Полный текст (682 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
آخرون لم يجز لنا شراؤهم
(٥٨) وتجب الهجرة على من لم يقدر على إظهار دينه في دار
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
يجوز أن يملك ما سبي منهم كأهل الذمة، ويحتمل أن يجوز ذلك؛ لأنه لا يجب عليه أن يدفعه عنهم فلا يلزمه رد ما استنقذه منهم كما لو أعان أهل الحرب على أهل الحرب.
مسألة ٥٨: (وتجب الهجرة على من لم يقدر على إظهار دينه في دار الحرب، وتستحب لمن قدر على ذلك) قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٧] ولأن حكم الهجرة باق إلى يوم القيامة لا تنقطع، وقال ﷺ : «لا تنقطع الهجرة ما كان الجهاد» رواه سعيد وغيره، وعن معاذ بن جبل قال: " سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» أخرجه أبو داود،. فأما قوله ﷺ : «لا هجرة بعد الفتح» رواه سعيد فمعناه لا هجرة من مكة بعد فتحها، ولا هجرة من بلد بعد فتحه؛ لأن الهجرة الخروج من دار الكفر إلى دار الإسلام، وبعد الفتح صار البلد المفتوح دار إسلام فلا هجرة منه إذاً، ألا ترى أن النبي ﷺ قال ذلك لمن أراد الهجرة من مكة بعد فتحها، «فإن صفوان بن أمية قيل له بعد الفتح: إنه لا دين لمن لم يهاجر، فأتى المدينة، فقال له النبي ﷺ : "ما جاء بك أبا وهب؟ قال: قيل: إنه لا دين لمن لم يهاجر، قال: ارجع أبا وهب إلى أباطح مكة. أقروا على مساكنكم فقد انقطعت الهجرة، ولكن جهاد ونية» يعني من مكة، إذا ثبت هذا، فالناس في الهجرة على ثلاثة أضرب:
أحدها: من تجب عليه، وهو من لا يمكنه إظهار دينه، ولا عذر له من مرض ولا عجز عن الهجرة، فهذا تجب عليه للآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [النساء: ٩٧] ، ولأن القيام بواجب الدين واجب ولا يتمكن منه إلا بالهجرة، وما
стр. 632
الحرب، وتستحب لمن قدر على ذلك
(٥٩) ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار، إلا من بلد بعد فتحه
باب الجزية ولا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب وهم اليهود ومن دان بالتوراة، والنصارى ومن
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
لا يتمكن من الواجب إلا به واجب لكونه من ضرورة الواجب.
الثاني: من تستحب له الهجرة، وهو من يتمكن من إظهار دينه في دار الحرب والقيام بواجبه، إما لقوة عشيرته أو غير ذلك، فهذا لا تجب عليه لإمكان إقامة واجب دينه، وتستحب له؛ لأن في إقامته عندهم تكثيراً لعددهم واختلاطاً بهم ورؤية المنكر بينهم.
الثالث: من تسقط عنه الهجرة، وهو من يعجز عنها إما لمرض أو إكراه على الإقامة أو ضعف، فهذا لا تجب عليه ولا يوصف باستحباب، لقوله سبحانه: ﴿إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ [النساء: ٩٨] ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩] .
مسألة ٥٩: (ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار، إلا من بلد بعد فتحه) لما سبق.
[باب الجزية]
(ولا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب وهم اليهود ومن دان بالتوراة، والنصارى ومن دان بالإنجيل، والمجوس إذا التزموا أداء الجزية وأحكام الملة) والأصل في الجزية الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قوله ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وأما السنة «فروى المغيرة أنه قال لجند كسرى يوم نهاوند: " أمرنا نبينا ﷺ أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية» أخرجه البخاري. وأجمع المسلمون على جواز أخذ الجزية في الجملة، واشتقاقها من جزى يجزي إذا قضى، تقول العرب: جزيت ديني إذا قضيته، وقال الله سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] أي لا تقضي. والذين تقبل منهم الجزية صنفان: أهل الكتاب، ومن له شبهة كتاب. فأهل الكتاب اليهود والنصارى ومن دان بدينهم كالسامرة يدينون بالتوراة، وإنما خالفوا اليهود في فروع دينهم، وفرق النصارى
стр. 633
دان بالإنجيل، والمجوس إذا التزموا أداء الجزية وأحكام الملة
(٦١) ومتى طلبوا ذلك لزم إجابتهم وحرم قتالهم
(٦٢) وتؤخذ الجزية في رأس كل حول
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
من اليعقوبية والنسطورية والملكية والإفرنج والروم والأرمن وغيرهم ممن دان بالإنجيل وانتسب إلى عيسى، فجميعهم من أهل الإنجيل وإن اختلفت فروعهم، والصابئون قال أحمد: هم جنس من النصارى، وقال: بلغني أنهم يسبتون فهم من اليهود، وروي عن عمر أنهم يسبتون. وقال مجاهد: هم بين اليهود والنصارى، وأما من لهم شبهة كتاب كالمجوس، قال الشافعي: كان لهم كتاب فرفع، وقد أخذ رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر منهم الجزية، وروى البخاري بإسناده عن بجالة قال: «ولم يكن عمر أخذ الجزية من مجوس حتى حدثه عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من المجوس هجر» . إذا ثبت هذا فإن أهل العلم من الحجاز والعراق والشام ومصر وغيرهم أجمعوا على أخذ الجزية من أهل الكتاب والمجوس مع ما فيه من الآثار الصحيحة، وعمل بها الخلفاء الراشدون، ثم جرت به السنة إلى يومنا هذا.
١ -
مسألة ٦٠: (وإنما تقبل منهم الجزية إذا كانوا مقيمين على ما عاهدوا عليه من بذل الجزية والتزام أحكام الملة، فإن نقضوا العهد بمخالفة شيء من ذلك صاروا حرباً لزوال عهدهم، ولم تؤخذ منهم جزية بعد ذلك. ولا يجوز عقد الذمة إلا بشرطين:
أحدهما: أن تجعل عليهم جزية في كل حول.
والثاني: أن يلتزموا أحكام الإسلام، لقوله سبحانه: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] وإنما يحصل الصغار بذلك.
مسألة ٦١: (ومتى طلبوا ذلك لزم إجابتهم وحرم قتالهم) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قوله - ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فجعل إعطاء الجزية غاية لقتالهم، فمتى بذلوها لم يجز قتالهم. وقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] يعني حتى يلتزموا إعطاءها فلا يعتبر حقيقة الإعطاء كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ٥] معناه التزموا ذلك بالإجماع، كذا هاهنا.
مسألة ٦٢: (وتؤخذ الجزية في رأس كل حول) ؛ لأنه مال يتكرر بتكرر الحول فلا تجب إلا بأوله كالزكاة والدية.
стр. 634
(٦٣) من الموسر ثمانية وأربعون درهماً، ومن المتوسط أربعة وعشرون درهماً، ومن دونه اثنا عشر درهماً
(٦٤) ولا جزية على صبي ولا امرأة ولا شيخ فان ولا زمن ولا أعمى ولا عبد (٦٥) ولا فقير عاجز عنها
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٦٣: وتؤخذ (من الموسر ثمانية وأربعون درهماً، ومن المتوسط أربعة وعشرون درهماً، ومن دونه اثنا عشر درهماً) ؛ لأن عمر ﵁ أخذها منهم كذلك، وقد روي عن أحمد أن الجزية مقدرة بمقدار لا يزيد ولا ينقص، وعنه أنها غير مقدرة منهم كذلك، بل ذلك مردود إلى اجتهاد الإمام في الزيادة والنقصان، قال الخلال: العمل في قول أبي عبد الله على ما رواه الجماعة، فإنه لا بأس للإمام أن يزيد في ذلك وينقص، رواه عنه أصحابه في عشرة مواضع فاستقر قوله على ذلك، ودليله «أن النبي ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: خذ من كل حالم ديناراً ولم يفصل» ، رواه أبو داود،. «وصالح أهل نجران على ألفي حلة: النصف في صفر، والنصف في رجب» رواه أبو داود، وعمر جعل أهل الجزية ثلاث طبقات: الغني ثمانية وأربعون درهماً، والمتوسط أربعة وعشرون درهماً، والفقير اثنا عشر درهماً. ولأنها عوض فلم تقدر كالأجرة، وعنه أن أقلها مقدر بدينار، وأعلاها غير مقدر، وهو اختيار أبي بكر فتجوز الزيادة ولا يجوز النقصان؛ لأن عمر زاد على ما فرض النبي ﷺ على أهل اليمن ولم ينقص منه، ووجه الرواية الأولى أن النبي ﷺ فرضها مقدرة وعمر فرضها مقدرة وكان ذلك بمشهد من الصحابة فكان إجماعاً.
مسألة ٦٤: (ولا جزية على صبي ولا امرأة ولا شيخ فان ولا زمن ولا أعمى ولا عبد ولا فقير عاجز عنها) . لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن الجزية إنما تجب على الرجل العاقل ولا تجب على صبي ولا مجنون ولا امرأة، وقد دل عليه «قول النبي ﷺ لمعاذ: "خذ من كل حالم ديناراً» وكتب عمر إلى أمراء الأجناد أن أضربوا الجزية، ولا تضربوها على النساء والصبيان، ولا تضربوها إلا على من جرت عليه المواسي، رواه سعيد. ولأن الجزية تؤخذ لحقن الدم وهؤلاء محقونون بدونها وكذلك الشيخ والزمن والأعمى لا جزية عليهم لذلك، ولا تجب على عبد؛ لأن ما يجب على العبد إنما يؤديه سيده فيؤدي إلى إيجاب الجزية على المسلم، وهذا مجمع عليه، وكذلك إن كان السيد ذمياً، قال ابن المنذر: " اجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنه لا جزية على العبد " ووجهه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا جزية على العبد» . وعن ابن عمر مثله، ولأن
стр. 635
(٦٦) ومن أسلم بعد وجوبها سقطت عنه
(٦٧) وإن مات أخذت من تركته
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مال فلم تجب عليه الجزية كسائر الحيوانات، ولأنه محقون الدم فلا تجب عليه الجزية كالصبيان، وعنه تجب عليه الجزية يؤديها سيده لما روي أن عمر ﵁ قال: "لا تشتروا من رقيق أهل الذمة ولا مما في أيديهم، لأنهم أهل خراج يبيع بعضهم على بعض، ولا يقرن أحدكم بالصغار بعد إذ أنقذه الله منه "، وروي نحوه عن علي، قال أحمد: أراد عمر أن يوفر الجزية؛ لأن المسلم إذا اشتراه سقط عنه إذاً ما يؤخذ منه، والذمي يؤدى عنه وعن مملوكه خراج جماجمهم، ولأنه ذكر مكلف قوي مكتسب فوجبت عليه الجزية كالحر.
١ -
مسألة ٦٥: (ولا تجب على فقير عاجز عنها) لقوله سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وهذا عاجز عنها، ولأن عمر جعل الجزية على طبقات أدناها على الفقير المعتمل فدل على أن غير المعتمل لا شيء عليه، ولأنه مال يجب بحلول الحول فلا يلزم الفقير كالزكاة والعقل.
مسألة ٦٦: (ومن أسلم بعد وجوبها سقطت عنه) لقوله سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] ، وروى ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «ليس على المسلم جزية» رواه الخلال، قال أحمد: وقد روي عن عمر أنه قال: "إن أخذها في كفه ثم أسلم ردها عليه، وعنه ﷺ : «لا ينبغي للمسلم أن يؤدي الجزية» وروي أن ذمياً أسلم فطولب بالجزية، وقيل إنما أسلمت تعوذاً قال: إن في الإسلام معاذاً، فقال عمر: إن في الإسلام معاذاً، وكتب: لا تؤخذ منه الجزية، رواه أبو عبيد بنحو من هذا المعنى، ولأن الجزية صغار فلا تؤخذ منه كما لو أسلم قبل الحلول، ولأنها عقوبة بسبب الكفر فيسقطها الإسلام كالقتل، وبهذا فارق سائر الديون.
مسألة ٦٧: (وإن مات أخذت من تركته) يعني يموت على كفره فلا تسقط عنه في ظاهر كلام أحمد ﵀، وحكى أبو الخطاب عن القاضي أنه قال: تسقط بالموت
стр. 636
(٦٨) ومن اتجر منهم إلى غير بلده ثم عاد أخذ منه نصف العشر
(٦٩) وإن دخل إلينا تاجر حربي أخذ منه العشر
(٧٠) ومن نقض العهد بامتناعه من التزام الجزية وأحكام الملة أو قتال المسلمين ونحوه أو الهرب إلى دار الحرب حل دمه وماله
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
لأنها عقوبة فتسقط بالموت كالحدود، ولنا أنها دين وجب عليه في حياته فلم يسقط بعد الموت كديون الآدميين، والحد يسقط بفوات محله وتعذر استيفائه بخلاف الجزية.
