Полный текст (2 068 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ» زَادَ أَبُو مُسْلِمٍ الْكَشِّيُّ " وَهُوَ قَاعِدٌ " وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ مِثْلُ حَدِيثِ نَافِعٍ.
ــ
[طرح التثريب]
فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي جُمُعَةَ حَبِيبِ بْنِ سِبَاعٍ وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَامَ الْأَحْزَابِ صَلَّى الْمَغْرِبَ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنِّي صَلَّيْت الْعَصْرَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتهَا فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَعَادَ الْمَغْرِبَ» وَرَوَى أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ فَلْيُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلْيُعِدْ الصَّلَاةَ الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ لِيُعِدْ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا مَعَ الْإِمَامِ» وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ.
[فَائِدَةٌ إطْلَاقُ الْعِشَاءَيْنِ عَلَى الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ] ١
(الثَّانِيَةَ عَشَرَ) وَفِيهِ إطْلَاقُ الْعِشَاءَيْنِ عَلَى الْمَغْرِبِ، وَالْعِشَاءِ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَغْرِبَ لَا تُسَمَّى عِشَاءً قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا غَلَطٌ؛ لِأَنَّ التَّثْنِيَةَ هُنَا لِلتَّغْلِيبِ كَالْأَبَوَيْنِ، وَالْقَمَرَيْنِ، وَالْعُمُرَيْنِ وَنَظَائِرِهَا اهـ (فَإِنْ قُلْت) كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ نَهْيِهِ ﷺ عَنْ تَسْمِيَةِ الْمَغْرِبِ عِشَاءً، وَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ.
(قُلْت) لَعَلَّ النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ عَنْ إفْرَادِهَا بِهَذَا الِاسْمِ فَأَمَّا إذَا أَطْلَقَهُ عَلَيْهَا مَعَ الْعِشَاءِ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ فَهَذَا لَا يُنْكَرُ؛ لِأَنَّهُ مَجَازٌ خَارِجٌ عَنْ أَصْلِ الْوَضْعِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ هُنَا لَيْسَ مَرْفُوعًا، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ الصَّحَابِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حَدِيثٌ الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ]
(الْحَدِيثُ السَّادِسُ) وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ» زَادَ أَبُو مُسْلِمٍ الْكَشِّيُّ " وَهُوَ قَاعِدَةٌ " وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ مِثْلُ حَدِيثِ نَافِعٍ. فِيهِ فَوَائِدُ:
(الْأُولَى) قَوْلُهُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ يُرْوَى بِنَصَبِ اللَّامَيْنِ وَرَفْعِهِمَا، وَالنَّصْبُ هُوَ الصَّحِيحُ وَالْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ كَمَا قَالَ
стр. 317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
النَّوَوِيُّ.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَهُوَ الَّذِي ضَبَطْنَاهُ عَنْ جَمَاعَةِ شُيُوخِنَا وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ أَيْ وُتِرَ هُوَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَقِيلَ إنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ وُتِرَ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ فَلَمَّا حُذِفَ الْخَافِضُ انْتَصَبَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ وَمَنْ رَفَعَ فَعَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَفِيمَا قَالَاهُ نَظَرٌ إذْ الْفِعْلُ لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَرِوَايَةُ النَّصْبِ عَلَى أَنَّ التَّارِكَ هُوَ الْمَنْقُوصُ فَأَقَامَ ضَمِيرَهُ مَقَامَ الْفَاعِلِ فَانْتَصَبَ أَهْلُهُ، وَمَالُهُ؛ لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ وَرِوَايَةُ الرَّفْعِ عَلَى أَنَّ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ هُمْ الْمَنْقُوصُونَ فَأَقَامَهُ مَقَامَ الْفَاعِلِ فَرَفَعَهُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: إنْ رَفَعْت فَعَلَى الْبَدَلِ مِنْ الضَّمِيرِ فِي وُتِرَ أَهْلَهُ.
فَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ النَّصْبِ فَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ نُقِصَ هُوَ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ وَسُلِبَهُمْ فَبَقِيَ وِتْرًا فَرْدًا بِلَا أَهْلٍ وَلَا مَالٍ فَلْيَحْذَرْ مِنْ تَفْوِيتِهَا كَحَذَرِهِ مِنْ ذَهَابِ أَهْلِهِ وَمَالِهِ جَزَمَ بِهِ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ وَقَالَ فِي أَعْلَامِ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ وُتِرَ أَيْ نُقِصَ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] وَقِيلَ سُلِبَ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ فَبَقِيَ وِتْرًا لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا مَالَ اهـ. فَجَعَلَهُمَا قَوْلَيْنِ وَغَايَرَ بَيْنَ تَفْسِيرِهِ بِنَقْصٍ وَتَفْسِيرِهِ بِسَلْبٍ، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا حَكَيْته عَنْهُ أَوَّلًا، وَكَذَا غَايَرَ بَيْنَهُمَا غَيْرُهُ.
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ الْوِتْرُ، وَالتِّرَةُ الظُّلْمُ فِي الدَّمِ يُقَالُ مِنْهُ وُتِرَ الرَّجُلُ وِتْرًا وَتِرَةً فَمَعْنَى وُتِرَ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ سُلِبَ ذَلِكَ وَحُرِمَهُ فَهُوَ أَشَدُّ لِغَمِّهِ وَحُزْنِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ أَهْلُهُ وَذَهَبَ مَالُهُ مِنْ غَيْرِ سَلْبٍ لَمْ تَكُنْ مُصِيبَتُهُ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ السَّلْبِ؛ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ غَمَّانِ غَمُّ ذَهَابِهِمْ وَغَمُّ الطَّلَبِ بِوَتْرِهِمْ، وَإِنَّمَا مِثْلُهُ ﷺ فِيمَا يَفُوتُهُ مِنْ عَظِيمِ الثَّوَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَنَى بِقَوْلِهِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ أَيْ نُقِصَ ذَلِكَ وَأُفْرِدَ مِنْهُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] أَيْ لَنْ يُنْقِصَكُمْ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَالْفِقْهِ أَنَّهُ كَاَلَّذِي يُصَابُ بِأَهْلِهِ، وَمَالِهِ إصَابَةً يَطْلُبُ بِهَا وِتْرًا، وَالْوِتْرُ الْجِنَايَةُ الَّتِي يَطْلُبُ ثَأْرَهَا فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ غَمَّانِ غَمُّ الْمُصِيبَةِ وَغَمُّ مُقَاسَاةِ طَلَبِ الثَّأْرِ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ مَعْنَاهُ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الِاسْتِرْجَاعِ مَا يَتَوَجَّهُ عَلَى مَنْ فَقَدَ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ فَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ النَّدَمُ، وَالْأَسَفُ بِتَفْوِيتِهِ الصَّلَاةَ وَقِيلَ مَعْنَاهُ فَاتَهُ مِنْ الثَّوَابِ مَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْأَسَفِ عَلَيْهِ كَمَا يَلْحَقُ مَنْ ذَهَبَ أَهْلُهُ، وَمَالُهُ وَقَالَ الْبَاجِيَّ يَحْتَمِلُ أَنْ
стр. 318
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
يُرِيدَ وُتِرَ دُونَ ثَوَابٍ يُدَّخَرُ لَهُ فَيَكُونُ مَا فَاتَ مِنْ ثَوَابِ الصَّلَاةِ كَمَا فَاتَ هَذَا الْمُوتُورَ اهـ.
وَأَمَّا رِوَايَةُ الرَّفْعِ فَمَعْنَاهُ اُنْتُزِعَ مِنْهُ أَهْلُهُ، وَمَالُهُ، وَهَذَا تَفْسِيرُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ﵀ (قُلْت) يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا خُصَّ الْأَهْلُ، وَالْمَالُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ إنَّمَا هُوَ بِالسَّعْيِ عَلَى الْأَهْلِ، وَالشُّغْلِ بِالْمَالِ فَذَكَرَ ﵊ أَنَّ تَفْوِيتَ هَذِهِ الصَّلَاةِ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ فَقْدِ الْأَهْلِ، وَالْمَالِ فَلَا مَعْنَى لِتَفْوِيتِهَا بِالِاشْتِغَالِ بِهِمَا مَعَ كَوْنِ تَفْوِيتِهَا كَفَوَاتِهِمَا أَصْلًا وَرَأْسًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِيَةُ) فِيهِ التَّغْلِيظُ فِي فَوَاتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَهَلْ يُلْحَقُ بِهَا غَيْرُهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ فِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ خَرَجَ جَوَابًا لِسُؤَالٍ فَيَلْحَقُ بِالْعَصْرِ بَاقِي الصَّلَوَاتِ وَيَكُونُ نَبَّهَ بِالْعَصْرِ عَلَى غَيْرِهَا قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ فِي الْعَصْرِ وَلَمْ تَتَحَقَّقْ الْعِلَّةُ فِي هَذَا الْحُكْمِ فَلَا يَلْحَقُ بِهَا غَيْرُهَا بِالشَّكِّ، وَالتَّوَهُّمِ وَإِنَّمَا يَلْحَقُ غَيْرُ الْمَنْصُوصِ بِالْمَنْصُوصِ إذَا عَرَفْنَا الْعِلَّةَ وَاشْتَرَكَا فِيهَا انْتَهَى.
وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ فَكَأَنَّمَا أُتِرَ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ» لَفْظُ ابْنِ حِبَّانَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ: وُتِرَ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ «مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً حَتَّى تَفُوتَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» .
وَفِي فَوَائِدِ تَمَّامٍ مِنْ حَدِيثِ مَكْحُولٍ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ» ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ فِي حَدِيثِ نَوْفَلٍ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ رِوَايَةِ حَدِيثِ نَوْفَلٍ أَتَدْرِي أَيَّةَ صَلَاةٍ هِيَ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ هُنَا هِيَ الْعَصْرُ وَيُوَافِقُهُ مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ١٠٦] أَنَّ الْمُرَادَ صَلَاةُ الْعَصْرِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ خُصَّتْ الْعَصْرُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهَا تَأْتِي فِي وَقْتِ تَعَبِ النَّاسِ مِنْ مُقَاسَاةِ أَعْمَالِهِمْ وَحِرْصِهِمْ عَلَى قَضَاءِ أَشْغَالِهِمْ وَتَسْوِيفِهِمْ بِهَا إلَى انْقِضَاءِ وَظَائِفِهِمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ خُصَّتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مَشْهُودَةُ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَ تَعَاقُبِهِمْ، وَهَذَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصُّبْحِ إذْ الْمَلَائِكَةُ
стр. 319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
يَتَعَاقَبُونَ فِيهَا أَيْضًا قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا خُصَّتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا الصَّلَاةُ الْوُسْطَى.
[فَائِدَةٌ الْمُرَادِ بِفَوَاتِ الْعَصْرِ] ١
(الثَّالِثَةُ) اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِفَوَاتِ الْعَصْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ هُوَ فِيمَنْ لَمْ يُصَلِّهَا فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ وَقَالَ سَحْنُونٌ، وَالْأَصِيلِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هُوَ أَنْ تَفُوتَهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ وَقِيلَ هُوَ تَفْوِيتُهَا إلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَقَدْ وَرَدَ مُفَسَّرًا مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ وَفَوَاتُهَا أَنْ تَدْخُلَ الشَّمْسَ صُفْرَةٌ.
(قُلْت) كَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ وَظَاهِرُ إيرَادِ أَبِي دَاوُد فِي سُنَنِهِ أَنَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ لَا أَنَّهُ مِنْ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ مُنْفَرِدٍ عَنْ الْحَدِيثِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَذَلِكَ أَنْ تَرَى مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الشَّمْسِ صَفْرَاءَ وَفِي الْعِلَلِ لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ سَأَلْت أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ الْوَلِيدُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ وَفَوَاتُهَا أَنْ تَدْخُلَ الشَّمْسَ صُفْرَةٌ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ» قَالَ أَبِي التَّفْسِيرُ مِنْ قَوْلِ نَافِعٍ انْتَهَى.
وَكَلَامُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ فَرَوَى الْوَلِيدُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ وَفَوَاتُهَا أَنْ تَدْخُلَ الشَّمْسَ صُفْرَةٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ يَرْوِي عَنْهُ أَنَّ فَوْتَهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ انْتَهَى.
وَكَيْفَمَا كَانَ فَلَيْسَ هَذَا الْكَلَامُ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي هَذَا الْقَوْلِ: إنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ إنَّمَا أَرَادَ فَوَاتَهَا فِي الْجَمَاعَةِ لَا فَوَاتَهَا بِاصْفِرَارِ الشَّمْسِ أَوْ مَغِيبِهَا لِمَا يَفُوتُهُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي الْجَمَاعَةِ مِنْ حُضُورِ الْمَلَائِكَةِ فِيهَا فَصَارَ مَا يَفُوتُهُ مِنْ هَذَا الْمَشْهَدِ الْعَظِيمِ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ أَعْظَمَ مِنْ ذَهَابِ أَهْلِهِ، وَمَالِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ الَّذِي يَفُوتُهُ هَذَا الْمَشْهَدُ الَّذِي أَوْجَبَ الْبَرَكَةَ لِلْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ فَوَاتَ وَقْتِهَا كُلِّهِ بِاصْفِرَارٍ أَوْ غَيْبُوبَةٍ لَبَطَلَ الِاخْتِصَاصُ؛ لِأَنَّ ذَهَابَ الْوَقْتِ كُلِّهِ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، بِهَذَا الْمَعْنَى فَسَّرَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ نَافِعٍ.
وَذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَهُوَ مِثْلُ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ، وَمَا فَاتَتْهُ وَلِمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِهِ، وَمَالِهِ يُرِيدُ إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ الْمَفْضُولِ وَلِمَا فَاتَهُ مِنْ
стр. 320
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
وَقْتِهَا الْفَاضِلِ الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ اخْتِيَارُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَكَتَبَ بِهِ عُمَرُ إلَى عُمَّالِهِ أَفْضَلُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَلَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ حَدِيثٌ يَقُومُ مَقَامَ هَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وَلَا يُوجَدُ حَدِيثٌ فِيهِ تَكْيِيفُ الْمُحَافَظَةِ غَيْرُهُ انْتَهَى.
وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ هُشَيْمِ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﷺ «مَنْ تَرَكَ الْعَصْرَ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ» (الرَّابِعَةُ) حُكِيَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ هَذَا فِيمَنْ فَاتَتْهُ نَاسِيًا وَيُوَافِقُهُ تَبْوِيبُ التِّرْمِذِيِّ عَلَيْهِ بَابَ مَا جَاءَ فِي السَّهْوِ عَنْ وَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ.
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُمْ: هُوَ فِي الْمُتَعَمَّدِ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ» ، وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي الْعَامِدِ انْتَهَى.
وَيُوَافِقُهُ تَبْوِيبُ الْبُخَارِيِّ عَلَيْهِ بَابَ إثْمِ مَنْ فَاتَهُ الْعَصْرُ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْإِثْمَ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْعَمْدِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ فِي الذَّاكِرِ أَنَّ السَّاهِيَ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ وَلَا مُفَوَّتٍ بَلْ يَثْبُتُ لَهُ أَمْرُ الذَّاكِرِ مَتَى فَعَلَ عِنْدَ الذِّكْرِ لِقَوْلِهِ ﵊: «لَيْسَ فِي السَّهْوِ تَفْرِيطٌ، وَإِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الذِّكْرِ» .
(قُلْت) : لَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَاَلَّذِي وَقَفْت عَلَيْهِ «لَيْسَ التَّفْرِيطَ فِي النَّوْمِ إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقِظَةِ أَنْ يُؤَخِّرَ الرَّجُلُ الصَّلَاةَ إلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى» وَتَقَدَّمَ مِنْ مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ «مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً حَتَّى تَفُوتَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ «مَنْ تَرَكَ الْعَصْرَ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ» .
[فَائِدَةٌ كون الصَّلَاة الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ] ١
(الْخَامِسَةُ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ وَرَوَى السَّرَّاجُ فِي مُسْنَدِهِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَفِي آخِرِهِ يَقُولُ سَالِمٌ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَى لِصَلَاةِ الْعَصْرِ فَضِيلَةً لِلَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهَا وَيَرَى أَنَّهَا الْوُسْطَى، وَقَدْ تَقَدَّمَ إيضَاحُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ.
(السَّادِسَةُ) وَجْهُ إيرَادِ الْمُصَنِّفِ ﵀ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَوَاقِيتِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ تَأْكِيدِ أَمْرِ الْوَقْتِ بِكَوْنِهِ حَضَّ عَلَى إيقَاعِهَا فِي وَقْتِهَا وَتَوَعَّدَ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ.
