← Адаб

Адаб · id 10909

العمدة في محاسن الشعر وآدابه

ابن رشيق القيرواني

Полный текст (633 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه فالسين حرف الروي، وحركتها مجرى، وإن شئت إطلاق، كلاهما يقال، والهاء وصل، وحركتها نفاذ، وبعدها في اللفظ ياء هي الخروج، ولو كانت الهاء مضمومة كان الخروج واواً، أو مفتوحة كان الخروج ألفاً. ولا يكون حرف الروي إلا في أحد ثلاثة مواضع: إما متأخراً كقول طرفة: لخولة أطلال ببرقة ثهمد. فالدال روي، وإما قبل المتأخر ملاصقاً له كقول عمرو بن كلثوم: ألا هبي بصحنك فاصبحينا. فالنون حرف الروي، أو قبل المتأخر بحرف كقول لبيد: عفت الديار محلها فمقامها. فالميم حرف الروي، وهذه المواضع المذكورة إنما هي في اللفظ لا في الخط، ولا يكون حرف الروي إذا كان بعده شيء إلا متحركاً؛ لأن المقيد لا شيء بعده، وأنشد بعضهم: شلت يداً فارية فرتها. على أن التاء حرف روي، فرد ذلك العلماء بالعلة التي ذكرتها، وقالوا: إنما التزم التاء والراء قبلها اتساعاً، وإلا فالهاء هي الروي. وكل شعر فلا بد أن يكون: مطلقاً، أو مقيداً، ثم لا بد أن يكون مردفاً أو مؤسساً، أو معرى منهما مجرداً. فالمردف نوعان: تشترك الياء والواو في أحدهما، ثم قول علقمة الفحل: طحا بك قلب في الحسان طروب ... بعيد الشباب عصر حان مشيب فالياء في مشيب مقام الواو في طروب. وتنفرد الألف بالنوع الآخر نحو قول امرئ القيس:

стр. 142

ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي. لا يشركها غيرها، والحركة التي قبل الردف ياء كانت أو واواً أو ألفاً تسمى الحذو، وقد تجر الضمة واواً في اللفظ، والكسرة ياء، وذلك مع هاء الضمير، فتكون ردفاً، وإن لم تثبت في الخط، نحو قول ابن المعتز: ضمخوا عارضها بال ... مسك في خد أسيل تحت صدغين يشيرا ... ن إلى وجه جميل عندي الشوق إليه ... والتناسي عنده لي ومن المردف ما تكون حركة الحذو فيه مخالفة للردف؛ فيجعل شعراً على جهته؛ فإن دخل مع غيره كان سناداً، وذلك مثل هول وسيل يكونان في قصيدة، ولا يكون معهما سول وفيل. وقياس المردف في الوصل والخروج وغير ذلك من حروف الروي وحركته جار على ما تقدم في المجرد من الردف، إلا الحذو والتوجيه؛ فإن المقيد يختص بالتوجيه، وهو الروي، والمردف يختص بالحذو، وهو حركة ما قبل الردف، وإن كان المردف مقيداً سقط التوجيه وبقي الحذو؛ لأن الردف قد سد موضع التوجيه. وقد يلتبس بالمردف ما ليس بمردف فيجتنبه الشعراء، مثل فيهم مع منهم وهو جائز؛ لأن الهاء ليست روياً فتكون الياء ردفاً، وإنما الروي الميم، ويجتنبون منكم مع منهم وذلك جائز لا عيب فيه؛ لما قدمت آنفاً وكان ابن الرومي خاصة من بين الشعراء يلتزم ما لا يلزمه في القافية، حتى أنه لا يعاقب بين الواو والياء في أكثر شعره قدرة على الشعر واتساعاً فيه.

стр. 143

والأجود أن يكون الردف والروي جميعاً في كلمة واحدة، فإذا كانا في كلمتين فلا بأس. والمؤسس من الشعر: ما كانت فيه ألف بينها وبين حرف الروي حرف يجوز تغييره؛ فذلك الحرف يسمى الدخيل، وحركته تسمى الإشباع، ويجوز تغييرها عند الخليل، ولا يجوز عند أبي الحسن الأخفش، مثال ذلك ما أنشده أبو زكريا الفراء: نهوى الخليط وإن أقمنا بعدهم ... إن المقيم مكلف بالسائر إن المطي بنا يخدن ضحى غدٍ ... واليوم يوم لبانة وتزاور وهو جائز غير معيب، وأما القاضي أبو الفضل فرأيه أن حركة الدخيل ما دامت إشباعاً جاز فيها التغيير بالنصب والخفض والرفع؛ فإذا قيد الشعر وصار موضع الإشباع التوجيه لم يجز الفتح مع واحد منهما، واعتل في ذلك بحال المطلق غير المؤسس أن ما قبل رويه جائز تغييره، فإذا قيد لم يجز الفتح فيه إلا وحده، فهو سناد، ويشارك الضم والكسر، وهذا قول واضح البيان، ظاهر البرهان، والناس مجمعون على تغيير الدخيل حتى أن بعضهم لم يسمه لتغيره واضطرابه لكن عده فيما لا يلزم القافية فسكت عنه. وأما الإشباع فالقول فيه ما قدمت، وإذا كان ألف التأسيس في كلمة وحرف الروي في كلمة أخرى لم يعدوها تأسيساً لبعدها، إلا أن يكون حرف الروي مع مضمر متصل أو منفصل، فإن الشاعر بالخيار: إن شاء جعل الألف تأسيساً، وإن شاء لم يجعلها تأسيساً؛ فالتي لا تكون عندهم تأسيساً قول عنترة: والناذرين إذا لم ألقهما دمى. لما كان الاسم ظاهراً، وقد أنشد بعضهم في أبيات اللغز والمعاياة:

стр. 144

أقول لعمرو حين خود رأله ... ونحن بوادي عبد شمس وهاشم وهي: من الوهى، وشم من الشيم للبرق.. وقول الآخر: أقول لعبد الله لما لقيته ... ونحن بوادي الروم فوق القناطر: فالقنا: جمع قناة، وطر، أمر من طار يطير، فرخص فيه لما انكسرت حركة دخيله على متعارف الشعر، وهو كلام حسن الظاهر، إلا أنه خلاف لما قال العلماء، والتي تكون تأسيساً لكونها مع المضمر قول الشاعر: تزيد حسى الكأس السفيه سفاهة ... وتترك أخلاق الكريم كما هيا وقول جرير: فردي جمال الحي ثم تحملي ... فما لك فيهم من مقام ولا ليا فهذا ضمير متصل، والذي قبله ضمير منفصل.. ومما جاءت الألف فيه غير تأسيس مع المضمر قول الشاعر، وهو من شواهد أبي الفتح عثمان بن جني النحوي: أيه جاراتك تلك الموصية ... قائلة لا تسقيا بحبليه لو كنت حبلاً لسقيتها بيه ... أو قاصراً وصلته بثوبيه فالألف في سقيتها غير تأسيس، فإذا كانت الهاء والكاف التي للمخاطب دخيلاً لم يخلط الشعراء بها غيرها اتساعاً، وإلا فهو جائز. وأنشد الجرمي لعوف ابن عطية ابن الخرع:

стр. 145

فإن شئتما ألقحتما ونتجتما ... وإن شئتما عيناً بعين كما هما وإن كان عقلاً فاعقلا لأخيكما ... بنات المخاض والفصال المقاحما ومن المؤسس والمردف ما يلتبس على المبتدئ فلا يميزه إلا عن كلفة وبعد فترة، فأوردت منه ما يكون له مثالاً يستدل به ويعمل عليه إن شاء الله تعالى. فمن ذلك تغيير ما قبل الكاف في القافية المؤسسة لأنه دخيل، والكاف روي، والتزامه يعد اتساعاً، فإذا كان موضع الكاف هاء صار الشعر مردفاً موصولاً ولم يجز تغيير ما قبل الهاء، لأنك لو غيرته لكنت قد غيرت حرف الروي، مثال ذلك قول كثير أو غيره: تراغت لو شك البين بزل جمالك ... ولو شئت ما فجعتني بارتحالك فالتزم اللام في القصيدة كلها أو في أكثرها؛ اتساعاً، ولو غير كما فعل ذو الرمة في قوله: أما استحلبت عينيك إلا محلة ... بجمهور حزوي أو بجرعاء مالك أناخت روايا كل دلو به بها ... وكل سماكي أجش المبارك لم يكن عيباً؛ لأن الكاف روي وصلتها الياء التي بعدها في اللفظ، والدخيل راء المبارك ولام مالك وقد التزمه كثير كأن القافية عنده لاميه مردفة، فالكاف مقام الهاء صلة على المجاز لا على الحقيقة، وقال كثير في المردف: على ابن أبي العاص دلاص حصينة ... أجاد المسدي سردها وأذالها فاللام روي، والألف التي قبلها ردف، والهاء صلة، والألف التي بعدها خروج، ولا يجوز أن يقال لهذه القافية مؤسسة؛ لأن الهاء إذا تحرك ما قبلها وليست من نفس الكلمة لم تكن إلا صلة، وإذا كانت الهاء صلة لم تكن اللام إلا روياً، ولا يجوز تغييرها.