مسألة ٦٨: (ومن اتجر منهم إلى غير بلده ثم عاد أخذ منه نصف العشر) اشتهر هذا عن عمر ﵁ وصحت الرواية عنه به وقال النبي ﷺ : «إنما العشور على اليهود والنصارى، وليس على المسلمين عشور» رواه أبو داود. وروى الإمام أحمد عن أنس بن سيرين قال: بعثني أنس بن مالك إلى العشور فقلت: تبعثني إلى العشور من بين عمالك؟ فقال: أما ترضى أن أجعلك على ما جعلني عليه عمر بن الخطاب ﵁، أمرني أن آخذ من المسلمين ربع العشر، ومن أهل الذمة نصف العشر. وهذا كان بالعراق، وروى أبو عبيد في الأموال أن عمر بعث عثمان بن حنيف إلى الكوفة فجعل على أهل الذمة في أموالهم التي يختلفون فيها في كل عشرين درهماً درهماً، وقال الشافعي: لا يؤخذ من أهل الذمة إلا الجزية، وما ذكرناه حجة عليهم. والله أعلم.
مسألة ٦٩: (وإن دخل إلينا تاجر حربي أخذ منه العشر) قال أبو حنيفة: لا يؤخذ منهم شيء، إلا أن يكونوا يأخذون منا شيئاً فيؤخذ منهم مثله. ولنا أن عمر ﵁ أخذ منهم العشر واشتهر ذلك بين الصحابة وعمل به الخلفاء بعده فكان إجماعاً. ولا يعشر في السنة إلا مرة؛ لأنه حق يؤخذ من التجارة فلا يؤخذ في السنة إلا مرة كالزكاة، وأهل الذمة كذلك.
مسألة ٧٠: (ومن نقض العهد بامتناعه من التزام الجزية وأحكام الملة أو قتال المسلمين ونحوه أو الهرب إلى دار الحرب حل دمه وماله) لأن في كتاب عبد الرحمن بن غنم الذي فيه شرائط أهل الذمة على أنفسهم: وإن نحن غيرنا وخالفنا عما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا وقد حل لكم منا ما يحل من أهل المعاندة والشقاق" فزاد عليهم عمر: "ومن ضرب مسلماً عمداً فقد خلع عهده " فظاهره أنه متى نقض شيئاً من ذلك انتقض عهده وحل دمه وماله، وهو ظاهر كلام الخرقي، ولأنه عقد بشرط فمتى لم
стр. 637
(٧٢) ولا ينتقض عهد نسائه وأولاده بنقضه، إلا أن يذهب بهم إلى دار الحرب
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
يوجد الشرط زال حكم العقد، كما لو امتنع من التزام الأحكام فإنه إذا امتنع منها وقد حكم بها حاكم، أو من ترك الجزية، انتقض عهده من غير خلاف في المذهب، وفي معناهما قتالهم للمسلمين منفردين أو مع أهل الحرب؛ لأن إطلاق الأمان لا يقتضي ذلك، فإذا فعلوه نقضوا الأمان لأنهم إذا قاتلوا لزمنا قتالهم وذلك ضد الأمان، وبقية الشروط في بعضها روايتان، وفي بعضها لا ينتقض عهدهم بمخالفتها بحال؛ لأنه لا ضرر فيها على مسلم ولا ينافي عقد الذمة سواء شرط عليهم أو لم يشرط، وقد روي أن عمر ﵁ رفع إليه رجل قد أراد استكراه امرأة مسلمة على الزنا، فقال: ما على هذا صالحناكم، وأمر به فصلب في بيت المقدس، ولأن فيه ضرراً على المسلمين فأشبه الامتناع من بذل الجزية. وقال أبو حنيفة: لا ينتقض العهد إلا بالامتناع من الإمام على وجه يتعذر به أخذ الجزية منهم، وما ذكرناه من حديث عمر حجة عليه.
١ -
مسألة ٧١: ومن هرب منهم إلى دار الحرب حل دمه وماله، قال الخرقي: ومن هرب من ذمتنا إلى دار الحرب ناقضاً للعهد عاد حربياً؛ لأنه إذا فعل ذلك صار حكمه حكم أهل الحرب وحل دمه وماله كأهل الحرب، ومتى قدر عليه أبيح قتله وأسره وأخذ ماله كأهل الحرب سواء.
مسألة ٧٢: (ولا ينتقض عهد نسائه وأولاده بنقضه، إلا أن يذهب بهم إلى دار الحرب) وإنما ينتقض عهدهم؛ لأن النقض إنما وجد منه ولم يوجد منهم فيبقون على العهد ولا يحل سبيهم ولا التعرض لهم في المعنى، فإن كانت ذريته معه لم تستبرأ؛ لأن النقض إنما وجد منه دونهم.
стр. 638
كتاب القضاء وهو فرض كفاية يلزم الإمام نصب من يكتفي به في القضاء
(١) ويجب على من يصلح له إذا طلب منه ولم يوجد غيره الإجابة إليه وإن وجد غيره فالأصل تركه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
[كتاب القضاء]
(وهو فرض كفاية يلزم الإمام نصب من يكتفي به في القضاء) ودليل أنه فرض كفاية أن أمر الناس لا يستقيم بدونه فكان واجباً عليهم كالجهاد والإمامة.
قال أحمد: لا بد للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟ وإنما ينصبه الإمام؛ لأن أمره إليه وهو نائب عنه.
مسألة ١: (ويجب على من يصلح له إذا طلب منه ولم يوجد غيره الإجابة إليه) . والناس في القضاء على ثلاثة أضرب:
منهم: من يجب عليه وهو من يصلح له ولا يوجد سواه فيتعين عليه؛ لأنه فرض كفاية لا يقدر على القيام به غيره فيتعين عليه كغسل الميت وتكفينه، وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه لا يتعين، فإنه سئل: هل يأثم القاضي إذا لم يوجد غيره؟ قال: لا يأثم، فيحتمل أن يحمل على ظاهره في أنه لا يجب عليه لما فيه من الخطر، ويحتمل أن يحمل على ما إذا لم يمكنه القيام بالواجب لظلم السلطان أو غيره، فإن أحمد قال: لا بد للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟ والأمر على ما قال.
والضرب الثاني: من يجوز له ولا يجب عليه وهو أن يكون من أهل العدالة والاجتهاد ويوجد غيره مثله فله أن يلي القضاء ولا يجب عليه؛ لأنه لم يتعين له، وظاهر كلام أحمد أنه لا يستحب له الدخول فيه فيكون الأفضل له تركه لما فيه من الخطر والغرر، ولما في تركه من السلامة، ولما ورد فيه من التشديد والذم، ولأن طريقة السلف الامتناع منه والتوقي له، وقد أراد عثمان تولية ابن عمر القضاء فأباه.
والضرب الثالث: من لا يجوز له الدخول فيه وهو من لا يحسنه ولم تجتمع فيه
стр. 639
(٢) ومن شرطه أن يكون رجلاً حراً مسلماً سميعاً بصيراً متكلماً عدلاً عالماً
(٣) ولا يجوز له أن يقبل رشوة
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
شروطه، وقد روى «أن النبي ﷺ قال: القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار فذكر إلى أن قال: ورجل قضى بين الناس بجهل فهو في النار» (رواه الترمذي) .
مسألة ٢: (ومن شرطه أن يكون رجلاً حراً مسلماً سميعاً بصيراً متكلماً عدلاً عالماً) فهي ثمانية شروط:
الأول: كونه رجلاً فتجتمع الذكورية والبلوغ؛ لأن الصبي لا قول له والمرأة ناقصة العقل قليلة الرأي ليست أهلاً لحضور الرجال ومحافل الخصوم.
الثاني: أن يكون حراً؛ لأن ذلك من أوصاف الكمال ولأن العبد مختلف في قبول شهادته.
الثالث: أن يكون مسلماً؛ لأن الكفر ينافي العدالة، ولا خلاف في اعتبار الإسلام.
الرابع: أن يكون سميعاً يسمع الإقرار من المقر والإنكار من المنكر والشهادة من الشاهد.
الخامس: أن يكون بصيراً ليعرف المدعي من المدعى عليه والمقر من المقر له والشاهد من المشهود عليه.
السادس: أن يكون متكلماً لينطق بالفصل بين الخصوم.
السابع: أن يكون عدلاً فلا يصح أن يكون فاسقاً؛ لأنه لا يكون شاهداً فأولى ألا يكون قاضياً.
الثامن: أن يكون عالماً مجتهداً ليحكم بالعلم، لقوله سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ولم يقل بالتقليد، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] وروى بريدة عن النبي ﷺ قال: «القضاة ثلاثة: رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى بين الناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار» رواه ابن ماجه، ولأن الحكم آكد من الفتيا؛ لأنه فتيا وإلزام، ثم المفتي لا يجوز أن يكون عامياً مقلداً فالحاكم أولى.
مسألة ٣: (ولا يجوز له أن يقبل رشوة ولا هدية) وذلك أن الرشوة في الحكم حرام بلا خلاف، قال الله سبحانه: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] قال الحسن وسعيد بن جبير في تفسيره:
стр. 640
(٤) ولا هدية ممن لم يكن يهديه إليه
(٥) ولا الحكم قبل معرفة الحق
(٦) فإن أشكل عليه شاور فيه أهل العلم والأمانة
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
هو الرشوة، وقال مسروق: إذا قبل القاضي الهدية أكل السحت، وإذا قبل الرشوة بلغت به الكفر، وقد روى عبد الله بن عمر قال: «لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي» قال الترمذي: حديث حسن صحيح ورواه أبو هريرة وزاد "في الحكم"، ورواه أبو بكر في زاد المسافر وزاد "والرائش" والرائش السفير بينهما، ولأن المرتشي إنما يرتشي ليحكم بغير الحق أو ليوقف الحق عنه؛ وذلك من أعظم الظلم، قال كعب: الرشوة تسفه الحليم، وتعمي عين الحكيم.
مسألة ٤: ولا يقبل هدية (ممن لم يكن يهدي إليه) يعني قبل ولايته، ولأن حدوث الهدية عند حدوث الولاية يدل على أنها من أجلها ليتوصل إلى ميل الحاكم معه على خصمه، فأما إن كانت بينهما مهاداة متقدمة جاز قبولها منه بعد الولاية لأنها لم تكن من أجل الولاية، وذكر القاضي أنه يستحب له التنزه عنها أيضاً إلا أن يخشى أن يقدمها بين يدي حكومة أو تكون في حال الحكومة فإنه يحرم أخذها في هذه الحال لأنها كالرشوة.
مسألة ٥: (ولا يجوز له الحكم قبل معرفة الحق) ؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] ومن لم يعرف الحق كيف يحكم به.
مسألة ٦: (فإن أشكل عليه شاور فيه أهل العلم والأمانة) ، لقوله سبحانه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قال الحسن: إن كان رسول الله ﷺ لغنياً عن مشاورتهم، وإنما أراد أن يستن بذلك الحاكم بعده، وقد شاور رسول الله ﷺ أصحابه في أسارى بدر، وفي مصالحة الكفار يوم الخندق، وفي لقاء الكفار يوم بدر. وروي: ما كان أحد أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ . وشاور أبو بكر الناس في الجدة، وشاور عمر في دية الجنين، ولا مخالف في استحباب ذلك؛ لأنه قد ينتبه بالمشاورة، ويتذكر ما نسيه بالمذاكرة، وقد ينتبه لإصابة الحق ومعرفة الحادثة من هو دون القاضي فكيف من يساويه، وقال أحمد: لما ولي سعد بن إبراهيم قضاء المدينة كان يجلس بين القاسم وسالم يشاورهما، ولما ولي محارب بن دثار قضاء الكوفة كان يجلس بين الحكم وحماد يشاورهما، وما أحسن هذا لو كان الحكام يفعلونه يشاورون وينتظرون.
стр. 641
(٧) ولا يحكم وهو غضبان
(٨) ولا في حال يمنع استيفاء الرأي
(٩) ولا يتخذ في مجلس الحكم بواباً
(١٠) ويجب العدل بين الخصمين في الدخول عليه والمجلس والخطاب
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٧: (ولا يحكم وهو غضبان) لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في ذلك، وكتب أبو بكرة إلى ابنه عبد الله بن أبي بكرة وهو قاض بسجستان أن لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان» متفق عليه.
مسألة ٨: (ولا يحكم في حال يمنع استيفاء الرأي) فقد روي عن عمر ﵁ أنه كتب إلى أبي موسى إياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس " وفي معنى الغضب كل ما يشغل فكره من الجوع المفرط والعطش الشديد والوجع المزعج ومدافعة الأخبثين وشدة النعاس والهم والغم والحزن والفرح، فهذه كلها تمنع استيفاء الرأي الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغالب فهي في معنى الغضب المنصوص عليه فتجري مجراه.
مسألة ٩: (ولا يتخذ في مجلس الحكم بواباً) ؛ لأنه ربما منع صاحب الحاجة من الدخول عليه.
