← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 11036

طرح التثريب في شرح التقريب

العراقي

Полный текст (2 068 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

﴿بَابُ بَلَاءِ الْمَيِّتِ إلَّا عَجَبَ الذَّنَبِ﴾ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إلَّا عَجَبَ الذَّنْبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ» وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ فِي الْإِنْسَانِ عَظْمًا لَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ أَبَدًا فِيهِ يُرَكَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالُوا أَيُّ عَظْمٍ هُوَ؟ قَالَ عَجَبُ الذَّنَبِ» . ــ [طرح التثريب] الْمَوْتَى عَلَى أَفْنِيَةِ الْقُبُورِ وَهَذَا أَصَحُّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ بِذَلِكَ أَثْبَتُ مِنْ غَيْرِهَا قَالَ الدَّرَاوَرْدِيُّ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى حَيَاةِ الرُّوحِ وَالنَّفْسِ أَنَّهُمَا لَا يَفْنَيَانِ قَوْلُهُ (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَاَلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) وَالْإِمْسَاكُ لَا يَقَعُ عَلَى الْفَانِي انْتَهَى. ﴿الثَّامِنَةُ﴾ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ بِعَدَمٍ، وَإِنَّمَا هُوَ انْتِقَالٌ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ وَمُفَارَقَةُ الرُّوحِ الْبَدَنَ [بَابُ بَلَاءِ الْمَيِّتِ إلَّا عَجَبَ الذَّنَبِ] [حَدِيث كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إلَّا عَجَبَ الذَّنْبِ] (بَابُ بَلَاءِ الْمَيِّتِ إلَّا عَجَبَ الذَّنَبِ) عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إلَّا عَجَبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ» وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ فِي الْإِنْسَانِ عَظْمًا لَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ أَبَدًا فِيهِ يُرَكَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالُوا أَيُّ عَظْمٍ هُوَ؟ قَالَ عَجَبُ الذَّنَبِ» ﴿فِيهِ﴾ فَوَائِدُ: ﴿الْأُولَى﴾ أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُغِيرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ مُسْلِمٌ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ «لَيْسَ مِنْ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ يَبْلَى إلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجَبُ الذَّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» لَفْظُ مُسْلِمٍ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ «يَبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْإِنْسَانِ إلَّا عَجَبَ ذَنَبِهِ فِيهِ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ» أَوْرَدَهُ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ. ﴿الثَّانِيَةُ﴾ عَجَبُ الذَّنَبِ هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَحَكَى صَاحِبُ الْمُحْكَمِ ضَمَّهَا أَيْضًا وَإِسْكَانُ الْجِيمِ وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ وَيُقَالُ لَهُ عَجَمُ الذَّنَبِ بِالْمِيمِ أَيْضًا وَفِي عَيْنِهِ الْوَجْهَانِ وَحُكِيَ فِي الْمُحْكَمِ عَنْ اللِّحْيَانِيِّ أَنَّ الْمِيمَ بَدَلٌ مِنْ الْبَاءِ قَالَ فِي الْمَشَارِقِ: رَوَاهُ بَعْضُ رُوَاةِ الْقَعْنَبِيِّ فِي الْمُوَطَّإِ وَهُوَ الْعَظْمُ اللَّطِيفُ الَّذِي فِي أَسْفَلِ الصُّلْبِ وَأَعْلَى مَا بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ وَهُوَ رَأْسُ الْعُصْعُصُ وَهُوَ مَكَانُ رَأْسِ الذَّنَبِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَكَأَنَّهُ لِهَذَا أُضِيفَ إلَى الذَّنَبِ وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُد فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ «قِيلَ وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ تُنْشَئُونَ» وَعَزَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ

стр. 842

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] لِكِتَابِ الْبَعْثِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِغَرِهِ جِدًّا. ﴿الثَّالِثَةُ﴾ قَوْلُهُ «يَأْكُلُهُ التُّرَابُ» يَحْتَمِلُ أَنْ تُعْدَمَ أَجْزَاؤُهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ لَكِنْ زَالَتْ أَعْرَاضُهَا الْمَعْهُودَةُ، وَقَدْ جَوَّزَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْإِرْشَادِ كِلَا الْأَمْرَيْنِ عَقْلًا قَالَ وَلَمْ يَدُلَّ قَاطِعٌ سَمْعِيٌّ عَلَى نَفْيِ أَحَدِهِمَا فَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَصِيرَ أَجْسَامُ الْعِبَادِ عَلَى صِفَةِ أَجْسَامِ التُّرَابِ، ثُمَّ تُعَادُ بِتَرْكِيبِهَا إلَى مَا عُهِدَ وَلَا يُحِيلُ أَنْ يُعْدَمَ مِنْهَا شَيْءٌ، ثُمَّ يُعَادَ. ﴿الرَّابِعَةُ﴾ كَوْنُ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا تَبْلَى أَجْسَامُهُمْ الْكَرِيمَةُ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ» وَاسْتَثْنَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَعَهُمْ الشُّهَدَاءَ قَالَ وَحَسْبُك مَا جَاءَ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ وَغَيْرِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرٍ لِمَا نَقَلَ أَبَاهُ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ حِينَ أَرَادَ إجْرَاءَ الْعَيْنِ الَّتِي فِي أَسْفَلِ أُحُدٍ وَقَوْلُهُ «فَأَخْرَجْنَاهُمْ رِطَابًا يُتَسَنَّوْنَ فَأَصَابَتْ الْمِسْحَاةُ أُصْبُعَ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَتَقَطَّرَ الدَّمُ» وَاقْتَصَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَلَى قَوْلِهِ وَكَثِيرٌ مِنْ الشُّهَدَاءِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَرَى أَنَّ بَعْضَ الشُّهَدَاءِ قَدْ تَأْكُلُ الْأَرْضُ جَسَدَهُ وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى الْمَبْطُونِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُلْحَقِينَ بِالشُّهَدَاءِ وَضَمَّ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ إلَى الصِّنْفَيْنِ الْمُؤَذِّنَ الْمُحْتَسِبَ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْمُؤَذِّنُ الْمُحْتَسِبُ كَالْمُتَشَحِّطِ فِي دَمِهِ وَإِنْ مَاتَ لَمْ يُدَوَّدْ فِي قَبْرِهِ» قَالَ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَأْكُلُ أَجْسَادَ الْمُؤَذِّنِينَ الْمُحْتَسِبِينَ فَلِلْحَدِيثِ تَأْوِيلَانِ (أَحَدُهُمَا) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَأَنَّهُ قَالَ كُلُّ مَنْ تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ فَإِنَّهُ لَا تَأْكُلُ مِنْهُ عَجَبَ الذَّنَبِ قَالَ: وَإِذَا جَازَ أَلَّا تَأْكُلَ الْأَرْضُ عَجَبَ الذَّنَبِ جَازَ أَنْ لَا تَأْكُلَ الشُّهَدَاءَ. (الثَّانِي) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ الْإِنْسَانِ مِمَّا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَأْكُلُ أَجْسَامًا كَثِيرَةً كَالْأَنْبِيَاءِ وَكَثِيرٍ مِنْ الشُّهَدَاءِ [فَائِدَة عَجَبَ الذَّنَبِ لَا يَبْلَى وَلَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ] ١ ﴿الْخَامِسَةُ﴾ وَفِيهِ أَنَّ عَجَبَ الذَّنَبِ لَا يَبْلَى وَلَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ بَلْ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ وَإِنْ بَلِيَ جَمِيعُ جَسَدِ الْمَيِّتِ وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْمُزَنِيّ فَقَالَ: إنَّ عَجَبَ الذَّنَبِ يَبْلَى أَيْضًا فَلَمْ يُجْعَلْ إلَّا فِي الْحَدِيثِ لِلِاسْتِثْنَاءِ بَلْ عَاطِفَةٌ كَالْوَاوِ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَعَجَبُ الذَّنَبِ، وَقَدْ حَكَى إثْبَاتَ هَذَا الْمَعْنَى لِأَلَّا عَنْ الْأَخْفَشِ وَالْفَرَّاءِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَأَنْكَرَهُ الْجُمْهُورُ وَأَوَّلُوا مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ وَيَرُدُّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَوْنُهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ أَيْ أَنَّهُ أَوَّلُ مَا يُخْلَقُ مِنْ الْآدَمِيِّ وَهُوَ الَّذِي يَبْقَى مِنْهُ لِيُعَادَ تَرْكِيبُ

стр. 843

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] الْخَلْقِ عَلَيْهِ فَلَوْ سَاوَى عَجَبُ الذَّنَبِ غَيْرَهُ فِي الْبَلَاءِ لَمْ يَبْقَ لِهَذَا الْكَلَامِ مَحَلٌّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَائِدَة عَجَبَ الذَّنَبِ أَوَّلُ مَخْلُوقٍ مِنْ الْآدَمِيِّ] ١ ﴿السَّادِسَةُ﴾ ظَاهِرُهُ أَنَّ عَجَبَ الذَّنَبِ أَوَّلُ مَخْلُوقٍ مِنْ الْآدَمِيِّ وَرُوِيَ عَنْ سَلْمَانَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ آدَمَ رَأْسَهُ فَجَعَلَ يَنْظُرُ وَهُوَ يُخْلَقُ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ فَلَمْ يَصِحَّ هَذَا وَلَوْ صَحَّ عَنْهُ فَاتِّبَاعُ الْحَدِيثِ أَوْلَى، وَقَدْ يُقَالُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ فِي ابْنِ آدَمَ وَالْأَثَرُ عَنْ سَلْمَانَ فِي آدَمَ نَفْسِهِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ مَخْلُوقٍ مِنْ آدَمَ رَأْسَهُ وَمِنْ بَنِيهِ عَجَبَ الذَّنَبِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ مَخْلُوقٍ مِنْ آدَمَ عَجَبَ الذَّنَبِ كَبَنِيهِ وَيَكُونُ مَعْنَى كَلَامِ سَلْمَانَ إنْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّ أَوَّلَ مَا نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ مِنْ آدَمَ رَأْسُهُ وَيُوَافِقُ ذَلِكَ قَوْلَ ابْنِ جُرَيْجٍ يَقُولُونَ إنَّ أَوَّلَ مَا نُفِخَ فِي يَافُوخِ آدَمَ [فَائِدَة الْإِيمَانُ بِالْمَعَادِ الْجُسْمَانِيِّ] ﴿السَّابِعَةُ﴾ ، وَفِي قَوْلِهِ «فِيهِ يُرَكَّبُ الْبَعْثُ وَالنَّشْأَةُ الْآخِرَةُ» وَالْإِيمَانِ بِالْمَعَادِ الْجُسْمَانِيِّ وَاجِبٌ، وَجَحْدُهُ كُفْرٌ، وَقَدْ اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمِلَلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 844

كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا مَا رَبُّ النَّعَمِ لَمْ يُعْطِ حَقَّهَا تُسَلَّطُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَخْبِطُ وَجْهَهُ بِأَخْفَافِهَا» . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ قَالَ يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ وَيَطْلُبُهُ وَيَقُولُ أَنَا كَنْزُكَ قَالَ وَاَللَّهِ لَنْ يَزَالَ يَطْلُبُهُ حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فَيُلْقِمَهَا فَاهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِمُسْلِمٍ «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهُ إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ ــ [طرح التثريب] [كِتَابُ الزَّكَاةِ] [حَدِيث إذَا مَا رَبُّ النَّعَمِ لَمْ يُعْطِ حَقَّهَا تُسَلَّطُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا مَا رَبُّ النَّعَمِ لَمْ يُعْطِ حَقَّهَا تُسَلَّطُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَخْبِطُ وَجْهَهُ بِأَخْفَافِهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ قَالَ يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ وَيَطْلُبُهُ وَيَقُولُ أَنَا كَنْزُك قَالَ وَاَللَّهِ لَنْ يَزَالَ يَطْلُبُهُ حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فَيُلْقِمَهَا فَاهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (فِيهِ) فَوَائِدُ: (الْأُولَى) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى

стр. 845

فَيَرَى سَبِيلَهُ إمَّا إلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إلَى النَّارِ. قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْإِبِلُ؟ قَالَ وَلَا صَاحِبُ إبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إمَّا إلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إلَى النَّارِ. قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ، وَلَا جَلْحَاءُ وَلَا عَضْبَاءُ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا كُلَّمَا ــ [طرح التثريب] يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إمَّا إلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إلَى النَّارِ؛ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْإِبِلُ؟ قَالَ وَلَا صَاحِبُ إبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إمَّا إلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إلَى النَّارِ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ قَالَ وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ وَلَا عَضْبَاءُ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إمَّا إلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إلَى النَّارِ. قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْخَيْلُ؟ قَالَ الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِهَا

стр. 846

مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إمَّا إلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إلَى النَّارِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْخَيْلُ؟ قَالَ الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ. فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِهَا فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي مَرْجٍ وَرَوْضَةٍ فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدُ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٍ وَكُتِبَ لَهُ عَدَدُ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٍ وَلَا ــ [طرح التثريب] فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ. وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي مَرْجٍ وَرَوْضَةٍ فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدُ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٍ وَكُتِبَ لَهُ عَدَدُ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٍ وَلَا يَقْطَعُ طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْحُمُرُ؟ قَالَ مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ إلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْفَاذَّةَ الْجَامِعَةَ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] » . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا ذَكَرَ الْخَيْلَ وَالْحُمُرَ وَأَخْرَجَ ذِكْرَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ مُخْتَصَرًا مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ «تَأْتِي الْإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَأْتِي الْغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا قَالَ وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ ذَكَرَ جُمْلَةً أُخْرَى» . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ

стр. 847

يَقْطَعُ طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْحُمُرُ؟ قَالَ مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ إلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْفَاذَّةَ الْجَامِعَةَ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] » . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ ذِكْرَ الْخَيْلِ وَالْحُمُرِ، وَأَخْرَجَ ذِكْرَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ مُخْتَصَرًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَأَخْرَجَا ذِكْرَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ.. ــ [طرح التثريب] عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ «مَنْ أَتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوِّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي شِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُك أَنَا كَنْزُك ثُمَّ تَلَا ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] » الْآيَةَ. وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى تَرَكْت ذِكْرَهَا اخْتِصَارًا وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ ذِكْرَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ بِلَفْظِ «مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَهُ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ» . لَفْظُ مُسْلِمٍ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» أَوْ «وَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ» أَوْ كَمَا حَلَفَ «مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ لَهُ إبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا» وَالْبَاقِي بِمَعْنَاهُ. (الثَّانِيَةُ) قَوْلُهُ «إذَا مَا رَبُّ النَّعَمِ لَمْ يُعْطِ حَقَّهَا» مَا هُنَا زَائِدَةٌ وَالرَّبُّ هُنَا بِمَعْنَى الْمَالِكِ وَلَهُ مَعَانٍ أُخَرُ وَيُسْتَعْمَلُ فِي حَقِّ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى مُضَافًا كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا يُسْتَعْمَلُ مَعَ الْإِطْلَاقِ إلَّا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَالنَّعَمُ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَحَكَى فِي الْمُحْكَمِ أَنَّ إسْكَانَهَا لُغَةٌ وَفِيهِ قَوْلَانِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ وَاحِدُ الْأَنْعَامِ يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْإِبِلِ وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِالْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَهُوَ

стр. 848

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمُحْكَمِ. (الثَّانِي) أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْإِبِلِ وَلَيْسَتْ الْأَنْعَامُ جَمْعًا لَهُ فَإِنَّهَا تُطْلَقُ عَلَيْهَا وَعَلَى الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ. صَدَّرَ بِهِ فِي الْمَشَارِقِ كَلَامَهُ وَحَكَاهُ فِي الْمُحْكَمِ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ وَيُوَافِقُهُ اقْتِصَارُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى ذِكْرِ الْأَخْفَافِ وَهِيَ الْإِبِلُ دُونَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَقَوْلُهُ لَمْ يُعْطِ حَقَّهَا أَيْ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدُ إيضَاحٍ، فَإِنْ قُلْت كَيْفَ أَطْلَقَ رَبَّ النَّعَمِ هَذَا عَلَى مَالِكِهَا مَعَ وُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «لَا يَقُلْ الْمَمْلُوكُ لِسَيِّدِهِ رَبِّي» ، وَمِثْلُ هَذَا «قَوْلُهُ ﵊ فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا» (قُلْت) أَجَابَ عَنْهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ بِأَنَّ الْبَهَائِمَ غَيْرُ مُتَعَبِّدَةٍ وَلَا مُخَاطَبَةٍ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَجُوزُ إضَافَةُ مَالِكِيهَا إلَيْهَا وَجَعْلُهُمْ أَرْبَابًا لَهَا، قَالَ فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] فَإِنَّهُ خَاطَبَهُمْ عَلَى الْمُتَعَارَفِ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا كَانُوا يُسَمُّونَهُمْ بِهِ وَمِثْلُهُ قَوْلُ مُوسَى ﵇ لِلسَّامِرِيِّ ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ [طه: ٩٧] أَيْ الَّذِي اتَّخَذْته إلَهًا اهـ. (الثَّالِثَةُ) قَوْلُهُ «يُسَلَّطُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» بِضَمِّ أَوَّلِهِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَفِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْيِيهَا بِعَيْنِهَا لِيُعَاقِبَهُ بِهَا وَفِي ذَلِكَ مُعَامَلَةٌ لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِمَنْعِ حَقِّ اللَّهِ فِيهَا الِارْتِفَاقَ وَالِانْتِفَاعَ بِمَا مَنَعَهُ مِنْهَا فَكَانَ ذَلِكَ الَّذِي قَصَدَ الِانْتِفَاعَ بِهِ أَضَرُّ الْأَشْيَاءِ عَلَيْهِ وَسُلِّطَ عَلَيْهِ حَتَّى بَاشَرَ عُقُوبَتَهُ بِنَفْسِهِ، وَقَوْلُهُ تَخْبِطُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ أَيْ تَضْرِبُ، وَهَذَا صَادِقٌ بِأَنْ تَضْرِبَ وَجْهَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ لَكِنْ دَلَّتْ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَلَى أَنَّهُ يُبْطَحُ لَهَا وَفِيهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا، فَإِنْ قُلْت حَقُّ الْفُقَرَاءِ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَدْرِ الْوَاجِبِ دُونَ جَمِيعِ الْمَالِ فَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ إلَّا بِخَبْطِ قَدْرِ الْوَاجِبِ خَاصَّةً قُلْت قَدْ أُمِرَ بِتَطْهِيرِ مَالِهِ بِالزَّكَاةِ فَلَمَّا لَمْ يُخْرِجْهَا كَانَ الْمَالُ كُلُّهُ غَيْرَ مُطَهَّرٍ وَلَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِي جَمِيعِهِ، وَالْفُقَرَاءُ لَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ بَلْ حَقُّهُمْ فِي جَمِيعِ الْمَالِ، وَلَوْ اعْتَبَرْنَا ذَلِكَ لَزِمَ أَنَّ مَانِعَ زَكَاةِ مَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ لَا يُعَاقَبُ بِخَبْطِ شَيْءٍ مِنْهَا إذْ الْوَاجِبُ لَيْسَ مِنْهَا وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْغَنَمِ، وَقَدْ قَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ «لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا» . (الرَّابِعَةُ) وَفِيهِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ إنْ جَعَلْنَا اسْمَ النَّعَمِ شَامِلًا لَهَا وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي زَادَهَا الشَّيْخُ ﵀ فِي