(السَّابِعَةُ) هَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي نَقَلَهَا الْمُصَنِّفُ ﵀ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَشِّيِّ
стр. 321
وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا»
ــ
[طرح التثريب]
رَوَاهَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ، وَهُوَ قَاعِدٌ» وَكَأَنَّ مَعْنَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَنَّهُ وُتِرَ هَذَا الْوِتْرَ، وَهُوَ قَاعِدٌ غَيْرُ مُقَاتِلٍ عَنْهُمْ وَلَا ذَابٍّ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْغَمِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَبَّ عَنْهُمْ وَقَاتَلَ وَمَعَ ذَلِكَ غُلِبَ كَانَ أَسْلَى لَهُ وَأَدْفَعَ لِلْغَمِّ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَكَ الْمُقَاتَلَةَ عَنْهُمْ إمَّا لِلْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ أَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَهُوَ قَاعِدٌ أَيْ مُشَاهِدٌ لِتِلْكَ الْمُصِيبَةِ غَيْرُ غَائِبٍ عَنْهَا فَهُوَ أَشَدُّ لِتَحَسُّرِهِ وَأَبْلَغُ فِي غَمِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[حَدِيثٌ لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا]
(الْحَدِيثُ السَّابِعُ) وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا» فِيهِ فَوَائِدُ:
(الْأُولَى) تَحَرِّي الشَّيْءِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ قَصْدُهُ وَتَوَخِّيهِ وَتَعَمُّدُهُ وَتَخْصِيصُهُ بِأَمْرٍ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤] أَيْ تَوَخَّوْا وَتَعَمَّدُوا، وَهُوَ طَلَبُ مَا هُوَ أَحْرَى أَيْ أَجْدَرُ بِالِاسْتِعْمَالِ فِي غَالِبِ الظَّنِّ فَقَوْلُهُ: لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ إلَى آخِرِهِ أَيْ لَا يَقْصِدْ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ لِتَخْصِيصِهِمَا بِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ فِيهِمَا.
وَكَذَا وَقَعَ فِي الْمُوَطَّإِ، وَالصَّحِيحَيْنِ لَا يَتَحَرَّى بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ وَكَانَ الْوَجْهُ حَذْفُهَا لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلَامَةَ جَزْمِهِ وَلَكِنَّ الْإِثْبَاتَ إشْبَاعٌ فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] فِيمَنْ قَرَّا بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَقَوْلُهُ فَيُصَلِّيَ بِالنَّصْبِ فِي جَوَابِ النَّهْيِ.
(الثَّانِيَةُ) فِيهِ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْهُمْ، وَالْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ صَلَاةَ التَّطَوُّعِ وَالنَّوَافِلِ كُلَّهَا غَيْرُ جَائِزٍ شَيْءٌ مِنْهَا أَنْ يُصَلَّى عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا انْتَهَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَجْمَعَتْ الْأَمَةُ عَلَى كَرَاهَةِ صَلَاةٍ لَا سَبَبَ لَهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ
стр. 322
زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ «فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ» وَقَالَ مُسْلِمٌ (بِقَرْنِ الشَّيْطَانِ) ..
ــ
[طرح التثريب]
انْتَهَى.
وَضَمَّ إلَى هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ فِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةَ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَسَتَعْرِفُ أَنَّ تِلْكَ لَيْسَتْ مُجْمَعًا عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَائِدَةٌ هَلْ النُّهَى عَنْ تَحَرَّى الصَّلَاة مُقْتَصَر عَلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا] ١
(الثَّالِثَةُ) اقْتَصَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى حَالَتَيْ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا وَدَلَّ غَيْرُهُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ مُسْتَمِرٌّ بَعْدَ الطُّلُوعِ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَأَنَّ النَّهْيَ يَتَوَجَّهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ حِينِ تَضَيُّفِ الشَّمْسِ أَيْ مَيْلِهَا، وَهِيَ حَالَةُ صُفْرَتِهَا وَتَغَيُّرِهَا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «إذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَرْتَفِعَ» لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ حَتَّى يَبْرُزَ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ» وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ﵁ قَالَ «قُلْت يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ الصَّلَاةِ قَالَ صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ» وَلَيْسَ الْمُرَادُ مُطْلَقُ الِارْتِفَاعِ عَنْ الْأُفُقِ بَلْ الِارْتِفَاعُ الَّذِي يَذْهَبُ مَعَهُ صُفْرَةُ الشَّمْسِ أَوْ حُمْرَتُهَا، وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِقَدْرِ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَا تُنَافِي لَفْظَ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى عِنْدَ حَضْرَةُ الشَّيْءِ فَمَا قَارَبَ الطُّلُوعَ، وَالْغُرُوبَ فَلَهُ حُكْمُهُ لَكِنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا يُقَارِبُ الطُّلُوعَ مِمَّا بَعْدَهُ، وَمَا يُقَارِبُ الْغُرُوبَ مِمَّا قَبْلَهُ وَتَمَسَّكَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ: إنَّ الْكَرَاهَةَ تَزُولُ بِطُلُوعِ قُرْصِ الشَّمْسِ بِتَمَامِهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الِارْتِفَاعِ مَعَهَا زِيَادَةُ
стр. 323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
عِلْمٍ فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا، وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي فَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ بِالْغُرُوبِ وَبَعْضُهُمْ بِالتَّغَيُّرِ وَبَعْضُهُمْ بِالِاحْمِرَارِ وَبَعْضُهُمْ بِالِاصْفِرَارِ.
(الرَّابِعَةُ) قَدْ عَرَفْت أَنَّ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَعَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي حَالَةٍ ثَالِثَةٍ، وَهِيَ حَالَةُ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ حَتَّى تَزُولَ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَالْحَسَنُ بْنُ حُيَيِّ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ، وَالْجُمْهُورُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ.
وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ عَدَمُ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ وَلَا أَكْرَهُ الصَّلَاةَ عِنْدَ اسْتِوَائِهَا فِي كَبِدِ السَّمَاءِ وَكَانَ الْأَفَاضِلُ يُصَلُّونَ حِينَئِذٍ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا أَكْرَهُ ذَلِكَ لَا فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ وَلَا فِي غَيْرِهِ وَلَا أَعْرِفُ هَذَا النَّهْيَ، وَمَا أَدْرَكْت أَهْلَ الْفَضْلِ إلَّا وَهُمْ يَجْتَهِدُونَ وَيُصَلُّونَ نِصْفَ النَّهَارِ قَالَ فَقَدْ أَبَانَ مَالِكٌ حُجَّتَهُ فِي مَذْهَبِهِ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ وَسَطَ النَّهَارِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَا أَكْرَهُهُ وَلَا أُحِبُّهُ قَالَ: وَمَحْمَلُ هَذَا عِنْدِي أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ حَدِيثُ الصُّنَابِحِيِّ أَوْ صَحَّ عِنْدَهُ وَاسْتَثْنَى الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ بِالْعَمَلِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ إلَّا تَوْقِيفًا قَالَ وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا الْحَسَنُ وَطَاوُسٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَكَانَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ يَكْرَهُ الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ فِي الصَّيْفِ وَيُبِيحُ ذَلِكَ فِي الشِّتَاءِ.
وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ اللَّيْثِ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ وَأَجَازَ مَكْحُولٌ الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ لِلْمُسَافِرِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كُنَّا نَنْهَى عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَهُمْ يَتَّقُونَ ذَلِكَ انْتَهَى.
[فَائِدَةٌ الصَّلَاة نِصْفَ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] ١
(الْخَامِسَةُ) اسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنْ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالُوا: لَا تُكْرَهُ فِيهِ الصَّلَاةُ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَهْلِ الشَّامِ وَحَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي عَنْ الْحَسَنِ وَطَاوُسٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَصْحَابُهُ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْكَرَاهَةِ بَيْنَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهِ وَتَمَسَّكُوا بِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ حَكَى أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِأَحْمَدَ فَقَالَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ
стр. 324
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ وَحَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَحَدِيثُ الصُّنَابِحِيِّ انْتَهَى.
وَتَمَسَّك الْأَوَّلُونَ بِأَنَّهُ ﵊ نَدَبَ النَّاسَ إلَى التَّكْبِيرِ إلَى الْجُمُعَةِ وَرَغَّبَ فِي الصَّلَاةِ إلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ وَلَا اسْتِثْنَاءٍ وَاسْتَأْنَسُوا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالَ إنَّ جَهَنَّمَ تُسْجَرُ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ» قَالَ أَبُو دَاوُد هُوَ مُرْسَلُ أَبُو الْخَلِيلِ لَمْ يُسْمَعْ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَلَهُ شَوَاهِدُ، وَإِنْ كَانَتْ أَسَانِيدُهَا ضَعِيفَةً فَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ وَابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا.
وَالِاعْتِمَادُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «اسْتَحَبَّ التَّكْبِيرَ إلَى الْجُمُعَةِ، ثُمَّ رَغَّبَ فِي الصَّلَاةِ إلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ وَلَا اسْتِثْنَاءٍ» انْتَهَى.
وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِوَقْتِ الِاسْتِوَاءِ بَاقِي الْأَوْقَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِنْ أَلْحَقْنَا جَازَ التَّنَفُّلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ فَهَلْ يَجُوزُ التَّنَفُّلُ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ لِكُلِّ أَحَدٍ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ، وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لِمَنْ لَيْسَ فِي الْجَامِعِ، وَأَمَّا مَنْ فِي الْجَامِعِ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَالثَّانِي يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ يُبَكِّرَ وَيَغْلِبَهُ النُّعَاسُ وَقِيلَ يَكْفِي النُّعَاسُ بِلَا تَبْكِيرٍ.
[فَائِدَةٌ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ]
(السَّادِسَةُ) صَحَّ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي حَالَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ وَهُمَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ» .
وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى تَطْلُعَ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَالْجُمْهُورُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُمْ رَأَوْا النَّهْيَ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ أَخَفَّ مِنْهُ فِي الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَأَبَاحُوا فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ مَا لَمْ يُبِيحُوهُ فِي الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَمَا سَنَحْكِيهِ عَنْهُمْ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَخَالِدِ بْنَ الْوَلِيدِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ
стр. 325
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَسَعْدٍ وَمُعَاذِ ابْنِ عَفْرَاءَ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَحَسْبُك بِضَرْبِ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ بِالدِّرَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَجِيزُ ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِهِ إلَّا لِصِحَّةِ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ، وَمَالَ إلَيْهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ بَعْدَ ذِكْرِهِ ثُبُوتَ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ فَدَلَّ قَوْلُهُ ﵊ «لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الْعَصْرِ إلَّا أَنْ تُصَلُّوا، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ» .
وَقَوْلُهُ «لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ» مَعَ قَوْلِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى أَنْ يُصَلَّى فِيهِنَّ» .
الْحَدِيثُ مَعَ سَائِرِ الْأَخْبَارِ الْمَذْكُورَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ عَلَى أَنَّ الْوَقْتَ الْمَنْهِيَّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ هَذِهِ الْأَوْقَاتُ الثَّلَاثَةُ قَالَ وَفِيمَنْ رَوَيْنَا عَنْهُ الرُّخْصَةَ فِي التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْعَصْرِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَرَوَيْنَا مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ الزُّبَيْرِ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَفَعَلَ ذَلِكَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ وَمَسْرُوقٌ وَشُرَيْحٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ وَأَبُو بُرْدَةَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْبَيْلَمَانِيُّ وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا نَفْعَلُهُ وَلَا نَعِيبُ فَاعِلَهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ وَأَبُو أَيُّوبَ وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ إبَاحَةَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَالْعَصْرِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابِهِ وَبِلَالٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ (قُلْت) : الَّذِي فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَكْثَرِ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِعْلُ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إبَاحَتِهِمْ الرَّكْعَتَيْنِ بِوُرُودِ النَّصِّ فِيهِمَا إبَاحَةُ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْعَصْرِ مُطْلَقًا فَيَكُونُ هَذَا مَذْهَبًا ثَالِثًا مُفَصَّلًا بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِمَا.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ قَائِلُونَ لَا بَأْسَ بِالتَّطَوُّعِ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَالْعَصْرِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا قُصِدَ بِهِ تَرْكُ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الْعَصْرِ إلَّا أَنْ تُصَلُّوا، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ» .
وَبِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا» وَبِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَالْعَصْرِ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الطُّلُوعِ، وَالْغُرُوبِ قَالُوا فَالنَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَالْعَصْرِ هَذَا مَعْنَاهُ وَحَقِيقَتُهُ؛ قَالُوا وَمَخْرَجُهُ عَلَى قَطْعِ الذَّرِيعَةِ؛ لِأَنَّهُ
стр. 326
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
لَوْ أُبِيحَتْ الصَّلَاةُ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَالْعَصْرِ لَمْ يُؤْمَنْ التَّمَادِي فِيهَا إلَى الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، وَهِيَ حِينَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَحِينَ غُرُوبِهَا.
هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَنْهَى أَحَدًا يُصَلِّي مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ غَيْرَ أَنْ لَا يَتَحَرَّى طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ.
(قُلْت) هُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ.
وَهُوَ مَذْهَبُ عَائِشَةَ قَالَتْ أُوهِمَ عُمَرُ إنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ أَنْ يَتَحَرَّى بِهَا طُلُوعَ الشَّمْسِ أَوْ غُرُوبَهَا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي ثَلَاثِ سَاعَاتٍ بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ وَنِصْفَ النَّهَارِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، وَتَحْرُمُ فِي سَاعَتَيْنِ حِينَ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّمْسِ حَتَّى يَسْتَوِيَ طُلُوعُهَا وَحِينَ تَصْفَرُّ حَتَّى يَسْتَوِيَ غُرُوبُهَا انْتَهَى.
وَهُوَ مَذْهَبٌ رَابِعٌ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورِينَ قَبْلَهُ لَمْ يَكْرَهُوا الصَّلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَالْعَصْرِ وَهَذَا كَرِهَهَا (فَإِنْ قَلْتَ) هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ؛ لِأَنَّهُمْ اقْتَصَرُوا فِي كُتُبِهِمْ عَلَى الْكَرَاهَةِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ وَعَبَّرُوا فِي الصُّوَرِ الْأُخْرَى بِعَدَمِ الْجَوَازِ (قُلْتُ) هُوَ كَذَلِكَ وَمَعَ ذَلِكَ فَيُخَالِفُهُمْ؛ لِأَنَّهُ ضَمَّ حَالَةَ الِاسْتِوَاءِ إلَى هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فِي الْكَرَاهَةِ وَهُمْ ضَمُّوهَا إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا فِي عَدَمِ الْجَوَازِ.
وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ إلَى التَّحْرِيمِ فِي حَالَتَيْ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ، وَالْكَرَاهَةِ فِيمَا بَعْدَ الْعَصْرِ، وَالصُّبْحِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يَجُوزُ بَعْدَ الصُّبْحِ أَيْ وَيَجُوزُ بَعْدَ الْعَصْرِ وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ، ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ مَاتَتْ عَمَّتِي، وَقَدْ أَوْصَتْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَجِئْته حِينَ صَلَّيْنَا الصُّبْحَ فَأَعْلَمْته فَقَالَ اجْلِسْ فَجَلَسْت حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ وَصَفَتْ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى عَلَيْهَا قَالُوا فَهَذَا ابْنُ عُمَرَ، وَهُوَ يُبِيحُ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ قَدْ كَرِهَهَا بَعْدَ الصُّبْحِ انْتَهَى.
فَهَذَا مَذْهَبٌ خَامِسٌ فِي الْمَسْأَلَةِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ مَنَعَ الصَّلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَجَوَّزَهَا بَعْدَ الْعَصْرِ إلَى الِاصْفِرَارِ لِحَدِيثِ الرَّكْعَتَيْنِ وَلِحَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إلَّا، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ» وَهُوَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَزَادَ عَلَيْهِ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ فَجَوَّزَهَا إلَى بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَرَأَى النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ مَنْسُوخًا.
[فَائِدَةٌ النَّهْيَ فِيمَا بَعْدَ الْعَصْرِ عَنْ الصَّلَاة مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ] ١
стр. 327
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
السَّابِعَةُ) الَّذِينَ قَالُوا بِالنَّهْيِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النَّهْيَ فِيمَا بَعْدَ الْعَصْرِ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ قَدَّمَهَا اتَّسَعَ وَقْتُ النَّهْيِ، وَإِنْ أَخَّرَهَا ضَاقَ فَأَمَّا فِيمَا بَعْدَ الصُّبْحِ فَاخْتَلَفُوا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ إنَّمَا تَحْصُلُ الْكَرَاهَةُ بَعْدَ فِعْلِ الصُّبْحِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى ثُبُوتِ الْكَرَاهَةِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ سِوَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ: إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَقَطَعَ بِهِ الْمُتَوَلِّي فِي التَّتِمَّةِ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ كَانُوا يَكْرَهُونَ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ أَنْ يُصَلُّوا إلَّا رَكْعَتَيْنِ.
وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ وَحُمَيْدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: وَرُوِيَتْ كَرَاهَتُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَلَيْسَ يَثْبُتُ ذَلِكَ عَنْهُمَا وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ يَسَارٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَآنِي ابْنُ عُمَرَ وَأَنَا أُصَلِّي بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَالَ: يَا يَسَارُ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ فَقَالَ لِيُبْلِغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الْفَجْرِ إلَّا سَجْدَتَيْنِ» وَفِي لَفْظٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَّا سَجْدَتَانِ وَفِي لَفْظٍ لَهُ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَقَالَ غَرِيبٌ.
وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ إنَّمَا تَثْبُتُ الْكَرَاهَةُ بَعْدَ صَلَاةِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَلَهُ قَبْلَهُمَا أَنْ يُصَلِّيَ مَا شَاءَ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الْمَذْكُورُ أَوَّلًا وَلِهَذَا قَالُوا: إنَّ أَوْقَاتَ الْكَرَاهَةِ خَمْسَةٌ ثَلَاثَةٌ يَتَعَلَّقُ النَّهْيُ فِيهَا بِالزَّمَانِ وَاثْنَانِ يَتَعَلَّقُ النَّهْيُ فِيهِمَا بِالْفِعْلِ.
وَعَدَّهَا النَّوَوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ ثَلَاثَةً عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ وَنَسَبَ فِي ذَلِكَ إلَى نَوْعِ تَسَاهُلٍ وَقَالَ هُوَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: إنَّ عَدَّهَا خَمْسَةً أَجْوَدُ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصُّبْحَ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَوْ الْعَصْرَ حَتَّى غَرَبَتْ يُكْرَهُ لَهُ التَّنَفُّلُ، وَهَذَا لَا يُفْهَمُ مِنْ عَدِّهَا ثَلَاثًا وَفِي الْمُغْنِي لِابْنِ قُدَامَةَ أَنَّ أَحْمَدَ عَدَّهَا ثَلَاثَةً وَعَدَّهَا أَصْحَابُهُ خَمْسَةً.
وَكَذَا فَعَلَ ابْنُ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ خَلَطَ وَقْتَيْ الْفِعْلِ بِوَقْتَيْ الزَّمَانِ فَأَفْرَدَ الْكَرَاهَةَ فِيمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ فَجَعَلَهَا وَقْتًا آخَرَ فَقَالَ: إنَّ أَوْقَاتَ الْكَرَاهَةِ أَرْبَعَةٌ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ حَتَّى
стр. 328
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
تُصَلَّى الصُّبْحُ وَبَعْدَ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَتَرْتَفِعَ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَسَنَحْكِي الرَّابِعَ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَكَذَا فَعَلَ الدَّارِمِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي إفْرَادِ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ فَعَدَّهَا سَبْعَةً الْخَمْسَةُ الْمَشْهُورَةُ وَهَذِهِ الصُّورَةُ، وَالسَّابِعَةُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى صَلَاةِ الْمَغْرِبِ عَلَى وَجْهٍ عِنْدَنَا وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ الْكَرَاهَةِ فِيمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ اسْتِدْرَاكَ قِيَامِ اللَّيْلِ لِمَنْ نَامَ عَنْ عَادَتِهِ فَقَالُوا يَفْعَلُهُ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ وِرْدِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ يُصَلِّي، وَقَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَالَ يَقْرَأُ بَقِيَّةَ وِرْدِهِ وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ إنَّ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَجُزْءًا حَسَنًا مِنْ اللَّيْلِ وَكَانَ يَقْرَأُ بَعْدَ الْفَجْرِ بِالْبَقَرَةِ.
[فَائِدَةٌ الصَّلَاة بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ النَّاسُ] ١
(الثَّامِنَةُ) زَادَ الْمَالِكِيَّةُ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ وَقْتًا آخَرَ، وَهُوَ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ النَّاسُ وَهُمْ مُطَالَبُونَ بِالدَّلِيلِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، وَهِيَ الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ الَّتِي وَعَدْت بِحِكَايَتِهَا مِنْ كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ وَقْتًا آخَرَ، وَهُوَ بَعْدَ الْغُرُوبِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَنَا حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَرُدُّهُ الْأَمْرُ بِصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وَقَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ الْمُرَادُ بِحَصْرِ الْكَرَاهَةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَوْقَاتِ الْأَصْلِيَّةِ فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّنَفُّلُ وَقْتَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ وَوَقْتَ صُعُودِ الْإِمَامِ لِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ.
[فَائِدَةٌ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ هَلْ هُوَ لِلتَّحْرِيمِ أَوْ لِلتَّنْزِيهِ]
(التَّاسِعَةُ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ هَلْ هُوَ لِلتَّحْرِيمِ أَوْ لِلتَّنْزِيهِ وَلِأَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ فَاَلَّذِي صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ لِلتَّحْرِيمِ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّهْيِ فِي قَوْلِهِ لَا تُصَلُّوا، وَالنَّفْيِ فِي قَوْلِهِ لَا صَلَاةَ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ مَعْنَاهُ النَّهْيُ.
وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى هَذَا فِي الرِّسَالَةِ وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ فِي التَّحْقِيقِ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ وَهَلْ تَنْعَقِدُ الصَّلَاةُ لَوْ فَعَلَهَا أَوْ هِيَ بَاطِلَةٌ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ بُطْلَانَهَا وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ لَوْ قُلْنَا بِأَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ تَبَعًا لِابْنِ الصَّلَاحِ وَاسْتَشْكَلَهُ شَيْخُنَا الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ بِأَنَّهُ كَيْفَ يُبَاحُ الْإِقْدَامُ عَلَى مَا لَا يَنْعَقِدُ
стр. 329
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
وَهُوَ تَلَاعُبٌ وَلَا إشْكَالَ فِيهِ؛ لِأَنَّ نَهْيَ التَّنْزِيهِ إذَا رَجَعَ إلَى نَفْسِ الصَّلَاةِ يُضَادُّ الصِّحَّةَ كَنَهْيِ التَّحْرِيمِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَكْرُوهَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ مُطْلَقِ الْأَمْرِ وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَطْلُوبًا مَنْهِيًّا وَلَا يَصِحُّ إلَّا مَا كَانَ مَطْلُوبًا.
(الْعَاشِرَةُ) حَمَلَ الْحَنَفِيَّةُ هَذَا النَّهْيَ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَفِي صُورَةِ الِاسْتِوَاءِ عَلَى عُمُومِهِ فَطُرِدَ النَّهْيُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ، وَلَوْ كَانَتْ فَرِيضَةً فَائِتَةً، وَلَوْ كَانَتْ ذَاتَ سَبَبٍ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَلَوْ صَبَّحَ يَوْمَهُ فَلَوْ أَخَّرَ صَلَاةَ الصُّبْحِ حَتَّى شَرَعَتْ الشَّمْسُ فِي الطُّلُوعِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبْتَدِئَهَا حَتَّى يَتِمَّ طُلُوعُهَا وَتَرْتَفِعَ، وَلَوْ شَرَعَ فِيهَا قَبْلَ ذَلِكَ فَطَلَعَتْ الشَّمْسُ، وَهُوَ فِي أَثْنَائِهَا بَطَلَتْ وَوَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يُسْتَثْنَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا عَصْرُ يَوْمِهِ فَقَالُوا لَهُ فِعْلُهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَلَوْ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَغَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَهُوَ فِي أَثْنَائِهَا، أَتَمَّ وَقَالُوا إنَّ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَالْعَصْرِ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ذَيْنِك الْوَقْتَيْنِ الْفَوَائِتَ وَسَجْدَةَ التِّلَاوَةِ وَيُصَلِّيَ عَلَى الْجِنَازَةِ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ إنَّمَا هِيَ حَقُّ الْفَرْضِ لِيَصِيرَ الْوَقْتُ كَالْمَشْغُولِ بِهِ لَا لِمَعْنًى فِي الْوَقْتِ بِخِلَافِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ الْمُقَدَّمَةِ.
وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْفَرَائِضِ الْمُؤَدَّاةِ فِيهَا مَرْدُودٌ، فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ مَنَعُوا الصُّبْحَ فِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَزَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَمُنِعَ الْعَصْرُ أَيْضًا ذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ مِنْ طَرِيقِهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ نَامَ فِي بُسْتَانٍ عَنْ الْعَصْرِ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ حَتَّى اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ فَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى.
وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ النَّهْيَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ إنَّمَا هُوَ فِي صَلَاةٍ لَا سَبَبَ لَهَا فَأَمَّا مَا لَهُ سَبَبٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ أَوْ مُقَارِنٌ لَهُ فَيَجُوزُ فِعْلُهُ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ، وَهَذَا كَالْفَائِتَةِ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ أَوْ مِنْ النَّوَافِلِ الَّتِي اتَّخَذَهَا الْإِنْسَانُ وِرْدًا لَهُ وَكَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَالشُّكْرِ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَسُنَّةِ الْوُضُوءِ، وَلَوْ تَوَضَّأَ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ وَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ خِلَافًا لِمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِيهَا فِي بَابِهَا، وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ إذَا دَخَلَ لِغَرَضٍ غَيْرِ صَلَاةِ التَّحِيَّةِ فَلَوْ دَخَلَ لَا لِحَاجَةٍ بَلْ لِيُصَلِّيَ التَّحِيَّةَ فَقَطْ فَفِيهِ وَجْهَانِ.
ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ أَنَّ أَقْيَسَهُمَا الْكَرَاهَةُ وَشَبَّهَا ذَلِكَ
стр. 330
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
بِمَا لَوْ أَخَّرَ الْفَائِتَةَ لِيُصَلِّيَهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ نَقُلْ بِكَرَاهَةِ فِعْلِهِمَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَالْمَكْرُوهُ هُوَ التَّأْخِيرُ فَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ الْمَكْرُوهُ هُنَا دُخُولَهُ الْمَسْجِدَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِذَلِكَ الْقَصْدِ لَا فِعْلَ التَّحِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ " وَقَوْلِي أَوَّلًا " مَا لَهُ سَبَبٌ مُتَقَدِّمٌ أَوْ مُقَارِنٌ خَرَجَ بِهِ مَا لَهُ سَبَبٌ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ كَصَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ وَرَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ فَيُكْرَهُ فِعْلُهُمَا فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْأَصَحِّ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إنَّ مُقَابِلَهُ قَوِيٌّ فَهَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا وَوَافَقَنَا الْحَنَابِلَةُ عَلَى قَضَاءِ الْفَائِتَةِ إذَا كَانَتْ فَرِيضَةً وَفِي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَفَصَلُوا فِي قَضَاءِ النَّافِلَةِ فَقَالُوا فِي الْوِتْرِ: إنَّ لَهُ فِعْلَهُ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مَعَ أَنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَهُمْ ثُبُوتُ الْكَرَاهَةِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا حَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الْإِرْشَادِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ لَهُ قَضَاءَ صَلَاةِ اللَّيْلِ قَبْلَ فِعْلِ الصُّبْحِ قِيَاسًا عَلَى الْوِتْرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ وَجَوَّزُوا أَيْضًا قَضَاءَ سُنَّةِ الْفَجْرِ بَعْدَهَا، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ عِنْدَهُمْ تَأْخِيرَ ذَلِكَ إلَى الضُّحَى.
وَأَمَّا بَقِيَّةُ الرَّوَاتِبِ فَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ جَوَازُ قَضَائِهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ خَاصَّةً دُونَ بَقِيَّةِ أَوْقَاتِ النَّهْيِ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ مُطْلَقًا، وَأَمَّا كُلُّ صَلَاةٍ لَهَا سَبَبٌ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ فَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ مَنْعُهَا فِي كُلِّ أَوْقَاتِ النَّهْيِ وَقِيلَ بِجَوَازِهَا مُطْلَقًا، وَأَمَّا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَجَوَّزُوهَا فِيمَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَالْعَصْرِ.
وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَمَنَعُوهَا فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ فَأَشْبَهُوا فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةَ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى بِجَوَازِهَا فِي الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا، وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَاسْتَثْنَوْا مِنْ أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ قَضَاءَ الْفَائِتَةِ عُمُومًا أَيْ الْفَرَائِضُ، فَإِنَّهُمْ يَمْنَعُونَ قَضَاءَ الْفَوَائِتِ مُطْلَقًا، وَلَوْ كَانَتْ رَوَاتِبَ وَاسْتَثْنَوْا أَيْضًا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَاسْتِدْرَاكَ قِيَامِ اللَّيْلِ لِمَنْ نَامَ عَنْ عَادَتِهِ قَبْلَ فِعْلِ الصُّبْحِ فِيهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ.
وَأَمَّا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ فَمَنَعُوهُمَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا كَمَا فَعَلَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَضَابِطُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مِنْ وَقْتِ الْإِسْفَارِ، وَالِاصْفِرَارِ.
وَأَمَّا فِعْلُهُمَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَقَبْلَ الْإِسْفَارِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَقَبْلَ الِاصْفِرَارِ.
فَفِيهِ عِنْدَهُمْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ:
الْمَنْعُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُوَطَّإِ، وَهُوَ قَادِحٌ فِي نَقْلِ ابْنِ الْمُنْذِرِ
стр. 331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
الْإِجْمَاعَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْجَوَازُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَتَخْصِيصُ الْجَوَازِ بِمَا بَعْدَ الصُّبْحِ دُونَ مَا بَعْدَ الْعَصْرِ، وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ فِي النَّظَرِ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ خَبَرٍ ثَابِتٍ وَلَا قِيَاسٍ صَحِيحٍ انْتَهَى، وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يُخْشَ تَغَيُّرُ الْمَيِّتِ، فَإِنْ خِيفَ ذَلِكَ صُلِّيَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَقَدْ ظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ أَرْبَابَ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ جَوَّزُوا فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ مَا لَهُ سَبَبٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي تَفَاصِيلِ ذَلِكَ، وَأَنَّ الْحَنَفِيَّةَ جَوَّزُوا ذَلِكَ فِي وَقْتَيْنِ مِنْ أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ وَهُمَا بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَوْقَاتِ.
وَجَوَّزَ ابْنُ حَزْمٍ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ مَا لَهُ سَبَبٌ إذَا لَمْ يَتَذَكَّرْهُ إلَّا فِيهَا، فَإِنْ تَذَكَّرَهُ قَبْلَهَا فَتَعَمَّدَ تَأْخِيرَهُ إلَيْهَا لَمْ يَجُزْ فِعْلُهُ فِيهَا، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ «لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ» وَتَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَاللَّفْظُ لَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَبِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِي سَأَلْتِ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ إنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ فَشَغَلُونِي عَنْ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ» .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَهَذَا مُخْتَصَرٌ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ «مَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ» .
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ، ثُمَّ إنَّهُ شُغِلَ عَنْهُمَا أَوْ نَسِيَهُمَا فَصَلَّاهُمَا بَعْدُ، ثُمَّ أَثْبَتَهُمَا وَكَانَ إذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ حَدِيثَ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ نُقِلَ نَقْلَ تَوَاتُرٍ يُوجِبُ الْعِلْمَ، وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ بَعْضِ ذَوَاتِ السَّبَبِ وَبَعْضِهَا لَا مَعْنَى لَهُ، وَكَذَلِكَ الْفَرْقُ بَيْنَ بَعْضِ أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ وَبَعْضِهَا فَالْوَاجِبُ طَرْدُ الْحُكْمِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ؛ لِأَنَّا فَهِمْنَا مِنْ نَفْسِ الشَّرْعِ تَخْصِيصَ النَّهْيِ بِغَيْرِ ذَاتِ السَّبَبِ فَطَرَدْنَا الْحُكْمَ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ: قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَا يَتَحَرَّى دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ صَلَاةُ التَّطَوُّعِ دُونَ الْفَرْضِ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ بِهِ أَنْ لَا يَتْرُكَ الْمَرْءُ صَلَاةَ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَلَا صَلَاةَ الصُّبْحِ إلَى طُلُوعِهَا، ثُمَّ يُصَلِّي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ
стр. 332
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
قَاصِدًا لِذَلِكَ مُفَرِّطًا وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ لِمَنْ نَامَ أَوْ نَسِيَ فَانْتَبَهَ أَوْ ذَكَرَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ مَنْ عَرَضَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِمُتَحَرٍّ لِلصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي هَذَا الْبَابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵊: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ الطُّلُوعِ أَوْ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَقَدْ صَلَّى عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا وَدَلِيلٌ آخَرُ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» وَهَذَا كُلُّهُ يُوَضِّحُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ التَّطَوُّعُ وَالتَّعَمُّدُ لِتَرْكِ الْفَرَائِضِ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ حَدِيثَ النَّهْيِ وَحَدِيثِ مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا إنَّ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنْ وَجْهٍ فَحَدِيثُ النَّهْيِ خَاصٌّ فِي الْوَقْتِ عَامٌّ فِي الصَّلَاةِ وَحَدِيثُ النَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ خَاصٌّ فِي الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ عَامٌّ فِي الْوَقْتِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخَرِ عَامٌّ مِنْ وَجْهٍ وَخَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ، يَعْنِي وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لِعَدَمِ الْمُرَجَّحِ لَكِنَّ حَدِيثَ صَلَاتِهِ ﵊ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ لَا يَأْتِي فِيهِ هَذَا الْبَحْثُ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْمَقْصُودِ وَحُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ وَقَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ أَسْمَعُك تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ وَأَرَاك تُصَلِّيهِمَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ﵊ قَضَاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ فَامْتَنَعَ أَنْ يُقَالَ إنَّ فِعْلَهُ لَهُمَا مَنْسُوخٌ بِالنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَلَا يُقَالُ إنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ فَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّخْصِيصِ.
وَمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ أَقْضِيهِمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إذَا فَاتَتَا قَالَ لَا لَمْ يَصِحَّ كَمَا أَوْضَحَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَاَلَّذِي اخْتَصَّ بِهِ ﵊ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي بِالرَّكْعَتَيْنِ دَائِمًا بَعْدَ الْعَصْرِ، وَإِنْ لَمْ تَفُوتَاهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ وَلِهَذَا كَانَ الْمُرَجَّحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَوْ قَضَى فَائِتَةً فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُوَاظَبَةُ
стр. 333
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
عَلَى مِثْلِهَا فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يُجْعَلْ هَذَا مِنْ الْخَصَائِصِ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هَذَا الْحَدِيثُ هُوَ عُمْدَةُ أَصْحَابِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَيْسَ لَنَا أَصَحُّ دَلَالَةً مِنْهُ وَدَلَالَتُهُ ظَاهِرَةٌ وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ جَوَازَ قَضَاءِ الْفَرَائِضِ الْفَائِتَةِ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ النَّهْيِ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ الْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، ثُمَّ قَالَ وَمِمَّنْ طَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ، وَالْعَصْرِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَفَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ وَمُجَاهِدٌ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَفَعَلَهُ عُرْوَةُ بَعْدَ الصُّبْحِ وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي ثَوْرٍ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ تَجْوِيزِ الْوِتْرِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَحُذَيْفَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَفَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَعَائِشَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ وَعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَحُمَيْدَ الطَّوِيلُ إنَّ أَكْثَرَ وِتْرِنَا لَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ خَرَجَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَالَ لَنِعْمَ سَاعَةُ الْوِتْرِ هَذِهِ وَرُوِيَ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ: جَاءَ أُنَاسٌ إلَى أَبِي مُوسَى فَسَأَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُوتِرْ حَتَّى أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَقَالَ لَا وِتْرَ لَهُ فَأَتَوْا عَلِيًّا فَسَأَلُوهُ فَقَالَ أَغْرَقَ فِي النَّزْعِ الْوِتْرُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ انْتَهَى.
[فَائِدَةٌ مَكَّةَ لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ] ١
(الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) اسْتَثْنَى أَصْحَابُنَا مِنْ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ مَنْ هُوَ بِمَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَقَالُوا لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لَا رَكْعَتَا الطَّوَافِ وَلَا غَيْرُهُمَا وَقِيلَ إنَّمَا يُبَاحُ رَكْعَتَا الطَّوَافِ وَبِهِ قَالَ الْحَنَابِلَةُ وَسَوَّى الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا لِذَلِكَ بِحَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ اللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إنَّهُ لَمْ يَصِحَّ، وَهَذَا مَرْدُودٌ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَإِسْلَامُ
стр. 334
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
جُبَيْرٍ مُتَأَخِّرٌ جِدًّا إنَّمَا أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، وَهَذَا بِلَا شَكٍّ بَعْدَ نَهْيِهِ ﵊ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ فَوَجَبَ اسْتِثْنَاءُ ذَلِكَ مِنْ النَّهْيِ.
(قُلْت) قَدْ يُقَالُ: إنَّ هَذَا مِمَّا سَمِعَهُ قَبْلَ إسْلَامِهِ كَسَمَاعِهِ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ قَبْلَ إسْلَامِهِ لَكِنَّ مُخَاطَبَتَهُ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ بِهَذَا الْكَلَامِ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ مَكَّةُ دَارَ إسْلَامٍ وَهُوَ بَعْدَ الْفَتْحِ فَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ النَّهْيِ قَطْعًا فَلَوْ اسْتَنَدَ ابْنُ حَزْمٍ إلَى هَذَا لَكَانَ أَحْسَنَ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ إلَّا بِمَكَّةَ» لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَفِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ مَا يُقَوِّيهِ مَعَ قَوْلِ جُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِهِ.
(قُلْت) وَيُطْرَقُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنْ الْبَحْثِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ مِنْ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَامٌّ مِنْ وَجْهٍ خَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِمَكَّةَ بَلْ يَعُمُّ جَمِيعَ الْحَرَمِ، ثُمَّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي حَقِّ مَنْ يَطُوفُ أَمَّا غَيْرُهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَهُمَا عَلَى غَرَابَتِهِمَا كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ لَمْ يَحْضُرْ الْجُمُعَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَذَكَرَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ بِحَرَمِ مَكَّةَ خِلَافُ الْأَوْلَى حَكَاهُ عَنْهُ شَيْخُنَا فِي الْمُهِمَّاتِ.
(الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ زِيَادَةٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لَيْسَتْ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ فِي صِفَةِ إبْلِيسَ وَجُنُودِهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدَةَ عَنْهُ لَفْظُهَا: فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ أَوْ الشَّيْطَانِ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ هِشَامٌ.
وَالْحَدِيثُ فِي الْبُخَارِيِّ هُنَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْهُ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَرَوَاهَا مُسْلِمٌ هُنَا مِنْ طَرِيقِ جَمَاعَةٍ عَنْهُ لَفْظُهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بِقَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى الْعِلَّةِ فِي النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْكَلَامِ فَقِيلَ مَعْنَاهُ مُقَارَنَةُ الشَّيْطَانِ لِلشَّمْسِ عِنْدَ دُنُوِّهَا لِلْغُرُوبِ كَمَا رُوِيَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يُقَارِنُهَا إذَا طَلَعَتْ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا، فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا فَحُرِّمَتْ الصَّلَاةُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ لِذَلِكَ.
وَقِيلَ مَعْنَى قَرْنِ الشَّيْطَانِ قُوَّتُهُ
стр. 335
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
مِنْ قَوْلِك أَنَا مُقْرِنٌ لِهَذَا الْأَمْرِ أَيْ مُطِيقٌ لَهُ قَوِيٌّ عَلَيْهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ إنَّمَا يَقْوَى أَمْرُهُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ؛ لِأَنَّهُ يُسَوِّلُ لِعَبَدَةِ الشَّمْسِ أَنْ يَسْجُدُوا لَهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَقِيلَ قَرْنُهُ حِزْبُهُ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ وَقِيلَ إنَّ هَذَا تَمْثِيلٌ وَتَشْبِيهٌ، وَذَلِكَ أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ إنَّمَا هُوَ تَسْوِيلُ الشَّيْطَانِ لَهُمْ وَتَزْيِينُهُ ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَذَوَاتُ الْقُرُونِ إنَّمَا تُعَالِجُ الْأَشْيَاءَ وَتَدْفَعُهَا بِقُرُونِهَا فَكَأَنَّهُمْ لَمَّا دَافَعُوا الصَّلَاةَ وَأَخَّرُوهَا عَنْ أَوْقَاتِهَا بِتَسْوِيلِ الشَّيْطَانِ لَهُمْ حَتَّى اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ صَارَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا يُعَالِجُهُ ذَوَاتُ الْقُرُونِ بِقُرُونِهَا وَتَدْفَعُهُ بِأَرْوَاقِهَا.
وَقِيلَ إنَّ الشَّيْطَانَ يُقَابِلُ الشَّمْسَ عِنْدَ طُلُوعِهَا وَيَنْتَصِبُ دُونَهَا حَتَّى يَكُونَ طُلُوعُهَا بَيْنَ قَرْنَيْهِ وَهُمَا جَانِبَا رَأْسِهِ فَيَنْقَلِبُ سُجُودُ الْكُفَّارِ لِلشَّمْسِ عِبَادَةً لَهُ انْتَهَى.
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَمَعْنَى قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ هُنَا يَحْتَمِلُ الْحَقِيقَةَ، وَالْمَجَازَ وَإِلَى الْحَقِيقَةِ ذَهَبَ الدَّاوُدِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَا بُعْدَ فِيهِ، وَقَدْ جَاءَتْ آثَارٌ مُصَرِّحَةٌ بِغُرُوبِهَا عَلَى قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ، وَأَنَّهَا تُرِيدُ عِنْدَ الْغُرُوبِ السُّجُودَ لِلَّهِ تَعَالَى فَيَأْتِي شَيْطَانٌ يَصُدُّهَا فَتَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْهِ وَيُحْرِقُهُ اللَّهُ.
وَقَدْ قِيلَ إنَّ الشَّيْطَانَ حِينَئِذٍ يَجْعَلُهَا بَيْنَ قَرْنَيْهِ لِيُغَالِطَ نَفْسَهُ فِيمَنْ يَعْبُدُهَا وَيَسْجُدُ لَهَا عِنْدَ طُلُوعِهَا وَغُرُوبِهَا، وَإِنَّهُمْ إنَّمَا يَسْجُدُونَ لَهُ وَقِيلَ قَرْنُهُ عُلُوُّهُ وَارْتِفَاعُهُ بِهَذَا، وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْمَجَازُ، وَالِاتِّسَاعُ، وَإِنَّ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ أَوْ قَرْنَهُ الْأُمَّةُ الَّتِي تَعْبُدُ الشَّمْسَ وَتُطِيعُهُ فِي الْكُفْرِ بِاَللَّهِ، وَإِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ تَسْجُدُ لَهَا وَيُصَلِّي مَنْ يَعْبُدُهَا مِنْ الْكُفَّارِ حِينَئِذٍ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ وَيَعْضُدُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ عَلَى قَرْنِ الشَّيْطَانِ وَيُصَلِّي لَهَا الْكُفَّارُ وَفِي رِوَايَةٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ وَقِيلَ قَرْنُهُ قُوَّتُهُ وَسُلْطَانُهُ.
وَهُوَ عِبَادَةُ مَنْ عَبَدَهَا حِينَئِذٍ مِمَّنْ أَطَاعَهُ وَقَالَ الْحَرْبِيُّ فِيهِ قَرْنَا الشَّيْطَانِ نَاحِيَتَا رَأْسِهِ وَقَالَ هَذَا مَثَلٌ أَيْ حِينَ يَتَسَلَّطُ الشَّيْطَانُ وَقِيلَ مَعْنَى قَرْنِهِ مُقَارَنَتُهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقِيلَ هُوَ تَمْثِيلٌ أَيْ إنَّ تَأْخِيرَهَا وَدَفْعَهَا عَنْ وَقْتِهَا بِتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ كَدَفْعِ ذَوَاتِ الْقُرُونِ لِمَا تَدْفَعُهُ انْتَهَى.
وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ الْوَجْهَ الْأَخِيرَ فِي كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ وَعَزَا لِلْخَطَّابِيِّ الْجَزْمَ بِالْوَجْهِ الرَّابِعِ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ حَكَى هُنَا خَمْسَةَ أَوْجُهٍ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ.
стр. 336
بَابُ الْأَذَانِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ حَتَّى إذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ فَيَقُولَ لَهُ: اُذْكُرْ كَذَا وَاذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْلُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى» وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ» الْحَدِيثَ وَقَالَ «فَإِذَا قُضِيَ التَّأْذِينُ أَقْبَلَ حَتَّى إذَا ثُوِّبَ أَدْبَرَ» وَلَمْ يَقُلْ مِنْ قَبْلُ، وَالْبَاقِي مِثْلُهُ سَوَاءٌ،
ــ
[طرح التثريب]
[بَابُ الْأَذَانِ] [حَدِيث إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ]
ِ) (الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ) عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ حَتَّى إذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حَتَّى إذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ وَيَقُولَ لَهُ اُذْكُرْ كَذَا وَاذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْلُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى» وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ» الْحَدِيثَ وَقَالَ «فَإِذَا قُضِيَ التَّأْذِينُ أَقْبَلَ حَتَّى إذَا ثُوِّبَ أَدْبَرَ» وَلَمْ يَقُلْ مِنْ قَبْلُ وَالْبَاقِي مِثْلُهُ سَوَاءٌ فِيهِ فَوَائِدُ:
(الْأُولَى) النِّدَاءُ بِكَسْرِ النُّونِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ الْأُولَى أَشْهَرُ وَأَفْصَحُ الْأَذَانُ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى «لِلصَّلَاةِ» وَفِي الثَّانِيَةِ «بِالصَّلَاةِ» وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ.
يُقَالُ نُودِيَ لِلصَّلَاةِ وَبِالصَّلَاةِ وَإِلَى الصَّلَاةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٥٨] وَالتَّثْوِيبُ: بِالثَّاءِ الْمُثَنَّاةِ ثُمَّ الْمُثَلَّثَةِ الْمُرَادُ بِهِ هَهُنَا: إقَامَةُ الصَّلَاةِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «فَإِذَا سَمِعَ الْإِقَامَةَ» وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالتَّثْوِيبِ هُنَا قَوْلَ الْمُؤَذِّنِ الصَّلَاةُ
стр. 337
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ يُسَمَّى تَثْوِيبًا لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِأَذَانِ الصُّبْحِ، وَالْحَدِيثُ عَامٌّ فِي كُلِّ أَذَانٍ وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا التَّثْوِيبَ يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَذَانِ فَصْلٌ يَحْضُرُ فِيهِ الشَّيْطَانُ، وَالتَّثْوِيبُ الَّذِي فِي الصُّبْحِ لَا فَصْلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَذَانِ بَلْ هُوَ فِي أَثْنَائِهِ.
وَأَصْلُ التَّثْوِيبِ أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مُسْتَصْرِخًا فَيَلُوحَ بِثَوْبِهِ لِيُرَى وَيُشْتَهَرَ فَسُمِّيَ الدُّعَاءُ تَثْوِيبًا لِذَلِكَ، وَكُلُّ دَاعٍ مُثَوِّبٌ وَقِيلَ إنَّمَا سُمِّيَ تَثْوِيبًا مِنْ ثَابَ يَثُوبُ إذَا رَجَعَ فَالْمُؤَذِّنُ رَجَعَ بِالْإِقَامَةِ إلَى الدُّعَاءِ لِلصَّلَاةِ قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ:
فَحَنَتْ نَاقَتِي فَعَلِمْت أَنِّي ... غَرِيبٌ حِينَ ثَابَ إلَيَّ عَقْلِي
وَقَالَ غَيْرُهُ:
لَوْ رَأَيْنَا التَّأْكِيدَ خُطَّةَ عَجْزٍ ... مَا شَفَعْنَا الْأَذَانَ بِالتَّثْوِيبِ
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يُقَالُ ثَوَّبَ الدَّاعِي إذَا كَرَّرَ دُعَاءَهُ إلَى الْحَرْبِ قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ
فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الْهِنْدِ أَوْجُهُهُمْ ... لَا يَنْكُلُونَ إذَا مَا ثَوَّبَ الدَّاعِي
وَقَالَ آخَرُ
لَخَيْرٌ نَحْنُ عِنْدَ النَّاسِ مِنْكُمْ ... إذَا الدَّاعِي الْمُثَوِّبُ قَالَ يَا لَا
وَقَوْلُهُ قُضِيَ النِّدَاءُ وَقُضِيَ التَّثْوِيبُ أَيْ فُرِغَ مِنْهُ.
١ -
(الثَّانِيَةُ) قَوْلُهُ يَخْطُرُ بِضَمِّ الطَّاءِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ. قَالَ: ضَبَطْنَاهُ عَنْ الْمُتْقِنِينَ بِالْكَسْرِ وَسَمِعْنَا مِنْ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ بِالضَّمِّ قَالَ: وَالْكَسْرُ هُوَ الْوَجْهُ وَمَعْنَاهُ يُوَسْوِسُ وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ خَطَرَ الْفَحْلُ بِذَنَبِهِ إذَا حَرَّكَهُ يَضْرِبُ بِهِ فَخْذَيْهِ. وَأَمَّا بِالضَّمِّ فَمِنْ السُّلُوكِ وَالْمُرُورِ أَيْ يَدْنُو مِنْهُ فَيَمُرُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَيَشْغَلُهُ عَمَّا هُوَ فِيهِ وَبِهَذَا فَسَّرَهُ الشَّارِحُونَ لِلْمُوَطَّأِ فَقَالَ الْبَاجِيَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ إقْبَالِهِ عَلَى صَلَاتِهِ وَإِخْلَاصِهِ وَبِالْأَوَّلِ فَسَّرَهُ الْخَلِيلُ.
١ -
(الثَّالِثَةُ) الْمَرْءُ الْإِنْسَانُ وَفِيهِ سَبْعُ لُغَاتٍ فَتْحُ الْمِيمِ وَضَمُّهَا وَكَسْرُهَا وَتَغَيُّرُهَا بِاعْتِبَارِ إعْرَابِ اللَّفْظَةِ، فَإِنْ كَانَتْ مَرْفُوعَةً فَالْمِيمُ مَضْمُومَةٌ
стр. 338
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «مَا يَدْرِي» وَقَالَ الْبُخَارِيُّ «لَا يَدْرِي» بَدَلَ «إنْ يَدْرِي» وَإِنْ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ لِلنَّفْيِ
ــ
[طرح التثريب]
وَإِنْ كَانَتْ مَنْصُوبَةً فَالْمِيمُ مَفْتُوحَةٌ وَإِنْ كَانَتْ مَجْرُورَةً فَالْمِيمُ مَكْسُورَةٌ وَالْخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ وَالسَّابِعَةُ امْرُؤٌ بِزِيَادَةِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ مَعَ ضَمِّ الرَّاءِ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ وَمَعَ فَتْحِهَا فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ وَمَعَ تَغَيُّرِهَا بِاعْتِبَارِ حَرَكَاتِ الْإِعْرَابِ حَكَاهُنَّ فِي الصِّحَاحِ إلَّا اللُّغَةَ الثَّالِثَةَ وَالرَّابِعَةَ فَحَكَاهُمَا فِي الْمُحْكَمِ وَأَنْشَدَ قَوْلَ أَبِي خِرَاشٍ
جَمَعْت أُمُورًا يُنْفِدُ الْمَرْءُ بَعْضَهَا ... مِنْ الْحِلْمِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْحَسَبِ الضَّخْمِ
وَقَالَ هَكَذَا رَوَاهُ السُّكْرِيُّ بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لُغَةُ هُذَيْلٍ انْتَهَى.