مسألة ١٠: (ويعدل بين الخصمين في الدخول عليه والمجلس والخطاب) ، وروى عمر بن شيبة في كتاب القضايا بإسناده «عن أم سلمة أن النبي ﷺ قال: من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لفظه وإشارته ومقعده، ولا يرفعن صوته على أحد الخصمين ما لا يرفعه على الآخر» (رواه الدارقطني) وفي رواية «فليسو بينهم في النظر والمجلس والإشارة» وفي كتاب عمر إلى أبي موسى واس بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك، حتى لا ييأس الضعيف من عدلك، ولا يطمع الشريف في حيفك (رواه الدارقطني) ، ولأن الحاكم إذا ميز أحد الخصمين على الآخر حصر وانكسر وربما لم يقم حجته، فأدى ذلك إلى ظلمه. إذا ثبت هذا فإنه يجلس الخصمين بين يديه، لما روي «أن النبي ﷺ قضى أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم» رواه أبو داود، ولأن ذلك أمكن للحاكم في الإقبال عليهما والنظر في خصومتهما.
стр. 642
باب صفة الحاكم (١١) إذا جلس إليه الخصمان فادعى أحدهما على الآخر لم تسمع الدعوى إلا محررة تحريراً يعلم به المدعى عليه، فإن كان دينا ذكر قدره وجنسه، وإن كان عقارا ذكر موضعه وحده، وإن كان عينا حاضرة عينها، وإن كانت غائبة ذكر جنسها وقيمتها
(١٢) ثم يقول لخصمه: ما تقول فإن أقر حكم للمدعي
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
[باب صفة الحاكم]
باب صفة الحكم مسألة ١١: (وإذا جلس إليه الخصمان فادعى أحدهما على الآخر لم يسمع الدعوى إلا محررة تحريراً يعلم به المدعى عليه) لأن الحاكم يسأل المدعى عليه عما ادعاه، فإن اعترف به ألزمه، ولا يمكنه أن يلزمه مجهولاً. وإذا ثبت هذا (فإن كان المدعى أثماناً فلا بد من ذكر الجنس والنوع) فيقول عشرة دنانير مصرية، وإن كان عيناً تنضبط بالصفة كالحبوب والثياب والحيوان فلا بد من ذكر الصفات التي تشترط في المسلم، وإن كان المدعى تالفاً مما له مثل ادعى المثل وضبط بصفته، وإن كان مما لا مثل له ادعى قيمته لأنها تجب بتلفه، (وإن كان المدعى عقاراً ذكر موضعه وحدوده) وأنه في يده ظلماً وأنا أطالبه برده علي، (وإن كان المدعى عيناً حاضرة عينها) بالإشارة إليها، (وإن كانت غائبة ذكر بيان جنسها وقيمتها) لما ذكرناه. فإن لم يحسن المدعي تحرير الدعوى فهل للحاكم تلقينه تحريرها؟ يحتمل وجهين:
أحدهما: يجوز لأنه لا ضرر على خصمه في ذلك.
والثاني: لا يجوز لأن فيه إعانة أحد الخصمين في حكومته.
مسألة ١٢: (ثم يقول لخصمه: ما تقول) فإنه يجوز للحاكم أن يسأل خصمه الجواب قبل أن يطلب منه المدعي ذلك؛ لأن شاهد الحال يدل عليه؛ لأن إحضاره والدعوى إنما تراد ليسأل الحاكم المدعى عليه فقد أغنى ذلك عن سؤاله، فعند ذلك يقول الحاكم للمدعى عليه: ما تقول فيما يدعيه؟ (فإن أقر حكم للمدعي) إن سأله المقر له، وإن لم يسأله لم يحكم به؛ لأن الحكم عليه حق له فلا يستوفيه إلا بمسألة مستحقة، فأما
стр. 643
(١٣) وإن أنكر لم يخل من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون في يد أحدهما، فيقول للمدعي: ألك بينة؟ فإن قال: نعم وأقامها حكم له بها، وإن لم تكن له بينة قال: فلك يمينه، فإن طلبها استحلفه وبرئ، لقول رسول الله ﷺ : «لو أعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه»
(١٤) وإن نكل عن اليمين وردها على المدعي استحلفه وحكم له
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
إذا سأله فقال: احكم لي، فإنه يحكم له حينئذ، والحكم أن يقول: قد ألزمتك ذلك، أو قضيت عليك له، أو يقول: أخرج له منه، فيكون ذلك حكماً عليه.
مسألة ١٣: (وإن أنكر لم يخل من ثلاثة أقسام: أحدها أن تكون في يد أحدهما) يعني العين المدعاة، (فيقول الحاكم للمدعي: ألك بينة؟) لما روي «أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ حضرمي وكندي، فقال الحضرمي: يا رسول الله ﷺ إن هذا غلبني على أرض لي. فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي، فليس له فيها حق. فقال النبي ﷺ للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك يمينه» (رواه أبو داود) وهو حديث صحيح. (وإن قال: نعم لي بينة وأقامها حكم له بها) بدليل الحديث، ولأن البينة كالإقرار، إذا لو أقر حكم عليه، (وإن لم يكن له بينة قال له: فلك يمينه) كما قال النبي ﷺ للحضرمي. وليس للحاكم أن يستحلفه قبل مسألة المدعي؛ لأن اليمين حق له فلم يجز استيفاؤها من غير مسألة مستحقها كنفس الحق، (وإن طلب إحلافه استحلفه وبرئ، «لقول النبي ﷺ : لو أعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه» .
مسألة ١٤: (وإن نكل عن اليمين) قضى عليه بنكوله، لما روي أن ابن عمر باع زيد بن ثابت عبداً. فادعى عليه زيد أنه باعه إياه عالماً بعيبه، فأنكر ابن عمر، فتحاكما إلى عثمان، فقال له عثمان: احلف أنك ما علمت به عيباً، فأبى أن يحلف، فرد عليه العبد، ولأن النبي ﷺ قال: «اليمين على المدعى عليه» فحصرها في جنبته فلم تشرع لغيره.
стр. 644
(١٥) وإن نكل أيضاً صرفهما
(١٦) وإن لكل واحد منهما بينة حكم بها للمدعي
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
وعند أبي الخطاب لا يحكم بالنكول ولكن ترد اليمين على المدعى، وقال: قد صوبه أحمد وقال: ما هو ببعيد يحلف ويأخذ. فيقال للناكل: لك رد اليمين على المدعي، (فإن ردها على المدعي استحلفه وحكم له) وهو قول أهل المدينة، روي عن علي ﵁، لما روى نافع عن ابن عمر: «أن النبي ﷺ رد اليمين على طالب الحق» رواه الدارقطني.
مسألة ١٥: (وإن نكل أيضاً صرفهما) ؛ لأن يمين كل واحد منهما بطلت بنكوله عنها فقد أبطلا حجتهما باختيارهما، فإن عاد أحدهما فبذل اليمين لم يسمعها في ذلك المجلس؛ لأنه أسقط حقه منها، فإن عاد في مجلس آخر فاستأنف الدعوى أعيد الحكم بينهما كالأول، فإن بذل اليمين حكم بها لأنها يمين في دعوى أخرى.
مسألة ١٦: (وإن كان لكل واحد منهما بينة حكم بها للمدعي) ببينته، وتسمى بينة الخارج، وبينة المدعى عليه تسمى بينة الداخل، وقد اختلف عن أحمد فيما إذا تعارضا، فعنه تقدم بينة المدعي ولا تسمع بينة المدعى عليه بحال، وعنه تقدم بينة المدعى عليه بكل حال؛ لأن جنبة الداخل أقوى، بدليل أن يمينه تقدم على يمين المدعي، فإذا تعارضت البينتان وجب تقديمه كما لو لم يكن لهما بينة، وعنه إن شهدت بينة الداخل بسبب الملك فقالت: نتجت في ملكه أو كانت أقدم تاريخاً قدمت بينته لأنها إذا شهدت بالسبب فقد أفادت ما لا تفيده اليد، وقد روي عن جابر بن عبد الله: «أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في دابة أو بعير، فأقام كل واحد منهما البينة أنها له أنتجها، فقضى بها رسول الله ﷺ للذي هي في يده» ووجه الأولى قول النبي ﷺ : «البينة على المدعي» فجعل جنس البينات في جنبة المدعي فلا يبقى في جنبة المنكر بينة، ولأن بينة المدعي أكثر فائدة بدليل أنها تثبت شيئاً لم يكن، وبينة المدعى عليه إنما تثبت ظاهراً دلت اليد عليه فلم تكن مفيدة، فوجب تقديم ما كان أكثر فائدة على غيره، ولأنه تجوز الشهادة بالملك لرؤية اليد والتصرف فجائز أن تكون مستند بينة اليد فصارت بمنزلة اليد المفردة فتقدم عليها بينة المدعي كما تقدم على اليد، كما أن شاهدي الفرع لما كان مبنيين على شاهدي الأصل " لم تكن لهما مزية على شاهدي الأصل " كذا هاهنا.
стр. 645
(١٧) فإن أقر صاحب اليد لغيره صار المقر له الخصم فيها، وقام مقام صاحب اليد فيما ذكرنا.
الثاني: أن تكون في يديهما، فإن كانت لأحدهما بينة حكم له بها
(١٨) وإن لم يكن لواحد منهما بينة أو لهما بينتان قسمت بينهما وحلف كل واحد منهما على النصف المحكوم له به
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ١٧: (وإن أقر صاحب اليد لغيره صار المقر له الخصم فيها وقام مقام صاحب اليد في كل ما ذكرنا) .
(الثاني: أن تكون العين في يديهما، فإن كانت لأحدهما بينة حكم له بها) لأنها كالإقرار لا نعلم في ذلك خلافاً.
مسألة ١٨: (وإن لم يكن لواحد منهما بينة حلف كل واحد منهما لصاحبه) وجعلت بينهما نصفين؛ لأن كل واحد منهما يده على نصفها، والقول قول صاحب اليد مع يمينه، وإن نكلا عن اليمين قضى عليهما بالنكول وجعلت بينهما نصفين لكل واحد منهما النصف الذي كان في يد صاحبه. وإن نكل أحدهما وحلف الآخر قضى له بجميعها.
١ -
مسألة ١٩: وإن أقام كل واحد منهما بينة وتساويا تعارضت البينتان وقسمت العين بينهما نصفين، لما روى أبو موسى الأشعري: «أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في بعير فأقام كل واحد منهما شاهدين فقضى رسول الله ﷺ بالبعير بينهما نصفين» ذكره ابن المنذر، ورواه أبو داود، وقال أبو الخطاب: وفيه رواية أخرى يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف أنها له لا حق لغيره فيها، وكانت العين له كما لو كانت في يد غيرهما، قال الخرقي: ويحلف كل واحد منهما على النصف المحكوم له به، ولأن البينتين لما تعارضتا - من غير ترجيح - وجب إسقاطهما كالخبرين إذا تعارضا، ولأنه لا يمكن الجمع بينهما لتنافيهما، ولا تتعين إحداهما؛ لأنه تحكم لا دليل عليه فلم يبق إلا إسقاطهما، ولكل واحد منهما النصف الذي يده عليه مع يمينه كما لو لم تكن بينة، وعنه أن العين تقسم بينهما من غير يمين لظاهر الحديث الذي رويناه، ولأننا قد قررنا أن بينة
стр. 646
(٢٠) وإن ادعاها أحدهما وادعى الآخر نصفها ولا بينة قسمت بينهما، واليمين على مدعي النصف
(٢١) وإن كانت لهما بينتان حكم بها لمدعي الكل.
الثالث: أن تكون في يد غيرهما، وإن أقر بها لأحدهما أو لغيرهما صار المقر له كصاحب اليد، وإن أقر لهما صارت كالتي في يديهما
(٢٢) وإن قال لا أعرف صاحبها منهما ولأحدهما بينة فهي له، وإن لم يكن لهما بينة، أو لكل واحد منهما بينة استهما على اليمين، فمن خرج سهمه حلف وأخذها
باب في تعارض الدعاوى (٢٣) إذا تنازعا قميصاً أحدهما لابسه والآخر آخذ بكمه فهو للابسه
(٢٤) وإن تنازعا دابة أحدهما راكبها أو له عليها حمل فهي له
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الخارج مقدمة وكل واحد منهما داخل في نصف العين خارج في نصفها الآخر فتقدم بينة النصف للذي في يد صاحبه ولا يحتاج إلى يمين، وتقدم بينة صاحبه في النصف الآخر.
مسألة ٢٠: (فإن ادعاها أحدهما وادعى الآخر نصفها ولا بينة قسمت بينهما، واليمين على مدعي النصف) ؛ لأن يده على النصف فالقول قوله فيه مع يمينه ويد مدعي الكل على النصف الآخر ولا منازع له فيه فيبقى في يده بغير يمين.
مسألة ٢١: (وإن كانت لهما بينتان حكم بها لمدعي الكل) لأنهما تعارضا في النصف فيكون النصف لمدعي الكل لا تنازع، والنصف الآخر ينبني على الخلاف في أي البينتين تقدم، وظاهر المذهب تقدم بينة المدعي فتكون الدار كلها للمدعي جميعها.
(الثالث: أن تكون في يد غيرهما، فإن أقر بها لأحدهما أو لغيرهما صار المقر له كصاحب اليد) وقد مضى الكلام فيه (وإن أقر لهما صارت كالتي في أيديهما) وقد مضت.