стр. 849

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] النُّسْخَةِ الْكُبْرَى بِذِكْرِ الثَّلَاثَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ أَصَحُّ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ اهـ وَقَدْ وَرَدَ تَفْصِيلُهُ فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ وَلَهُ تَفَارِيعُ مَعْرُوفَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَائِدَة زَكَاة الْكَنْز] ١ (الْخَامِسَةُ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْكَنْزُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ هُوَ الْمَالُ الْمُجْتَمَعُ الْمَخْزُونُ فَوْقَ الْأَرْضِ كَانَ أَوْ تَحْتَهَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ وَغَيْرُهُ بِمَعْنَاهُ وَأَمَّا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] وَمَا فِي مَعْنَاهُ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مَا لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ثُمَّ ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ اُسْتُشْهِدَ لِذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ عَنْ «أُمِّ سَلَمَةَ: قَالَتْ كُنْت أَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَنْزٌ هُوَ؟ قَالَ: مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدِّيَ زَكَاتَهُ فَزُكِّيَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ» قَالَ وَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ قُلْت قَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ وَالِدِي ﵀ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ إسْنَادُهُ جَيِّدٌ، رِجَالُهُ رِجَالُ الْبُخَارِيِّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَيَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ» قُلْت رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ الْمِصْرِيِّينَ، وَذَكَرَ وَالِدِي ﵀ عَلَى شَرْطِ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَفِي مَعْنَاهُ أَيْضًا حَدِيثُ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «إذَا أَدَّيْت زَكَاةَ مَالِك فَقَدْ أَذْهَبْت عَنْك شَرَّهُ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَصَحَّحَهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَرَجَّحَ الْبَيْهَقِيُّ وَقْفَهُ عَلَى جَابِرٍ وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَكَذَا صَحَّحَ أَبُو زُرْعَةَ وَقْفَهُ عَلَى جَابِرٍ، وَذَكَرَهُ بِلَفْظِ «مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ» وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «كُلُّ مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا تَحْتَ الْأَرْضِ وَكُلُّ مَا لَا يُؤَدَّى زَكَاتَهُ فَهُوَ كَنْزٌ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا» وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ وَالْمَشْهُورُ وَقْفُهُ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] قَالَ كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ عُمَرُ أَنَا أُفَرِّجُ عَنْكُمْ فَانْطَلَقَ فَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَبُرَ عَلَى أَصْحَابِك هَذِهِ الْآيَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ الزَّكَاةَ إلَّا لِتُطَيِّبَ مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ» الْحَدِيثَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالِاسْمُ الشَّرْعِيُّ قَاضٍ عَلَى الِاسْمِ اللُّغَوِيِّ وَمَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي أَنَّ الْكَنْزَ مَا لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ إلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي ذَرٍّ وَالضَّحَّاكِ ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الزُّهْدِ قَالُوا إنَّ فِي الْمَالِ حُقُوقًا سِوَى الزَّكَاةِ

стр. 850

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] أَمَّا أَبُو ذَرٍّ فَقَدْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ كُلَّ مَالٍ مَجْمُوعٍ يَفْضُلُ عَنْ الْقُوتِ وَسَدَادِ الْعَيْشِ فَهُوَ كَنْزٌ وَأَنَّ آيَةَ الْوَعِيدِ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ. وَأَمَّا عَلِيٌّ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ نَفَقَةً فَمَا كَانَ فَوْقَهَا فَهُوَ كَنْزٌ. وَأَمَّا الضَّحَّاكُ فَقَالَ: مَنْ مَلَكَ عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَهُوَ مِنْ الْأَكْثَرِينَ الْأَخْسَرِينَ إلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا. وَكَانَ مَسْرُوقٌ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] هُوَ الرَّجُلُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ الْمَالَ فَيَمْنَعُ قَرَابَتَهُ الْحَقَّ الَّذِي فِيهِ فَيُجْعَلُ حَيَّةً يُطَوَّقُهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَهَذَا ظَاهِرٌ أَنَّهُ غَيْرُ الزَّكَاةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ الزَّكَاةُ. قَالَ وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْكَنْزِ. قَالَ وَمَا اُسْتُدِلَّ بِهِ مِنْ الْأَمْرِ بِإِنْفَاقِ الْفَضْلِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ عَلَى النَّدْبِ أَوْ يَكُونُ قَبْلَ نُزُولِ فَرْضِ الزَّكَاةِ وَنُسِخَ بِهَا كَمَا نُسِخَ صَوْمُ عَاشُورَاءَ بِرَمَضَانَ وَعَادَ فَضِيلَةً بَعْدَ أَنْ كَانَ فَرِيضَةً قَالَ عَلِيٌّ: إنَّ أَبَا ذَرٍّ أَكْثَرُ مَا تَوَاتَرَ عَنْهُ فِي الْأَخْبَارِ الْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ أَخَذَ الْمَالَ مِنْ السَّلَاطِينِ لِنَفْسِهِ وَمَنَعَ مِنْهُ أَهْلَهُ فَهَذَا مَا لَا خِلَافَ عَنْهُ فِي إنْكَارِهِ. وَأَمَّا إيجَابُ غَيْرِ الزَّكَاةِ فَمُخْتَلَفٌ عَنْهُ فِيهِ وَتَأَوَّلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَيْضًا كَلَامَ أَبِي ذَرٍّ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ فَقَالَ الصَّحِيحُ أَنَّ إنْكَارَهُ إنَّمَا هُوَ عَلَى السَّلَاطِينِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يُنْفِقُونَهُ فِي وُجُوهِهِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ السَّلَاطِينَ فِي زَمَنِهِ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ صِفَتَهُمْ وَلَمْ يَخُونُوا فِي بَيْتِ الْمَالِ إنَّمَا كَانَ فِي زَمَنِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵃ وَتُوُفِّيَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ سَنَة ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ اهـ. قُلْت لَعَلَّهُ أَرَادَ بِالسَّلَاطِينِ بَعْضَ نُوَّابِ الْخُلَفَاءِ كَمُعَاوِيَةَ، وَقَدْ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي ذَرٍّ بِسَبَبِ هَذِهِ الْآيَةِ تَشَاجُرٌ أَوْجَبَ انْتِقَالَ أَبِي ذَرٍّ إلَى الْمَدِينَةِ، كَانَ مُعَاوِيَةُ يَقُولُ هِيَ فِي أَصْلِ الْكِتَابِ خَاصَّةً. وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ هِيَ فِينَا وَفِيهِمْ عَلَى أَنَّ عِبَارَةَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي أَنَّ الْإِنْكَارَ عَلَى السَّلَاطِينِ كَعِبَارَةِ الْقَاضِي عِيَاضٍ بَلْ هِيَ مُحْتَمِلَةٌ لَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْإِنْكَارَ عَلَى الْآحَادِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الْأَمْوَالَ مِنْ السَّلَاطِينِ وَهُمْ غَيْرُ مُحْتَاجِينَ إلَيْهَا فَيَجْمَعُونَهَا عِنْدَهُمْ، وَقَدْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى مَنْعِ مَنْ هُوَ أَحَقُّ مِنْهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا حَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ قَوْلَ الضَّحَّاكِ قَالَ وَإِنَّمَا جَعَلَهُ أَوَّلَ حَدِّ الْكَثْرَةِ؛ لِأَنَّهُ قِيمَةُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ وَمَا دُونَهُ فِي حَدِّ الْقِلَّةِ وَهُوَ فِقْهٌ بَالِغٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ وَإِنِّي لَأَسْتَحِبُّهُ

