← Тараджим

Тараджим · id 10906

سير أعلام النبلاء - ط الرسالة

شمس الدين الذهبي

Полный текст (14 211 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وقال ابن عيينة: أخبرنا إسماعيل بن أمية، عن مزاحم بن أبي مزاحم، عن عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، عن محرش الكعبي، قال: اعتمر رسول الله ﷺ من الجعرانة ليلا، فنظرت إلى ظهره كأنه سبيكة فضة. وقال يعقوب الفسوي: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء، قال: حدثني عمرو بن الحارث قال: حدثني عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، قال: أخبرني محمد بن مسلم، عن سعيد بن المسيب، أنه سمع أبا هريرة يصف رسول الله ﷺ ، فقال: كان شديد البياض. وقال رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس مولى أبي هريرة، عن أبي هريرة، قال: ما رأيت شيئا أحسن من النبي ﷺ ، كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحدا أسرع في مشيته منه ﷺ ، كأن الأرض تطوى له، إنا لنجتهد، وإنه غير مكترث. رواه ابن لهيعة، عن أبي يونس. وقال شعبة، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ ضليع الفم، أشكل العينين، منهوس الكعبين. أخرجه مسلم. ورواه أبو داود، عن شعبة فقال: أشهل العينين، منهوس العقب. وقال أبو عبيد: الشكلة: كهيئة الحمرة تكون في بياض العين، والشهلة: حمرة في سواد العين قلت: ومنهوس الكعب: قليل لحم

стр. 1017

العقب. كذا فسره سماك بن حرب لشعبة. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عباد عن حجاج عن سماك عن جابر بن سمرة عن صفة رسول الله ﷺ قال: كنت إذا نظرت إليه قلت: أكحل العينين، وليس بأكحل، وكان في ساقيه حموشة، وكان لا يضحك إلا تبسما. وقال عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن علي، عن أبيه ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ عظيم العينين، أهدب الأشفار، مشرب العين بحمرة، كث اللحية. وقد خالد بن عبد الله الطحان، عن عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، قال: قيل لعلي ﵁: انعت لنا رسول الله ﷺ . فقال: كان أبيض مشربا بياضه حمرة، وكان أسود الحدقة، أهدب الأشفار. وقال عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يصف رسول الله ﷺ فقال: كان مفاض الجبين، زهدب الأشفار، أسود اللحية، حسن الثغر، بعيد ما بين المنكبين، يطأ بقدميه جميعا، ليس له أخمص. وقال عبد العزيز بن أبي ثابت الزهري: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ أفلج الثنيتين، إذا تكلم رؤي كالنور بين ثناياه. عبد العزيز متروك. وقال المسعودي، عن عثمان بن عبد الله بن هرمز، عن نافع بن

стр. 1018

جبير، عن علي: كان رسول الله ﷺ ضخم الرأس واللحية، شثن الكفين والقدمين، ضخم الكراديس، طويل المسربة. روى مثله شريك، عن عبد الملك بن عمير، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن علي، ولفظه: كان ضخم الهامة، عظيم اللحية. وقال سعيد بن منصور: حدثنا نوح بن قيس، قال: حدثنا خالد بن خالد التميمي، عن يوسف بن مازن الراسبي أن رجلا قال لعلي: انعت لنا النبي ﷺ قال: كان أبيض مشربا حمرة، ضخم الهامة، أغر أبلج أهدب الأشفار. وقال جرير بن حازم: حدثنا قتادة، قال: سئل أنس عن شعره ﷺ ، فقال: كان لا سبط ولا جعد بين أذنيه وعاتقه. متفق عليه. وقال همام، عن قتادة، عن أنس: كان شعر رسول الله ﷺ يضرب منكبيه. البخاري. وقال حميد، عن أنس، كان إلى أنصاف أذنيه. مسلم. قلت: والجمع بينهما ممكن. وقال معمر، عن ثابت، عن أنس: كان إلى شحمة أذنيه. أبو داود في "السنن". وقال شعبة: أخبرنا أبو إسحاق، قال: سمعت البراء يقول: كان رسول الله ﷺ مربوعًا، بعيد ما بين المنكبين، يبلغ شعره شحمة أذنيه،

стр. 1019

عليه حلة حمراء، ما رأيت شيئا أحسن منه. متفق عليه. وأخرجه البخاري من حديث إسرائيل، ولفظه: ما رأيت أحدا من خلق الله في حلة حمراء، أحسن منه، وإن جمته تضرب قريبا من منكبيه. وأخرجه مسلم من حديث الثوري، ولفظه: له شعر يضرب منكبيه، وفيه: ليس بالطويل ولا بالقصير. وقال شريك، عن عبد الملك بن عمير، عن نافع بن جبير، قال: وصف لنا علي ﵁ النبي ﷺ فقال: كان كثير شعر الرأس رجله. إسناده حسن. وقال عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان شعر النبي ﷺ فوق الوفرة، ودون الجمة. أخرجه أبو داود، وإسناده حسن. وقال ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: قالت أم هانئ: قدم النبي صلى الله علبه السلام مكة قدمة، وله أربع غدائر، تعني ضفائر. لم يدرك مجاهد أم هانئ، وقيل: سمع منها، وذلك ممكن. وقال إبراهيم بن سعد: حدثنا ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر يه. وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون

стр. 1020

رؤوسهم، فسدل ناصيته ثم فرق بعد. البخاري ومسلم. وقال ربيعة الرأي: رأيت شعرا من شعر رسول الله ﷺ فإذا هو أحمر، فسألت، فقيل: من الطيب. أخرجه البخاري ومسلم. وقال أيوب، عن ابن سيرين: سألت أنسا: أخضب رسول الله ﷺ ؟ فقال: لم ير من الشيب إلا قليلا. أخرجاه، وله طرق في الصحيح بمعناه عن أنس. وقال المثنى بن سعيد، عن قتادة، عن أنسن أن النبي ﷺ لم يختضب، إنما كان شمط عند العنفقة يسيرا، وفي الصدغين يسيرا، وفي الرأس يسيرا. أخرجه مسلم. وقال زهير بن معاوية وغيره، عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة: رأيت النبي ﷺ هذه منه بيضاء، ووضع زهير بعض أصابعه على عنفقته. أخرجه مسلم. وأخرجه مسلم من حديث إسرائيل. وقال البخاري: حدثنا عاصم بن خالد قال: حدثنا حريز بن عثمان، قلت: لعبد الله بن بسر: أكان النبي ﷺ شيخا؟ قال: كان في عنفقته شعرات بيض. وقال شعبة وغيره، عن سماك، عن جابر بن سمرة، وذكر شمط النبي ﷺ قال: كان إذا ادهن لم ير، وإذا لم يدهن تبين. أخرجه مسلم.