مسألة ٢٢: (وإن قال: لا أعرف صاحبها منهما ولأحدهما بينة فهي له) ببينته لما سبق (وإن لم تكن لهما بينة، أو لكل واحد بينة، استهما على اليمين فمن خرج سهمه حلف وأخذها) لما روى أبو هريرة: «أن رجلين تداعيا عيناً ولم يكن لواحد منهما بينة، فأمرهما النبي ﷺ أن يستهما على اليمين أحبا أم كرها» رواه أبو داود، ولأنهما تساويا في الدعوى وعدم البينة واليد، والقرعة تميز عند التساوي كما لو أعتق عبيداً في مرض موته ولا مال له غيرهم. وذكر أبو الخطاب فيما إذا كان لكل واحد منهما بينة روايتين:
إحداهما: تسقط البينتان كما ذكرنا وقد سبق دليلها وحكمها.
والرواية الثانية تستعمل البينتان: وفي كيفية استعمالهما روايتان:
إحداهما تقسم العين بينهما.
والثانية: تقدم بينة أحدهما بالقرعة. ووجه الأولى ما روى أبو موسى «أن رجلين اختصما إلى رسول الله
стр. 647
(٢٥) وإن تنازعا أرضاً فيها شجر أو بناء أو زرع لأحدهما فهي له
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
ﷺ في بعير، فأقام كل واحد منهما البينة أنه له، فقضى به رسول الله ﷺ بينهما نصفين» (رواه أبو داود) . وإذا قلنا يقرع بينهما فوجهه ما رواه الشافعي رفعه إلى ابن المسيب: «أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ في أمر، وجاء كل واحد منهما بشهود عدول على عدة واحدة، فأسهم بينهما» والصحيح في المذهب أنه يقرع بينهما، فمن خرجت القرعة له حلف وسلمت إليه. وهو دليل على أن البينتين سقطتا لإيجابنا اليمين كمن وقعت له القرعة. ووجهه أن البينتين حجتان فإذا تعارضتا على وجه لا ترجح إحداهما على الأخرى سقط الاحتجاج بهما كالخبرين إذا تعارضا. وأما حديث ابن المسيب فيحتمل أن النبي ﷺ استحلفه، وإن لم يكن مذكوراً في الحديث فليس بمنفي. وأما حديث أبي موسى فيحتمل أن الشيء كان في أيديهما فأسقط البينتين وقسمه بينهما. على أنه روي في الحديث ولا بينة لهما.
[باب في تعارض الدعاوى]
مسألة ٢٣: (إذا تنازعا قصيماً أحدهما لابسه والآخر آخذ بكمه فهو للابسه) ؛ لأن تصرفه في الثوب أقوى ويده آكد وهو المستوفي لمنفعته.
مسألة ٢٤: وإن تنازعا دابة أحدهما راكبها أو له عليها حمل) والآخر آخذ بزمامها (فهي للراكب) ولصاحب الحمل كذلك.
مسألة ٢٥: (وإن تنازعا أرضاً فيها شجر أو بناء أو زرع لأحدهما فهي له) ؛ لأنه صاحب اليد لكونه المستوفي لمنفعتها فكانت له، كما لو تنازعا عيناً في يده فإنها تكون لمن هي في يده.
стр. 648
(٢٦) وإن تنازع صانعان في قماش دكان فآلة كل صناعة لصاحبها
(٢٧) وإن تنازع الزوجان في قماش البيت فللزوج ما يصلح للرجال وللمرأة ما يصلح للنساء، وما يصلح لهما بينهما
(٢٨) وإن تنازعا حائطاً معقوداً ببنائهما أو محلولاً منهما فهو بينهما، وإن كان
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٢٦: (وإن تنازع صانعان في قماش دكان فآلة كل صناعة لصاحبها) فإذا كان نجار وعطار في دكان واحد فاختلفا فيما فيها حكم بآلة العطارين للعطار وبآلة النجارين للنجار؛ لأن تصرفه في آلة صنعته أظهر، والظاهر معه أيضاً، فإن الظاهر أن العطار لا يستعمل آلة النجار والنجار لا يستعمل آلة العطار. وإن لم يكونا في دكان واحد لكن اختلفا في عين تصلح لأحدهما لم يرجح أحدهما بصلاحية المختلف فيه له، بل إن كان في أيديهما فهو بينهما، وإن كان في يد أحدهما فهو له مع يمينه، وإن كان في يد غيرهما أقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وأخذها.
مسألة ٢٧: (وإن تنازع الزوجان في قماش البيت فللرجل ما يصلح للرجل وللمرأة ما يصلح للنساء، وما يصلح لهما فهو بينهما) فمتى اختلفا في شيء ولأحدهما بينة فهو له بغير خلاف، وإن لم تكن له بينة فالمنصوص عنه أنه ما يصلح للرجال من العمائم وقمصانهم وجبابهم والأقبية والطيالسة وأشباه ذلك القول فيه قول الرجل مع يمينه، وما يصلح للنساء من الحلي والمقانع وقمصهن ومغازلهن فالقول فيه قول المرأة مع يمينها، وما يصلح لهما كالمفارش والأواني فهو بينهما؛ لأن أيديهما جميعاً على متاع البيت بدليل ما لو نازعهما فيه أجنبي فإن القول قولهما، وقد يرجح أحدهما على صاحبه يداً وتصرفاً، فيجب أن يقدم كما لو تنازعا دابة أحدهما راكبها والآخر آخذ بزمامها.
مسألة ٢٨: (وإن تنازعا حائطاً معقوداً ببنائهما أو محلولاً منهما فهو بينهما، وإن كان معقوداً ببناء أحدهما وحده فهو له) فمتى كان الحائط بين ملكيهما وتساويا في كونه معقوداً ببنائهما معاً يعني متصلاً به اتصالاً لا يمكن إحداثه بعد بناء الحائط مثل اتصال البناء بالطين كهذه الحظائر التي لا يمكن إحداث اتصال بعضها ببعض أو يكون لكل واحد منهما عليه عقد أو قبة أو تساويا في كونه محلولاً من بنائهما أي غير متصل ببنائهما الاتصال الذي ذكرناه فإنهما يتحالفان فيحلف كل واحد منهما على النصف الذي في يده؛ لأن الحائط في أيديهما فيجعل بينهما نصفين لتساويهما في ذلك، وهذا إذا لم يكن لأحدهما
стр. 649
معقوداً ببناء أحدهما وحده فهو له
(٣٠) وإن تنازع صاحب العلو والسفل في السقف الذي بينهما، أو تنازع صاحب الأرض والنهر في الحائط الذي بينهما وإن تنازعا قميصاً أحدهما آخذ بكمه وباقيه مع الآخر فهو بينهما
(٣١) وإن تنازع مسلم وكافر في ميت يزعم كل واحد منهما أنه مات على دينه فإن عرف أصل دينه حمل عليه وإن لم يعرف أصل دينه فالميراث للمسلم وإن كانت لهما بينتان فكذلك وإن كانت لأحدهما بينة حكم له بها
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
بينة، فإن كان لأحدهما بينة حكم له بها لأنها كالإقرار، وإن كان لهما بينتان تعارضتا وصارا كمن لا بينة لهما، فإن لم يكن بينة ونكلا عن اليمين كان الحائط في أيديهما على ما كان، وإن حلف أحدهما، ونكل الآخر قضى على الناكل فكان الكل للآخر.
١ -
مسألة ٢٩: وإن كان الحائط متصلاً ببناء أحدهما كان له مع يمينه؛ لأن هذا مما لا يمكن إحداثه فوجب أن يرجح به كالأزج يعني العقد، ولأن الظاهر أن هذا البناء بني كله بناء واحداً، فإذا كان بعضه لرجل فالظاهر أن بقيته له.
مسألة ٣٠: (وإن تنازع صاحب العلو والسفل في السقف الذي بينهما فهو بينهما) ؛ لأن يديهما عليه سواء (وإن تنازع صاحب الأرض والنهر في الحائط الذي بينهما فهو بينهما) ؛ لأنه حاجز بين ملكيهما فأشبه الحائط بين البيتين (وإن تنازعا قميصاً أحدهما آخذ بكمه وباقيه مع الآخر فهو بينهما) ؛ لأن يد الممسك بكمه ثابتة على نصفه، ألا ترى أنه لو كان آخذاً بكمه وباقيه على الأرض فادعاه مدع كان القول قول من هو آخذ بكمه ولا يلتفت إلى من أخذ بالكثير، ومثله إذا اختلفا في عمامة أحدهما آخذ بطرفها والآخر آخذ ببقيتها لأنها في أيديهما ويتحالفان في هذه المسائل.
مسألة ٣١: (وإن تنازع مسلم وكافر ميراث ميت يزعم كل واحد منهما أنه كان على دينه فإن عرف أصل دينه حمل عليه) ؛ لأن الأصل بقاؤه عليه فالقول قول من ينفيه مع يمينه، (وإن لم يعرف أصل دينه فالميراث للمسلم) ؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، ولأن الظاهر الإسلام في دار الإسلام، ولأنه يغلب إسلامه في الصلاة عليه ودفنه فكذلك في ميراثه. (وإن كانت لهما بينتان فكذلك) يعني أن الحكم كالتي قبلها؛ لأن البينتين سقطتا وصارا كمن لا بينة لهما (وإن كانت لأحدهما بينة حكم له بها) ؛ لأن البينة كالإقرار، ولو أقر له الآخر حكم له فكذلك إذا قامت له بينة وحده.
стр. 650
(٣٢) وإن ادعى كل واحد من الشريكين في العبد أن شريكه أعتق نصيبه، وهما موسران عتق كله ولا ولاء لهما عليه
(٣٣) وإن كان أحدهما موسراً والآخر معسراً عتق نصيب الموسر وحده
(٣٤) وإن كانا معسرين لم يعتق منه شيء
(٣٥) وإن اشترى أحدهما نصيب صاحبه عتق حينئذ ولم يسر إلى باقيه ولا ولاء عليه
(٣٦) وإن ادعى كل واحد من الموسرين أنه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٣٢: (وإذا ادعى كل من الشريكين في العبد أن شريكه أعتق نصيبه منه وهما موسران عتق كله) ؛ لأن كل واحد منهما يعترف بحرية نصيبه مدعياً نصف القيمة على شريكه لكونه أعتق نصيب نفسه وهو موسر فيسري إلى نصيب الآخر (ولا ولاء عليه لواحد منهما) ؛ لأنه لا يدعيه واحد منهما؛ لأن كل واحد منهما يقول: أنت المعتق له وولاؤه لك لا حق لي فيه.
مسألة ٣٣: (وإن كان أحدهما موسراً والآخر معسراً عتق نصيب الموسر وحده) ؛ لأنه اعترف بحرية نصيبه بعتق شريكه الموسر؛ لأن الموسر إذا عتق نصيبه سرى إلى نصيب المعسر، ولا يعتق نصيب الموسر؛ لأن اعترافه بعتق شريكه نصيبه لا يكون اعترافاً بعتق نصيبه، ولأن إعتاق المعسر لا يسري ولا يثبت للمعسر الولاء؛ لأنه غير معتق.
مسألة ٣٤: (وإن كانا معسرين لم يعتق منه شيء) ؛ لأن اعتراف كل واحد منهما بعتق الآخر لا يوجب اعترافاً بعتق نصيبه؛ لأن عتق المعسر لا يسري.
مسألة ٣٥: (وإن اشترى أحدهما نصيب صاحبه عتق حينئذ ولم يسر إلى باقيه) الذي كان له قديماً؛ لأن عتقه عليه باعترافه بأن كان حراً، (ولا يثبت له عليه ولاء؛ لأنه لا يدعي إعتاقه بل يعترف أن المعتق غيره وإنما هو مخلص له ممن هو في يده ظلماً فهو كمخلص الأسير من أيدي الكفار)
مسألة ٣٦: (وإن ادعى كل واحد من الموسرين أنه أعتقه تحالفا وكان ولاؤه بينهما) ، وقد ذكرنا فيما سبق أنه لا ولاء لواحد من الشريكين الموسرين؛ لأن كل واحد منهما يقول لشريكه: أنت المعتق والولاء لك لا حق لي فيه. فإن عاد كل واحد منهما فادعى أنه المعتق وأن الولاء له ثبت لهما الولاء؛ لأنه لا مستحق له سواهما، وإنما لم يثبت لواحد منهما لإنكاره، فإذا اعترف به زال الإنكار فثبت له، فعند ذلك يتحالفان ويكون الولاء بينهما كما لو تنازعا في شيء في أيديهما ولا بينة لأحدهما فإنه يكون بينهما.
стр. 651
أعتقه تحالفا وكان ولاؤه بينهما
(٣٧) وإن قال الرجل لعبده: إن برئت من مرضي هذا فأنت حر، وإن قتلت فأنت حر فادعى العبد برءه أو قتله وأنكرت الورثة فالقول قولهم
(٣٨) وإن أقام كل واحد منهم بينة بقوله عتق العبد؛ لأن بينته تشهد بزيادة
(٣٩) ولو مات رجل وخلف ابنين وعبدين متساويي القيمة لا مال له سواهما فأقر الابنان أنه أعتق أحدهما في مرض موته عتق منه ثلثاه إن لم يجيزا عتقه كله
(٤٠) وإن قال أحدهما: أبي أعتق هذا، وقال الآخر: بل هذا، عتق ثلث كل واحد منهما، وكان لكل ابن سدس الذي اعترف بعتقه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٣٧: (وإن قال السيد لعبده: إن برئت من مرضي هذا فأنت حر، وإن قتلت فأنت حر فادعى العبد برءه أو قتله وأنكرت الورثة فالقول قولهم) ؛ لأن الأصل معهم.