стр. 851

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] قَوْلًا وَأُصَوِّبُهُ رَأْيًا اهـ. وَذَكَرَ فِي الصِّحَاحِ أَنَّ الْكَنْزَ الْمَالُ الْمَدْفُونُ وَفِي الْمُحْكَمِ أَنَّهُ اسْمٌ لِلْمَالِ وَلِمَا يُخَزَّنُ فِيهِ وَفِي الْمَشَارِقِ أَصْلُهُ مَا أُودِعَ الْأَرْضَ مِنْ الْأَمْوَالِ وَفِي الْحَدِيثِ مَا لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ وَغَيَّبَهُ عَنْ ذَلِكَ وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ فِي الْأَصْلِ الْمَالُ الْمَدْفُونُ تَحْتَ الْأَرْضِ فَإِذَا أَخْرَجَ مِنْهُ الْوَاجِبَ لَمْ يَبْقَ كَنْزًا وَإِنْ كَانَ مَكْنُوزًا قَالَ وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ تَجُوزُ فِيهِ عَنْ الْأَصْلِ. (السَّادِسَةُ) الشُّجَاعُ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ حَكَاهُمَا فِي الْمُحْكَمِ وَالْمَشَارِقِ وَغَيْرِهِمَا الْحَيَّةُ الذَّكَرُ وَقِيلَ ضَرْبٌ مِنْ الْحَيَّاتِ صَغِيرٌ حَكَاهُ فِي الْمُحْكَمِ وَقِيلَ الْحَيَّةُ مُطْلَقًا حَكَاهُ فِي الْمَشَارِقِ وَالنِّهَايَةِ وَقِيلَ ضَرْبٌ مِنْ الْحَيَّاتِ تُوَاثِبُ الْفَارِسَ وَالرَّاجِلَ وَيَقُومُ عَلَى ذَنَبِهِ وَرُبَّمَا بَلَغَ وَجْهَ الْفَارِسِ يَكُونُ فِي الصَّحَارَى حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ. وَالْأَقْرَعُ الَّذِي تَمَعَّطَ شَعْرُهُ لِكَثْرَةِ سُمِّهِ وَقِيلَ الَّذِي بِرَأْسِهِ بَيَاضٌ لِكَثْرَةِ سُمِّهِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «لَهُ زَبِيبَتَانِ» وَهُمَا نُقْطَتَانِ مُنْتَفِخَتَانِ فِي شِدْقَيْهِ يُقَالُ أَنَّهُمَا يَبْدُوَانِ حِينَ يَهِيجُ وَيَغْضَبُ وَقِيلَ نُقْطَتَانِ سَوْدَاوَتَانِ عَلَى عَيْنَيْهِ وَهِيَ عَلَامَةُ الْحَيَّةِ الذَّكَرِ الْمُؤْذِي وَقِيلَ نَابَانِ لَهُ وَقِيلَ نُكْتَتَانِ عَلَى شَفَتَيْهِ حَكَاهَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُصَيِّرُ نَفْسَ الْمَالِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ وَيَكُونُ عِقَابُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى يَدَيْهِ وَيَقُولُ لَهُ أَنَا كَنْزُك لِزِيَادَةِ حَسْرَتِهِ وَنَدَمِهِ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ. [فَائِدَة حُكْم زَكَاة الذَّهَب وَالْفِضَّة] ١ (السَّابِعَةُ) فِيهِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ تَفَاصِيلُ مَعْرُوفَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ. (الثَّامِنَةُ) قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي زَادَهَا الشَّيْخُ ﵀ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى «صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ» يَجُوزُ فِيهَا الرَّفْعُ عَلَى قِيَامِهِ مَقَامَ الْفَاعِلِ وَالنَّصْبُ عَلَى أَنَّ الْمُقَامَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَيَكُونُ صَفَائِحُ مَفْعُولًا ثَانِيًا. (التَّاسِعَةُ) الْجَبِينُ بِفَتْحِ الْجِيمِ فَوْقَ الصُّدْغِ وَهُمَا جَبِينَانِ عَنْ يَمِينِ الْجَبْهَةِ وَشِمَالِهَا، وَقَدْ ذَكَرَ الْجَبِينَ فِي الْحَدِيثِ فِي مَوْضِعِ الْجَبْهَةِ فِي الْآيَةِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥] وَأَهْلُ الْمَغْرِبِ يُطْلِقُونَ الْجَبِينَ عَلَى الْجَبْهَةِ وَلَا أَصْلَ لِذَلِكَ فِي اللُّغَةِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي حِكْمَةِ كُلِّ هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ مَانِعَ الزَّكَاةِ إذَا جَاءَهُ الْمِسْكِينُ أَعْرَضَ عَنْهُ بِوَجْهِهِ، فَإِنْ عَادَ لَهُ تَحَوَّلَ عَنْهُ فَصَيَّرَ إلَيْهِ جَنْبَهُ، فَإِنْ عَادَ وَلَّاهُ ظَهْرَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَكَلُوا بِتِلْكَ الْأَمْوَالِ فِي بُطُونِهِمْ فَصَارَ الْمَأْكُولُ فِي جَنُوبِهِمْ وَاكْتَسَوْا بِهَا عَلَى ظُهُورِهِمْ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ

стр. 852

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] حَرَمُوا الْمِسْكِينَ بِمَنْعِهِ حَقَّهُ مِنْهَا أَنْ يَأْكُلَ بِهَا فِي جَنْبِهِ أَوْ يَكْتَسِيَ بِهَا عَلَى ظَهْرِهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْعَذَابُ شَامِلًا لِجَمِيعِ الْبَدَنِ وَإِنَّمَا نَبَّهَ بِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى مَا عَدَاهَا. (الْعَاشِرَةُ) قَوْلُهُ «كُلَّمَا بَرَدَتْ» كَذَا هُوَ فِي بَعْضِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ بَرَدَتْ بِالْبَاءِ وَفِي بَعْضِهَا رُدَّتْ بِحَذْفِ الْبَاءِ وَبِضَمِّ الرَّاءِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الرِّوَايَتَيْنِ وَقَالَ الْأُولَى هِيَ الصَّوَابُ وَالثَّانِيَةُ رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ. [فَائِدَة مَانِع الزَّكَاة] ١ (الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) قَوْلُهُ «حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ» قَالَ وَالِدِي ﵀ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ أَنَّ مَانِعَ الزَّكَاةِ آخِرُ مَنْ يُقْضَى فِيهِ وَأَنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا ذُكِرَ حَتَّى يُفْرَغَ مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ فَيُقْضَى فِيهِ بِالنَّارِ أَوْ الْجَنَّةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ حَتَّى يُشْرَعَ فِي الْقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ وَيَجِيءُ الْقَضَاءُ فِيهِ إمَّا فِي أَوَائِلِهِمْ أَوْ وَسَطِهِمْ أَوْ آخِرِهِمْ عَلَى مَا يُرِيدُ اللَّهُ، وَهَذَا أَظْهَرُ انْتَهَى. قُلْت قَدْ يُشِيرُ إلَى الْأَوَّلِ قَوْلُهُ ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] وَيُقَالُ إنَّمَا ذَكَرَ فِي مَعْرِضِ اسْتِيعَابِ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِتَعْذِيبِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْقَضَاءُ فِيهِ آخِرَ النَّاسِ وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ فَصْلُ أَمْرِهِ فِي وَسَطِهِ أَوْ أَوَّلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) قَوْلُهُ «فَيَرَى سَبِيلَهُ» قَالَ النَّوَوِيُّ ضَبَطْنَاهُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا وَبِرَفْعِ لَامِ سَبِيلِهِ وَنَصْبِهَا قُلْت الْوَجْهَانِ فِي رَفْعِ لَامِ سَبِيلِهِ وَنَصْبِهَا إنَّمَا يَجِيئَانِ مَعَ ضَمِّ الْيَاءِ فَأَمَّا مَعَ فَتْحِ الْيَاءِ فَيَتَعَيَّنُ نَصْبُ اللَّامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَائِدَة هَلْ الْكُفَّارِ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَة] ١ (الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) فِيهِ أَنَّ هَذَا الْوَعِيدَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ فَإِنَّ الَّذِي يَرَى سَبِيلَهُ إلَى الْجَنَّةِ هُوَ الْمُسْلِمُ وَأَمَّا الَّذِي يَرَى سَبِيلَهُ إلَى النَّارِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ فِيهَا فَهُوَ الْكَافِرُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْذِيبِ وَالتَّمْحِيصِ ثُمَّ دُخُولُ الْجَنَّةِ وَهُوَ الْمُسْلِمُ وَفِي دُخُولِ الْمُسْلِمِ فِي هَذَا الْوَعِيدِ الرَّدُّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِسْلَامِ مَعْصِيَةٌ كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَشْحُونَانِ بِمَا يُخَالِفُ قَوْلَهُمْ وَاعْتَذَرُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّخْوِيفُ لِيَنْزَجِرَ النَّاسُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَلَيْسَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَظَاهِرِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَوْ صَحَّ قَوْلُهُمْ لَارْتَفَعَ الْوُثُوقُ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الشَّرَائِعُ وَاحْتَمَلَ فِي كُلٍّ مِنْهَا ذَلِكَ، وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى هَدْمِ الشَّرَائِعِ وَسُقُوطِ فَائِدَتِهَا وَفِي دُخُولِ الْكَافِرِ فِي هَذَا الْوَعِيدِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَبِهِ قَالَ

стр. 853

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] أَصْحَابُنَا خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، وَقَدْ يُجِيبُونَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْمُرَادَ دُخُولُهُ النَّارَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْذِيبِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّخْلِيدِ وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَائِدَة هَلْ فِي الْمَال حَقّ سِوَى الزَّكَاة] (الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ) قَوْلُهُ «وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا» . الْحَلَبُ بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ وَحُكِيَ إسْكَانُهَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْقِيَاسُ انْتَهَى وَالْمُرَادُ حَلْبُهَا لِسَقْيِ الْفُقَرَاءِ مِنْهَا وَإِنَّمَا خَصَّ حَالَةَ وِرْدِهَا لِأَنَّهُ حَالَةُ كَثْرَةِ لَبَنِهَا وَلِأَنَّ الْفُقَرَاءَ يَحْضُرُونَ هُنَاكَ طَلَبًا لِذَلِكَ، وَهَذَا دَلِيلٌ لِمَنْ يَرَى فِي الْمَالِ حُقُوقًا غَيْرَ الزَّكَاةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ التَّابِعِينَ كَمَا تَقَدَّمَ وَفِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ فِي الْمَالِ لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ» وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ بِلَفْظِ «فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ» وَفِي بَعْضِ نُسَخِهِ «لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ» وَاقْتَصَرَ وَالِدِي ﵀ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ عَلَى نَقْلِ هَذَا اللَّفْظِ الثَّانِي وَقَالَ: قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى: إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَرْوِيه أَصْحَابُنَا فِي التَّعَالِيقِ وَلَسْت أَحْفَظُ فِيهِ إسْنَادًا ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ وَالِدِي ﵀ بِرِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ لَهُ، وَقَدْ عَرَفْت مَا فِي ذَلِكَ وَقَالَ وَالِدِي ﵀ الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا» مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ وَكَأَنَّ أَبَا دَاوُد أَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي سُنَنِهِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ رَوَى بَعْدَهَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُمَرَ الْغُدَانِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَ يَعْنِي لِأَبِي هُرَيْرَةَ «فَمَا حَقُّ الْإِبِلِ؟ قَالَ تُعْطِي الْكَرِيمَةَ وَتَمْنَحُ الْغَزِيرَةَ وَتُفْقِرُ الظَّهْرَ وَتُطْرِقُ الْفَحْلَ وَتَسْقِي اللَّبَنَ» قَالَ وَالِدِي ﵀ فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَإِنْ قُلْت فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ «مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدَّى مِنْهَا حَقَّهَا» الْحَدِيثَ. وَفِيهِ قُلْنَا «يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ إطْرَاقُ فَحْلِهَا وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا وَمِنْحَتُهَا وَحَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي رَفْعِ هَذَا الْكَلَامِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ صَرَاحَةً لَا يُحْتَمَلُ مَعَهَا الْإِدْرَاجُ (قُلْت) قَالَ وَالِدِي ﵀ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ

стр. 854

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] لَيْسَتْ مُتَّصِلَةً، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ أَبُو الزُّبَيْرِ فِي بَعْضِ طُرُقِ مُسْلِمٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ دُونَ الزِّيَادَةِ ثُمَّ قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ سَمِعْت عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلُ ثُمَّ سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ وَسَمِعْت عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: «قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ الْإِبِلِ؟ قَالَ حَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا وَإِعَارَةُ فَحْلِهَا وَمِنْحَتُهَا وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قَالَ وَالِدِي فَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ إنَّمَا سَمِعَهَا أَبُو الزُّبَيْرِ مِنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ مُرْسَلَةً لَا ذِكْرَ لِجَابِرٍ فِيهَا انْتَهَى. وَبِتَقْدِيرِ أَنْ تَصِحَّ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مَرْفُوعَةً فَجَوَابُ الْجُمْهُورِ عَنْهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الزَّكَاةِ وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ إنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طَهُورًا لِلْأَمْوَالِ مَا أُبَالِي لَوْ كَانَ لِي أُحُدٌ ذَهَبًا أَعْلَمُ عَدَدَهُ وَأُزَكِّيهِ وَأَعْمَلُ فِيهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَوْنَ آيَةِ الْكَنْزِ مَنْسُوخَةً بِآيَةِ الزَّكَاةِ عَنْ عُمَرَ وَعِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبِي عُمَرَ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ الضَّرِيرِ. (ثَانِيهِمَا) أَنَّ هَذَا مِنْ الْحَقِّ الزَّائِدِ عَلَى الْوَاجِبِ وَلَا عِقَابَ بِتَرْكِهِ وَإِنَّمَا ذُكِرَ اسْتِطْرَادًا لَمَّا ذَكَرَ حَقَّهَا بَيَّنَ الْكَمَالَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ أَقَلُّ يَزُولُ الذَّمُّ بِفِعْلِهِ وَهُوَ الزَّكَاةُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ الْحَقِّ الْوَاجِبِ إذَا كَانَ هُنَاكَ مُضْطَرٌّ إلَى شُرْبِ لَبَنِهَا فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ. ١ - (الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ) قَوْلُهُ «بُطِحَ لَهَا» بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ أَوَّلَهُ. قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَعْنَاهُ أُلْقِيَ عَلَى وَجْهِهِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ «تَخْبِطُ وَجْهَهُ بِأَخْفَافِهَا» قَالَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْبَطْحِ كَوْنُهُ عَلَى الْوَجْهِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الْبَسْطِ وَالْمَدِّ فَقَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهِهِ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى ظَهْرِهِ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ بَطْحَاءُ مَكَّةَ لِانْبِسَاطِهَا وَ (الْقَاعُ) الْمُسْتَوَى الْوَاسِعُ فِي سَوَاءٍ مِنْ الْأَرْضِ يَعْلُوهُ مَاءُ السَّمَاءِ فَيُمْسِكُهُ قَالَهُ الْهَرَوِيُّ وَجَمْعُهُ قِيعَةٌ وَقِيعَانٌ مِثْلُ جَارٍ وَجِيرَةٌ وَجِيرَانٌ (وَالْقَرْقَرُ) بِقَافٍ وَرَاءٍ مُكَرَّرَتَيْنِ بِفَتْحِ الْقَافَيْنِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ الْأُولَى الْمُسْتَوِي مِنْ الْأَرْضِ الْوَاسِعِ أَيْضًا فَهُوَ بِمَعْنَى الْقَاعِ فَذَكَرَهُ بَعْدَهُ تَأْكِيدًا. (السَّادِسَةَ عَشْرَةَ) قَوْلُهُ «أَوْفَرَ مَا كَانَتْ» أَيْ عِنْدَ مَانِعِ زَكَاتِهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى حَالَاتٍ مَرَّةً هَزِيلَةٌ وَمَرَّةً ثَمِينَةٌ وَمَرَّةً صَغِيرَةٌ وَأُخْرَى كَبِيرَةٌ

стр. 855

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] فَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَوْفَرِ أَحْوَالِهَا عِنْدَهُ زِيَادَةً فِي عُقُوبَتِهِ بِقُوَّتِهَا وَكَمَالِ خَلْقِهَا فَتَكُونُ أَثْقَلَ فِي وَطْئِهَا وَأَيْضًا فَيَأْتِي جَمِيعُهَا لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى الْفَصِيلُ وَهُوَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ وَلَدُ النَّاقَةِ إذَا فُصِلَ عَنْ أُمِّهِ، وَقَدْ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إمَّا لِبُلُوغِهِ حَوْلًا وَإِمَّا لِبِنَاءِ حَوْلِهِ عَلَى حَوْلِ أُمِّهِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته هُوَ الظَّاهِرُ، وَذَكَرَ مَعَهُ وَالِدِي ﵀ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ احْتِمَالَيْنِ آخَرَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّهَا تَأْتِي أَوْفَرَ مَا كَانَتْ فِي الدُّنْيَا مُطْلَقًا فَقَدْ تَكُونُ عِنْدَ صَاحِبِهَا الَّذِي مَنَعَ زَكَاتَهَا هَزِيلَةً فِي جَمِيعِ مُدَّتِهَا عِنْدَهُ وَتَسْمَنُ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِهِ أَوْ تَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهَا سَمِينَةً فَتُحْشَرُ عَلَى أَتَمِّ حَالَاتِهَا تَغْلِيظًا عَلَيْهِ. (الِاحْتِمَالُ الثَّانِي) أَنَّهَا تَجِيءُ عَلَى أَعْظَمِ حَالَاتِ الْإِبِلِ مُطْلَقًا هِيَ وَغَيْرُهَا وَكَذَلِكَ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ «لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ وَلَا عَضْبَاءُ» وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا «لَيْسَ فِيهَا جَمَّاءُ وَلَا مُنْكَسِرٌ قَرْنُهَا» وَرُبَّمَا كَانَ فِي بَقَرِهِ وَغَنَمِهِ فِي الدُّنْيَا مَا هُوَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ النَّقْصِ فَأَخْبَرَ ﵊ أَنَّهَا تَأْتِي تَامَّةَ الْخِلْقَةِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ. (السَّابِعَةَ عَشْرَةَ) قَوْلُهُ «كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا» كَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الَّتِي نَقَلَهَا الشَّيْخُ ﵀ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ قَالُوا هُوَ تَغْيِيرٌ وَتَصْحِيفٌ وَصَوَابُهُ مَا جَاءَ بَعْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ وَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْد عَنْ أَبِي ذَرٍّ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا وَبِهَذَا يَنْتَظِمُ الْكَلَامُ. (الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْعَقْصَاءُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ بَعْدَهَا صَادٌ مُهْمَلَةٌ مُلْتَوِيَةُ الْقَرْنَيْنِ وَالْجَلْحَاءُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ بَعْدَهَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا وَالْعَضْبَاءُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ الَّتِي انْكَسَرَ قَرْنُهَا الدَّاخِلُ وَالثَّلَاثَةُ مَمْدُودَةٌ، وَقَوْلُهُ «تَنْطَحُهُ» بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الرِّوَايَةِ، وَقَوْلُهُ «وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا» الظِّلْفُ بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ لِلْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالظِّبَاءِ وَهُوَ الْمُنْشَقُّ مِنْ الْقَوَائِمِ وَالْخُفُّ لِلْبَعِيرِ وَالْحَافِرُ لِلْفَرَسِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَالْقَدَمُ لِلْآدَمِيِّ. [فَائِدَة زَكَاة الخيل] ١ (التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ) قَوْلُهُ فِي الْخَيْلِ