стр. 1021

وقال إسرائيل، عن سماك، عن جابر بن سمرة، قال: كان قد شمط مقدم رأسه ولحيته، وإذا ادهن ومشطه لم يستبن. أخرجه مسلم. وقال أبو حمزة السكري، عن عثمان بن عبد الله بن موهب القرشي، قال: دخلنا على أم سلمة، فأخرجت إلينا من شعر رسول اله ﷺ ، فإذا هو أحمر مصبوغ بالحناء والكتم. صحيح أخرجه البخاري، ولم يقل: "بالحناء والكتم"، من حديث سلام بن أبي مطيع، عن عثمان. وقال إسرائيل، عن عثمان بن موهب قال: كان عند أم سلمة جلجل من فضة ضخم، فيه من شعر النبي ﷺ ، فكان إذا أصاب إنسانا الحمى، بعث إليها فخضخضته فيه، ثم ينضحه الرجل على وجهه، قال: بعثني أهلي إليها فأخرجته، فإذا هو هكذا -وأشار إسرائيل بثلاث أصابع- وكان فيه شعرات حمر. البخاري. محمد بن أبان المستملي: حدثنا بشر بن السري، قال: حدثنا أبان العطار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، أن محمد بن عبد الله بن زيد حدثه أن أباه شهد النبي ﷺ في المنحر، هو ورجل من الأنصار، فقسم ضحايا بين أصحابه، فلم يصبه شيء هو وصاحبه، فحلق رسول الله ﷺ رأسه في ثوبه، وأعطاه إياه، فقسم منه على رجال وقلم أظفاره، فأعطاه صاحبه قال: فإنه لمخضوب عندنا بالحناء والكتم، يعني: الشعر. هذا خبر مرسل. وقال شريك، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان شيب رسول الله ﷺ نحوا من عشرين شعرة، رواه يحيى بن آدم،

стр. 1022

عنه. وقال جعفر بن برقان: حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، قال: قدم أنس بن مالك المدينة، وعمر بن عبد العزيز وال عليها، فبعث إليه عمر، وقال للرسول: سله هل خضب رسول الله ﷺ ، فإني قد رأيت شعرا من شعره قد لون؟ فقال أنس: إن رسول الله ﷺ كان قد متع بالسواد، ولو عددت ما أقبل علي من شيبه في رأسه ولحيته، ما كنت أزيدهن على إحدى عشرة شيبة، وإنما هذا الذي لون من الطيب الذي كان يطيب به شعر رسول الله ﷺ ، وهو الذي غير لونه. وقال أبو حمزة السكري، عن عبد الملك بن عمير، عن إياد بن لقيط، عن أبي رمثة، قال: أتيت النبي ﷺ وعليه بردان أخضران، وله شعر قد علاه الشيب، وشيبه أحمر مخضوب بالحناء. وقال أبو نعيم: حدثنا عبيد الله بن إياد بن لقيط، قال: حدثني أبي، عن أبي رمثة، قال: انطلقت مع أبي نحو رسول الله ﷺ ، فلما رأيته قال لي: هل تدري من هذا؟ قلت: لا. قال: إن هذا رسول الله ﷺ فاقشعررت حين قال ذلك، كنت أظن رسول الله ﷺ شيئا لا يشبه الناس، فإذا هو بشر ذو وفرة بها ردع من حناء، وعليه بردان أخضران. وقال عمرو بن محمد العنقزي: أخبرنا ابن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي ﷺ كان يلبس النعال السبتية، ويصفر لحيته بالورس والزعفران. وقال النضر بن شميل: حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري،

стр. 1023

عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله ﷺ كأنما صيغ من فضة، رجل الشعر، مفاض البطن، عظيم مشاش المنكبين، يطأ بقدميه جميعا، إذا أقبل أقبل جميعا، وإذا أدبر أدبر جميعا. وقال جرير بن حازم، عن قتادة، عن أنس: كان ﷺ ضخم اليدين، لم أر بعده مثله، وفي لفظ: كان ضخم الكفين والقدمين، سائل العرق. أخرج البخاري بعضه. وقال معمر وغير، عن قتادة، عن أنس: كان ﷺ شثن الكفين والقدمين. وقال أبو هلال، عن قتادة، عن أنس -أو عن جابر بن عبد الله، شك موسى بن إسماعيل فيه- عن أبي هلال، أن النبي ﷺ كان ضخم القدمين والكفين، لم أر بعده شبيها به ﷺ . أخرجهما البخاري تعليقا، وهما صحيحان. وقال شعبة، عن سماك عن جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله ﷺ ضليع الفم، أشكل العينين، منهوس العقبين. قلت لسماك: ما ضليع الفم؟ قال: عظيم الفم، قلت: ما أشكل العينين؟ قال: طويل شق العين قلت: ما منهوس العقب؟ قال: قليل لحم العقب. أخرجه مسلم. وقال يزيد بن هارون: حدثنا عبد الله بن يزيد بن مقسم بن ضبة، قال: حدثتني عمتي سارة، عن ميمونة بنت كردم، قالت: رأيت رسول الله ﷺ بمكة، وهو على ناقة له، وأنا مع أبي، وبيد النبي ﷺ درة كدرة الكباث، فدنا منه أبي، فأخذ بقدمه، فأقر له رسول الله صلى الله صلى عليه وسلم. قالت: فما

стр. 1024

نسيت طول إصبعه السبابة على سائر أصابعه. وقال عثمان بن عمر بن فارس: حدثنا حرب بن سريج الخلقاني، قال: حدثني رجل من بلعدوية، قال: حدثني جدي، قال: انطلقت إلى المدينة، فرأيت النبي ﷺ ، فإذا رجل حسن الجسم، عظيم الجبهة، دقيق الأنف، دقيق الحاجبين، وإذا من لدن نحره إلى سرته كالخيط الممدود شعره، ورأيته بين طمرين فدنا مني فقال: "السلام عليك". وقال المسعودي، عن عثمان بن عبد الله بن هرمز، وقاله شريك، عن عبد الملك بن عمير، كلاهما عن نافع بن جبير، واللفظ لشريك قال: وصف لنا علي النبي ﷺ فقال: كان لا قصير ولا طويل وكان يتكفأ في مشيته كأنما يشمي في صبب -ولفظ المسعودي: كأنما ينحط من صبب- لم أر قبله ولا بعده مثله. أخرجه النسائي. عون بن أبي جحيفة، عن أبيه، قال: ﷺ بالبطحاء، وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بهما وجوههم، فأخذت يده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب ريحا من المسك. أخرجه البخاري تعليقا. وقال خالد بن عبد الله، عن عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، قال: قيل لعلي: انعت لنا النبي ﷺ . فقال: كان لا قصير ولا طويل، وهو إلى الطول أقرب، وكان شثن الكف والقدم، في صدره مسربة، كأن عرقة لؤلؤ، إذا مشى تكفأ كأنما

