Полный текст (14 211 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
عَمِّهِ، فَقَالُوا لَهُ:
إِمَّا أَنْ تَقْتُلَ هَذَا الفَتَى، وَإِمَّا أَنْ تُخْرِجَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَإِنَّا قَدْ خِفْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا مِنْهُ.
قَالَ: وَيْلَكُم، قَتَلْتُمْ أَبَاهُ بِالأَمْسِ، وَأَقْتُلُهُ اليَوْمَ، بَلْ أَخْرِجُوْهُ مِنْ بِلاَدِكُم.
فَخَرَجُوا بِهِ، فَبَاعُوْهُ مِنْ رَجُلٍ تَاجِرٍ بِسِتِّ مَائَةِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ قَذَفَهُ فِي سَفِيْنَةٍ، فَانْطَلَقَ بِهِ حَتَّى إِذَا المَسَاءُ مِنْ ذَلِكَ اليَوْمِ، هَاجَتْ سَحَابَةٌ مِنْ سَحَابِ الخَرِيْفِ، فَخَرَجَ عَمُّهُ يَسْتَمْطِرُ تَحْتَهَا، فَأَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ، فَقَتَلَتْهُ.
فَفَزِعَتِ الحَبَشَةُ إِلَى وَلَدِهِ، فَإِذَا هُمْ حَمْقَى، لَيْسَ فِي وَلَدِهِ خَيْرٌ، فَمَرَجَ عَلَى الحَبَشَةِ أَمْرُهُم، فَلَمَّا ضَاقَ عَلَيْهِم مَا هُمْ فِيْهِ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ:
تَعْلَمُوْنَ -وَاللهِ- أَنَّ مَلِكَكُمُ الَّذِي لاَ يُقِيْمُ أَمْرَكُمْ غَيْرُهُ، الَّذِي بِعْتُمُوْهُ غُدْوَةً، فَإِنْ كَانَ لَكُم بِأَمْرِ الحَبَشَةِ حَاجَةٌ فَأَدْرِكُوْهُ.
قَالَ: فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ، حَتَّى أَدْرَكُوْهُ، فَأَخَذُوْهُ مِنَ التَّاجِرِ، ثُمَّ جَاؤُوا بِهِ، فَعَقَدُوا عَلَيْهِ التَّاجَ، وَأَقْعَدُوْهُ عَلَى سَرِيْرِ المُلْكِ، وَمَلَّكُوْهُ، فَجَاءهُمُ التَّاجِرُ، فَقَالَ:
إِمَّا أَنْ تُعْطُوْنِي مَالِي، وَإِمَّا أَنْ أُكَلِّمَهُ فِي ذَلِكَ.
فَقَالُوا: لاَ نُعْطِيْكَ شَيْئاً.
قَالَ: إِذَنْ -وَاللهِ- لأُكَلِّمَنَّهُ.
قَالُوا: فَدُوْنَكَ.
فَجَاءهُ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ:
أَيُّهَا المَلِكُ! ابْتَعْتُ غُلاَماً مِنْ قَوْمٍ بِالسُّوْقِ بِسِتِّ مَائَةِ دِرْهَمٍ، فَأَسْلَمُوْهُ إِلَيَّ، وَأَخَذُوا دَرَاهِمِي حَتَّى إِذَا سِرْتُ بِغُلاَمِي أَدْرَكُوْنِي، فَأَخَذُوا غُلاَمِي، وَمَنَعُوْنِي دَرَاهِمِي.
فَقَالَ لَهُمُ النَّجَاشِيُّ: لَتَعْطُنَّهُ دَرَاهِمَهُ، أَوْ لَيُسَلَّمَنَّ غُلاَمَهُ فِي يَدَيْهِ، فَلَيَذْهَبَنَّ بِهِ حَيْثُ يَشَاءُ.
قَالُوا: بَلْ نُعْطِيْهِ دَرَاهِمَهُ.
قَالَتْ: فَلِذَلِكَ يَقُوْلُ: مَا أَخَذَ اللهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِيْنَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي، فَآخُذَ الرِّشْوَةَ فِيْهِ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا خُبِرَ مِنْ صَلاَبَتِهِ فِي دِيْنِهِ، وَعَدْلِهِ فِي حُكْمِهِ.
ثُمَّ قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ، كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ لاَ يَزَالُ يُرَى عَلَى قَبْرِهِ نُوْرٌ (١) .
(المُسْنَدُ) لأَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ: حَدَّثَنَا يَعْقُوْبُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ الحَارِثِ بنِ стр. 1857
هِشَامٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ:
لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الحَبَشَةِ، جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ النَّجَاشِيَّ، أَمِنَّا عَلَى دِيْنِنَا، وَعَبَدْنَا اللهَ -تَعَالَى- لاَ نُؤْذَى، وَلاَ نَسْمَعُ شَيْئاً نَكْرُهُهُ.
فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشاً، ائْتَمَرُوا أَنْ يَبْعَثُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ فِيْنَا (١) رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ، وَأَنْ يُهْدُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدَايَا مِمَّا يُسْتَطْرَفُ مِنْ مَتَاعِ مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يَأْتِيْهِ مِنْهَا إِلَيْهِ الأَدَمُ.
فَجَمَعُوا لَهُ أَدَماً كَثِيْراً، وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيْقاً إِلاَّ أَهْدُوا إِلَيْهِ هَدِيَّةً، ثُمَّ بَعَثُوا بِذَلِكَ عَبْدَ اللهِ بنَ أَبِي رَبِيْعَةَ بنِ المُغِيْرَةِ المَخْزُوْمِيَّ، وَعَمْرَو بنَ العَاصِ السَّهْمِيَّ، وَأَمَّرُوْهُمَا أَمْرَهُم، وَقَالُوا لَهُمَا:
ادْفَعُوا إِلَى كُلِّ بِطْرِيْقٍ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمُوا النَّجَاشِيَّ فِيْهِم، ثُمَّ قَدِّمُوا لَهُ هَدَايَاهُ، ثُمَّ سَلُوْهُ أَنْ يُسْلِمَهُم إِلَيْكُم قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُم.
قَالَتْ: فَخَرَجَا، فَقَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ، عِنْدَ خَيْرِ جَارٍ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيْقٌ إِلاَّ دَفَعَا إِلَيْهِ هَدِيَّتَهُ، وَقَالاَ لَهُ:
إِنَّهُ قَدْ ضَوَى (٢) إِلَى بَلَدِ المَلِكِ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ، فَارَقُوا دِيْنَ قَوْمِهِم، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِيْنِكُم، وَجَاؤُوا بِدِيْنٍ مُبْتَدَعٍ، لاَ نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنْتُم، وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَى المَلِكِ فِيْهِم أَشْرَافُ قَوْمِهِم، لِيَرُدَّهُمْ إِلَيْهِم، فَإِذَا كَلَّمْنَا المَلِكَ فِيْهِم، فَأَشِيْرُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يُسْلِمَهُم إِلَيْنَا، وَلاَ يُكَلِّمَهُمْ، فَإِنَّ قَوْمَهُم أَعْلَى بِهِم عَيْناً (٣) ، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِم.
فَقَالُوا لَهُم: نَعَمْ.
ثُمَّ إِنَّهُمَا قَرَّبَا هَدَايَا النَّجَاشِيِّ، فَقَبِلَهَا مِنْهُم، ثُمَّ كَلَّمَاهُ، فَقَالاَ لَهُ:
أَيُّهَا المَلِكُ! إِنَّهُ ضَوَى إِلَى بَلَدِكَ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ، فَارَقُوا دِيْنَ قَوْمِهِم، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِيْنِكَ، وَجَاؤُوا بِدِيْنٍ مُبْتَدَعٍ، لاَ نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنْتَ، وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَيْكَ أَشْرَافُ قَوْمِهِم مِنْ آبَائِهِم وَأَعْمَامِهِم وَعَشَائِرِهِم، لِتَرُدَّهُم إِلَيْهِم، فَهُمْ أَعْلَى بِهِم عَيْناً، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا стр. 1858
عَلَيْهِم فِيْهِ.
قَالَتْ: وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَى عَبْدِ اللهِ وَعَمْرٍو مِنْ أَنْ يَسْمَعَ النَّجَاشِيُّ كَلاَمَهُم.
فَقَالَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ: صَدَقُوا أَيُّهَا المَلِكُ، فَأَسْلِمْهُمْ إِلَيْهِمَا.
فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ، ثُمَّ قَالَ: لاَ هَا اللهِ، إِذاً لاَ أُسْلِمُهُمْ إِلَيْهِمَا، وَلاَ أُكَادُ (١) قَوْماً جَاوَرُوْنِي، وَنَزَلُوا بِلاَدِي، وَاخْتَارُوْنِي عَلَى مَنْ سِوَايَ حَتَّى أَدْعُوَهُم، فَأَسْأَلَهُم.
ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُوْلِ اللهِ، فَدَعَاهُمْ، فَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُوْلُهُ اجْتَمَعُوا، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:
مَا تَقُوْلُوْنَ لِلرَّجُلِ إِذَا جِئْتُمُوْهُ؟
قَالُوا: نَقُوْلُ -وَاللهِ- مَا عَلِمْنَا، وَمَا أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ كَائِناً فِي ذَلِكَ مَا كَانَ.
فَلَمَّا جَاؤُوْهُ وَقَدْ دَعَا النَّجَاشِيُّ أَسَاقِفَتَهُ، فَنَشَرُوا مَصَاحِفَهُمْ حَوْلَهُ، سَأَلَهُمْ فَقَالَ:
مَا هَذَا الدِّيْنُ الَّذِي فَارَقْتُمْ فِيْهِ قَوْمَكُم، وَلَمْ تَدْخُلُوا فِي دِيْنِي، وَلاَ فِي دِيْنِ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الأُمَمِ؟
قَالَتْ: وَكَانَ الَّذِي يُكَلِّمُهُ جَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ:
أَيُّهَا المَلِكُ! إِنَّا كُنَّا قَوْماً أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ المَيْتَةَ، وَنَأْتِي الفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الأَرْحَامَ، وَنُسِيْءُ الجِوَارَ، وَيَأْكُلُ القَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيْفَ، فَكُنَّا (٢) عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللهُ إِلَيْنَا رَسُوْلاً مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُوْنِهِ مِنَ الحِجَارَةِ وَالأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الحَدِيْثِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الجِوَارِ، وَالكَفِّ عَنِ المَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّوْرِ، وَأَكْلِ مَالِ اليَتِيْمِ، وَقَذْفِ المُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللهَ لاَ نُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً، وَأَمَرَنَا بِالصَّلاَةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصِّيَامِ.
قَالَتْ: فَعَدَّدَ لَهُ أُمُوْرَ الإِسْلاَمِ.
فَصَدَّقْنَاهُ، وَآمَنَّا بِهِ، وَاتَّبَعْنَاهُ، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا، فَعَذَّبُوْنَا (٣) ، وَفَتَنُوْنَا عَنْ دِيْنِنَا لِيَرُدُّوْنَا إِلَى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا стр. 1859
نَسْتَحِلُّ مِنَ الخَبَائِثِ، فَلَمَّا قَهَرُوْنَا وَظَلَمُوْنَا، وَشَقُّوا (١) عَلَيْنَا، وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِيْنِنَا، خَرَجْنَا إِلَى بَلَدِكَ، وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ، وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ، وَرَجَوْنَا أَنْ لاَ نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا المَلِكُ.
قَالَتْ: فَقَالَ: هَلْ مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَاقْرَأْهُ عَلَيَّ.
فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْراً مِنْ: ﴿كهيعص﴾ ، فَبَكَى -وَاللهِ- النَّجَاشِيُّ حَتَّى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ، وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى أَخْضَلُوا مَصَاحِفَهُم حِيْنَ سَمِعُوا مَا تُلِيَ عَلَيْهِم.
ثُمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ: إِنَّ هَذَا وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوْسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ، انْطَلِقَا، فَوَاللهِ لاَ أُسْلِمُهُم إِلَيْكُم أَبَداً، وَلاَ أُكَادُ.
فَلَمَّا خَرَجَا، قَالَ عَمْرٌو: وَاللهِ لأُنَبِّئَنَّهُ غَداً عَيْبَهُم، ثُمَّ (٢) أَسْتَأْصِلُ خَضْرَاءهُم.
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي رَبِيْعَةَ، وَكَانَ أَتْقَى الرَّجُلَيْنِ فِيْنَا:
لاَ تَفْعَلْ، فَإِنَّ لَهُم أَرْحَاماً، وَإِنْ كَانُوا قَدْ خَالَفُوْنَا.
قَالَ: وَاللهِ لأُخْبِرَنَّهُ أَنَّهُم يَزْعُمُوْنَ أَنَّ عِيْسَى عَبْدٌ.
ثُمَّ غَدَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّهَا المَلِكُ! إِنَّهُم يَقُوْلُوْنَ فِي عِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَوْلاً عَظِيْماً، فَأَرْسِلْ إِلَيْهِم، فَسَلْهُمْ عَمَّا يَقُوْلُوْنَ فِيْهِ.
فَأَرْسَلَ يَسْأَلُهُم.
قَالَتْ: وَلَمْ يَنْزِلْ بِنَا مِثْلُهَا، فَاجْتَمَعَ القَوْمُ، ثُمَّ قَالُوا:
نَقُوْل -وَاللهِ- فِيْهِ مَا قَالَ اللهُ -تَعَالَى- كَائِناً مَا كَانَ.
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ، قَالَ لَهُم: مَا تَقُوْلُوْنَ فِي عِيْسَى؟
فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَقُوْلُ فِيْهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا (٣) ، هُوَ عَبْدُ اللهِ، وَرَسُوْلُهُ، وَرُوْحُهُ، وَكَلِمَتُهُ، أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ العَذْرَاءِ البَتُوْلِ.
