا الخبر.
فاتخذوا ذلك الوقت الذي ظهر فيه عيدا، وسموه عيد الصليب.
ولو أنهم فعلوا ما فعل أشباههم من الرافضة، حيث اتخذوا وقت مقتل الحسين مأتما وحزنا لكان أقرب إلى العقول. قال ابن القيم:
" وكان من حديث الصليب أنه لما صلب المسيح - على زعمهم الكاذب - وقتل ودفن، ورفع من القبر إلى السماء، كان التلاميذ كل يوم يصيرون إلى القبر وإلى موضع الصليب، ويصلون.
стр. 492
فقالت اليهود: إن هذا الموضع لا يخفى، وسيكون له نبأ، وإذا رأى الناس القبر خاليا آمنوا به، فطرحوا عليه التراب والزبل، حتى صار مزبلة عظيمة.
فلما كان في أيام قسطنطين الملك جاءت زوجته إلى بيت المقدس تطلب الصليب، فجمعت من اليهود الساكنين ببيت المقدس والخليل مائة رجل، واختارت منهم عشرة، واختارت من العشرة ثلاثة: اسم أحدهم يهودا، فسألتهم أن يدلوها على الموضع، فامتنعوا، وقالوا: لا علم لنا بالموضع، فطرحتهم في الحبس في جب لا ماء فيه، فأقاموا سبعة أيام لا يطعمون ولا يسقون.
فقال يهودا لصاحبيه: إن أباه عرفه بالموضع الذي تطلب. فصاح الاثنان، فأخرجوهما، فأخبراها بما قال يهودا، فأمرت بضربه بالسياط، فأقر، وخرج إلى الموضع الذي فيه المقبرة، وكان مزبلة عظيمة، فصلى، وقال: اللهم، أسألك إن كان في هذا الموضع أن يتزلزل، ويخرج منه دخان، فتزلزل الموضع، وخرج منه دخان.
فأمرت الملكة بكنس الموضع من التراب، فخرجت المقبرة وأصابوا ثلاثة صلبان، فقالت الملكة: كيف لنا أن نعلم صليب سيدنا المسيح؟
стр. 493
وكان بالقرب منهم عليل شديد العلة قد أيس منه، فوضع الصليب الأول عليه، ثم الثاني، ثم الثالث، فأفاق عند الثالث واستراح من علته، فعلمت أنه صليب المسيح، فجعلته في غلاف من ذهب، وحملته إلى قسطنطين. وكان من ميلاد المسيح إلى ظهور هذا الصليب ثلاثمائة وثلاثا وعشرين سنة.
هذا كله نقله سعيد بن بطريق النصراني في تاريخه.
والمقصود أنهم ابتدعوا هذا العيد بنقل علمائهم بعد المسيح بهذه المدة.
وبعد، فسند هذه الحكاية من بين يهودي ونصراني مع انقطاعها وظهور الكذب فيها لمن له عقل من وجوه كثيرة.
ويكفي في كذبها وبيان اختلاقها أن ذلك الصليب الذي شفى العليل كان أولى ألا يميت الإله الرب المحيي المميت.
ومنها: أنه إذا بقي تحت التراب خشب ثلاثمائة وثمان وعشرين سنة فإنه ينخر ويبلى لدون هذه المدة.
стр. 494
فإن قال عباد الصليب: إنه لما مس جسم المسيح حصل له الثبات والقوة والبقاء، قيل لهم: فما بال الصليبين الباقيين لم يتفتتا واشتبها به؟ فلعلهم يقولون: لما مست صليبه مسهما البقاء والثبات.
وجهل القوم وحمقهم أعظم من ذلك.
والرب - سبحانه - لما تجلى للجبل تدكدك الجبل وساخ في الأرض، ولم يثبت لتجليه، فكيف تثبت الخشبة لركوبه عليها في تلك الحال؟ !
ولقد صدق القائل: إن هذه الأمة عار على بني آدم أن يكونوا منهم.
فإن كانت هذه الحكاية صحيحة فما أقربها من حيل اليهود التي تخلصوا بها من الحبس والهلاك.
وحيل بني آدم تصل إلى أكثر من ذلك بكثير، ولا سيما لما علم اليهود أن ملكة دين النصرانية قاصدة إلى بيت المقدس، وأنها تعاقبهم حتى يدلوها على موضع القتل والصلب، وعلموا أنهم إن لم يفعلوا لم يتخلصوا من عقوبتها.
ومنها: أن عباد الصليب يقولون: إن المسيح لما قتل غار دمه، ولو وقع قطرة على الأرض ليبست ولم تنبت.
فيا عجبا، كيف يحيي الميت، ويبرئ العليل بالخشبة التي
стр. 495
صلب عليها، وسمر. هذا كله من بركتها وفرحها به، وهو مشدود عليها يبكي ويستغيث؟ !
ولقد كان الأليق أن يتفتت الصليب ويضمحل لهيبة من صلب عليه، وتخسف الأرض بالحاضرين عند صلبه والمتمالئين عليه، بل تفطر السموات والأرض، وتخر الجبال هدا.
ثم يقال لعباد الصليب: لا يخلو أن يكون المصلوب الناسوت وحده أو مع اللاهوت. فإن كان المصلوب هو الناسوت وحده فقد فارقته الكلمة، وبطل اتحادها به، وكان المصلوب جسدا من الأجساد ليس بإله ولا فيه شيء من الإلهية والربوبية ألبتة.
وإن قلتم: إن الصلب وقع على اللاهوت والناسوت معا، فقد أقررتم بصلب إلإله وقتله وموته، وقدرة الخلق على أذاه. وهذا أبطل الباطل، وأمحل المحال، فبطل تعلقكم بالصليب من كل وجه عقلا وشرعا ".
ومن العجب أنهم يقرؤون في التوراة: " ملعون من تعلق بالصليب ". وهم قد جعلوا شعار دينهم ما يلعنون عليه.
ولو كان لهم أدنى مسكة من عقل لكان الأولى أن يحرقوا الصليب
следующие страницы →