стр. 146

وجميع ما يلحق القوافي من الحروف والحركات ستة أحرف وست حركات، فالأحرف: الروي، والردف، والتأسيس، والوصل، والخروج، والدخيل؛ والحركات: الإطلاق، والحذو، والرس، والتوجيه، والنفاذ، والإشباع، والذي يجتمع منها في قافية واحدة خمسة أحرف، وهي: التأسيس، والروي، والصلة، والخروج، والدخيل؛ وكلها يلزم تكراره بعينه إلا الدخيل، وأربع حركات، وهي: الرس، والإشباع، والإطلاق، والنفاذ، وذلك مثل قول الشاعر: يوشك من فز من منيته ... في بعض غراته يوافقها ولا يجتمع في قافية الحذو والرس، كما لا يجتمع الردف والتأسيس، وكذلك لا يجتمع أيضاً التوجيه والإشباع، فيسقط التوجيه إذا كان المؤسس مطلقاً، ويسقط الإشباع إذا كان المؤسس مقيداً. وقد أنكر الجرمي والأخفش وأصحابهما على الخليل تسمية الرس، وقالوا: لا معنى لذكر هذه الفتحة؛ لأن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحاً، وإنما احتيج إلى ذكر الحذو قبل الردف لأن الحذو قد يتغير فيكون مرة فتحة قبل ألف ومرة كسرة قبل ياء ومرة ضمة قبل واو.. ومما يجب أن يراعى في هذا الباب الإقواء، والإكفاء، والإيطاء، والسناد، والتضمين؛ فإنها من عيوب الشعر. فأما الإقواء والإكفاء فاختلف العلماء فيهما وفي اشتقاقهما.. وأما السناد

стр. 147

والإيطاء فاتفقوا فيما دون اشتقاقهما. وعند أكثر العلماء: اختلاف إعراب القوافي إقواء، وهو غير جائز لمولد، وإنما يكون في الضم والكسر، ولا يكون فيه فتح، هذا قول الحامض.. وقال ابن جني: والفتح فيه قبيح جداً، إلا أن أبا عبيدة ومن قال بقوله كابن قتيبة يسمون هذا إكفاء، والإقواء عندهم: ذهاب حرف أو ما يقوم مقامه من عروض البيت، نحو قول الشاعر وهو بجير بن زهير بن أبي سلمى: كانت علالة يوم بطن حنين ... وغداة أوطاس ويوم الأبرق واشتقاقه عندهم فيما روى النحاس من أقوت الدار إذا خلت كأن البيت خلا من هذا الحرف. وقال غيره: إنما هو من أقوى الفاتل حبله إذا خالف بين قواه فجعل إحداهن قوية والأخرى ضعيفة، أو ممرة والأخرى سحيلة، أو بيضاء والأخرى سوداء، أو غليظة والأخرى دقيقة، أو انحل بعضها دون بعض أو انقطع، وهذا يسميه الخليل المقعد، وهو من باب الوزن، لا من

стр. 148

باب القافية، والجمهور الأول من العلماء على خلاف رأي أبي عبيدة في الإقواء. وأما الإكفاء فهو الإقواء بعينه عند جلة العلماء: كأبي عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب، وهو قول أحمد بن يحيى ثعلب، وأصله من أكفأت الإناء إذا قلبته، كأنك جعلت الكسرة مع الضمة وهي ضدها، وقيل: من مخالفة الكفوة صواحبها، وهي النسيجة من نسائج الخباء تكون في مؤخره، فيقال: بيت مكفأ، تشبيهاً بالبيت المكفأ من المساكن إذ كان مشبهاً به في كل أحواله.. قال الأخفش البصري: الإكفاء القلب، وقال الزجاجي وابن دريد: كفأت الإناء إذا قلبته، وأكفأته إذا أملته، كأن الشاعر أمال فمه بالضمة فصيرها كسرة، إلا أن ابن دريد رواهما أيضاً بمعنى قلبته شاذاً، وقيل: بل من المخالفة في البناء والكلام، يقال أكفأ الباني إذا خالف في بنائه، وأكفأ الرجل في كلامه إذا خالف نظمه فأفسده، قال ذو الرمة: ودوية قفر ترى وجه ركبها ... إذا ما علوها مكفأ غير ساجع وقال المفضل الضبي: الإكفاء اختلاف الحروف في الروي، وهو قول محمد بن يزيد المبرد، وأنشد: قبحت من سالفة ومن صدغ ... كأنها كشية ضب في صقع فأتى بالعين مع الغين، واشتقاقه عنده من المماثلة بين الشيئين، كقولك فلان كفء فلان، أي: مثله، قال: ومنه كافأت الرجل، كأن الشاعر جعل حرفاً مكان حرف، والناس اليوم في الإكفاء على رأي المفضل، وهو عيب لا يجوز أيضاً لمحدث، ولا يكون إلا فيما تقارب من الحروف، وإلا فهو غلط بالجملة، هذا رأي الأخفش سعيد بن مسعدة، والخليل يسمي هذا النوع: الإجازة. قال الفراء: الإجازة في قول الخليل: أن تكون القافية طاء والأخرى

стр. 149

دالاً، وقال أبو إسحاق النجيرمي: الإجازة بالراء لا غير وهي من الجوار، وهو الموج، قال ابن السكيت: وهو الماء الكثير، وأنشد للقطامي يذكر سفينة نوح ﵇: ولولا الله جار بها الجوار. قال المهلبي: ورأيته بخط الطوسي والسكري بالراء، وهو قول الكوفيين، فأما البصريون فيقولون الإجازة بالزاي، حكى ذلك ابن دريد.. وقال بعض شيوخنا: الإجازة في القوافي مشتقة من الجوار في السكنى والذمام، ألا ترى أنها فيما تقارب من الحروف، فكأن الحرف جاور الآخر ودخل في ذمامه، وقال قوم: بل هي من الجور، كأن القافية جارت، أي: خالفت القصد، وأجارها الشاعر، أي: صيرها كذلك، وعلى هذا يصح قول النجيرمي. فإذا تأملنا أقاويل العلماء وجدنا الإجازة بالزاي اختلاف التوجيه، وهو حركة، والإجازة بالراء اختلاف الروي، وهو حرف، وليس هذا من هذا في شيء، فكأن العلماء لم يختلفوا حينئذ؛ لأن التسمية اختلفت باختلاف المسمى. ومثل الإجازة الإصراف، حكاه شيخنا أبو عبد الله، قال: وهو أن تكون القافية دالاً والأخرى طاءً، والقصيدة مصرفة، ولذلك قال الشاعر: مقومة قوافيها وليست ... بمصرفة الروي ولا سناد وأما السناد فأنواع كثيرة: منها وهو المشهور أن يختلف الحذو، وهو حركة ما قبل الردف، فيدخل شرط الألف وهي الفتحة على الياء والواو كقول الفضل بن عباس اللهبي: واملئي وجهك الجميلا خموشا.