стр. 1025

يمشي في صعد ورؤي نحوه من وجه آخر عن علي. وقال حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، قال: ما مسست بيدي ديباجا ولا حريرا، ولا شيئا ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممت رائحة قط أطيب من ريح رسول الله ﷺ . أخرجه البخاري. وأخرجه مسلم من وجه آخر عن ثابت. وقال حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، فذكر مثله وزاد: كان رسول الله ﷺ أزهر اللون، كأن عرقه اللؤلؤ، إذ مشى تكفأ. أخرجه مسلم. وقال شعبة، عن يعلى بن عطاء: سمعت جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ وهو بمنى فقلت: ناولني يدك، فناولنيها، فإذا هي من الثلج وأطيب ريحا من المسك. وقال سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، قال: دخل علينا رسول الله ﷺ ، فقال عندنا، فعرق وجاءت أمي بقارورة، فجعلت تسلت العرق، فاستيقظ النبي ﷺ فقال: "يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين"؟ قالت: هذا عرق نجعله لطيبنا، وهو أطيب الطيب. أخرجه مسلم. وقال وهيب: حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس فذكره، وفيه: وكان ﷺ كثير العرق. رواه مسلم.

стр. 1026

خاتم النبوة: قال حاتم بن إسماعيل: حدثنا الجعيد بن عبد الرحمن، قال: سمعت السائب بن يزيد قال: ذهبت بي خالتي فقالت: يا رسول الله إن ابن أختي وجع، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، ثم توضأ فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره، فنظرت إلى خاتمه بين كتفيه مثل زر الحجلة. أخرجاه، ووهم من قال: رز الحجلة، وهو بيضها. وقال إسرائيل، عن سماك، سمع جابر بن سمرة، قال: كان رسول الله ﷺ وجهه مستديرا مثل الشمس والقمر، ورأيت خاتم النبوة بين كتفيه مثل بيضة الحمامة، يشبه جسده. أخرجه مسلم. وقال حماد بن زيد وغيره: حدثنا عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرجس قال: درت خلف النبي ﷺ ، فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند نغض كتفه اليسرى، جمعا، عليه خيلان كأمثال الثآليل. أخرجه مسلم أطول من هذا. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا قرة بن خالد، قال: حدثنا معاوية بن قرة، عن أبيه، قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله أرني

стр. 1027

الخاتم: قال أدخل يدك، فأدخلت يدي في جربانة، فجعلت ألمس أنظر إلى الخاتم، فإذا هو على نغض كتفه مثل البيضة، فما منعه ذاك أن جعل يدعو لي، وإن يدي لفي جربانه. رواه يحيى بن أبي طالب، عن أبي داود، لكن قال: "مثل السلعة". قال عبيد الله بن إياد بن لقيط: حدثني أبي، عن أبي رمثة، قال: انطلقت مع أبي نحو النبي ﷺ ، فنظر إلى مثل السلعة بين كتفيه، فقال: يا رسول الله إني كأطب الرجال، أفأعالجها لك؟ قال: "لا، طببها الذي خلقها" رواه الثوري، عن إياد بن لقيط، وقال: "مثل التفاحة". وإسناده صحيح. وقال مسلم بن إبراهيم: حدثنا عبد الله بن ميسرة، قال: حدثنا عتاب، قال: سمعت أبا سعيد يقول: الخاتم الذي بين كتفي النفي ﷺ لحمة نابتة. وقال قيس بن حفص الدارمي: حدثنا مسلمة بن علقمة، قال: حدثنا داود بن أبي هند، عن سماك بن حرب، عن سلامة العجلي، عن سلمان الفارسي، قال: أتيت رسول الله ﷺ ، فألقى إلي رداءه، وقال: انظر إلى ما أمرت به. قال: فرأيت الخاتم بين كتفيه مثل بيضة الحمام. إسناده حسن. وقال الحميدي: حدثنا يحيى بن سليم الطائفي عن ابن خثيم عن سعيد بن أبي راشد، قال: لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1028

بحمص، وكان جارا لي شيخا كبيرا قد بلغ الفند أو قريبا، فقلت: ألا تخبرني؟ قال: بلى، قدم رسول الله ﷺ تبوك، فانطلقت بكتاب هرقل، حتى جئت تبوك، فإذا هو جالس بين ظهري أصحابه محتب على الماء فقال: "يا أخا تنوخ"، فأقبلت أهوي حتى قمت بين يديه، فحل حبوته عن ظهره، ثم قال: "ههنا امض لما أمرت به" فجلت في ظهره، فإذا أنا بخاتم في موضع غضروف الكتف مثل المحجمة الضخمة.

стр. 1029

باب جامع من صفاته ﷺ : قال عيسى بن يونس: حدثنا عمر بن عبد الله مولى غفرة، قال: حدثني إبراهيم بن محمد من ولد علي، قال: كان علي ﵁ إذا نعت رسول ﷺ قال: لم يكن بالطويل الممغط ولا القصير المتردد، كان ربعة من القوم، ولم يكن بالجعد القطط ولا بالسبط، كان جعدا رجلا، ولم يكن بالمطهم ولا المكلثم، وكان في وجهه تدوير، أبيض مشرب، أدعج العينين، أهدب الأشفار، جليل المشاش والكتف -أو قال الكتد- أجرد ذا مسربة، شثن الكفين والقدمين، إذا مشى تقلع كأنما يمشي في صبب، وإذا التفت التفت معا، بين كتفيه خاتم النبوة، أجود الناس كفا وأجرى الناس صدرا، وأصدقهم لهجة، وأوفاهم بذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ . وقال أبو عبيد في "الغريب": حدثنيه أبو إسماعيل المؤدب، عن عمر مولى غفرة، عن إبراهيم بن محمد ابن الحنفية قال: كان علي إذا نعت، فذكره. قوله: ليس بالطويل الممغط: يقول: ليس بالبائن الطول ولا القصير المتردد: يعني الذي تردد خلقه بعضه على بعض، فهو مجتمع ليس بسبط الخلق، يقول: ليس هو كذلك ولكنه ربعة. والمطهم: قال الأصمعي: التام كل شيء منه على حدته، فهو بارع الجمال، وقال غيره، المكلثم: المدور الوجه، يقول: ليس هو كذلك ولكنه مسنون.