فَضَرَبَ النَّجَاشِيُّ يَدَهُ إِلَى الأَرْضِ، فَأَخَذَ عُوْداً، ثُمَّ قَالَ:
مَا عَدَا عِيْسَى مَا قُلْتَ هَذَا العُوْدَ.
فَتَنَاخَرَتِ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ، стр. 1860
فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ وَاللهِ، اذْهَبُوا فَأَنْتُم سُيُوْمٌ بِأَرْضِي - وَالسُّيُوْمُ: الآمِنُوْنَ - مَنْ سَبَّكُمْ غُرِّمَ، ثُمَّ مَنْ سَبَّكُمْ غُرِّمَ، مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي دَبْرَى (١) ذَهَباً، وَأَنِّي آذَيْتُ رَجُلاً مِنْكُم - وَالدَّبْرُ بِلِسَانِهِم: الجَبَلُ - رُدُّوا عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا، فَوَاللهِ مَا أَخَذَ اللهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِيْنَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي، فَآخُذَ الرِّشْوَةَ فِيْهِ، وَمَا أَطَاعَ النَّاسُ فِيَّ، فَأُطِيْعَهُم فِيْهِ.
فَخَرَجَا مَقْبُوْحَيْنِ، مَرْدُوْداً عَلَيْهِمَا مَا جَاءا بِهِ، وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ مَعَ خَيْرِ جَارٍ.
فَوَاللهِ إِنَّا عَلَى ذَلِكَ، إِذْ نَزَلَ بِهِ -يَعْنِي: مَنْ يُنَازِعُهُ فِي مُلْكِهِ- فَوَاللهِ مَا عَلِمْنَا حَرْباً قَطُّ كَانَ أَشَدَّ مِنْ حَرْبٍ حَرِبْنَاهُ (٢) ، تَخُوُّفاً أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَيَأْتِي رَجُلٌ لاَ يَعْرِفُ مِنْ حَقِّنَا مَا كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ مِنْهُ.
وَسَارَ النَّجَاشِيُّ، وَبَيْنَهُمَا عَرْضُ النِّيْلِ.
فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَتَّى يَحْضُرَ وَقْعَةَ القَوْمِ، ثُمَّ يَأْتِيْنَا بِالخَبَرِ؟
فَقَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا.
وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِ القَوْمِ سِنّاً، فَنَفَخُوا لَهُ قِرْبَةً، فَجَعَلَهَا فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ سَبَحَ عَلَيْهَا حَتَّى خَرَجَ إِلَى مَكَانِ المُلْتَقَى، وَحَضَرَ.
فَدَعَوْنَا اللهَ لِلنَّجَاشِيِّ بِالظُّهُوْرِ عَلَى عَدُوِّهِ، وَالتَّمْكِيْنِ لَهُ فِي بِلاَدِهِ، وَاسْتَوْسَقَ (٣) لَهُ أَمْرُ الحَبَشَةِ، فَكُنَّا عِنْدَهُ فِي خَيْرِ مَنْزِلٍ حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ (٤) .
سُلَيْمَانُ ابنُ بِنْتِ شُرَحْبِيْلَ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ بَشِيْرٍ، وَعَبْدِ المَلِكِ بنِ стр. 1861
هِشَامٍ، عَنْ زِيَادٍ البِكَالِيِّ، وَأَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَيُّوْبَ، عَنْ إِبْرَاهِيْمَ بنِ سَعْدٍ جَمِيْعاً:
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بنِ أَبِي طَالِبٍ:
أَنَّ النَّجَاشِيَّ سَأَلَهُ: مَا دِيْنُكُم؟
قَالَ: بَعَثَ اللهُ فِيْنَا رَسُوْلاً ... ، وَذَكَرَ بَعْضَ مَا تَقَدَّمَ.
تَفَرَّدَ بِوَصْلِهِ: ابْنُ إِسْحَاقَ.
وَأَمَّا (١) عُقَيْلٌ، وَيُوْنُسُ، وَغَيْرُهُمَا، فَأَرْسَلُوْهُ.
وَرَوَاهُ: ابْنُ إِدْرِيْسَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، فَقَالَ:
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعُرْوَةَ، وَعُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ.
وَيُرْوَى هَذَا الخَبَرُ عَنْ: أَبِي بُرْدَةَ بنِ أَبِي مُوْسَى، عَنْ أَبِيْهِ، وَعَنْ: عَبْدِ اللهِ بنِ جَعْفَرِ بنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أَبِيْهِ (٢) .
وَرَوَاهُ: ابْنُ شَابُوْرٍ، عَنْ عُثْمَانَ بنِ عَطَاءٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِطُوْلِهِ.
أَعْلَى بِهِم عَيْناً: أَبْصَرَ بِهِم.
لاَهَا اللهِ: قَسَمٌ، وَأَهْلُ العَرَبِيَّةِ يَقُوْلُوْنَ: لاَهَا اللهِ ذَا، وَالهَاءُ بَدَلٌ مِنْ وَاوِ القَسَمِ، أَيْ: لاَ وَاللهِ لاَ يَكُوْنَ ذَا.
وَقِيْلَ: بَلْ حُذِفَتْ وَاوُ القَسَمِ، وَفُصِلَتْ هَا مِنْ هَذَا، فَتَوَسَّطَتِ الجَلاَلَةَ، وَنُصِبَتْ (٣) لأَجْلِ حَذْفِ وَاوِ القَسَمِ.
وَتَنَاخَرَتْ: فَالنَّخِيْرُ: صَوْتٌ مِنَ الأَنْفِ.
وَقِيْلَ: النَّخِيْرُ: ضَرْبٌ (٤) مِنَ الكَلاَمِ.
وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ: مِنْ حُزْنٍ حَزِنَّاهُ.
وَقَوْلُهَا: حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ بِمَكَّةَ: عَنَتْ نَفْسَهَا وَزَوْجَهَا.
وَكَذَا قَدِمَ الزُّبَيْرُ، وَابْنُ مَسْعُوْدٍ، وَطَائِفَةٌ مِنْ مُهَاجِرَةِ الحَبَشَةِ مَكَّةَ، وَمَلُّوا مِنْ سُكْنَى الحَبَشَةِ.
ثُمَّ قَدِمَ طَائِفَةٌ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ لَمَّا عَرَفُوا بِأَنَّهُ هَاجَرَ إِلَى стр. 1862
المَدِيْنَةِ، ثُمَّ قَدِمَ جَعْفَرٌ بِمَنْ بَقِيَ لَيَالِيَ خَيْبَرَ.
قَالَ أَبُو مُوْسَى الأَصْبَهَانِيُّ الحَافِظُ: اسْمُ النَّجَاشِيِّ: أَصْحَمَةُ.
وَقِيْلَ: أَصْحَمُ بنُ بُجْرَى.
كَانَ لَهُ وَلَدٌ يُسَمَّى: أُرْمَى، فَبَعَثَهُ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فَمَاتَ فِي الطَّرِيْقِ.
وَقِيْلَ: إِنَّ الَّذِي كَانَ رَفِيْقَ عَمْرِو بنِ العَاصِ: عُمَارَةُ بنُ الوَلِيْدِ بنِ المُغِيْرَةِ المَخْزُوْمِيُّ.
فَقَالَ أَبُو كُرَيْبٍ، وَمُحَمَّدُ بنُ آدَمَ (١) المِصِّيْصِيُّ:
حَدَّثَنَا أَسَدُ بنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا مُجَالِدٌ (٢) ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:
بَعَثَتْ قُرَيْشٌ عَمْرَو بنَ العَاصِ، وَعُمَارَةَ بنَ الوَلِيْدِ بِهَدِيَّةٍ مِنْ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى النَّجَاشِيِّ.
فَقَالُوا لَهُ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ: قَدْ جَاءَ إِلَيْكَ نَاسٌ مِنْ سَفِلَتِنَا وَسُفَهَائِنَا، فَادْفَعْهُمْ إِلَيْنَا.
قَالَ: لاَ، حَتَّى أَسْمَعَ كَلاَمَهُمْ ... ، وَذَكَرَ نَحْوَهُ.
إِلَى أَنْ قَالَ: فَأَمَرَ مُنَادِياً، فَنَادَى:
مَنْ آذَى أَحَداً مِنْهُم، فَأَغْرِمُوْهُ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمٍ.
ثُمَّ قَالَ: يَكْفِيْكُم.
قُلْنَا: لاَ.
فَأَضْعَفَهَا.
فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ إِلَى المَدِيْنَةِ، وَظَهَرَ بِهَا، قُلْنَا لَهُ:
إِنَّ صَاحِبَنَا قَدْ خَرَجَ إِلَى المَدِيْنَةِ وَهَاجَرَ، وَقُتِلَ (٣) الَّذِي كُنَّا حَدَّثْنَاكَ عَنْهُمْ، وَقَدْ أَرَدْنَا الرَّحِيْلَ إِلَيْهِ، فَزَوِّدْنَا.
قَالَ: نَعَمْ.
فَحَمَّلَنَا، وَزَوَّدَنَا، وَأَعْطَانَا، ثُمَّ قَالَ:
أَخْبِرْ صَاحِبَكَ بِمَا صَنَعْتُ إِلَيْكُم، وَهَذَا رَسُوْلِي مَعَكَ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهَ، وَأَنَّهُ رَسُوْلُ اللهِ، فَقُلْ لَهُ يَسْتَغْفِرْ لِي.
قَالَ جَعْفَرٌ: فَخَرَجْنَا حَتَّى أَتَيْنَا المَدِيْنَةَ، فَتَلَقَّانِي رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فَاعْتَنَقَنِي (٤) ، стр. 1863
فَقَالَ: (مَا أَدْرِي أَنَا بِفَتْحِ خَيْبَرَ أَفْرَحُ، أَوْ بِقُدُوْمِ جَعْفَرٍ) .
ثُمَّ جَلَسَ، فَقَامَ رَسُوْلُ النَّجَاشِيِّ، فَقَالَ:
هُوَ ذَا جَعْفَرٌ، فَسَلْهُ مَا صَنَعَ بِهِ صَاحِبُنَا.
فَقُلْتُ: نَعَمْ -يَعْنِي: ذَكَرْتُهُ لَهُ-.
فَقَامَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ دَعَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلنَّجَاشِيِّ) .
فَقَالَ المُسْلِمُوْنَ: آمِيْن.
فَقُلْتُ لِلرَّسُوْلِ: انْطَلِقْ، فَأَخْبِرْ صَاحِبَكَ مَا رَأَيْتَ (١) .
ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَمُعَاذٌ: عَنِ ابْنِ عَوْنٍ (٢) ، عَنْ عُمَيْرِ بنِ إِسْحَاقَ:
أَنَّ جَعْفَراً قَالَ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! ائْذَنْ لِي حَتَّى أَصِيْرَ إِلَى أَرْضٍ أَعْبُدُ اللهَ فِيْهَا.
فَأَذِنَ لَهُ، فَأَتَى النَّجَاشِيَّ.
فَحَدَّثَنَا عَمْرُو بنُ العَاصِ، قَالَ:
لَمَّا رَأَيْتُ جَعْفَراً آمِناً بِهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ حَسَدْتُهُ، فَأَتَيْتُ النَّجَاشِيَّ، فَقُلْتُ:
إِنَّ بِأَرْضِكَ رَجُلاً ابْنُ عَمِّهِ بِأَرْضِنَا يَزْعُمُ أَنَّهُ لَيْسَ لِلنَّاسِ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تَقْتُلْهُ وَأَصْحَابَهُ لاَ أَقْطَعُ إِلَيْكَ هَذِهِ النُّطْفَةَ أَبَداً، وَلاَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي.
قَالَ: اذْهَبْ إِلَيْهِ، فَادْعُهُ.
قُلْتُ: إِنَّهُ لاَ يَجِيْءُ مَعِي، فَأَرْسِلْ مَعِي رَسُوْلاً.
فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ بَيْنَ ظِهْرِيِّ أَصْحَابِهِ يُحَدِّثُهُم.
قَالَ لَهُ: أَجِبْ.
فَلَمَّا أَتَيْنَا البَابَ، نَادَيْتُ: ائْذَنْ لِعَمْرِو بنِ العَاصِ.
وَنَادَى جَعْفَرٌ: ائْذَنْ لِحِزْبِ اللهِ.
فَسَمِعَ صَوْتَهُ، فَأَذِنَ لَهُ قَبْلِي ... ، الحَدِيْثَ (٣) .
إِسْرَائِيْلُ: عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:
أَمَرَنَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ أَنْ نَنْطَلِقَ مَعَ جَعْفَرٍ إِلَى أَرْضِ النَّجَاشِيِّ، فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشاً، فَبَعَثُوا عَمْراً وَعُمَارَةَ بنَ الوَلِيْدِ، وَجَمَعُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدِيَّةً.
فَقَدِمَا عَلَيْهِ، وَأَتَيَاهُ بِالهَدِيَّةِ، стр. 1864
فَقَبِلَهَا، وَسَجَدَا لَهُ.
ثُمَّ قَالَ عَمْرٌو: إِنَّ نَاساً مِنْ أَرْضِنَا رَغِبُوا عَنْ دِيْنِنَا، وَهُمْ فِي أَرْضِكَ.
قَالَ: فِي أَرْضِي؟
قَالَ: نَعَمْ.
فَبَعَثَ إِلَيْنَا، فَقَالَ لَنَا جَعْفَر:
لاَ يَتَكَلَّمْ مِنْكُم أَحَدٌ، أَنَا خَطِيْبُكُمُ اليَوْمَ.
فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ عَظِيْمٍ، وَعَمْرٌو عَنْ يَمِيْنِهِ، وَعُمَارَةُ عَنْ يَسَارِهِ، وَالقِسِّيْسُوْنَ وَالرُّهْبَانُ جُلُوْسٌ سِمَاطَيْنِ.