стр. 150

ثم قال: وبنا سميت قريش قريشا. وهو كثير جائز للعرب غير جائز للمولدين، ومنها اختلاف الإشباع، كقول النابغة: يزرن ألالًا سيرهن التدافع. والقصيدة كلها إشباع، ومنها إرداف قافية وتجريد أخرى، كقول حسان بن ثابت في قافية: فأرسل حكيماً ولا توصه. وقال في أخرى: وشاور لبيباً ولا تعصه. ومنها تأسيس قافية دون أخواتها، كقول العجاج: فخندف هامة هذا العالم. وأول هذه الأرجوزة: يا دار سلمى يا اسلمي ثم اسلمي. وكلها غير مؤسسة إلا هذا البيت وحده، ويقال: إن لغته الهمز، فإذا همز لم يكن تأسيساً. ومنها اختلاف التوجيه، نحو قول امرئ القيس بن حجر:

стр. 151

لا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر ثم قال: تميم بن مر وأشياعها ... وكندة حولي جميعاً صبر إذا ركبوا الخيل واستلأموا ... تحرقت الأرض واليوم قر فما قبل الراء في البيت الأول مكسور، وفي الثاني مضموم، وفي الثالث مفتوح، وليس هذا بعيب شديد عندهم. قال الزجاجي: السناد: كل عيب يلحق القافية، ما خلا الإقواء والإكفاء والإيطاء، وهذا قول فيه بيان واختصار. وقال علي بن عيسى الرماني: السناد اختلاف ما قبل حرف الروي أو بعده على أي وجه كان الاختلاف: بحركة كان، أو بحرف.. وقال ابن جني: السناد: كل عيب يحدث قبل الروي. واشتقاق السناد من تساند القوم إذا جاءوا فرقاً لا يقودهم رئيس واحد، وقيل: بل هو من قولهم ناقة سناد إذا كانت قوية صلبة؛ لأن الياء الصلبة أقوى في النطق من الياء اللينة.. وقالوا: بل السناد الناقة المشرفة، كأن إحدى القوافي أشرفت على أخواتها. وأما الإيطاء فهو أن يتكرر لفظ القافية ومعناهما واحد، كما قال امرؤ القيس في قافية سرحة مرقب وفي قافية أخرى فوق مرقب وليس بينهما غير بيت واحد.. وكلما تباعد الإيطاء كان أخف، وكذلك إن خرج الشاعر من مدح إلى ذم، أو من نسيب إلى أحدهما، ألا ترى إلى

стр. 152

قولهم دع ذا وعد عن ذا فكأن الشاعر في شعر آخر، وأقبح من هذا الإيطاء قول تميم بن أبي بن مقبل: أو كاهتزاز رديني تداوله ... أيدي التجار فزادوا متنه لينا ويروي تذاوقه ثم قال في القصيدة غير بعيد: نازعت ألبابها لبي بمتصد ... من الأحاديث حتى زدنني لينا فكرر القافية والمعنى مع أكثر لفظ القسيم، وأشد من ذلك قول أبي ذؤيب في بنيه: سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم ... فتخرموا، ولكل جنب مصرع ثم قال في صفة الثور والكلاب: فصرعنه تحت العجاج فجنبه ... متترب، ولكل جنب مصرع فكرر ثلث البيت.. وإذا اتفق الكلمتان في القافية واختلف معناهما لم يكن إيطاء عند أحد من العلماء، إلا عند الخليل وحده، فإن يزيد عنده بمعنى الاسم ويزيد بمعنى الفعل إيطاء، وكذلك جون للأبيض والأسود، وجلل للكبير والصغير، وإذا كان أحد الاسمين نكرة والآخر معرفة لم يكن إيطاء، وكذلك ضرب للواحد وضربا للاثنين، ولم تضرب للمذكر ولم تضربي للمؤنث، ومن غلام ومن غلامي مضافاً، كل هذا ليس بإيطاء.. وأما اختلاف الحروف على الاسم كقولك لزيد وبزيد وعلى الفعل كقولك أضرب ويضرب وتضرب في مخاطبة المذكر والحكاية عن المؤنث؛ فكل ذلك إيطاء.. والإيطاء جائز للمولدين، إلا عند الجمحي وحده؛ فإنه قال: قد علموا أنه

стр. 153

عيب وقال الفراء: إنما يواطئ الشاعر من عي، وإذا كرر الشاعر قافية للتصريع في البيت الثاني لم يكن عيباً، نحو قول امرئ القيس: خليلي مرا بي على أم جندب. ثم قال في البيت الثاني لدى أم جندب واشتقاقه من الموافقة، قال الله : " ليواطئوا عدة ما حرم الله " أي: ليوافقوا.. وقال قوم: بل الإيطاء من الوطء، كأن الشاعر أوطأ القافية عقب أختها، كما قال توبة يخاطب بعل ليلى الأخيلية: لعلك يا تيساً نزا في مريرة ... تعاقب ليلى أن تراني أزورها علي دماء البدن إن كان بعلها ... يرى لي ذنباً غير أني أزورها والتضمين: أن تتعلق القافية أو لفظة مما قبلها بما بعدها، كقول النابغة الذبياني: وهم وردوا الجفار على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ، إني شهدت لهم مواطن صالحات ... وثقت لهم بحسن الظن مني وكلما كانت اللفظة المتعلقة بالبيت الثاني بعيدة من القافية كان أسهل عيباً من التضمين، ويقرب من قول النابغة قول كعب بن زهير: ديار التي بتت حبالي وصرمت ... وكنت إذا ما الحبل من خلة صرم فزعت إلى وجناء حرف كأنما ... بأقرابها قار إذا جلدها استحم

стр. 154

وأخف من هذا قول إبراهيم بن هرمة: إما تريني شاحباً مبتذلاً ... كالسيف يخلق جفنه فيضيع فلرب لذة ليلة قد نلتها ... وحرامها بحلالها مدفوع وليس منه قول متمم بن نويرة: لعمري وما دهري بتأبين هالك ... ولا جزعاً مما أصاب فأوجعا لقد كفن المنهال تحت ردائه ... فتىً غير مبطان العشيات أروعا وربما حالت بين بيتي التضمين أبيات كثيرة بقدر ما يتسع الكلام وينبسط الشاعر في المعاني، ولا يضره ذلك إذا أجاد. ويجمع القوافي كلها خمسة ألقاب: المتكاوس، وهو: أربع حركات بين ساكنين، وله جزء واحد وهو فعلتن، والفراء لا يعده؛ لأنه عنده من المتدارك؛ لأن فعلتن إنما هي مستفعلن مزاحف السببين؛ والمتراكب، وهو ثلاث متحركات بين ساكنين، ولها جزءان مفاعلتن وفعلن؛ والمتدارك، وهو: حركتان بين ساكنين، وهو نحو مفاعلن ومتفاعلن ومستفعلن وفاعلن؛ والمتواتر وهو: ما توالى فيه متحرك بين ساكنين، نحو مفاعيلن وفاعلاتن وفعلاتن ومفعولن؛ والمترادف، وهو: ما اجتمع في آخره ساكنان نحو فاعلان ومتفاعلان ومستفعلان، وما أشبه ذلك. ولا يجتمع نوعان من هذه الأنواع في قصيدة، إلا في جنس من السريع؛ فإن المتواتر يجتمع فيه مع المتراكب، إذا كان الشعر مقيداً كقول المرقش في بيت: وأطراف الأكف عنم.

стр. 155

وفي بيت آخر: قد قلت فيه غير ما تعلم. باب التقفية والتصريع هذا باب يشكل على كثير من الناس علمه، ويلحقه عيب سماه قدامة التجميع، كأنه من الجمع بين رويين وقافيتين، ورأيت من يقول: التخميع بالخاء كأنه من الخمع في الرجل، وسأذكره في موضعه، إن شاء الله تعالى. فأما التصريع فهو ما كانت عروض البيت فيه تابعة لضربه: تنقص بنقصه، وتزيد بزيادته، نحو قول امرئ القيس في الزيادة: قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان ... ورسم عفت آياته منذ أزمان وهي في سائر القصيدة مفاعلن، وقال في النقصان: لمن طلل أبصرته فشجاني ... كخط زبورٍ في عسيب يماني فالضرب فعولن، والعروض مثله لمكان التصريع، وهي في سائر القصيدة مفاعلن كالأولى؛ فكل ما جرى هذا المجرى في سائر الأوزان فهو مصرع. والتقفية: أن يتساوى الجزءان من غير نقص ولا زيادة، فلا يتبع العروض الضرب في شيء إلا في السجع خاصة، مثال ذلك قوله:

стр. 156

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل فهم جميعاً مفاعلن، إلا أن العروض مقفى مثل الضرب، فكل ما لم يختلف عروض بيته الأول مع سائر عروض أبيات القصيدة إلا في السجع فقط فهو مقفى. واشتقاق التصريع من مصراعي الباب، ولذلك قيل لنصف البيت مصراع كأنه باب القصيدة ومدخلها، وقيل: بل هو من الصرعين، وهما طرفا النهار، قال أبو إسحاق الزجاج: الأول من طلوع الشمس إلى استواء النهار، والآخر من ميل الشمس عن كبد السماء إلى وقت غروبها. قال شيخنا أبو عبد الله: وهما العصران. وقال قوم: الصرع المثل، وسبب التصريع مبادرة الشاعر القافية ليعلم في أول وهلة أنه أخذ في كلام موزون غير منثور، ولذلك وقع في أول الشعر، وربما صرع الشاعر في غير الابتداء، وذلك إذا خرج من قصة إلى قصة أو من وصف شيء إلى وصف شيء آخر فيأتي حينئذ بالتصريع إخباراً بذلك وتنبيهاً عليه، وقد كثر استعمالهم هذا حتى صرعوا في غير موضع تصريع، وهو دليل على قوة الطبع، وكثرة المادة، إلا أنه إذا كثر في القصيدة دل على التكلف، إلا من المتقدمين، قال امرؤ القيس: تروح من الحي أم تبتكر ... وماذا عليك بأن تنتظر؟ أمرخ خيامهم أم عشر ... أم القلب في إثرهم منحدر وشاقك بين الخليط الشطر ... وفيمن أقام من الحي هر

