← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11036

طرح التثريب في شرح التقريب

العراقي

Полный текст (2 068 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] تَقْلِيدُهَا نَعْلَيْنِ مِنْ هَذِهِ النِّعَالِ الَّتِي تُلْبَسُ فِي الرِّجْلَيْنِ فِي الْإِحْرَامِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ لَهَا قِيمَةٌ وَيَتَصَدَّقُ بِهِمَا عِنْدَ ذَبْحِ الْهَدْيِ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى التَّقْلِيدِ نَعْلٌ وَاحِدٌ جَازَ، وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ وَقَالَ أَصْحَابُنَا إنَّهُ لَا تُقَلَّدُ الْغَنَمُ النَّعْلَ لِنَقْلِهِ عَلَيْهَا بِخِلَافِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَلَمْ أَرَهُمْ قَالُوا إنَّهُ لَا تُقَلَّدُ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ بِالْخُرْبِ وَالْخُيُوطِ بَلْ اسْتَحَبُّوا أَنْ يَكُونَ بِالنِّعَالِ وَسَكَتُوا عَنْ نَفْيِ مَا عَدَاهَا وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي تَقْلِيدِ الْإِبِلِ بِالْخُيُوطِ وَلَا سِيَّمَا الرِّوَايَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ «فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا» وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْإِشْعَارَ لَا يَكُونُ فِي الْغَنَمِ وَتَنَاوَلَ لَفْظُ الْبُدْنِ لِلْإِبِلِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي إطْلَاقِهِ عَلَى غَيْرِهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِكَرَاهَةِ تَقْلِيدِ النِّعَالِ وَالْوِبَارِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ اُحْبُلْ الْقَلَائِدَ مِنْ مَسَدٍ. [فَائِدَةٌ فَتْل الْقَلَائِدِ لِلْهَدْيِ] ١ ﴿السَّادِسَةُ﴾ فِيهِ اسْتِحْبَابُ فَتْلِ الْقَلَائِدِ لِلْهَدْيِ وَاسْتِخْدَامِ الْإِنْسَانِ أَهْلَهُ فِي مِثْلِ هَذَا ﴿السَّابِعَةُ﴾ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ اسْتِحْبَابِ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ إنَّمَا رَأَيْت أَصْحَابَنَا الشَّافِعِيَّةَ ذَكَرُوهُ فِي الْهَدْيِ الْمُتَطَوَّعِ بِهِ وَالْمَنْذُورِ وَقَسَّمَ الْمَالِكِيَّةُ دِمَاءَ الْحَجِّ إلَى هَدْيٍ وَنُسُكٍ. وَقَالُوا إنَّ الْهَدْيَ جَزَاءُ الصَّيْدِ وَمَا وَجَبَ لِنَقْصٍ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ كَدَمِ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْفَسَادِ وَالْفَوَاتِ وَغَيْرِهَا. وَقَالُوا إنَّ النُّسُكَ مَا وَجَبَ لِإِلْقَاءِ التَّفَثِ وَطَلَبِ الرَّفَاهِيَةِ مِنْ الْمَحْظُورِ الْمُنْجَبِرِ وَجَعَلُوا التَّقْلِيدَ مِنْ سُنَّةِ الْهُدَى. وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ إنَّ التَّقْلِيدَ إنَّمَا يَكُونُ فِي هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالتَّطَوُّعِ وَالْقِرَانِ دُونَ دَمِ الْإِحْصَارِ وَالْجِمَاعِ وَالْجِنَايَاتِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهَا بِأَنَّ الْأَوَّلَ دَمُ نُسُكٍ وَفِي التَّقْلِيدِ إظْهَارُهُ وَتَشْهِيرُهُ، فَيَلِيقُ بِهِ. وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّ سَبَبَهُ الْجِنَايَةُ وَالسَّتْرُ أَلْيَقُ بِهَا قَالُوا وَدَمُ الْإِحْصَارِ جَائِزٌ فَأُلْحِقَ بِهَا وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ هَذَا التَّفْصِيلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ثُمَّ قَالَ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يُقَلَّدُ كُلُّ هَدْيٍ وَيُشْعَرُ، قَالَ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ لِعُمُومِ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى. وَفِيمَا ذَكَرَهُ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ لَا عُمُومَ فِي فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْهَدْيُ الَّذِي سَاقَهُ إنَّمَا كَانَ مُتَطَوِّعًا بِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الدِّمَاءِ الْوَاجِبَةِ الْمَذْكُورَةِ وَالدِّمَاءُ الْوَاجِبَةُ لَا تُسَاقُ مَعَ الْحَاجِّ مِنْ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي هَلْ يَحْصُلُ لَهُ مَا يُوجِبُهَا أَمْ لَا، وَلَمْ أَرَ أَصْحَابَنَا تَعَرَّضُوا لِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَنْبَغِي تَحْقِيقُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ﴿الثَّامِنَةُ﴾ قَوْلُهُ ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا أَيْ مُقَلَّدَةً كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ

стр. 1192

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَفْلَحَ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَدَيَّ ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إلَى الْبَيْتِ» الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَنَّهُ إذَا أَرْسَلَ هَدْيَهُ أَشْعَرَهُ وَقَلَّدَهُ مِنْ بَلَدِهِ وَلَوْ أَخَذَهُ مَعَهُ أَخَّرَ التَّقْلِيدَ وَالْإِشْعَارَ إلَى حِينِ يُحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ غَيْرِهِ. [فَائِدَةٌ مَنْ أَرْسَلَ هَدْيًا إلَى الْكَعْبَةِ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ] ﴿التَّاسِعَةُ﴾ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَرْسَلَ هَدْيًا إلَى الْكَعْبَةِ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ وَلَا يُجْرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِحْرَامِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْتَنِبَ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ وَسَوَاءٌ قَلَّدَ هَدْيَهُ أَمْ لَمْ يُقَلِّدْهُ وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ إنْ قَلَّدَ هَدْيَهُ فَقَدْ أَحْرَمَ وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيّ وَالشَّعْبِيُّ وَقَالَ عَطَاءٌ سَمِعْنَا ذَلِكَ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إذَا قَلَّدَ هَدْيَهُ فَقَدْ أَحْرَمَ وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيّ وَالشَّعْبِيُّ وَقَالَ عَطَاءٌ وَجَبَ عَلَيْهِ، وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ انْتَهَى. وَحَاصِلُ كَلَامِهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَصِيرُ مُحْرِمًا وَالثَّانِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ، وَعَدَّهُمَا ابْنُ الْمُنْذِرِ قَوْلًا وَاحِدًا فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ وَفِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ فَحَكَى الْمَذْهَبَ الْمَشْهُورَ وَكَأَنَّ مُرَادَ الْأَخِيرَيْنِ وَجَبَ عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِحْرَامِ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مُحْرِمًا فَتَتَّحِدَ الْمَقَالَتَانِ حِينَئِذٍ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ تَفْرِيعًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ نَقَلَهُ عَنْهُمْ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّهُ إذَا قَلَّدَ هَدْيَهُ فَقَدْ أَحْرَمَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَسَعْدِ بْنُ قَيْسٍ وَمَيْمُونِ بْنُ أَبِي شَبِيبٍ وَأَنَّهُ إذَا قَلَّدَ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي قَدَّمْته وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِبَارَتَيْنِ شَيْءٌ وَاحِدٌ لِكَوْنِهِمَا مَعًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّهُ إذَا قَلَّدَ وَهُوَ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ فَقَدْ أَحْرَمَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي الشَّعْثَاءِ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ، وَأَنَّهُ إذَا قَلَّدَ وَهُوَ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَكَذَا حَكَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ الْحَجَّ وَقَلَّدَ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَهَذَا الْمَذْكُورُ آخِرًا فِيهِ التَّقْيِيدُ بِأَنْ يَكُونَ يُرِيدُ الْإِحْرَامَ فَإِنْ لَمْ يُحْمَلْ الْإِطْلَاقُ الْأَوَّلُ عَلَى التَّقْيِيدِ الثَّانِي وَغَايَرْنَا بَيْنَ الْإِحْرَامِ وَإِيجَابِ الْإِحْرَامِ حَصَلَ قَوْلَانِ آخَرَانِ مَعَ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَقَيَّدُ بِإِرَادَةِ الْإِحْرَامِ فِي قَوْلِ

стр. 1193

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهُدَيْرِ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْبَصْرَةِ مُتَجَرِّدًا عَلَى مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ فَسَأَلَ النَّاسَ عَنْهُ فَقَالُوا إنَّهُ أَمَرَ بِهَدْيِهِ أَنْ يُقَلَّدَ، فَلِذَلِكَ تَجَرَّدَ، فَلَقِيت ابْنَ الزُّبَيْرِ فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ بِدْعَةٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ وَابْنِ الْأَسْوَدِ قَالَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ وَلَا يُحْرِمُ إلَّا إنْ شَاءَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ وَهَذَا (مَذْهَبٌ خَامِسٌ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ بِالتَّقْلِيدِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ وَلَهُ تَأْخِيرُهُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ لَمْ يَجِبْ وَهَذَا (مَذْهَبٌ سَادِسٌ) وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ مَنْ بَعَثَ بِهَدْيِهِ لَا يُمْسِكُ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ إلَّا لَيْلَةَ جَمْعٍ فَإِنَّهُ يُمْسِكُ عَنْ النِّسَاءِ وَهَذَا (مَذْهَبٌ سَابِعٌ) وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ إذَا أَرْسَلَ بَدَنَتَهُ أَمْسَكَ عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُلَبِّي وَهَذَا (مَذْهَبٌ ثَامِنٌ) لِأَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِالتَّقْلِيدِ وَلَمْ يَقُلْ إنَّهُ مُحْرِمٌ وَلَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ، وَإِنَّمَا قَالَ يُمْسِكُ عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ وَهُوَ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَاجِّ حَتَّى يَنْحَرَ الْهَدْيَ وَهَذَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا أَرْسَلَ بَدَنَتَهُ وَاعَدَهُمْ يَوْمًا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي وَاعَدَهُمْ أَنْ يُشْعِرَ؛ أَمْسَكَ عَمَّا يُمْسِكُ عَنْهُ الْمُحْرِمُ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُلَبِّي، وَهَذَا مِثْلُ الَّذِي قَبْلَهُ فِي الْإِمْسَاكِ خَاصَّةً وَيُخَالِفُهُ بِأَنَّهُ لَا يُرَتِّبُهُ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِرْسَالِ بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ الْإِشْعَارِ فَهُوَ (مَذْهَبٌ تَاسِعٌ) وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ إذَا بَعَثَ الرَّجُلُ بِالْهَدْيِ أَمَرَ الَّذِي يَبْعَثُ بِهِ مَعَهُ أَنْ يُقَلِّدَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ ثُمَّ يُمْسِكُ عَنْ أَشْيَاءَ مِمَّا يُمْسِكُ عَنْهَا الْمُحْرِمُ وَهَذَا (مَذْهَبٌ عَاشِرٌ) لِأَنَّهُ لَا يَطَّرِدُ الْمَنْعُ فِي كُلِّ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ بَلْ يَثْبُتُ ذَلِكَ فِي بَعْضِهَا دُونَ جَمِيعِهَا وَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ رَتَّبَ هَذَا الْحُكْمَ عَلَى التَّقْلِيدِ رَتَّبَهُ عَلَى الْإِشْعَارِ أَيْضًا فَهُوَ فِي مَعْنَاهُ فَهَذِهِ عَشَرَةُ مَذَاهِبَ شَاذَّةٌ إنْ لَمْ تُؤَوَّلْ وَتُرَدَّ إلَى مَذْهَبٍ

стр. 1194

بَابُ الْإِحْصَارِ عَنْ نَافِعٍ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ خَرَجَ إلَى مَكَّةَ فِي الْفِتْنَةِ يُرِيدُ الْحَجَّ فَقَالَ إنْ صُدِدْت عَنْ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ــ [طرح التثريب] وَاحِدٍ وَكَلَامُ النَّوَوِيِّ يَقْتَضِي التَّأْوِيلَ فَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِيهِ أَنَّ مَنْ بَعَثَ هَدْيَهُ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَهَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا رِوَايَةً حُكِيَتْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنُ جُبَيْرٍ وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَهْلِ الرَّأْيِ أَيْضًا أَنَّهُ إذَا فَعَلَهُ لَزِمَهُ اجْتِنَابُ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ، وَلَا يَصِيرُ مُحْرِمًا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْإِحْرَامِ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إذَا قَلَّدَ هَدْيَهُ أَوْ أَشْعَرَهُ لَا يَصِيرُ مُحْرِمًا بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُحْرِمًا بِنِيَّةِ الْإِحْرَامِ، هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ يَصِيرُ مُحْرِمًا بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ، وَهَذَا فِيهِ تَسَاهُلٌ وَإِنَّمَا مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ إذَا قَلَّدَ هَدْيَهُ حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ وَكَذَا مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ إنْ صَحَّ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ شَيْءٌ انْتَهَى. فَذَكَرَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بَعَثَ الْهَدْيِ وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ تَقْلِيدُهُ وَمِمَّا يَدُلُّ لِلْجُمْهُورِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا كَانُوا حَاضِرِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ بَعَثَ الْهَدْيَ فَمَنْ شَاءَ أَحْرَمَ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ» ، وَعَزَاهُ الشَّيْخُ ﵀ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى مِنْ الْأَحْكَامِ لِابْنِ مَاجَهْ أَيْضًا وَلَمْ أَرَهُ عِنْدَهُ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَلْزَمُهُمْ حُكْمُ الْإِحْرَامِ بِبَعْثِ الْهَدْيِ وَلَعَلَّهُ إنَّمَا وَرَدَ فِيمَنْ عَزَمَهُ الْحَجُّ تِلْكَ السَّنَةَ وَإِنَّ الَّذِينَ يَصْحَبُونَ الْهَدْيَ مَعَهُمْ، مِنْهُمْ مَنْ يُحْرِمُ بِمُجَرَّدِ بَعْثِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَتْرُكُ الْإِحْرَامَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَيُؤَخِّرُهُ إلَى الْمِيقَاتِ؛ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّ ابْنَ حِبَّانَ لَمَّا أَخْرَجَهُ فِي صَحِيحِهِ بَوَّبَ عَلَيْهِ (ذِكْرُ الْإِبَاحَةِ لِلْحَاجِّ، بَعْثُ الْهَدْيِ وَسَوْقُهَا مِنْ الْمَدِينَةِ) فَلَمَّا عَبَّرَ فِي تَبْوِيبِهِ بِالْحَاجِّ عَلِمْنَا أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ بَعْثَ الْهَدْيِ الْمَذْكُورِ كَانَ مِمَّنْ عَزَمَهُ الْحَجُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الْإِحْصَارِ] [حَدِيث أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ خَرَجَ إلَى مَكَّةَ فِي الْفِتْنَةِ يُرِيدُ الْحَجَّ] بَابُ الْإِحْصَارِ. (الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ) عَنْ نَافِعٍ «أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ خَرَجَ إلَى مَكَّةَ فِي الْفِتْنَةِ يُرِيدُ الْحَجَّ فَقَالَ إنْ

стр. 1195

- ﷺ فَأُهِلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ إنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ مَا أَمْرُهُمَا إلَّا وَاحِدٌ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْت الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ نَفَذَ حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا وَأَهْدَى وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ» وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «رَأَى أَنَّ قَضَاءَ طَوَافِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » .. ــ [طرح التثريب] صُدِدْت عَنْ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ثُمَّ إنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ مَا أَمْرُهُمَا إلَّا وَاحِدٌ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ نَفَذَ حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا وَأَهْدَى وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِئٌ عَنْهُ» (فِيهِ) فَوَائِدُ: (الْأُولَى) اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ كُلِّهِمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ جُوَيْرَةَ ابْنِ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا كَلَّمَا عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ لَيَالِيَ نَزَلَ الْجَيْشُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى انْقِطَاعِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَأَنَّ بَيْنَ نَافِعٍ وَابْنِ عُمَرَ وَاسِطَةً إنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَعْضِ طُرُقِ رِوَايَةِ نَافِعٍ التَّصْرِيحُ بِالسَّمَاعِ مِنْ ابْنِ عُمَرَ وَبِتَقْدِيرِ ذَلِكَ فَهَذَا غَيْرُ ضَارٍّ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ ثَمَّ وَاسِطَةٍ فَقَدْ عَرَفْت عَيْنَهُ وَثِقَتَهُ فَمَا ضَرَّ ذَلِكَ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ. عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» قَالَ