وَقَدْ قَالَ لَهُ عَمْرٌو: إِنَّهُم لاَ يَسْجُدُوْنَ لَكَ.
فَلَمَّا انْتَهَيْنَا، بَدَرَنَا مَنْ عِنْدَهُ أَنِ اسْجُدُوا.
قُلْنَا: لاَ نَسْجُدُ إِلاَّ لِلِّهِ .
فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ، قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ؟
قَالَ: لاَ نَسْجُدُ إِلاَّ لِلِّهِ.
قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟
قَالَ: إِنَّ اللهَ بَعَثَ فِيْنَا رَسُوْلاً، وَهُوَ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيْسَى، فَقَالَ: ﴿يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللهَ، وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَنُقِيْمَ الصَّلاَةَ، وَنُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَأَمَرَنَا بِالمَعْرُوْفِ، وَنَهَانَا عَنِ المُنْكَرِ.
فَأَعْجَبَ النَّجَاشِيَّ قَوْلُهُ.
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَمْرٌو، قَالَ: أَصْلَحَ اللهُ المَلِكَ، إِنَّهُم يُخَالِفُوْنَكَ فِي ابْنِ مَرْيَمَ.
فَقَالَ النَّجَاشِيُّ لِجَعْفَرٍ: مَا يَقُوْلُ صَاحِبُكُم فِي ابْنِ مَرْيَمَ؟
قَالَ: يَقُوْلُ فِيْهِ قَوْلَ اللهِ: هُوَ رُوْحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ، أَخْرَجَهُ مِنَ البَتُوْلِ العَذْرَاءِ الَّتِي لَمْ يَقْرَبْهَا بَشَرٌ، وَلَمْ يَفْرِضْهَا وَلَدٌ (١) .
فَتَنَاوَلَ عُوْداً، فَرَفَعَهُ، فَقَالَ:
يَا مَعْشَرَ القِسِّيْسِيْنَ وَالرُّهْبَانِ! مَا يَزِيْدُ عَلَى مَا تَقُوْلُوْنَ فِي ابْنِ مَرْيَمَ مَا تَزِنُ هَذِهِ، مَرْحَباً بِكُمْ وَبِمَنْ جِئْتُم مِنْ عِنْدِهِ، فَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُوْلُ اللهِ، وَأَنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيْسَى، وَلَوْلاَ مَا أَنَا فِيْهِ مِنَ المُلْكِ لأَتَيْتُهُ حَتَّى стр. 1865
أُقَبِّلَ نَعْلَهُ، امْكُثُوا فِي أَرْضِي مَا شِئْتُم.
وَأَمَرَ لَنَا بِطَعَامٍ وَكُسْوَةٍ، وَقَالَ: رُدُّوا عَلَى هَذَيْنِ هَدِيَّتَهُمَا.
وَكَانَ عَمْرٌو رَجُلاً قَصِيْراً (١) ، وَكَانَ عُمَارَةُ رَجُلاً جَمِيْلاً، وَكَانَا أَقْبَلاَ فِي البَحْرِ إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَشَرِبَ مَعَ عَمْرٍو وَامْرَأَتِهِ.
فَلَمَّا شَرِبُوا مِنَ الخَمْرِ، قَالَ عُمَارَةُ لِعَمْرٍو: مُرْ امْرَأَتَكَ فَلْتُقَبِّلْنِي.
قَالَ: أَلاَ تَسْتَحْيِي؟
فَأَخَذَ عُمَارَةُ عَمْراً يَرْمِي بِهِ فِي البَحْرِ، فَجَعَلَ عَمْرٌو يُنَاشِدُهُ حَتَّى تَرَكَهُ.
فَحَقَدَ عَلَيْهِ عَمْرٌو، فَقَالَ لِلنَّجَاشِيِّ: إِنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ، خَلَفَكَ عُمَارَةُ فِي أَهْلِكَ.
فَدَعَا بِعُمَارَةَ، فَنَفَخَ فِي إِحْلِيْلِهِ، فَطَارَ مَعَ الوَحْشِ (٢) .
وَعَنْ مُوْسَى بنِ عُقْبَةَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ:
مَكَرَ عَمْرٌو بِعُمَارَةَ، فَقَالَ: يَا عُمَارَةُ! إِنَّكَ رَجُلٌ جَمِيْلٌ، فَاذْهَبْ إِلَى امْرَأَةِ النَّجَاشِيِّ، فَتَحَدَّثْ عِنْدَهَا إِذَا خَرَجَ زَوْجُهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ عَوْنٌ لَنَا فِي حَاجَتِنَا.
فَرَاسَلَهَا عُمَارَةُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا.
فَانْطَلَقَ عَمْرٌو إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَقَالَ: إِنَّ صَاحِبِي صَاحِبُ نِسَاءٍ، وَإِنَّهُ يُرِيْدُ أَهْلَكَ.
فَبَعَثَ النَّجَاشِيُّ إِلَى بَيْتِهِ، فَإِذَا هُوَ عِنْدَ أَهْلِهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَنُفِخَ فِي إِحْلِيْلِهِ سَحَرَهُ، ثُمَّ أَلْقَاهُ فِي جَزِيْرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ البَحْرِ، فَجُنَّ، وَاسْتَوْحَشَ مَعَ الوَحْشِ.
ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ يَزِيْدَ بنِ رُوْمَانَ، عَنْ عُرْوَةَ (٣) ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:
لَمَّا مَاتَ стр. 1866
النَّجَاشِيُّ كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ لاَ يَزَالُ يُرَى عَلَى قَبْرِهِ نُوْرٌ (١) .
فَأَمَّا عُمَارَةُ، فَإِنَّهُ بَقِيَ إِلَى خِلاَفَةِ عُمَرَ مَعَ الوُحُوْشِ، فَدُلَّ عَلَيْهِ أَخُوْهُ، فَسَارَ إِلَيْهِ، وَتَحَيَّنَ وَقْتَ وُرُوْدِهِ المَاءَ، فَلَمَّا رَأَى أَخَاهُ فَرَّ، فَوَثَبَ وَأَمْسَكَهُ، فَبَقِيَ يَصِيْحُ:
أَرْسِلْنِي يَا أَخِي!
فَلَمْ يُرْسِلْهُ، فَخَارَتْ قُوَّتُهُ مِنَ الخَوْفِ، وَمَاتَ فِي الحَالِ.
فَعِدَادُهُ فِي المَجَانِيْنَ الَّذِيْنَ يُبْعَثُوْنَ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَهَابِ العَقْلِ، فَيُبْعَثُ هَذَا المُعَثَّرُ (٢) عَلَى الكُفْرِ وَالعَدَاوَةِ لِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ نَسْأَلُ اللهَ المَغْفِرَةَ.
وَحَدَّثَنِي جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:
اجْتَمَعَتِ الحَبَشَةُ، فَقَالُوا لِلنَّجَاشِيِّ: فَارَقْتَ دِيْنَنَا.
وَخَرَجُوا عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ، فَهَيَّأَ لَهُم سُفُناً، وَقَالَ:
ارْكَبُوا، فَإِنْ هُزِمْتُ فَامْضُوا، وَإِنْ ظَفِرْتُ فَاثْبُتُوا.
ثُمَّ عَمَدَ إِلَى كِتَابٍ، فَكَتَبَ فِيْهِ:
هُوَ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهَ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، وَيَشْهَدُ أَنَّ عِيْسَى عَبْدُهُ، وَرَسُوْلُهُ، وَرُوْحُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ.
ثُمَّ جَعَلَهُ فِي قُبَائِهِ، وَخَرَجَ إِلَى الحَبَشَةِ، وَصَفُّوا لَهُ، فَقَالَ:
يَا مَعْشَرَ الحَبَشَةِ! أَلَسْتُ أَحَقَّ النَّاسِ بِكُمْ؟
قَالُوا: بَلَى.
قَالَ: فَكَيْفَ رَأَيْتُمْ سِيْرَتِي فِيْكُم؟
قَالُوا: خَيْرَ سِيْرَةٍ.
قَالَ: فَمَا بَالُكُم؟
قَالُوا: فَارَقْتَ دِيْنَنَا، وَزَعَمْتَ أَنَّ عِيْسَى عَبْدٌ.
قَالَ: فَمَا تَقُوْلُوْنَ فِيْهِ؟
قَالُوا: هُوَ ابْنُ اللهِ.
فَقَالَ - وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ عَلَى قُبَائِهِ -: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّ عِيْسَى لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا شَيْئاً.
وَإِنَّمَا عَنَى عَلَى مَا كَتَبَ، فَرَضُوا، وَانْصَرَفُوا.
فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ صَلَّى عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفَرَ стр. 1867
لَهُ (١) .
وَمِنْ مَحَاسِنِ النَّجَاشِيِّ: أَنَّ أُمَّ حَبِيْبَةَ رَمْلَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ الأُمَوِيَّةَ أُمَّ المُؤْمِنِيْنَ أَسْلَمَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَيْدِ (٢) اللهِ بنِ جَحْشٍ الأَسَدِيِّ قَدِيْماً، فَهَاجَرَ بِهَا زَوْجُهَا، فَانْمَلَسَ بِهَا إِلَى أَرْضِ الحَبَشَةِ، فَوَلَدَتْ لَهُ حَبِيْبَةَ رَبِيْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ .
ثُمَّ إِنَّهُ أَدْرَكَهُ الشَّقَاءُ، فَأَعْجَبَهُ دِيْنُ النَّصْرَانِيَّةِ، فَتَنَصَّرَ، فَلَمْ يَنْشَبْ (٣) أَن مَاتَ بِالحَبَشَةِ.
فَلَمَّا وَفَتِ العِدَّةَ، بَعَثَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ يَخْطِبُهَا، فَأَجَابَتْ، فَنَهَضَ فِي ذَلِكَ النَّجَاشِيُّ، وَشَهِدَ زَوَاجَهَا بِالنَّبِيِّ ﷺ وَأَعْطَاهَا الصَّدَاقَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عِنْدِهِ أَرْبَعَ مَائَةِ دِيْنَارٍ، فَحَصَلَ لَهَا شَيْءٌ لَمْ يَحْصَلْ لِغَيْرِهَا مِنْ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِيْنَ، ثُمَّ جَهَّزَهَا النَّجَاشِيُّ (٤) .
وَكَانَ الَّذِي وَفَدَ عَلَى النَّجَاشِيِّ بِخِطْبَتِهَا: عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ أضمري، فِيْمَا نَقَلَهُ الوَاقِدِيُّ بِإِسْنَادٍ مُرْسَلٍ.
ثُمَّ قَالَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ صَالِحٍ، عَنْ عَاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ قَتَادَةَ.
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالاَ:
كَانَ الَّذِي زَوَّجَهَا، وَخَطَبَ إِلَيْهِ النَّجَاشِيُّ: خَالِدُ بنُ سَعِيْدِ بنِ العَاصِ الأُمَوِيُّ، وَكَانَ عُمُرُهَا لَمَّا قَدِمَتِ المَدِيْنَةَ بِضْعاً وَثَلاَثِيْنَ سَنَةً (٥) .
مَعْمَرٌ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيْبَةَ:
أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عُبَيْدِ اللهِ بنِ جَحْشٍ، وَكَانَ رَحَلَ إِلَى النَّجَاشِيِّ، وَأَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ تَزَوَّجَهَا بِالحَبَشَةِ، стр. 1868
زَوَّجَهُ إِيَّاهَا النَّجَاشِيُّ، وَمَهَرَهَا أَرْبَعَةَ آلاَفِ دِرْهَمٍ مِنْ عِنْدِهِ، وَبَعَثَ بِهَا مَعَ شُرَحْبِيْلَ بنِ حَسَنَةَ، وَجَهَازُهَا كُلُّهُ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ (١) .
وَأَمَّا ابْنُ لَهِيْعَةَ: فَنَقَلَ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ:
أَنْكَحَهُ إِيَّاهَا بِالحَبَشَةِ عُثْمَانُ ﵁.
وَهَذَا خَطَأٌ، فَإِنَّ عُثْمَانَ كَانَ بِالمَدِيْنَةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَغِبْ عَنْهُ إِلاَّ يَوْمَ بَدْرٍ، أَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُقِيْمَ، فَيُمَرِّضَ زَوْجَتَهُ بِنْتَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ .
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرِو بنِ زُهَيْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيْلَ بنِ عَمْرِو بنِ سَعِيْدِ بنِ العَاصِ، قَالَ:
قَالَتْ أُمُّ حَبِيْبَةَ: رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بنَ جَحْشٍ بِأَسْوَأِ صُوْرَةٍ وَأَشْوَهِهِ، فَفَزِعْتُ، فَإِذَا هُوَ يَقُوْلُ حِيْنَ أَصْبَحَ:
يَا أُمَّ حَبِيْبَةَ! إِنِّي نَظَرْتُ فِي الدِّيْنِ، فَلَمْ أَرَ دِيْناً خَيْراً مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ، وَكُنْتُ قَدْ دِنْتُ بِهَا، ثُمَّ دَخَلتُ فِي دِيْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَدْ رَجَعْتُ إِلَيْهَا.
فَأَخْبَرَتْهُ بِالرُّؤْيَا، فَلَمْ يَحْفَلْ بِهَا، وَأَكَبَّ عَلَى الخَمْرِ حَتَّى مَاتَ.
فَأَرَى فِي النَّوْمِ كَأَنَّ آتِياً يَقُوْلُ لِي: يَا أُمَّ المُؤْمِنِيْنَ! فَفَزِعْتُ، فَأَوَّلْتُهَا أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَتَزَوَّجُنِي.
فَمَا هُوَ إِلاَّ أَنْ انْقَضَتِ عِدَّتِي، فَمَا شَعَرْتُ إِلاَّ وَرَسُوْلُ النَّجَاشِيِّ عَلَى بَابِي يَسْتَأْذِنُ، فَإِذَا جَارِيَةٌ لَهُ يُقَالُ لَهَا: الْبُرْهَة، كَانَت تَقُوْمُ عَلَى ثِيَابِهِ وَدُهْنِهِ، فَدَخَلَتْ عَلَيَّ، فَقَالَتْ:
إِنَّ المَلِكَ يَقُوْلُ لَكِ: إِنَّ رَسُوْلَ اللهِ كَتَبَ إِلَيَّ أَنْ أزَوجك.
فَقُلْتُ: بَشَّرَكِ اللهُ بِخَيْرٍ.
قَالَتْ: يَقُوْلُ المَلِكُ: وَكِّلِي مَنْ يُزَوِّجُكِ.
فَأَرْسَلَتْ إِلَى خَالِدِ بنِ سَعِيْدٍ، فَوَكَّلَتْهُ، وَأَعْطَتْ الْبُرْهَة سِوَارَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ، وَخَوَاتِيْمَ كَانَتْ فِي أَصَابِعِ رِجْلَيْهَا، وَخَدَمَتَيْنِ كَانَتَا فِي رِجْلَيْهَا.
فَلَمَّا كَانَ أتعشي، أَمَرَ النَّجَاشِيُّ جَعْفَرَ بنَ أَبِي طَالِبٍ وَمَنْ هُنَاكَ مِنَ المُسْلِمِيْنَ، فَحَضَرُوا.
فَخَطَبَ النَّجَاشِيُّ، فَقَالَ: الحَمْدُ стр. 1869
لِلِّهِ المَلِكِ القُدُّوْسِ السَّلاَمِ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، وَأَنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيْسَى ﷺ .
ثُمَّ خَطَبَ خَالِدُ بنُ سَعِيْدٍ، وَزَوَّجَهَا، وَقَبَضَ أَرْبَعَ مَائَةِ دِيْنَارٍ، ثُمَّ دَعَا بِطَعَامٍ، فَأَكَلُوا.
قَالَتْ: فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيَّ المَالُ، عَزَلْتُ خَمْسِيْنَ دِيْنَاراً الْبُرْهَة، فَأَبَتْ، وَأَخْرَجَتْ حُقّاً فِيْهِ كُلُّ مَا أَعْطَيْتُهَا، فَرَدَّتْهُ، وَقَالَتْ:
عَزَمَ عَلَيَّ المَلِكُ أَنْ لاَ أَرْزَأَكِ شَيْئاً، وَقَدْ أَسْلَمْتُ لِلِّهِ، وَحَاجَتِي إِلَيْكِ أَنْ تُقْرِئِي رَسُوْلَ اللهِ ﷺ مِنِّي السَّلاَمَ.
ثُمَّ جَاءتْنِي مِنْ عِنْدِ نِسَاءِ المَلِكِ بِعُوْدٍ، وَعَنْبَرٍ، وزبادي كَثِيْرٍ (١) .
فَقِيْلَ: بَنَى بِهَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ سَنَةَ سِتٍّ.
وَقَالَ خَلِيْفَةُ: دَخَلَ بِهَا سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ.
وَأَصْحَمَةُ بِالعَرَبِيِّ: عَطِيَّة.
وَلَمَّا تُوُفِّيَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلنَّاسِ: (إِنَّ أَخاً لَكُم قَدْ مَاتَ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ) .
فَخَرَجَ بِهِم إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَصَفَّهُم صُفُوْفاً، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ (٢) .
فَنَقَلَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي شَهْرِ رَجَبٍ، سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ.
٨٦ - مُعَاذُ بنُ جَبَلِ بنِ عَمْرِو بنِ أَوْسٍ الأَنْصَارِيُّ * (ع)
ابْنِ عَائِذِ بنِ عَدِيِّ بنِ كَعْبِ بنِ عَمْرِو بنِ أُدَيِّ بنِ سَعْدِ بنِ стр. 1870
عَلِيِّ بنِ أَسَدِ بنِ سَارِدَةَ بنِ يَزِيْدَ بنِ جُشَمَ بنِ الخَزْرَجِ.
السَّيِّدُ، الإِمَامُ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيُّ، الخَزْرَجِيُّ، المَدَنِيُّ، البَدْرِيُّ، شَهِدَ العَقَبَةَ شَابّاً أَمْرَدَ.
وَلَهُ عِدَّةُ أَحَادِيْثَ.
رَوَى عَنْهُ: ابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٌ، وَأَنَسٌ، وَأَبُو أُمَامَةَ، وَأَبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ، وَمَالِكُ بنُ يَخَامِرَ، وَأَبُو مُسلمٍ الخَوْلاَنِيُّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ غَنْمٍ، وَجُنَادَةُ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَأَبُو بَحْرِيَّةَ عَبْدُ اللهِ بنُ قَيْسٍ، وَيَزِيْدُ بنُ عُمَيْرَةَ، وَأَبُو الأَسْوَدِ الدِّيْلِيُّ، وَكَثِيْرُ بنُ مُرَّةَ، وَأَبُو وَائِلٍ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَعَمْرُو بنُ مَيْمُوْنٍ الأَوْدِيُّ، وَالأَسْوَدُ بنُ هِلاَلٍ، وَمَسْرُوْقٌ، وَأَبُو ظَبْيَةَ الكَلاَعِيُّ، وَآخَرُوْنَ.
رَوَى أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيْعِيُّ، عَنْ عَمْرِو بنِ مَيْمُوْنٍ، عَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، قَالَ:
كُنْتُ رَدِيْفَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ (١) .
قَالَ شَبَابٌ:
أُمُّهُ: هِيَ هِنْدُ بِنْتُ سَهْلٍ، مِنْ بَنِي رِفَاعَةَ، ثُمَّ مِنْ جُهَيْنَةَ، وَلأُمِّهِ وَلَدٌ مِنَ الجدِّ بنِ قَيْسٍ.
وَرَوَى: الوَاقِدِيُّ، عَنْ رِجَالِهِ:
أَنَّ مُعَاذاً شَهِدَ بَدْراً وَلَهُ عِشْرُوْنَ سَنَةً، أَوْ إِحْدَى وَعِشْرُوْنَ.
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: شَهِدَ العَقَبَةَ فِي رِوَايَتِهِمْ جَمِيْعاً مَعَ السَّبْعِيْنَ (٢) . стр. 1871
وَقَالَ عَبْدُ الصَّمَدِ بنُ سَعِيْدٍ: نَزَلَ حِمْصَ، وَكَانَ طَوِيْلاً، حَسَناً، جَمِيْلاً.
وَقَالَ الجَمَاعَةُ: كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِلاَّ أَبَا أَحْمَدَ الحَاكِمَ، فَقَالَ:
كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ.
قَالَ عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ المَدَائِنِيُّ: مُعَاذٌ لَمْ يُوْلَدْ لَهُ قَطُّ، طُوَالٌ، حَسَنُ الثَّغْرِ، عَظِيْمُ العَيْنَيْنِ، أَبْيَضُ، جَعْدٌ، قَطَطٌ.
وَأَمَّا ابْنُ سَعْدٍ، فَقَالَ:
لَهُ ابْنَانِ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَآخَرُ.
قَالَ عَطَاءٌ: أَسْلَمَ مُعَاذٌ وَلَهُ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَمِنَ السَّبْعِيْنَ (١) مِنْ بَنِي جُشَمَ بنِ الخَزْرَجِ: مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ.
وَرَوَى: قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ:
جَمَعَ القُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ أَرْبَعَةٌ، كُلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وَزَيْدٌ، وَمُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وَأَبُو زَيْدٍ أَحَدُ عُمُوْمَتِي (٢) .
قَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيْقٍ، عَنْ مَسْرُوْقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، قَالَ:
قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : (خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ، وَأُبِيٍّ، وَمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ) (٣) . стр. 1872
تَابَعَهُ: إِبْرَاهِيْمُ النَّخَعِيُّ، عَنْ مَسْرُوْقٍ.
الثَّوْرِيُّ: عَنْ خَالِدٍ، وَعَاصِمٍ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ:
عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوْعاً: (أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي: أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهَا فِي دِيْنِ اللهِ: عُمَرُ، وَأَصْدَقُهَا حَيَاءً: عُثْمَانُ، وَأَعْلَمُهُم بِالحَلاَلِ وَالحَرَامِ: مُعَاذٌ، وَأَفْرَضُهُم: زَيْدٌ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِيْنٌ، وَأَمِيْنُ هَذِهِ الأُمَّةِ: أَبُو عُبَيْدَةَ (١)) .
وَرَوَاهُ: وُهَيْبٌ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ.
وَفِي (فَوَائِدِ سَمَّوَيْه) : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ يُوْنُسَ، حَدَّثَنَا سَلاَّمُ بنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا زَيْدٌ العَمِّيُّ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيْقِ، عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ، قَالَ:
قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : (مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ أَعْلَمُ النَّاسِ بِحَرَامِ اللهِ وَحَلاَلِهِ (٢)) .
إِسْنَادُهُ وَاهٍ.
رَوَى ضَمْرَةُ، عَنْ يَحْيَى السَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي العَجْفَاءِ، قَالَ:
قَالَ عُمَرُ: لَوْ أَدْرَكْتُ مُعَاذاً، ثُمَّ وَلَّيْتُهُ، ثُمَّ لَقِيْتُ رَبِّي، فَقَالَ: مَنِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ؟
لَقُلْتُ: سَمِعْتُ نَبِيَّكَ وَعَبْدَكَ يَقُوْلُ: (يَأْتِي مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ بَيْنَ يَدَي العُلَمَاءِ بِرَتْوَةٍ) (٣) . стр. 1873
وَرَوَى: ابْنُ أَبِي عَرُوْبَةَ، عَنْ شَهْرِ (١) بنِ حَوْشَبٍ، قَالَ:
قَالَ عُمَرُ: فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَذَكَرَ مَعَهُ: أَبَا عُبَيْدَةَ، وَسَالِماً مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ.
وَرَوَى: أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عُبَيْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ:
قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : (يَجِيْءُ مُعَاذٌ يَوْمَ القِيَامَةِ أَمَامَ العُلَمَاءِ، بَيْنَ يَدَي العُلَمَاءِ) .
وَلَهُ إِسْنَادٌ آخَرُ ضَعِيْفٌ.
هِشَامٌ: عَنِ الحَسَنِ مَرْفُوْعاً: (مُعَاذٌ لَهُ نَبْذَةٌ بَيْنَ يَدَي العُلَمَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ) .
تَابَعَهُ: ثَابِتٌ، عَنِ الحَسَنِ.
ابْنُ سَعْدٍ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بنُ يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ:
لَمَّا فَتَحَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ، اسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا عَتَّابَ بنَ أَسِيْدٍ يُصَلِّي بِهِم، وَخَلَّفَ مُعَاذاً يُقْرِئُهُم وَيُفَقِّهُهُم (٢) .
أَبُو أُسَامَةَ: عَنْ دَاوُدَ بنِ يَزِيْدَ، عَنِ المُغِيْرَةِ بنِ شُبَيْلٍ، عَنْ قَيْسِ بنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ مُعَاذٍ:
بَعَثَنِي رَسُوْلُ اللهِ ﷺ إِلَى اليَمَنِ، فَلَمَّا سِرْتُ أَرْسَلَ فِي إِثْرِي، فَرُدِدْتُ.
فَقَالَ: (أَتَدْرِي لِمَ بَعَثْتُ إِلَيْكَ؟ لاَ تُصِيْبَنَّ شَيْئاً بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَإِنَّهُ غُلُوْلٌ: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ [آلُ عِمْرَانَ: ١٦١] لَقَدْ أُذْعِرْتَ، فَامْضِ لِعَمَلِكَ (٣)) .
رَوَاهُ: الرُّوْيَانِيُّ فِي (مُسْنَدِهِ) . стр. 1874
شُعْبَةُ: عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ الحَارِثِ بنِ عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ، قَالَ:
أَخْبَرَنَا أَصْحَابُنَا، عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ:
لَمَّا بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى اليَمَنِ، قَالَ لِي: (كَيْفَ تَقْضِي إِنْ عَرَضَ قَضَاءٌ؟) .
قَالَ: قُلْتُ: أَقْضِي (١) بِمَا فِي كِتَابِ اللهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، فَبِمَا قَضَى بِهِ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ .
قَالَ: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيْمَا قَضَى بِهِ الرَّسُوْلُ؟) .
قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلاَ آلُوْ.
فَضَرَبَ صَدْرِي، وَقَالَ: (الحَمْدُ للهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُوْلَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ لِمَا يُرْضِي رَسُوْلَ اللهِ (٢)) .
أَبُو اليَمَانِ: حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بنُ عَمْرٍو، عَنْ رَاشِدِ بنِ سَعْدٍ، عَنْ عَاصِمِ بنِ حُمَيْدٍ السَّكُوْنِيِّ:
أَنَّ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ لَمَّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى اليَمَنِ، خَرَجَ يُوْصِيْهِ، وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ، وَرَسُوْلُ اللهِ ﷺ يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَتِهِ.
فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ: (يَا مُعَاذُ! إِنَّكَ عَسَى أَنْ لاَ تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا، وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي وَقَبْرِي (٣)) .
فَبَكَى مُعَاذٌ جَشَعاً لِفِرَاقِ رَسُوْلِ اللهِ.
قَالَ: (لاَ تَبْكِ يَا مُعَاذُ، أَوْ إِنَّ البُكَاءَ مِنَ الشَّيْطَانِ (٤)) .