مسألة ٣٨: (وإن أقام كل واحد منهم بينة بقوله عتق العبد؛ لأن بينته تشهد بزيادة) لأنها مثبتة وبينتهم نافية والإثبات مقدم على النفي في أحد الوجهين، وفي الآخر تتعارض البينتان ويبقى العبد رقيقاً؛ لأن كل واحدة منهما تثبت ما شهدت به وتنفي ما شهدت به الأخرى فهما سواء.
مسألة ٣٩: (ولو مات رجل وخلف ابنين وعبدين متساويي القيمة لا مال له سواهما فأقر الابنان أنه أعتق أحدهما في مرضه عتق ثلثاه إن لم يجيزا عتقه كله) ولأن ثلثيه ثلث جميع المال، فإنه لو كانت قيمتهما ستمائة كل واحد منهما ثلاثمائة كان ثلثها مائتين وهي ثلثا العبد فإن أجازا عتق جميعه؛ لأن الحق لهما إن شاءا أخذاه وإن شاءا تركاه.
مسألة ٤٠: (وإن قال أحدهما: أبي أعتق هذا، وقال الآخر: بل هذا، عتق ثلث كل واحد منهما فكان لكل ابن سدس الذي اعترف بعتقه ونصف الآخر) ؛ لأن كل واحد من الابنين إذا عين واحداً صار مدعياً أنه أعتق منه ثلثاه، وأنه لم يبق منه على الرق إلا ثلثه ميراثاً بينهما لكل واحد منهما سدسه وأن الآخر كله رقيق لكل واحد منهما نصفه فيعمل بقول كل واحد منهما في توريثه منهما فيصير له سدس العبد الذي اعترف بعتقه ونصف الآخر، ويصير ثلث كل واحد من العبدين حراً؛ لأن لكل واحد من الابنين نصف العبدين فقبل قوله في نصيبه فعتق ثلث نصيبه من العبدين وجمعناه في العبد الذي اعترف بعتقه وذلك ثلثه.
стр. 652
ونصف الآخر
(٤١) وإن قال الثاني: أبي أعتق أحدهما لا أدري من منهما أقرع بينهما وقامت القرعة مقام تعيينه
باب حكم كتاب القاضي (٤٢) يجوز الحكم على الغائب إذا كانت للمدعي بينة
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٤١: (وإن قال الثاني: أبي أعتق أحدهما لا أدري من منهما أقرع بينهما وقامت القرعة مقام تعيينه) يعني إذا عين أحدهما عبداً، وقال الآخر: لا أدري من منهما فإنا نقرع بينهما فإن وقعت القرعة على الذي عينه أخوه صارا كأنهما عيناه ويعتق ثلثاه إلا أن يجيزا عتقه كله، وإن وقعت على الآخر صار كأنه عينه وعين أخوه الآخر يعتق من كل واحد ثلثه، ويبقى له السدس في الذي عينه ونصف الآخر على ما سبق؛ لأن القرعة قامت مقام التعيين عند الإشكال والالتباس.
[باب حكم كتاب القاضي]
مسألة ٤٢: (يجوز الحكم على الغائب إذا كان للمدعي بينة) فمتى ادعى حقاً على غائب في بلد آخر وطلب من الحاكم سماع البينة والحكم بها عليه أجابه إلى ذلك وسمع بينته وحكم بها، وكان شريح لا يرى القضاء على الغائب، وهو قول أبي حنيفة، إلا أنه قال: إذا كان له خصم حاضر من وكيل أو شفيع جاز الحكم عليه، وعن أحمد مثله؛ لأن النبي ﷺ قال لعلي: «إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر، فإنك لا تدري بما تقضي» قال الترمذي: هذا حديث حسن، ولأنه قضى لأحد الخصمين وحده فلم يجز كما لو كان الآخر في البلد، ولأنه يجوز أن يكون للغائب ما يبطل البينة ويقدح فيها فلم يجز الحكم عليه قبل حضوره. ولنا «أن هنداً قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني من النفقة ما يكفيني وولدي. فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» (رواه البخاري) فقضى لها عليه ولم يكن حاضراً، ولأن أبا حنيفة وافقنا في سماع البينة فيقول: هذه بينة عادلة مسموعة فجاز الحكم بها كما لو كان حاضراً، وأما حديثهم فنقول به وأنه إذا تقاضى إليه رجلان لم يجز الحكم قبل سماع
стр. 653
(٤٣) ومتى حكم على غائب ثم كتب بحكمه إلى قاضي بلد الغائب لزمه قبوله وأخذ المحكوم عليه به
(٤٤) ولا يثبت إلا بشاهدين عدلين يقولان: قرأه علينا، أو قرئ عليه بحضرتنا فقال: اشهدا على أن هذا كتابي إلى فلان أو إلى من يصل إليه من قضاة المسلمين
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
كلامهما معاً، وهذا يقتضي أن يكونا حاضرين ويفارق الحاضر الغائب فإنه لا تسمع البينة على حاضر، والغائب بخلافه.
مسألة ٤٣: (ومتى حكم على غائب ثم كتب بحكمه إلى قاضي بلد الغائب لزمه قبوله وأخذ المحكوم عليه به، والأصل في كتاب القاضي إلى القاضي الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] . وأما السنة فإن النبي ﷺ كتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي وملوك الأطراف، وكان في كتابه إلى هرقل «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم. أما بعد فأسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجراً عظيماً. وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين. و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤] » (رواه البخاري) الآية. وروى الضحاك بن سفيان قال: «كتب إلى رسول الله ﷺ أن ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها» (رواه أبو داود) وأجمعت الأمة على كتاب القاضي إلى القاضي، ولأن الحاجة إلى قبوله داعية، فإن من له حق في بلد غير بلده لا يمكنه إثباته والمطالبة به إلا بكتاب القاضي فوجب قبوله، فإذا ثبت هذا فإنه يلزم القاضي الواصل إليه الكتاب قبوله " وأخذ المحكوم عليه به؛ لأن ذلك هو المقصود منه.
مسألة ٤٤: (ولا يثبت إلا بشاهدين عدلين يقولان: قرأه علينا، أو قرئ عليه بحضرتنا فقال: اشهدا على أن هذا كتابي إلى فلان أو إلى من يصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم) فيعتبر في ثبوته ثلاثة شروط:
أحدها: أن يشهد به شاهدان عدلان، وقيل: يكفي معرفة خطه وختمه؛ لأن ذلك تحصل به غلبة الظن فأشبه الشهادة، ويتخرج لنا مثله بناء على ما إذا وجدت وصية الرجل
стр. 654
وحكامهم
(٤٥) فإن مات المكتوب إليه أو عزل فوصل إلى غيره عمل به
(٤٦) وإن مات الكاتب أو عزل بعد حكمه جاز قبول كتابه
(٤٧) ويقبل كتاب القاضي في كل حق إلا الحدود والقصاص
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مكتوبة عند رأسه بخطه عمل بها، ولنا إن ما أمكن إثباته بالشهادة لم يجز الاقتصار فيه على الظاهر كإثبات العقود، ولأن الخط يشبه الخط والختم يمكن التزوير عليه ويمكن الرجوع إلى الشهادة فلم يعول على الخط كالشاهد لا يعول على الخط.
الشرط الثاني: أن يكتب القاضي من موضع ولايته، فإن كتب القاضي من غير عمله كتاباً لم يسغ قبوله؛ لأنه لا يسوغ له في غير ولايته حكم فهو كالعامي.
الشرط الثالث: أن يصل الكتاب إلى المكتوب إليه في موضع ولايته، فإن وصل في غير موضع ولايته لم يكن له قبوله حتى يصل إلى موضع ولايته لما سبق.
مسألة ٤٥: (فإن مات المكتوب إليه أو عزل فوصل إلى غيره عمل به) وروي أن قاضي الكوفة كتب إلى إياس بن معاوية قاضي البصرة كتاباً فوصل، وقد عزل وولي الحسن، فلما وصل الكتاب عمل به؛ لأن المعول على شهادة الشاهدين بحكم الأول أو ثبوت الشهادة عنده دون الكتاب، ولو ضاع الكتاب فشهداه عنده بذلك ثبت، فإذا شهدا بذلك عند الحاكم المتجدد وجب أن يقبل.
مسألة ٤٦: (وإن مات الكاتب أو عزل بعد حكمه جاز قبول كتابه) سواء مات أو عزل قبل خروج الكتاب من يده أو بعده؛ لأن المعول في الكتاب على الشاهدين اللذين يشهدان على الحاكم وهما حيان فيجب أن يقبل كتابه كما لو لم يمت، ولأن كتابه إنه كان بما حكم فحكمه لا يبطل بموته وعزله، وإن كان فيما ثبت عنده بشهادة فهو أصل واللذان شهدا عليه فرع، ولا تبطل شهادة الفرع بموت شاهدي الأصل.
مسألة ٤٧: (ويقبل كتاب القاضي في كل حق إلا في الحدود والقصاص) وقال الشافعي ﵁: يقبل في كل حق لآدمي من الجراح وغيرها، وفي الحدود التي لله تعالى على قوليه؛ لأن كل حق يثبت بالشهادة فإنه يثبت بكتاب القاضي إلى القاضي؛ لأنه بمنزلة الشهادة على الشهادة، فيثبت بها كسائر الحقوق، أو كالشهادة على الأموال. ولنا أن حدود الله سبحانه مبنية على الستر والدرء بالشبهات والإسقاط بالرجوع عن الإقرار بها، والشهادة
стр. 655
باب القسمة وهي نوعان: قسمة إجبار، وهي ما يمكن قسمته من غير ضرر ولا رد عوض، إذا طلب الشريكين قسمه فأبى الآخر أجبره الحاكم عليه إذا ثبت عنده ملكهما ببينة
(٤٨) فإن أقر به لم يجبر الممتنع عليه، وإن طلباها في هذه الحال قسمت بينهما
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
على الشهادة لا تخلو من الشبهة ولذلك اشترطنا لقبولها تعذر شهادة الأصل ولم نقبلها إلا للحاجة ولا حاجة هاهنا، ولأنه لا نص فيها ولا يصح قياسها على موضع الإجماع لما بينا من الفرق فيبطل إثباتها.
[باب القسمة]
(وهي نوعان) :
أحدهما (قسمة إجبار، وهي قسمة ما يمكن قسمه من غير ضرر ولا رد عوض، إذا طلب أحد الشريكين قسمه فأبى الآخر أجبره الحاكم عليه إذا ثبت عنده ملكهما ببينة) . وتعتبر لها ثلاثة شروط:
أحدهما: أن لا يكون فيها ضرر، فإن كان فيها ضرر لم يجبر الممتنع منها، لقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» رواه ابن ماجه ورواه مالك في موطئه عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن النبي ﷺ ، وفي لفظ آخر: «أن النبي ﷺ قضى أن لا ضرر ولا ضرار» (رواه ابن ماجه) .
الشرط الثاني: أن يمكن تعديل السهام من غير شيء يجعل معها، فإن لم يكن ذلك لم يجبر الممتنع على القسمة لأنها تصير بيعاً والبيع لا يجبر عليه أحد المتبايعين لقوله سبحانه: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .
الشرط الثالث: أن يثبت عند الحاكم ملكهما ببينة؛ لأن في الإجبار على القسمة حكماً على الممتنع منهما، فلا يثبت إلا بما يثبت به الملك لخصمه، بخلاف حالة الرضا فإنه لا يحكم على أحدهما وإنما يقسم بقولهما ورضاهما.
مسألة ٤٨: (فإن أقر به) يعني الملك (لم يجبر الممتنع منهما عليه) ؛ لأنه لم يوجد شرط الإجبار، (وإن طلباها في هذه الحال قسمت بينهما وأثبت في القصة أن قسمه بينهما
стр. 656
وأثبت في القضية أن قسمه كان عن إقرار لا عن بينة.