وَيُثَنَّى فَيُقَالُ: الْمَرْءَانُ، وَلَا جَمْعَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبَا الصِّحَاحِ وَالْمُحْكَمِ وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ: وَالْجَمْعُ مَرْءُونُ وَمِنْهُ فِي الْحَدِيثِ «أَيُّهَا الْمَرْءُونُ» وَذَكَرَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ تَبَعًا لِلْهَرَوِيِّ حَدِيثَ الْحَسَنِ أَحْسِنُوا مَلَأَكُمْ أَيُّهَا الْمَرْءُونُ وَقَالَ هُوَ جَمْعُ الْمَرْءِ. قَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ لِطَائِفَةٍ رَآهُمْ أَيْنَ يُرِيدُ الْمَرْءُونُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ هَذِهِ مَرْأَةٌ صَالِحَةٌ وَمَرَّةٌ أَيْضًا بِتَرْكِ الْهَمْزِ وَتَحْرِيكِ الرَّاءِ بِحَرَكَتِهَا وَهَذِهِ امْرَأَةٌ مَفْتُوحَةَ الرَّاءِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
(الرَّابِعَةُ) : الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ «حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى» بِفَتْحِ الظَّاءِ مِنْ يَظَلُّ وَكَسْرِ إنْ فَيَظَلُّ إحْدَى نَوَاسِخِ الِابْتِدَاءٍ تَرْفَعُ الِاسْمَ وَتَنْصِبُ الْخَبَرَ.
وَمَعْنَاهَا فِي الْأَصْلِ اتِّصَافُ الْمُخْبَرِ عَنْهُ بِالْخَبَرِ نَهَارًا وَهِيَ هُنَا بِمَعْنَى يَصِيرُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل: ٥٨] وَقِيلَ بِمَعْنَى يَبْقَى وَيَدُومُ وَإِنْ نَافِيَةٌ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ «لَا يَدْرِي» وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ «مَا يَدْرِي» وَالثَّلَاثَةُ حُرُوفُ نَفْيٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الرِّوَايَةُ فِي أَنْ هَهُنَا عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ بِالْفَتْحِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ لَا يَدْرِي، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ «حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى» وَمَنْ رَوَاهَا بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ فَمَعْنَاهُ مَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى، وَإِنْ بِمَعْنَى مَا كَثِيرٌ انْتَهَى.
وَاعْتَرَضَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ أَنْ لَا تَكُونُ نَفْيًا وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ النَّحْوِيِّينَ حَكَى ذَلِكَ الْوَجْهَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنْ يَدْرِيَ بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ يَدْرِي وَتَكُونُ أَنْ
стр. 339
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْوَجْهُ
ــ
[طرح التثريب]
هِيَ النَّاصِبَةَ لِلْفِعْلِ، وَيَكُونُ يَضِلُّ بِضَادٍ غَيْرِ مُشَالَةٍ مِنْ الضَّلَالِ الَّذِي هُوَ الْحَيْرَةُ كَمَا يُقَالُ ضَلَّ عَنْ الطَّرِيقِ فَكَأَنَّهُ قَالَ يَحَارُ الرَّجُلُ وَيَذْهَلُ عَنْ أَنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى فَتَكُونُ أَنْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِسُقُوطِ حَرْفِ الْجَرِّ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الضَّلَالِ الَّذِي يُرِيدُ بِهِ الْخَطَأَ فَتَكُونُ الضَّادُ مَكْسُورَةً كَقَوْلِهِ ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢] وَتَكُونُ أَنْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْمَفْعُولِ الصَّحِيحِ لِأَنَّ ضَلَّ الَّتِي بِمَعْنَى أَخْطَأَ لَا يَحْتَاجُ تَعَدِّيهَا إلَى حَرْفِ الْجَرِّ قَالَ طَرَفَةُ
وَكَيْفَ يَضِلُّ الْقَصْدُ وَالْحَقُّ وَاضِحٌ ... وَلِلْحَقِّ بَيْنَ الصَّالِحِينَ سَبِيلُ
قَالَ وَلَوْ رُوِيَ حَتَّى يُضِلَّ الرَّجُلَ أَنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى لَكَانَ وَجْهًا صَحِيحًا يُرِيدُ بِهِ حَتَّى يُضِلَّ الشَّيْطَانُ الرَّجُلَ عَنْ دِرَايَةِ كَمْ صَلَّى وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهُ كَذَا لَكِنَّهُ لَوْ رُوِيَ لَكَانَ وَجْهًا صَحِيحًا فِي الْمَعْنَى غَيْرَ خَارِجٍ عَنْ مُرَادِهِ ﷺ انْتَهَى.
وَمَا أَدْرِي مَا وَجْهُ تَفْرِقَةِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ بَيْنَ لَا وَمَا فَجَعَلَ رِوَايَةَ الْفَتْحِ بِمَعْنَى لَا وَرِوَايَةَ الْكَسْرِ بِمَعْنَى مَا مَعَ أَنْ لَا وَمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ ثُمَّ إنَّهُ أَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ لَا يُعْرَفُ قَوْلُهُ يَظَلُّ إلَّا بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ وَلَا يُتَّجَهُ مَعَ ذَلِكَ فِي إنْ إلَّا الْكَسْرُ وَلَا يُتَّجَهُ فِيهَا الْفَتْحُ إلَّا مَعَ الضَّادِ السَّاقِطَةِ كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْ بَعْضِهِمْ، وَهِيَ رِوَايَةٌ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ حَكَى الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ رَوَى يَضِلُّ بِالضَّادِ بِمَعْنَى يَنْسَى وَيَذْهَبُ وَهْمُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَمَا حَكَيْتُهُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ ضَبْطِهِ أَنْ هُنَا بِالْفَتْحِ وَافَقَهُ عَلَيْهِ الْأَصِيلِيُّ فَضَبَطَهَا بِالْفَتْحِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمَا حَكَيْتُهُ عَنْ الْمُعْتَرَضِ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ أَيْضًا الْقَاضِي عِيَاضٌ فَقَالَ: وَلَا يَصِحُّ تَأْوِيلُ النَّفْيِ وَتَقْدِيرُ لَا مَعَ الْفَتْحِ وَإِنَّمَا يَكُونُ بِمَعْنَى مَا، وَالنَّفْيُ مَعَ الْكَسْرِ.
قَالَ: وَفَتْحُهَا لَا يَصِحُّ إلَّا عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى «يَضِلُّ» بِالضَّادِ فَيَكُونُ أَنْ مَعَ الْفِعْلِ بَعْدَهَا بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ، وَمَفْعُولُ ضَلَّ أَيْ يَجْهَلُ دِرَايَتَهُ وَيَنْسَى عَدَدَ رَكَعَاتِهِ انْتَهَى.
وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ عَلَى الْفَتْحِ مُعَارَضٌ بِنَقْلِ الْقَاضِي عِيَاضٍ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ عَلَى الْكَسْرِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ، وَمَا حَكَاهُ وَالِدِي ﵀ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ قَالَ الْوَجْهُ
стр. 340
حَتَّى يَضِلَّ الرَّجُلُ أَنْ يَدْرِيَ بِفَتْحِ أَنْ النَّاصِبَةِ وَبِالضَّادِ الْمَكْسُورَةِ..
ــ
[طرح التثريب]
حَتَّى يَضِلَّ الرَّجُلُ أَنْ يَدْرِيَ بِفَتْحِ " أَنْ " النَّاصِبَةِ وَبِالضَّادِ الْمَكْسُورَةِ لَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِهِ إنَّمَا تَعَرَّضَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فِي أَنْ، وَلَمْ يَذْكُرْ كَوْنَ الضَّادِ سَاقِطَةً هَذَا هُوَ الَّذِي وَقَعْت عَلَيْهِ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَالتَّمْهِيدِ.
فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ وَقَفَ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَرَجَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي فَتْحِ هَمْزَةِ أَنْ يَكُونُ يَضِلُّ بِالضَّادِ السَّاقِطَةِ، وَأَلْزَمَهُ ذَلِكَ إذْ لَا يُمْكِنُ مَعَ فَتْحِ الْهَمْزَةِ أَنْ يَكُونَ يَظَلُّ بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ.
[فَائِدَةٌ مَعْنَى إدْبَارِ الشَّيْطَانِ وَهُرُوبِهِ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَان] ١
(الْخَامِسَةُ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَعْنَى فِي إدْبَارِ الشَّيْطَانِ وَهُرُوبِهِ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ فَقَالَ الْمُهَلَّبُ: إنَّمَا يَهْرُبُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ اتِّفَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْإِعْلَانِ بِشَهَادَةِ التَّوْحِيدِ وَإِقَامَةِ الشَّرِيعَةِ كَمَا يَفْعَلُ يَوْمَ عَرَفَةَ لِمَا يَرَى مِنْ اتِّفَاقِ الْكُلِّ عَلَى شَهَادَةِ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَتَنْزِلُ الرَّحْمَةُ فَيَيْأَسُ أَنْ يَرُدَّهُمْ عَمَّا أَعْلَنُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ وَيُوقِنُ بِالْخَيْبَةِ بِمَا تَفَضَّلَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيْهِمْ مِنْ ثَوَابِ ذَلِكَ وَيَذْكُرُ مَعْصِيَةَ اللَّهِ وَمُضَادَّتَهُ أَمْرَهُ فَلَا يَمْلِكُ الْحَدَثَ لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْخَوْفِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ نَحْوَهُ، وَقِيلَ: إنَّمَا أَدْبَرَ عِنْدَ الْأَذَانِ لِئَلَّا يَسْمَعَهُ فَيَضْطَرَّ إلَى أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَسْمَعُ صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَهَذَا قَدْ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ قَوْلًا أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ لَهُ.
وَقَالَ لَا يُقْبَلُ هَذَا مِنْ قَائِلِهِ لِمَا جَاءَ فِي الْآثَارِ مِنْ خِلَافِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الذُّعْرِ وَالْخِزْيِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ وَذِكْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي الْأَذَانِ تُفَزَّعُ مِنْهُ الْقُلُوبُ مَا لَا تُفَزَّعُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الذِّكْرِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَهْرِ بِالذِّكْرِ وَتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ وَإِقَامَةِ دِينِهِ فَيُدْبِرُ الشَّيْطَانُ لِشِدَّةِ ذَلِكَ عَلَى قَلْبِهِ انْتَهَى.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ سَبَبُ إدْبَارِهِ عِظَمُ أَمْرِ الْأَذَانِ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ قَوَاعِدِ التَّوْحِيدِ وَإِظْهَارِ شِعَارِ الْإِسْلَامِ وَإِعْلَانِهِ، وَقِيلَ لِيَأْسِهِ مِنْ الْوَسْوَسَةِ عِنْدَ الْإِعْلَانِ بِالتَّوْحِيدِ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ الَّتِي فِيهَا السُّجُودُ الَّذِي امْتَنَعَ مِنْ فِعْلِهِ لَمَّا أُمِرَ بِهِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ ﵊ -
стр. 341
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ إذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ مَا لَمْ يَذْكُرْ يَخْلِطُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ وَكَانَ فِرَارُهُ مِنْ الصَّلَاةِ الَّتِي فِيهَا السُّجُودُ أَوْلَى لَوْ كَانَ كَمَا زَعَمُوا انْتَهَى.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَلَا يَلْزَمُ هَذَا الِاعْتِرَاضُ إذْ لَعَلَّ نِفَارُهُ إنَّمَا كَانَ مِنْ سَمَاعِ الْأَمْرِ وَالدُّعَاءِ بِذَلِكَ لَا مِنْ رُؤْيَتِهِ لِيُغَالِطَ نَفْسَهُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ دُعَاءً وَلَا خَالَفَ أَمْرًا (قُلْت) : أَحْسَنُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي جَوَابِ اعْتِرَاضِ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّ نَفْرَتَهُ عِنْدَ الْأَذَانِ إنَّمَا هُوَ تَصْمِيمٌ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ وَاسْتِمْرَارٌ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَعَدَمِ الِانْقِيَادِ إلَيْهِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِأَوَامِرِهِ فَإِذَا دَعَا دَاعِي اللَّهِ فَرَّ مِنْهُ وَأَعْرَضَ عَنْهُ وَاسْتَخَفَّ بِهِ فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ حَضَرَ مَعَ الْمُصَلِّينَ غَيْرَ مُشَارِكٍ لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ بَلْ سَاعِيًا فِي إبْطَالِهَا عَلَيْهِمْ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْمَعْصِيَةِ وَالِاسْتِخْفَافِ مِمَّا لَوْ غَابَ عَنْ الصَّلَاةِ بِالْكُلِّيَّةِ فَصَارَ حُضُورُهُ عِنْدَ الصَّلَاةِ مِنْ جِنْسِ نَفْرَتِهِ عِنْدَ الْأَذَانِ وَمِنْ مَهِيعٍ وَاحِدٍ.
وَمَقْصُودُهُ بِالْأَمْرَيْنِ الِاسْتِخْفَافُ بِأَوَامِرِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَعَدَمُ الِانْقِيَادِ إلَيْهَا كَمَا ذَكَرْتُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَائِدَةٌ الْحِكْمَةُ فِي تَصْوِيتِ الشَّيْطَان عِنْدَ إدْبَارِهِ مِنْ سَمَاع الْأَذَان] ١
(السَّادِسَةُ) وَأَمَّا الْحِكْمَةُ فِي تَصْوِيتِهِ عِنْدَ إدْبَارِهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الْمُهَلَّبِ أَنَّ ذَلِكَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مَغْلُوبٌ عَلَيْهِ فِيهِ لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنْ يَشْتَغِلَ بِسَمَاعِ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ الْحَدَثِ عَنْ سَمَاعِ الْأَذَانِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ الِاسْتِخْفَافُ بِالْمُؤَذِّنِ وَبِمَا يَقُولُهُ كَمَا يُعْهَدُ مِنْ حَالِ الْمُسْتَخِفِّينَ الْمُسْتَهْزِئِينَ.
(السَّابِعَةُ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوْلِهِ «وَلَهُ ضُرَاطٌ» : هَذَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ إذْ هُوَ جِسْمٌ مُتَغَذٍّ يَصِحُّ مِنْهُ خُرُوجُ الرِّيحِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا عِبَارَةٌ وَاسْتِعَارَةٌ عَنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَالنِّفَارِ كَمَا يَعْتَرِي الْحِمَارَ (قُلْت) : وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ الِاسْتِخْفَافِ كَمَا قَدَّمْتُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَائِدَةٌ فَضْلُ الْأَذَانِ وَعِظَمُ قَدْرِهِ] ١
(الثَّامِنَةُ) فِيهِ فَضْلُ الْأَذَانِ وَعِظَمُ قَدْرِهِ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَهْرُبُ مِنْهُ وَلَا يَهْرُبُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْأَحْوَالِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ «فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ» وَيَكْفِي هَذَا فِي فَضْلِ الْأَذَانِ.
[فَائِدَةٌ اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ] ١
(التَّاسِعَةُ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ إذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، وَلَهُ ضُرَاطٌ إلَى غَايَةٍ لَا يَسْمَعُ فِيهَا الْأَذَانَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كُلَّمَا زَادَ فِي رَفْعِ صَوْتِهِ زَادَ الشَّيْطَانُ فِي الْإِبْعَادِ وَلَا شَكَّ فِي اسْتِحْبَابِ فِعْلِ الْأُمُورِ الَّتِي تُبْعِدُ الشَّيْطَانَ وَتَطْرُدُهُ، وَقَدْ دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ زِيَادَةَ الرَّفْعِ زِيَادَةٌ لَهُ فِي الْإِبْعَادِ إلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ قَوْلُهُ حَتَّى
стр. 342
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ لَيْسَ غَايَةً لِلْإِبْعَادِ فِي الْإِدْبَارِ بَلْ غَايَةً لِلزِّيَادَةِ فِي الضُّرَاطِ.
وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَقْصِدُ بِمَا يَفْعَلُهُ مِنْ ذَلِكَ تَصْمِيمَ أُذُنِهِ عَنْ سَمَاعِ صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ لَكِنْ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَتِهِ فِي الْإِبْعَادِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إنَّ الشَّيْطَانَ إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ ذَهَبَ حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ قَالَ سُلَيْمَانُ يَعْنِي الْأَعْمَشَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ الرَّوْحَاءِ فَقَالَ: هِيَ مِنْ الْمَدِينَةِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ مِيلًا» .
