وقد اشتملت بنود هذه الوثيقة على كثير من الأمور يهمنا هنا الأمور المتعلقة بالناحية الأمنية التي منها:
٤٧ـ وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وإنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم، وإن الله جار لمن برّ واتقى، ومحمد رسول الله ﷺ (١) .
٣٩ـ وإن يثرب حرام جوفها لأهل الصحيفة.
٤٤ـ وإن بينهم النصر على من دهم يثرب.
٤٣ـ وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها.
٤٢ـ وإن ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث، أو اشتجار يخاف فساده، فإنَّ مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله ﷺ ، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة (٢) .
فهذه البنود الخمسة من أهم البنود التي تحدثت عن الأمن والأمان لأهل المدينة جميعاً مسلمهم وكافرهم.
فقد نصت الوثيقة على أنّ يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.
ومعنى هذا منع الحروب والقتال بين القبائل والعشائر، وتثبيت السلم في المدينة، وبذلك وضعت حدّاً لأقوى عامل في خلق القلق والاضطراب وما يجره من أمور (٣) .
стр. 37
ونص البند رقم (٤٣) على قطع السبيل على قريش أن تستفيد من المدينة أو من أحد سكانها، حيث حظر على من سكن في المدينة أو يؤوي أحداً من مشركي قريش (١) .
ونصت بعض الفقرات في البند ذي الرقم (٤٧) والبند ذي الرقم (٤٢) أن مرد الشجار والتنازع إلى الله ورسوله محمد ﷺ .
ويفهم من هذا -تصريحاً أو تلميحاً- أن النبي ﷺ قد صار بيده زمام الأمور في المدينة، وتولى تصريف شؤونها الداخلية والخارجية.
فما من خلاف يحصل من أي قبيلة أو شجار يقع إلا ويرجع فيه إلى رسول الله ﷺ (٢) .
ومن الجدير بالذكر أن النبي ﷺ لم يعدَّ اليهود أمة واحدة، بل اعتبر كل قبيلة من قبائلها لا علاقة لها بالأخرى، وفي المقابل جعل المسلمين كلهم مهاجرهم وأنصاريهم أمة واحدة وطرفاً واحداً (٣) .
وبذلك استطاع الرسول ﷺ معاقبة كل قبيلة على حِدَة في نقضها للعهد أو قيامها بأعمال مخلة بالأمن (٤) .
ففي هذا تحقيق لمبدأ العدالة، فحتى لا تؤاخذ قبيلة محافظة على العهد بجريرة قبيلة أخرى نقضت العهد، وهذا ما تم بالفعل، فلم يتعرض الرسول ﷺ لقبيلة بني النضير أو قريظة حال نقض بني قينقاع عهدهم لبقائهما على
стр. 38
عهدهما، ولم يتعرض لقبيلة بني قريظة حال نقض بني النضير عهدهم لبقائهم على عهدهم.
فطبَّق الرسول ﷺ مبدأ العدالة من جهة، ومن جهة أخرى يدل هذا العمل على الحنكة السياسية التي كان يتمتع بها النبي ﷺ .
وبهذا اطمأنَّ النبي ﷺ على الوضع الأمني للمدينة من هجوم القبائل المجاورة لها، ومن فتنة اليهود المتوقعة وإثارتها للفتن والاضطرابات بين أفراد المجتمع المدني، ثم استطاع بعد ذلك وفي فترة وجيزة مواجهة قريش خاصة والتفرغ لها لإنهاكها اقتصاديّاً، فما من قافلة ذاهبة أو قادمة من الشام إلا وتعرض لها بإرسال السرايا أو الخروج إليها بنفسه ﷺ ، ولم يكتف بذلك، بل تعدى خطر المسلمين على تجارة قريش بإرسال السرايا لقوافلها المتجهة إلى الطائف أو القادمة منه مما سبب إزعاجاً كبيراً لقريش، حتى كانت غزوة بدر التي كسرت فيها شوكة قريش لأول مرة وفي أول لقاء بين المسلمين والكفار، وفيها دَوَّى انتصار المسلمين في جميع أرجاء الجزيرة العربية، وقطع دابر القوم الذين كفروا والحمد لله ربِّ العالمين.