قَالَ سَيْفُ بنُ عُمَرَ: حَدَّثَنَا سَهْلُ بنُ يُوْسُفَ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ عُبَيْدِ بنِ صَخْرٍ:
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِيْنَ وَدَّعَهُ مُعَاذٌ قَالَ: (حَفِظَكَ اللهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ، وَدَرَأَ стр. 1875
عَنْكَ شَرَّ الإِنْسِ وَالجِنِّ) .
فَسَارَ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : (يُبْعَثُ لَهُ رَتْوَةٌ فَوْقَ العُلَمَاءِ (١)) .
وَقَالَ سَيْفٌ: حَدَّثَنَا جَابِرُ بنُ يَزِيْدَ الجُعْفِيُّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوْسَى:
بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ خَامِسَ خَمْسَةٍ عَلَى أَصْنَافِ اليَمَنِ: أَنَا، وَمُعَاذٌ، وَخَالِدُ بنُ سَعِيْدٍ، وَطَاهِرُ بنُ أَبِي هَالَةَ، وَعُكَّاشَةُ بنُ ثَوْرٍ، وَأَمَرَنَا أَنْ نُيَسِّرَ وَلاَ نُعَسِّرَ (٢) .
شُعْبَةُ: عَنْ سَعِيْدِ بنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ أَبِي مُوْسَى:
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا بَعَثَهُ وَمُعَاذاً إِلَى اليَمَنِ، قَالَ لَهُمَا: (يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تُنَفِّرَا) .
فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوْسَى: إِنَّ لَنَا بِأَرْضِنَا شَرَاباً يُصْنَعُ مِنَ العَسَلِ يُقَالُ لَهُ: البِتْعُ، وَمِنَ الشَّعِيْر يُقَالُ لَهُ: المِزْرُ.
قَالَ: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ) .
فَقَالَ لِي مُعَاذٌ: كَيْفَ تَقْرَأُ القُرْآنَ؟
قُلْتُ: أَقْرَؤُهُ فِي صَلاَتِي، وَعَلَى رَاحِلَتِي، وَقَائِماً، وَقَاعِداً، أَتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقاً -يَعْنِي: شَيْئاً بَعْدَ شَيْءٍ-.
قَالَ: فَقَالَ مُعَاذٌ: لَكِنِّي أَنَامُ ثُمَّ أَقُوْمُ، فَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي.
قَالَ: وَكَأَنَّ مُعَاذاً فُضِّلَ عَلَيْهِ (٣) .
سَيْفٌ: حَدَّثَنَا جَابِرٌ الجُعْفِيُّ، عَنْ أُمِّ جُهَيْشٍ خَالَتِهِ، قَالَتْ:
بَيْنَا نَحْنُ بِدَثِيْنَةَ بَيْنَ الجَنَدِ وَعَدَنَ، إِذْ قِيْلَ: هَذَا رَسُوْلُ رَسُوْلِ (٤) اللهِ ﷺ .
فَوَافَيْنَا القَرْيَةَ، فَإِذَا رَجُلٌ مُتَوَكِّئٌ عَلَى رُمْحِهِ، مُتَقَلِّدٌ السَّيْفَ، مُتَعَلِّقٌ حَجَفَةً، مُتَنَكِّبٌ قَوْساً стр. 1876
وَجُعْبَةً، فَتَكَلَّمَ، وَقَالَ:
إِنِّي رَسُوْلُ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ إِلَيْكُم، اتَّقُوا اللهَ، وَاعْمَلُوا، فَإِنَّمَا هِيَ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، خُلُوْدٌ فَلاَ مَوْتَ، وَإِقَامَةٌ فَلاَ ظَعْنَ، كُلُّ امْرِئٍ عَمِلَ بِهِ عَامِلٌ فَعَلَيْهِ وَلاَ لَهُ، إِلاَّ مَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللهِ، وَكُلُّ صَاحِبٍ اسْتَصْحَبَهُ أَحَدٌ خَاذِلُهُ وَخَائِنُهُ، إِلاَّ العَمَلَ الصَّالِحَ، انْظُرُوا لأَنْفُسِكُم، وَاصْبِرُوا لَهَا بِكُلِّ شَيْءٍ.
فَإِذَا رَجُلٌ مُوْفَرُ الرَّأْسِ، أَدْعَجُ، أَبْيَضُ، بَرَّاقٌ، وَضَّاحٌ (١) .
قَالَ الوَاقِدِيُّ: تُوُفِّيَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ وَعَامِلُهُ عَلَى الجَنَدِ مُعَاذٌ.
وَرَوَى: سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:
قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : (نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو بَكْرٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ عُمَرُ، نِعْمَ الرَّجُلُ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ (٢)) .
وَرَوَى نَحْوَهُ: ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ المُنْكَدِرِ مُرْسَلاً.
حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ: عَنْ عُقْبَةَ (٣) بنِ مُسلمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحُبُلِيِّ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ:
لَقِيَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: (يَا مُعَاذُ! إِنِّي لأُحِبُّكَ فِي اللهِ) .
قُلْتُ: وَأَنَا -وَاللهِ- يَا رَسُوْلَ اللهِ! أُحِبُّكَ فِي اللهِ.
قَالَ: (أَفَلاَ أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُوْلُهُنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ؟ رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ (٤)) .
مَرْوَانُ بنُ مُعَاوِيَةَ: عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ:
أَنَّ مُعَاذاً دَخَلَ стр. 1877
المَسْجِدَ، وَرَسُوْلُ اللهِ سَاجِدٌ، فَسَجَدَ مَعَهُ، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَضَى مُعَاذٌ مَا سَبَقَهُ.
فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: كَيْفَ صَنَعْتَ! سَجَدْتَ وَلَمْ تَعْتَدَّ (١) بِالرَّكْعَةِ؟
قَالَ: لَمْ أَكُنْ لأَرَى رَسُوْلَ اللهِ ﷺ عَلَى حَالٍ إِلاَّ أَحْبَبْتُ أَنْ أَكُوْنَ مَعَهُ فِيْهَا.
فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَسَرَّهُ، وَقَالَ: (هَذِهِ سُنَّةُ لَكُم (٢)) .
ابْنُ عُيَيْنَةَ: عَنْ زَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ:
قَرَأَ عَبْدُ اللهِ: إِنَّ مُعَاذاً كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلِّهِ حَنِيْفاً.
فَقَالَ لَهُ فَرْوَةُ بنُ نَوْفَلٍ: إِنَّ إِبْرَاهِيْمَ - فَأَعَادَهَا - ثُمَّ قَالَ:
إِنَّ الأُمَّةَ: مُعَلِّمُ الخَيْرِ، وَالقَانِتَ: المُطِيْعُ، وَإِنَّ مُعَاذاً ﵁ كَانَ كَذَلِكَ (٣) .
وَرَوَى: حَيَّانُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ نَحْوَهَا.
فَقِيْلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! نَسِيْتَهَا.
قَالَ: لاَ، وَلَكِنَّا كُنَّا نُشَبِّهُهُ بِإِبْرَاهِيْمَ.
وَرَوَاهُ: ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ مَنْصُوْرِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي فَرْوَةُ بنُ نَوْفَلٍ الأَشْجَعِيُّ بِنَحْوِهِ.
وَرَوَاهُ: فِرَاسٌ، وَمُجَالِدٌ، وَغَيْرُهُمَا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوْقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ.
وَرَوَاهُ: عَبْدُ المَلِكِ بنُ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ، قَالَ:
بَيْنَمَا عَبْدُ اللهِ يُحَدِّثُهُم، إِذْ قَالَ:
إِنَّ مُعَاذاً كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلِّهِ حَنِيْفاً، وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِيْنَ (٤) .
وَعَنْ مُحَمَّدِ بنِ سَهْلِ بنِ أَبِي حَثْمَةَ (٥) ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ: كَانَ الَّذِيْنَ يُفْتُوْنَ عَلَى стр. 1878
عَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ ثَلاَثَةٌ مِنَ المُهَاجِرِيْنَ: عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ.
وَثَلاَثَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذٌ، وَزَيْدٌ.
وَعَنْ نِيَارٍ الأَسْلَمِيِّ: أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَسْتَشِيْرُ هَؤُلاَءِ، فَذَكَرَ مِنْهُم مُعَاذاً.
وَرَوَى: مُوْسَى بنُ عُلَيِّ بنِ رَبَاحٍ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:
خَطَبَ عُمَرُ النَّاسَ بِالجَابِيَةِ، فَقَالَ: مَنْ أَرَادَ الفِقْهَ، فَلْيَأْتِ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ (١) .
وَرَوَى: الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ:
حَدَّثَنِي أَشْيَاخٌ مِنَّا أَنَّ رَجُلاً غَابَ عَنِ امْرَأَتِهِ سَنَتَيْنِ، فَجَاءَ وَهِيَ حُبْلَى، فَأَتَى عُمَرَ، فَهَمَّ بِرَجْمِهَا.
فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: إِنْ يَكُ لَكَ عَلَيْهَا سَبِيْلٌ، فَلَيْسَ لَكَ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا سَبِيْلٌ.
فَتَرَكَهَا، فَوَضَعَتْ غُلاَماً بَانَ أَنَّهُ يُشْبِهُ أَبَاهُ، قَدْ خَرَجَتْ ثَنِيَّتَاهُ.
فَقَالَ الرَّجُلُ: هَذَا ابْنِي.
فَقَالَ عُمَرُ: عَجِزَتِ النِّسَاءُ أَنْ يَلِدْنَ مِثْلَ مُعَاذٍ، لَوْلاَ مُعَاذٌ لَهَلَكَ عُمَرُ (٢) .
الوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنَا أَيُّوْبُ بنُ النُّعْمَانِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ:
كَانَ عُمَرُ يَقُوْلُ حِيْنَ خَرَجَ مُعَاذٌ إِلَى الشَّامِ: لَقَدْ أَخَلَّ خُرُوْجُهُ بِالمَدِيْنَةِ وَأَهْلِهَا فِي الفِقْهِ، وَفِيْمَا كَانَ يُفْتِيْهِم بِهِ، وَلَقَدْ كُنْتُ كَلَّمْتُ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَحْبِسَهُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَأَبَى عَلَيَّ، وَقَالَ:
رَجُلٌ أَرَادَ وَجْهاً - يَعْنِي الشَّهَادَةَ - فَلاَ أَحْبِسُهُ (٣) .
قُلْتُ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيُرْزَقُ الشَّهَادَةَ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِهِ.
الأَعْمَشُ: عَنْ شِمْرِ بنِ عَطِيَّةَ، عَنْ شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ стр. 1879
مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا تَحَدَّثُوا وَفِيْهِم مُعَاذٌ، نَظَرُوا إِلَيْهِ هَيْبَةً لَهُ (١) .
جَعْفَرُ بنُ بُرْقَانَ: حَدَّثَنَا حَبِيْبُ بنُ أَبِي مَرْزُوْقٍ، عَنْ عَطَاءِ بنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الخَوْلاَنِيِّ، قَالَ:
دَخَلْتُ مَسْجِدَ حِمْصَ، فَإِذَا فِيْهِ نَحْوٌ مِنْ ثَلاَثِيْنَ كَهْلاً مِنَ الصَّحَابَةِ، فَإِذَا فِيْهِم شَابٌّ أَكْحَلُ العَيْنَيْنِ، بَرَّاقُ الثَّنَايَا، سَاكِتٌ، فَإِذَا امْتَرَى القَوْمُ، أَقْبَلُوا عَلَيْهِ، فَسَألُوْهُ.
فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟
قِيْلَ: مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ.
فَوَقَعَتْ مَحَبَّتُهُ فِي قَلْبِي (٢) .
مَعْمَرٌ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ كَعْبٍ، قَالَ:
كَانَ مُعَاذٌ شَابّاً، جَمِيْلاً، سَمْحاً، مِنْ خَيْرِ شَبَابِ قَوْمِهِ، لاَ يُسْأَلُ شَيْئاً إِلاَّ أَعْطَاهُ، حَتَّى كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَغْلَقَ مَالَهُ كُلَّهُ، فَسَأَلَ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ أَنْ يُكَلِّمَ لَهُ غُرَمَاءهُ، فَفَعَلَ، فَلَمْ يَضَعُوا لَهُ شَيْئاً، فَلَوْ تَرَكَ أَحَدٌ (٣) لِكَلاَمِ أَحَدٍ، لَتُرِكَ لِمُعَاذٍ لِكَلاَمِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ .
فَدَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ يَبْرَحْ حَتَّى بَاعَ مَالَهُ، وَقَسَمَهُ بَيْنَهُم.
فَقَامَ مُعَاذٌ وَلاَ مَالَ لَهُ، ثُمَّ بَعَثَهُ عَلَى اليَمَنِ لِيَجْبُرَهُ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ تَجَرَ فِي هَذَا المَالِ.
فَقَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ:
هَلْ لَكَ يَا مُعَاذُ أَنْ تُطِيْعَنِي؟ تَدْفَعُ هَذَا المَالَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَإِنْ أَعْطَاكَهُ فَاقْبَلْهُ.
فَقَالَ: لاَ أَدْفَعُهُ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا بَعَثَنِي نَبِيُّ اللهِ لِيَجْبُرَنِي.
فَانْطَلَقَ عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: خُذْ مِنْهُ، وَدَعْ لَهُ.
قَالَ: مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ، وَإِنَّمَا بَعَثَهُ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ لِيَجْبُرَهُ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ مُعَاذٌ، انْطَلَقَ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ:
مَا أَرَانِي إِلاَّ فَاعِلَ الَّذِي قُلْتَ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي البَارِحَةَ - أَظُنُّهُ قَالَ - أُجَرُّ إِلَى النَّارِ، وَأَنْتَ آخِذٌ بِحُجْزَتِي.
فَانْطَلَقَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ بِكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ، حَتَّى جَاءهُ بِسَوْطِهِ. стр. 1880
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ لَكَ، لاَ آخُذُ مِنْهُ شَيْئاً.
وَفِي لَفْظٍ: قَدْ وَهَبْتُهُ لَكَ.
فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا حِيْنَ حَلَّ وَطَابَ.
وَخَرَجَ مُعَاذٌ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى الشَّامِ (١) .
وَرَوَاهُ: الذُّهْلِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، فَقَالَ بَدَلَ أُجَرُّ إِلَى النَّارِ: كَأَنِّي فِي مَاءٍ قَدْ خَشِيْتُ الغَرَقَ، فَخَلَّصْتَنِي.
الوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنَا عِيْسَى بنُ النُّعْمَانِ، عَنْ مُعَاذِ (٢) بنِ رِفَاعَةَ، عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
كَانَ مُعَاذٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهاً، وَأَحْسَنِهِ خُلُقاً، وَأَسْمَحِهِ كَفّاً، فَادَّانَ، فَلَزِمَهُ غُرَمَاؤُهُ، حَتَّى تَغَيَّبَ أَيَّاماً ... وَذَكَرَ الحَدِيْثَ.
وَقَالَ فِيْهِ: فَقَدِمَ بِغِلْمَانَ (٣) .
الأَعْمَشُ: عَنْ شَقِيْقٍ:
قَدِمَ مُعَاذٌ مِنَ اليَمَنِ بِرَقِيْقٍ، فَلَقِيَ عُمَرَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: مَا هَؤُلاَءِ؟
قَالَ: أُهْدُوا لِي.
قَالَ: ادْفَعْهُمْ إِلَى أَبِي بَكْرٍ.
فَأَبَى، فَبَاتَ، فَرَأَى كَأَنَّهُ يُجَرُّ إِلَى النَّارِ، وَأَنَّ عُمَرَ يَجْذُبُهُ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ: يَا ابْنَ الخَطَّابِ! مَا أَرَانِي إِلاَّ مُطِيْعُكَ، إِلَى أَنْ قَالَ:
فَدَفَعَهُمْ أَبُو بَكْرٍ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَصْبَحَ، فَرَآهُمْ يُصَلُّوْنَ.
قَالَ: لِمَنْ تُصَلُّوْنَ؟
قَالُوا: لِلِّهِ.
قَالَ: فَأَنْتُم لِلِّهِ (٤) .
ابْنُ جُرَيْجٍ: أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي الأَبْيَضِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَعِيْدِ بنِ المُسَيِّبِ:
أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ مُعَاذاً سَاعِياً عَلَى بَنِي كِلاَبٍ أَوْ غَيْرِهِم، فَقَسَمَ فِيْهِم فَيْئَهُم حَتَّى لَمْ يَدَعْ شَيْئاً، حَتَّى جَاءَ بِحِلْسِهِ الَّذِي خَرَجَ بِهِ عَلَى رَقَبَتِهِ. стр. 1881
وَعَنْ نَافِعٍ، قَالَ:
كَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ وَمُعَاذٍ: انْظُرُوا رِجَالاً صَالِحِيْنَ، فَاسْتَعْمِلُوْهُم عَلَى القَضَاءِ، وَارْزُقُوْهُم.
رَوَى أَيُّوْبُ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، وَغَيْرِهِ:
أَنَّ فُلاَناً مَرَّ بِهِ أَصْحَابُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: أَوْصُوْنِي.
فَجَعَلُوا يُوْصُوْنَهُ، وَكَانَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ فِي آخِرِ القَوْمِ، فَقَالَ: أَوْصِنِي يَرْحَمْكَ اللهُ.
قَالَ: قَدْ أَوْصَوْكَ فَلَمْ يَأْلُوا، وَإِنِّي سَأَجْمَعُ لَكَ أَمْرَكَ: اعْلَمْ أَنَّهُ لاَ غِنَى بِكَ عَنْ نَصِيْبِكَ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنْتَ إِلَى نَصِيْبِكَ إِلَى الآخِرَةِ أَفْقَرُ، فَابْدَأْ بِنَصِيْبِكَ مِنَ الآخِرَةِ، فَإِنَّهُ سَيَمُرُّ بِكَ عَلَى نَصِيْبِكَ مِنَ الدُّنْيَا، فَيَنْتَظِمَهُ، ثُمَّ يَزُوْلُ مَعَكَ أَيْنَمَا زِلْتَ (١) .
رَوَى حُمَيْدُ بنُ (٢) هِلاَلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ الصَّامِتِ، عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ:
مَا بَزَقْتُ عَلَى يَمِيْنِي مُنْذُ أَسْلَمْتُ (٣) .
قَالَ أَيُّوْبُ بنُ سَيَّارٍ: عَنْ يَعْقُوْبَ بنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي بَحْرِيَّةَ، قَالَ:
دَخَلْتُ مَسْجِدَ حِمْصَ، فَإِذَا بِفَتَىً حَوْلُهُ النَّاسُ، جَعْدٌ، قَطَطٌ، إِذَا تَكَلَّم كَأَنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ فِيْهِ نُوْرٌ وَلُؤْلُؤٌ.
فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟
قَالُوا: مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ (٤) .
حَرِيْزُ بنُ عُثْمَانَ: عَنِ المَشْيَخَةِ، عَنْ أَبِي بَحْرِيَّةَ، عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ:
مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلاً أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللهِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ.
قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! وَلاَ الجِهَادُ فِي سَبِيْلِ اللهِ؟
قَالَ: وَلاَ، إِلاَّ أَنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ، لأَنَّ اللهَ - стр. 1882
تَعَالَى - يَقُوْلُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾ [العَنْكَبُوْتُ (١) : ٤٥] .
نُعَيْمُ بنُ حَمَّادٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ المُبَارَكِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ مُطَرِّفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ سَعِيْدِ بنِ يَرْبُوْعٍ، عَنْ مَالِكِ الدَّارِ:
أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَخَذَ أَرْبَعَ مَائَةِ دِيْنَارٍ، فَقَالَ لِغُلاَمٍ:
اذْهَبْ بِهَا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ، ثُمَّ تَلَهَّ سَاعَةً فِي البَيْتِ حَتَّى تَنْظُرَ مَا يَصْنَعُ.
قَالَ: فَذَهَبَ بِهَا الغُلاَمُ، فَقَالَ: يَقُوْلُ لَكَ أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ: خُذْ هَذِهِ.
فَقَالَ: وَصَلَهُ اللهُ وَرَحِمَهُ.
ثُمَّ قَالَ: تَعَالَيْ يَا جَارِيَةُ، اذْهَبِي بِهَذِهِ السَّبْعَةِ إِلَى فُلاَنٍ، وَبِهَذِهِ الخَمْسَةِ إِلَى فُلاَنٍ، حَتَّى أَنْفَذَهَا.
فَرَجَعَ الغُلاَمُ إِلَى عُمَرَ، وَأَخْبَرَهُ، فَوَجَدَهُ قَدْ أَعَدَّ مِثْلَهَا لِمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، فَأَرْسَلَهُ بِهَا إِلَيْهِ.
فَقَالَ مُعَاذٌ: وَصَلَهُ اللهُ، يَا جَارِيَةُ! اذْهَبِي إِلَى بَيْتِ فُلاَنٍ بِكَذَا، وَلِبَيْتِ فُلاَنٍ بِكَذَا.
فَاطَّلَعَتْ امْرَأَةُ مُعَاذٍ، فَقَالَتْ: وَنَحْنُ - وَالله - مَسَاكِيْنُ، فَأَعْطِنَا.
وَلَمْ يَبْقَ فِي الخِرْقَةِ إِلاَّ دِيْنَارَانِ، فَدَحَا بِهِمَا (٢) إِلَيْهَا.
وَرَجَعَ الغُلاَمُ، فَأَخْبَرَ عُمَرَ، فَسُرَّ بِذَلِكَ، وَقَالَ: إِنَّهُم إِخْوَةٌ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ (٣) .
قَرَأْتُ عَلَى إِسْحَاقَ بنِ أَبِي بَكْرٍ، أَخْبَرَكَ يُوْسُفُ الحَافِظُ، أَنْبَأَنَا أَبُو المَكَارِمِ اللَّبَّانُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الحَدَّادُ، أَنْبَأَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ قُتَيْبَةَ (ح) .
وَأَنْبَأَنَا أَبُو المَعَالِي الغَرَّافِيُّ، أَنْبَأَنَا الفَتْحُ بنُ عَبْدِ اللهِ، أَنْبَأَنَا الأُرْمَوِيُّ، وَابْنُ الدَّايَةِ، وَالطَّرَائِفِيُّ، قَالُوا:
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدٍ، قَالاَ:
حَدَّثَنَا يَزِيْدُ بنُ مَوْهَبٍ، стр. 1883
حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عَقِيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ:
أَنَّ أَبَا إِدْرِيْسَ الخَوْلاَنِيَّ أَخْبَرَهُ:
أَنَّ يَزِيْدَ بنَ عُمَيْرَةَ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ - قَالَ:
كَانَ لاَ يَجْلِسُ مَجْلِساً إِلاَّ قَالَ: اللهُ حَكَمٌ قِسْطٌ، تَبَارَكَ اسْمُهُ، هَلَكَ المُرْتَابُوْنَ ... ، فَذَكَرَ الحَدِيْثَ.
وَفِيْهِ: فَقُلْتُ لِمُعَاذٍ: مَا يُدْرِيْنِي أَنَّ الحَكِيْمَ يَقُوْلُ كَلِمَةَ الضَّلاَلَةِ؟
قَالَ: بَلَى، اجْتَنِبْ مِنْ كَلاَمِ الحَكِيْمِ المُشْتَهَرَاتِ الَّتِي يُقَالُ: مَا هَذِهِ؟ وَلاَ يَثْنِيْكَ ذَلِكَ عَنْهُ، فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ وَيَتَّبِعُ الحَقَّ إِذَا سَمِعَهُ، فَإِنَّ عَلَى الحَقِّ نُوْراً (١) .
اللَّفْظُ لابْنِ قُتَيْبَةَ.
سُلَيْمَانُ بنُ بِلاَلٍ: عَنْ مُوْسَى بنِ عُبَيْدَةَ (٢) ، عَنْ أَيُّوْبَ بنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ رَافِعٍ (٣) ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ:
أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمَّا أُصِيْبَ، اسْتَخْلَفَ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ، يَعْنِي فِي طَاعُوْنِ عَمَوَاس، اشْتَدَّ الوَجَعُ، فَصَرَخَ النَّاسُ إِلَى مُعَاذٍ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَرْفَعَ عَنَّا هَذَا الرِّجْزَ.
قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِرِجْزٍ، وَلَكِنْ دَعْوَةُ نَبِيِّكُم، وَمَوْتُ الصَّالِحِيْنَ قَبْلَكُم، وَشَهَادَةٌ يَخُصُّ اللهُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْكُم.
أَيُّهَا النَّاسُ! أَرْبَعُ خِلاَلٍ، مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لاَ تُدْرِكَهُ.
قَالُوا: مَا هِيَ؟
قَالَ: يَأْتِي زَمَانٌ يَظْهَرُ فِيْهِ البَاطِلُ، وَيَأْتِي زَمَانٌ يَقُوْلُ الرَّجُلُ: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَنَا، لاَ يَعِيْشُ عَلَى بَصِيْرَةٍ، وَلاَ يَمُوْتُ عَلَى بَصِيْرَةٍ (٤) .
أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ فِي (مُسْنَدِهِ) : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، حَدَّثَنَا مَسَرَّةُ (٥) بنُ стр. 1884
مَعْبَدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيْلَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ:
قَالَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ:
سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: (سَتُهَاجِرُوْنَ إِلَى الشَّامِ، فَيُفْتَحُ لَكُم، وَيَكُوْنُ فِيْهِ دَاءٌ كَالدُّمَّلِ، أَوْ كَالوَخْزَةِ، يَأْخُذُ بِمَرَاقِّ الرَّجُلِ، فَيَشْهَدُ - أَوْ فَيَسْتَشْهِدُ - اللهُ بِكُمْ أَنْفُسَكُم، وَيُزَكِّي بِهَا أَعْمَالَكُم) .
اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ مُعَاذاً سَمِعَهُ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فَأَعْطِهِ هُوَ وَأَهْلَ بَيْتِهِ الحَظَّ الأَوْفَرَ مِنْهُ.
فَأَصَابَهُمُ الطَّاعُوْنُ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُم أَحَدٌ، فَطُعِنَ فِي أُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ، فَكَانَ يَقُوْلُ:
مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي بِهَا حُمُرَ النَّعَمِ (١) .
هَمَّامٌ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، وَمَطَرٌ، عَنْ شَهْرٍ، عَنْ (٢) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ غَنْمٍ، قَالَ:
وَقَعَ الطَّاعُوْنُ بِالشَّامِ، فَخَطَبَ النَّاسَ عَمْرُو بنُ العَاصِ، فَقَالَ:
هَذَا الطَّاعُوْنُ رِجْزٌ، فَفِرُّوا مِنْهُ فِي الأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ.
فَبَلَغَ ذَلِكَ شُرَحْبِيْلَ بنَ حَسَنَةَ، فَغَضِبَ، وَجَاءَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ، وَنَعْلاَهُ فِي يَدِهِ، فَقَالَ:
صَحِبْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ وَلَكِنَّهُ رَحْمَةُ رَبِّكُم، وَدَعْوَةُ نَبِيِّكُم، وَوَفَاةُ الصَّالِحِيْنَ قَبْلَكُم.
فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاذاً، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ نَصِيْبَ آلِ مُعَاذٍ الأَوْفَرَ.