стр. 1196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَلَمْ يَرْفَعُوهُ وَهُوَ أَصَحُّ انْتَهَى وَكَيْفَ يَجْتَمِعُ لِلتِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ أَوَّلًا يُصَحِّحُهُ ثُمَّ يَصِحُّ وَقْفُهُ وَلَعَلَّهُ مَوْقُوفٌ لَفْظًا مَرْفُوعٌ حُكْمًا فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ رَأْيًا وَفِي بَعْضِ نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ الِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِهِ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ عَلَى الْقَارِنِ عَمَلَيْنِ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَخْطَأَ فِيهِ الدَّرَاوَرْدِيُّ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ رَوَوْهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَوْلَهُ وَلَمْ يَرْفَعُوهُ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَلَيْسَ حَمْلُهُمْ عَلَى الدَّرَاوَرْدِيِّ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ قَدْ تَابَعَ الدَّرَاوَرْدِيُّ يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِمَعْنَى رِوَايَتِهِ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا رَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ أَنَّ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ وَأَيُّوبَ بْنَ مُوسَى وَمُوسَى بْنَ عُقْبَةَ وَإِسْمَاعِيلَ بْنَ أُمَيَّةَ رَوَوْا عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَعْنَى مَا رَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ (قُلْت) رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ يَمَانٍ هَذِهِ رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ بِلَفْظِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ لِقِرَانِهِ طَوَافًا وَاحِدًا» وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دَاوُد عَنْ نَافِعٍ عَنْ «ابْنِ عُمَرَ وَفِيهِ وَرَأَى إنْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ وَقَالَ هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزِّنْجِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ وَرِوَايَةُ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُ رَوَاهَا النَّسَائِيّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ الرَّقِّيِّ عَنْ سُفْيَانَ. وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ وَأَيُّوبَ بْنِ مُوسَى وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ. عَنْ نَافِعٍ قَالَ «خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَفِيهِ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ مَعَ عُمْرَتِي حَجًّا وَفِيهِ ثُمَّ قَدِمَ مَكَّةَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَقَالَ هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ» وَهَذَا لَفْظُ الشَّيْخَيْنِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «وَرَأَى إنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » وَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فَعَزْوُ الشَّيْخِ ﵀ هَذَا اللَّفْظَ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى مِنْ الْأَحْكَامِ إلَى مُسْلِمٍ فَقَطْ مُعْتَرَضٌ فَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا

стр. 1197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَطَاءٍ وَنَافِعٍ. عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا طَافَ لِحَجَّتِهِ وَعُمْرَتِهِ طَوَافًا وَاحِدًا وَسَعَى سَعْيًا وَاحِدًا» وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَطُفْ هُوَ وَأَصْحَابُهُ لِعُمْرَتِهِمْ وَحَجِّهِمْ حِينَ قَدِمُوا إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا» وَكَأَنَّ مَنْ ذُكِرَ تَفَرَّدَ الدَّرَاوَرْدِيُّ بِذَلِكَ إنَّمَا أَرَادَ تَفَرُّدَهُ بِرِوَايَتِهِ مِنْ قَوْلِهِ ﵊ فَإِنَّ جَمِيعَ الْمُتَابَعَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا إنَّمَا هِيَ مِنْ فِعْلِهِ ﵊ وَلَكِنَّ الْحُجَّةَ قَائِمَةٌ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ مَعًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَائِدَةٌ الْفِتْنَة الْمُشَار إلَيْهَا فِي الْحَدِيث] ١ (الثَّانِيَةُ) قَوْلُهُ فِي الْفِتْنَةِ أَيْ الْكَائِنَةِ بَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ ﵁ وَالْحَجَّاجِ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ فِيهَا عَامَ نَزَلَ الْحَجَّاجُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ لَكِنْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ الْحَجَّ عَامَ حَجَّتْ الْحَرُورِيَّةَ فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ الْحَدِيثَ وَالْحَرُورِيَّةُ طَائِفَةٌ مِنْ الْخَوَارِجِ قَاتَلَهُمْ عَلِيٌّ ﵁ نُسِبُوا إلَى حَرُورَاءَ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ وَهُوَ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنْ الْكُوفَةِ كَانَ أَوَّلُ مُجْتَمَعِهِمْ وَتَحْكِيمِهِمْ فِيهَا وَهَذَا يُنَافِي الرِّوَايَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ فَإِنَّ الْحَجَّاجَ لَمْ يُمَكَّنْ مِنْهُمْ وَكَأَنَّهُ سَمَّى الْحَجَّاجَ وَمَنْ مَعَهُ حَرُورِيَّةً لِخُرُوجِهِمْ عَلَى الْإِمَامِ الْوَاجِبِ الطَّاعَةُ وَهُوَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ﵁. (الثَّالِثَةُ) قَوْلُهُ يُرِيدُ الْحَجَّ كَيْفَ يَجْتَمِعُ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ؟ وَجَوَابُهُ أَنَّ إهْلَالَهُ بِعُمْرَةٍ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ خَرَجَ يُرِيدُ الْحَجَّ فَالْمُرِيدُ لِلْحَجِّ قَدْ يُحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ مِنْ مَكَّةَ بِحَجَّةٍ وَهُوَ الْمُتَمَتِّعُ، وَقَدْ يُحْرِمُ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ يُدْخِلُ عَلَيْهَا الْحَجَّ كَمَا فَعَلَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَهُوَ أَحَدُ قِسْمَيْ الْقِرَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ خَرَجَ فِي الْفِتْنَةِ مُعْتَمِرًا فَجَعَلَهُ مُعْتَمِرًا بِاعْتِبَارِ ابْتِدَاءِ فِعْلِهِ وَمُرِيدًا لِلْحَجِّ بِاعْتِبَارِ مَآلِ حَالِهِ وَلَعَلَّهُ كَانَ خَرَجَ أَوَّلًا بِنِيَّةِ الْإِحْرَامِ ابْتِدَاءً بِالْحَجِّ ثُمَّ لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ الْفِتْنَةِ قَبْلَ وُصُولِ الْمِيقَاتِ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فَسَمَّاهُ مُرِيدًا لِلْحَجِّ بِاعْتِبَارِ ابْتِدَاءِ قَصْدِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الرَّابِعَةُ) قَوْلُهُ إنْ صُدِدْتُ عَنْ الْبَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنَّمَا قَالَ هَذَا الْكَلَامَ بَعْدَ أَنْ قِيلَ لَهُ إنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَصُدُّوك عَنْ الْبَيْتِ كَمَا هُوَ فِي

стр. 1198

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَوْلُهُ: كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ حِينَ حَالَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ كَمَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالْمُرَادُ عَامُ الْحُدَيْبِيَةِ وَالْمُرَادُ بِمَا صَنَعُوهُ الْإِحْلَالُ عِنْدَ الْإِحْصَارِ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرَةَ عَنْ نَافِعٍ وَلَفْظُهَا فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْتِ فَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ هَدْيَهُ وَحَلَقَ رَأْسَهُ وَقَصَّرَ أَصْحَابُهُ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي مَعْنَاهُ مِثْلَ مَا ذَكَرْتُهُ فَقَالَ: الصَّوَابُ فِي مَعْنَاهُ أَنَّهُ أَرَادَ إنْ صُدِدْتُ وَأُحْصِرْتُ تَحَلَّلْتُ كَمَا تَحَلَّلْنَا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ كَمَا أَهَلَّ النَّبِيُّ ﷺ بِعُمْرَةٍ فِي الْعَامِ الَّذِي أُحْصِرَ، قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْأَمْرَيْنِ قَالَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ قَالَ النَّوَوِيُّ وَلَيْسَ هُوَ بِظَاهِرٍ كَمَا ادَّعَاهُ؛ بَلْ الصَّحِيحُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِيَاقُ كَلَامِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ (قُلْت) وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي مَعَ أَنَّ إهْلَالَهُ بِعُمْرَةٍ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ صَدِّهِ وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ أَوَّلِ إحْرَامِهِ وَاَلَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَى الصَّدِّ إنَّمَا هُوَ الْإِحْلَالُ وَقَدْ نَصَّ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ الشَّافِعِيُّ ﵀ فَقَالَ يَعْنِي أَحْلَلْنَا كَمَا أَحْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ. (الْخَامِسَةُ) فِيهِ أَنَّ مَنْ أَحْصَرَهُ الْعَدُوُّ، أَيْ مَنَعَهُ عَنْ الْمُضِيِّ فِي نُسُكِهِ سَوَاءٌ كَانَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً جَازَ لَهُ التَّحَلُّلُ بِأَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ وَيَنْحَرَ هَدْيًا وَيَحْلِقَ رَأْسَهُ أَوْ يُقَصِّرَ وَالتَّحَلُّلُ بِإِحْصَارِ الْعَدُوِّ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ كُلِّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي تَفَاصِيلَ وَتَفَارِيعَ [فَائِدَةٌ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ التَّحَلُّلِ ضِيقُ الْوَقْتِ] ١ (مِنْهَا) أَنَّهُ هَلْ يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ التَّحَلُّلِ ضِيقُ الْوَقْتِ بِحَيْثُ يَيْأَسُ مِنْ إتْمَامِ نُسُكِهِ إنْ لَمْ يَتَحَلَّلْ أَوَّلًا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ بَلْ لَهُ التَّحَلُّلُ مَعَ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ؟ لَمْ يَشْتَرِطْ الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ وَهَذَا الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ ﵊ فِي الْحُدَيْبِيَةِ فَإِنَّ إحْرَامَهُ إنَّمَا كَانَ بِعُمْرَةٍ وَهِيَ لَا يُخْشَى فَوَاتُهَا وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ مَتَى رَجَا زَوَالَ الْحَصْرِ لَمْ يَتَحَلَّلْ حَتَّى يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَجِّ مِنْ الزَّمَانِ مَا لَا يُدْرِكُ فِيهِ الْحَجَّ لَوْ زَالَ حَصْرُهُ فَيَحِلُّ حِينَئِذٍ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَحِلُّ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ وَلَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَرُوحَ النَّاسُ إلَى عَرَفَةَ (وَمِنْهَا) أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ لَمْ يُفَرِّقُوا فِي جَوَازِ التَّحَلُّلِ بَيْنَ أَنْ

стр. 1199

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] يَكُونَ الْإِحْصَارُ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَوْ بَعْدَهُ وَخَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ بِمَا إذَا كَانَ قَبْلَ الْوُقُوفِ (وَمِنْهَا) أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُحْصَرِ إرَاقَةُ دَمٍ أَمْ لَا، فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ بِوُجُوبِهِ وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَجِبُ، وَتَابَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُهُ (وَمِنْهَا) أَنَّ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ الدَّمِ اخْتَلَفُوا فِي مَحَلِّ إرَاقَتِهِ فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ يُرِيقُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ وَلَوْ كَانَ مِنْ الْحِلِّ لِأَنَّهُ ﵊ كَذَلِكَ فَعَلَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ وَدَلَّ عَلَى الْإِرَاقَةِ فِي الْحِلِّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مَنَعُوهُمْ مِنْ إيصَالِهِ إلَى مَحِلِّهِ وَهُوَ الْحَرَمُ ذَكَرَ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ عَطَاءٌ وَابْنُ إِسْحَاقَ بَلْ نَحَرَ بِالْحَرَمِ وَخَالَفَهُمَا غَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي وَغَيْرِهِمْ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ لَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ إلَّا فِي الْحَرَمِ فَيُرْسِلُهُ مَعَ إنْسَانٍ وَيُوَاعِدُهُ عَلَى يَوْمٍ بِعَيْنِهِ فَإِذَا جَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمُ تَحَلَّلَ ثُمَّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ ذَبْحُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَقَالَ صَاحِبَاهُ يَخْتَصُّ ذَبْحُهُ فِي الْإِحْصَارِ عَنْ الْحَجِّ بِيَوْمِ النَّحْرِ، وَمِنْهَا أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ فَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ بِنَاءً عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ نُسُكٌ؛ وَقَالَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ (وَمِنْهَا) أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ أَمْ لَا؟ فَأَوْجَبَ الْحَنَفِيَّةُ الْقَضَاءَ بَلْ زَادُوا فَقَالُوا إنَّ عَلَى الْمُحْصَرِ عَنْ الْحَجِّ حَجَّةً وَعُمْرَةً؛ وَعَلَى الْقَارِنِ حَجَّةً وَعُمْرَتَيْنِ؛ وَلَمْ تُوجِبْ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ الْقَضَاءَ؛ وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رِوَايَتَانِ: قَالُوا فَإِنْ كَانَ حَجَّ فَرْضٍ بَقِيَ وُجُوبُهُ عَلَى حَالِهِ؛ وَبَالَغَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَبْعَدَ فَقَالَ: يَسْقُطُ عَنْهُ وَرَأَى ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ إتْمَامِ النُّسُكِ عَلَى وَجْهِهِ فَهَذِهِ فُرُوعٌ لَا بُدَّ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْإِحْصَارِ مِنْ مَعْرِفَتِهَا وَبَسْطُ الْكَلَامِ فِيهَا مُحَالٌ عَلَى مَوَاضِعِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ وَالْخِلَافِ؛ وَبَقِيَتْ لَهُ فُرُوعٌ لَا نُطَوِّلُ بِذِكْرِهَا إذْ لَيْسَتْ فِي الِاضْطِرَارِ إلَيْهَا كَالْمَذْكُورَةِ هُنَا؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَائِدَةٌ أَحْصَرَهُ مَرَضٌ مَنَعَهُ مِنْ الْمُضِيِّ فِي نُسُكٍ] (السَّادِسَةُ) مَوْرِدُ النَّصِّ فِي قَضِيَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْإِحْصَارِ بِالْعَدُوِّ فَلَوْ أَحْصَرَهُ مَرَضٌ مَنَعَهُ مِنْ الْمُضِيِّ فِي نُسُكٍ لَمْ يَتَحَلَّلْ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ. وَقَالَ (أَبُو حَنِيفَةَ الْإِحْصَارُ بِالْمَرَضِ كَالْإِحْصَارِ بِالْعَدُوِّ)

стр. 1200

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] قَالُوا وقَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] إنَّمَا وَرَدَ فِي إحْصَارِ الْمَرَضِ لِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ قَالُوا: يُقَالُ أَحْصَرَهُ الْمَرَضُ وَحَصَرَهُ الْعَدُوُّ فَاسْتِعْمَالُ الرُّبَاعِيِّ فِي الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ الْمَرَضِ؛ وَمَا نَقَلُوهُ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ حَكَاهُ فِي الْمَشَارِقِ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ وَابْنِ قُتَيْبَةَ؛ وَقَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ الْمَالِكِيُّ إنَّهُ الظَّاهِرُ وَحَكَاهُ فِي الصِّحَاحِ عَنْ ابْنِ السِّكِّيتِ وَالْأَخْفَشِ قَالَ: وَقَالَ أَبُو عُمَرَ الشَّيْبَانِيُّ حَصَرَنِي الشَّيْءُ وَأَحْصَرَنِي حَبَسَنِي انْتَهَى؛ فَجَعَلَهُمَا لُغَتَيْنِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ؛ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ أَحْصَرَهُ الْمَرَضُ أَوْ السُّلْطَانُ إذَا مَنَعَهُ عَنْ مَقْصِدِهِ فَهُوَ مُحْصَرٌ؛ وَحَصَرَهُ إذَا حَبَسَهُ فَهُوَ مَحْصُورٌ؛ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ التَّفْصِيلَ الْمُتَقَدِّمَ عَنْ الْخَلِيلِ وَأَكْثَرُ أَهْلِ اللُّغَةِ ثُمَّ حَكَى عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ يُقَالُ حَصَرَ وَأَحْصَرَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ فِي الْمَرَضِ وَالْعَدُوِّ جَمِيعًا؛ قَالَ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: هَذَا مِنْ الْفُقَهَاءِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ فِي الْحُدَيْبِيَةِ انْتَهَى؛ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَمْ أَسْمَعْ مِمَّنْ حُفِظَ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ مُخَالِفًا فِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِالْحُدَيْبِيَةِ حِينَ أُحْصِرَ النَّبِيُّ ﷺ فَحَالَ الْمُشْرِكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ؛ وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَطَاءٍ الْإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى التَّعْمِيمِ فِي ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ [فَائِدَةٌ مَحَلُّ مَنْعِ التَّحَلُّلِ فِي الْإِحْصَارِ بِالْمَرَضِ] ١ (السَّابِعَةُ) مَحَلُّ مَنْعِ التَّحَلُّلِ فِي الْإِحْصَارِ بِالْمَرَضِ مَا إذَا لَمْ يَشْتَرِطْ فِي ابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ التَّحَلُّلَ بِهِ فَإِنْ شَرَطَ ذَلِكَ فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ ١ - (الثَّامِنَةُ) قَوْلُهُ فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ أَيْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّلْبِيَةِ بِهَا وَقَوْلُهُ مِنْ أَجْلِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ أَشْهَرُهُمَا الْأُولَى وَالْحُدَيْبِيَةُ قَرْيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ مَكَّةَ سُمِّيَتْ بِبِئْرٍ هُنَاكَ؛ وَالْمَشْهُورُ فِيهَا تَخْفِيفُ الْيَاءِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ يُشَدِّدُهَا وَالْمُرَادُ الْعَامُ الَّذِي صُدَّ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْبَيْتِ وَوَادَعَ فِيهِ أَهْلَ مَكَّةَ وَهُوَ سَنَةُ سِتٍّ مِنْ الْهِجْرَةِ وَالْمَعْنَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ اقْتِدَاءً بِهِ ﵊ فِي أَنَّهُ أَحْرَمَ تِلْكَ السَّنَةَ بِعُمْرَةٍ. (التَّاسِعَةُ) قَوْلُهُ (مَا أَمْرُهُمَا إلَّا وَاحِدٌ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ يَعْنِي فِي جَوَازِ التَّحَلُّلِ مِنْهُمَا بِالْإِحْصَارِ قَالَ: وَفِيهِ صِحَّةُ الْقِيَاسِ وَالْعَمَلُ بِهِ وَأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَهُ فَلِهَذَا قَاسَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -

стр. 1201

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] إنَّمَا تَحَلَّلَ مِنْ الْإِحْصَارِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ إحْرَامِهِ بِعُمْرَةٍ وَاحِدَةٍ (قُلْت) مَا ذَكَرَهُ فِي مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ لَا يَتَعَيَّنُ فَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ مَا أَمْرُهُمَا إلَّا وَاحِدٌ فِي إمْكَانِ الْإِحْصَارِ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا فَكَأَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا رَأَى الْإِحْصَارَ عَنْ الْحَجِّ أَقْرَبَ مِنْ الْإِحْصَارِ عَنْ الْعُمْرَةِ لِطُولِ زَمَنِ الْحَجِّ وَكَثْرَةِ أَعْمَالِهِ بِخِلَافِ الْعُمْرَةِ؛ وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ بَعْدَ قَوْلِهِ مَا أَمْرُهُمَا إلَّا وَاحِدٌ إنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْعُمْرَةِ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْحَجِّ وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ. (الْعَاشِرَةُ) قَوْلُهُ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الْحَجَّ مَعَ الْعُمْرَةِ أَيْ أَلْزَمْتُ نَفْسِي ذَلِكَ؛ وَالْإِيجَابُ هُنَا بِمَعْنَى الْإِلْزَامِ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِتَعْلِيمِ مَنْ أَرَادَ الِاقْتِدَاءَ بِهِ فَإِنَّ الْإِشْهَادَ فِي مِثْلِ هَذَا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَا التَّلَفُّظُ بِذَلِكَ وَالنِّيَّةُ كَافِيَةٌ فِي صِحَّةِ الْإِحْرَامِ [فَائِدَةٌ إدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ] (الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) فِيهِ جَوَازُ إدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لَكِنْ شَرْطُهُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ الشَّرْطُ فِي صِحَّتِهِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الطَّوَافِ وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَصَوَّبَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ الشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ مُضِيِّ أَكْثَرِ الطَّوَافِ فَمَتَى كَانَ إدْخَالُهُ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ بَعْدَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَشْوَاطٍ لَمْ يَصِحَّ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَصِحُّ مَا لَمْ يُكْمِلْ الطَّوَافَ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى مَا لَمْ يَرْكَعْ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ يَصِحُّ مَا لَمْ يُكْمِلْ السَّعْيَ، فَهَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَشْهَبَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَشَذَّ بَعْضُ النَّاسِ فَمَنَعَ إدْخَالَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَقَالَ لَا يَدْخُلُ إحْرَامٌ عَلَى إحْرَامٍ كَمَا لَا يَدْخُلُ صَلَاةٌ عَلَى صَلَاةٍ؛ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ ثُمَّ نُقِلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ؛ وَأَمَّا إدْخَالُ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ فَمَنَعَهُ الْجُمْهُورُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشَّافِعِيِّ [فَائِدَةٌ الْقَارِنَ يَقْتَصِرُ عَلَى طَوَافٍ وَاحِدٍ وَسَعْيٍ وَاحِدٍ] ١ (الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) قَوْلُهُ ثُمَّ نَفَذَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَبِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مَضَى وَسَارَ وَاسْتَمَرَّ عَلَى حَالِهِ حَتَّى وَصَلَ إلَى الْبَيْتِ. (الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) وَفِيهِ أَنَّ الْقَارِنَ يَقْتَصِرُ عَلَى طَوَافٍ وَاحِدٍ وَسَعْيٍ وَاحِدٍ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقُ؛ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجِبُ عَلَيْهِ طَوَافَانِ وَسَعْيَانِ وَهُوَ

стр. 1202

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَحُكِيَ الْأَوَّلَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَالْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَحُكِيَ الثَّانِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُمْ وَبِهِ قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ وَأَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «خَرَجَ ابْنُ عُمَرَ يُهِلُّ بِعُمْرَةٍ وَهُوَ بِتَخَوُّفِ أَيَّامِ نَجْدَةَ أَنْ يُحْبَسَ عَنْ الْبَيْتِ فَلَمَّا سَارَ أَيَّامًا قَالَ: مَا الْحَصْرُ فِي الْعُمْرَةِ وَالْحَصْرُ فِي الْحَجِّ إلَّا وَاحِدٌ فَضَمَّ إلَيْهَا حَجَّةً فَلَمَّا قَدِمَ طَافَ طَوَافَيْنِ طَوَافًا لِعُمْرَتِهِ وَطَوَافًا لِحَجَّتِهِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَلَ» لَكِنَّ هَذِهِ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا وَمَعَ ذَلِكَ فَهِيَ شَاذَّةٌ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَمْ يَرَوْهُ عَنْ الْحَكَمِ غَيْرُ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ وَهُوَ مَتْرُوكٌ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ أَجْمَعَ أَهْلُ النَّقْلِ عَلَى تَرْكِ حَدِيثِهِ لِكَثْرَةِ الْمَنَاكِيرِ فِي رِوَايَاتِهِ وَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ طَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَمَا سَبَقَ [فَائِدَةٌ الْقَارِنَ يُهْدِي كَالْمُتَمَتِّعِ] ١ (الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ) فِيهِ أَنَّ الْقَارِنَ يُهْدِي كَالْمُتَمَتِّعِ وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ، مَنْ فَضَّلَ مِنْهُمْ الْقِرَانَ عَلَى غَيْرِهِ، وَمَنْ جَعَلَهُ مَرْجُوحًا؛ وَمَنْ قَالَ بِإِتْيَانِ الْقَارِنِ بِأَعْمَالِ النُّسُكَيْنِ، وَمَنْ قَالَ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى عَمَلٍ وَاحِدٍ، وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا قَوْلًا قَدِيمًا عَنْ الشَّافِعِيِّ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ وَهُوَ شَاذٌّ وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «وَأَهْدَى شَاةً» فَزَادَ ذِكْرَ الشَّاةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى غَلَطِهِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ مَذْهَبُهُ فِيمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ بَقَرَةٌ دُونَ بَقَرَةٍ أَوْ بَدَنَةٌ دُونَ بَدَنَةٍ، ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (مَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ) شَاةٌ وَعَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ انْتَهَى. وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ أَنَّهُ لَا هَدْيَ عَلَى الْقَارِنِ [فَائِدَةٌ خُرُوج الرَّجُلِ لِلْحَجِّ فِي الطَّرِيقِ الْمَخُوفِ] (الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْرُجَ لِلْحَجِّ فِي الطَّرِيقِ الْمَخُوفِ إذَا لَمْ يُوقِنْ بِالسُّوءِ وَرَجَا السَّلَامَةَ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ رُكُوبِ الْغَرَرِ [فَائِدَةٌ طَوَافَ الْقُدُومِ إذَا وُصِلَ بِالسَّعْيِ هَلْ يُجْزِئُ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ] ١ (السَّادِسَةَ عَشْرَةَ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ

стр. 1203

وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ ابْنَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَتْ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَأَنَا شَاكِيَةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي» قَالَ النَّسَائِيُّ ــ [طرح التثريب] فِيهِ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ فِي قَوْلِهِ إنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ إذَا وُصِلَ بِالسَّعْيِ يُجْزِئُ عَنْ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لِمَنْ تَرَكَهُ جَاهِلًا أَوْ نَسِيَهُ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ قَالَ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهُ غَيْرُهُ وَغَيْرُ أَصْحَابِهِ (قُلْت) هُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ وَرَأَى أَنْ قَدْ قُضِيَ طَوَافُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ كَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ بَلْ مُقْتَضَاهُ الْإِجْزَاءُ بِدُونِ الْجَهْلِ وَالنِّسْيَانِ فَيَحْتَاجُ الْمَالِكِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ إلَى الْجَوَابِ عَنْهُ فَإِنَّ أَعْمَالَ الْعُمْرَةِ قَدْ انْدَرَجَتْ فِي الْحَجِّ عِنْدَ الْقَائِلِ بِذَلِكَ وَطَوَافُ الْحَجِّ لَا يَجِيءُ وَقْتُهُ إلَّا يَوْمَ النَّحْرِ فَإِنْ كَانَ أَحَدٌ يَقُولُ إنَّ طَوَافَ الْعُمْرَةِ يَقُومُ مَقَامَ طَوَافِ الْحَجِّ وَيَكُونُ الطَّوَافُ الْمَأْتِيُّ بِهِ أَوَّلًا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْقُدُومُ وَإِنَّمَا قُصِدَ بِهِ طَوَافُ الرُّكْنِ لِلْعُمْرَةِ وَسَدٌّ عَنْ طَوَافِ الْحَجِّ اسْتَقَامَ ذَلِكَ وَإِلَّا أُشْكِلَ جِدًّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي قَوْلِهِ عِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ ثُمَّ لَمْ يَحِلَّ مِنْهُمَا حَتَّى حَلَّ مِنْهُمَا بِحَجَّةٍ يَوْمَ النَّحْرِ - مَعْنَاهُ حَتَّى أَحِلَّ مِنْهُمَا يَوْمَ النَّحْرِ بِعَمَلِ حَجَّةٍ مُفْرَدَةٍ انْتَهَى وَهُوَ حَسَنٌ وَلَعَلَّ قَوْلُهُ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ بِطَوَافِهِ الْأَوَّلِ أَرَادَ بِهِ السَّعْيَ فَهُوَ طَوَافٌ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَهُوَ الَّذِي اكْتَفَى بِالْإِتْيَانِ بِهِ أَوَّلًا أَمَّا الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «لَمْ يَطُفْ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا طَوَافُهُ الْأَوَّلُ» وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ «وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا» أَرَادَتْ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ يُؤَيِّدُ الْحَدِيثَ الَّذِي قَدَّمْته وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [حَدِيث حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي] (الْحَدِيثُ الثَّانِي) عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَتْ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَأَنَا شَاكِيَةٌ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ حُجِّي

стр. 1204

لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ غَيْرُ مَعْمَرٍ) وَقَالَ الْأَصِيلِيُّ لَا يَثْبُتُ فِي الِاشْتِرَاطِ إسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ مِنْ الْأَصِيلِيِّ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ أَنْ رَوَاهُ مُرْسَلًا " لَوْ ثَبَتَ لَمْ أَعْدُهُ إلَى غَيْرِهِ " وَقَدْ ثَبَتَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ فَالشَّافِعِيُّ قَائِلٌ بِهِ وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «فَأَدْرَكْت» وَزَادَ النَّسَائِيُّ «فَإِنَّ لَك عَلَى رَبِّك مَا اسْتَثْنَيْت» وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ ضُبَاعَةَ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَكَيْفَ أُهِلُّ بِالْحَجِّ؟ قَالَ قُولِي: اللَّهُمَّ إنِّي أُهِلُّ ــ [طرح التثريب] وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي» (فِيهِ) فَوَائِدُ: (الْأُولَى) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَأَخْرَجَاهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ حَمَّادِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ وَوَكِيعٍ كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ضُبَاعَةَ وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا وَقَالَ لَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ عُرْوَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الِاسْتِثْنَاءِ لَمْ أَعْدُهُ إلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ عِنْدِي خِلَافُ مَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْعَلَاءِ مَوْصُولًا بِذِكْرِ عَائِشَةَ فِيهِ، وَثَبَتَ وَصْلُهُ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ أَبِي أُسَامَةَ حَمَّادِ بْنِ أُسَامَةَ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَثَبَتَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ عَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٍ وَعِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُخَرَّجٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ انْتَهَى وَأَخْرَجَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَرَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ

стр. 1205

بِالْحَجِّ إنْ أَذِنْت لِي بِهِ وَأَعَنْتنِي عَلَيْهِ وَيَسَّرْته لِي، وَإِنْ حَبَسْتنِي فَعُمْرَةٌ، وَإِنْ حَبَسْتنِي عَنْهُمَا جَمِيعًا فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي» لِلتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ وَالنَّسَائِيُّ. «عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ الِاشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ وَيَقُولُ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ؟» زَادَ النَّسَائِيُّ (أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ) وَلَمْ يَذْكُرْ الْبُخَارِيُّ أَوَّلَهُ وَقَالَ: «أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنْ الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ؛ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا فَيُهْدِي أَوْ يَصُومَ إنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا» .. ــ [طرح التثريب] عَائِشَةَ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ قَدْ صَحَّ وَبَالَغَ فِي الصِّحَّةِ فَهُوَ قَوْلُهُ وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَوْ سُعْدَى بِنْتِ عَوْفٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَلَى الشَّكِّ هَكَذَا وَجَابِرٍ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ سِوَى حَدِيثِ أَسْمَاءَ أَوْ سُعْدَى فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَظَاهِرَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ لَا يَسَعُ أَحَدًا الْخُرُوجُ عَنْهَا وَقَالَ النَّسَائِيُّ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ غَيْرُ مَعْمَرٍ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ لَمْ يُسْنِدْهُ عَنْ مَعْمَرٍ غَيْرُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِيمَا أَعْلَمُ وَأَشَارَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إلَى تَضْعِيفِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ قَالَ قَالَ الْأَصِيلِيُّ لَا يَثْبُتُ فِي الِاشْتِرَاطِ إسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَالَ قَالَ النَّسَائِيُّ قَالَ لَا أَعْلَمُ أَسْنَدَهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ غَيْرُ مَعْمَرٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَهَذَا الَّذِي عَرَّضَ بِهِ الْقَاضِي وَقَالَهُ الْأَصِيلِيُّ مِنْ تَضْعِيفِ الْحَدِيثِ غَلَطٌ فَاحِشٌ جِدًّا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ: لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَشْهُورٌ فِي صَحِيحَيْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ وَسَائِرِ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَمَدَةِ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِأَسَانِيدَ كَثِيرَةٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَفِيمَا ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ مِنْ تَنْوِيعِ طُرُقِهِ أَبْلَغَ كِفَايَةٍ وَقَالَ وَالِدِي ﵀ فِي شَرْحِ