стр. 1030

والدعج: شدة سواد العين. والجليل: المشاش: العظيم رؤوس العظام مثل الركبتين والمرفقين والمنكبين. والكتد: الكاهل وما يليه من الجسد. وشثن الكفين: يعني أنها إلى الغلظ. والصبب: الانحدار. والقطط: مثل شعر الحبشة. والأزهر: الذي يخالط بياضه شيء من الحمرة. والأمهق: الشديد البياض. وشبح الذراعين: يعني عبل الذراعين عريضهما. والمسربة: الشعر المستدق ما بين اللبة إلى السرة. وقال الأصمعي: التقلع: المشي بقوة. وقال يعلى بن عبيد، عن مجمع بن يحيى الأنصاري، عن عبد الله بن عمران، عن رجل من الأنصار، أنه سأل عليا، عن نعت رسول الله ﷺ فقال: كان أبيض مشرب حمرة، أدعج، سبط الشعر، ذو وفرة، دقيق المسربة، كأن عنقه إبريق فضة، من لبته إلى سرته شعر، يجري كالقضيب، ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، شثن الكف والقدم، إذا مشى كأنا ينحدر من صبب، وإذا مشى كأنما يتقلع من صخر، وإذا التفت التفت جميعا، كأن عرقه اللؤلؤ، ولريح عرقة أطيب من المسك، ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا العاجز ولا اللئيم، لم أر قبله ولا بعده مثله.

стр. 1031

قال البيهقي: أخبرنا أبو علي الروذباري، قال: أخبرنا عبد الله بن عمر بن شوذب، قال: أخبرنا شعيب بن أيوب الصريفيني عنه. وقال حفص بن عبد الله النيسابوري: حدثني إبراهيم بن طهمان، عن حميد، عن أنس، قال: لم يكن النبي ﷺ بالآدم، ولا الأبيض الشديد البياض، فوق الربعة ودون الطويل، كان من أحسن من رأيت من خلق الله، وأطيبه ريحا وألينه كفا، كان يرسل شعره إلى أنصاف أذنيه، وكان يتوكأ إذا مشى. وقال معمر، عن الزهري، قال: سئل أبو هريرة عن صفة النبي ﷺ فقال: كان أحسن الناس صفة وأجملها، كان ربعة إلى الطول ما هو، بعيد ما بين المنكبين، أسيل الخدين، شديد سواد الشعر، أكحل العينين، أهدب، إذا وطئ بقدمه وطئ لكلها، ليس أخمص، إذا وضع رداءه عن منكبه فكأنه سبيكة فضة، وإذا ضحك يتلألأ، لم أرق قبله ولا بعده مثله، رواه عبد الرزاق عنه. وقال أبو هشام محمد بن سليمان بن الحكم بن أيوب بن سليمان الكعبي الخزاعي: حدثني عمي أيوب بن الحكم، عن حزام بن هشام، عن أبيه، عن جده حبيش بن خالد ﵁ الذي قتل بالبطحاء يوم الفتح، وهو أخو عاتكة -أن النبي ﷺ خرج من مكة هو وأبو بكر، ومولى لأبي بكر عامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن الأريقط الليثي، فمروا على خيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت برزة جلدة تحتبي بفناء القبة، ثم تسقي وتطعم، فسألوها تمرا ولحما يشترونه منها، فلم يصيبوا شيئا، وكان القوم مرملين مسنتين، فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر

стр. 1032

الخيمة، فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبد"؟ قالت: شاة خلفها الجد عن الغنم. فقال: "هل بها من لبن"؟ قالت: هي أجهد من ذلك قال: "أتأذنين أن أحلبها"؟ قالت: نعم بأبي وأمي، إن رأيت بها حلبا فاحلبها. فدعا بها، فمسح بيده ضرعها، وسمى الله، ودعا لها في شاتها، فتفاجت عليه، ودرت واجترت، ودعا بإناء يربض الرهط، فحلب ثجا حتى علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويت، ثم سقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب آخرهم. ثم حلب ثانيا بعد بدء، حتى ملأ الإناء، ثم غادر عندها وبايعها، وارتحلوا عنها. فقل ما لبثت، حتى جاء زوجها أبو معبد، يسوق أعنزا عجافا تساوكن هزلا مخهن قليل. فلما رأي أبو معبد اللبن عجب، وقال: من أين لك هذا يا أم معبد؟ والشاء عازب حيال، ولا حلوب في البيت؟ قالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا، قال: صفيه لي، قالت: رجل ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أزج أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، ربعة لا يائس من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرًا، وأحسنهم قدرا، له رفقاء يحفون به، إن قال

стр. 1033

أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا مفند. قال أبو معبد: هذا والله صاح قريش، الذي ذكر لنا من أمه، ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا. وأصبح صوت بمكة عال، يسمعون الصوت، ولا يدرون من صاحبه، وهو يقول: جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين قالا خيتمي أم معبد هما نزلاها بالهدى واهتدت به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد فيال قصي ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا تجاري وسؤدد ليهن بني كعب مكان فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت ... عليه صريحا ضرة الشاة مزبد فغادرها رهنا لديها لحالب ... يرددها في مصدر ثم مورد فلما سمع بذلك حسان بن ثابت شبب يجاوب الهاتف، فقال: لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسري إليهم ويغتدي ترحل عن قوم فضلت عقولهم ... وحل على قوم بنور مجدد هداهم به بعد الضلالة ربهم ... وأرشدهم من يتبع الحق يرشد وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا ... عمايتهم هاد به كل مهتد وقد نزلت منه على أهل يثرب ... ركاب هدى حلت عليهم بأسعد نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ... ويتلوا كتاب الله في كل مسجد وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد ليهن أبا بكر سعادة جده ... بصحبته من يسعد الله يسعد

стр. 1034

قوله: إذا مشى تكفأ: يريد أنه يميد في مشيته، ويمشي في رفق غير مختال. وقوله: فخما مفخما: قال أبو عبيد: الفخامة في الوجه نبله وامتلاؤه، مع الجمال والمهابة وقال ابن الأنباري: معناه أنه كان عظيما معظما في الصدور والعيونن ولم يكن خلقه في جسمه ضخما. وأقنى العرنين: مرتفع الأنف قليلا مع تحدب، وهو قريب من الشمم. والشنب: ماء ورقة في الثغر. والفلج: تباعد ما بين الأسنان. والدمية: الصورة المصورة. وقد روى حديث أم معبد أبو بكر البيهقي فقال: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، قال: أخبرنا أبو عمرو بن مطر، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن موسى بن عيسى الحلواني، قال: حدثنا مكرم بن محرز بن مهدي، قال: حدثنا أبي، عن حزام بن هشام. فذكر نحوه. ورواه أبو زيد عبد الواحد بن يوسف بن أيوب بن الحكم الخزاعي بقديد، إملاء على أبي عمرو بن مطر، قال: حدثنا عمي سليمان بن الحكم. وسمعه ابن مطر بقديد أيضا، من محمد بن محمد بن سليمان بن الحكم، عن أبيه. ورواه عن مكرم بن محرز الخزاعي -وكنيته أبو القاسم- يعقوب بن سفيان الفسوي، مع تقدمه، ومحمد بن جرير الطبري، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وجماعة آخرهم القطيعي.