стр. 39
المبحث الرابع: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية الاقتصادية
المطلب الأول: في حث الإسلام على العمل والكسب الحلال
...
المبحث الرابع: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية الاقتصادية
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في حث الإسلام على العمل والكسب الحلال.
المطلب الثاني: اهتمام النبي ﷺ بالنواحي الاقتصادية
стр. 40
المطلب الأول: في حث الإسلام على العمل والكسب الحلال
لا شك أن المال عصب الحياة كما يقال، وقد حث الإسلام على العمل والكسب الحلال، قال جل شأنه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ﴾ [الملك:١٥] .
وقال سبحانه: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:١٠] .
وقال النبي ﷺ : "اليد العليا خير من اليد السفلى..." (١) .
وبما أن الإنسان مأمور بالعمل فلا بد أن يكون كسبه حلالاً حتى يبارك الله له فيه، وإذا أراد الإنسان المسلم تنمية ماله، فلا بد أن يكون خالصاً من الشوائب المحرمة كالربا مثلاً، فإنّه ممحق البركة ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦] ، ويقول ﷺ : "أيها الناس إن الله طيّب لا يقبل إلا طيباً..." (٢) .
فالإسلام دين متكامل في كل شيء وليس للتواكل فيه مكان، فهو يحث على العمل في كل وقت إلى يوم القيامة، ومما يؤكد ذلك قوله ﵊: "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة (٣) ، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل" (٤) ، وقال ﷺ : "ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع
стр. 41
زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة" (١) .
فهذه توجيهات نبوية وحث كريم للعمل على إعمار الأرض بالزرع حتى يأكل منه الإنسان والطير والحيوان، وإذا كان الإنسان قد أمر بالعمل وابتغاء الرزق، فإنّه قد أمر بالاقتصاد في ذلك، قال جل شأنه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١] .
فعدم الإسراف في الشيء يُنمي الاقتصاد، وهو من الأمور المهمة التي عالجها الإسلام مبكراً وهي نبراس لمن أراد العمل والكسب الحلال، وإذا أراد الإنسان المسلم أن ينفع نفسه وأمته فليأخذ بالتوجيهات الربانية في عدم الإسراف، وأيضاً عدم التقتير على حد قوله : ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء:٢٩] .
ومما يجب التنبيه له أن الإسلام الذي يأمر بإحياء الأرض ينهى أيضاً عن الغلو في ذلك والإسراف فيه، فمن صرف همّه ووقته وجهده في البحث عن المال فحسب فهو غالٍ في عمله هذا، قال النبي ﷺ : "إذا تبايعتم بالعينة (٢) ، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سَلَّط الله عليكم ذلاًّ لا ينزع حتى ترجعوا إلى دينكم" (٣) .
ومن هنا نستطيع أن نفهم أن الحديث يحث على العمل، وفي الوقت نفسه يحذر من الإسراف فيه مع ترك الجهاد، لكن إذا كان هذا العمل يخدم المصالح الإسلامية من إعداد العدة للعدو، وإسعاد الآخرين فلا بأس.
стр. 42
المطلب الثاني: اهتمام النبي ﷺ بالنواحي الاقتصادية
أدت هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة إلى زيادة الأعباء الاقتصادية الملقاة على عاتق أهل المدينة (١) .
إلا أنّ النبي ﷺ عالج ذلك بنظام المؤاخاة الذي شرعه بين المهاجرين والأنصار حيث كان من بنوده أن يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه، وتقبل الأنصار ﵃ ذلك تقبّلاً حسناً، واستمر الحال كذلك حتى نسخ التوارث بعد معركة بدر بنزول الآية الكريمة: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٧٥] (٢) .