стр. 856

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] «فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ» كَذَا فِي أَكْثَرِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ. (الَّتِي) وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا الَّذِي وَهُوَ أَوْضَحُ وَأَظْهَرُ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ، وَقَوْلُهُ وَنِوَاءً بِكَسْرِ النُّونِ وَبِالْمَدِّ أَيْ مُنَاوَاةً وَمُعَادَاةً، وَقَوْلُهُ «رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ» أَيْ أَعَدَّهَا لِلْجِهَادِ وَأَصْلُهُ مِنْ الرَّبْطِ وَمِنْهُ الرِّبَاطُ وَهُوَ حَبْسُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ فِي الثَّغْرِ وَإِعْدَادُهُ الْأُهْبَةَ لِذَلِكَ، وَقَوْلُهُ «ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِهَا» اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْخَيْلِ وَمَذْهَبُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْخَيْلُ كُلُّهَا ذُكُورًا فَلَا زَكَاةَ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ إنَاثًا أَوْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ وَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخْرَجَ عَنْ كُلِّ فَرَسٍ دِينَارًا وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهَا وَأَخْرَجَ رُبْعُ عُشْرِ الْقِيمَةِ كَذَا حَكَاهُ عَنْهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَاَلَّذِي فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ إنْ كَانَتْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ وَإِنْ تَمَحَّضَتْ ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ لَا زَكَاةَ فِي الْخَيْلِ بِحَالٍ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ وَتَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُجَاهِدُ بِهَا إذَا تَعَيَّنَ وَقِيلَ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقِّ فِي رِقَابِهَا الْإِحْسَانُ إلَيْهَا وَالْقِيَامُ بِعَلَفِهَا وَسَائِرِ مُؤَنِهَا وَالْمُرَادُ بِظُهُورِهَا إطْرَاقُ فَحْلِهَا إذَا طُلِبَ مِنْهُ إعَارَتُهُ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ وَقِيلَ الْمُرَادُ حَقُّ اللَّهِ مِمَّا يَكْسِبُهُ مِنْ مَالِ الْعَدُوِّ عَلَى ظُهُورِهَا وَهُوَ خُمْسُ الْغَنِيمَةِ. (الْعِشْرُونَ) إنْ قُلْت قَالَ فِي كُلٍّ مِنْ السِّتْرِ وَالْأَجْرِ رَبْطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ قُلْت السِّتْرُ رَبْطُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِنَفْسِهِ وَالْأَجْرُ رَبْطُهَا فِي سَبِيلِ اللَّه لِغَيْرِهِ لَيُعِينَ بِهَا الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْأَجْرِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ. (الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ) الْمَرْجُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَبِالْجِيمِ الْمَوْضِعُ الْوَاسِعُ الَّذِي فِيهِ نَبَاتٌ تَرْعَاهُ الدَّوَابُّ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَمْرُجُ فِيهِ أَيْ تَرُوحُ وَتَجِيءُ وَتَذْهَبُ كَيْفَ شَاءَتْ، وَالرَّوْضَةُ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَكْثُرُ فِيهِ الْمَاءُ فَيَكُونُ فِيهِ صُنُوفُ النَّبَاتِ مِنْ رَيَاحِينِ الْبَادِيَةِ وَغَيْرِهَا فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَرْجِ وَالرَّوْضَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ مُعَدٌّ لِرَعْيِ الدَّوَابِّ وَلِذَلِكَ يَكُونُ وَاسِعًا لِيَتَأَتَّى لَهَا فِيهِ ذَلِكَ، وَالرَّوْضَةُ لَيْسَتْ مُعَدَّةٌ لِرَعْيِ الدَّوَابِّ وَإِنَّمَا هِيَ لِلتَّنَزُّهِ بِهَا لِمَا فِيهَا مِنْ أَصْنَافِ النَّبَاتِ هَذَا هُوَ الَّذِي يَتَحَرَّرُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ فَصَحَّ عَطْفُ الرَّوْضَةِ عَلَى الْمَرْجِ وَكَذَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَطْفُ الرَّوْضَةِ أَوَّلًا بِالْوَاوِ وَثَانِيًا

стр. 857

وَعَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ وَلَمْ يَقُلْ جُرْحَهَا، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ ــ [طرح التثريب] بِأَوْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ أَوَّلًا بِمَعْنَى أَوْ. (الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ) قَوْلُهُ «كُتِبَ لَهُ عَدَدُ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٍ» بِرَفْعِ عَدَدٍ لِنِيَابَتِهِ عَنْ الْفَاعِلِ وَنَصْبِ حَسَنَاتٍ بِالْكَسْرَةِ عَلَى التَّمْيِيزِ وَيُحْتَمَلُ رَفْعُ قَوْلِهِ حَسَنَاتٍ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ عَدَدٍ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ النَّائِبُ عَنْ الْفَاعِلِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ عَدَدَ مَنْصُوبٌ نَصْبَ الْمَصْدَرِ الْعَدَدِيِّ. (الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ) قَوْلُهُ «وَلَا يَقْطَعُ طِوَلَهَا» هُوَ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَيُقَالُ طِيَلَهَا بِالْيَاءِ وَكَذَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالطِّوَلُ وَالطِّيَلُ الْحَبْلُ الَّذِي تُرْبَطُ بِهِ، وَقَوْلُهُ فَاسْتَنَّتْ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ جَرَتْ، وَقَوْلُهُ شَرَفًا بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْعَالِي مِنْ الْأَرْضِ وَقِيلَ الْمُرَادُ هُنَا طَلْقًا أَوْ طَلْقَيْنِ. (الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ) قَوْلُهُ «فَشَرِبَتْ مِنْهُ» وَهُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ. هَذَا مِنْ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى؛ لِأَنَّهُ إذَا حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الْحَسَنَاتُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ سَقْيَهَا فَإِذَا قَصَدَهُ فَأَوْلَى بِأَضْعَافِ الْحَسَنَاتِ. [فَائِدَة اجْتِهَاد النَّبِيّ] ١ (الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ) قَوْلُهُ «مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ إلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْفَاذَّةَ الْجَامِعَةَ» مَعْنَى الْفَاذَّةِ الْقَلِيلَةُ النَّظِيرِ وَالْجَامِعَةِ أَيْ التَّامَّةُ الْمُتَنَاوِلَةُ لِكُلِّ خَيْرٍ وَمَعْرُوفٍ أَيْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهَا نَصٌّ بِعَيْنِهَا لَكِنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْعَامَّةُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى التَّمَسُّكِ بِالْعُمُومِ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَإِنَّمَا كَانَ يَحْكُمُ بِالْوَحْيِ وَيُجَابُ لِلْجُمْهُورِ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ بِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ فِيهَا شَيْءٌ اهـ [حَدِيث الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ] الْحَدِيثُ الثَّانِي عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ وَلَمْ يَقُلْ جَرْحُهَا. (فِيهِ فَوَائِدُ) : الْأُولَى أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ

стр. 858

«وَالْبِئْرُ جَرْحُهَا جُبَارٌ. وَالْمَعْدِنُ جَرْحُهَا جُبَارٌ» وَلِأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ «النَّارُ جُبَارٌ» وَلِأَبِي دَاوُد «الرِّجْلُ جُبَارٌ» .. ــ [طرح التثريب] الْأُولَى مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ذِكْرُ أَبِي سَلَمَةَ وَلَيْسَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ قَوْلُهُ «جَرْحُهَا» وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْن حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ وَحْدَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «الرِّجْلُ جُبَارٌ» مُقْتَصِرِينَ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ رُوِيَتْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ أَيْضًا قَالَ وَلَيْسَ أَبُو سَلَمَةَ بِمَحْفُوظٍ وَقَالَ فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ، وَحَدِيثُهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ غَيْرُ مَدْفُوعٍ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ اثْنَانِ أَيْ رَوَيَاهُ عَنْ يُونُسَ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَمْ يُتَابَعْ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَلَى قَوْلِهِ «الرِّجْلُ جُبَارٌ» وَهُوَ وَهْمٌ؛ لِأَنَّ الثِّقَاتَ خَالَفُوهُ مِثْلَ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَمُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ وَغَيْرِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرُوا الرِّجْلَ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ انْتَهَى. وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَصِحُّ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «الرِّجْلُ جُبَارٌ» لِأَنَّ الْحُفَّاظَ لَمْ يَحْفَظُوهُ وَأَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، لَفْظُ النَّسَائِيّ «النَّارُ جُبَارٌ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ» وَاقْتَصَرَ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ عَلَى ذِكْرِ النَّارِ وَاتَّفَقَ الشَّيْخَانِ أَيْضًا عَلَى إخْرَاجِ الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ «الْبِئْرُ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَالْمَعْدِنُ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَالْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَفِي الزَّكَاةِ الْخُمُسُ» . (الثَّانِيَةُ) الْعَجْمَاءُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ مَمْدُودٌ، الْبَهِيمَةُ وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ عَجْمَاءَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ

стр. 859

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] فَكُلُّ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ أَصْلًا فَهُوَ أَعْجَمُ قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَقَوْلُهُ «جَرْحُهَا» قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ هُوَ هُنَا بِفَتْحِ الْجِيمِ عَلَى الْمَصْدَرِ لَا غَيْرُ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ فَأَمَّا الْجُرْحُ بِالضَّمِّ فَهُوَ الِاسْمُ، وَقَوْلُهُ جُبَارٌ بِضَمِّ الْجِيمِ بَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ مُخَفَّفَةٌ وَآخِرُهُ رَاءٌ وَهُوَ الْهَدَرُ الَّذِي لَا ضَمَانَ فِيهِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ بِنَاءَ ج ب ر لِلرَّفْعِ وَالْإِهْدَارُ مِنْ بَابِ السَّلْبِ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ يَأْتِي اسْمُ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ لِسَلْبِ مَعْنَاهُ كَمَا يَأْتِي لِإِثْبَاتِ مَعْنَاهُ وَاعْتَرَضَهُ وَالِدِي ﵀ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِجَعْلِهِ مِنْ السَّلْبِ بَلْ هُوَ لِلرَّفْعِ عَلَى بَابِهِ؛ لِأَنَّ إتْلَافَاتِ الْآدَمِيِّينَ مَضْمُونَةٌ مَقْهُورٌ مُتْلِفُهَا عَلَى ضَمَانِهَا، وَهَذَا إتْلَافٌ قَدْ ارْتَفَعَ عَلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ انْتَهَى. وَيَجُوزُ فِي إعْرَابِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ «جَرْحُهَا جُبَارٌ» جُمْلَةً مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ وَهِيَ خَبَرٌ عَنْ الْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ الْعَجْمَاءُ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ جَرْحُهَا بَدَلًا مِنْ الْعَجْمَاءِ وَهُوَ بَدَلُ اشْتِمَالٍ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ «جُبَارٌ» وَالْكَلَامُ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ وَالْمَصْدَرُ فِي قَوْلِهِ «جَرْحُهَا» مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ أَيْ كَوْنُ الْعَجْمَاءِ تَجْرَحُ غَيْرَهَا مَضْمُونٌ. [فَائِدَة جرح الْبَهِيمَة] ١ (الثَّالِثَةُ) فِيهِ أَنَّ جَرْحَ الْبَهِيمَةِ هَدَرٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ عَبَّرَ بِالْجَرْحِ عَمَّا عَدَاهُ مِنْ إتْلَافِهَا سَوَاءٌ أَكَانَ لِجَرْحٍ أَوْ غَيْرِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، فَإِنْ قُلْت وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ «الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ» وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِجَرْحِهَا قُلْت تِلْكَ الرِّوَايَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَقْدِيرٍ إذْ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْعَجْمَاءِ نَفْسِهَا هَدَرًا، وَقَدْ دَلَّتْ رِوَايَةُ غَيْرِهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمُقَدَّرُ هُوَ الْجَرْحُ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ لَكِنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِ بَلْ هُوَ مِثَالٌ مِنْهُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَا عَدَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ لَمْ تَدُلَّ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَلَى تَعْيِينِ ذَلِكَ الْمُقَدَّرِ لَمْ يَكُنْ لِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عُمُومٌ فِي جَمِيعِ الْمُقَدَّرَاتِ الَّتِي يَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ بِتَقْدِيرِ وَاحِدٍ مِنْهَا هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُورُ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ ثُمَّ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْبَهِيمَةُ مُنْفَرِدَةً أَوْ مَعَهَا صَاحِبُهَا وَبِهَذَا قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ فَلَمْ يُضَمِّنُوا صَاحِبَهَا، وَلَوْ كَانَ مَعَهَا إلَّا إنْ كَانَ الْفِعْلُ مَنْسُوبًا إلَيْهِ بِأَنْ حَمَلَهَا عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ فِيهِمَا إذَا كَانَ رَاكِبًا أَوْ قَادَهَا حَتَّى أَتْلَفَتْ مَا مَشَتْ عَلَيْهِ فِيمَا إذَا كَانَ قَائِدًا أَوْ حَمَلَهَا عَلَيْهِ بِضَرْبٍ أَوْ نَخْذٍ أَوْ زَجْرٍ فِيمَا إذَا كَانَ سَائِقًا، فَإِنْ أَتْلَفَتْ

стр. 860

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] شَيْئًا بِرَأْسِهَا أَوْ بَعْضِهَا أَوْ ذَنَبِهَا أَوْ نَفْحَتِهَا بِالرِّجْلِ أَوْ ضَرَبَتْ بِيَدِهَا فِي غَيْرِ الْمَشْيِ فَلَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَقَالَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ مَتَى كَانَ مَعَ الْبَهِيمَةِ شَخْصٌ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْهُ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ سَوَاءٌ أَتْلَفَتْ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَسَوَاءٌ كَانَ سَائِقَهَا أَوْ قَائِدَهَا أَوْ رَاكِبَهَا وَسَوَاءٌ كَانَ مَالِكَهَا أَوْ أَجِيرَهُ أَوْ مُسْتَأْجِرًا أَوْ مُسْتَعِيرًا أَوْ غَاصِبًا وَسَوَاءٌ أَتْلَفَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا أَوْ عَضِّهَا أَوْ ذَنَبِهَا وَقَالَ مَالِكٌ الْقَائِدُ وَالسَّائِقُ وَالرَّاكِبُ كُلُّهُمْ ضَامِنُونَ لِمَا أَصَابَتْ الدَّابَّةُ إلَّا أَنْ تَرْمَحَ الدَّابَّةُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْعَلَ بِهَا شَيْءٌ تَرْمَحُ لَهُ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ إنَّ الرَّاكِبَ وَالْقَائِدَ لَا يَضْمَنَانِ وَمَا نَفَحَتْ الدَّابَّةُ بِرِجْلِهَا أَوْ ذَنَبِهَا إلَّا إنْ أَوْقَفَهَا فِي الطَّرِيقِ، وَاخْتَلَفُوا فِي السَّائِقِ فَقَالَ الْقُدُورِيُّ وَآخَرُونَ إنَّهُ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا؛ لِأَنَّ النَّفْحَةَ بِمَرْأَى عَيْنِهِ فَأَمْكَنَهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ لَا يَضْمَنُ النَّفْحَةَ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ يَرَاهَا إذْ لَيْسَ عَلَى رِجْلِهَا مَا يَمْنَعُهَا بِهِ فَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ بِخِلَافِ الْكَدْمِ لِإِمْكَانِهِ كَبْحَهَا بِلِجَامِهَا وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَكَذَا قَالَ الْحَنَابِلَةُ إنَّ الرَّاكِبَ لَا يَضْمَنُ مَا تُتْلِفُهُ الْبَهِيمَةُ بِرِجْلِهَا وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ نَفْيَ الضَّمَانِ مِنْ النَّفْحَةِ عَنْ شُرَيْحٍ الْقَاضِي وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَعَنْ الْحَكَمِ وَالشَّعْبِيِّ: يَضْمَنُ لَا يَبْطُلُ دَمُ الْمُسْلِمِ وَتَمَسَّكَ مَنْ نَفَى الضَّمَانَ مِنْ النَّفْحَةِ بِعُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا «الرِّجْلُ جُبَارٌ» ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي الْفَائِدَةِ الْأُولَى وَذَكَرْنَا تَضْعِيفَ مَنْ ضَعَّفَهَا وَذَكَرُوا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا اطِّلَاعَ لَهُ عَلَى رَمْحِهَا وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى دَفْعِهِ، وَمَنْ أَوْجَبَ الضَّمَانَ قَالَ بَابُ الْإِتْلَافِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَغَيْرِهِ وَمَنْ هُوَ مَعَ الْبَهِيمَةِ حَاكِمٌ لَهَا فَهِيَ كَالْآلَةِ بِيَدِهِ فَفِعْلُهَا مَنْسُوبٌ إلَيْهِ حَمَلَهَا عَلَيْهِ أَمْ لَا عِلْمَ بِهِ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (الرَّابِعَةُ) وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي إتْلَافِ الْبَهِيمَةِ لِلزُّرُوعِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْأَمْوَالِ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهَا مَعَهَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَدَاوُد وَأَهْلُ الظَّاهِرِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ إنَّمَا لَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى أَصْحَابِ الْبَهَائِمِ إذَا كَانَ ذَلِكَ نَهَارًا فَأَمَّا إذَا كَانَ بِاللَّيْلِ فَإِنَّ عَلَيْهِمْ حِفْظَهَا فَإِذَا انْفَلَتَتْ بِتَقْصِيرٍ مِنْهُمْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْهُ

стр. 861

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةُ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «كَانَتْ لَهُ نَاقَةٌ ضَارِيَةٌ فَدَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْ فِيهِ فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّه ﷺ فِيهَا فَقَضَى أَنَّ حِفْظَ الْحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا وَأَنَّ حِفْظَ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةُ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ نَاقَةَ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطَ رَجُلٍ فَأَفْسَدَتْهُ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ وَعَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي حِفْظَهَا بِاللَّيْلِ» . وَلِابْنِ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنْ ابْنَ مُحَيِّصَةُ أَخْبَرَهُ «أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ كَانَتْ ضَارِيَةً» فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا. قَالَ أَصْحَابُنَا جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى عَادَةِ النَّاسِ فِي أَنَّ أَصْحَابَ الزُّرُوعِ وَالْبَسَاتِينِ يَحْفَظُونَهَا نَهَارًا دُونَ اللَّيْلِ وَلَا بُدَّ مِنْ إرْسَالِ الْمَوَاشِي لِلرَّعْيِ نَهَارًا وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِتَرْكِهَا بِاللَّيْلِ مُنْتَشِرَةً فَلَوْ جَرَتْ الْعَادَةُ فِي نَاحِيَةٍ بِالْعَكْسِ فَكَانُوا يُرْسِلُونَ الْبَهَائِمَ لَيْلًا لِلرَّعْيِ وَيَحْفَظُونَهَا نَهَارًا وَكَانُوا يَحْفَظُونَ الزَّرْعَ لَيْلًا، فَوَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يَنْعَكِسُ الْحُكْمُ فَيَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتْهُ بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ إتْبَاعًا لِمَعْنَى الْخَبَرِ وَلِلْعَادَةِ ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ فِي الْمَزَارِعِ وَنَحْوِهَا فَأَمَّا لَوْ أَرْسَلَ دَابَّةً فِي الْبَلَدِ وَحْدَهَا فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا فَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَضْمَنُهُ مُطْلَقًا. وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الضَّارِبَةِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي نَاقَةٍ ضَارِبَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ يَضْمَنُ مَالِكُ الضَّارِيَةَ مَا أَتْلَفَتْ قَالَ وَكَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ يَضْمَنُ إذَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً بِالْإِفْسَادِ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ رَبْطُهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ، انْتَهَى. وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادِهِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ (يُرَدُّ الضَّارِي إلَى أَهْلِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يُعْقَرُ) قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فَلَمْ يَضْمَنْ وَلَمْ يَخُصَّ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا وَضَعَّفَ ابْنُ حَزْمٍ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ وَقَالَ هَذَا خَبَرٌ مُرْسَلٌ أَحْسَنُ طُرُقِهِ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَمَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ وَإِنَّمَا أُسْنِدَ مِنْ طَرِيقِ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةُ مَرَّةً عَنْ أَبِيهِ وَلَا صُحْبَةَ لِأَبِيهِ وَمَرَّةً عَنْ الْبَرَاءِ، وَحَرَامٌ