стр. 1035

وقال الحاكم: سمعت الشيخ الصالح أبا بكر أحمد بن جعفر القطيعي يقول: حدثنا مكرم بن محرز عن آبائه، فذكر الحديث، فقلت له: سمعته من مكرم؟ قال: إي والله، حج بي أبي، وأنا ابن سبع سنين، فأدخلني على مكرم. ورواه البيهقي أيضا في اجتياز النبي ﷺ بخيمتي أم معبد، من حديث الحسن بن مكرم، وعبد الله بن محمد بن الحسن القيسي، قالا: حدثنا أبو أحمد بشر بن محمد المروزي السكري، قال: حدثنا عبد الملك بن وهب المذحجي، قال: حدثنا الحر بن الصياح، عن أبي معبد الخزاعي، أن رسول الله ﷺ لما خرج هو، وأبو بكر، وعامر بن فهيرة، ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي -كذا قال: الليثي، وهو الديلي- مروا بخيمتي أم معبد، فذكر الحديث بطوله. وقولها ظاهر الوضاءة: أي ظاهر الجمال. ومرملين: أي: قد نفد زادهم. ومسنتين: أي: داخلين في السنة والجدب. وكسر الخيمة: جانبها. وتفاجت: فتحت ما بين رجليها. ويربض الرهط: يرويهم حتى يثقلوا فيربضوا، والرهط من الثلاثة إلى العشرة. والثج: السيل. والبهاء: وبيض رغوة اللبن، فشربوا حتى أرضوا، أي: رووا كذا جاء في بعض طرقه. وتساوكن: تمايلن من الضعيف، ويروى: تشاركن، أي: عمهن الهزال.

стр. 1036

والشاء عازب: بعيد في المرعى. وأبلج الوجه: مشرق الوجه مضيئه. والثجلة: عظم البطن مع استرخاء أسفله. والصعلة: صغر الرأس، ويروى صقلة وهي الدقة والمضرة، والصقل: منقطع الأضلاع من الخاصرة. والوسيم: المشهور بالحسن، كأنه صار الحسن له سمة. والقسيم: الحسن قسمة الوجه. والوطف: الطول. والصحل: شبه البحة. والسطع: طول العنق. لا تقتحمه عين من قصر: أي: لا تزدريه لقصره فتجاوزه إلى غيره، بل تهابه وتقبله. والمحفود: المخدوم. والمحشود: الذي يجتمع الناس حوله. والمفند: المنسوب إلى الجهل وقلة العقل. والضرة: أصل الضرع. ومزبد: خفض على المجاورة.

стр. 1037

وقوله: فغادرها رهنا لديها لحالب: أي: خلف الشاة عندها مرتهنة بأن تدر. قال سفيان بن وكيع بن الجراح: حدثنا جميع بن عمر العجلي إملاء، قال: حدثنا رجل من بني تميم -من ولد أبي هالة زوج خديجة، يكنى أبا عبد الله- عن ابن لأبي هالة، عن الحسن بن علي ﵄ قال: سألت خالي هند بن أبي هالة -وكان وصافا- عن حلية النبي ﷺ ، وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلق به، فقال: كان رسول الله ﷺ فخما مفخما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر، أطول من المربوع وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رجل الشعر، إذا انفرقت عقيصته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره، أزهر اللون، واسع الجبين. أزج الحواجب: سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم، كث اللحية، سهل الخدين، ضليع الفم، أشنب مفلج الأسنان، دقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادن، متماسك، سواء البطن والصدر، عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن، وما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن الكفين والقدمين، سائل -أو سائر- الأطراف، خمصان الأخمصين، مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعا، يخطو

стр. 1038

تكفيا، ويمشي هونا، ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت جميعا، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدر من لقبه بالسلام. قال: قلت: صف لي منطقه، قال: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له راحة، طويل السكت، لا يتكلم في غير حاجة، يفتتح الكلام، بأشداقه، ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم، فصل لا فضول ولا تقصير، دمث ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم شيئا، غير أنه لم يكن يذم ذواقا ولا يمدحه، ولا تغضبه الدنيا وما كان لها، فإذا تعدي الحق، لم يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها، يضرب براحته اليمنى باطن راحته اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام. قال الحسن: فكتمتها الحسين زمانا، ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه، يعني إلى هند بن أبي هالة، فسأله عما سألته عنه، ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه وشكله، فلم يدع منه شيئا. قال الحسين: فسألت أبي عن دخول رسول الله ﷺ فقال: كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك، وكان إذا آوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزءا لله، وجزءا لأهله، وجزءا لنفسه، ثم جزء جزأه بينه وبين الناس، ورد ذلك بالخاصة على العامة، ولا يدخر عنهم شيئا، فكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألته

стр. 1039

عنهم، وإخبارهم بالذي ينبغي لهم، يقول: ليبلغ الشاهد الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، فغنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ثبت الله قدميه يوم القيامة، ولا يذكر عنده إلى ذلك ولا يقبل من أحد غيره، يدخلون روادا، ولا يفترقون إلا عن ذواق ويخرجون أدلة يعني على الخير. فسألته عن مخرجه، كيف كان يصنع فيه؟ قال: كان يخزن لسانه إلا مما يعنيه، ويؤلفهم ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه، ويتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفلوا مخافة أن يغفلوا أو يملوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق، ولا يجاوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده أحسنهم مواساة. فسألته عن مجلسه كيف كان يصنع فيه؟ فقال: كان رسول الله ﷺ لا يقوم ولا يجلس إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك، يعطي كل جلسائه نصيبه، ولا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه. من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف. ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها، أو بميسور من القول قد وسع الناس منه بسطة وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء. مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تنثي فلتاته، متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقرون فيه