وعندما نقض بنو النضير العهد وأجلاهم إلى خيبر، كانت أموالهم خالصة لرسول الله ﷺ ؛ لأنّه مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فقسمها ﷺ بين المهاجرين، ولم يعط للأنصار شيئاً إلا سماك بن خرشة -أبا دجانة- وسهل بن حُنيف؛ لأنّهما كانا من أشدّ الأنصار فقراً (٣) ، وكان إعطاء تلك الأموال للمهاجرين عن طيب خاطر الأنصار، وبذلك تحسنت الظروف الاقتصادية عند المسلمين في المدينة، وتقاربت مستويات المعيشة بين الأنصار والمهاجرين.
وبما أن زراعة الأرض كانت من أهم الموارد في العصر النبوي -أو على
стр. 43
الأقل في بداية العصر النبوي- فقد كان النبي ﷺ حريصاً على استغلالها جيداً حتى يكثر الإنتاج ليسد حاجة الناس، فقد دخل النبي ﷺ بستان نخل للأنصار، فوجدهم يؤبرونه، فقال:"ماذا لو تركوه؟ " فترك القوم تأبير النخل فلم تحمل ذلك العام، فراجعوا النبي ﷺ ، فقال: "عليكم بما كنتم تصنعون، فإنما قلت لكم ولا أعلم" (١) .
وقد استفاد النبي ﷺ من هذه التجربة فجعل إصلاح الأرض إلى أهلها، وبهذا يعلم أن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذ بها، ولا يحول دون الاستفادة من تجارب الغير شيء أبداً، ولذلك لما فتح الرسول ﷺ خيبر أقرهم على إصلاح الأرض وزراعتها على أن يكون ثمرها بينه وبين أهلها بالتساوي (٢) .
وانتعش الاقتصاد في المدينة، وزاده انتعاشاً إقامة الأسواق التجارية في المدينة، فقد أمر النبي ﷺ بإقامة سوق مجاور للبقيع (٣) ، ثم نقلها إلى غربي المسجد النبوي (٤) .
وقد اهتم النبي ﷺ بأمر الأسواق وما يجري فيها من بيع وشراء، ومراقبة ذلك مراقبة شديدة، حتى لا تجلب إليه البضاعة الرديئة إلا إذا عُرِّفت، وإذا عرف عن هذه الأسواق عدم التطفيف في الكيل، وعدم الغش والكذب والخداع أتاه الناس من كل صوب.
وقد وضع النبي ﷺ ضوابط كثيرة للبيع والشراء والسلع المستوردة، كل
стр. 44
ذلك مبثوث في كتب الفقه.
هذا، بالإضافة إلى ما كان يأتي المسلمين من غنائم وزكاة وخراج، حتى تحول المجتمع المدني خاصة في أواخر العهد النبوي إلى مجتمع يمكن أن يكون قد استغنى عن الآخرين بما عنده.
ومما يجدر ذكره أن المسلمين بالإضافة إلى بيعهم وشرائهم في أسواقهم الخاصة إلا أنهم كانوا يعرضون بضاعتهم في أسواق اليهود (١) ، كما أن اليهود أيضاً كانوا يشاركون المسلمين في أسواقهم بالبيع والشراء بالبضائع التي لا يجيدها غيرهم كأنواع الأسلحة وأنواع الحُلي، ولا سيما بنو قينقاع الذين اشتهروا بذلك.
ويستفاد من هذه المعاملات التجارية بين المسلمين واليهود، أن للمسلمين شراء ما يستفيدون منه من اليهود وغيرهم وبخاصة الأسلحة.
стр. 45
المبحث الخامس: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية العسكرية
المطلب الأول: في الغاية من إنشاء الجيوش العسكرية
...
المبحث الخامس: أهمية دراسة السيرة النبوية من الناحية العسكرية
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: في الغاية من إنشاء الجيوش العسكرية.
المطلب الثاني: في الضوابط التي وضعها الشارع للجيش الإسلامي
المطلب الثالث: الاهتمام باقتناء السلاح
المطلب الرابع: في التنظيم العملي للجيش الإسلامي
стр. 46
المطلب الأول: في الغاية من إنشاء الجيوش العسكرية
تختلف الغايات والأهداف في إنشاء الجيوش العسكرية عند الدول، فمنها: إنشاء الجيوش لحماية الدولة من التدخل الأجنبي فحسب، ومنها إنشاؤها لحماية المقدرات والمكتسبات، ومنها التعدي على الآخرين لزيادة نفوذ الدولة والسيطرة على أكبر قدر ممكن من الأرض؛ وذلك لأطماع اقتصادية في الغالب، ويرجع هذا كله إلى طبيعة تكوين الدول وقوة جيشها وتسليحه...إلخ.