стр. 1206

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ لَمْ يَقُلْ بِانْفِرَادِ مَعْمَرٍ بِهِ مُطْلَقًا بَلْ بِانْفِرَادِهِ بِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الِانْفِرَادِ الْمُقَيَّدِ، الِانْفِرَادُ الْمُطْلَقُ، فَقَدْ أَسْنَدَهُ مَعْمَرٌ وَأَبُو أُسَامَةَ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَسْنَدَهُ الْقَاسِمُ عَنْهَا وَلَوْ انْفَرَدَ بِهِ مَعْمَرٌ مُطْلَقًا لَمْ يَضُرَّهُ وَكَمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ الِانْفِرَادِ وَلَا يَضُرُّ إرْسَالُ الشَّافِعِيِّ لَهُ فَالْحُكْمُ لِمَنْ وَصَلَ، هَذَا مَعْنَى كَلَامُهُ. (الثَّانِيَةُ) ضُبَاعَةُ بِضَمِّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ مُخَفَّفَةٌ وَبَعَدَ الْأَلِفِ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ بِنْتُ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ هِيَ بِنْتُ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ أَوْ سُعْدَى دَخَلَ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَهُوَ وَهْمٌ لَا يُتَأَوَّلُ بِمَا قَالَهُ وَالِدِي ﵀ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ أَنَّهُ نِسْبَةٌ إلَى جَدِّهَا كَقَوْلِهِ ﵊ «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ» : لِأَنَّهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فَقَالَ: «مَا يَمْنَعُكِ يَا عَمَّتَاهُ مِنْ الْحَجِّ» ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ بَنَى عَلَى أَنَّهَا بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ حَقِيقَةً حَتَّى تَكُونَ عَمَّتَهُ ﵊، وَهُوَ وَهْمٌ قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ وَلَيْسَ لِلزُّبَيْرِ بَقِيَّةٌ إلَّا مِنْ بِنْتَيْهِ أُمِّ الْحَكَمِ وَضُبَاعَةَ انْتَهَى وَكَانَتْ تَحْتَ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ وَبِسَبَبِ ذَلِكَ أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ فِي بَابِ (الْأَكْفَاءُ فِي الدِّينِ) يُشِيرُ إلَى تَزَوُّجِهَا بِالْمِقْدَادِ وَلَيْسَ كُفُؤًا لَهَا مِنْ حَيْثُ النَّسَبِ فَإِنَّهُ كِنْدِيٌّ وَلَيْسَ كِنْدَةُ أَكْفَاءً لِقُرَيْشٍ فَضْلًا عَنْ بَنِي هَاشِمٍ عِنْدَ مَنْ يَعْتَبِرُ الْكَفَاءَةَ فِي النَّسَبِ مِنْ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ كُفُؤٌ لَهَا فِي الدِّينِ فَقَطْ وَوَقَعَ فِي كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ أَنَّهَا ضُبَاعَةُ الْأَسْلَمِيَّةُ وَهُوَ غَلَطٌ فَاحِشٌ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَالصَّوَابُ الْهَاشِمِيَّةُ وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَةِ أُخْرَى يُقَالُ لَهَا ضُبَاعَةُ الْأَسْلَمِيَّةُ وَلَكِنَّهُمَا وَهَمَا فِي نِسْبَتِهَا، نَعَمْ فِي الصَّحَابَةِ أُخْرَى تُسَمَّى ضُبَاعَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ أَنْصَارِيَّةٌ وَهِيَ أُخْتُ أُمِّ عَطِيَّةَ [فَائِدَةٌ دُخُولُ النَّبِيّ عَلَى ضُبَاعَةَ عِيَادَةً أَوْ زِيَارَةً وَصِلَةً] ١ (الثَّالِثَةُ) دُخُولُهُ ﵊ عَلَى ضُبَاعَةَ عِيَادَةً أَوْ زِيَارَةً وَصِلَةً فَإِنَّهَا قَرِيبَتُهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَفِيهِ بَيَانُ تَوَاضُعِهِ وَصِلَتِهِ وَتَفَقُّدِهِ ﷺ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْخَلْوَةَ هُنَاكَ كَانَتْ مُنْتَفِيَةً فَإِنَّهُ ﵊ لَمْ يَكُنْ يَخْلُو بِالْأَجْنَبِيَّاتِ وَلَا يُصَافِحُهُنَّ وَإِنْ كَانَ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ مَفْسَدَةٌ لِعِصْمَتِهِ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَعُدُّوا ذَلِكَ مِنْ

стр. 1207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] خَصَائِصِهِ فَهُوَ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِ فِي التَّحْرِيمِ. (الرَّابِعَةُ) قَوْلُهَا «فَقَالَتْ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ» قَدْ يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ» وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ (أَرَدْتُ الْحَجَّ) وَلَا مُنَافَاةَ فَقَدْ تَكُونُ إنَّمَا قَالَتْ إنَّمَا أُرِيدُ الْحَجَّ فِي جَوَابِ اسْتِفْهَامِهِ لَهَا وَلَيْسَ اللَّفْظُ صَرِيحًا فِي أَنَّهَا قَالَتْ ذَلِكَ ابْتِدَاءً وَكَذَا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ضُبَاعَةَ «أَنَّهُ ﵊ قَالَ لَهَا أَمَا تُرِيدِينَ الْحَجَّ الْعَامَ» وَمِنْ رِوَايَةِ أَسْمَاءَ أَوْ سُعْدَى «مَا يَمْنَعُكِ مِنْ الْحَجِّ» كُلُّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ كَلَامَهَا كَانَ جَوَابًا لِسُؤَالِهِ لَكِنْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مُسْلِمٍ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ «أَنَّ ضُبَاعَةَ أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ» وَهَذَا قَدْ يُنَافِي قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «دَخَلَ عَلَى ضُبَاعَةَ» وَقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَكُنْ إذْ ذَاكَ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ جَاءَ فَدَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ فِي مَنْزِلِهِ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ «أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ فَأَشْتَرِطُ، فَقَالَ لَهَا نَعَمْ» وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ أَمْرَهُ بِالِاشْتِرَاطِ مَا كَانَ إلَّا بَعْدَ اسْتِئْذَانِهَا [فَائِدَةٌ الْخِلَاف فِي جَوَازِ الِاشْتِرَاط فِي الْحَجّ] ١ (الْخَامِسَةُ) قَوْلُهَا وَأَنَا شَاكِيَةٌ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ مَرِيضَةٌ وَالشَّكْوَى وَالشَّكْوُ الْمَرَضُ. (السَّادِسَةُ) قَوْلُهُ مَحِلِّي بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ مَوْضِعِ حُلُولِي أَوْ وَقْتُ حُلُولِي وَالْمَحِلُّ يَقَعُ عَلَى الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَقَوْلُهُ (حَبَسْتنِي) أَيْ مَنَعْتنِي مِنْ السَّيْرِ بِسَبَبِ ثِقَلِ الْمَرَضِ وَيَجُوزُ فِي قَوْلِهِ أَنَّ الْفَتْحَ وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمَرْوِيُّ وَالْكَسْرُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى قُولِي هَذَا اللَّفْظَ وَهُوَ إنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي. (السَّابِعَةُ) فِيهِ أَنَّهُ ﵊ أَمَرَهَا أَنْ تَشْتَرِطَ فِي إحْرَامِهَا التَّحَلُّلَ عِنْدَ الْمَرَضِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْأَمْرِ هَلْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْإِبَاحَةِ أَوْ الِاسْتِحْبَابِ أَوْ الْإِيجَابِ وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى الِاشْتِرَاطِ فِي الْجُمْلَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ عِنْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ أَوْ لِتَأْوِيلِهِ كَمَا سَيَأْتِي وَحَاصِلُ هَذَا الْخِلَافِ أَقْوَالٌ: (أَحَدُهَا) جَوَازُهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ وَعَلَّقَ الْقَوْلَ بِهِ فِي الْجَدِيدِ عَلَى صِحَّتِهِ وَقَدْ صَحَّ كَمَا تَقَدَّمَ وَلِذَلِكَ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ بِصِحَّتِهِ وَأَجْرَى غَيْرُهُ فِيهِ قَوْلَيْنِ فِي الْجَدِيدِ أَظْهَرُهُمَا الصِّحَّةُ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِعْلَهُ عَنْ عَلِيٍّ وَعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ وَشُرَيْحِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ

стр. 1208

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] وَالْأَمْرُ بِهِ عَنْ عَائِشَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا وَاقِفًا بِعَرَفَةَ فَقَالَ لَهُ أَشَارَطْتَ؟ فَقَالَ نَعَمْ، وَعَنْ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ فِي الْمُحْرِمِ قَالَا لَهُ شَرْطُهُ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ الْأَمْرُ بِهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ مِمَّنْ رَوَيْنَا عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى الِاشْتِرَاطَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَهُوَ مَذْهَبُ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيِّ وَالْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ وَعَلْقَمَةَ وَشُرَيْحٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ إذْ هُوَ بِالْعِرَاقِ ثُمَّ وَقَفَ عَنْهُ بِمِصْرَ وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ وَحَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَحَكَاهُ وَالِدِي ﵀ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ. (الثَّانِي) اسْتِحْبَابُهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ فَإِنَّ ابْنَ قُدَامَةَ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَالْمَجْدِ بْنِ تَيْمِيَّةَ فِي مُخْتَصَرَيْهِمَا عِنْدَ ذِكْرِ الْإِحْرَامِ وَيَشْتَرِطُ أَيْ الْمُحْرِمُ إنْ لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ الْوُجُوبُ. (الثَّالِثُ) إيجَابُهُ ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ تَمَسُّكًا بِالْأَمْرِ. (الرَّابِعُ) إنْكَارُهُ وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ كَانَ أَبِي لَا يَرَى الِاشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ شَيْئًا. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ: كَانُوا لَا يَشْتَرِطُونَ وَلَا يَرَوْنَ الشَّرْطَ شَيْئًا وَعَنْ طَاوُسٍ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ الِاشْتِرَاطُ فِي الْحَجِّ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إنَّمَا الِاشْتِرَاطُ فِي الْحَجِّ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ وَعَنْهُ أَيْضًا الْمُسْتَثْنَى وَغَيْرُ الْمُسْتَثْنَى سَوَاءٌ، وَعَنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ كَانَ عَلْقَمَةُ يَشْتَرِطُ فِي الْحَجِّ وَلَا يَرَاهُ شَيْئًا، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُنْكِرُ الِاشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ وَيَقُولُ أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ﷺ ؟ زَادَ النَّسَائِيّ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ أَيْ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِدُونِ أَوَّلِهِ وَلَفْظُهُ «أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنْ الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا فَيُهْدِي أَوْ يَصُومَ إنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا» وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ إنْكَارَهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَيْضًا وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَحَكَاهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ غَلَطٌ فَالْمَعْرُوفُ عَنْهُ مَا قَدَّمْتُهُ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ

стр. 1209

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] أَنَّ الِاشْتِرَاطَ يُفِيدُ سُقُوطَ الدَّمِ فَأَمَّا التَّحَلُّلُ فَهُوَ ثَابِتٌ عِنْدَهُ بِكُلِّ إحْصَارٍ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ رَوَيْنَا عَنْ إبْرَاهِيمَ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَشْتَرِطُوا عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَكَانُوا لَا يَرَوْنَ الشَّرْطَ شَيْئًا لَوْ أَنَّ الرَّجُلَ اُبْتُلِيَ، وَرَوَيْنَا عَنْهُ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَشْتَرِطُوا فِي الْحَجِّ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ هَذَا تَنَاقُضٌ مَرَّةً كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ وَمَرَّةً كَانُوا يَكْرَهُونَ فَأَقَلُّ مَا فِي هَذَا تَرْكُ رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ لِاضْطِرَابِهَا. (الثَّانِيَةُ) فَمَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ تَمَسَّكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَرَأَى أَنَّ الْأَمْرَ بِهِ تَرْخِيصٌ وَتَوْسِعَةٌ وَتَخْفِيفٌ وَرِفْقٌ وَأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ وَهِيَ مَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ الْمَشَقَّةِ بِمُصَابَرَةِ الْإِحْرَامِ مَعَ الْمَرَضِ، وَمَنْ قَالَ بِالِاسْتِحْبَابِ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ دِينِيَّةً وَهُوَ الِاحْتِيَاطُ لِلْعِبَادَةِ فَإِنَّهَا بِتَقْدِيرِ عَدَمِهِ قَدْ يُعْرَضُ لَهَا مَرَضٌ يُشَعِّثُ الْعِبَادَةَ وَيُوقِعُ فِيهَا الْخَلَلَ وَهَذَا بَعِيدٌ، وَمَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ حَمَلَ الْأَمْرَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا أَخَلَّ النَّبِيُّ ﷺ بِفِعْلِهِ وَلَا الصَّحَابَةُ ﵃ وَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لَنُقِلَ وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ عُمَرَ بِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَلَمَّا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ إلَّا هَذِهِ الْمَرْأَةَ الْوَاحِدَةَ بَعْدَ شِكَايَتِهَا لَهُ، عَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ تَرْخِيصٌ حَرَّكَ ذِكْرَهُ هَذَا السَّبَبُ وَهُوَ شَكْوَاهَا وَمَنْ قَالَ بِالْإِنْكَارِ مِنْهُمْ مِنْ ضَعْفِ الْحَدِيثِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَرَدَّهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَهُ وَفِي تَأْوِيلِهِ أَوْجُهٌ: (أَحَدُهَا) أَنَّهُ خَاصٌّ بِضُبَاعَةَ حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ قَالَ وَقَالَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ بِهَا مَرَضٌ أَوْ حَالٌ كَانَ غَالِبُ ظَنِّهَا أَنَّهُ يُعَوِّقُهَا عَنْ إتْمَامِ الْحَجِّ وَهَذَا كَمَا أَذِنَ لِأَصْحَابِهِ فِي رَفْضِ الْحَجِّ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بَعْدَ ذِكْرِهِ هَذَا الْمَذْهَبَ وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهَا قَضِيَّةُ عَيْنٍ وَأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِضُبَاعَةَ وَحَكَاهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الرُّويَانِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا ثُمَّ قَالَ وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ وَمُخَالِفٌ لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ فَأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ لَوْ صَحَّ الْحَدِيثُ لَمْ أَعْدُهُ وَلَمْ يَتَأَوَّلْهُ وَلَمْ يَخُصَّهُ. (الثَّانِي) أَنَّ مَعْنَاهُ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي بِالْمَوْتِ أَيْ إذَا أَدْرَكَتْنِي الْوَفَاةُ انْقَطَعَ إحْرَامِي حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا تَأْوِيلٌ ظَاهِرُ الْفَسَادِ وَعَجِبْت مِنْ جَلَالَةِ الْإِمَامِ كَيْفَ قَالَهُ. (الثَّالِثُ) أَنَّ الْمُرَادَ التَّحَلُّلُ بِعُمْرَةٍ لَا مُطْلَقًا حَكَاهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ وَيَرُدُّهُ حَدِيثُ ضُبَاعَةَ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ فِي الْفَائِدَةِ الْخَامِسَةَ

стр. 1210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] عَشْرَةَ فَإِنَّ فِيهِ التَّصْرِيحَ بِالتَّحَلُّلِ الْمُطْلَقِ عَنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ رَوَاهُ عُرْوَةُ وَعَطَاءٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٌ وَرُوِيَ عَنْهُمْ خِلَافُهُ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ سَمِعْنَاكُمْ تَعْتَلُّونَ بِهَذَا فِي الصَّاحِبِ فَعَدَّيْتُمُوهُ إلَى التَّابِعِ وَإِنْ دَرَجْتُمُوهُ بَلَغَ إلَيْنَا وَإِلَى مَنْ بَعْدَنَا فَصَارَ كُلُّ مَنْ بَلَغَهُ حَدِيثٌ فَتَرْكُهُ حُجَّةٌ فِي رَدِّهِ وَلَئِنْ خَالَفَ هَؤُلَاءِ مَا رَوَوْا فَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُمْ وَلَمْ يُخَالِفْهُ وَأَطْنَبَ ابْنُ حَزْمٍ فِي رَدِّ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ وَهِيَ حَقِيقَةٌ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالظَّنُّ بِمَنْ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ مِمَّنْ خَالَفَ هَذَا الْحَدِيثَ أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ عِنْدِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَوْ بَلَغَهُ حَدِيثُ ضُبَاعَةَ فِي الِاشْتِرَاطِ لَمْ يُنْكِرْهُ كَمَا لَمْ يُنْكِرْهُ أَبُوهُ (التَّاسِعَةُ) قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرِطَ لِذَلِكَ يَحِلُّ بِمُجَرَّدِ الْمَرَضِ وَالْعَجْزِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى إحْلَالٍ وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ إنْ اشْتَرَطَ التَّحَلُّلَ بِذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ إلَّا بِالتَّحَلُّلِ وَإِنْ قَالَ إذَا مَرِضْت فَأَنَا حَلَالٌ فَهَلْ يَحْتَاجُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إلَى تَحَلُّلٍ أَوْ يَصِيرُ حَلَالًا بِنَفْسِ الْمَرَضِ؟ فِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ؛ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ يَصِيرُ حَلَالًا بِنَفْسِ الْمَرَضِ وَدَلَالَةُ الْحَدِيثِ مُحْتَمَلَةٌ فَإِنَّ قَوْلَهُ فَإِنَّ مَحِلِّي يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَوْضِعَ حِلِّي وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مَوْضِعَ إحْلَالِي [فَائِدَةٌ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فَشَرْطُ التَّحَلُّلِ مِنْهَا عِنْدَ الْمَرَضِ] ١ (الْعَاشِرَةُ) الْحَدِيثُ وَرَدَ فِي الْحَجِّ، وَالْعُمْرَةُ فِي مَعْنَاهُ، فَلَوْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فَشَرْطُ التَّحَلُّلِ مِنْهَا عِنْدَ الْمَرَضِ كَانَ كَذَلِكَ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا بَيْنَ الْمُجَوِّزِينَ لِلِاشْتِرَاطِ فِيمَا أَعْلَمُ وَلَعَلَّ الْعُمْرَةَ دَاخِلَةٌ فِي قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «فَإِنَّ لَك عَلَى رَبِّك مَا اسْتَثْنَيْت» وَقَدْ عَزَى ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي هَذَا الْحَدِيثَ لِمُسْلِمٍ وَفِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ وَلَيْسَتْ عِنْدَ مُسْلِمٍ [فَائِدَةٌ الْمُرَادُ بِالتَّحَلُّلِ فِي الْحَجّ] ١ (الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) الْمُرَادُ بِالتَّحَلُّلِ أَنْ يَصِيرَ نَفْسُهُ حَلَالًا فَلَوْ شَرَطَ أَنْ يَقْلِبَ حَجَّهُ عُمْرَةً عِنْدَ الْمَرَضِ فَذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ شَرْطِ التَّحَلُّلِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَإِذَا جَازَ إبْطَالُ الْعِبَادَةِ لِلْعَجْزِ فَنَقْلُهَا إلَى عِبَادَةٍ أُخْرَى أَوْلَى بِالْجَوَازِ. (الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) سَبَبُ