стр. 157

فوالى بين ثلاثة أبيات مصرعة في القصيدة، وقد يجعلون أولها: أحار بن عمرو كأني خمر ... ويعدو على المرء ما يأتمر وقال عنترة العبسي: أعياك رسم الدار لم يتكلم ... حتى تكلم كالأصم الأعجم ثم قال بعد بيت واحد: هل غادر الشعراء من متردم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم؟ يا دار عبلة بالجواء تكلمي ... وعمي صباحاً دار عبلة واسلمي فصرع البيت الأول والثالث والرابع. وقولنا في شعر امرئ القيس وعنترة وغيرهما مما يستأنف مصرع إنما هو مجاز وجرى على عادة الناس؛ لئلا يخرج عن المتعارف، وإلا فقد بينت ذلك أولاً. ومن الناس من لم يصرع أول شعره قلة اكتراث بالشعر، ثم يصرع بعد ذلك، كما صنع الأخطل إذ يقول أول قصيدة: حلت صبيرة أمواه العداد وقد ... كانت تحل وأدنى دارها نكد وأقفر اليوم ممن حله الثمد ... فالشعبتان فذاك الأبلق الفرد فصرع البيت الثاني دون الأول.. وقال ذو الرمة أول قصيدة: أداراً بحزوى هجت للعين عبرة ... فماء الهوى يرفض أو يترقرق ثم قال بعد عدة أبيات: أمن مية اعتاد الخيال المؤرق؟ ... نعم؛ إنها مما على النأي تطرق وكان الفرزدق قليلاً ما يصرع أو يلقي بالاً بالشعر، كقوله: ألم تر أني يوم جو سويقة ... بكيت فنادتني هنيدة ماليا فجاء بمثل هذه القصيدة الجليلة غير مصرعة. وكذلك قوله يرد على جرير:

стр. 158

تكاثر يربوع عليك ومالك ... على آل يربوع فما لك مسرح وأكثر شعر ذو الرمة غير مصرع الأوائل، وهو مذهب الكثير من الفحول وإن لم يعد فيهم لقلة تصرفه، إلا أنهم جعلوا التصريع في مهمات القصائد فيما يتأهبون له من الشعر، فدل ذلك على فضل التصريع. وقد قال أبو تمام وهو قدوة: وتقفو إلى الجدوى بجدوى، وإنما ... يروقك بيت الشعر حين يصرع فضرب به المثل كما ترى. والتصريع يقع فيه من الإقواء والإكفاء والإيطاء والسناد والتضمين ما يقع في القافية: فمن الإقواء ما أنشده الزجاجي، وهو قول بعضهم: ما بال عينك منها الماء مهراق ... سحاً فلا غارب منها ولا راقي ومن الإكفاء قول حسان بن ثابت، وأنشده الجاحظ: ولست بخير من أبيك وخالكا ... ولست بخير من معاظلة الكلب ومن الإيطاء قول عبد الله بن المعتز: يا سائلاً كيف حالي ... أنت العليم بحالي ومن السناد قول إسماعيل بن القاسم أبا العتاهية:

стр. 159

ويلي على الأظعان ولوا ... عني بعتبة فاستقلوا ومن التضمين قول البحتري: عذيري فيك من لاح إذا ما ... شكوت الحب قطعني ملاما ومن ابتداء القصائد التجميع، وهو: أن يكون القسيم الأول متهيئاً للتصريع بقافية ما، فيأتي تمام البيت بقافية على خلافها كقول جميل: يابثن إنك قد ملكت فأسجحي ... وخذي بحظك من كريم واصل فتهيأت القافية على الحاء، ثم صرفها إلى اللام. ومثله قول حميد بن ثور الهلالي: سل الربع أنىّ يممت أم سالم؟ ... وهل عادة للربع أن يتكلما؟!! فتهيأت له قافية مؤسسة لو شاء، ثم أتت في آخر البيت غير مؤسسة، ويروى أم أسلما فخرج عن التجميع. ومن أشد التجميع قول النابغة الذبياني: جزى الله عبساً عبس آل بغيضٍ ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل وإنما التجميع فيما شابه الإطلاق، أو قارب ذلك، كقول جميل فيما تقدم وقول حميد، وهو الإكفاء والسناد وفي القوافي، إلا أنه دونهما في الكراهية جداً.. وإذا لم يصرع الشاعر قصيدته كان كالمتسور الداخل من غير باب. والمداخل من الأبيات: ما كان قسيمه متصلاً بالآخر، غير منفصل منه، قد جمعتهما كلمة واحدة، وهو المدمج أيضاً، وأكثر ما يقع ذلك في عروض

стр. 160

الخفيف، وهو حيث وقع من الأعاريض دليل على القوة، إلا أنه في غير الخفيف مستثقل عند المطبوعين، وقد يستخفونه في الأعاريض القصار: كالهزج ومربوع الرمل وما أشبه ذلك. ومن الشعر غير المصرع ما لا يجوز أن يظن تجميعاً، وذلك نحو قول ذي الرمة واسمه غيلان بن عقبة: أأن ترسمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم لأن القافية من عروض البيت غير متمكنة، ولا مستعمل مثلها، وإن كان استعمالها جائزاً لو وقع. ومن الشعر نوع غريب يسمونه القواديسي، تشبيهاً بقواديس السانية؛ لارتفاع بعض قوافيه في جهة وانخفاضه في الجهة الأخرى، فأول من رأيته جاء به طلحة بن عبيد الله العوني في قوله من قصيدة له مشهورة طويلة: كم للدمى الأبكار بال ... خبتين من منازل بمهجتي للوجد من ... تذكارها منازل معاهد رعيلها ... مثعنجر الهواطل لما نأى ساكنها ... فأدمعي هواطل وهو مربوع الرجز تعمد فيه الإقواء وأوطأ في أكثره قصداً كما فعل في البيتين الأولين من هذه. ومن الشعر جنس كله مصرع، إلا أنه مختلف الأنواع، وأنا منبه عليها إن شاء الله تعالى. فمن ذلك الشعر المسمط، وهو: أن يبتدئ الشاعر ببيت مصرع، ثم يأتي بأربعة أقسمة على غير قافيته، ثم يعيد قسيماً واحداً من جنس ما ابتدأ به، وهكذا إلى آخر القصيدة، مثال ذلك قول امرئ القيس، وقيل إنها منحولة:

стр. 161

توهمت من هند معالم أطلال ... غفاهن طول الدهر في الزمن الخالي مرابع من هند خلت ومصايف ... يصيح بمغناها صدى وعوازف وغيرها هوج الرياح العواصف ... وكل مسف ثم آخر رادف بأسحم من نوء السماكين هطال وهكذا يأتي بأربعة أقسمة على أي قافية شاء، ثم يكرر قسيماً على قافية اللام، وربما كان المسمط بأقل من أربعة أقسمة كما قال أحدهم: خيال هاج لي شجنا ... فبت مكابداً حزنا عميد القلب مرتهنا ... بذكر اللهو والطرب سبتني ظبية عطل ... كأن رضابها عسل ينوء بخصرها كفل ... ثقيل روادف الحقب وربما جاءوا بأوله أبياتاً خمسة على شرطهم في الأقسمة، وهو المتعارف، أو أربعة، ثم يأتون بعد ذلك بأربعة أقسمة، كما قال خالد القناص، أنشده الزجاجي أبو القاسم: لقد نكرت عيني منازل جيران ... كأسطار رق ناهج خلق فاني توهمتها من بعد عشرين حجة ... فما أستبين الدار إلا بعرفان فقلت لها: حييت يا دار جيرتي ... أبيني لنا أنىّ تبدد إخواني وأي بلاد بعد ربعك حالفوا ... فإن فؤادي عند ظبية جيراني فجاء بأربعة أبيات كما ترى، ثم قال بعدها: رما نطقت واستعجمت حين كلمت ... وما رجعت قولاً وما إن ترمرمت وكان شفائي عندها لو تكلمت ... إلي ولو كانت أشارت وسلمت ولكنها ضنت علي بتبيان وهكذا إلى آخرها، وقد جاء هذا الشاعر في قصيدته بخمسة أقسمة