وأغلب أهداف كثير من الدول غير شرعية وغير قانونية، وغالباً عند نشوب القتال بين بعض هذه الدول لتحقيق بعض الأهداف السياسية والاقتصادية تكون غير واضحة المعالم لجيشها، ويجهل ما يقاتل من أجله، شأنه في ذلك شأن قتال القبائل العربية قبل الإسلام؛ لأنَّ الهدف في الجملة محدود ودنيوي بحت؛ لذلك يسود القوي ويستعلي على الآخرين، لكن تبقى الاضطرابات مستمرة ولا يستقر الأمن أبداً حتى تسقط تلك الدولة، وتأتي على إثرها أخرى...
لكن إنشاء الجيش الإسلامي تختلف أهدافه تماماً، فغاياته سامية، وغرضه نبيل، فالغرض ديني بحت لنشر الإسلام وإقامة شرع الله في الأرض لا لشيء آخر ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٧١] ، ولكن لهذا القتال ضوابط ستأتي في المطلب الثاني.
стр. 47
المطلب الثاني: في الضوابط التي وضعها الشارع للجيش الإسلامي
مما يدل على أن الدين الإسلامي دين العدل والرحمة والمساواة تلك الضوابط التي وضعها الشارع على الجيوش الإسلامية، وهي ضوابط وقيود خاصة لا يشاركه فيها أي جيش في العالم، والسيرة النبوية مليئة بذلك، فلا قتال دون سابق إنذار إلا لمن بلغتهم الدعوة، ولا قتال يتسم بالعنف الهمجي الذي يجهز على إزهاق الأنفس بحق وبغير حق. عن بريدة بن الحصيب ﵁ قال: ((كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش، أو سريّة أوصاه في خاصته بتقوى الله ، ومن معه من المسلمين خيراً، ثم قال: "اغزُوهم باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر، اغزوهم فلا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال – أو خلال – فأيتهنّ ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام ..." الحديث (١) .
قال النووي ﵀: ((وفي هذه الكلمات من الحديث فوائد مجمع عليها، وهي تحريم الغدر، وتحريم الغلول، وتحريم قتل الصبيان إذا لم يقاتلوا، وكراهية المثلة، واستحباب وصية الإمام أمراءه وجيوشه بتقوى الله تعالى والرفق بأتباعهم وتعريفهم ما يحتاجون في غزوهم وما يجب عليهم ويحل لهم وما يحرم عليهم وما يكره وما يستحب)) (٢) .
стр. 48
فهذه الوصايا الجامعة الشاملة من الرسول الكريم ﷺ ليست لجيشه فقط، وإنما هي للأمة الإسلامية عامة، فمن تمسك بهذه الضوابط كان الفلاح والنصر حليفه إن شاء الله.
وهناك أمثلة أخرى كثيرة، لكن المقام لا يتسع لذكرها، منها قصة علي بن أبي طالب ﵁ مع أهل خيبر (١) ، وقصة معاذ بن جبل ﵁ مع أهل اليمن (٢) ...إلخ.
стр. 49
المطلب الثالث: الاهتمام بافتناء السلاح
...
المطلب الثالث: الاهتمام باقتناء السلاح
كان النبي ﷺ يدرك أن قوة السلاح لها أثرها البالغ في إحباط معنويات العدو، ولذلك اهتم ﷺ باقتناء السلاح، فقد صالح ﷺ بني النضير عندما أجلاهم إلى خيبر أن لهم ما أقلَّت الإبل من الأمتعة إلا السلاح (١) .
وحرص أيضاً على شرائها، فقد أرسل ﷺ مع سعد بن زيد الأنصاري ﵁ بعضاً من سبايا بني قريظة وأمره أن يبيعهم من أهل نجد، ويشتري بالثمن خيلاً وسلاحاً (٢) .