стр. 1040

الكبير، ويرحمون فيه الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب. أخرج الترمذي أكثره مقطعا في "كتاب الشمائل". ورواه زكريا بن يحيى السجزي، وغيره، عن سفيان بن وكيع. ورواه إسحاق بن راهوية، وعلي بن محمد بن أبي الخصيب، عن عمرو بن محمد العنقزي، قال: حدثنا جميع بن عمر العجلي، عن رجل يقال له: يزيد بن عمر التميمي -من ولد أبي هالة- عن أبيه، عن الحسن بن علي، وفيه زائد من هذا الوجه وهو: فسألته عن سيرته في جلسائه، فقال: كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب، ولا فحاش، ولا عياب، ولا مزاح، يتغافل عما لا يشتهيه، ولا يؤيس منه، ولا يحبب في، قد ترك نفسه من ثلاث: من المراء، والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه. إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم أنصتوا له، وكان يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقة ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليتسجلبونهم، ويقول: "إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فارفدوه"، ولا يقبل الثناء إلا عن مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه بنهي أو قيام. فسألته: كيف كان سكوته؟ قال: على أربع: على الحلم، والحذر، والتدبر، والتفكر، فأما تدبره، ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس، وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى، وجمع له الحلم في الصبر، فكان لا

стр. 1041

يغضبه شيء ولا يستفزه. وجمع له الحذر في أربع: أخذه بالخير ليقتدى به، وتركه القبيح لينتهى عنه، واجتهاده الرأي فيما يصلح أمته والقيام بهم، والقيام فيما جمع لهم أمر الدنيا والآخرة ﷺ . ورواه بطوله كله يعقوب الفسوي: حدثنا أبو غسان النهدي، وسعيد بن حماد الأنصاري المصري، قالا: حدثنا جميع بن عمر، قال: حدثني رجل بمكة، عن ابن لأبي هالة، فذكره. ورواه الطبراني، عن علي بن عبد العزيز، عن أبي غسان النهدي. قرأت على أبي الهدى عيسى بن يحيى السبتي، أخبركم عبد الرحيم بن يوسف الدمشقي، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد الحافظ، قال: أخبرنا أبو سعد الحسين بن الحسين الفانيذي، وأبو مسلم عبد الرحمن بن عمر السمناني، وأبو سعد محمد بن عبد الملك الأسدي، قالوا: أخبرنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم التاجر، قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب العلوي المعروف بابن أخي أبي طاهر، قال: حدثنا إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي، قال: حدثني علي بن جعفر بن محمد بن علي، عن أخيه موسى، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين، قال: قال الحسن بن علي ﵄: سألت خالي هند بن أبي هالة، عن حلية رسول الله ﷺ ، وكان وصافا، وأنا أرجو أن يصف لي منه شيئا أتعلق به، فقال: كان فخما مفخما. فذكر مثل حديث جميع بن عمر بطوله، إلا في ألفاظ: قال في عريض الصدر: فسيح الصدر، وقال: رحب الجبهة بدل رحب الراحة، وقال: يبدأ بدل يبدر

стр. 1042

من لقيه بالسلام، وقال: طويل السكوت بدل السكت، وقال: لم يكن ذواقا ولا مدحة بدل لا يذم ذواقا ولا يمدحه، وأشياء سوى هذا بالمعنى. قوله متماسك: أي ممتلئ البدن غير مسترخ ولا رهل، والمتجرد: المتعري، واللبة: النحر، والسائر والسائل: هو الطويل السابغ، والأخمص: ما يلصق من القدم بالأرض، والممسوح: الأملس الذي ليس فيه شقوق، ولا وسخ، ولا تكسر، فالماء ينبو عنهما لذلك إذا أصابهما. وقوله: زال قلعا، المعنى أنه كان يرفع رجليه من الأرض رفعا بقوة لا كمن يمشي اختيالا ويشحط مداسه دلكا بالأرض، ويروى: زال قلعا. ومعناه: التثبت، والذريع: السريع. يسوق أصحابه: أي يقدمهم أمامه، والجافي: المتكبر، والمهين: الوضيع، والذوق: الطعام، وأشاح: أي اجتنب ذاك وأعرض عنه. وحب الغمام: البرد، والشكل: النحو والمذهب، والعتاد: ما يعد للأمر مثل السلاح وغيره. وقوله: لا تؤبن فيه الحرم: أي: لا تذكر بقبيح، ولا تنثى فلتاته: أي: لا تذاع، أي: لم يكن لمجلسه فلتات فتذاع، والنثا في الكلام: القبيح والحسن. وقد مر في حديث الإسراء أنه قال: رأيت إبراهيم وهو قائم يصلي، فإذا أشبه الناس به صاحبكم، يعني نفسه صلى الله عليهما. وقال إسرائيل عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، أن قريشا أتوا كاهنة فقالوا لها: أخبرينا بأقربنا شبها بصاحب هذا المقام، قالت: إن جررتم كساء على هذه السهلة، ثم مشيتم عليها أنبأتكم ففعلوا، فأبصرت أثر قدم محمد صلى عليه وسلم قالت: هذا أقربكم شبها به، فمكثوا بعد

стр. 1043

ذلك عشرين سنة أو نحوها، ثم بعث ﵇. وقال أبو عاصم، عن عمرو بن سعيد بن أبي حسن، عن ابن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث، قال: صلى بنا أبو بكر ﵁ العصر، ثم خرج هو وعلي يمشيان، فرأى الحسن يلعب مع الغلماء، فأخذه فحمله على عاتقه ثم قال: بأبي شبيه النبي ... ليس شبيها بعلي وعلي يتبسم. أخرجه البخاري عن أبي عاصم. وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن هانئ عن علي ﵁ قال: الحسن أشبه برسول الله ﷺ ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه برسول الله ﷺ ما كان أسفل من ذلك.

стр. 1044

باب قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيم﴾ : قال النبي ﷺ : "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا". وقال البخاري ومسلم: مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، قالت: ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين، إلا أخذ أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإذا كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله، فينتقم لله بها. وقال هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ بيده شيئا قط، لا امرأة ولا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شيء قط، فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله. رواه مسلم. وقال أنس: خدمته ﷺ عشر سنين، فوالله ما قال لي: أف قط، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلت كذا، ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟. وقال عبد الوارث، عن أبي التياح، عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقا. أخرجه مسلم. وقال حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس: كان ﷺ أجود الناس،

стр. 1045

وأجمل الناس، وأشجع الناس. متفق عليه. وقال فليح، عن هلال بن علي، عن أنس: لم يكن رسول الله ﷺ سبابا ولا فاحشا، ولا لعانا، كان يقول لأحدنا عند المعتبة: ما له ترب جبينه. أخرجه البخاري. وقال الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله ﷺ لم يكن فاحشا ولا متفحشا، وأنه كان يقول: خياركم أحسنكم أخلاقا. متفق عليه. وقال أبو داود: حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، سمع أبا عبد الله الجدلي يقول: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: لم يكن فاحشًا، ولا متفحشا، ولا سخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح. وقال شعبة، عن قتادة: سمعت عبد الله بن أبي عتبة، قال: سمعت أبا سعيد الخدري يقول: كان رسول الله ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه. متفق عليه. وقال ابن عمر: قال رسول الله ﷺ : "الحياء من الإيمان". وقال مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد غليظ الحاشية، فأدركها أعرابي فجبذ بردائه جبذا شديدا، حتى نظرت إلى صفحة عاتقه قد أثرت بها حاشية