стр. 162

مرة واحدة، ولم يعاودها، ولو عاودها لم يضره، وكذلك لو نقص، إلا أن الاعتدال أحسن. والقافية التي تكرر في التسميط تسمى عمود القصيدة، واشتقاقه من السمط، وهو: أن تجمع عدة سلوك في ياقوتة أو خرزة ما، ثم تنظم كل سلك منها على حدته باللؤلؤ يسيراً، ثم تجمع السلوك كلها في زبرجدة أو شبهها أو نحو ذلك، ثم تنظم أيضاً كل سلك على حدته وتصنع به كما صنعت أولاً إلى أن يتم السمط، هذا هو المتعارف عند أهل الوقت. وقال أبو القاسم الزجاجي: إنما سمي بهذا الاسم تشبيهاً بسمط اللؤلؤ، وهو سلكه الذي يضمه ويجمعه مع تفرق حبه، وكذلك هذا الشعر لما كان متفرق القوافي متعقباً بقافية تضمه وترده إلى البيت الأول الذي بنيت عليه في القصيدة صار كأنه سمط مؤلف من أشياء مفترقة. ونوع آخر يسمى مخمساً، وهو: أن يؤتى بخمسة أقسمة على قافية، ثم بخمسة أخرى في وزنها على قافية غيرها كذلك، إلى أن يفرغ من القصيدة، هذا هو الأصل، وأكثروا من هذا الفن حتى أتوا به مصراعين مصراعين فقط، وهو المزدوج، إلا أن وزنه كله واحد وإن اختلفت القوافي، كذات الأمثال، وذات الحلل، وما شاكلهما، ولا يكون أقل من مصراعين، وكل مشطور أو منهوك فهو بيت، وإن قيل مصرع فعلي المجاز، وما سوى ذلك مما لم يأت مثله عن العرب فهو مصاريع ليس ببيت، ولم أجدهم يستعملون في هذه المخمسات إلا الرجز خاصة؛ لأنه وطئ سهل المراجعة، فأما المسمطات فقد جاءت في أوزان كثيرة مختلفة كما قدمت.

стр. 163

ونوعان من الرجز وهما: المشطور، والمنهوك فأما المشطور فما بني على شطر بيت، نحو قول أبي النجم العجلي: الحمد لله الوهوب المجزل ... أعطى فلم يبخل ولم يبخل وأما المنهمك فهو ما بني على ثلث بيت، ونهك بذهاب ثلثيه، أي: أضعف وهذا مثل قول أبي نواس: وبلدة فيها زور ... صعراء تخطى في صعر فأشبه بهما مشطور السريع ومنهوك المنسرح، وسيأتيان فيما بعد إن شاء الله تعالى.. وأنشد الزجاجي وزناً مشطراً محير الفصول لا أشك أنه مولد محدث، وهو: سقى طللاً بحزوى ... هزيم الودق أحوى عهدنا فيه أروى ... زماناً ثم أقوى وأروى لا كنود ... ولا فيها صدود لها طرف صيود ... ومبتسم برود لأن شط المزار ... بها ونأت ديار فقلبي مستطار ... وليس له قرار ستدنيها ذمول ... جلنفعة ذلول إذا عرضت هجول ... تقصر ما يطول وهذا وزن ملتبس: يجوز أن يكون مقطوعاً من مربع الوافر، ويجوز أن يكون من المضارع مقبوضاً مكفوفاً، ذكره الجوهري.. وأنشد لبعض المحدثين: أشاقك طيف مامه ... بمكة أم حمامه

стр. 164

أشاقك: مفاعل، وحقه في أصل الوزن مفاعيلن. وقد رأيت جماعة يركبون المخمسات والمسمطات ويكثرون منها، ولم أر متقدماً حاذقاً صنع شيئاً منها؛ لأنها دالة على عجز الشاعر، وقلة قوافيه، وضيق عطنه، ما خلا امرأ القيس في القصيدة التي نسبت إليه وما أصححها له، وبشار بن برد، قد كان يصنع المخمسات والمزدوجات عبثاً واستهانة بالشعر، وبشر بن المعتمر؛ فقد أنشد الجاحظ له أول مزدوجة، وصنع ابن المعتز قصيدة في ذم الصبوح، وقصيدة في سيرة المعتضد ركب فيها هذا الطريق؛ لما تقتضيه الألفاظ المختلفة الضرورية، ولمراده من التوسع في الكلام، والتملح بأنواع السجع. وهذا الجنس موقوف على ابن وكيع والأمير تميم بن المعز، ومن ناسب طبعهما من أهل الفراغ وأصحاب الرخص، وقد يقع لبعض الشعراء البيتان والثلاثة لها قافية واحدة يجعلونها معاياة فيتلاقفها العروضيون، كالأبيات التي تروى لابن دريد وسترد في مكانها من سوى هذا الباب، إن شاء الله تعالى. باب في الرجز والقصيد قد خص الناس باسم الرجز المشطور والمنهوك وما جرى مجراهما، وباسم القصيد ما طالت أبياته، وليس كذلك؛ لأن الرجز ثلاثة أنواع غير المشطور والمنهوك والمقطع: فأما الأول منها فنحو أرجوزة عبدة بن الطبيب: باكرني بسحرة عواذلي ... وعذلهن خبل من الخبل يلمنني في حاجة ذكرتها ... في عصر أزمان ودهر قد نسل والنوع الثاني نحو قول الآخر: القلب منها مستريح سالم ... والقلب مني جاهد مجهود والنوع الثالث قول الآخر:

стр. 165

قد هاج قلبي منزل ... من أم عمرو مقفر فهذه داخلة في القصيد، وليس يمتنع أيضاً أن يسمى ما كثرت بيوته من مشطور الرجز ومنهوكه قصيدة؛ لأن اشتقاق القصيد من " قصدت إلى الشيء " كأن الشاعر قصد إلى عملها على تلك الهيئة، والرجز مقصود أيضاً إلى عمله كذلك. ومن المقصد ما ليس برجز وهم يسمونه رجزاً لتصريع جميع أبياته؛ وذلك هو مشطور السريع، نحو قول الشاعر أنشدناه أبو عبد الله محمد بن جعفر النحوي عن أبي علي الحسين بن إبراهيم الآمدي، عن ابن دريد، عن أبي حاتم السجستاني، عن أبي زيد الأنصاري: هل تعرف الدار بأعلى ذي القور ... غيرها نأج الرياح والمور ودرست غير رماد مكفور ... مكتئب اللون مريح ممطور وغير نؤى كبقايا الدعثور ... أزمان عيناء سرور المسرور عيناء حوراء من العين الحور وأنشد أبو عبد الله لابن المعتز: ومقلة قد بات يبكيها ... فيض نجيع من مآقيها وكلها طول تمنيها ... بأنجم الليل تراعيها ومهجة قد كاد يفنيها ... طول سقام ثابت فيها وبرؤها في كف مبليها ... كما ابتلاها فهو يشفيها ليس لها من حبها ناصر ... من ذا على الأحباب يعديها وهذا عند الجوهري من البسيط، والذي أنشد أبو عبد الله على قول الجوهري هو من الرجز، وجعل الجزء الآخر مستفع لن مفروق فيه الوتد، فأسكن اللام؛ لأن آخر البيت لا يكون متحركاً، فخلفه مفعولات.