الثاني: قسمة التراضي، وهي قسمة ما فيه ضرر بأن لا ينتفع أحدهما بنصيبه فيما هو له أو لا يمكن تعديله إلا برد عوض من أحدهما فلا إجبار فيها
(٤٩) والقسمة إفراز حق لا يستحق بها شفعة ولا يثبت فيها خيار
(٥٠) وتجوز في
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
كان عن إقرارهما لا عن بينة) وقال أبو حنيفة: إن كان عقاراً نسبوه إلى الميراث لم يقسمه، وإن لم ينسبوه إلى الميراث أو كان غير عقار قسمه؛ لأن الميراث باق على حكم ملك الميت فلا يقسمه احتياطاً للبت فيه؛ لأنه إذا لم يثبت عنده الموت والقرابة فلا احتياط، ويخالف العقار غيره يثوي ويهلك ويحفظ بقسمته، والظاهر عند الشافعي ﵁ أنه لا يقسم عقاراً كان أو غيره، قال: لأني لو قسمتها بقولكم ثم رفعت إلى حاكم يقسمها أن يجعلها حكماً لكم ولعلها لغيركم، ولنا أن اليد تدل على الملك ولا منازع لهم فيثبت لهم من طريق الظاهر، وما ذكره الشافعي ﵁ يندفع إذا أثبت في القصة أن قسمته بينهم كان عن إقرارهم لا عن بينة شهدت لهم بملكهم، وكل ذي حجة على حجته. وما ذكره أبو حنيفة لا يصح فإنه لا حق للميت فيه إلا أن يظهر عليه دين وما ظهر الأصل عدمه كما قلنا إن الظاهر ملكهم فيما لم يدعوه ميراثاً؛ لأنه لم يثبت لغيرهم، (الثاني قسمة التراضي، وهي قسمة ما فيه ضرر بأن لا ينتفع أحدهما بنصيبه فيما هو له أو لا يمكن تعديله إلا برد عوض من أحدهما فلا إجبار فيها) ، مثال ما فيه ضرر أن تكون دار بين اثنين لأحدهما عشرها وللآخر الباقي إذا اقتسماها لا يصلح لصاحب العشر ما ينتفع به فيتضرر لذلك، فإذا طلب صاحب الكثير القسمة لا يجبر الآخر لقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» رواه ابن ماجه. وأما ما لا يمكن تعديله إلا برد عوض فإنه يكون بيعاً، فإن تراضيا عليه جاز، وان امتنع أحدهما لم يجبر؛ لأن البيع لا يجبر عليه أحد لقوله سبحانه: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] .
مسألة ٤٩: (والقسمة إفراز حق لا يستحق بها شفعة ولا يثبت فيها خيار) لأنها ليست بيعاً، وقال الشافعي في أحد قوليه: هي بيع، وحكي ذلك عن ابن بطة؛ لأنه يعدل نصيبه من أحد السهمين بنصيب صاحبه من السهم الآخر، وهذا حقيقة البيع، ولنا أنها لا تفتقر إلى لفظ التمليك ولا تجب فيها الشفعة ويدخلها الإجبار وتلزم بإخراج القرعة ويتقدر
стр. 657
المكيل وزناً وفي الموزون كيلاً وفي الثمار خرصاً
(٥١) وتجوز قسمة الوقف إذا لم يكن فيها رد عوض، فإن كان بعضه طلقاً وبعضه وقفاً وفيها عوض من صاحب الطلق لم يجز وإن كان من رب الوقف جاز
(٥٢) وإذا عدلت الأجزاء أقرع عليها فمن خرج سهمه على شيء صار له ولزم بذلك)
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
أحد النصيبين بقدر الآخر، والبيع لا يجوز فيه شيء من ذلك، ولأنه تنفرد عن البيع باسمها وأحكامها فلم تكن بيعاً كسائر العقود، وفائدة الخلاف أنها إذا لم تكن بيعاً جازت قسمة الثمار خرصاً والتفرق قبل القبض في قسمة المكيل والموزون وقسمة ما يكال وزناً وما يوزن كيلاً ولا يحنث فيها إذا حلف لا يبيع، وإذا كان العقار وقفاً أو نصفه وقفاً ونصفه طلقاً جازت القسمة، وإن قلنا هي بيع لم يجز ذلك فيها، وهذا إذا خلت من الرد فإذا كان فيها رد فهي بيع؛ لأن صاحب الرد يبذل المال عوضاً عما حصل له من شريكه وهذا هو البيع، فإن فعلاه في وقف لم يجز؛ لأن الوقف لا يجوز بيعه، فإن كان بعضه وقفاً وبعضه طلقاً والرد من أهل الطلق لم يجز لأنهم يشترون بعض الوقف، وإن كان الرد من أهل الوقف جاز لأنهم يشترون بعض الطلق وهو جائز.
مسألة ٥٠: (وتجوز في المكيل وزناً في الموزون كيلاً وفي الثمار خرصاً) هذا إذا قلنا: إنها ليست بيعاً وهو المنصور في المذهب وأنها إفراز حق فإن ذلك كله جائز. وأما إن قلنا: إنها بيع لم يجز فيها شيء من ذلك على ما مر.
مسألة ٥١: (وتجوز قسمة الوقف إذا لم يكن فيها رد عوض، فإن كان بعضه طلقاً وبعضه وقفاً وفيها عوض من صاحب الطلق لم يجز) ؛ لأنه يشتري الوقف (وإن كان من رب الوقف جاز) ؛ لأنه يشتري الطلق من صاحبه على ما مر.
مسألة ٥٢: (وإذا عدلت الأجزاء أقرع عليها فمن خرج سهمه على شيء صار له ولزم بذلك) ، وذلك أنا قد ذكرنا أن القسمة على ضربين: قسمة إجبار وقسمة تراض، فأما قسمة الإجبار فهي التي يمكن تعديل السهام فيها من غير رد شيء، فإذا عدلت السهام أقرع بينهم، وكيف ما أقرع جاز في ظاهر كلامه، قال: إن شاء رقاعاً وإن شاء خواتيم تطرح في حجر من لم يحضر ويكون لكل واحد خاتم، ثم يقال: أخرج خاتماً على هذا السهم فمن خرج خاتمه فهو له، وعلى هذا لو أقرع بحصى أو غيره جاز ويلزم ذلك بالقرعة سواء كان
стр. 658
(٥٣) ويجب أن يكون قاسم الحاكم عدلاً وكذلك كاتبه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
القاسم قاسم الحاكم أو عدلاً نصباه؛ لأن قرعة قاسم الحاكم كحكم الحاكم بدليل أنه يجتهد في تعديل السهام كاجتهاد الحاكم في طلب الحق فتنفذ قرعته، والذي رضوا به وحكموه فهو كرجل حكم بينهم في القضاء، ولو حكموا رجلاً بينهم لزم حكمه كذا هاهنا. فإما إن قسما بأنفسهما أو أقرعا أو نصبا قاسماً فاسقاً لم يلزم إلا بتراضيهما بعد القرعة، ولأنه لا حاكم بينهما ولا من يقوم مقامه. وأما قسمة التراضي فهي التي فيها رد ولا يمكن تعديل السهام فيها إلا أن يجعل مع بعضها عوض، فهل تلزم بالقرعة؟ فيه وجهان:
أحدهما يلزم كقسمة الأجبار؛ لأن القاسم كالحاكم وقرعته كحكمه.
والثاني: لا يلزم لأنها بيع والبيع لا يلزم إلا بالتراضي، وإنما القرعة هاهنا ليعرف البائع من المشتري، فأما إن تراضيا على أن يأخذ كل واحد منهما واحداً من السهمين بغير قرعة فإنه يجوز؛ لأن الحق لهما ولا يخرج عنهما، وكذلك لو خير أحدهما صاحبه فاختار، ويلزم هاهنا التراضي وتفرقهما كما يلزم البيع.
مسألة ٥٣: (ويجب أن يكون قاسم الحاكم بينهما عدلاً وكذلك كاتبه) ويكون عارفاً بالحساب أيضاً والقسمة ليوصل إلى كل ذي حق حقه، ولا يفتقر أن يكون من أهل الاجتهاد، ولا أن يكون حراً. واشترط الشافعي ﵁ أن يكون حراً، وتلزم قسمته بالقرعة، وإن نصبا قاسماً بينهما على صفة قاسم الحاكم فهو كقاسم الحاكم في لزوم القسمة بالقرعة، وإن كان فاسقاً أو كافراً لم تلزم قسمته إلا بتراضيهما بها "بعد القرعة "، ويكون وجوده فيما يرجع إلى لزوم القسمة كعدمه.
[كتاب الشهادات] ١
стр. 659
كتاب الشهادة (١) تحمل الشهادة وأداؤها فرض كفاية، إذا لم يوجد من يقوم بها سوى اثنين لزمهما
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
كتاب الشهادات والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله سبحانه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] . وأما السنة فروى وائل بن حجر قال: «جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى رسول الله ﷺ ، فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا غلبني على أرض لي، فقال الكندي: هي أرضي وفي يدي فليس له فيها حق، فقال النبي ﷺ للحضرمي: ألك بينة؟ قال: لا. قال: فلك يمينه. قال: يا رسول الله، الرجل فاجر لا يبالي ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء. قال: ليس لك منه إلا ذلك. قال: فانطلق الرجل ليحلف له فقال رسول الله ﷺ : لئن حلف على مال ليأكله ظلماً ليلقين الله وهو عنه معرض» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وروى محمد بن عبيد الله العزرمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: «البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه» قال الترمذي: هذا حديث في إسناده مقال، والعزرمي يضعف في الحديث من قبل حفظه، ضعفه ابن المبارك وغيره، إلا أن أهل العلم أجمعوا على هذا، قال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم؛ لأن الحاجة داعية إلى الشهادة بحصول التجاحد بين الناس فوجب الرجوع إليها. قال شريح: القضاء جمرة فنحه عنك بعودين، يعني بشاهدين، وإنما الخصم داء والشهود شفاء، فأفرغ الشفاء على الداء.
مسألة ١: (وتحمل الشهادة وأداؤها فرض على الكفاية، إذا لم يوجد من يقوم بها سوى اثنين لزمهما القيام بها على القريب والبعيد إذا أمكنهما ذلك من غير ضرر لقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: ١٣٥]
стр. 660
القيام بها على القريب والبعيد إذا أمكنهما ذلك من غير ضرر لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ﴾ [النساء: ١٣٥] الآية
(٢) والمشهود عليه أربعة أقسام: أحدها الزنا وما يوجب حده فلا يثبت إلا بأربعة رجال أحرار عدول
(٣) الثاني: المال وما يقصد به المال، فيثبت بشاهدين، أو رجل وامرأتين، وبرجل مع يمين
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
وقال سبحانه: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] ، وخص القلب؛ لأنه موضع العلم بها، ولأن الشهادة أمانة فلزم أداؤها كسائر الأمانات. فإذا ثبت هذا فإنه إذا دعي إلى تحمل شهادة في نكاح أو دين أو غيره لزمه الإجابة، وإن كانت عنده شهادة فدعي إلى أدائها لزمه ذلك، فإن قام بالفرض في التحمل والأداء اثنان سقط عن الجميع، وإن امتنع الكل أثموا، وقوله: إذا أمكنهما ذلك من غير ضرر" يعني أنه لو دعي إلى شهادة في مكان بعيد يشق عليه المشي إليه لم يلزمه ذلك، وكذلك إذا دعاه في وقت برد أو مطر أو طين كثير أو ثلج يتضرر بالخروج فيه، لقوله ﷺ : «لا ضرر ولا ضرار» .
مسألة ٢: (والمشهود عليه أربعة أقسام: أحدها الزنا وما يوجب حده فلا يثبت إلا بأربعة رجال أحرار عدول) أجمع المسلمون على أنه لا يقبل في الزنا إلا أربعة، وقال سبحانه: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: ١٣] وأكثرهم قال: لا تقبل فيه إلا شهادة الأحرار، وقال أبو ثور: تقبل فيه شهادة العبيد، ولا يصح؛ لأنه مختلف في شهادتهم في سائر الحقوق فيكون ذلك شبهة تمنع قبول شهادتهم فيما يندرئ بالشبهات، ولا نعلم خلافاً في أنه لا تقبل فيه إلا شهادة العدول ظاهراً وباطناً، وأنه لا يقبل فيه إلا شهادة المسلمين سواء كان المشهود عليه مسلماً أو ذمياً.
مسألة ٣: (الثاني المال وما يقصد به المال، فيثبت بشاهدين، أو برجل وامرأتين، وبرجل مع يمين الطالب) وذلك كالبيع والقرض والرهن والوصية له وجناية الخطأ لقوله سبحانه: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢]-إلى قوله- ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] نص على المداينة، وقسنا عليه سائر ما ذكرناه، قال ابن أبي موسى: ولا تثبت الوصية إلا بشاهدين لقوله سبحانه:
стр. 661
الطالب
(٤) الثالث: ما عدا هذين مما يطلع عليه الرجال في غالب الأحوال غير الحدود والقصاص كالنكاح والطلاق والرجعة والعتق والولاية والعزل والنسب والولاء والوكالة في غير المال والوصية إليه وما أشبه ذلك - فلا يقبل إلا رجلان
(٥) الرابع ما لا يطلع عليه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] ويقبل في ذلك شاهد ويمين المدعي، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي. وروى سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: «قضى رسول الله ﷺ باليمين مع الشاهد الواحد» رواه سعيد بن منصور في سننه والأئمة من أهل المسانيد والسنن، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وقال النسائي: إسناد حديث ابن عباس: اليمين مع الشاهد إسناد جيد، ولأن اليمين شرعت في حق من ظهر صدقه وقوي جانبه فكذلك شرعت في حق صاحب اليد لقوة جنبته عليها وبها، وفي حق المنكر؛ لأن الأصل براءة ذمته، والمدعي هاهنا قد ظهر صدقه فوجب أن تشرع اليمين في حقه.