стр. 1046

البرد، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه النبي ﷺ فضحك، ثم أمر له بعطاء. متفق عليه. وقال عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن الأعمش، عن ثمامة بن عقبة، عن زيد بن أرقم، قال: كان رجل من الأنصار يدخل على النبي ﷺ ويأمنه، وأنه عقد للنبي ﷺ عقدا، فألقاه في بئر فصرع ذلك النبي ﷺ فأتاه ملكان يعودانه، فأخبراه أن فلانا عقد له عقدا، وهي في بئر فلان، ولقد اصفر الماء من شدة عقده، فأرسل النبي ﷺ فاستخرج العقد، فوجد الماء قد اصفر، فحل العقد، ونام النبي ﷺ فلقد رأيت الرجل بعد ذلك يدخل على النبي ﷺ ، فما رأيته في وجه النبي ﷺ حتى مات. وقال أبو نعيم: حدثنا عمران بن زيد أبو يحيى الملائي، قال: حدثني زيد العمى، عن أنس: كان رسول الله ﷺ إذا صافحه الرجل لا ينزع يده من يده، حتى يكون الرجل ينزع، وإن استقبله بوجهه، لا يصرفه عنه، حتى يكون الرجل ينصرف، ولم ير مقدما ركبته بين يدي جليس له. أخرجهما الفسوي عنهما في تاريخه. وقال مبارك بن فضالة، عن ثابت، عن أنس: ما رأيت رجلا التقم أذن النبي ﷺ فينحي رأسه، حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه، وما رأيت رسول الله أخذ بيد رجل فترك يده، حتى يكون الرجل هو الذي يدع يده. أخرجه أبو داود. وقال سليمان بن يسار، عن عائشة، قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1047

مستجمعا ضاحكًا، حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم. متفق عليه. وقال سماك بن حرب: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس النبي ﷺ ؟ قال: نعم كثيرا، كان لا يقوم من مصلاه حتى تطلع الشمس، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية، فيضحكون ويتبسم. رواه مسلم. وقال الليث بن سعد، عن الوليد بن أبي الوليد، أن سليمان بن خارجة أخبره، عن أبيه أن نفرا دخلوا على زيد بن ثابت أبيه، فقالوا: حدثنا عن بعض أخلاق رسول الله ﷺ فقال: كنت جاره فكان إذا نزل الوحي بعث إلي فآتيه، فأكتب الوحي وكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا. وقال إسرائيل: عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي قال: لما كان يوم بدر، اتقينا المشركين برسول الله ﷺ ، وكان أشد الناس بأسا، وما كان أحد أقرب إلى المشركين منه. وقال الثوري، عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابرا يقول: لم يسأل النبي ﷺ شيئا قط فقال: لا. متفق عليه. وقال يونس، عن الزهري، عن عبد الله عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان. متفق عليه. وقال حميد الطويل، عن موسى بن أنس، عن أبيه قال: أتى رجل

стр. 1048

النبي ﷺ فسأله، فأمر له بغنم بين جبلين، فأتى قومه فقال: أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة. أخرجه مسلم. وقال معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا كان في بيته يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته. وقال أبو صالح: حدثني معاوية بن صالح، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، قيل لعائشة: ما كان رسول الله ﷺ يعمل في بيته؟ قالت: كان بشرا من البشر، يفلي ثوبه، ويحلب شاتهن ويخدم نفسه. وقال شعبة: حدثني مسلم الأعور أبو عبد الله، سمع أنسا يقول: كان رسول الله ﷺ يركب الحمار، ويلبس الصوف، ويجيب دعوة المملوك، ولقد رأيته يوم خيبر على حمار، خطامه من ليف. وقال مروان بن محمد الطاطري: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثني عمار بن غزية، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ من أفكه الناس مع صبي. وفي "الصحيح" أن النبي ﷺ قال: "أبا عمير ما فعل النغير"؟ . وقال حماد بن سلمة: أخبرنا ثابت، عن أنس، أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال: "يا أم فلان، انظري، أي طريق شئت قومي فيه، حتى أقوم معك"، فخلا معها يناجيها، حتى قضت حاجتها. أخرجه مسلم.

стр. 1049

باب هيبته وجلاله وحبه وشجاعته وقوته وفصاحته: قال جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي مسعود، قال: إني لأضرب غلاما لي، إذ سمعت صوتا من خلفي: "اعلم أبا مسعود"، قال: فجعلت لا ألتفت إليه من الغضب، حتى غشيني، فإذا هو رسول الله ﷺ ، فلما رأيته وقع السوط من يدي من هيبته، فقال لي: "والله، لله أقدر عليك منك من هذا"، فقلت: والله يا رسول الله لا أضرب غلاما لي أبدا. هذا حديث صحيح. وقال شعبة، عن قتادة، عن انس، أن النبي ﷺ قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين". أخرجه مسلم. وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ [الحجرات: ٢] ، فقال أبو بكر وغيره: لا نكلمك يا رسول الله إلا كأخي السرار. وقال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] .

стр. 1050

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] . وعن النبي ﷺ قال: "نصرت بالرعب، يسير بين يدي مسيرة شهر". وقال زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن علي ﵁ قال: كنا إذا احمر البأس، ولقي القوم القوم، اتقينا برسول الله ﷺ ، فما يكون منا أحد أقرب إلى القوم منه، وقد ثبت النبي ﷺ يوم أحد ويوم حنين، كما يأتي في غزواته. قال زهير، عن أبي إسحاق، عن البراء، عن يوم حنين، أن رسول الله ﷺ بقي على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود بلجامها، فنزل النبي ﷺ واستنصر، ثم قال: "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب". ثم تراجع الناس. وسيأتي هذا مطولا. وقال حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ : أجمل الناس وجها، وأجودهم كفا، وأشجعهم قلبا، خرج وقد فزع أهل المدينة، فركب فرسا لأبي طلحة عربا، ثم رجع وهو يقول: "لن تراعوا، لن تراعوا". متفق عليه. وقال حاتم بن الليث الجوهري: حدثنا حماد بن أبي حمزة السكري، قال: حدثنا علي بن الحسين بن واقد، قال: حدثنا أبي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب، قال: يا رسول الله ما

стр. 1051

لك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ قال: "كانت لغة إسماعيل قد درست، فجاء بها جبريل فحفظنيها". هذا من "جزء الغطريف". وقال عباد بن العوام: حدثني موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال رجل: يا رسول الله ما أفصحك، ما رأيت الذي هو أعرب منك. قال: "حق لي، وإنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين". وقال هشيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق القرشي، عن أبي بردة، عن أبي موسى: قال رسول الله ﷺ : "أعطيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه". قلنا: علمنا مما علمك الله، فعلمنا التشهد في الصلاة.