стр. 166

وأما المنهوك المنسرح صبراً بني عبد الدار فهو عند الجوهري من الرجز، ومثله ويلم سعد سعداً إلا أنه أقصد منه. فعلى كل حال تسمى الأرجوزة قصيدة طالت أبياتها أو قصرت، ولا تسمى القصيدة أرجوزة إلا أن تكون من أحد أنواع الرجز التي ذكرت، ولو كانت مصرعة الشطور كالذي قدمته؛ فالقصيد يطلق على كل الرجز، وليس الرجز مطلقاً على كل قصيد أشبه الرجز بالشطر. قال النحاس: القريض عند أهل اللغة العربية الشعر الذي ليس برجز، يكون مشتقاً من قرض الشيء أي: قطعه، كأنه قطع جنساً، وقال أبو إسحاق: وهو مشتق من القرض، أي: القطع والتفرقة بين الأشياء، كأنه ترك الرجز وقطعه من شعره. وكان أقصر ما صنعه القدماء من الرجز ما كان على جزأين، نحو قول دريد بن الصمة يوم هوازن: يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع حتى صنع بعض المتعقبين وأظنه علي بن يحيى، أو يحيى، بن علي المنجم أرجوزة على جزء واحد، وهي: طيف ألم بذي سلم ... بعد العتم يطوي الأكم جاد بفم وملتزم ... فيه هضم إذا يضم

стр. 167

ويقال: إن أول من ابتدع ذلك سلم الخاسر، يقول في قصيدة مدح بها موسى الهادي: موسى المطر غيث بكر ... ثم انهمر ألوى المرر كم اعتسر ثم ايتسر ... وكم قدر ثم غفر عدل السير باقي الأثر ... خير وشر نفع وضر خير البشر فرع مضر ... بدر بدر والمفتخر لمن غبر والجوهري يسمي هذا النوع المقطع. وقد رأى قوم أن مشطور الرجز ليس بشعر؛ لقول النبي ﷺ : هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت بكسر التاء، ورواية أخرى بسكونها وتحريك الياء بالفتح قبلها وليس هذا دليلاً، وإنما الدليل في قول النبي ﷺ عدم القصد والنية؛ لأنه لم يقصد به الشعر ولا نواه؛ فلذلك لا يعد شعراً وإن كان كلاماً متزناً، وإلا فالرجاز شعراء عند العرب وفي متعارف اللسان، إلا أن الليث روى أنهم لما ردوا على الخليل قوله " إن المشطور ليس بشعر " قال: لأحتجن عليهم بحجة إن لم يقروا بها كفروا، قال: فعجبنا من قوله حتى سمعنا حجته.. وقد رواه قوم دميت بإسكان الياء والتاء جميعاً ولا يكون حينئذ موزوناً. والراجز قلما يقصد؛ فإن جمعهما كان نهاية نحو أبي النجم؛ فإنه كان يقصد، وأما غيلان فإنه كان راجزاً ثم صار إلى التقصيد، وسئل عن ذلك فقال: رأيتني لا أقع من هذين الرجلين على شيء، يعني العجاج وابنه رؤبة، وكان جرير والفرزدق

стр. 168

يرجزان، وكذلك عمر بن لجأ كان راجزاً مقصداً، ومثله حميد الأرقط، والعماني أيضاً، وأقلهم رجزاً الفرزدق. وليس يمتنع الرجز على المقصد امتناع القصيد على الراجز، ألا ترى أن كل مقصد يستطيع أن يرجز وإن صعب عليه بعض الصعوبة، وليس كل راجز يستطيع أن يقصد، واسم الشاعر وإن عم المقصد والراجز فهو بالمقصد أعلق، وعليه أوقع، فقيل لهذا شاعر، ولذلك راجز، كأنه ليس بشاعر، كما يقال خطيب أو مرسل أو نحو ذلك. باب في القطع والطول حدثنا الشيخ أبو عبد الله عبد العزيز بن أبي سهل رحمه الله تعالى، قال: سئل أبو عمرو بن العلاء: هل كانت العرب تطيل؟ فقال: نعم ليسمع منها، قيل: فهل كانت توجز؟ قال: نعم ليحفظ عنها. قال: وقال الخليل بن أحمد: يطول الكلام ويكثر ليفهم، ويوجز ويختصر ليحفظ؛ وتستحب الإطالة عند الإعذار، والإنذار، والترهيب، والترغيب، والإصلاح بين القبائل، كما فعل زهير، والحارث بن حلزة، ومن شاكلهما، وإلا فالقطع أطير في بعض المواضع، والطوال للمواقف المشهورات.. ويحكى أن الفرزدق لما وقع بينه وبين جرير ما وقع وحكم بينهما قال بعض الحكام: الفرزدق أشعر؛ لأنه أقواهما أسر كلام، وأجراهما في أساليب الشعر، وأقدرهما على تطويل، وأحسنهما قطعاً، فقدم بالقطع كما ترى. وقال بعض العلماء: يحتاج الشاعر إلى القطع حاجته إلى الطوال، بل هو عند المحاضرات والمنازعات والتمثل والملح أحوج إليها منه إلى الطوال. وقال أحد المجودين، وهو محمد بن حازم الباهلي:

стр. 169

أبى لي أن أطيل المدح قصدي ... إلى المعنى وعلمي بالصواب وإيجازي بمختصرٍ قصيرٍ ... حذفت به الطويل من الجواب وقيل لابن الزبعري: إنك تقصر أشعارك، فقال: لأن القصار أولج في المسامع، وأجول في المحافل، وقال مرة أخرى: يكفيك من الشعر غرة لائحة، وسبة فاضحة.. وقيل للجماز: لم لا تطيل الشعر؟ فقال: لحذفي الفضول. وقال له بعض المحدثين وقد أنشده بيتين: ما تزيد على البيت والبيتين؟ فقال: أردت أن أنشدك مذارعة، وهو القائل: أقول بيتاً واحداً وأكتفي ... بذكره من دون أبيات وقيل مثل ذلك لعقيل بن علفة، فقال: يكفيك من القلادة ما أحاط بالعنق. وقال الجاحظ: قيل لأبي المهوس: لم لا تطيل الهجاء؟ فقال: لم أجد المثل السائر إلا بيتاً واحداً. وهجا محمد بن عبد الملك الزيات أحمد بن أبي دؤاد بتسعين بيتاً، فقال ابن أبي دؤاد يخاطبه: أحسن من تسعين بيتاً سدىً ... جمعك معناهن في بيت ما أحوج الملك إلى مطرة ... تغسل عنه وضر الزيت غير أن المطيل من الشعراء أهيب في النفوس من الموجز وإن أجاد، على

стр. 170

أن للموجز من فضل الاختصار ما ينكره المطيل، ولكن إذا كان صاحب القصائد دون صاحب القطع بدرجة أو نحوها وكان صاحب القطع لا يقدر على التطويل إن حاوله بتةً سوي بينهما؛ لفضل غير المجهود على المجهود، فإنا لا نشك أن المطول إن شاء جرد من قصيدته قطعة أبيات جيدة، ولا يقدر الآخر أن يمد من أبياته التي هي قطعة قصيدة. ولام قوم الكميت على الإطالة فقال: أنا على الإقصار أقدر، هكذا جاءت الدواية، ولا تكاد ترى مقطعاً إلا عاجزاً عن التطويل، والمقصد أيضاً قد يعجز عن الاختصار، ولكن الغالب والأكثر أن يكون قادراً على ما حاوله من ذلك وبالعجز رمى الكميت. وكان عبد الكريم بهذه الصفة، لا يكاد يصنع مقطوعاً، ولا أظن في جميع أشعاره خمس قطع أو نحوها. وكان أبو تمام على جلالته وتقدمه مقصراً في القطع عن رتبة القصائد.. والمشهورون بجودة القطع من المولدين: بشار بن برد، وعباس بن الأحنف، والحسن بن الضحاك، وأبو نواس، وأبو علي البصير، وعلي بن الجهم، وابن المعذل، والجماز، وابن المعتز. وكانوا يقولون في زمان منصور الفقيه وهو قريب من عصرنا هذا: إياكم ومنصوراً إذا رمح بالزوج، وكان ربما هجا بالبيت الواحد. ووصف عبد الكريم أبا الطيب؛ فزعم أنه أحسن الناس مقاطيع، ولو قال مقاطع بلا ياء قلنا صدقت ولم نخالفه. وقيل: إذا بلغت الأبيات سبعة فهي قصيدة، ولهذا كان الإيطاء بعد سبعة غير معيب عند أحد من الناس ... ومن الناس من لا يعد القصيدة إلا ما بلغ