فَمَاتَتْ ابْنَتَاهُ، فَدَفَنَهُمَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَطُعِنَ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ - يَعْنِي لاِبْنِهِ لَمَّا سَأَلَهُ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ - قَالَ: ﴿الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِيْنَ﴾ [آلُ عِمْرَانَ: ٦٠] .
قَالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِيْنَ﴾ [الصَّافَّاتُ: ١٠٢] .
قَالَ: وَطُعِنَ مُعَاذٌ فِي كَفِّهِ، فَجَعَلَ يُقَلِّبُهَا، وَيَقُوْلُ:
هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ.
فَإِذَا سُرِّيَ عَنْهُ، قَالَ: رَبِّ! غُمَّ غَمَّكَ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّكَ.
وَرَأَى رَجُلاً يَبْكِي، قَالَ: مَا يُبْكِيْكَ؟
قَالَ: مَا أَبْكِي عَلَى دُنْيَا كُنْتُ أَصَبْتُهَا مِنْكَ، وَلَكِنْ أَبْكِي عَلَى العِلْمِ الَّذِي كُنْتُ أُصِيْبُهُ مِنْكَ.
قَالَ: وَلاَ تَبْكِهِ، فَإِنَّ стр. 1885
إِبْرَاهِيْمَ - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - كَانَ فِي الأَرْضِ، وَلَيْسَ بِهَا عِلْمٌ، فَآتَاهُ اللهُ عِلْماً، فَإِنْ أَنَا مِتُّ، فَاطْلُبِ العِلْمَ عِنْدَ أَرْبَعَةٍ: عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُوْدٍ، وَسَلْمَانَ الفَارِسِيِّ، وَعَبْدِ اللهِ بنِ سَلاَمٍ، وَعُوَيْمِرٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ (١) .
ابْنُ لَهِيْعَةَ: عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ:
كَانَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ اسْتَخْلَفَ مُعَاذاً عَلَى مَكَّةَ حِيْنَ خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُمُ القُرْآنَ وَالدِّيْنَ (٢) .
أَبُو قَحْذَمٍ النَّضْرُ بنُ مَعْبَدٍ: عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:
مَرَّ عُمَرُ بِمُعَاذٍ وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيْكَ؟
قَالَ: حَدِيْثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: (إِنَّ أَدْنَى الرِّيَاءِ (٣) شِرْكٌ، وَأَحَبُّ العَبِيْدِ إِلَى اللهِ الأَتْقِيَاءُ الأَخْفِيَاءُ، الَّذِيْنَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا، وَإِذَا شَهِدُوا لَمْ يُعْرَفُوا، أُوْلَئِكَ مَصَابِيْحُ العِلْمِ، وَأَئِمَّةُ الهُدَى (٤)) .
أَخْرَجَهُ: الحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ، وَخُوْلِفَ، فَإِنَّ النَّسَائِيَّ قَالَ: أَبُو قَحْذَمٍ لَيْسَ بِثِقَةٍ.
يُوْسُفُ بن مُسلمٍ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بنُ تَمِيْمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عُبَادَةَ بنِ стр. 1886
نُسَيٍّ، عَنِ ابْنِ غَنْمٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا عُبَيْدَةَ، وَعُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ يَقُوْلاَنِ:
قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : (مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ أَعْلَمُ الأَوَّلِيْنَ وَالآخِرِيْنَ بَعْد النَّبِيِّيْنَ وَالمُرْسَلِيْنَ، وَإِنَّ اللهَ يُبَاهِي بِهِ المَلاَئِكَةَ) .
قَدْ أَخْرَجَهُ: الحَاكِمُ (فِي صَحِيْحِهِ (١)) ، فَأَخْطَأَ، وَعُبَيْدٌ لاَ يُعْرَفُ، فَلَعَلَّهُ افْتَعَلَهُ.
الأَعْمَشُ: عَنْ شَهْرِ بنِ حَوْشَبٍ، عَنِ الحَارِثِ بنِ عُمَيْرَةَ، قَالَ:
إِنِّي لَجَالِسٌ عِنْدَ مُعَاذٍ وَهُوَ يَمُوْتُ، وَهُوَ يُغْمَى عَلَيْهِ وَيُفِيْقُ، فَقَالَ:
اخْنُقْ خَنْقَكَ، فَوَعِزَّتِكَ إِنِّي لأُحِبُّكَ (٢) .
قَالَ يَحْيَى بنُ بُكَيْرٍ: سَمِعْتُ مَالِكاً يَقُوْلُ:
هُوَ أَمَامَ العُلَمَاءِ رَتْوَةٌ (٣) .
هَلَكَ ابْنُ ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ.
وَقِيْلَ: ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ.
هُشَيْمٌ: أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بنُ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيْدِ بنِ المُسَيِّبِ، قَالَ:
قُبِضَ مُعَاذٌ وَهُوَ ابْنُ ثَلاَثٍ، أَوْ أَرْبَعٍ وَثَلاَثِيْنَ سَنَةً.
المَدَائِنِيُّ: عَنْ أَبِي سُفْيَانَ الغُدَانِيِّ (٤) ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بنِ مَعْدَانَ:
أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ قُرْطٍ قَالَ: حَضَرْتُ وَفَاةَ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، فَقَالَ:
رَوِّحُوْنِي أَلْقَى اللهَ مِثْلَ سِنِّ عِيْسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ابْنِ ثَلاَثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَثَلاَثِيْنَ سَنَةً. стр. 1887
قُلْتُ: يَعْنِي عِنْدَمَا رُفِعَ عِيْسَى إِلَى السَّمَاءِ.
قَالَ ضَمْرَةُ بنُ رَبِيْعَةَ: تُوُفِّيَ مُعَاذٌ بِقُصَيْرِ خَالِدٍ مِنَ الأُرْدُنِّ.
قَالَ يَزِيْدُ بنُ عُبَيْدَةَ: تُوُفِّيَ مُعَاذٌ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ.
وَقَالَ المَدَائِنِيُّ، وَجَمَاعَةٌ: سَنَةَ سَبْعٍ، أَوْ ثَمَانِ عَشْرَةَ.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَالفَلاَّسُ: سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ.
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ الضَّرِيْرُ: وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَثَلاَثِيْنَ سَنَةً.
وَكَذَا قَالَ الوَاقِدِيُّ فِي سِنِّهِ، وَقَالَ: تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ ﵁.
٨٧ - عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُوْدِ بنِ غَافِلِ بنِ حَبِيْبٍ الهُذَلِيُّ * (ع)
ابْنِ شَمْخِ بنِ فَارِ بنِ مَخْزُوْمِ بنِ صَاهِلَةَ بنِ كَاهِلِ بنِ الحَارِثِ بنِ تَمِيْمِ بنِ سَعْدِ بنِ هُذَيْلِ بنِ مُدْرَكَةَ بنِ إِلْيَاسِ بنِ مُضَرَ بنِ نِزَارٍ.
الإِمَامُ الحَبْرُ، فَقِيْهُ الأُمَّةِ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الهُذَلِيُّ، المَكِّيُّ، المُهَاجِرِيُّ، البَدْرِيُّ، حَلِيْفُ بَنِي زُهْرَةَ.
كَانَ مِنَ السَّابِقِيْنَ الأَوَّلِيْنَ، وَمِنَ النُّجَبَاءِ العَالِمِيْنَ، شَهِدَ بَدْراً، وَهَاجَرَ الهِجْرَتَيْنِ، وَكَانَ يَوْمَ اليَرْمُوْكِ عَلَى النَّفْلِ، وَمَنَاقِبُهُ غَزِيْرَةٌ، رَوَى عِلْماً كَثِيْراً.
حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو مُوْسَى، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ، وَجَابِرٌ، وَأَنَسٌ، وَأَبُو أُمَامَةَ، فِي طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَلْقَمَةُ،
стр. 1888
وَالأَسْوَدُ، وَمَسْرُوْقٌ، وَعُبَيْدَةُ، وَأَبُو وَاثِلَةَ، وَقَيْسُ بنُ أَبِي حَازِمٍ، وَزِرُّ بنُ حُبَيْشٍ، وَالرَّبِيْعُ بنُ خُثَيْمٍ، وَطَارِقُ بنُ شِهَابٍ، وَزَيْدُ بنُ وَهْبٍ، وَوَلَدَاهُ؛ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو الأَحْوَصِ عَوْفُ بنُ مَالِكٍ، وَأَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ، وَخَلْقٌ كَثِيْرٌ.
وَرَوَى عَنْهُ القِرَاءةَ: أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وَعُبَيْدُ بنُ نُضَيْلَةَ، وَطَائِفَةٌ.
اتَّفَقَا لَهُ فِي (الصَّحِيْحَيْنِ) عَلَى أَرْبَعَةٍ وَسِتِّيْنَ.
وَانْفَرَدَ لَهُ البُخَارِيُّ بِإِخْرَاجِ أَحَدٍ وَعِشْرِيْنَ حَدِيْثاً، وَمُسْلِمٌ بِإِخْرَاجِ خَمْسَةٍ وَثَلاَثِيْنَ حَدِيْثاً.
وَلَهُ عِنْدَ بَقِيٍّ بِالمُكَرَّرِ ثَمَانِي مَائَةٍ وَأَرْبَعُوْنَ حَدِيْثاً.
قَالَ قَيْسُ بنُ أَبِي حَازِمٍ: رَأَيْتُهُ آدَمَ، خَفِيْفَ اللَّحْمِ.
وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ، قَالَ:
كَانَ عَبْدُ اللهِ رَجُلاً نَحِيْفاً، قَصِيْراً، شَدِيْدَ الأُدْمَةِ، وَكَانَ لاَ يُغَيِّرُ شَيْبَهُ.
وَرَوَى: الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيْمَ، قَالَ:
كَانَ عَبْدُ اللهِ لَطِيْفاً، فَطِناً.
قُلْتُ: كَانَ مَعْدُوْداً فِي أَذْكِيَاءِ العُلَمَاءِ.
وَعَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ، قَالَ:
رَأَيْتُ ابْنَ مَسْعُوْدٍ عَظِيْمَ البَطْنِ، أَحْمَشَ السَّاقَيْنِ.
قُلْتُ: رَآهُ سَعِيْدٌ لَمَّا قَدِمَ المَدِيْنَةَ عَامَ تُوُفِّيَ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلاَثِيْنَ، وَكَانَ يُعْرَفُ أَيْضاً بِأُمِّهِ، فَيُقَالُ لَهُ: ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ.
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ سَعْدٍ:
أُمُّهُ: هِيَ أُمُّ عَبْدٍ بِنْتُ عَبْدِ وُدٍّ بنِ سُوَيٍّ (١) ، مِنْ بَنِي زُهْرَةَ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
كَنَّانِي النَّبِيُّ ﷺ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ стр. 1889
قَبْلَ أَنْ يُوْلَدَ لِي (١) .
وَرَوَى: المَسْعُوْدِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بنِ مِيْنَا، عَنْ نُوَيْفِعٍ مَوْلَى ابْنِ مَسْعُوْدٍ، قَالَ:
كَانَ عَبْدُ اللهِ مِنْ أَجْوَدِ النَّاسِ ثَوْباً أَبْيَضَ، وَأَطْيَبَ النَّاسِ رِيْحاً.
يَعْقُوْبُ بنُ شَيْبَةَ: حَدَّثَنِي بِشْرُ بنُ مِهْرَانَ، حَدَّثَنَا شَرِيْكٌ، عَنْ عُثْمَانَ بنِ المُغِيْرَةِ، عَنْ زَيْدِ بنِ وَهْبٍ، قَالَ:
قَالَ عَبْدُ اللهِ: إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ عَلِمْتُهُ مِنْ أَمْرِ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : قَدِمْتُ مَكَّةَ مَعَ عُمُوْمَةٍ لِي - أَوْ أُنَاسٍ مِنْ قَوْمِي - نَبْتَاعُ مِنْهَا مَتَاعاً، وَكَانَ فِي بُغْيَتِنَا شِرَاءُ عِطْرٍ، فَأَرْشَدُوْنَا عَلَى العَبَّاسِ.
فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِ، وَهُوَ جَالِسٌ إِلَى زَمْزَمَ، فَجَلَسْنَا إِلَيْهِ، فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ، إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ بَابِ الصَّفَا، أَبْيَضُ، تَعْلُوْهُ حُمْرَةٌ، لَهُ وَفْرَةٌ جَعْدَةٌ إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ، أَشَمُّ، أَقْنَى، أَذْلَفُ، أَدْعَجُ العَيْنَيْنِ، بَرَّاقُ الثَّنَايَا، دَقِيْقُ المَسْرُبَةِ، شَثْنُ الكَفَّيْنِ وَالقَدَمَيْنِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَبْيَضَانِ، كَأَنَّهُ القَمَرُ لَيْلَةَ البَدْرِ، يَمْشِي عَلَى يَمِيْنِهِ غُلاَمٌ حَسَنُ الوَجْهِ، مُرَاهِقٌ، أَوْ مُحْتَلِمٌ، تَقْفُوْهُمُ امْرَأَةٌ قَدْ سَتَرَتْ مَحَاسِنَهَا، حَتَّى قَصَدَ نَحْوَ الحَجَرِ، فَاسْتَلَمَ، ثُمَّ اسْتَلَمَ الغُلاَمُ، وَاسْتَلَمَتِ المَرْأَةُ.
ثُمَّ طَافَ بِالبَيْتِ سَبْعاً، وَهُمَا يَطُوْفَانِ مَعَهُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الرُّكْنَ، فَرَفَعَ يَدَهُ وَكَبَّرَ، وَقَامَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ، فَرَأَيْنَا (٢) شَيْئاً أَنْكَرْنَاهُ، لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُهُ بِمَكَّةَ.