стр. 1211

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] الْحَدِيثِ إنَّمَا هُوَ فِي التَّحَلُّلِ بِالْمَرَضِ لَكِنَّ قَوْلَهُ (حَبَسْتنِي) يَصْدُقُ بِالْحَبْسِ بِالْمَرَضِ وَبِغَيْرِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ كَذَهَابِ النَّفَقَةِ وَفَرَاغِهَا وَضَلَالِ الطَّرِيقِ وَالْخَطَأِ فِي الْعَدَدِ وَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْذَارَ كَالْمَرَضِ فِي جَوَازِ شَرْطِ التَّحَلُّلِ بِهَا وَمِنْ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ خَالَفَ فِيهِ [فَائِدَةٌ شَرَطَ التَّحَلُّلَ بِالْهَدْيِ] (الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّحَلُّلِ بِالشَّرْطِ دَمٌ إذْ لَوْ وَجَبَ لَذَكَرَهُ، فَإِنَّهُ وَقْتُ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ وَبِهَذَا صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ وَالظَّاهِرِيَّةُ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَمَحِلُّ الْخِلَافِ عِنْدَهُمْ فِي حَالَةِ الْإِطْلَاقِ فَلَوْ شَرَطَ التَّحَلُّلَ بِالْهَدْيِ لَزِمَهُ قَطْعًا وَإِنْ شَرَطَهُ بِلَا هَدْيٍ لَمْ يَلْزَمْهُ قَطْعًا [فَائِدَةٌ لَا يَسْقُطُ دَمُ الْإِحْصَارِ بِشَرْطِ التَّحَلُّل] ١ (الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ) ذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يُؤَثِّرُ فِي إسْقَاطِ الدَّمِ فِيمَا إذَا حَبَسَهُ عَدُوٌّ وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ لَا يَسْقُطُ دَمُ الْإِحْصَارِ بِهَذَا الشَّرْطِ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ بِالْإِحْصَارِ جَائِزٌ بِلَا شَرْطٍ فَشَرْطُهُ لَاغٍ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ حَكَى فِيهِ خِلَافًا [فَائِدَةٌ كَيْفِيَّةُ الْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ] ١ (الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ) رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «عَنْ ضُبَاعَةَ قَالَتْ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَكَيْفَ أُهِلُّ بِالْحَجِّ؟ قَالَ قُولِي اللَّهُمَّ إنِّي أُهِلُّ بِالْحَجِّ إنْ أَذِنْت لِي بِهِ وَأَعَنْتنِي عَلَيْهِ وَيَسَّرْته لِي، وَإِنْ حَبَسْتنِي فَعُمْرَةٌ وَإِنْ حَبَسْتنِي عَنْهُمَا جَمِيعًا فَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي» وَهَذِهِ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا، وَيُقَالُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ لِلْحَاجِّ شَرْطُ التَّحَلُّلِ مِنْهُ مُطْلَقًا إلَّا مَعَ الْعَجْزِ عَنْهُ وَعَنْ الْعُمْرَةِ فَمَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْعُمْرَةِ لَا يُنْتَقَلُ لِلتَّحَلُّلِ الْمُطْلَقِ وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ أَصْحَابِنَا فِيمَا لَوْ شَرَطَ قَلْبَ الْحَجِّ عُمْرَةً عِنْدَ الْمَرَضِ وَالْكَلَامُ الْآنَ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ [فَائِدَةٌ التَّحَلُّلُ بِالْإِحْصَارِ بِالْمَرَضِ] (السَّادِسَةَ عَشْرَةَ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّحَلُّلُ بِالْإِحْصَارِ بِالْمَرَضِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ إذْ لَوْ جَازَ التَّحَلُّلُ بِهِ لَمْ يَكُنْ لِاشْتِرَاطِهِ مَعْنًى ١ - (السَّابِعَةَ عَشْرَةَ) ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عِنْدَ التَّحَلُّلِ بِالْمَرَضِ بِالشَّرْطِ وَبِهِ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ وَيَعُودُ فِيهِ قَوْلُ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ١ - (الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ) الْمَفْهُومُ مِنْ لَفْظِ الشَّرْطِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُقَارَنَتِهِ لِلْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ مَتَى سَبَقَهُ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «اشْتَرِطِي عِنْدَ إحْرَامِك» وَهُوَ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ كَمَا

стр. 1212

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَكَذَا قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ الْحَنْبَلِيُّ فِي الْمُغْنِي يُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْتَرِطَ عِنْدَ إحْرَامِهِ انْتَهَى. وَهُوَ وَاضِحٌ (التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ) ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ التَّلَفُّظِ بِهَذَا الِاشْتِرَاطِ كَغَيْرِهِ مِنْ الشُّرُوطِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ وَذَكَرَ فِيهِ ابْنُ قُدَامَةَ الْحَنْبَلِيُّ احْتِمَالَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) هَذَا قَالَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «قُولِي مَحِلِّي مِنْ الْأَرْضِ حَيْثُ تَحْبِسُنِي» (قُلْت) وَكَذَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ «وَقُولِي اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي» (وَالثَّانِي) أَنَّهُ تَكْفِي فِيهِ النِّيَّةُ وَوَجْهُهُ بِأَنَّهُ تَابِعٌ لِعَقْدِ الْإِحْرَامِ وَالْإِحْرَامُ يَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ. (الْعِشْرُونَ) قَدْ يَتَشَوَّفُ لِحَالِ ضُبَاعَةَ هَلْ حَبَسَهَا الْمَرَضُ أَمْ لَا، وَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «فَأَدْرَكْت» وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا أَدْرَكَتْ الْحَجَّ وَلَمْ تَتَحَلَّلْ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْهُ [فَائِدَةٌ الشَّرْط فِي التَّحَلُّل لَا يَشْتَرِط لَهُ وَلَفْظ مَعِين] ١ (الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ) قَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِي الِاشْتِرَاطِ اللَّفْظُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ كُلُّ مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ وَغَيْرُ هَذَا اللَّفْظِ مِمَّا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ يَقُومُ مَقَامَهُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْمَعْنَى وَالْعِبَارَةُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ لِتَأْدِيَةِ الْمَعْنَى ثُمَّ اُسْتُشْهِدَ بِقَوْلِ عَلْقَمَةَ اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْعُمْرَةَ إنْ تَيَسَّرَتْ وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ عَلَيَّ. وَبِقَوْلِ شُرَيْحٍ (اللَّهُمَّ قَدْ عَرَفْت نِيَّتِي وَمَا أُرِيدُ فَإِنْ كَانَ أَمْرًا تُتِمُّهُ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ وَإِلَّا فَلَا حَرَجَ عَلَيَّ) وَنَحْوُهُ عَنْ الْأَسْوَدِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ لِعُرْوَةِ قُلْ (اللَّهُمَّ إنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَإِيَّاهُ نَوَيْت فَإِنْ تَيَسَّرَ وَإِلَّا فَعُمْرَةٌ) وَنَحْوُهُ عَنْ عُمَيْرَةَ بْنِ زِيَادٍ. (الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ) فِي قَوْلِهِ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي أَنَّ الْمُحْصَرَ يَحِلُّ حَيْثُ يُحْبَسُ، وَهُنَاكَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ وَلَوْ كَانَ فِي الْحِلِّ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْحَرُهُ إلَّا فِي الْحَرَمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ. (الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ) خَرَجَ بِقَوْلِهِ حَيْثُ حَبَسْتنِي مَا إذَا شَرَطَ التَّحَلُّلَ بِلَا عُذْرٍ بِأَنْ قَالَ فِي إحْرَامِهِ (مَتَى شِئْت) أَوْ (كَسِلْت) خَرَجْت وَهَذَا لَا عِبْرَةَ بِهِ بِالِاتِّفَاقِ وَمِمَّنْ نَقَلَ الِاتِّفَاقَ فِيهِ الرُّويَانِيُّ

стр. 1213

بَابُ نُزُولِ الْمُحَصَّبِ وَبَطْحَاءَ وَذِي الْحُلَيْفَةِ وَمَا يَقُولُ إذَا قَفَلَ عَنْ عُرْوَةَ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذَلِكَ وَقَالَتْ إنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ مُنْزَلًا أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ» وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي أَوَّلِهِ «نُزُولُ الْأَبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ» وَلِأَبِي دَاوُد (إنَّمَا نَزَلَ الْمُحَصَّبَ لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ) وَلِلشَّيْخَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشَيْءٍ إنَّمَا هُوَ مُنْزَلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ «لَمْ يَأْمُرْنِي أَنْ أَنْزِلَ الْأَبْطَحَ حِينَ خَرَجَ مِنْ مِنًى» الْحَدِيثَ. وَلَهُ أَنَّ «ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى التَّحْصِيبَ سُنَّةً، وَكَانَ ــ [طرح التثريب] [بَابُ نُزُولِ الْمُحَصَّبِ وَبَطْحَاءَ وَذِي الْحُلَيْفَةِ وَمَا يَقُولُ إذَا قَفَلَ] [حَدِيثُ نُزُولِ الْمُحَصَّبِ] (الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ) عَنْ عُرْوَةَ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذَلِكَ وَقَالَتْ إنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ مُنْزَلًا أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ» (فِيهِ) فَوَائِدُ: (الْأُولَى) رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنَ عُمَرَ كَانُوا يَنْزِلُونَ بِالْأَبْطَحِ» . قَالَ الزُّهْرِيُّ (أَنَا عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذَلِكَ) الْحَدِيثَ وَاقْتَصَرَ النَّسَائِيّ عَلَى ذِكْرِ ابْنِ عُمَرَ وَأَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «نُزُولُ الْأَبْطُحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ إنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ إذَا خَرَجَ» لَفْظُ مُسْلِمٍ وَالْبَاقِي بِمَعْنَاهُ وَلَمْ يَقُلْ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ لَيْسَ بِسُنَّةٍ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «أَدْلَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْبَطْحَاءِ لَيْلَةَ النَّفْرِ إدْلَاجًا» . (الثَّانِيَةُ) قَدْ تَبَيَّنَ بِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ أَنَّ الْإِشَارَةَ فِي قَوْلِهِ (لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذَلِكَ) إلَى النُّزُولِ بِالْأَبْطَحِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ كَانُوا يَنْزِلُونَ بِالْأَبْطَحِ؛ وَالْمُرَادُ النُّزُولُ بِهِ عِنْدَ النَّفْرِ

стр. 1214

يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ النَّفْرِ بِالْحَصْبَةِ وَقَالَ قَدْ حَصَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ» وَلِلْبُخَارِيِّ «كَانَ يُصَلِّي بِهَا يَعْنِي الْمُحَصَّبَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ أَحْسِبُهُ قَالَ: وَالْمَغْرِبَ. قَالَ خَالِدٌ لَا أَشُكُّ فِي الْعِشَاءِ وَيَهْجَعُ هَجْعَةً وَيَذْكُرُ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ » . ــ [طرح التثريب] مِنْ مِنًى. (الثَّالِثَةُ) الْأَبْطَحُ هُوَ الْوَادِي الْمَبْطُوحُ بِالْبَطْحَاءِ وَالْمُحَصَّبُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ الَّذِي فِيهِ الْحَصْبَاءُ؛ وَالْبَطْحَاءُ وَالْحَصْبَاءُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ الْحَصَى؛ الصِّغَارُ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَوْضِعٌ مَخْصُوصٌ وَهُوَ مَكَانٌ مُتَّسِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى وَهُوَ إلَى مِنًى أَقْرَبَ وَهُوَ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ إلَى الْمَقْبَرَةِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَحْدَهُ مِنْ الْحَجُونِ ذَاهِبًا إلَى مِنًى، وَزَعَمَ الدَّرَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ ذُو طُوًى وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا. قَالَ النَّوَوِيُّ، الْمُحَصَّبُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالْحَصْبَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ وَالْأَبْطُحُ وَالْبَطْحَاءُ وَخَيْفُ بَنِي كِنَانَةَ اسْمٌ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ وَأَصْلُ الْخَيْفِ كُلُّ مَا انْحَدَرَ عَنْ الْجَبَلِ وَارْتَفَعَ عَنْ الْمَسِيلِ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْأَبْطُحَ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا وَفِي حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ الْآتِي ذِكْرُهُ غَيْرُ الْمُحَصَّبِ وَالْبَطْحَاءِ وَخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي ذِكْرُهُ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوَّلِ الْبَطْحَاءُ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَالَ وَهَذِهِ الْبَطْحَاءُ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ بِالْمُعَرَّسِ انْتَهَى. وَهُوَ مَرْدُودٌ وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ كُلَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَيَرُدُّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ لَفْظَ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ «لَمْ يَأْمُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَنْزِلَ الْأَبْطَحَ حِينَ خَرَجَ مِنْ مِنًى وَلَكِنْ جِئْت فَضَرَبْت قُبَّتَهُ فَجَاءَ فَنَزَلَ» فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَبْطُحِ الْمَكَانُ الَّذِي عِنْدَ مِنًى. (الرَّابِعَةُ) إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْأَبْطَحَ هُوَ الْمُحَصَّبُ الَّذِي عِنْدَ مِنًى فَكَوْنُ عَائِشَةَ ﵂ لَمْ تَكُنْ تَنْزِلُهُ عِنْدَ النَّفْرِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِاعْتِقَادِهَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَنَاسِكِ وَإِنْ كَانَ سُنَّةً مُسْتَقِلَّةً وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لِاعْتِقَادِهَا أَنَّهُ لَيْسَ مُسْتَحَبًّا أَصْلًا

стр. 1215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] وَحِينَئِذٍ فَنُزُولُ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جَرَى اتِّفَاقًا لَا عَنْ قَصْدٍ كَغَيْرِهِ مِنْ مَنَازِلِ الْحَجِّ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَقْصُودٌ لَكِنْ لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ وَيُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ الْمُتَقَدِّمُ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ ﵊ لَمْ يَأْمُرْهُ بِذَلِكَ وَيُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ قَوْلُ عَائِشَةَ ﵂ إنَّهُ ﵊ إنَّمَا نَزَلَهُ لِكَوْنِهِ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ ذَلِكَ لِهَذَا الْمَعْنَى لَا لِكَوْنِهِ قُرْبَةً وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ النُّزُولَ فِيهِ كَانَ بِالْقَصْدِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مِنْ الْغَدِ يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ بِمِنًى نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ» ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ تَنْزِلُ وَذَلِكَ فِي حَجَّتِهِ قَالَ وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مُنْزَلًا؟ نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ» يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُحَصَّبَ وَحِينَئِذٍ فَنَحْتَاجُ إلَى الْجَوَابِ عَنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا نَفَى أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ بِذَلِكَ وَلَعَلَّهُ بَلَغَهُ كَلَامُ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ سَمِعَ كَلَامَهُ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ أَوْ وُفِّقَ لِمَا أَرَادَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إنَّمَا نَفَى أَمْرَهُ بِذَلِكَ حِينَ خُرُوجِهِ مِنْ مِنًى فَلَعَلَّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فِي وَقْتٍ آخَرَ وَهَذَا بَعِيدٌ (فَإِنْ قُلْت) فَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «مُنْزَلُنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ إذَا فَتَحَ اللَّهُ الْخَيْفَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ» وَهَذِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَالَهُ فِي الْفَتْحِ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا أَنَّ ذَلِكَ كَانَ حِينَ أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ حُنَيْنًا فَهَذِهِ تَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ نَصْرُهُ فِي حُنَيْنٍ لَا فِي الْفَتْحِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ «مُنْزَلُنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ إذَا فَتَحَ اللَّهُ الْخَيْفَ» (قُلْت) قَدْ جَمَعَ بَيْنَهَا الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ جَرَى مِنْهُ ﵊ مَرَّاتٍ فَقَالَ: تَكَرَّرَ مِنْهُ هَذَا الْقَوْلُ فِي اسْتِقْبَالِ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ أَوَّلُ أَوْقَاتِ غَلَبَةِ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْكُفْرِ وَتَنْكِيسِ رَأْسِ الْكُفْرِ بِهَا، ثُمَّ قَالَهُ حِينَ أَرَادَ غَزْوَ هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ ثُمَّ قَالَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَقَالَ ذَلِكَ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَذْكُورَةِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى وَإِظْهَارًا لِلدِّينِ وَحُكْمُ الْإِسْلَامِ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ وَحَيْثُ أَظْهَرُوا الْكُفْرَ انْتَهَى وَمَعْنَى قَوْلِهِ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ تَحَالَفُوا وَتَعَاهَدُوا عَلَيْهِ وَهُوَ تَحَالُفُهُمْ عَلَى إخْرَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ مِنْ مَكَّةَ إلَى هَذَا الشِّعْبِ وَهُوَ