стр. 171

العشرة وجاوزها ولو ببيت واحد.. ويستحسنون أن تكون القصيدة وتراً، وأن يتجاوز بها العقد، أو توقف دونه؛ كل ذلك ليدلوا على قلة الكلفة، وإلقاء البال بالشعر. وزعم الرواة أن الشعر كله إنما كان رجزاً وقطعاً، وأنه إنما قصد على عهد هاشم بن عبد مناف، وكان أول من قصده مهلهل وامرؤ القيس، وبينهما وبين مجيء الإسلام مائة ونيف وخمسون سنة. وذكر ذلك الجمحي وغيره. وأول من طول الرجز وجعله كالقصيد الأغلب العجلي شيئاً يسيراً، وكان على عهد النبي ﷺ ، ثم أتى العجاج بعد فافتن فيه؛ فالأغلب العجلي والعجاج في الرجز كامرئ القيس ومهلهل في القصيد. والشاعر إذا قطع وقصد ورجز فهو الكامل؛ وقد جمع ذلك كله الفرزدق، ومن المحدثين أبو نواس، وكان ابن الرومي يقصد فيجيد، ويطيل فيأتي بكل إحسان، وربما تجاوز حتى يسرف، وخير الأمور أوساطها.. وهو القائل: وإذا امرؤ مدح امرأ لنواله ... فأطال فيه فقد أراد هجاءه لو لم يقدر فيه بعد المستقى ... عند الورود لما أطال رشاءه ٢٦ باب في البديهة والارتجال البديهة عند كثير من الموسومين بعلم هذه الصناعة في بلدنا أو من أهل عصرنا هي الارتجال، وليست به؛ لأن البديهة فيها الفكرة والتأيد، والارتجال ما كان انهماراً وتدفقاً لا يتوقف فيه قائله: كالذي صنع الفرزدق وقد دفع إليه سليمان بن عبد الملك أسيراً من الروم ليقتله، فدس إليه بعض بني عبس سيفاً كهاماً فنبا حين ضرب به، فضحك سليمان، فقال الفرزدق ارتجالاً في مقامه ذلك يعتذر لنفسه، ويعير بني عبس بنبو سيف ورقاء بن زهير عن رأس خالد بن جعفر:

стр. 172

فإن يك سيف خان أو قدر أبى ... لتأخير نفس حينها غير شاهد فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... ويقطعن أحياناً مناط القلائد ولو شئت قط السيف ما بين أنفه ... إلى علقٍ دون الشراسيف جاسد ثم جلس وهو يقول: ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم وكالذي يروى عن أبي الخطاب عمرو بن عامر السعدي المعروف بأبي الأسد، وقد أنشد موسى الهادي شعراً مدحه به يقول فيه: يا خير من عقدت كفاه حجزته ... وخير من قلدته أمرها مضر فقال له موسى: إلا من يا بائس؟ فقال واصلاً كلامه ولم يقطعه: إلا النبي رسول الله؛ إن له ... فخراً، وأنت بذاك الفخر تفتخر ففطن موسى ومن بحضرته أن البيت مستدرك، ونظروا في الصحيفة فلم يجدوه؛ فضاعف صلته. وأعظم ارتجال وقع قصيدة الحارث بن حلزة بين يدي عمر بن هند؛ فإنه يقال: أتى بها كالخطبة، وكذلك قصيدة عبيد بن الأبرص، وقيل: أفضل البديهة بديهة أمن، وردت في موضع خوف، فما ظنك بالارتجال وهو أسرع من البديهة؟. وكان أبو نواس قوي البديهة والارتجال، لا يكاد ينقطع ولا يروي إلا فلتة، روى أن الخصيب قال له مرة يمازحه وهما بالمسجد الجامع: أنت غير مدافع في الشعر، ولكنك لا تخطب! فقام من فوره يقول مرتجلاً: منحتكم يا أهل مصر نصيحتي ... ألا فخذوا من ناصحٍ بنصيب رماكم أمير المؤمنين بحية ... أكولٍ لحيات البلاد شروب

стр. 173

فإن يك باقي سحر فرعون فيكم ... فإن عصا موسى بكف خصيب ثم التفت إليه وقال: والله لا يأتي بمثلها خطيب مصقع فكيف رأيت؟ فاعتذر إليه وحلف إن كنت إلا مازحاً. وسمعت جماعة من العلماء يقولون: كان مسلم بن الوليد نظير أبي نواس، وفوقه عند قوم من أهل زمانه في أشياء، إلا أن أبا نواس قهره بالبديهة والارتجال، مع تقبض كان في مسلم وإظهار توفر وتصنع، وكان صاحب روية وفكرة لا يبتده ولا يرتجل. وكان أبو العتاهية فيما يقال أقدر الناس على ارتجال وبديهة؛ لقرب مأخذه، وسهولة طريقته، اجتمع عدة من الشعراء فيهم أبو نواس؛ فشرب أحدهم ماء، ثم قال: أجيزوا: د الماء وطابا فكلهم تلعثم، حتى طلع أبو العتاهية، فقال: فيم أنتم؟ فأنشدوه، فقال وما تروى: حبذا الماء شرابا فأتى بالقسيم رسلاً شبيهاً بصاحبه، وذلك هو الذي أعوز القوم لا وزن الكلام. وصحب رفقة فسمع زقاء الديوك، فقال لرفيقه: هل رأيت الصبح لاحا؟ قال: نعم، قال: وسمعت الديك صاحا. قال: نعم، قال: إنما بكى على المغ ... تر بالدنيا وناحا

стр. 174

فاستيقظ رفيقه للكلام أنه شعر فرواه؛ فما جرى هذا المجرى فهو ارنجال. وأما البديهة فبعد أن يفكر الشاعر يسيراً ويكتب سريعاً إن حضرت آلة، إلا أنه غير بطيء ولا متراخ، فإن أطال حتى يفرط أو قام من مجلسه لم يعد بديهاً. وقالوا: اجتمع الشعراء بباب الرشيد، فأذن لهم، فقال: من يجيز هذا القسيم وله حكمه؟ فقالوا: وما هو يا أمير المؤمنين؟ قال: الملك لله وحده فقال الجماز: وللخليفة بعده وللمحب إذا ما ... حبيبه بات عنده فقال: أحسنت، وأتيت على ما في نفسي، وأمر له بعشرة آلاف درهم. ومن عجيب ما روي في البديهة حكاية أبي تمام حين أنشد أحمد بن المعتصم بحضرة أبي يوسف يعقوب بن إسحاق بن الصباح الكندي وهو فيلسوف العرب: إقدام عمرو، في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس فقال له الكندي: ما صنعت شيئاً، شبهت ابن أمير المؤمنين وولي عهد المسلمين بصعاليك العرب! ومن هؤلاء الذين ذكرت؟ وما قدرهم؟ فأطرق أبو تمام يسيراً، وقال: لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً شروداً في الندى والباس فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس فهذا أيضاً وما شاكله هو البديهة، وإن أعجب ما كان البديهة من أبي تمام؛ لأنه رجل متصنع، لا يحب أن يكون هذا في طبعه. وقد قيل: إن الكندي لما خرج أبو تمام قال: هذا الفتى قليل العمر؛ لأنه ينحت من قلبه، وسيموت قريباً، فكان كذلك.

стр. 175

وقد كان أبو الطيب كثير البديهة والارتجال، إلا أن شعره فيهما نازل عن طبقته جداً، وهو لعمري في سعة من العذر؛ إذ كانت البديهة كما قال فيها ابن الرومي: نار الروية نار جد منضجة ... وللبديهة نار ذات تلويح وقد يفضلها قوم لسرعتها ... لكنها سرعة تمضي مع الريح وقال عبد الله بن المعتز: والقول بعد الفكر يؤمن زيغه ... شتان بين روية وبديه ومن الشعراء من شعره في رويته وبديهته سواء عند الأمن والخوف؛ لقدرته، وسكون جأشه وقوة غريزته: كهدبة بن الخشرم العذري، وطرفة بن العبد البكري، ومرة بن محكان السعدي؛ إذ يقول وقد أمر مصعب بن الزبير رجلاً من بني أسد بقتله: بني أسد إن تقتلوني تحاربوا ... تميماً، إذا الحرب العوان اشمعلت ولست وإن كانت إلى حبيبة ... بباك على الدنيا إذا ما تولت وهذا شعر لو روي فيه صاحبه حولاً كاملاً على أمن ودعة وفرط شهوة أو شدة حمية لما أتى فوق هذا. وكذلك عبد يغوث بن صلاءة؛ إذ يقول في كلمة طويلة: أقول وقد شدوا لساني بنسعة ... أمعشر تيم أطلقوا من لسانيا فيا راكباً إما عرضت فبلغن ... نداماي من نجران أن لا تلاقيا وكانوا قد شدوا لسانه خوفاً من الهجاء، فعاهدهم فأطلقوه لينوح على نفسه، فصنع هذه القصيدة، وعرض عليهم في فدائه ألف ناقة، فأبوا إلا قتله، فقال:

стр. 176

فإن تقتلوني تقتلوني بخيركم ... وإن تطلقوني تحربوني بماليا وهذه شهامة عظيمة وشدة. ومن قول طرفة بن العبد لما أيقن بالموت: أبا منذر كانت غروراً صحيفتي ... ولم أعطكم بالطوع مالي ولا عرضي أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض وأين هؤلاء من عبيد بن الأبرص وهو شيخ الصناعة، ومقدم في السن على الجماعة إذ يقول له النعمان يوم بؤسه: أنشدني، فقال: حال الجريض دون القريض، قال: أنشدني قولك: أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيات فالذنوب فقال: لا، ولكن: أقفر من أهله عبيد ... فاليوم لا يبدي ولا يعيد فبلغت به حال الجزع إلى مثل هذا القول، على أن في بيت طرفة بعض الضراعة ... وممن وجد نفسه عند إحاطة الموت به تميم بن جميل؛ فإنه القائل بين يدي المعتصم وقد قدم السيف والنطع لقتله: أرى الموت بين النطع والسيف كامناً ... يلاحظني من حيث ما أتلفت وأكبر ظني أنك اليوم قاتلي ... وأي امرئ مما قضى الله يفلت وأي امرئ يدلي بعذر وحجة ... وسيف المنايا بين عينيه مصلت

стр. 177

يعز على الأوس بن تغلب موقف ... يسل علي السيف فيه وأسكت وما حزني أني أموت وأنني ... لأعلم أن الموت شيء مؤقت ولكن خلفي صبية قد تركتهم ... وأكبادهم من حسرة تتفتت كأني أراهم حين أنعى إليهم ... وقد خمشوا تلك الوجوه وصوتوا فإن عشت عاشوا خافضين بنعمة ... أذود الردى عنهم وإن مت موتوا فكم قائل: لا أبعد الله داره ... وآخر جذلان يسر ويشمت فعفا عنه المعتصم وأحسن إليه، وقلده عملاً. وعلي بن الجهم هو القائل وقد صلب عرياناً: لم ينصبوا بالشاذياخ عشية ال ... اثنين مغلولاً ولا مجهولا نصبوا بحمد الله ملء عيونهم ... حسناً، وملء قلوبهم تبجيلا ما ضره أن بز عنه لباسه ... فالسيف أهول ما يرى مسلولا وهذا من جزل الكلام، لا سيما في مثل ذلك المقام، وكان علي من الفضلاء علماً بالشعر وصناعة له. حكي عن علي بن يحيى أنه قال: كنت عند المتوكل إذ أتاه رسول برأس إسحاق بن إسماعيل، فقام علي بن الجهم يخطر بين يديه ويقول: أهلاً وسهلاً بك من رسول ... جئت بما يشفي من الغليل برأس إسحاق بن إسماعيل قال المتوكل: قوموا التقطوا هذا الجوهر لا يضيع. والشاعر الحاذق المبرز إذا صنع على البديهة قنع منه بالعفو اللين، والنزر التافه؛ لما فيها من المشقة، وهو في الارتجال أعذر. واشتقاق البديهة من بده بمعنى بدأ، أبدلت الهمزة هاء كما أبدلت في أشياء

стр. 178

كثيرة لقربها منها؛ فقد قالوا مدح ومده، ولهنك تفعل كذا بمعنى لأنك، ومثل ذلك كثير. والارتجال: مأخوذ من السهولة والانصباب، ومنه قيل: شعر رجل، إذا كان سبطاً مسترسلاً غير جعد، وقيل: هو من ارتجال البئر وهو أن تنزلها برجليك من غير حبل. باب في آداب الشاعر من حكم الشاعر أن يكون حلو الشمائل، حسن الأخلاق، طلق الوجه، بعيد الغور، مأمون الجانب، سهل الناحية، وطيء الأكناف، فإن ذلك مما يحببه إلى الناس، ويزينه في عيونهم، ويقربه من قلوبهم، وليكن مع ذلك شريف النفس، لطيف الحس، عزوف الهمة، نظيف البزة، أنفاً؛ لتهابه العامة، ويدخل في جملة الخاصة، فلا تمجه أبصارهم، سمح اليدين، وإلا فهو كما قال ابن أبي فنن واسمه أحمد: وإن أحق الناس باللوم شاعر ... يلوم على البخل الرجال ويبخل وإلى هذا المعنى ذهب الطائي بقوله: أألوم من بخلت يداه وأغتدي ... للبخل ترباً؟ ساء ذاك صنيعا!! والشاعر مأخوذ بكل علم، مطلوب بكل مكرمة؛ لاتساع الشعر واحتماله كل ما حمل: من نحو، ولغة، وفقه، وخبر، وحساب، وفريضة، واحتياج أكثر هذه العلوم إلى شهادته، وهو مكتف بذاته، مستغن عما سواه؛ ولأنه قيد للأخبار، وتجديد للآثار.

стр. 179

وصاحبه الذي يذم ويحمد ويهجو ويمدح، ويعرف ما يأتي الناس من محاسن الأشياء وما يذرونه، فهو على نفسه شاهد، وبحجته مأخوذ. وليأخذ نفسه بحفظ الشعر والخبر، ومعرفة النسب، وأيام العرب؛ ليستعمل بعض ذلك فيما يريده من ذكر الآثار، وضرب الأمثال، وليعلق بنفسه بعض أنفاسهم ويقوى بقوة طباعهم، فقد وجدنا الشاعر من المطبوعين المتقدمين يفضل أصحابه برواية الشعر، ومعرفة الأخبار، والتلمذة بمن فوقه من الشعراء، فيقولون: فلان شاعر راوية، يريدون أنه إذا كان راوية عرف المقاصد، وسهل عليه مأخذ الكلام، ولم يضق به المذهب، وإذا كان مطبوعاً لا علم له ولا رواية ضل واهتدى من حيث لا يعلم، وربما طلب المعنى فلم يصل إليه وهو ماثل بين يديه؛ لضعف آلته: كالمقعد يجد في نفسه القوة على النهوض فلا تعينه الآلة. وقد سئل رؤبة بن العجاج عن الفحل من الشعراء، فقال: هو الراوية، يريد أنه إذا روى استفحل. قال يونس بن حبيب: وإنما ذلك لأنه يجمع إلى جيد شعره معرفة جيد غيره، فلا يحمل نفسه إلا على بصيرة، وقال رؤبة في صفة شاعر: لقد خشيت أن تكون ساحراً ... راوية مرا ومرا شاعراً فاستعظم حاله حتى قرنها بالسحر. وقال الأصمعي: لا يصير الشاعر في قريض الشعر فحلاً حتى يروي أشعار العرب، ويسمع الأخبار، ويعرف المعاني، وتدور في مسامعه الألفاظ. وأول

стр. 180

ذلك أنه يعلم العروض؛ ليكون ميزاناً له على قوله؛ والنحو؛ ليصلح به لسانه وليقيم به إعرابه؛ والنسب وأيام الناس؛ ليستعين بذلك على معرفة المناقب والمثالب وذكرها بمدح أو ذم. وقد كان الفرزدق على فضله في هذه الصناعة يروي للحطيئة كثيراً، وكان الحطيئة راوية زهير، وكان زهير راوية أوس بن حجر وطفيل الغنوي جميعاً، وكان امرؤ القيس راوية أبي دؤاد الإيادي: مع فضل تحيزه، وقوة غريزة، ولا بد بعد ذلك أن يلوذ به في شعره، ويتوكأ عليه كثيراً، وقد نزل أعشى بني قيس بن ثعلبة بين يدي النابغة الذبياني بسوق عكاظ وأنشده فقدمه، وأنشده حسان بن ثابت، ولبيد بن ربيعة؛ فما عابهم ذلك، ولا غض منهم، وكان كثير راوية جميل ومفضلاً له: إذا استنشد لنفسه بدأ بجميل، ثم أنشد ما يراد منه، ولم يكن بدون جرير والفرزدق، بل يقدم عليهما عند جميع أهل الحجاز، وكان أبو حية النميري واسمه الهيثم بن الربيع، وهو من أحسن الناس شعراً، وأنظفهم كلاماً مؤتماً بالفرزدق، آخذاً عنه، كثير التعصب له والرواية عنه. ولا يستغني المولد عن تصفح أشعار المولدين؛ لما فيها من حلاوة اللفظ، وقرب المأخذ، وإشارات الملح، ووجوه البديع الذي مثله في شعر المتقدمين قليل، وإن كانوا هم فتحوا بابه، وفتقوا جلبابه، وللمتعقب زيادات وافتنان، لا على أن تكون عمدة الشاعر مطالعة ما ذكرته آخر كلامي هذا دون ما قدمته؛ فإنه متى فعل ذلك لم يكن فيه من المتانة وفضل القوة ما يبلغ به طاقة من تبع جادته، وإذا أعانته فصاحة المتقدم وحلاوة المتأخر اشتد ساعده، وبعد مرماه، فلم يقع دون الغرض؛ وعسى أن يكون أرشق سهاماً، وأحسن موقعاً، ممن لو عول عليه من المحدثين لقصر عنه، ووقع دونه،
следующие страницы →