فَأَقْبَلْنَا عَلَى العَبَّاسِ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا الفَضْلِ! إِنَّ هَذَا الدِّيْنَ حَدَثٌ فِيْكُم، أَوْ أَمْرٌ لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُهُ؟
قَالَ: أَجَلْ - وَاللهِ - مَا تَعْرِفُوْنَ هَذَا، هَذَا ابْنُ أَخِي مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ، وَالغُلاَمُ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالمَرْأَةُ خَدِيْجَةُ بِنْتُ خُوَيْلدٍ امْرَأَتُهُ، أَمَا وَاللهِ مَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ نَعْلَمُهُ يَعْبُدُ اللهَ بِهَذَا الدِّيْنِ، إِلاَّ هَؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ. стр. 1890
قَالَ ابْنُ شَيْبَةَ: لاَ نَعْلَمُ رَوَى هَذَا إِلاَّ بِشْرٌ الخَصَّافُ، وَهُوَ رَجُلٌ صَالِحٌ (١) .
مُحَمَّدُ بنُ أَبِي عُبَيْدَةَ بنِ مَعْنٍ المَسْعُوْدِيُّ: عَنْ أَبِيْهِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ القَاسِمِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:
قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَادِسَ سِتَّةٍ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ مُسْلِمٌ غَيْرُنَا (٢) .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَسْلَمَ ابْنُ مَسْعُوْدٍ بَعْدَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِيْنَ نَفْساً.
وَعَنْ يَزِيْدَ بنِ رُوْمَانَ، قَالَ:
أَسْلَمَ عَبْدُ اللهِ قَبْلَ دُخُوْلِ النَّبِيِّ ﷺ دَارَ الأَرْقَمِ (٣) .
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ سَلاَمَةَ، وَأَحْمَدُ بنُ عَبْدِ السَّلاَمِ إِجَازَةً، عَنْ عَبْدِ المُنْعِمِ بنِ كُلَيْبٍ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بنُ بَيَانَ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيْلُ بنُ مُحَمَّدٍ (ح) .
وَقَرَأْتُ عَلَى أَحْمَدَ بنِ إِسْحَاقَ، وَعَبْدِ الحَافِظِ بنِ بَدْرَانَ، أَخْبَرَكُمَا أَبُو البَرَكَاتِ الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدٍ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بنُ الخَلِيْلِ بنِ فَارِسٍ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِ مَائَةٍ، وَأَنَا فِي الخَامِسَةِ (ح) .
وَأَنْبَأَنَا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ، وَعُمَرُ بنُ عَبْدِ المُنْعِمِ، وَعَبْدُ المُنْعِمِ بنُ عَسَاكِرَ، وَأَبُو عَلِيٍّ بنُ الجَلاَلِ، وَابْنُ مُؤْمِنٍ، قَالُوا:
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بنُ هِبَةِ اللهِ القَاضِي، أَنْبَأَنَا حَمْزَةُ بنُ عَلِيٍّ الثَّعْلَبِيُّ (ح) .
وَأَنْبَأَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ، وَأَحْمَدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالاَ: أَنْبَأَنَا أَبُو القَاسِمِ стр. 1891
بنُ صَصْرَى، أَنْبَأَنَا أَبُو القَاسِمِ الحُسَيْنُ بنُ الحَسَنِ الأَسَدِيُّ، وَأَبُو يَعْلَى بنُ الحُبُوْبِيِّ (ح) .
وَأَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيْمُ بنُ أَحْمَدَ الطَّائِيُّ، وَمُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ الأُرْمَوِيُّ، وَالحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ الدِّمَشْقِيُّ، وَإِسْمَاعِيْلُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَرْدَاوِيُّ، وَأَحْمَدُ بنُ مُؤْمِنٍ، وَسِتُّ الفَخْرِ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالُوا:
أَخْبَرَتْنَا كَرِيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الوَهَّابِ القُرَشِيَّةُ، أَنْبَأَنَا أَبُو يَعْلَى حَمْزَةُ بنُ الحُبُوْبِيِّ، قَالُوا:
أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ الفَقِيْهُ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عُثْمَانَ التَّمِيْمِيُّ، أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيْمُ بنُ أَبِي ثَابِتٍ، قَالاَ:
أَنْبَأَنَا الحَسَنُ بنُ عَرَفَةَ العَبْدِيُّ (ح) .
وَأَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مُحَمَّدٍ، وَالمُسلمُ بنُ مُحَمَّدٍ، وَعَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ، قَالُوا:
أَنْبَأَنَا حَنْبَلٌ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الحُصَيْنِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ المُذْهِبِ، أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ القَطِيْعِيُّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ الشَّيْبَانِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالاَ:
أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ بنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنِي عَاصِمٌ، عَنْ زِرٍّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ، قَالَ:
كُنْتُ أَرْعَى غَنَماً لِعُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَمَرَّ بِي رَسُوْلُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: (يَا غُلاَمُ! هَلْ مِنْ لَبَنٍ؟) .
قُلْتُ: نَعَمْ، وَلَكِنِّي مُؤْتَمَنٌ.
قَالَ: فَهَلْ مِنْ شَاةٍ لَمْ يَنْزُ عَلَيْهَا الفَحْلُ؟
فَأَتَيْتُهُ بِشَاةٍ، فَمَسَحَ ضِرْعَهَا، فَنَزَلَ لَبَنٌ، فَحَلَبَ فِي إِنَاءٍ، فَشَرِبَ، وَسَقَى أَبَا بَكْرٍ.
ثُمَّ قَالَ لِلضِّرْعِ: (اقْلُصْ) .
فَقَلَصَ.
زَادَ أَحْمَدُ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُهُ بَعْدَ هَذَا.
ثُمَّ اتَّفَقَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُوْلَ اللهِ! عَلِّمْنِي مِنْ هَذَا القَوْلِ.
فَمَسَحَ رَأْسِي، وَقَالَ: (يَرْحَمُكَ اللهُ، إِنَّكَ غُلَيِّمٌ مُعَلَّمٌ) .
هَذَا حَدِيْثٌ صَحِيْحُ الإِسْنَادِ (١) .
وَرَوَاهُ: أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَاصِمِ بنِ بَهْدَلَةَ، وَفِيْهِ زِيَادَةٌ، مِنْهَا:
فَلَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فِيْهِ ﷺ سَبْعِيْنَ سُوْرَةً، مَا نَازَعَنِي فِيْهَا بَشَرٌ.
وَرَوَاهُ: стр. 1892
إِبْرَاهِيْمُ بنُ الحَجَّاجِ السَّامِيُّ (١) ، عَنْ سَلاَمٍ أَبِي المُنْذِرِ، عَنْ عَاصِمٍ، وَفِيْهِ قَالَ:
فَأَتَيْتُهُ بِصَخْرَةٍ مُنْقَعِرَةٍ، فَحَلَبَ فِيْهَا.
قَالَ: فَأَسْلَمْتُ، وَأَتَيْتُهُ (٢) .
عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُوْسَى، وَغَيْرُهُ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيْلُ، عَنِ المِقْدَامِ بنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ سَعْدٍ، قَالَ:
كُنَّا مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ وَنَحْنُ سِتَّةٌ.
فَقَالَ المُشْرِكُوْنَ: اطْرُدْ هَؤُلاَءِ عَنْكَ، فَلاَ يَجْتَرِئُوْنَ عَلَيْنَا.
وَكُنْتُ أَنَا، وَابْنُ مَسْعُوْدٍ، وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ، وَرَجُلاَنِ نَسِيْتُ اسْمَهُمَا.
فَوَقَعَ فِي نَفْسِ النَّبِيِّ ﷺ مَا شَاءَ اللهُ، وَحَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ.
فَأَنْزَلَ اللهُ -تَعَالَى-: ﴿وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِيْنَ يَدْعُوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ﴾ [الأَنْعَامُ (٣) : ٥٢، ٥٣] .
رَوَاهُ: قَبِيْصَةُ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ المِقْدَامِ.
ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بنُ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ:
أَوَّلُ مَنْ جَهَرَ بِالقُرْآنِ بِمَكَّةَ بَعْدَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُوْدٍ (٤) .
أَبُو بَكْرٍ: عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ:
أَوَّلُ مَنْ قَرَأَ آيَةً عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ: عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُوْدٍ (٥) . стр. 1893
قُلْتُ: هَذَا مُؤَوَّلٌ، فَقَدْ صَلَّى قَبْلَ عَبْدِ اللهِ جَمَاعَةٌ بِالقُرْآنِ.
أَبُو دَاوُدَ فِي (سُنَنِهِ) : حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ:
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ آخَى بَيْنَ الزُّبَيْرِ وَابْنِ مَسْعُوْدٍ (١) .
وَرَوَى مِثْلَهُ: سُفْيَانُ بنُ حُسَيْنٍ، عَنْ يَعْلَى بنِ مُسلمٍ، عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
رَوَاهُ: الحَاكِمُ فِي (مُسْتَدْرَكِهِ (٢)) .
وَفِيْهِ: لِمُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ سَخْبَرَةَ (٣) ، قَالَ:
رَأَيْتُ ابْنَ مَسْعُوْدٍ آدَمَ، لَطِيْفَ الجِسْمِ، ضَعِيْفَ اللَّحْمِ.
قُلْتُ: أَكْثَرُ مَنْ آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُم مُهَاجِرِيٌّ وَأَنْصَارِيٍّ.
قَالَ مُوْسَى بنُ عُقْبَةَ: وَمِمَّنْ قَدِمَ مِنْ مُهَاجِرَةِ الحَبَشَةِ - الهِجْرَةِ الأُوْلَى إِلَى مَكَّةَ - عَلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ : عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُوْدٍ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى المَدِيْنَةِ.
يَحْيَى الحِمَّانِيُّ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ سَلَمَةَ بنِ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
مَا بَقِيَ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ إِلاَّ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهُمُ ابْنُ مَسْعُوْدٍ (٤) .
شُعْبَةُ: عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ:
سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُوْدٍ وَأَبَا مُوْسَى стр. 1894
حِيْنَ مَاتَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُوْدٍ، وَأَحَدُهُمَا يَقُوْلُ لِصَاحِبِهِ: أَتَرَاهُ تَرَكَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ؟
قَالَ: لَئِنْ قُلْتَ ذَاكَ، لَقَدْ كَانَ يُؤْذَنُ لَهُ إِذَا حُجِبْنَا، وَيَشْهَدُ إِذَا غِبْنَا.
يَحْيَى: عَنْ قُطْبَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مَالِكِ بنِ الحَارِثِ، عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ بِنَحْوِهِ (١) .
وَأَخْرَجَ البُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيْثِ أَبِي مُوْسَى، قَالَ:
قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنَ اليَمَنِ، فَمَكَثْنَا حِيْناً، وَمَا نَحْسِبُ ابْنَ مَسْعُوْدٍ وَأُمَّهُ إِلاَّ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ لِكَثْرَةِ دُخُوْلِهِم وَخُرُوْجِهِم عَلَيْهِ (٢) .
الأَعْمَشُ: عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي مُوْسَى، قَالَ:
وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ عَبْدَ اللهِ، وَمَا أَرَاهُ إِلاَّ عَبْدَ آلِ مُحَمَّدٍ (٣) ﷺ .
حَدَّثَنَا السِّلَفِيُّ (٤) ، حَدَّثَنَا الثَّقَفِيُّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ بِشْرَانَ، أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الجَبَّارِ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ، عَنِ الحَسَنِ بنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ إِبْرَاهِيْمَ بنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ يَزِيْدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ:
قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : (يَا عَبْدَ اللهِ! إِذْنُكَ عَلَيَّ أَنْ تَرْفَعَ الحِجَابَ، وَتَسْمَعَ سِوَادِي стр. 1895
حَتَّى أَنْهَاكَ (١)) .
رَوَاهُ: الثَّوْرِيُّ، وَزَائِدَةُ، عَنِ الحَسَنِ بنِ عُبَيْدِ اللهِ.
وَفِي لَفْظٍ: (أَنْ تَرْفَعَ السِّتْرَ، وَأَنْ تَسْتَمِعَ سِوَادِي) .
وَرَوَاهُ: سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ رَجُلٍ سَمَّاهُ، عَنْ إِبْرَاهِيْمَ بنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ.
وَهَذَا مُنْقَطِعٌ.
وَكَذَا رَوَاهُ: ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الحَسَنِ.
وَالسِّوَادُ: السِّرَارُ، وَقِيْلَ: المُحَادَثَةُ.
وَفِي (مُسْنَدِ أَحْمَدَ) : مِنْ طَرِيْقِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ عَمْرِو بنِ سَعِيْدٍ، عَنْ حُمَيْدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ:
قَالَ ابْنُ مَسْعُوْدٍ: كُنْتُ لاَ أُحْبَسُ عَنِ النَّجْوَى، وَعَنْ كَذَا، وَعَنْ كَذَا (٢) .
وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ، قَالَ:
كَانَ ابْنُ مَسْعُوْدٍ صَاحِبَ سِوَادِ رَسُوْلِ اللهِ - يَعْنِي سِرَّهُ - وَوِسَادِهِ - يَعْنِي فِرَاشَهُ - وَسِوَاكِهِ، وَنَعْلَيْهِ، وَطَهُوْرِهِ، وَهَذَا يَكُوْنُ فِي السَّفَرِ (٣) .
ابْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا المَسْعُوْدِيُّ، عَنِ القَاسِمِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ:
كَانَ عَبْدُ اللهِ يُلْبِسُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ يَمْشِي أَمَامَهُ بِالعَصَا، حَتَّى إِذَا أَتَى مَجْلِسَهُ نَزَعَ نَعْلَيْهِ، فَأَدْخَلَهُمَا فِي ذِرَاعِهِ، وَأَعْطَاهُ العَصَا، وَكَانَ يَدْخُلُ следующие страницы →