[فَائِدَةٌ هَلْ الْأَذَان أَفْضَلُ أُمّ الْإِمَامَةِ]
(الْعَاشِرَةُ) قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِمَامَةِ وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ خِلَافًا لِلرَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ صَحَّحَ تَفْضِيلَ الْإِمَامَةِ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ قَامَ بِحُقُوقِ الْإِمَامَةِ كَانَتْ أَفْضَلَ مِنْ الْأَذَانِ وَإِلَّا فَهُوَ أَفْضَلُ قَالَ بِهِ أَصْحَابُنَا أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَالْقَاضِيَانِ ابْنُ كَجٍّ وَالْحُسَيْنُ وَالْمَسْعُودِيُّ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ أُحِبُّ الْأَذَانَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنَيْنِ» وَأَكْرَهُ الْإِمَامَةَ لِلضَّمَانِ، وَمَا عَلَى الْإِمَامِ فِيهَا، وَإِذَا أَمَّ انْبَغَى أَنْ يَتَّقِيَ وَيُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ فِي الْإِمَامَةِ، فَإِنْ فَعَلَ رَجَوْت أَنْ يَكُونَ أَحْسَنَ حَالًا مِنْ غَيْرِهِ انْتَهَى.
وَحَكَى النَّوَوِيُّ أَوَّلَ هَذَا النَّصِّ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلَى تَرْجِيحِ الْأَذَانِ مُطْلَقًا وَأَغْفَلَ بَقِيَّتَهُ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْته وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
١ -
(الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا جِنْسُ الشَّيْطَانٍ فَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِوَاحِدٍ مِنْ الشَّيَاطِينِ دُونَ وَاحِدٍ وَالشَّيْطَانُ كُلُّ عَاتٍ مُتَمَرِّدٍ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْجِنِّ أَوْ الْإِنْسِ أَوْ الدَّوَابِّ لَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا شَيَاطِينُ الْجِنِّ خَاصَّةً، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِالشَّيْطَانِ الْأَكْبَرِ وَهُوَ إبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ.
[هُرُوبُ الشَّيْطَانِ مِنْ الْأَذَانِ] ١
فَائِدَةٌ هَلْ يَتَوَقَّفُ هُرُوبُ الشَّيْطَانِ مِنْ الْأَذَانِ عَلَى كَوْنِهِ أَذَانًا شَرْعِيًّا مُسْتَجْمِعًا لِلشُّرُوطِ.
(الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) هَلْ يَتَوَقَّفُ هُرُوبُ الشَّيْطَانٍ مِنْ الْأَذَانِ عَلَى كَوْنِهِ أَذَانًا شَرْعِيًّا مُسْتَجْمِعًا لِلشُّرُوطِ وَاقِعًا فِي الْوَقْتِ مَقْصُودًا بِهِ الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ يَهْرُبُ مِنْ الْإِتْيَانِ بِصُورَةِ الْأَذَانِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ الْأَقْرَبُ عِنْدِي الْأَوَّلُ.
وَكَلَامُ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ رَاوِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ الثَّانِيَ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ قَالَ «أَرْسَلَنِي أَبِي إلَى بَنِي حَارِثَةَ وَمَعِي غُلَامٌ لَنَا أَوْ صَاحِبٌ لَنَا فَنَادَاهُ مُنَادٍ مِنْ حَائِطٍ بِاسْمِهِ قَالَ وَأَشْرَفَ الَّذِي مَعِي عَلَى الْحَائِطِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا فَذَكَرْت ذَلِكَ لِأَبِي
стр. 343
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
فَقَالَ: لَوْ شَعَرْت أَنَّك تَلْقَى هَذَا لَمْ أُرْسِلْك وَلَكِنْ إذَا سَمِعْت صَوْتًا فَنَادِ بِالصَّلَاةِ فَإِنِّي سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إنَّ الشَّيْطَانَ إذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ وَلَّى وَلَهُ حِصَاصٌ» وَالْحِصَاصُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالصَّادَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ هُوَ الضُّرَاطُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى.
وَقِيلَ شِدَّةُ الْعَدْوِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ شَيْئًا مِنْ الْخَلْقِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَوَّلَ فِي غَيْرِ خَلْقِهِ وَلَكِنْ لِلْجِنِّ سَحَرَةٌ كَسَحَرَةِ الْإِنْسِ فَإِذَا خَشِيتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَأَذِّنُوا بِالصَّلَاةِ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: اُسْتُعْمِلَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَلَى مَعْدِنِ ابْنِ سُلَيْمٍ وَكَانَ مَعْدِنًا لَا يَزَالُ يُصَابُ فِيهِ النَّاسُ مِنْ الْجِنِّ فَلَمَّا وَلِيَهُمْ شَكَوْا ذَلِكَ إلَيْهِ فَأَمَرَهُمْ بِالْأَذَانِ وَأَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِهِ فَفَعَلُوا فَارْتَفَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ فَهُمْ عَلَيْهِ حَتَّى الْيَوْمِ قَالَ مَالِكٌ وَأَعْجَبَنِي ذَلِكَ مِنْ رَأْيِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.
[فَائِدَةٌ مَنْ نَسِيَ شَيْئًا وَأَرَادَ أَنْ يَتَذَكَّرَهُ فَلْيُصَلِّ]
(الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ الْمُهَلَّبِ فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَنَّ مَنْ نَسِيَ شَيْئًا، وَأَرَادَ أَنْ يَتَذَكَّرَهُ فَلْيُصَلِّ وَيُجْهِدْ نَفْسَهُ فِيهَا مِنْ تَخْلِيصِ الْوَسْوَسَةِ وَأُمُورِ الدُّنْيَا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا بُدَّ أَنْ يُحَاوِلَ تَسْهِيَتَهُ وَإِذْكَارَهُ أُمُورَ الدُّنْيَا لِيَصُدَّهُ عَنْ إخْلَاصِ نِيَّتِهِ فِي الصَّلَاةِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ رَجُلًا دَفَنَ مَالًا ثُمَّ غَابَ عَنْهُ سِنِينَ كَثِيرَةً ثُمَّ قَدِمَ فَطَلَبَهُ فَلَمْ يَهْتَدِ لِمَكَانِهِ فَقَصَدَ أَبَا حَنِيفَةَ فَأَعْلَمَهُ بِمَا دَارَ لَهُ فَقَالَ لَهُ: صَلِّ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَاخْلُصْ نِيَّتَك لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا تُجْرِ عَلَى قَلْبِك شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا ثُمَّ عَرِّفْنِي بِأَمْرِك فَفَعَلَ ذَلِكَ فَذَكَرَ فِي الصَّلَاةِ مَكَانَ الْمَالِ فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى أَبَا حَنِيفَةَ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُ جُلَسَائِهِ: مِنْ أَيْنَ دَلَلْتَهُ عَلَى هَذَا - يَرْحَمُك اللَّهُ - فَقَالَ اسْتَدْلَلْت مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَعَلِمْت أَنَّ الشَّيْطَانَ سَيَرْضَى أَنْ يُصَالِحَهُ بِأَنْ يُذَكِّرَهُ مَوْضِعَ مَالِهِ وَيَمْنَعَهُ الْإِخْلَاصَ فِي صَلَاتِهِ فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ حُسْنِ انْتِزَاعِهِ وَاسْتِدْلَالِهِ انْتَهَى كَلَامُهُ.
[فَائِدَةٌ لَا يُشْتَرَطُ فِي أَفَضِيلَةِ الصَّلَاةِ انْطِبَاقُ أَوَّلِهَا عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ] ١
(الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ) وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِهِ ﵊ يُفْصَلُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ بِزَمَنٍ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي تَحْصِيلِ فَضِيلَةِ إيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا انْطِبَاقُ أَوَّلِهَا عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا وَاظَبُوا عَلَى تَرْكِ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ وَقِيلَ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَنْطَبِقَ أَوَّلُ التَّكْبِيرَةِ عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَهُوَ شَاذٌّ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ.
[فَائِدَةٌ الْفِكْرَ فِي الصَّلَاةِ وَالسَّهْوَ فِيهَا] ١
(الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ) وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِكْرَ فِي الصَّلَاةِ وَالسَّهْوَ فِيهَا لَا يُبْطِلُهَا وَهُوَ إجْمَاعٌ.
[حَدِيثٌ إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ]
الْحَدِيثُ الثَّانِي
стр. 344
وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ، وَزَادَ قَالَتْ «وَلَا أَعْلَمُهُ إلَّا كَانَ قَدْرَ مَا يَنْزِلُ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا»
ــ
[طرح التثريب]
وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ وَزَادَ قَالَتْ «وَلَا أَعْلَمُهُ إلَّا كَانَ قَدْرَ مَا يَنْزِلُ هَذَا، وَيَرْقَى هَذَا» . وَفِيهِ فَوَائِدُ:
(الْأُولَى) فِيهِ جَوَازُ الْأَذَانِ لِلصُّبْحِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَالْجُمْهُورُ وَرَجَعَ إلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ بَعْدَ أَنْ كَانَ يَقُولُ بِالْمَنْعِ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ الْقَدِيمِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ عَجِّلُوا الْأَذَانَ بِالصُّبْحِ يُدْلِجُ الْمُدْلِجُ وَتَخْرُجُ الْعَاهِرَةُ وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ: إنَّ بَعْدَ النِّدَاءِ بِالصُّبْحِ لَحِزْبًا حَسَنًا إنَّ الرَّجُلَ لَيَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَعَنْ حِبَّانَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ أَتَيْت عَلِيًّا يُدِيرُ أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَتَسَحَّرُ فَقَالَ إذَنْ فَاطْعَمْ فَقُلْت: إنِّي أُرِيدُ الصَّوْمَ قَالَ: وَأَنَا أُرِيدُ الصَّوْمَ فَطَعِمَ فَلَمَّا فَرَغَ أَمَرَ ابْنَ النَّبَّاحِ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَهُوَ لَا يَأْمُرُ بِالْإِقَامَةِ إلَّا بَعْدَ النِّدَاءِ وَحِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ أَمَرَ بِالْإِقَامَةِ فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ كَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى مَنْعِ الْأَذَانِ لَهَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حُيَيِّ.
قَالُوا: فَإِنْ أَذَّنَ لَهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَعَادَ الْأَذَانَ بَعْدَهُ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «مَا كَانُوا يُؤَذِّنُونَ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ» وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ قَالَ شَيَّعْنَا عَلْقَمَةَ إلَى مَكَّةَ فَخَرَجْنَا بِلَيْلٍ فَسَمِعَ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ فَقَالَ أَمَّا هَذَا فَقَدْ خَالَفَ سُنَّةَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَوْ كَانَ نَائِمًا لَكَانَ خَيْرًا لَهُ فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ
стр. 345
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
أَذَّنَ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُؤَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ.
وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قُلْت لِنَافِعٍ إنَّهُمْ كَانُوا يُنَادُونَ قَبْلَ الْفَجْرِ قَالَ مَا كَانَ النِّدَاءُ إلَّا مَعَ الْفَجْرِ.
وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ الرَّجُلُ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْفَجْرِ يُوقِظُ النَّاسَ فَغَضِبَ وَقَالَ عُلُوجٌ أَفْرَاعٌ لَوْ أَدْرَكَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَأَوْجَعَ جَنُوبَهُمْ مَنْ أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَإِنَّمَا صَلَّى أَهْلُ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ بِإِقَامَةٍ لَا أَذَانَ فِيهَا وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ أَنَّهُ قَالَ كَانُوا إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ قَالُوا لَهُ اتَّقِ اللَّهَ وَأَعِدْ أَذَانَك.
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبًا ثَالِثًا عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ إنْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ مُؤَذِّنَانِ يُؤَذِّنُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالْآخَرُ بَعْدَ الْفَجْرِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذَّنَ لِلصُّبْحِ إذَا كَانَ هَكَذَا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ فَقَالَ يَجُوزُ أَنْ يُؤَذِّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي بِمِقْدَارِ مَا يُتِمُّ الْمُؤَذِّنُ أَذَانَهُ وَيَنْزِلُ مِنْ الْمَنَارَةِ أَوْ الْعُلُوِّ وَيَصْعَدُ مُؤَذِّنٌ آخَرُ وَيَطْلُعُ الْفَجْرُ قَبْلَ ابْتِدَاءِ الثَّانِي فِي الْأَذَانِ، وَاحْتَجَّ الْمَانِعُونَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ «بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِيَ أَلَا إنَّ الْعَبْدَ نَامَ فَرَجَعَ فَنَادَى أَلَا إنَّ الْعَبْدَ نَامَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَصَحَّحَ وَقْفَهُ عَلَى عُمَرَ فِي أَذَانِ مُؤَذِّنٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ مَسْعُودٌ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ: " أَحَدُهَا " ضَعْفُهُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي دَاوُد وَضَعَّفَهُ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ ".
ثَانِيهَا " أَنَّهُ عَارَضَهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ مَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ» الْحَدِيثَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَالْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا مَعَ فِعْلِ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْهُ ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ قُلْت لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَالًا أَنْ يُعِيدَ الْأَذَانَ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ» .
قُلْت: أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْأَذَانَ قَالَ لَا لَمْ يَزَلْ الْأَذَانُ عِنْدَنَا بِلَيْلٍ " ثَالِثُهَا " قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَوَّلِ زَمَانِ الْهِجْرَةِ فَإِنَّ الثَّابِتَ عَنْ بِلَالٍ أَنَّهُ كَانَ فِي آخِرِ أَيَّامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ ثُمَّ يُؤَذِّنُ بَعْدَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَ الْفَجْرِ، وَأَجَابَ الْمَانِعُونَ عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّ هَذَا الْأَذَانَ لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا كَانَ لِإِيقَاظِ النَّائِمِينَ لِلسُّحُورِ
стр. 346
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
وَغَيْرِهِ أَجَابَ بِمَعْنَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَابْنُ حَزْمٍ وَيَرُدُّهُ حَدِيثُ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ قَالَ «لَمَّا كَانَ أَوَّلُ أَذَانِ الصُّبْحِ أَمَرَنِي يَعْنِي النَّبِيُّ ﷺ فَأَذَّنْت، فَجَعَلْت أَقُولُ أُقِيمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلَى نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ إلَى الْفَجْرِ، فَيَقُولُ: لَا حَتَّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ» الْحَدِيثَ.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْأَذَانِ لِلصُّبْحِ قَبْلَ الْوَقْتِ مِنْ غَيْرِ إعَادَتِهِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَفِي إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ النَّافِلَةَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَا أَذَانَ لَهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَذَانَ بِلَالٍ بِاللَّيْلِ إنَّمَا كَانَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ جَوَّزَ الطَّحَاوِيُّ أَنْ يَكُونَ بِلَالٌ كَانَ يُؤَذِّنُ فِي وَقْتٍ يَرَى أَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ فِيهِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ لِضَعْفِ بَصَرِهِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِمَا رَوَاهُ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ فَإِنَّ فِي بَصَرِهِ شَيْئًا» قَالَ الطَّحَاوِيُّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُرِيدُ الْفَجْرَ فَيُخْطِئُهُ لِضَعْفِ بَصَرِهِ.
(قُلْت) : وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵊ «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ» يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ طَرِيقَتَهُ وَعَادَتَهُ دَائِمًا.
وَلَوْ كَانَ لَا يَقَعُ ذَلِكَ مِنْهُ إلَّا لِخَطَأٍ لَمْ يَقَعْ إلَّا نَادِرًا فَإِنَّهُ لَوْلَا أَنَّ الْغَالِبَ إصَابَتُهُ لَمَا رُتِّبَ مُؤَذِّنًا وَاعْتُمِدَ عَلَيْهِ فِي الْأَوْقَاتِ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَوْ أَحَدًا مِنْكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سُحُورِهِ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ أَوْ يُنَادِي بِلَيْلٍ لِيُرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ» الْحَدِيثَ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْفَجْرِ يَقْصِدُ ذَلِكَ وَيَتَعَمَّدُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِيَةُ) قَالَ الْعُلَمَاءُ الذَّاهِبُونَ إلَى الْأَذَانِ لِلصُّبْحِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا إنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ صَلَاةَ الْفَجْرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ذَاتُ فَضْلٍ وَهِيَ تَأْتِي فِي حَالِ نَوْمٍ فَلَوْ لَمْ يُؤَذِّنْ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ لَمَا تَمَكَّنُوا بَعْدَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالِاجْتِمَاعِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا بَعْدَ الْإِسْفَارِ كَثِيرًا فَشُرِعَ الْأَذَانُ لَيْلًا لِهَذِهِ الْعِلَّةِ كَيْ يَنْتَبِهَ النَّاسُ وَيَتَأَهَّبُوا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ.
وَهَذَا أَصْلٌ لِمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَسْبِيحِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أَذَانِ الصُّبْحِ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِكَوْنِهِ شَرَعَ لِلنَّاسِ التَّكْبِيرَ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ.