كما صالح ﷺ أهل خيبر على أن يُخَلُّوا بينه وبين الصفراء والبيضاء والحلقة ... (٣) ، واستعار ﷺ أدرعاً من صفوان بن أمية يوم حنين (٤) .
стр. 50
وحثّ ﵊ المسلمين في غزوة تبوك، فقال ﵊:"من جهّز جيش العسرة فله الجنة ". فجهزه عثمان ﵁ (١) .
وهذا يدلّ دلالة واضحة على أنّ الجندي المسلم لا بد أن يقتنى السلاح ليكون على أُهبة الاستعداد، وفتّاكاً ليرهب به الأعداء، وذلك على ضوء قوله جل شأنه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠] .
وحشد الجيوش والعتاد الحربي لمجابهة العدو لاتكفي، فلا بد من وجود القوة المعنوية المتمثلة في غرس العقيدة الصحيحة في نفس المسلم، وأن يكون القتال لإعلاء كلمة الله، فلا قتال لحسَب ولا لمال ولا لجاه "مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (٢) .
فهذه من الأمور المهمة التي لا بد أن يدركها الجندي المسلم في كل زمان ومكان.
стр. 51
المطلب الرابع: في التنظيم العملي للجيش الإسلامي
من الأشياء العجيبة تلك التنظيمات التي كان يتبعها النبي ﷺ ، وتلك السياسة التي كان ينتهجها ﵊ في غزواته.
١- فقد كان ﷺ إذا أراد غزو العدو جعل أميراً على المدينة يخلفه عليها حتى يرجع (١) ، وإذا أرسل سرية أمَّر عليهم رجلاً منهم (٢) .
وهذا يدل على أهمية وجود الأمير في السلم والحرب، وأنّ الأمور لا تنضبط إلا بوجوده.
٢- من سياسته العسكرية ﵊ أنّه لا يريد غزوة إلاّ ورَّى (٣) بغيرها (٤) ، حتى يباغت الأعداء ويأخذهم على حين غِرَّة، وهذا في حالة إنذارهم من قبل، أما مباغتتهم بدون إنذار فلا، وذلك كتصبيحه ﷺ بني النضير (٥) ، وإخفاء خروجه ﷺ لفتح مكة وغيرهما (٦) .
٣- كانت للنبي ﷺ رايات يحملها جماعة من أصحابه، فقد كانت للمهاجرين راية، وللأنصار رايتان واحدة للأوس، وأخرى للخزرج (٧) .
стр. 52
والهدف من حمل الرايات -والله أعلم- التميّز عن الغير، هذا من جهة، ومن جهة أخرى حتى تقاتل كل فئة تحت رايتها فتستميت دونها، وحتى لا تأتي الهزيمة من قِبَلها، وبما أنّ حامل الراية هو الأكثر عرضة للقتل، فلا بد أن يكون متصفاً بالشجاعة والإقدام؛ لأنّ الراية إذا سقطت انهار الجيش.
وقد كانت بعضُ راياتِ النبي مكتوباً عليها: لا إله إلا الله (١) .
وهذا يدلّ على أنّ العبارات الإسلامية التي تكتب اليوم على الأعلام لها أصل في السيرة النبوية.
٤- كان النبي ﷺ إذا استنفر الناس وتجهزوا استعرضهم حتى لا يخرج معه إلا من كان قادراً على القتال، فكان ﷺ لا يسمح باصطحاب الغلمان، والعجزة كما حصل في غزوة أحد (٢) ، ولا يسمح للمشركين بالقتال مع المسلمين جنباً إلى جنب (٣) .
وهذا يدل على أخذ الحيطة والحذر؛ لأنّ المشركين يخشى منهم الغدر والخيانة وهم مظنة ذلك مع إخوانهم المنافقين.
٥- كان النبي ﷺ إذا وصل أرض المعركة اتخذ له مكاناً مناسباً وجعل جيشه في صفوف حتى لا يخترق، ثم يوصيهم بتقوى الله والصبر والسمع والطاعة، وكان يجعل لهم شعاراً يعرف به بعضهم بعضاً، وهذا الشعار يكون في كلمة أو كلمتين، مثل الشعار الذي كان لهم في غزوة بني المصطلق
стр. 53
((يا منصور أَمِتْ)) (١) .