مسألة ٤: (الثالث ما عدا هذين مما يطلع عليه الرجال في غالب الأحوال غير الحدود والقصاص كالنكاح والطلاق والرجعة والعتق والولاية والعزل والنسب والولاء والوكالة في غير المال والوصية إليه وما أشبه ذلك فلا يقبل فيه إلا رجلان) في إحدى الروايتين لِقَوْلِهِ تَعَالَى في الرجعة: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فقيس عليه سائر ما ذكرنا، ولأنه ليس بمال ولا المقصود منه المال أشبه العقوبات، والرواية الأخرى: يقبل فيه رجل وامرأتان أو يمين؛ لأنه ليس بعقوبة ولا يسقط بالشبهة أشبه المال، وقال القاضي: النكاح وحقوقه من الطلاق والخلع والرجعة لا يثبت إلا بشاهدين رواية واحدة، والوكالة والوصية والكتابة تخرج على روايتين؛ لأن النكاح مما يحتاط له لأجل حفظ النسب.
مسألة ٥: (الرابع ما لا يطلع عليه الرجال، كالولادة والحيض والعذرة والعيوب تحت الثياب) والرضاع والاستهلال والبكارة والثيوبة (فتثبت بشهادة امرأة عدل؛ لأن «عقبة بن الحارث قال: تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: كيف وقد زعمت ذلك» متفق عليه،
стр. 662
الرجال، كالولادة والحيض والعذرة والعيوب تحت الثياب فيثبت بشهادة امرأة عدل؛ «لأن عقبة بن الحارث قال: تزوجت أم يحيى بنت أبي إهاب فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: " كيف وقد زعمت ذلك»
(٦) وتقبل شهادة العبد في كل شيء إلا الحدود والقصاص (٧) وتقبل شهادة الأمة فيما تقبل فيه شهادة النساء للخبر
(٨) وشهادة الفاعل على فعله كالمرضعة على الرضاع والقاسم على القسمة
(٩) وشهادة الأخ لأخيه
(١٠) والصديق لصديقه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
وقسنا عليه سائرها، ولأنه معنى يقبل فيه قول النساء المنفردات فأشبه الرواية. وعنه لا يقبل فيه إلا شهادة امرأتين؛ لأن الرجال أكمل منهن ولا يقبل منهم إلا اثنان فالنساء أولى.
مسألة: ٦ (وتقبل شهادة الأمة فيما تقبل فيه شهادة النساء للخبر) .
مسألة ٧: (وتقبل شهادة العبيد في كل شيء إلا في الحدود والقصاص) على إحدى الروايتين، لقوله سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] والعبد عدل تقبل روايته وفتياه وأخباره الدينية فيدخل في العموم، وحديث عقبة قال فيه: «فجاءت أمة سوداء فقالت: أرضعتكما فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: كيف وقد زعمت ذلك» فقبل شهادتها، ولأنه عدل غير متهم أشبه الحر. وأما الحد فلا تقبل شهادته فيه؛ لأنه يدرأ بالشبهات، وفي شهادة العبد شبهة لوقوع الخلاف فيها.
وفي القصاص احتمالان:
أحدهما: لا قبول لذلك.
والثاني: تقبل؛ لأنه حق آدمي لا يصح الرجوع عن الإقرار فيه أشبه الأموال، وذكر الشريف وأبو الخطاب في جميع العقوبات روايتين، وحكم المدبر والمكاتب وأم الولد حكم القن لأنهم أرقاء.
مسألة ٨: (وتقبل شهادة الإنسان على فعل نفسه كالمرضع على الرضاع) لحديث عقبة، (وكذلك القاسم على القسمة) والحاكم على حكمه بعد العزل؛ لأنه يشهد لغيره فصح على فعل نفسه كما لو شهد على فعل غيره.
مسألة ٩: (وشهادة الأخ لأخيه جائزة) قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن شهادة الأخ لأخيه جائزة، وقال الله سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ولم يفصل، ولأنه عدل غير متهم فيجب قبول شهادته كالأجنبي.
مسألة ١٠: (وتقبل شهادة الصديق لصديقه) للآية في قول عامتهم، إلا مالكاً فإنه
стр. 663
(١١) وشهادة الأصم على المرئيات
(١٢) وشهادة الأعمى إذا تيقن الصوت
(١٣) وشهادة المستخفي
(١٤) ومن سمع إنسانا يقر بحق وإن لم يقل للشاهد أشهد
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
قال: لا تقبل؛ لأنه يجر إلى نفسه نفعاً فهو متهم، كما ترد شهادة العدو على عدوه للتهمة. ولنا عموم أدلة الشهادة، وما قاله يبطل بشهادة الغريم للمدين قبل الحجر وإن كان ربما قضاه دينه منه فجر إلى نفسه نفعاً أعظم مما يرجوه الصديق من صديقه، وأما العداوة فسببها محظور وفي الشهادة عليه شفاء غيظه منه فخالف الصداقة.
مسألة ١١: (وتجوز شهادة الأصم على المرئيات) .
مسألة ١٢: (وتجوز شهادة الأعمى إذا تيقن الصوت) روي ذلك عن ابن عباس وعلي، لقوله سبحانه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ولأنه قول علي وابن عباس ولم يعرف لهما مخالف فكان إجماعاً، ولأن روايته مقبولة فقبلت شهادته كالبصير، ولأن السمع أحد الحواس التي يحصل بها اليقين، وقد يكون المشهود عليه ممن ألفه الأعمى وعرف صوته يقيناً، وهذا لا سبيل إلى إنكاره، وجواز اشتباه الأصوات كجواز اشتباه الصور، وفارق الأفعال فإن طريق الشهادة عليها الرؤية ولا يمكنه رؤيتها، فإذا ثبت هذا فإنما يجوز له أن يشهد إذا تيقن الصوت وعلم المشهود عليه يقيناً، فإن جواز أن يكون صوت غيره لم يجز أن يشهد به كما لو اشتبه على البصير المشهود عليه فلم يعرفه، ولا خلاف في قبول روايته وجواز استمتاعه من زوجته إذا عرف صوتها.
مسألة ١٣: (وتجوز شهادة المستخفي) وهو الذي يخفي نفسه عن المشهود عليه ليستمع إقراره ولا يعلم به، كالرجل يجحد الحق علانية ويقر به سراً، فيختفي له شاهدان لا يعلم بهما فإن أقر به سراً سمعاه وشهدا عليه فشهادتهما مقبولة على الرواية الصحيحة وهو قول الشافعي، وقد روي عن أحمد لا تقبل شهادته وهو اختيار أبي بكر وابن أبي موسى؛ لأن الله سبحانه قال: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] وروي «عن النبي ﷺ أنه قال: "من حدث بحديث ثم التفت فهي أمانة» يعني لا يجوز لسامعه أن يذكره عنه لالتفاته وحذره، ولنا أنهما سمعا إقراره فقبلت شهادتهما كما لو أشهدهما.
مسألة ١٤: (ويجوز شهادة من سمع إنساناً يقر بحق وإن لم يقل للشاهد اشهد علي) وعنه لا يشهد حتى يقول له المقر: اشهد علي، كالشهادة على الشهادة؛ لأنه يجوز
стр. 664
(١٥) وما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته في قلبه جاز أن يشهد به كالشهادة على النسب والولادة
(١٦) ولا يجوز ذلك في حد ولا قصاص
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
لشاهد الفرع أن يشهد بها حتى يقول له شاهد الأصل: اشهد علي أني أشهد على فلان بكذا، وعنه رواية ثالثة إذا سمعه يقر بقرض لا يشهد وإن سمعه يقر بدين شهد؛ لأن المقر بالدين معترف أنه عليه الآن، والمقر بالقرض لا يعترف بذلك؛ لأنه يجوز أنه اقترض منه ثم وفاه، وعنه رواية رابعة أنه إذا سمع الشهادة فدعي إلى إقامتها فهو بالخيار إن شاء شهد وإن شاء لم يشهد. قال: ولكن يجب عليه إذا شهد أن يشهد إذا دعي لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢] قال: إذا شهدوا، والصحيح الأول؛ لأن الشاهد يشهد بما علمه وقد حصل له العلم بسماعه، فجاز أن يشهد به كما يجوز أن يشهد على الأفعال من القتل والجرح والسرقة والأفعال برؤيتها، فإن السارق لا يقول: اشهدوا على أنني سرقت، وكذا كل فاعل فاحشة أو معصية، وفارق الشهادة على الشهادة فإنها ضعيفة فاعتبر تقويتها بالاسترعاء.
مسألة ١٥: (وما تظاهرت به الأخبار واستقرت معرفته في قلبه جاز أن يشهد به كالشهادة على النسب والولادة) أجمعوا على صحة الشهادة في النسب والولادة، قال ابن المنذر: أما النسب فلا نعلم أحداً من أهل العلم منع منه، ولو منع ذلك لاستحالت معرفة الشهادة به إذ لا سبيل إلى معرفة ذلك قطعاً، ولا يمكن المشاهدة لسببه، وإنما نعلم ذلك من طريق الظاهر فجازت الشهادة به بالظن. وأما ما عدا النسب والولادة مما تجوز الشهادة به بالاستفاضة فذكر أصحابنا تسعة أشياء: النكاح، والملك المطلق، والوقف، ومصرفه، والموت، والعتق، والولاء، والولاية، والعزل؛ لأن هذه الأمور تتعذر في الغالب معرفة أسبابها، ويحصل العلم فيها بالاستفاضة فجاز أن يشهد بها كالنسب، وظاهر كلام أحمد أنه لا يشهد بذلك حتى يسمعه من عدد كثير يحصل له به العلم؛ لأن الشهادة لا تجوز إلا على ما علمه، وقال القاضي: يجوز أن يسمع من عدلين يسكن قلبه إلى خبرهما؛ لأن الحق يثبت بقول اثنين.
مسألة ١٦: (ولا يجوز ذلك في حد ولا قصاص) ؛ لأن شهادة الاستفاضة ضعيفة لكونها مبنية على غلبة الظن فالأصل أن لا تجوز، وإنما جازت في هذه الأشياء حفظاً لها
стр. 665
(١٧) وتقبل شهادة القاذف وغيره بعد توبته
باب من ترد شهادته لا تقبل شهادة صبي ولا زائل العقل ولا أخرس ولا كافر ولا فاسق
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
أن لا تضيع كشهادة النسب مثلاً، بخلاف الحدود والقصاص فإن مبناها على الدرء والإسقاط فاحتيج فيه إلى العلم به ليشهد به، قال عمر ﵁: اشهد علي مثل الشمس أو دع.
مسألة ١٧: (وتقبل شهادة القاذف وغيره بعد توبته) ؛ لأن الله قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] إلى قوله - ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]- ثم قال - ﴿إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [النور: ٥] نص على قبول شهادة القاذف إذا تاب، وكذلك الفاسق إذا تاب قبلت شهادته بالقياس على القاذف إذا تاب، والتوبة الندم والاستغفار من الذنب والعزم أن لا يعود، لقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] الآية، وإن كانت مظلمة لآدمي فالتوبة من ذلك التخلص منه برده إلى مالكه والتحليل منه؛ لأن الحق لآدمي فلا يبرأ منه إلا بأدائه أو إبرائه، وتوبة القاذف إكذابه لنفسه لما روي عن عمر أنه قال: توبة القاذف إكذابه نفسه، ولأنه بالقذف أثبت العار فبإكذابه نفسه يزيله، فإن لم يكن كاذباً قال: قذفي لفلانة كان باطلاً، وقد ندمت عليه ولا أعود إلى مثله، وأنا تائب إلى الله تعالى منه.
[باب من ترد شهادته]
(لا تقبل شهادة صبي) لقوله سبحانه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والصبيان ليسوا من رجالنا، ولأنه غير مكلف أشبه المجنون. وعنه تقبل شهادة ابن عشر إذا كان عاقلاً في حال أهل العدالة؛ لأنه يؤمر بالصلاة ويضرب عليها أشبه البالغ. وعنه شهادة الصبيان في الجراح خاصة قبل الافتراق عن الحال التي تجارحوا عليها؛ لأنه قول ابن الزبير والمذهب الأول لما سبق.
الثاني (العقل) فلا تقبل شهادة المجنون والمعتوه ولا السكران ولا المبرسم؛ لأن قولهم على أنفسهم لا يقبل فعلى غيرهم أولى.
الثالث الكلام (فلا تقبل شهادة الأخرس) بالإشارة لأنها محتملة فلم تقبل كإشارة الناطق، وإنما تقبل في
стр. 666
(١٨) ولا مجهول الحال
(١٩) ولا جار إلى نفسه نفعا
(٢٠) ولا دافع عنها شرا
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
أحكامه المختصة به للضرورة، وهي هاهنا معدومة، ويحتمل أن تقبل فيما طريقه الرؤية إذا فهمت إشارته؛ لأن إشارته بمنزلة نطقه كما في سائر أحكامه.
الرابع: الإسلام (فلا تقبل شهادة كافر) بحال لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والكافر ليس بعدل ولا مرضي ولا هو منا، إلا شهادة أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم لقوله سبحانه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] الآيات، وهذا نص، قد قضى به رسول الله ﷺ وأصحابه، قال أبو عبيد: قضى به ابن مسعود في زمن عثمان ﵁.