[فَائِدَةٌ يُؤَذَّنَ لِلْفَجْرِ مَرَّتَيْنِ] ١
(الثَّالِثَةُ) فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذَّنَ لِلْفَجْرِ مَرَّتَانِ مَرَّةً قَبْلَ الْفَجْرِ وَمَرَّةً بَعْدَهُ وَبِهَذَا صَرَّحَ أَصْحَابُنَا.
قَالُوا: فَإِنْ اُقْتُصِرَ عَلَى أَذَانٍ وَاحِدِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْفَجْرِ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْهُودُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ فَإِنْ اُقْتُصِرَ عَلَى الْأَذَانِ لَهَا قَبْلَهُ أَجْزَأَهُ.
[فَائِدَة الْوَقْت الَّذِي يُؤَذَّنُ لِلصُّبْحِ فِيهِ] ١
(الرَّابِعَةُ) اخْتَلَفُوا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ الَّذِي
стр. 347
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
يُؤَذَّنُ لِلصُّبْحِ فِيهِ وَفِي ذَلِكَ لِأَصْحَابِنَا أَوْجُهٌ أَحَدُهَا: يُقَدَّمُ فِي الشِّتَاءِ لِسُبْعٍ يَبْقَى مِنْ اللَّيْلِ وَفِي الصَّيْفِ لِنِصْفِ سُبْعٍ تَقْرِيبًا لَا تَحْدِيدًا وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ مَنْ رَجَّحَهُ اعْتَمَدَ حَدِيثًا بَاطِلًا مُحَرَّفًا.
(قُلْت) وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ الْقَدِيمِ عَنْ سَعْدِ الْقَرَظِ قَالَ: أَذَّنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِقُبَاءَ وَفِي زَمَنِ عُمَرَ بِالْمَدِينَةِ فَكَانَ أَذَانُنَا لِلصُّبْحِ لِوَقْتٍ وَاحِدٍ فِي الشِّتَاءِ لِسُبْعٍ وَنِصْفٍ يَبْقَى وَفِي الصَّيْفِ لِسُبْعٍ يَبْقَى مِنْهُ.
(وَالثَّانِي) : يُقَدَّمُ لِسُبْعٍ يَبْقَى مِنْ اللَّيْلِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيبِ.
(وَالثَّالِثُ) يَدْخُلُ بِذَهَابِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لِلْعِشَاءِ وَهُوَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفُهُ وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ صَاحِبُ مَالِكٍ.
(وَالرَّابِعُ) وَقْتُهُ النِّصْفُ الْأَخِيرُ مِنْ اللَّيْلِ وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَحَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِمْ ثُمَّ قَالَ، وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي جَابِرٍ قَالَ كَانَ مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ دِمَشْقَ يُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي السَّحَرِ بِقَدْرِ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ سِتَّةَ أَمْيَالٍ فَلَا يُنْكِرُ ذَلِكَ مَكْحُولٌ وَلَا يَقُولُ فِيهِ شَيْئًا.
(وَالْخَامِسُ) جَمِيعُ اللَّيْلِ وَقْتٌ لَهُ وَهَذَا شَاذٌّ.
(وَالسَّادِسُ) : أَنَّهُ إنَّمَا يَدْخُلُ وَقْتُهُ فِي السَّحَرِ قُبَيْلَ الْفَجْرِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ «وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إلَّا قَدْرُ مَا يَنْزِلُ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا» وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وَحَكَاهُ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَالْبَغَوِيِّ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ كَمَا تَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي ذَلِكَ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَإِلَيْهِ يَمِيلُ كَلَامُ ابْنِ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي فَهَذِهِ الْأَوْجُهُ السِّتَّةُ فِي مَذْهَبِنَا وَبَعْضُهَا فِي غَيْرِ مَذْهَبِنَا كَمَا حَكَيْته فِيمَا تَقَدَّمَ.
(وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبٌ سَابِعٌ) أَنَّهُ يَدْخُلُ وَقْتُ الْأَذَانِ لَهَا لِسُدُسٍ يَبْقَى مِنْ اللَّيْلِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يُمَكِّنُ الْجُنُبَ وَالْمُعْتَصِرَ وَالْمُتَوَضِّئَ وَالْمُتَأَهِّبَ لِذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ أَمْرِهِ وَيَخْرُجُ إلَى الْجَمَاعَةِ فَجَعَلُوهُ تَقْدِيرًا لِذَلِكَ كُلِّهِ.
(فَإِنْ قُلْت) وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبٌ ثَامِنٌ: أَنَّهُ يُؤَذَّنُ لَهَا عِنْدَ انْقِضَاءِ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ وَهُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (قُلْت) قَدْ فَسَّرَهُ الْحَاكِي لَهُ وَهُوَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْعَتَمَةُ الَّتِي تُصَلَّى فِي آخِرِ وَقْتِهَا، وَهُوَ نِصْفُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثُهُ فَعَادَ هَذَا إلَى الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ كَمَا قَدَّمْته فَلَيْسَ مَذْهَبًا زَائِدًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
(الْخَامِسَةُ) : هَذِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي رَوَاهَا الشَّيْخُ ﵀ مِنْ مُسْنَدِ أَحْمَدَ صَرِيحَةٌ فِي
стр. 348
وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِهَا «إنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا
ــ
[طرح التثريب]
أَنَّ الْقَائِلَ وَلَا أَعْلَمُهُ «إلَّا كَانَ قَدْرَ مَا يَنْزِلُ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا» رَاوِيَةُ الْحَدِيثِ عَائِشَةُ ﵂ فَإِنَّ فِيهَا قَالَتْ لَكِنْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ قَالَ الْقَاسِمُ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إلَّا أَنْ يَرْقَى ذَا وَيَنْزِلَ ذَا فَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ سِرَاجُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ ﵀ يَعْتَمِدُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَيَجْعَلُ هَذَا الْكَلَامَ فِي غَيْرِهَا مُدْرَجًا وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ التَّصْرِيحَ بِأَنَّهُ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ فَفِيهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَ الْبُخَارِيِّ قَالَ الْقَاسِمُ أَيْ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَائِشَةَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ رَوَى الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ أَيْ عَنْ عَائِشَةَ وَلَيْسَتْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِأَنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ ذِكْرَهَا لَتُوُهِّمَ أَنَّهَا فِي الْإِسْنَادَيْنِ مَعًا، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنَّ الْقَاسِمَ قَالَهَا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ أَحْمَدَ الَّتِي ذَكَرْتُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَائِدَةٌ الْأَذَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ شَهْرَ رَمَضَانَ]
(السَّادِسَةُ) اسْتَثْنَى أَحْمَدُ مِنْ الْأَذَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ شَهْرَ رَمَضَانَ فَقَالَ: إنَّهُ يُكْرَهُ فِيهِ الْأَذَانُ قَبْلَ الْفَجْرِ لِئَلَّا يَغْتَرَّ النَّاسُ بِهِ فَيَتْرُكُوا سَحُورَهُمْ وَهَذَا تَخْصِيصٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَإِذَا عُلِمَ مِنْ عَادَةِ الْمُؤَذِّنِ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يَغْتَرَّ النَّاسُ بِأَذَانِهِ فَيَتْرُكُوا سَحُورَهُمْ، وَالْعَجَبُ أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ الْقَطَّانِ قَالَ فِي بَيَانِ الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ: إنَّ بِلَالًا إنَّمَا كَانَ يُؤَذِّنُ لَيْلًا فِي رَمَضَانَ خَاصَّةً فَهَذَا عَكْسُ الْمَحْكِيِّ عَنْ أَحْمَدَ وَلَمْ أَعْلَمْ مُسْتَنَدَ ابْنِ الْقَطَّانِ فِي ذَلِكَ.
وَقَدْ قَالَ فَخْرُ الدِّينِ بْنُ قُدَامَةَ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ أَحْمَدَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُكْرَهَ فِي حَقِّ مَنْ عُرِفَتْ عَادَتُهُ بِالْأَذَانِ فِي اللَّيْلِ لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ بِاللَّيْلِ لِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ وَيُرْجِعَ قَائِمَكُمْ» .
قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَيَنْبَغِي لِمَنْ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْوَقْتِ أَنْ يَجْعَلَ أَذَانَهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي اللَّيَالِي كُلِّهَا لِيَعْلَمَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهِ وَلَا يُؤَذِّنُ فِي الْوَقْتِ تَارَةً وَقَبْلَهُ أُخْرَى فَيَقَعُ الْإِلْبَاسُ انْتَهَى.
(السَّابِعَةُ) رَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا
стр. 349
وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ بِلَالٌ» وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أُنَيْسَةَ بِنْتِ خُبَيْبِ «إذَا أَذَّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَإِذَا أَذَّنَ بِلَالٌ فَلَا تَأْكُلُوا وَلَا تَشْرَبُوا» قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إنَّ الْمَحْفُوظَ وَالصَّوَابَ الْأَوَّلُ؛ وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بَيْنَهُمَا نُوَبٌ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا..
ــ
[طرح التثريب]
وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ بِلَالٌ» وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أُنَيْسَةَ بِنْتِ خُبَيْبِ «إذَا أَذَّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَإِذَا أَذَّنَ بِلَالٌ فَلَا تَأْكُلُوا وَلَا تَشْرَبُوا» وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ مُعَارِضَتَانِ لِلرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إنَّ الْمَحْفُوظَ وَالصَّوَابَ الْأَوَّلُ وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا نُوَبٌ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ حِبَّانَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَنَظِيرُ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمُعَارَضَةِ مَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ بِلَالٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ «لَا تُؤَذِّنْ حَتَّى يَسْتَبِينَ لَك الْفَجْرُ هَكَذَا وَمَدَّ يَدَيْهِ عَرْضًا» لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ شَدَّادٍ مَوْلَى عِيَاضِ بْنِ عَامِرٍ عَنْهُ وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ: إنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ بِلَالًا وَأَيْضًا فَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ سِوَى جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ هَذَا إسْنَادٌ مَجْهُولٌ مُنْقَطِعٌ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا حَدِيثٌ لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ وَلَا يُقْبَلُ لِضَعْفِهِ وَانْقِطَاعِهِ انْتَهَى.
وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ ﵊ قَالَ هَذَا الْكَلَامَ لِبِلَالٍ فِي نَوْبَتِهِ الَّتِي كَانَ يَتَأَخَّرُ فِيهَا أَذَانُهُ وَيَتَقَدَّمُ فِيهَا أَذَانُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُمَا نُوَبٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ﵊ قَالَ لَهُ هَذَا الْكَلَامَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ قَبْلَ أَنْ يُنَصَّبَ لِلْمَسْجِدِ مُؤَذِّنَانِ، وَتَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الْقَطَّانِ حَمْلُ أَذَانِ بِلَالٍ بِلَيْلٍ عَلَى رَمَضَانَ خَاصَّةً وَتَقَدَّمَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ عَكْسُ ذَلِكَ فَكَرِهَ الْأَذَانَ قَبْلَ الصُّبْحِ فِي رَمَضَانَ خَاصَّةً فَيُجْعَلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِحَمْلِ أَحَدِهِمَا عَلَى رَمَضَانَ وَالْآخَرِ عَلَى غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَائِدَةٌ هَلْ يَجُوزُ فِي الرِّوَايَةِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الصَّوْتِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الْمُخْبِرِ] ١
(الثَّامِنَةُ) : اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الرِّوَايَةِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الصَّوْتِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الْمُخْبِرِ بِأَنْ يَكُونَ وَرَاءَ حِجَابٍ إذَا كَانَ عَارِفًا بِالصَّوْتِ وَاعْتُمِدَ فِي ذَلِكَ عَلَى إخْبَارِ ثِقَةٍ فَإِنَّ «ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ
стр. 350
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
لَمْ يَكُنْ يُشَاهِدُ مَا يَعْرِفُ بِهِ دُخُولَ الْوَقْتِ وَإِنَّمَا كَانَ يَعْتَمِدُ فِي ذَلِكَ عَلَى إخْبَارِ مَنْ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ» وَأَيْضًا فَإِنَّهُ ﵊ أَمَرَ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ مِنْ غَيْرِ مُشَاهَدَتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي اللَّيْلِ وَظُلْمَتِهِ وَلَا بُدَّ أَنْ يُمَيِّزَ صَوْتَ بِلَالٍ مِنْ صَوْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمًا غَيْرَ حُكْمِ الْآخَرِ، وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ.
وَعَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ مَنْعُهُ لِاحْتِمَالِ الِاشْتِبَاهِ.
وَأَمَّا فِي بَابِ الشَّهَادَةِ فَالْأَكْثَرُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الِاعْتِمَادِ عَلَى الصَّوْتِ فِيهَا، وَبَابُ الشَّهَادَةِ أَضْيَقُ وَبِالِاحْتِيَاطِ أَجْدَرُ، وَمَنْ جَوَّزَ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الْمُهَلَّبُ: فِيهِ جَوَازُ شَهَادَةِ الْأَعْمَى عَلَى الصَّوْتِ لِأَنَّهُ مَيَّزَ صَوْتَ مَنْ عَلَّمَهُ الْوَقْتَ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ فَقَامَ أَذَانُهُ عَلَى قَبُولِهِ مَقَامَ شَهَادَةِ الْمُخْبِرِ لَهُ انْتَهَى.
[فَائِدَةٌ جَوَازُ كَوْنِ الْمُؤَذِّنِ أَعْمَى] ١
(التَّاسِعَةُ) فِيهِ جَوَازُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ أَعْمَى فَإِنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كَانَ أَعْمَى، وَهُوَ جَائِزٌ بِلَا كَرَاهَةٍ إذَا كَانَ مَعَهُ بَصِيرٌ كَمَا كَانَ بِلَالٌ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْأَعْمَى مُؤَذِّنًا وَحْدَهُ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ أَعْمَى قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَهَذَا وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَعْمَى مُنْفَرِدٍ لَا يَكُونُ مَعَهُ بَصِيرٌ يُعْلِمُهُ الْوَقْتَ انْتَهَى.
وَبَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ أَذَانَ الْأَعْمَى إذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُخْبِرُهُ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ اخْتَلَفُوا فِي أَذَانِ الْأَعْمَى فَكَرِهَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَكَرِهَ ابْنُ عَبَّاسٍ إقَامَتَهُ وَأَجَازَهُ طَائِفَةٌ وَرُوِيَ أَنَّ مُؤَذِّنَ النَّخَعِيّ كَانَ أَعْمَى وَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَالْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُعَرِّفُهُ الْوَقْتَ لِأَنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ إنَّمَا كَانَ يُؤَذِّنُ بَعْدَ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْت أَصْبَحْت انْتَهَى.
(الْعَاشِرَةُ) فِيهِ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ مُؤَذِّنَانِ بِالْمَدِينَةِ» وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ قَالَا «كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُؤَذِّنَانِ بِلَالٌ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى» وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ثَلَاثَةُ مُؤَذِّنِينَ بِلَالٌ وَأَبُو مَحْذُورَةَ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الضُّبَعِيُّ وَالْخَبَرَانِ صَحِيحَانِ فَمَنْ قَالَ كَانَ: لَهُ مُؤَذِّنَانِ أَرَادَ اللَّذَيْنِ كَانَا يُؤَذِّنَانِ بِالْمَدِينَةِ، وَمَنْ قَالَ: ثَلَاثَةٌ أَرَادَ أَبَا مَحْذُورَةَ الَّذِي كَانَ يُؤَذِّنُ بِمَكَّةَ.
(قُلْت) وَكَانَ لَهُ مُؤَذِّنٌ رَابِعٌ وَهُوَ سَعْدُ الْقَرَظِ أَذَّنَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِقُبَاءَ
стр. 351
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
مِرَارًا ثُمَّ صَارَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ مُؤَذِّنًا بِالْمَدِينَةِ لَمَّا تَرَكَ بِلَالٌ الْأَذَانَ، وَأَذَّنَ لَهُ زِيَادُ بْنُ الْحَارِثِ الصُّدَائِيُّ أَيْضًا، وَقَالَ «إنَّ أَخَا صُدَاءَ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَاتِبًا وَلِهَذَا عُدَّ مُؤَذِّنُو النَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعَةً قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَأُحِبُّ أَنْ أَقْتَصِرَ فِي الْمُؤَذِّنِينَ عَلَى اثْنَيْنِ؛ لِأَنَّا إنَّمَا حَفِظْنَا أَنَّهُ أَذَّنَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ اثْنَانِ وَلَا نُضَيِّقُ إنْ أَذَّنَ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْنِ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ فِي جَوَازِ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ بِقِصَّةِ عُثْمَانَ فَقَالَ: وَمَعْرُوفٌ أَنَّهُ زَادَ فِي عَدَدِ الْمُؤَذِّنِينَ فَجَعَلَهُ ثَلَاثَةً وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَالرَّافِعِيُّ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَلَّا يُزَادَ عَلَى أَرْبَعَةِ مُؤَذِّنِينَ وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَصْحَابِنَا لَكِنَّهُ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ أَنْكَرَهُ كَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَقَالُوا
إنَّمَا الضَّبْطُ بِالْحَاجَةِ وَرُؤْيَةِ الْمَصْلَحَةِ
فَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ فَعَلَهُ، وَإِنْ رَأَى الِاقْتِصَارَ عَلَى اثْنَيْنِ لَمْ يَزِدْ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا كَانَ لِلْمَسْجِدِ مُؤَذِّنَانِ فَأَكْثَرُ فَإِنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ تَرَتَّبُوا فِي الْأَذَانِ فَإِنْ تَنَازَعُوا فِي الِابْتِدَاءِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ كَبِيرًا أَذَّنُوا مُتَفَرِّقِينَ فِي أَقْطَارِهِ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا وَقَفُوا مَعًا وَأَذَّنُوا وَهَذَا إذَا لَمْ يُؤَدِّ اخْتِلَافُ الْأَصْوَاتِ إلَى تَشْوِيشٍ فَإِنْ أَدَّى لَمْ يُؤَذِّنْ إلَّا وَاحِدٌ فَإِنْ تَنَازَعُوا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ.
وَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَإِنْ أَذَّنُوا عَلَى التَّرْتِيبِ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِهَا إنْ كَانَ هُوَ الْمُؤَذِّنَ الرَّاتِبَ أَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُؤَذِّنٌ رَاتِبٌ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ غَيْرَ الرَّاتِبِ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّ الرَّاتِبَ أَوْلَى.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى وَلَوْ أَقَامَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ غَيْرُ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْإِقَامَةِ اُعْتُدَّ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ، وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ لَا يُعْتَدُّ بِالْإِقَامَةِ مِنْ غَيْرِ السَّابِقِ بِالْأَذَانِ تَخْرِيجًا مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْطُبَ وَاحِدٌ وَيُصَلِّيَ آخَرُ.
أَمَّا إذَا أَذَّنُوا مَعًا فَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى إقَامَةِ وَاحِدٍ وَإِلَّا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ وَلَا يُقِيمُ فِي الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ إلَّا وَاحِدٌ إلَّا إذَا لَمْ تَحْصُلْ الْكِفَايَةُ بِوَاحِدٍ وَقِيلَ لَا بَأْسَ أَنْ يُقِيمُوا مَعًا إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى التَّشْوِيشِ.
[فَائِدَةٌ تَقْلِيدِ الْأَعْمَى لِلْبَصِيرِ فِي مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ أَوْ جَوَازِ اجْتِهَادِهِ فِي ذَلِكَ] ١
(الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْأَعْمَى لِلْبَصِيرِ فِي مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ أَوْ جَوَازِ اجْتِهَادِهِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كَانَ أَعْمَى وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ طُلُوعَ الْفَجْرِ إلَّا بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ وَمِمَّا يُرَجِّحُ أَنَّهُ كَانَ يُقَلِّدُ قَوْلَهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ
стр. 352
بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» ..
ــ
[طرح التثريب]
وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْت أَصْبَحْت قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: وَلَوْ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي اللَّفْظِ جَوَازُ رُجُوعِهِ لِاجْتِهَادٍ بِعَيْنِهِ لِأَنَّ الدَّالَّ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مُبْهَمٌ لَا يَدُلُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ.
[فَائِدَةٌ نِسْبَةِ الْإِنْسَانِ إلَى أُمِّهِ] ١
(الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ نِسْبَةِ الْإِنْسَانِ إلَى أُمِّهِ وَفِي الصَّحَابَةِ جَمَاعَةٌ عُرِفُوا بِذَلِكَ مِنْهُمْ ابْنُ بُحَيْنَةَ وَيَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ وَالْحَارِثُ بْنُ الْبَرْصَاءِ وَغَيْرُهُمْ وَحُكِيَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ كَانَ يَقُولُ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ فَنَهَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَقَالَ قُلْ إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُنْسَبَ إلَى أُمِّهِ فَقَالَ: قَدْ قَبِلْنَا مِنْك يَا مُعَلِّمَ الْخَيْرِ وَلِهَذَا اسْتَثْنَى ابْنُ الصَّلَاحِ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ مِنْ الْجَوَازِ مَا يَكْرَهُهُ الْمُلَقَّبُ، وَهُوَ حَسَنٌ لَكِنْ قَالَ وَالِدِي ﵀: الظَّاهِرُ أَنَّ مَا قَالَهُ أَحْمَدُ عَلَى طَرِيقِ الْأَدَبِ لَا اللُّزُومِ.
[فَائِدَةٌ كَوْنُ الْأَذَانُ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ]
(الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ لِقَوْلِهِ «يَنْزِلُ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا» ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ: أَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَلْ يَلْحَقُ بِهِ الْإِقَامَةُ فِي ذَلِكَ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَالْبَغَوِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَا.
قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَسْجِدٌ كَبِيرٌ تَدْعُو الْحَاجَةُ فِيهِ إلَى الْعُلُوِّ لِلْإِعْلَامِ.
[بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ]
[حَدِيث لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ]
بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ (الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ) عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» .
فِيهِ فَوَائِدُ:
(الْأُولَى) اسْتَدَلَّ بِهِ الْعُلَمَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ حَكَى الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ انْتِفَاءُ الْقَبُولِ دَلِيلًا عَلَى انْتِفَاءِ الصِّحَّةِ فَإِنْ فَسَّرْنَاهُ بِأَنَّهُ تَرَتُّبُ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ مِنْ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ فَيُقَالُ: الْغَرَضُ مِنْ الصَّلَاةِ وُقُوعُهَا مُجْزِئَةً بِمُطَابَقَتِهَا لِلْأَمْرِ فَإِذَا حَصَلَ هَذَا
стр. 353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
الْفَرْضُ ثَبَتَ الْقَبُولُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ.
وَإِذَا ثَبَتَ الْقَبُولُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ ثَبَتَتْ الصِّحَّةُ وَإِذَا انْتَفَى الْقَبُولُ انْتَفَتْ الصِّحَّةُ وَقَدْ حَرَّرَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي هَذَا بَحْثًا؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْقَبُولِ قَدْ وَرَدَ فِي مَوَاضِعَ مَعَ ثُبُوتِ الصِّحَّةِ كَالْعَبْدِ الْآبِقِ، وَأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً وَكَمَا وَرَدَ فِيمَنْ أَتَى عَرَّافًا وَفِي شَارِبِ الْخَمْرِ وَإِنْ فَسَّرْنَاهُ بِأَنَّهُ كَوْنُ الْعِبَادَةِ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ الثَّوَابُ عَلَيْهَا فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الصِّحَّةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِهِ نَفْيُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَخَصِّ نَفْيُ الْأَعَمِّ قَالَ: وَهَذَا إنْ نَفَعَ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي نُفِيَ فِيهَا الْقَبُولُ مَعَ بَقَاءِ الصِّحَّةِ فَإِنَّهُ يَضُرُّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِنَفْيِ الْقَبُولِ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِ الْقَبُولِ مِنْ لَوَازِمِ الصِّحَّةِ فَإِذَا انْتَفَى انْتَفَتْ فَيَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِنَفْيِ الْقَبُولِ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ حِينَئِذٍ.
وَيُحْتَاجُ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي نُفِيَ عَنْهَا الْقَبُولُ مَعَ بَقَاءِ الصِّحَّةِ إلَى جَوَابٍ عَلَى أَنَّهُ يَرِدُ عَلَى مَنْ فَسَّرَ الْقَبُولَ بِكَوْنِ الْعِبَادَةِ مُثَابًا عَلَيْهَا أَوْ مُرْضِيَةً أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ بِذَلِكَ أَنْ لَا يَلْزَمَ مِنْ نَفْيِ الْقَبُولِ نَفْيُ الصِّحَّةِ أَنْ يُقَالَ الْقَوَاعِدُ الشَّرْعِيَّةُ تَقْتَضِي أَنَّ الْعِبَادَةَ إذَا أُتِيَ بِهَا مُطَابِقَةً الْأَمْرَ كَانَتْ سَبَبًا لِلثَّوَابِ وَالدَّرَجَاتِ وَالظَّوَاهِرُ فِي ذَلِكَ لَا تُحْصَى انْتَهَى.
وَقَدْ تَضَمَّنَ كَلَامُهُ لِلْقَبُولِ تَفْسِيرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَرَتُّبُ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ مِنْ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَوْنُ الْعِبَادَةِ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ الثَّوَابُ عَلَيْهَا وَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْقَبُولِ نَفْيُ الصِّحَّةِ بِالتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ وَلَا يَلْزَمُ بِالتَّفْسِيرِ الثَّانِي إلَّا عَلَى الْبَحْثِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي آخِرِ كَلَامِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: الْقَبُولُ فِي أَلْسِنَةِ السَّلَفِ الرِّضَا قَبِلْت الشَّيْءَ رَضِيته وَأَرَدْته وَالْتَزَمْت الْعِوَضَ عَنْهُ فَقَبُولُ اللَّهِ لِلْعَمَلِ هُوَ رِضَاهُ بِهِ وَثَوَابُهُ عَلَيْهِ، وَكَذَا فَسَّرَ صَاحِبَا الْمَشَارِقِ وَالنِّهَايَةِ الْقَبُولَ بِأَنَّهُ الْمَحَبَّةُ وَالرِّضَا، وَفِي الصِّحَاحِ يُقَالُ عَلَى فُلَانٍ قَبُولٌ إذَا قَبِلَتْهُ النَّفْسُ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَكَوْنِهَا مُسْتَوِيَةً فِي نَفْيِ الْقَبُولِ فَانْتَفَتْ الصِّحَّةُ مَعَهُ فِي بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْقَبُولِ نَفْيُ الصِّحَّةِ لَكِنَّا نَنْظُرُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي نُفِيَ فِيهَا الْقَبُولُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْعَمَلُ قَدْ اقْتَرَنَتْ بِهِ مَعْصِيَةٌ عَلِمْنَا أَنَّ عَدَمَ قَبُولِ ذَلِكَ الْعَمَلِ إنَّمَا هُوَ لِوُجُودِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَانَ ذَلِكَ الْعَمَلُ غَيْرَ مَرْضِيٍّ
стр. 354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
لَكِنَّهُ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ لِاجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ فِيهِ، وَهَذَا كَصَلَاةِ الْعَبْدِ الْآبِقِ وَشَارِبِ الْخَمْرِ وَآتِي الْعَرَّافِ فَهَؤُلَاءِ إنَّمَا لَمْ تُقْبَلْ صَلَاتُهُمْ لِلْمَعْصِيَةِ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا مَعَ صِحَّةِ صَلَاتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِذَلِكَ الْعَمَلِ مَعْصِيَةٌ فَعَدَمُ قَبُولِهِ إنَّمَا هُوَ لِفَقْدِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ فَهُوَ حِينَئِذٍ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ، وَهَذَا كَصَلَاةِ الْمُحْدِثِ وَالْمَرْأَةِ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ فَإِنَّ الْحَدَثَ وَكَشْفَ الْمَرْأَةِ رَأْسَهَا حَيْثُ لَا يَرَاهَا الرِّجَالُ الْأَجَانِبُ لَيْسَ مَعْصِيَةً فَعَدَمُ قَبُولِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ إنَّمَا هُوَ لِأَنَّ ضِدَّ الْحَدَثِ الَّذِي هُوَ الطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ ضِدُّ الْكَشْفِ وَهُوَ السَّتْرُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَفُقِدَتْ الصِّحَّةُ لِفَقْدِ شَرْطِهَا فَاعْتَبِرْ مَا ذَكَرْته تَجِدْ جَمِيعَ الْأَحَادِيثِ مَاشِيَةً عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ خَلَلٍ وَلَا اضْطِرَابٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَائِدَةٌ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ] ١
(الثَّانِيَةُ) قَوْلُهُ «صَلَاةَ أَحَدِكُمْ» مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ كُلَّ صَلَاةٍ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْفَرِيضَةُ وَالنَّافِلَةُ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا تَجُوزُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا مَذْهَبٌ بَاطِلٌ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى خِلَافِهِ.
[فَائِدَةٌ سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ] ١
وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ حُكْمَ الْوُضُوءِ حُكْمُ مَا تَوَضَّأَ لَهُ مِنْ نَافِلَةٍ أَوْ سُنَّةٍ وَأَمَّا سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ فَإِنْ أَدْخَلْنَاهُمَا فِي مُسَمَّى الصَّلَاةِ فَقَدْ تَنَاوَلَهَا لَفْظُ الْحَدِيثِ وَإِنْ لَمْ نَدْخُلْهُمَا فِي مُسَمَّى الصَّلَاةِ فَقَدْ جَعَلَ الْعُلَمَاءُ حُكْمَهُمَا كَحُكْمِ الصَّلَاةِ فِي اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ، وَذَكَرَ الْقَفَّالُ فِي مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا شُعْبَةٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهَا حَتَّى إنَّ الصَّلَاةَ تُسَمَّى سُجُودًا، فَقَدْ رُوِيَ فِي الْخَبَرِ «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ» أَيْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ.
وَحَكَى النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِيهِمَا وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ بِإِسْنَادٍ فِيهِ جَهَالَةٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَنْزِلُ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَيُهْرِيقُ الْمَاءَ ثُمَّ يَرْكَبُ فَيَقْرَأُ السَّجْدَةَ وَيَسْجُدُ وَمَا تَوَضَّأَ وَعَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ قَالَ يَسْجُدُ حَيَّتْ كَانَ وَجْهُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَرَوَيْنَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي الْحَائِضِ تَسْمَعُ السَّجْدَةَ أَنَّهَا تُومِئُ بِرَأْسِهَا وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ قَالَ وَتَقُولُ اللَّهُمَّ لَك سَجَدْت (الثَّالِثَةُ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَهِيَ مِنْ شَرَائِطِ الْأَدَاءِ لَا مِنْ شَرْطِ الْوُجُوبِ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَفِيمَا نَقَلَهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ.
стр. 355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[طرح التثريب]
فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ سَنُوَضِّحُهُ فِي الْفَائِدَةِ الَّتِي بَعْدَهَا وَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ كَوْنُهَا مِنْ شَرَائِطِ الْأَدَاءِ بِالتَّقْدِيرِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْفَائِدَةِ الْأُولَى أَمَّا كَوْنُ الْوُجُوبِ مُتَوَقِّفًا عَلَيْهَا فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَعَرُّضٌ لَهُ.
[فَائِدَةٌ صَلَاةُ فَاقِد الطَّهُورَيْنِ]
(الرَّابِعَةُ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ فَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَزَادَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ أَيْضًا قَالَ: لِأَنَّ عَدَمَ قَبُولِهَا لِعَدَمِ شَرْطِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مُخَاطَبًا بِهَا حَالَةَ عَدَمِ شَرْطِهَا فَلَا يَتَرَتَّبُ شَيْءٌ فِي الذِّمَّةِ فَلَا تُقْضَى وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ نَافِعٍ قَالَ:
وَعَلَى هَذَا فَتَكُونُ الطَّهَارَةُ مِنْ شُرُوطِ الْوُجُوبِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا الْأَصْلِ انْتَهَى.
وَسَبَقَهُ إلَى هَذَا الْبِنَاءِ أَبُو الطَّاهِرِ بْنُ بَشِيرٍ فَقَالَ: سَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ يَعْنِي فِي فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ الْخِلَافُ فِي كَوْنِ الطَّهَارَةِ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ فَتَسْقُطُ الصَّلَاةُ عَمَّنْ تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ، أَوْ شَرْطًا فِي الْأَدَاءِ فَيَقِفُ الْفِعْلُ عَلَى الْوُجُودِ انْتَهَى.
وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ أَنَّهُ قَالَ إنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَدَاءُ وَلَا الْقَضَاءُ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَا أَعْرِفُ كَيْفَ أُقْدِمُ عَلَى أَنْ أَجْعَلَ هَذَا الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ مَعَ خِلَافِهِ جُمْهُورَ السَّلَفِ وَعَامَّةَ الْفُقَهَاءِ وَجَمَاعَةَ الْمَالِكِيِّينَ قَالَ: وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ مَهْجُورٌ شَاذٌّ مَرْغُوبٌ عَنْهُ انْتَهَى.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ أُخَرُ لِلشَّافِعِيِّ وَهِيَ مَذَاهِبُ لِعُلَمَاءَ:
(أَحَدُهَا) : أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَالِهِ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَيَجِبُ أَنْ يُعِيدَ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِ الطَّهُورَيْنِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ.
(الثَّانِي) يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ لِفَقْدِ شَرْطِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ إذَا تَمَكَّنَ.
(الثَّالِثُ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ سَوَاءٌ أَصَلَّى أَمْ لَمْ يُصَلِّ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: يُصَلِّي إذَا قَدَرَ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِإِرَادَةِ هَذَا الْقَوْلِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ أَحَدَهُمَا وَكَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُصَلِّي فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ صَلَّى (الرَّابِعُ) تَجِبُ الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ وَلَا تَجِبُ إعَادَتُهَا فَإِنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَشْهَبُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ: وَهُوَ الْقِيَاسُ وَحُكِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ الْقِيَاسَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ أَحَدَ الطَّهُورَيْنِ، وَلِهَذَا نَقَلَ عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ
следующие страницы →