لأنّ بعض المقاتلين لا يعرف بعضهم بعضاً من تغطية السلاح لأشياء كثيرة من أجسادهم ووجوههم، فقد لا ترى إلا الحدق -العيون- منهم، فحتى لا يضرب بعضهم بعضاً كانت هذه الشعارات، وهي متوارثة بين الجيوش في هذا الزمن، لكن كلمة السر تختلف بالطبع من بلد إلى آخر.
٦- مشاورة أصحابه ﷺ : كان ﵊ يتخذ كل التدابير وكافة الاحتياطات للعدو، من ذلك مشاوراته لأصحابه مما يجعل الجندي قريباً من الأمير، وفي هذه الحالة يمكن للجندي أن يشارك في صنع بعض القرارات العسكرية ويشير بما يراه، ومن ذلك إشارة سلمان الفارسي ﵁ بحفر الخندق حول المدينة في غزوة الأحزاب (٢) . وهذا العمل لم يكن معروفاً عند العرب، ولذلك تفاجأت قريش ومن معها عندما رأت الخندق حول المدينة.
٧- أيضاً كانت الحرب الإعلامية لها دور كبير، وإن لم تكن على عهد النبي ﷺ بهذه الصورة التي في زمننا، لكنها قريبة منها، وذلك كقصة نعيم بن مسعود الأشجعي ﵁ في غزوة الخندق عندما خذَّل بين الفريقين المشركين واليهود من بني قريظة بطريقة معينة (٣) أدت إلى فشل خطة الفريقين وبالتالي ساهمت في هزيمتهم بفضل الله تعالى، وقد كان النبي ﷺ يقول:
стр. 54
"الحرب خُدعة" (١) .
٨- كان النبي ﵊ يحاول جاهداً معرفة العدو وما يتعلق به من عدة وعتاد، وذلك بإرسال الجواسيس كما حصل في غزوة بدر الكبرى (٢) ، وغزوة الخندق (٣) ، وبني قريظة (٤) ، وغيرها.
فمن خلال تلك التنظيمات والتعليمات السائدة على عهد رسول الله ﷺ يمكن الاستفادة منها في هذا العصر وفي كل عصر، مع الأخذ بعين الاعتبار الاستفادة من التقنيات الحديثة في الكشف عن مخططات الأعداء، وكل ما يتعلق بتنظيماتهم ومخططاتهم ضد الإسلام والمسلمين، فلها أصل أصيل في سيرة المصطفى ﷺ .
وبهذا يتضح جليّاً أهمية دراسة السيرة النبوية في حياة المسلمين وضرورة العناية بها، وإن كان الموضوع فيه نقص كبير، فالسيرة النبوية هي لُبُّ الإسلام، ولا يمكن أن يفي هذا البحث المتواضع بجميع جوانبها، لكن ذلك جهد المقل، وإلا فالسيرة النبوية معين لا ينضب، وبحر لا تكدِّره الدلاء، والله المستعان، والحمد لله ربِّ العالمين.
стр. 55
الخاتمة:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فأحمد الله على إعانته لي لإتمام هذا البحث المتواضع، والذي من خلاله اتضح لي الحاجة الماسة والكبيرة جدّاً لدراسة السيرة النبوية، كيف لا، وقد حوت حياة النبي ﷺ وما قدم فيها من تضحيات في العهد المكي وتبعها العهد المدني، والذي تجلت فيه شخصيته ﷺ بشكل واضح، في شتى مجالات الحياة، فكانت أعماله نبراساً للأمة تستضيء بنورها، وترشف من معينها الذي لا ينضب، فلا تبحث عن شيء من مناحي الحياة إلا وله أصل في سيرته ﷺ .
نسأل الله أن يديم علينا نعمة الأمن والإيمان تحت قيادة هذه الحكومة المباركة، وأن يجنبنا مسالك السوء، وأن يرينا الحق حقّاً، ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وصلى الله على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.