الخامس: أن يكون من أهل العدالة (فلا تقبل شهادة الفاسق) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ويعتبر في العدالة شيئان:
أحدهما: الصلاح في الدين وهو أداء الفرائض واجتناب المحارم بحيث لا يرتكب كبيرة ولا يدمن على صغيرة، ولأن الفاسق لا يؤمن منه شهادة الزور؛ لأن الله نص على الفاسق فقسنا عليه مرتكب الكبائر، وهي كل ما فيه حد أو وعيد، واعتبرنا في مرتكب الصغائر الأغلب فإذا كان الأغلب منه فعل الطاعات لم ترد شهادته، وإن كان الأغلب فعل الصغائر بحيث يصر عليها ردت شهادته؛ لأن الحكم للأغلب بدليل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨] ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٩] الآية.
مسألة ١٨: (ولا تقبل شهادة مجهول الحال) ؛ لأن العدالة شرط، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وهذا غير مرضي، وهو غير معلوم العدالة فلا تقبل شهادته كالفاسق.
مسألة ١٩: (ولا تقبل شهادة من يجر إلى نفسه نفعاً) بشهادته كشهادة السيد لمكاتبه والوارث لموروثه، فإن المكاتب عبد لقوله ﷺ : «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» (رواه أبو داود) فكأنه يشهد لنفسه؛ لأن مال عبده له.
مسألة ٢٠: (ولا تقبل شهادة من يدفع عن نفسه ضرراً) كشهادة العاقلة بجرح شهود الخطأ لأنهم يدفعون عن أنفسهم الدية فلا تقبل للتهمة في ذلك.
стр. 667
(٢١) ولا شهادة والد وإن علا لولده، ولا ولد لوالده
(٢٢) ولا سيد لعبده ولا مكاتبه
(٢٣) ولا شهادتهما له
(٢٤) ولا أحد الزوجين لصاحبه
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
مسألة ٢١: (ولا تقبل شهادة والد وإن علا لولده، ولا ولد لوالده) وإن سفل، فالولادة مانعة من الشهادة من العمودين سواء في ذلك الآباء والأمهات وآباؤهما وأمهاتهما، وعنه تقبل شهادة الابن لأبيه ولا تقبل شهادة الأب له؛ لأن مال الابن لأبيه أو في حكم ماله له أن يتملكه، فشهادته له شهادة لنفسه أو يجر بها لنفسه نفعاً، قال ﷺ : «أنت ومالك لأبيك» (رواه ابن ماجه) ، ولا يوجد هذا في شهادة الابن لأبيه، وعنه رواية ثالثة: تقبل شهادة كل واحد منهما لصاحبه فيما لا تهمة فيه كالنكاح والطلاق والقصاص والمال إذا كان مستغنياً عنه؛ لأن كل واحد منهما لا ينتفع بذلك فلا تهمة في حقه، وعن عمر تقبل شهادة بعضهم لبعض؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ، ودليل الأولى ما روى الزهري عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا ذي غمر ولا ظنين في قرابة ولا ولاء» (رواه الترمذي) ، والظنين المتهم، والأب متهم لولده؛ لأن بينهما بضعة فكأنه يشهد لنفسه، وقال ﷺ : «فاطمة بضعة مني يريبني ما أرابها» (رواه البخاري) ولأنه متهم في الشهادة لولده كتهمة العدو في الشهادة على عدوه، والابن كذلك؛ لأنه وارث أبيه. وأما الآية فنخصها بخبرنا فإنه أخص منها.
مسألة ٢٢: (ولا تقبل شهادة سيد عبد لعبده) ؛ لأنه يشهد لنفسه؛ لأن ماله له. (ولا تجوز شهادته لمكاتبه) لذلك.
مسألة ٢٣: (ولا تجوز شهادتهما له) يعني لا تجوز شهادة العبد ولا المكاتب لسيدهما لأنهما متهمان في ذلك؛ لأن العبد ينبسط في مال سيده ويتصرف فيه وتجب نفقته منه ولا يقطع بسرقته فلا تقبل شهادته له كالابن مع أبيه.
مسألة ٢٤: (ولا تجوز شهادة أحد الزوجين لصاحبه) في إحدى الروايتين، وتقبل
стр. 668
(٢٥) ولا شهادة الوصي فيما هو وصي فيه، ولا الوكيل فيما هو وكيل فيه، ولا الشريك فيما هو شريك فيه
(٢٦) ولا العدو على عدوه
(٢٧) ولا معروف بكثرة الغلط والغفلة شهادته
(٢٨) ولا من لا مروءة له كالمسخرة وكاشف عورته للناظرين في حمام أو غيره
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
في الأخرى؛ لأنه عقد على منفعة فلا يتضمن رد الشهادة كالإجارة، ودليل الأولى أن كل واحد منهما يرث صاحبه من غير حجب وينبسط في ماله عادة فهو متهم في حقه فلم تقبل شهادته له كالأب مع ابنه، ولأن يسار الرجل يزيد في نفقة امرأته ويسار المرأة يزيد به قيمة بضعها المملوك لزوجها فكان كل واحد منهما يجر إلى نفسه نفعاً، ولهذا يضاف مال كل واحد منهما إلى صاحبه قال الله سبحانه: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] الآية، وقال تعالى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] فأضافها إليهن تارة وإلى النبي ﷺ تارة، وقال ابن مسعود للذي قال إن غلامي سرق مرآة امرأتي: عبدكم سرق مالكم. ويفارق عقد الإجارة من هذا الوجوه.
مسألة ٢٥: (ولا تقبل شهادة الوصي فيما هو وصي فيه) ؛ لأنه متهم في ذلك (ولا الوكيل فيما هو وكيل فيه) لذلك (ولا الشريك فيما هو شريك فيه) ؛ لأنه يشهد لنفسه.
مسألة ٢٦: (ولا العدو على عدوه) لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان ولا زانية ولا ذي غمر على أخيه» رواه أبو داود، والغمر الحقد، ولأن العداوة تورث التهمة فتمنع الشهادة كالقرابة القريبة، وتخالف الصداقة فإن شهادة الصديق لصديقه بالزور نفع غيره بمضرة نفسه وبيع آخرته بدنيا غيره، وشهادة العدو على عدوه يقصد بها نفع نفسه بالتشفي من عدوه فافترقا.
مسألة ٢٧: (ولا من يعرف بكثرة الغلط والغفلة) ؛ لأنه لا يوثق بقوله لاحتمال أن يكون من غلطاته فربما شهد على غير من استشهد عليه أو بغير ما شهد به أو لغير من أشهده، واعتبرنا كثرة الغلط؛ لأن أحداً لا يسلم من الغلط في الجملة، فقد كان النبي ﷺ يسهو، فلو منع الغلط القليل الشهادة لانسد باب الشهادات، فاعتبرنا الغلط الكثير كما اعتبرنا كثرة المعاصي في الإخلال بالعدالة، إذا ثبت هذا فينبغي للشاهد أن يكون حافظاً متيقظاً ضابطاً لما يشهد به لتحصل الثقة بقوله ويغلب على الظن صدقه.
مسألة ٢٨: (ولا تجوز شهادة من لا مروءة له كالمسخرة وكاشف عورته للناظرين
стр. 669
(٢٩) ومن شهد بشهادة يتهم في بعضها ردت كلها
(٣١) ولا يسمع في الجرح
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
في الحمام أو غيره) والمصافع والمغني والرقاص؛ لأن ذلك سخف ودناءة، فإذا استحسن هذا ورضيه لنفسه فلا مروءة له ولا تحصل الثقة بقوله، وروى ابن مسعود قال: قال ﷺ : «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت» (رواه البخاري) أي: من لا يستحي صنع ما يشاء، فإن صنع شيئاً من ذلك متخفياً به لم يمنع قبول شهادته؛ لأن مروءته لا تسقط به.
مسألة ٢٩: (ومن شهد بشهادة يتهم في بعضها ردت كلها) كشهادة الشريك لشريكه والوارث لموروثه؛ لأنه يشهد لنفسه وشهادته لنفسه لا تصح كذا هاهنا.
مسألة ٣٠: (ولا يسمع في الجرح والتعديل والترجمة ونحوها إلا شهادة اثنين) وعنه تقبل من واحد وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه خبر لا يعتبر فيه لفظ الشهادة فقبل من واحد كالرواية، ولنا أن الجرح والتعديل إثبات صفة من يبني الحاكم حكمه على صفته فاعتبر فيه العدد كالحضانة، وفارق الرواية لبنائها على المساهلة، ولا نسلم أنه لا يفتقر إلى لفظ الشهادة، ويعتبر في الجرح والتعديل اللفظ فيقول في التعديل: أشهد أنه عدل، ويكفي هذا وإن لم يقل علي ولا لي لقوله سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فإذا شهد أنه عدل ثبتت عدالته عليه وله، ودخل في عموم الآية. وأما الترجمة فحكمها كذلك فإذا تحاكم إلى القاضي أعجميان لا يعرف لسانهما فلا بد من مترجم عنهما، ولا يقبل إلا من اثنين عدلين، وعنه تقبل من واحد وهو اختيار أبي بكر عبد العزيز، وقال ابن المنذر في «حديث زيد بن ثابت: إن رسول الله ﷺ أمره أن يتعلم كتاب اليهود قال: فكنت أكتب له إذا كتب إليهم وأقرأ له إذا كتبوا إليه» ، ولأنه لا يفتقر إلى لفظ الشهادة أشبه أخبار الديانات، ولنا أنه نقل ما خفي على الحاكم إليه فيما يتعلق بالمتخاصمين فوجب فيه العدد كالشهادة، ويفارق أخبار الديانات لأنها لا تتعلق بالمتخاصمين. ولا نسلم أنه لا يعتبر لفظ الشهادة، ولأن ما لا يفهمه الحاكم وجوده عنده كغيبته، فإذا ترجم له كان كنقل الإقرار إليه من غير مجلسه، ولا يقبل ذلك إلا من شاهدين كذا هاهنا، فعلى هذا تكون الترجمة شهادة تفتقر إلى العدد والعدالة ويعتبر فيها من الشروط ما يعتبر في الشهادة على الإقرار بذلك
стр. 670
والتعديل ونحوها إلا شهادة اثنين
(٣١) وإذا تعارض الجرح والتعديل قدم الجرح
(٣٢) وإن شهد شاهد بألف وآخر بألفين قضى له بألف وحلف مع شاهده على الألف الآخر إن أحب
(٣٣) وإن قال أحدهما: ألف من قرض، وقال الآخر: من ثمن مبيع لم تكمل
ــ
[العُدَّة شرح العُمْدة]
الحق، فإن كان مما يتعلق بالحدود والقصاص اعتبر فيها الحرية، وإن كان مالاً كفى ترجمة رجل وامرأتين، وإن كان مما لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين لم يقبل إلا ترجمة رجلين، وإن كان حد زنا ففي الشهادة على الإقرار به روايتان:
إحداهما لا يكفي إلا شهادة أربعة.
والثانية: يكفي شهادة اثنين، فالترجمة عن الإقرار به تخرج على وجهين، ويعتبر في ذلك كله لفظ الشهادة؛ لأنه شهادة. وإن قلنا: يكتفي بواحد فلا بد من عدالته، وتقبل من العبد؛ لأنه من أهل الشهادة.
مسألة ٣١: (وإذا تعارض الجرح والتعديل قدم الجرح) قال مالك: ننظر أيهما أعدل اللذان جرحاه أو اللذان عدلاه، ولنا أن الجارح معه زيادة علم خفيت على المعدل فوجب تقديمه؛ لأن التعديل يتضمن نفي الريبة والمحارم، والجارح مثبت لوجود ذلك، والإثبات مقدم على النفي، ولأن الجارح يقول رأيته يفعل كذا وكذا ومستند المعدل أنه لم يره يفعل ذلك ويمكن صدقهما والجمع بين قوليهما بأن يكون الجارح رآه يفعل ذلك والمعدل لم يره.
مسألة ٣٢: (وإن شهد شاهد بألف وآخر بألفين قضى له بألف وحلف مع شهادته على الألف الآخر إن أحب) وذلك أنه متى شهد أحد الشاهدين بشيء وشهد الآخر ببعضه صحت الشهادة وثبت ما اتفقا عليه وحكم به، وعن أبي حنيفة أنه إذا شهد شاهد أنه أقر بألف وشهد آخر أنه أقر بألفين لم تصح الشهادة؛ لأن الإقرار بالألف غير الإقرار بالألفين ولم يشهد بكل إقرار إلا واحد، ولنا أن الشهادة كملت فيما اتفقا عليه فحكم به كما لو لم يزد أحدهما على صاحبه، فأما ما انفرد به أحدهما فإن للمدعي أن يحلف معه ويستحق، وهو قول من يرى الحكم بشاهد ويمين.
مسألة ٣٣: (وإن قال أحدهما: ألف من قرض، وقال الآخر: من ثمن مبيع لم تكمل الشهادة) ؛ لأن كل واحد منهما شهد بغير ما شهد به الآخر، والمسألة الأولى فيما إذا أطلقا الشهادة أو عزواها إلى سبب واحد، فأما مع اختلاف الأسباب كما ذكرناه أو مع اختلاف
следующие страницы →