стр. 1216

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] خَيْفُ بَنِي كِنَانَةَ وَكَتَبُوا بَيْنَهُمْ الصَّحِيفَةَ الْمَشْهُورَةَ وَكَتَبُوا أَنْوَاعًا مِنْ الْبَاطِلِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَالْكُفْرِ فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا الْأَرَضَةَ فَأَكَلَتْ كُلَّ مَا فِيهَا مِنْ كُفْرٍ وَقَطِيعَةِ رَحِمٍ وَبَاطِلٍ، وَتَرَكَتْ مَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَخْبَرَ جَبْرَائِيلُ ﵇ النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ فَأَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ فَجَاءَ إلَيْهِمْ أَبُو طَالِبٍ فَأَخْبَرَهُمْ عَنْهُ ﷺ بِذَلِكَ فَوَجَدُوهُ كَمَا أَخْبَرَ، وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ ﵊ فَعَلَ النُّزُولَ هُنَاكَ قَصْدًا لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الدِّينِيَّةِ وَهُوَ الشُّكْرُ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى إظْهَارِ الدِّينِ وَدَحْضِ الْكُفْرِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِتْمَامِ نِعْمَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ الْمُحِبِّ الطَّبَرِيِّ فِي ذَلِكَ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَانَ نُزُولُهُ ﵊ هُنَاكَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الظُّهُورِ بَعْدَ الِاخْتِفَاءِ وَعَلَى إظْهَارِ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى. (الْخَامِسَةُ) ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ إذَا فَرَغَ مِنْ الرَّمْيِ وَنَفَرَ مِنْ مِنًى أَنْ يَأْتِيَ الْمُحَصَّبَ وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ وَيَنْزِلَ بِهِ وَيُصَلِّيَ بِهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَيَبِيتَ بِهِ لَيْلَةَ الرَّابِعَ عَشْرَ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ ثُمَّ رَكِبَ إلَى الْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى التَّحْصِيبَ سُنَّةً وَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ النَّفْرِ بِالْحَصْبَةِ قَالَ نَافِعٌ قَدْ حَصَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ سُئِلَ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ الْحُصَيْبِ فَحَدَّثَنَا عَنْ نَافِعٍ قَالَ نَزَلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ وَعَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يُصَلِّي بِهَا يَعْنِي الْمُحَصَّبَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ أَحْسِبُهُ قَالَ وَالْمَغْرِبَ قَالَ خَالِدٌ لَا أَشُكُّ فِي الْعِشَاءِ وَيَهْجَعُ هَجْعَةً وَيَذْكُرُ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا وَلَوْ تَرَكَ النُّزُولَ بِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا يُؤَثِّرُ فِي نُسُكِهِ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ وَمَا ذَكَرْته مِنْ اسْتِحْبَابِ النُّزُولِ بِهِ هُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَتَقَدَّمَ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ

стр. 1217

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الرِّوَايَةُ مُرْسَلَةً لِأَنَّهَا مِنْ رِوَايَةِ سَالِمٍ فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَنْزِلُونَ بِالْأَبْطَحِ» وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَفِيهِ زِيَادَةُ ذِكْرِ عُثْمَانُ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ يَا آلَ خُزَيْمَةَ حَصِّبُوا لَيْلَةَ النَّفْرِ، وَعَنْ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ نَزَلَ بِالْأَبْطَحِ فَسَمِعَ دُعَاءً فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ ابْنُ عُمَرَ يَرْتَحِلُ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ لَمَّا نَفَرَ أَتَى الْأَبْطَحَ حِينَ أَقْبَلَ مِنْ مِنًى. وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ إذَا انْتَهَى إلَى الْأَبْطَحِ فَلْيَضَعْ رَحْلَهُ ثُمَّ لِيَزُرْ الْبَيْتَ وَلْيَضْطَجِعْ فِيهِ هُنَيْهَةً ثُمَّ لِيَنْفِرْ وَعَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَانَ يَحْصِبُ فِي شِعْبِ الْخَوْرِ وَأَنْكَرَ التَّحْصِيبَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ فَرَوَى الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشَيْءٍ إنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَنْزِلُ الْأَبْطَحَ وَقَالَ إنَّمَا فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ انْتَظَرَ عَائِشَةَ وَعَنْ طَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَحْصِبُونَ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا أَنَّهُ أَنْكَرَهُ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ كَانَتْ عَائِشَةُ لَا تَحْصِبُ هِيَ وَلَا أَسْمَاءُ وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثُمَّ تَرَكَهُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ وَالْخُلَفَاءُ ﵃ عَنْهُمْ يَفْعَلُونَهُ وَكَانَتْ عَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ لَا يَقُولَانِ بِهِ وَيَقُولَانِ هُوَ مُنْزَلُ اتِّفَاقِي لَا مَقْصُودَ فَحَصَلَ خِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ اسْتِحْبَابُهُ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ انْتَهَى لَكِنَّهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ حَكَى عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ أَنَّهُ قَالَ النُّزُولُ بِالْمُحَصَّبِ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ عِنْدَ الْحِجَازِيِّينَ آكَدُ مِنْهُ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ انْتَهَى وَلَمْ يَعْتَرِضْهُ فِي نَقْلِ الِاتِّفَاقِ وَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْهُ الْحَافِظُ زَكِيُّ الدِّينِ عَبْدُ الْعَظِيمِ فَقَالَ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ قَالَ وَالِدِي ﵀ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ فَإِنَّ التِّرْمِذِيَّ حَكَى اسْتِحْبَابَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ ثُمَّ حَكَى كَلَامَ النَّوَوِيِّ الْمُتَقَدِّمَ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ (قُلْت) وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ هُوَ عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مُسْتَحَبٌّ إلَّا أَنَّهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالْحِجَازِيِّينَ آكَدُ مِنْهُ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ وَالْكُلُّ مُجْمِعٌ عَلَى أَنَّهُ

стр. 1218

وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَصَلَّى بِهَا» قَالَ نَافِعٌ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ــ [طرح التثريب] لَيْسَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى تَارِكِهِ فِدْيَةٌ وَلَا دَمٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَاضِيَ عِيَاضًا إنَّمَا أَخَذَ كَلَامَهُ الْمُتَقَدِّمَ مِنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَسَقَطَتْ عَلَيْهِ لَفْظَةُ مِنْ فَبَقِيَ وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَوْجُودٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ أَوَّلَ كَلَامَ مَنْ أَنْكَرَهُ عَلَى أَنَّهُ أَنْكَرَ كَوْنَهُ مِنْ الْمَنَاسِكِ لَا أَصْلَ اسْتِحْبَابِهِ فَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ نُزُولُ الْأَبْطُحِ لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ إنَّمَا هُوَ مُنْزَلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ وَالِدِي ﵀ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشَيْءٍ أَيْ لَيْسَ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَنَاسِكِ كَمَا هُوَ مُفَسَّرٌ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ فَقَدْ وَعَدَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأُسَامَةَ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي كَلَامِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ، فَدَلَّ قَوْلُهَا هَذَا عَلَى أَنَّ نُزُولَ الْمُحَصَّبِ لَيْسَ مِنْ الْمَنَاسِكِ وَلَا شَيْءَ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ مِنْ فِدْيَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْكَلَامِ عَنْ حَدِيثِ بَطْحَاءَ ذِي الْحُلَيْفَةِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ الْمَنَاسِكِ الَّتِي يَنْبَغِي لِلْحَاجِّ نُزُولُهَا وَالْمَبِيتُ فِيهَا، وَكَلَامُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ الْمَنَاسِكِ فَإِنَّهُ صَحَّحَ أَنَّ النُّزُولَ بِهِ كَانَ قَصْدًا أَرَاهُ لِلْمُشْرِكِينَ لَطِيفُ صُنْعِ اللَّهِ بِهِ وَقَالَ فَصَارَ سُنَّةً كَالرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ وَحَكَى أَبُو عَمْرٍو بْنُ الْحَاجِبِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ وَسَّعَ فِي النُّزُولِ بِالْمُحَصَّبِ عَلَى مَنْ لَا يُقْتَدَى بِهِ، وَكَانَ يُفْتِي بِهِ سِرًّا فَحَصَلَ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ إنْكَارُهُ وَاسْتِحْبَابُهُ نُسُكًا أَوْ غَيْرَ نُسُكٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُقْتَدَى بِهِ وَغَيْرِهِ [فَائِدَةٌ نُزُولَ الْمُحَصَّبِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَنَاسِكِ] ١ (السَّادِسَةُ) قَالَ وَالِدِي ﵀ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ نُزُولَ الْمُحَصَّبِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَنَاسِكِ، فَهَلْ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَنْزِلَ فِيهِ إذَا مَرَّ بِهِ؟ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِاسْتِحْبَابِهِ مُطْلَقًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ بِاسْتِحْبَابِهِ لِلْجَمْعِ الْكَثِيرِ، وَإِظْهَارُ الْعِبَادَةِ فِيهِ إظْهَارًا لِشُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى رَدِّ كَيْدِ الْكُفَّارِ وَإِبْطَالِ مَا أَرَادُوهُ. [حَدِيث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَصَلَّى بِهَا] الْحَدِيثُ الثَّانِي عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَصَلَّى بِهَا» قَالَ نَافِعٌ: (كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ) (فِيهِ) فَوَائِدُ: (الْأُولَى)

стр. 1219

ذَلِكَ وَلَهُمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ " كَانَ إذَا صَدَرَ عَنْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُنِيخَ بِهَا " زَادَ مُسْلِمٌ وَهُوَ أَسْفَلُ مِنْ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ وَسَطٌ مِنْ ذَلِكَ ــ [طرح التثريب] اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ «أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا صَدَرَ عَنْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُنِيخُ بِهَا» . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَلَيْسَ فِيهِ إذَا صَدَرَ عَنْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ وَيَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ الْمُعَرَّسِ وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ، وَإِذَا رَجَعَ صَلَّى بِذِي الْحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الْوَادِي وَبَاتَ حَتَّى يُصْبِحَ» . (الثَّانِيَةُ) الْبَطْحَاءَ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ تُسَمَّى الْمُعَرَّسَ أَيْضًا وَهِيَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ مَعَ تَشْدِيدِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ سِينٌ مُهْمَلَةٌ وَأَصْلُ الْمُعَرَّسِ مَوْضِعُ النُّزُولِ مُطْلَقًا أَوْ فِي آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ أَبُو زَيْدٍ عَرَّسَ الْقَوْمُ فِي الْمُنْزَلِ إذَا نَزَلُوا بِهِ أَيَّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ. وَقَالَ الْخَلِيلُ وَالْأَصْمَعِيُّ التَّعْرِيسُ النُّزُولُ آخِرَ اللَّيْلِ، وَصَارَ هَذَا اللَّفْظُ عَلَمًا بِالْغَلَبَةِ عَلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ وَهُوَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ كَمَا حَكَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْمَدِينِيِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمَشَارِقِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَتَى وَهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ فِي بَطْنِ الْوَادِي فَقِيلَ لَهُ إنَّك بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ» . قَالَ مُوسَى وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ بِالْمُنَاخِ مِنْ الْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُنِيخُ بِهِ يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ أَسْفَلُ مِنْ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ وَسَطٌ مِنْ ذَلِكَ وَفِي عَزْوِ الشَّيْخِ ﵀ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى هَذِهِ الزِّيَادَةَ لِمُسْلِمٍ فَقَطْ نَظَرٌ فَقَدْ عَرَفْت أَنَّهَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا ذَكَرَهَا

стр. 1220

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] فِي أَوَائِلِ الْحَجِّ. (الثَّالِثَةُ) اُخْتُلِفَ فِي نُزُولِهِ ﵊ بِبَطْحَاءَ ذِي الْحُلَيْفَةِ عَلَى أَقْوَالٍ: (أَحَدُهَا) أَنَّ ذَلِكَ جَرَى اتِّفَاقًا لَا عَنْ قَصْدٍ فَهُوَ كَبَقِيَّةِ مَنَازِلِ الْحَجِّ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا هُوَ مِثْلُ الْمَنَازِلِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَنَازِلِ طَرِيقِ مَكَّةَ وَبَلَغَنَا أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَتْبَعُ آثَارَهُ تِلْكَ فَيَنْزِلُ بِهَا فَكَذَلِكَ قِيلَ مِثْلُ ذَلِكَ بِالْمُعَرَّسِ وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ هَذَا تَوْجِيهًا لِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ مَنْ مَرَّ بِالْمُعَرَّسِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ رَاجِعًا مِنْ مَكَّةَ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُعَرِّسَ بِهِ حَتَّى يُصَلِّي فَعَلَ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَيْهِ. (ثَانِيهَا) أَنَّهُ قَصَدَ النُّزُولَ بِهِ لَكِنْ لَا لِمَعْنَى فِيهِ حَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ ﵊ إنَّمَا نَزَلَ بِهِ فِي رُجُوعِهِ حَتَّى يُصْبِحَ لِئَلَّا يَفْجَأَ النَّاسُ أَهَالِيهمْ لَيْلًا كَمَا نَهَى عَنْهُ صَرِيحًا فِي الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ (ثَالِثُهَا) أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ قَصْدًا لِمَعْنًى فِيهِ وَهُوَ التَّبَرُّكُ بِهِ وَيَدُلُّ لَهُ أَنَّهُ ﵊ أَتَى بِهِ فَقِيلَ لَهُ إنَّك بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا صَلَاتُهُ ﵊ بِهِ وَمَا فُهِمَ مِنْ لَفْظِ الْحَدِيثِ مِنْ مُوَاظَبَتِهِ عَلَى النُّزُولِ بِهِ لَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ بَلْ هُوَ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُجَاوِزَ الْمُعَرَّسَ إذَا قَفَلَ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ وَأَنَّهُ مَنْ مَرَّ بِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ فَلْيَقُمْ حَتَّى تَحِلَّ الصَّلَاةُ ثُمَّ يُصَلِّيَ مَا بَدَا لَهُ لِأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَرَّسَ بِهِ وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ أَنَاخَ بِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَاسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيُّ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ وَقَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي لَيْسَ نُزُولُهُ ﵊ بِالْمُعَرَّسِ كَسَائِرِ مَنَازِلِ طَرِيقِ مَكَّةَ لِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ حَيْثُ أَمْكَنَهُ وَالْمُعَرَّسُ إنَّمَا كَانَ يُصَلِّي فِيهِ نَافِلَةً. وَلَا وَجْهَ لِتَزْهِيدِ النَّاسِ فِي الْخَيْرِ وَلَوْ كَانَ الْمُعَرَّسُ كَسَائِرِ الْمَنَازِلِ مَا أَنْكَرَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى نَافِعٍ تَأَخُّرَهُ عَنْهُ وَذَكَرَ حَدِيثَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ سَبَقَهُ إلَى الْمُعَرَّسِ فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا حَبَسَك؟ فَذَكَرَ عُذْرًا فَقَالَ ظَنَنْت أَنَّك أَخَذْت الطَّرِيقَ وَلَوْ فَعَلْت لَأَوْجَعْتُك ضَرْبًا [فَائِدَةٌ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ النُّزُول بِبَطْحَاءِ ذِي الْحُلَيْفَةِ] ١ (رَابِعُهَا) أَنَّهُ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَهَذَا شَيْءٌ اقْتَضَتْ عِبَارَةُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ حِكَايَتَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَإِنَّهُ قَالَ: وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ وَمَنَاسِكِهِ الَّتِي يَجِبُ عَلَى تَارِكِهَا فِدْيَةٌ أَوْ دَمٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ

стр. 1221

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] وَلَكِنَّهُ حَسَنٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ إلَّا ابْنِ عُمَرَ فَإِنَّهُ جَعَلَهُ سُنَّةً: انْتَهَى فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي إيجَابِ ابْنِ عُمَرَ فِدْيَةً بِتَرْكِهِ فَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ زَادَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي اسْتِحْبَابِهِ زِيَادَةً لَمْ يَقُولُوا بِهَا فَيُعَدُّ حِينَئِذٍ مَذْهَبًا غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ [فَائِدَةٌ اسْتِحْبَابُ الصَّلَاةِ بِبَطْحَاء ذِي الْحُلَيْفَةِ] ١ (الرَّابِعَةُ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الصَّلَاةِ فِي الْمَوْضِعِ الْمَذْكُورِ وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ إسْمَاعِيلَ الْقَاضِي أَنَّهُ ﵊ إنَّمَا كَانَ يُصَلِّي فِيهِ نَافِلَةً لَكِنْ مِنْ ضَرُورَةِ الْمَبِيتِ بِهِ أَنَّهُ يُصَلِّي فِيهِ فَرِيضَةً وَتَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مُجَاوَزَتُهُ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ وَاسْتِحْبَابُ الشَّافِعِيِّ لَهُ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ أَحَبَّ أَنْ يُعَرِّسَ بِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ فَعَلَ. (الْخَامِسَةُ) لَوْ مَرَّ بِهِ فِي وَقْتِ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا تَعَرُّضًا لَهُ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ أَنَّهُ يَسْتَمِرُّ اسْتِحْبَابُ الصَّلَاةِ فِيهِ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ سَبَبٍ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ الْمَجِيءَ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ لِيُصَلِّيَ فِيهِ كَمَا قَالُوهُ فِي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ يُسْتَحَبُّ لَهُ فِعْلُ التَّحِيَّةِ وَلَوْ كَانَ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ إلَّا أَنْ يَدْخُلَ بِقَصْدِ فِعْلِ التَّحِيَّةِ فَلَا يَفْعَلُهَا عَلَى أَقْيَسِ الْوَجْهَيْنِ وَقَدْ يُقَالُ لَيْسَ هَذَا كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي تِلْكَ فِعْلُهَا قَبْلَ الْجُلُوسِ فَلِأَجْلِ الْمُبَادَرَةِ إلَيْهَا اُغْتُفِرَ فِعْلُهَا وَقْتَ الْكَرَاهَةِ وَأَمَّا هَذِهِ الصَّلَاةُ فَلَيْسَ مِنْ سُنَّتِهَا الْمُبَادَرَةُ إلَيْهَا بَلْ الْقَصْدُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ قَبْلَ ارْتِحَالِهِ وَلَوْ بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ وَتَقَدَّمَ قَوْلُ مَالِكٍ مَنْ مَرَّ بِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ فَلْيَقُمْ حَتَّى تَحِلَّ الصَّلَاةُ ثُمَّ يُصَلِّيَ مَا بَدَا لَهُ وَهَذَا عَلَى قَاعِدَتِهِ فِي طَرْدِ الْكَرَاهَةِ وَلَوْ فِي ذَاتِ السَّبَبِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ وَأَنَّ قَوْلَهُ حَتَّى تَحِلَّ الصَّلَاةُ أَيْ الْمَفْرُوضَةُ وَمُرَادُهُ دُخُولُ وَقْتِهَا لَكِنْ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ مَا بَدَا لَهُ فَالظَّاهِرُ مِنْ هَذِهِ الصِّيغَةِ النَّافِلَةِ وَتَقَدَّمَ قَوْلُ إسْمَاعِيلَ الْقَاضِي أَنَّهُ ﵊ إنَّمَا كَانَ يُصَلِّي فِيهِ نَافِلَةً. (السَّادِسَةُ) فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ زِيَادَةُ الْمَبِيتِ بِهَا إلَى الصَّبَاحِ وَالْأَخْذُ بِالزِّيَادَةِ لَازِمٌ وَمُقْتَضَى مَا قَالُوهُ فِي مَبِيتِ الْمُزْدَلِفَةِ حُصُولُ الْقَصْدِ بِالْمَبِيتِ بِهَا نِصْفَ اللَّيْلِ لَكِنْ إنْ كَانَ الْمَعْنَى أَنْ لَا يَطْرُقَ أَهْلَهُ لَيْلًا اقْتَضَى ذَلِكَ الِاسْتِمْرَارَ إلَى الصَّبَاحِ لِئَلَّا يَقَعَ فِي هَذَا الْمَحْذُورِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ وَبَاتَ حَتَّى يُصْبِحَ. (السَّابِعَةُ) قَدْ يُقَالُ مُقْتَضَى قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ إذَا صَدَرَ عَنْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ التَّقْيِيدُ بِذَلِكَ

стр. 1222

وَعَنْهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ، عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» . ــ [طرح التثريب] وَمُقْتَضَى الْمَعْنَى عَدَمُ التَّقْيِيدِ وَاسْتِحْبَابُ الصَّلَاةِ بِهَا وَالْمَبِيتِ لِكُلِّ مَارٍّ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَادِرًا مِنْ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ وَعَدَمُ التَّقْيِيدِ هُوَ الصَّوَابُ وَبِهِ جَزَمَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي تَبْوِيبِهِ وَيَدُلُّ لَهُ مَا صَحَّ مِنْ شَرَفِ الْبُقْعَةِ وَأَنَّهَا مُبَارَكَةٌ وَأَمَّا التَّقْيِيدُ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ فَإِنَّمَا هُوَ لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ وَلَمْ يَكُنْ ابْنُ عُمَرَ يَمُرُّ عَلَيْهَا إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ الْفَتْحِ غَزْوٌ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ لِأَنَّهَا صَارَتْ كُلُّهَا دَارَ سَلَامٍ. (فَإِنْ قُلْت) فَلِمَ خَصَّ ذَلِكَ بِصُدُورِهِ وَرُجُوعِهِ مِنْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ وَلِمَ لَا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْمُضِيِّ إلَيْهِمَا قُلْت لِأَنَّهُ فِي الْمُضِيِّ إلَيْهِمَا يَمُرُّ مِنْ تِلْكَ الطَّرِيقِ وَإِنَّمَا كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ لِلِاتِّبَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لَوْ مَرَّ بِالْمُعَرَّسِ فِي ذَهَابِهِ إلَى مَكَّةَ اُسْتُحِبَّ لَهُ الصَّلَاةُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [حَدِيث أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ إذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ] (الْحَدِيثُ الثَّالِثُ) وَعَنْهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ يَقُولُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ، عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» (فِيهِ) فَوَائِدُ: (الْأُولَى) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ

стр. 1223

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ وَمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَمُسْلِمٍ وَحْدَهُ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَلَفْظُ عُبَيْدِ اللَّهِ «كَانَ إذَا قَفَلَ مِنْ الْجُيُوشِ أَوْ السَّرَايَا أَوْ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ إذَا أَوْفَى عَلَى ثَنِيَّةٍ أَوْ فَدْفَدٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا» . وَالْبَاقِي مِثْلُهُ وَفِي حَدِيثِ أَيُّوبَ عِنْدَ مُسْلِمٍ «التَّكْبِيرُ مَرَّتَيْنِ» وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ ثَلَاثًا وَقَدْ بَدَّلَ سَاجِدُونَ سَائِحُونَ (الثَّانِيَةُ) قَوْلُهُ كَانَ إذَا قَفَلَ أَيْ رَجَعَ وَالْقُفُولُ الرُّجُوعُ مِنْ السَّفَرِ وَيُقَالُ فِي الْمُضَارِعِ يَقْفُلُ بِالضَّمِّ وَلَا يُسْتَعْمَلُ الْقُفُولُ فِي ابْتِدَاءِ السَّفَرِ وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْمُسَافِرُونَ قَافِلَةً تَفَاؤُلًا لَهُمْ بِالْقُفُولِ وَالسَّلَامَةِ عَلَى أَنَّ الْجَوْهَرِيَّ قَالَ: إنَّ الْقَافِلَةَ هِيَ الرُّفْقَةُ الرَّاجِعَةُ مِنْ السَّفَرِ؛ وَقَالَ الْعَقَبِيُّ لَا يُقَالُ لَهُمْ فِي مَبْدَئِهِمْ قَافِلَةٌ وَ (الشَّرَفُ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ. وَأَمَّا (الْفَدْفَدُ) الْمَذْكُورُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَهُوَ بِتَكْرِيرِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ فَقِيلَ: هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي فِيهِ ارْتِفَاعٌ وَغِلَظٌ رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ؛ وَقِيلَ: الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَقِيلَ الْفَلَاةُ الَّتِي لَا شَيْءَ فِيهَا؛ صَدَّرَ بِهِ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ كَلَامَهُ؛ وَقِيلَ غَلِيظُ الْأَرْضِ ذَاتُ الْحَصَى؛ وَقَوْلُهُ آيِبُونَ أَيْ رَاجِعُونَ يُقَالُ آبَ مِنْ سَفَرِهِ إذَا رَجَعَ مِنْهُ وَالْأَحْزَابُ الْمُرَادُ بِهِمْ هُنَا الْكُفَّارُ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَتَحَزَّبُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ يَرَوْهَا؛ قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَحْزَابِ يَوْمُ الْخَنْدَقِ قَالَ الْقَاضِي وَقِيلَ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَحْزَابُ الْكُفْرِ فِي جَمِيعِ الْأَيَّامِ وَالْمَوَاطِنِ؛ انْتَهَى. وَيُؤَيِّدُ الثَّانِيَ قَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ الْأَحْزَابُ الطَّوَائِفُ الَّتِي تَجْتَمِعُ عَلَى مُحَارَبَةِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈. (الثَّالِثَةُ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْإِتْيَانِ بِهَذَا الذِّكْرِ فِي الْقُفُولِ مِنْ سَفَرِ الْغَزْوِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَهَلْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْأَسْفَارِ أَوْ يَتَعَدَّى إلَى كُلِّ سَفَرِ طَاعَةٍ كَالرِّبَاطِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ أَوْ يَتَعَدَّى إلَى السَّفَرِ الْمُبَاحِ أَيْضًا كَالنُّزْهَةِ أَوْ يَسْتَمِرُّ فِي كُلِّ سَفَرٍ وَلَوْ كَانَ مُحَرَّمًا؟ يَحْتَمِلُ أَوْجُهًا: (أَحَدُهَا) الِاخْتِصَاصُ: وَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ شُرِعَ بِأَثَرِ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ الْمَخْصُوصَةِ

стр. 1224

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] فَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهَا كَالذِّكْرِ عَقِبَ الصَّلَاةِ مِنْ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَخْصُوصَةِ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ كَالصِّيَامِ وَنَحْوِهِ وَالْأَذْكَارُ الْمَخْصُوصَةُ مُتَعَبَّدٌ بِهَا فِي لَفْظِهَا وَمَحَلِّهَا وَمَكَانِهَا وَزَمَانِهَا. (الثَّانِي) أَنَّهُ يَتَعَدَّى إلَى سَائِرِ أَسْفَارِ الطَّاعَةِ لِكَوْنِهَا فِي مَعْنَاهَا فِي التَّقَرُّبِ بِهَا. (الثَّالِثُ) أَنَّهُ يَتَعَدَّى إلَى الْأَسْفَارِ الْمُبَاحَةِ أَيْضًا وَعَلَى هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ فَالتَّقْيِيدُ فِي الْحَدِيثِ إنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ ﵊ لَمْ يَكُنْ يُسَافِرُ بِغَيْرِ الْمَقَاصِدِ الثَّلَاثَةِ فَقَيَّدَهُ بِحَسَبِ الْوَاقِعِ لَا لِاخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِهِ. (الرَّابِعُ) تَعَدِّيهِ إلَى الْأَسْفَارِ الْمُحَرَّمَةِ لِأَنَّ مُرْتَكِبَ الْحَرَامِ أَحْوَجُ إلَى الذِّكْرِ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ وَكَلَامُ النَّوَوِيِّ مُحْتَمَلٌ فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَبْوِيبِهِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ (مَا يَقُولُ إذَا رَجَعَ مِنْ سَفَرِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ الْعُمْرَةُ وَالْغَزْوُ) وَقَدْ يُرِيدُ غَيْرَهُ مُطْلَقًا وَقَالَ وَالِدِي ﵀ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ سَوَاءٌ فِيهِ السَّفَرُ لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ غَزْوٍ كَمَا فِي الْحَدِيثِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ طَلَبِ عِلْمٍ وَتِجَارَةٍ وَغَيْرِهِمَا انْتَهَى فَمَثَّلَ بِطَلَبِ الْعِلْمِ وَهُوَ مِنْ الطَّاعَاتِ وَبِالتِّجَارَةِ وَهِيَ مِنْ الْمُبَاحَاتِ وَلَمْ يُمَثِّلْ الْمُحَرَّمَ لَكِنَّهُ مُنْدَرِجٌ فِي إطْلَاقِهِ. (الرَّابِعَةُ) الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي اخْتِصَاصِ التَّكْبِيرِ ثَلَاثًا بِحَالَةِ كَوْنِهِ عَلَى الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ثُمَّ يَقُولُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ إلَى آخِرِهِ فَيَحْتَمِلُ الْإِتْيَانَ بِهِ وَهُوَ عَلَى الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَتَقَيَّدَ بِذَلِكَ بَلْ إنْ كَانَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ وَاسِعًا قَالَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا كَمَّلَ بَقِيَّةَ الذِّكْرِ بَعْدَ انْهِبَاطِهِ وَلَا يَسْتَمِرُّ وَاقِفًا فِي الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ لِتَكْمِيلِهِ. (الْخَامِسَةُ) قَالَ وَالِدِي ﵀ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ: مُنَاسَبَةُ التَّكْبِيرِ عَلَى الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ أَنَّ الِاسْتِعْلَاءَ وَالِارْتِفَاعَ مَحْبُوبٌ لِلنُّفُوسِ وَفِيهِ ظُهُورٌ وَغَلَبَةٌ عَلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فِي الْمَكَانِ فَيَنْبَغِي لِمَنْ تَلَبَّسَ بِهِ أَنْ يَذْكُرَ عِنْدَ ذَلِكَ كِبْرِيَاءَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَيَشْكُرُ لَهُ ذَلِكَ؛ يَسْتَمْطِرُ بِذَلِكَ الْمَزِيدَ مِمَّا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ وَقَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ تَوْحِيدُهُ لِلَّهِ تَعَالَى هُنَاكَ إشْعَارٌ بِانْفِرَادِهِ تَعَالَى بِإِيجَادِ جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ وَبِأَنَّهُ الْمَأْلُوهُ أَيْ الْمَعْبُودُ فِي كُلِّ الْأَمَاكِنِ مِنْ الْأَرَضِينَ وَالسَّمَوَاتِ (قُلْت) وَرَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا عَلَا

стр. 1225

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] نَشْزًا مِنْ الْأَرْضِ قَالَ اللَّهُمَّ لَك الشَّرَفُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ؛ وَلَك الْحَمْدُ عَلَى كُلِّ حَالٍ» وَيَحْتَمِلُ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ إظْهَارُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْحِيدِهِ وَمِنَّتِهِ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ وَذَلِكَ فِي الْأَمَاكِنِ الْعَالِيَةِ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي الْأَمَاكِنِ الْمُنْخَفِضَةِ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ كُنَّا إذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَجُيُوشُهُ إذَا عَلَوْا الثَّنَايَا كَبَّرُوا وَإِذَا هَبَطُوا سَبَّحُوا فَوُضِعَتْ الصَّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ» وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ التَّسْبِيحِ فِي الِانْهِبَاطِ أَنَّ الِانْخِفَاضَ مَحَلُّ الضِّيقِ وَالتَّسْبِيحُ سَبَبُ لِلْفَرَجِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى فِي حَقِّ يُونُسَ ﵇ ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات: ١٤٣] ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٤] وَكَانَتْ مَقَالَتُهُ ﵇ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] . (السَّادِسَةُ) قَوْلُهُ آيِبُونَ وَمَا بَعْدَهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ نَحْنُ آيِبُونَ (فَإِنْ قُلْت) مَا فَائِدَةُ الْإِخْبَارِ بِالْأَوْبِ وَهُوَ الرُّجُوعُ مِنْ السَّفَرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ مِنْ حَالِهِمْ وَمَا تَحْتَ الْإِخْبَارِ بِذَلِكَ مِنْ الْفَائِدَةِ؟ . (قُلْت) قَدْ يُرَادُ أَوْبٌ مَخْصُوصٌ وَهُوَ الرُّجُوعُ عَنْ الْمُخَالَفَةِ إلَى الطَّاعَةِ أَوْ التَّفَاؤُلُ بِذَلِكَ أَوْ الْإِعْلَامُ بِأَنَّ السَّفَرَ الْمَقْصُودَ قَدْ انْقَضَى فَهُوَ اسْتِبْشَارٌ بِكَمَالِ الْعِبَادَةِ وَالْفَرَاغِ مِنْهَا وَحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَالظَّفَرِ بِهِ. (السَّابِعَةُ) وَقَوْلُهُ تَائِبُونَ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ إشْعَارًا بِحُصُولِ التَّقْصِيرِ فِي الْعِبَادَةِ فَيَتُوبُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ تَوَاضُعٌ وَهَضْمٌ لِلنَّفْسِ أَوْ تَعْلِيمٌ لِمَنْ يَقَعُ ذَلِكَ مِنْهُ فِي سَفَرِ الطَّاعَاتِ فَيَخْلِطُهُ بِمَا لَا يَجُوزُ فِعْلُهُ وَيَحْتَمِلُ الْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ طَاعَةِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ أَوْ الْغَزْوِ قَدْ كَفَّرَ مَا مَضَى فَيَسْأَلُ التَّوْبَةَ فِيمَا بَعْدَهُ وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ التَّوْبَةُ فِي الْعِصْمَةِ فَيَسْأَلُ أَنْ لَا يَقَعَ مِنْهُ بَعْدَهُ مَا يَحْتَاجُ إلَى تَكْفِيرٍ وَهَذَا اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ خَبَرًا فَهُوَ فِي مَعْنَى الدُّعَاءِ وَلَوْ كَانَ إشْعَارًا بِأَنَّهُمْ رَحَّبُوا بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ لَنَصَبَهَا عَلَى الْحَالِ فَقَالَ تَائِبِينَ عَابِدِينَ إلَى آخِرِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُنَاسِبٍ أَيْضًا لِمَا فِيهِ مِنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَإِظْهَارِ الْأَعْمَالِ. (الثَّامِنَةُ) وَقَوْلُهُ سَاجِدُونَ بَعْدَ قَوْلِهِ عَابِدُونَ مِنْ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ وَقَوْلُهُ لِرَبِّنَا يَحْتَمِلُ تَعَلُّقَهُ بِقَوْلِهِ سَاجِدُونَ أَيْ نَسْجُدُ لَهُ لَا لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَصْنَامِ وَغَيْرِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْمُولًا مُقَدَّمًا لِقَوْلِهِ حَامِدُونَ أَيْ نَحْمَدُهُ دُونَ غَيْرِهِ لِرُؤْيَتِنَا النِّعْمَةَ مِنْهُ إذْ هُوَ الْمُنْعِمُ