стр. 1052

باب زهده ﷺ : وبذلك يوزن الزهد وبه يحد: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١] . وقال بقية بن الوليد، عن الزبيدي، عن الزهري، عن محمد بن عبد الله بن عباس، قال: كان ابن عباس يحدث أن الله -تعالى- أرسل إلى نبيه ﷺ ملكا من الملائكة معه جبريل ﵇ فقال الملك: إن الله يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا، وبين أن تكون ملكا نبيا، فالتفت النبي ﷺ إلى جبريل كالمستشير له، فأشار جبريل إلى رسول الله ﷺ أن تواضع، فقال رسول الله ﷺ : "بل أكون عبدا نبيا". قال: فما أكل بعد تلك الكلمة طعاما متكئا حتى لقي ربه تعالى. وقال عكرمة بن عمار، عن أبي زميل، قال: حدثني ابن عباس، أن عمر ﵃ قال: دخلت على رسول الله ﷺ في خزانته، فإذا هو مضطجع على حصير، فأدنى عليه إزاره وجلس، وإذا الحصير قد أثر بجنبه، فقلبت عيني في خزانة رسول الله ﷺ ، فإذا ليس فيها شيء من الدنيا غير قبضتين -أو قال قبضة- من شعير، وقبضة من قرظ، نحو الصاعين، وإذا أفيق معلق أو أفيقان، قال: فابتدرت عيناي، فقال رسول الله ﷺ : "ما يبكيك يا ابن الخطاب"؟ قلت: يا رسول الله وما لي لا أبكي وأنت صفوة الله ورسوله وخيرته، وهذه خزانتك! وكسرى وقيصر في الثمار والأنهار، وأنت هكذا. فقال: "يا ابن

стр. 1053

الخطاب أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا"؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: "فاحمد الله ". أخرجه مسلم. وقال معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن ابن عباس، عن عمر في هذه القصة، قال: فما رأيت في البيت شيئا يرد البصر إلا أهب ثلاثة، فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم، وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالسا وقال: "أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا". فقلت: أستغفر الله، وكان أقسم أن لا يدخل على نسائه شهرا من شدة موجدته عليهن حتى عاتبه الله تعالى. اتفقا عليه من حديث الزهري. قرأت على إسماعيل بن عبد الرحمن المعدل، سنة أربع وتسعين، أخبركم العلامة أبو محمد بن قدامة، أن شهدة بنت أبي نصر أخبرتهم، قالت: أخبرنا أبو غالب الباقلاني، قال: أخبرنا أبو علي بن شاذان، قال: أخبرنا أبو سهل بن زياد، قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق، قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم، قال: حدثنا مبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس قال: دخلت على النبي ﷺ وهو على سرير مرمول بشريط، وتحت رأسه مرفقة حشوها ليف، فدخل عليه ناس من أصحابه فيهم عمر ﵁ فاعوج النبي ﷺ اعوجاجة، فرأيى عمر أثر الشريط في جنب النبي ﷺ فبكى، فقال له النبي ﷺ : "ما يبكيك"؟ قال: كسرى وقيصر يعيثان فيما يعيثان فيه، وأنت على هذا السرير! فقال: "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة"؟ قال: بلى،

стр. 1054

فقال: "فهو والله كذلك". إسناده حسن. وقال المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: اضطجع النبي ﷺ على حصير، فأثر بجلده، فجعلت أمسحه عنه وأقول: بأبي وأمي ألا آذنتنا فنبسط لك؟ قال: "ما لي وللدنيا، إنما أنا والدنيا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها". هذا حديث حسن قريب من الصحة. وقال يونس، عن الزهري، عن عبيد الله، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "لو أن لي مثل أحد ذهبا ما يسرني أن تأتي علي ثلاث ليال، وعندي منه شيء، إلا شيء أرصده لديني". أخرجه البخاري. وقال الأعمش، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا". أخرجه مسلم والبخاري من وجه آخر. وقال إبراهيم النخعي، عن الأسود، عن عائشة، قالت: ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيام تباعا من خبز بر حتى توفي. أخرجه مسلم. وقال الثوري: حدثنا عبد الرحمن بن عابس بن ربيعة، عن أبيه، أن عائشة قالت: كنا نخرج الكراع بعد خمس عشرة فنأكله، فقلت: ولم تفعلون؟ فضحكت وقالت: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز مأدوم حتى لحق بالله. أخرجه البخاري. وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: كنا يمر بنا الهلال

стр. 1055

والهلال والهلال، ما نوقد بنار لطعام، إلا أنه التمر والماء، إلا أن حولنا أهل دور من الأنصار، فيبعثون بغزيرة الشاة إلى النبي ﷺ ، فكان للنبي ﷺ من ذلك اللبن. متفق عليه. وقال همام: حدثنا قتادة: كنا نأتي أنس بن مالك، وخبازه قائم، فقال: كلوا، فما أعلم رسول الله ﷺ رأى رغيفا مرققا، حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه قط. أخرجه البخاري. وقال هشام الدستوائي، عن يونس، عن قتادة، عن أنس قال: ما أكل النبي ﷺ على خوان ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق فقلت لأنس: على ما كانوا يأكلون؟ قال: على السفر. أخرجه البخاري. وقال شعبة عن أبي إسحاق: سمعت عبد الرحمن بن يزد يحدث، عن الأسود، عن عائشة قالت: ما شبع رسول الله ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين، حتى قبض. أخرجه مسلم. وقال هشام بن أبي عبد الله، عن قتادة، عن أنس أنه مشى إلى النبي ﷺ بخبز شعير، وإهالة سنخة ولقد رهن درعه عند يهودي، فأخذ لأهله شعيرا، ولقد سمعته ذات يوم يقول: ما أمسى عند آل محمد صاع تمر ولا صاع حب، وإنهم يومئذ تسعة أبيات. أخرجه البخاري. وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: كان فراش رسول الله ﷺ من أدم حشوه ليف. متفق عليه.
следующие страницы →