стр. 1226

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] بِهَا لَا رَبَّ سِوَاهُ. (التَّاسِعَةُ) قَالَ النَّوَوِيُّ «قَوْلُهُ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ» أَيْ فِي إظْهَارِ الدِّينِ وَكَوْنِ الْعَاقِبَةِ لِلْمُتَّقِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَعَدَهُ إنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ «وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» أَيْ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَالْمُرَادُ الْأَحْزَابُ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا يَوْمَ الْخَنْدَقِ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ وَبِهَذَا يَرْتَبِطُ قَوْلُهُ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ تَكْذِيبًا لِقَوْلِ الْمُنَافِقِينَ وَاَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْخَبَرُ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ كَأَنَّهُ قَالَ اللَّهُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ وَحْدَك قَالَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَقَالَ وَالِدِي ﵀ وَجْهُ مُنَاسَبَةِ قَوْلِهِ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ إنْ كَانَ سَفَرَ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ تَذْكِرَةٌ بِذَلِكَ وَعْدَ اللَّهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وَإِنْ كَانَ رُجُوعًا مِنْ غُزَاةٍ بِذِكْرِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥] الْآيَةَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠] . قَالَ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ «أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَأَبُو طَلْحَةَ وَصَفِيَّةُ رَدِيفَتُهُ عَلَى نَاقَتِهِ حَتَّى إذَا كَانَ بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ قَالَ آيِبُونَ تَائِبُونَ» الْحَدِيثَ فَهَذَا كَانَ مَقْفَلُهُ مِنْ خَيْبَرَ وَكَانَتْ مُتَّصِلَةً بِقِصَّةِ الْأَحْزَابِ ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢] فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. (الْعَاشِرَةُ) مَجْمُوعُ هَذَا الذِّكْرِ إنَّمَا كَانَ ﵊ يَأْتِي بِهِ عِنْدَ الْقُفُولِ وَكَانَ يَأْتِي بِصَدْرِهِ فِي الْخُرُوجِ أَيْضًا فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إلَى سَفَرٍ كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا» الْحَدِيثَ. وَفِي آخِرِهِ «وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ» وَتَقَدَّمَ فِي الْفَائِدَةِ الْخَامِسَةِ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ «كُنَّا إذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا» . وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُد «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَجُيُوشُهُ إذَا عَلَوْا الثَّنَايَا كَبَّرُوا، وَإِذَا هَبَطُوا سَبَّحُوا» . «وَقَالَ ﵊ لِلرَّجُلِ الَّذِي قَالَ لَهُ أَوْصِنِي لَمَّا أَرَادَ سَفَرًا عَلَيْك بِتَقْوَى اللَّهِ وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَمْ يَخُصَّ ذَلِكَ بِالرَّجْعَةِ مِنْ سَفَرِهِ.

стр. 1227

[فَائِدَةٌ تَفْسِير الْقُفُولُ وَالشَّرَفُ وَالْفَدْفَدُ] بَابُ الْأُضْحِيَّةِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَاهُ غَنَمًا فَقَسَمَهَا عَلَى أَصْحَابِهِ ضَحَايَا فَبَقِيَ عَتُودٌ مِنْهَا فَذَكَرَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ ضَحِّ بِهِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (فَصَارَتْ لِعُقْبَةَ جَذَعَةٌ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «فَأَصَابَنِي جَذَعٌ» وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَةٍ «وَلَا رُخْصَةَ لِأَحَدٍ فِيهَا بَعْدَك» وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ «فَأَعْطَانِي عَتُودًا جَذَعًا فَرَجَعْت ــ [طرح التثريب] [بَابُ الْأُضْحِيَّةِ] [حَدِيث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَعْطَاهُ غَنَمًا فَقَسَمَهَا عَلَى أَصْحَابِهِ ضَحَايَا] ِ (الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ) عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ غَنَمًا فَقَسَمَهَا عَلَى أَصْحَابِهِ ضَحَايَا فَبَقِيَ عَتُودٌ مِنْهَا فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ ضَحِّ بِهِ» (فِيهِ) فَوَائِدُ: (الْأُولَى) أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ خَلَا أَبَا دَاوُد مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ بَعْجَةَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ «قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ ضَحَايَا فَصَارَتْ لِعُقْبَةَ جَذَعَةٌ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ صَارَتْ لِي جَذَعَةٌ قَالَ ضَحِّ بِهَا» . لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ «فَأَصَابَنِي جَذَعٌ» وَرَوَى النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ «ضَحَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِجِذَاعٍ مِنْ الضَّأْنِ» . وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ بْنُ حَيَّانَ فِي الْأَضَاحِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبِ قَالَ «سَأَلْت سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ الْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ يُضَحَّى بِهِ فَقَالَ سَعِيدٌ مَا كَانَتْ سُنَّةُ الْجِذْع مِنْ الضَّأْنِ إلَّا فِيكُمْ» سَأَلَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهُ أَنْ يُضَحِّيَ

стр. 1228

بِهِ إلَيْهِ فَقُلْت إنَّهُ جَذَعٌ، قَالَ ضَحِّ بِهِ فَضَحَّيْت بِهِ» وَلِلشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ فِي قِصَّةِ ذَبْحِ خَالِهِ أَبِي بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ قَبْلَ الصَّلَاةِ، «وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ» وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ «مِنْ مُسِنَّيْنِ قَالَ اذْبَحْهَا وَلَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك» وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا «إنَّ عِنْدِي جَذَعَةً مِنْ الْمَعْزِ» وَقَالَ الْبُخَارِيُّ «دَاجِنًا جَذَعَةٌ مِنْ الْمَعْزِ قَالَ اذْبَحْهَا وَلَمْ تَصْلُحْ لِغَيْرِك» وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ «فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ إنَّ هَذَا ــ [طرح التثريب] بِهِ وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ مُعَاذًا هَذَا مَجْهُولٌ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَقَدْ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ لَكِنْ قَالَ وَالِدِي ﵀ الظَّاهِرُ انْقِطَاعُ رِوَايَتِهِ عَنْ عُقْبَةَ بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قَالَ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى مُرْسَلَةٌ وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عُقْبَةَ «سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ فَقَالَ ضَحِّ بِهِ» . ثُمَّ قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ضَعِيفٌ جِدًّا. (الثَّانِيَةُ) بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ (بَابُ قِسْمَةِ الْغَنَمِ وَالْعَدْلِ فِيهَا) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ هِيَ الْقِسْمَةُ الْمَعْهُودَةُ الَّتِي يُعْتَبَرُ فِيهَا تَسْوِيَةُ الْأَجْزَاءِ وَمَا أَظُنُّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا أَمَرَهُ ﵊ بِتَفْرِقَةِ غَنَمٍ عَلَى أَصْحَابِهِ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ ﵊ عَيْنَ مَا يُعْطِيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ وَكَّلَ ذَلِكَ إلَى رَأْيِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ عَلَيْهِ بِالتَّسْوِيَةِ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ عُسْرًا وَحَرَجًا وَالْغَنَمُ لَا يَتَأَتَّى فِيهَا قِسْمَةُ الْأَجْزَاءِ وَلَا تُقْسَمُ إلَّا بِالتَّعْدِيلِ وَيَحْتَاجُ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ إلَى رَدٍّ لِأَنَّ اسْتِوَاءَ قِسْمَتِهَا عَلَى التَّحْرِيرِ بَعِيدٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْغَنَمَ كَانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَقَسَمَهَا بَيْنَهُمْ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّعِ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِيهِ إنَّهُ تَجُوزُ الضَّحَايَا بِمَا يُهْدَى إلَيْك

стр. 1229

يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ وَذَكَرَ جِيرَانَهُ، وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَلَا أَدْرِي أَبَلَغَتْ الرُّخْصَةُ مَنْ سِوَاهُ أَمْ لَا» . ــ [طرح التثريب] وَبِمَا لَمْ تَشْتَرِهِ بِخِلَافِ مَا يَعْتَقِدُهُ عَامَّةُ النَّاسِ لَكِنَّهُ قَالَ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ إنْ كَانَ قَسَمَهَا بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ فَكَانَتْ مِنْ الْفَيْءِ أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهُ مِمَّا يَجُوزُ أَخْذُهَا لِلْأَغْنِيَاءِ وَإِنْ كَانَ إنَّمَا قَسَمَهَا بَيْنَ فُقَرَائِهِمْ خَاصَّةً فَكَانَتْ مِنْ الصَّدَقَةِ انْتَهَى. فَجَزَمَ بِأَنَّهَا مِنْ الْأَمْوَالِ الْعَامَّةِ أُعْطِيت لِمُسْتَحِقِّهَا لَكِنَّهُ تَرَدَّدَ بَيْنَ كَوْنِهَا مِنْ الْفَيْءِ وَنَحْوِهِ وَكَوْنِهَا مِنْ الصَّدَقَةِ وَهَذَا يُنَافِي كَوْنَهَا هَدِيَّةً لِأَنَّ الْهَدِيَّةَ تَبَرُّعٌ وَأَخْذُ الْإِنْسَانِ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْفَيْءِ أَوْ الزَّكَاةِ لَيْسَ تَبَرُّعًا مِنْ مُعْطِيهِ وَيُوَافِقُ كَلَامَهُ الَّذِي حَكَيْته، ثَانِيًا، كَلَامُ أَبِي الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ حَيْثُ قَالَ فِيهِ إنَّ الْإِمَامَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ الضَّحَايَا عَلَى مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى. (الثَّالِثَةُ) وَبَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا (وَكَالَةُ الشَّرِيكِ الشَّرِيكَ فِي الْقِسْمَةِ وَغَيْرِهَا) وَمَا عَرَفْت وَجْهَ هَذَا الِاسْتِنْبَاطِ وَمِنْ أَيْنَ لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ شَرِكَةٌ فِي هَذِهِ الْغَنَمِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . (الرَّابِعَةُ) (الضَّحَايَا) جَمْعُ ضَحِيَّةٍ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ فِيهَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ أُضْحِيَّةٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَأُضْحِيَّةٌ بِكَسْرِهَا وَجَمْعُهَا أَضَاحِيَّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا وَاللُّغَةُ الثَّالِثَةُ ضَحِيَّةٌ وَجَمْعُهَا ضَحَايَا وَالرَّابِعَةُ أَضْحَاةٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْجَمْعُ أَضْحَى كَأَرْطَاةَ وَأَرْطَى وَبِهَا سُمِّيَ يَوْمُ الْأَضْحَى قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُفْعَلُ فِي الضُّحَى وَهُوَ ارْتِفَاعُ النَّهَارِ. (الْخَامِسَةُ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْعَتُودُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ وَآخِرُهُ دَالٌ مُهْمَلَةٌ مِنْ أَوْلَادِ الْمَعْزِ خَاصَّةً وَهُوَ مَا رَعَى وَقَوِيَ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَصَاحِبُ النِّهَايَةِ وَهُوَ مَا بَلَغَ سَنَةً وَجَمْعُهُ أَعْتِدَةٌ وَعِدَّانٌ بِإِدْغَامِ التَّاءِ فِي الدَّالِ وَأَصْلُهُ عِتْدَانٌ وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ أَصْلُ عِتْدَانٍ عَدَدَانٌ قَالَ وَهُوَ مِنْ وَلَدِ الْمَعْزِ إذَا بَلَغَ السِّفَادَ وَقِيلَ إذَا قَوِيَ وَشَبَّ وَقِيلَ إذَا اسْتَكْرَشَ وَبَعْضُهُ يَقْرَبُ مِنْ بَعْضٍ

стр. 1230

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] (السَّادِسَةُ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ الْجَذَعُ مِنْ الْمَعْزِ وَإِذَا جَازَ، ذَلِكَ مِنْ الْمَعْزِ فَمِنْ الضَّأْنِ أَوْلَى وَقَدْ دَلَّتْ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى مِنْ رِوَايَةِ عُقْبَةَ عَلَى الضَّأْنِ صَرِيحًا وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: (أَحَدُهَا) التَّفْرِيقُ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ فَيُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ وَلَا يُجْزِئُ الْجَذَعُ مِنْ الْمَعْزِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ إجْزَاءُ الْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ. (الْقَوْلُ الثَّانِي) مَنْعُ الْجَذَعِ مُطْلَقًا ضَأْنًا كَانَ أَوْ مَعْزًا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ وَحَكَاهُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَأَطْنَبَ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ فَرَّقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ وَحَكَاهُ الْعَبْدَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ الزُّهْرِيِّ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْإِشْرَافِ وَالْعِمْرَانِيُّ فِي الْبَيَانِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. (الْقَوْلُ الثَّالِثُ) تَجْوِيزُ الْجَذَعِ مُطْلَقًا وَلَوْ مِنْ الْمَعْزِ حَكَاهُ الْعَبْدَرِيُّ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَحَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَابْنُ عُمَرَ وَأُمُّ سَلَمَةَ. وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَجْهًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ شَاذٌّ ضَعِيفٌ بَلْ غَلَطٌ انْتَهَى وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ لَهُ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي تَجْوِيزِ الْجَذَعِ مِنْ الْمَعْزِ وَالضَّأْنِ أَوْلَى مِنْهُ بِذَلِكَ كَمَا قَدَّمْته وَقَالَ مَنْ مَنَعَ مُطْلَقًا هَذَا رُخْصَةٌ وَالتَّجْوِيزُ خَاصٌّ بِعُقْبَةَ أَجَابَ بِهِ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ «أَنَّهُ ﵊ قَالَ لِعُقْبَةَ ضَحِّ بِهَا أَنْتَ وَلَا رُخْصَةَ لِأَحَدٍ فِيهَا بَعْدَك» . (فَإِنْ قُلْت) فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ «أَنَّهُ ﵊ أَذِنَ لِأَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ فِي التَّضْحِيَةِ بِجَذَعَةٍ مِنْ الْمَعْزِ وَقَالَ لَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك» (قُلْت) كِلَا الْحَدِيثَيْنِ عَامٌّ مَخْصُوصٌ وَإِجْزَاءُ الْجَذَعَةِ مِنْ الْمَعْزِ خَاصٌّ بِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَأَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ خَالِ الْبَرَاءِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ «مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ إنَّ هَذَا يَوْمٌ يُشْتَهَى فِيهِ اللَّحْمُ وَذَكَرَ جِيرَانَهُ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَلَا أَدْرِي أَبَلَغَتْ الرُّخْصَةُ مَنْ سِوَاهُ أَمْ لَا» . وَعَزْوُ الشَّيْخِ ﵀ هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِلْبُخَارِيِّ فَقَطْ فِيهِ نَظَرٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا
следующие страницы →