стр. 862

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] هَذَا مَجْهُولٌ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إلَّا الزُّهْرِيُّ وَلَمْ يُوَثِّقْهُ. [فَائِدَة قولة وَالْمَعْدِن جُبَار] ١ (الْخَامِسَةُ) قَوْلُهُ «وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ» وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «جَرْحُهَا جُبَارٌ» وَمَعْنَاهُ إذَا حَفَرَ مَعْدِنًا فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي مَوَاتٍ فَوَقَعَ شَخْصٌ فِيهَا وَمَاتَ لَا يَضْمَنُهُ بَلْ دَمُهُ هَدَرٌ وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ يَعْمَلُونَ فِيهَا فَوَقَعَتْ عَلَيْهِمْ وَمَاتُوا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ كُلُّ أَجِيرٍ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى عَمَلٍ كَانَ ذَلِكَ الْعَمَلُ سَبَبَ هَلَاكِهِ كَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى صُعُودِ نَخْلَةٍ فَسَقَطَ مِنْهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ. (السَّادِسَةُ) قَوْلُهُ «وَالْبِئْرُ جُبَارٌ» وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «جَرْحُهَا جُبَارٌ» وَالْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ الْبِئْرُ بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ وَيَجُوزُ تَسْهِيلُهَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَقِيلَ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ النَّارُ جُبَارٌ وَقَالُوا إنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ يَكْتُبُونَ النَّارَ بِالْيَاءِ وَمَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ أَنَّ مَنْ اسْتَوْقَدَ نَارًا بِمَا يَجُوزُ لَهُ فَتَعَدَّتْ إلَى مَا لَا يَجُوزُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَلَى تَفْصِيلٍ بَيَانُهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ. قَالَ وَالِدِي ﵀ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «وَالْجُبُّ جُبَارٌ» ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْبِئْرُ لَا النَّارُ كَمَا هُوَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ الْمَشْهُورَةِ قُلْت قَدْ جَمَعَ النَّسَائِيّ بَيْنَ ذِكْرِ النَّارِ وَالْبِئْرِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى وُرُودِهِمَا وَأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا تَصْحِيفًا مِنْ الْآخَرِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْفَائِدَةِ الْأُولَى وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ أَصْلُهُ وَالْبِئْرُ وَلَكِنَّ مَعْمَرًا صَحَّفَهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَمْ يَأْتِ ابْنُ مَعِينٍ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا بِدَلِيلٍ وَلَيْسَ هَكَذَا تَرِدُ أَحَادِيثُ الثِّقَاتِ، وَالْكَلَامُ فِي قَوْلِهِ «وَالْبِئْرُ جُبَارٌ» كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ «وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ» أَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يَحْفِرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي مَوَاتٍ فَيَقَعُ فِيهَا إنْسَانٌ أَوْ غَيْرُهُ وَيَتْلَفُ فَلَا ضَمَانَ وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِحَفْرِهَا فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ فَمَاتَ فَلَا ضَمَانَ أَمَّا إذَا حَفَرَ الْبِئْرَ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ فَتَلَف فِيهَا إنْسَانٌ وَجَبَ ضَمَانُهُ عَلَى عَاقِلَةِ حَافِرِهَا وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِ الْحَافِرِ وَإِنْ تَلِفَ بِهَا غَيْرُ الْآدَمِيِّ وَجَبَ ضَمَانُهُ فِي مَالِ الْحَافِرِ. [فَائِدَة حُكْم الرِّكَاز] (السَّابِعَةُ) الرِّكَازُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْكَافِ وَآخِرِهِ زَايٌ قَالَ فِي الصِّحَاحِ دَفِينُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ كَأَنَّهُ رُكِّزَ فِي الْأَرْضِ أَيْ غُرِزَ وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ قِطَعُ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ تَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ الْمَعْدِنِ وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَاللُّغَوِيِّينَ الْكُنُوزُ وَعِنْدَ أَهْلِ الْعِرَاقِ الْمَعَادِنُ

стр. 863

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] لِأَنَّهَا رُكِّزَتْ فِي الْأَرْضِ أَيْ ثُبِّتَتْ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَالْقَوْلَانِ تَحْتَمِلُهُمَا اللُّغَةُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَرْكُوزٌ فِي الْأَرْضِ أَيْ ثَابِتٌ يُقَالُ رَكَّزَهُ يُرَكِّزُهُ رَكْزًا إذَا دَفَنَهُ وَالْحَدِيثُ إنَّمَا جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْكَنْزُ الْجَاهِلِيُّ وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ الْخُمُسُ لِكَثْرَةِ نَفْعِهِ وَسُهُولَةِ أَخْذِهِ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ حَقِيقَةُ رَكْزِ الْإِثْبَاتِ وَالْمَعْدِنِ ثَابِتٌ خِلْقَةً وَمَا يُدْفَنُ ثَابِتٌ بِتَكَلُّفِ مُتَكَلِّفٍ، قُلْت، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ دَفِينِ الْجَاهِلِيَّةِ أَيْضًا لِكَوْنِهِ ﵊ عَطَفَ الرِّكَازَ عَلَى الْمَعْدِنِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَجَعَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمًا، وَلَوْ كَانَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ لَجَمَعَ بَيْنَهُمَا وَقَالَ «وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ» وَفِيهِ الْخُمُسُ وَقَالَ «الرِّكَازُ جُبَارٌ وَفِيهِ الْخُمُسُ» فَلَمَّا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا دَلَّ عَلَى تَغَايُرِهِمَا، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْإِشْرَافِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ الرِّكَازُ الْمَدْفُونُ دَفْنَ الْجَاهِلِيَّةِ دُونَ الْمَعَادِنِ وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَمَالِكٌ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ الرِّكَازُ الْمَالُ الْمَدْفُونُ وَالْمَعْدِنُ جَمِيعًا وَفِيهِمَا جَمِيعًا الْخُمُسُ انْتَهَى وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا الْقَوْلَ الثَّانِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ فَقَالَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ الرِّكَازُ أَمْوَالُ أَهْلِ الْكِتَابِ الْمَدْفُونَةُ فِي الْأَرْضِ وَالذَّهَبُ بِعَيْنِهِ يُصِيبُهُ الرَّجُلُ فِي الْمَعْدِنِ انْتَهَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَخَصُّ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ لِكَوْنِهِ خَصَّهُ فِي الْمَعْدِنِ بِالذَّهَبِ بِعَيْنِهِ لَكِنْ نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي ذَهَبِ الْمَعْدِنِ وَفِضَّتِهِ الْخُمُسُ وَلَا شَيْءَ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْهُ غَيْرُهُمَا. (الثَّامِنَةُ) فِيهِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيمَا وَجَدَهُ الْمُسْلِمُ مِنْ دَفِينِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ ذَلِكَ إلَّا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ مَا يُوجَدُ مِنْهُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَأَرْضِ الْعَرَبِ فَأَوْجَبَ الْخُمُسَ فِيهِ إذَا وُجِدَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَإِذَا وُجِدَ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ انْتَهَى. وَحَكَى ابْنُ قُدَامَةَ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْأَوَّلِ ثُمَّ حَكَى كَلَامَ ابْنِ الْمُنْذِرِ الْمُتَقَدِّمَ قَالَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَيُعْرَفُ كَوْنُهُ مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى ضَرْبِهِمْ أَوْ عَلَيْهِ اسْمُ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِهِمْ وَاسْتَشْكَلَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ عَلَى ضَرْبِهِمْ كَوْنُهُ مِنْ دَفْنِهِمْ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ وَجَدَهُ مُسْلِمٌ بِكَنْزِ جَاهِلِيٍّ فَكَنَزَهُ ثَانِيًا

стр. 864

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] وَالْحُكْمُ مَدَارٌ عَلَى كَوْنِهِ مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا عَلَى كَوْنِهِ ضَرْبَهُمْ وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ مَدْفُوعٌ بِالْأَصْلِ. قَالُوا: فَلَوْ كَانَ الْمَوْجُودُ عَلَى ضَرْبِ الْإِسْلَامِ بِأَنْ كَانَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ اسْمُ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَمْلِكْهُ الْوَاجِدُ بَلْ يَرُدُّهُ إلَى مَالِكِهِ إنْ عَلِمَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ فَوَجْهَانِ، الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لُقَطَةٌ يُعَرِّفُهُ الْوَاجِدُ سَنَةً ثُمَّ لَهُ تَمَلُّكُهُ إنْ لَمْ يَظْهَرْ مَالِكُهُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ هُوَ مَالٌ ضَائِعٌ يُمْسِكُهُ الْآخِذُ لِلْمَالِكِ أَبَدًا وَيَحْفَظُهُ الْإِمَامُ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يُمْلَكُ بِحَالٍ فَلَوْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ الْمَوْجُودَ مِنْ ضَرْبِ الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ الْإِسْلَامِ فَفِيهِ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِرِكَازٍ بَلْ هُوَ لُقَطَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ رِكَازٌ فَيُخَمَّسُ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَلَوْ اشْتَبَهَ الضَّرْبُ يُجْعَلُ جَاهِلِيًّا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَقِيلَ إسْلَامِيًّا فِي زَمَانِنَا لِتَقَادُمِ الْعَهْدِ انْتَهَى. [فَائِدَة زَكَاة مَا وجد فِي طَرِيق مَسْلُوق أَوْ مَمْلُوك] ١ (التَّاسِعَةُ) خَصَّ أَصْحَابُنَا الرِّكَازَ بِمَا يُوجَدُ فِي الْمَوَاتِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَوَاتُ دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ أَمَّا لَوْ وُجِدَ فِي طَرِيقٍ مَسْلُوكٍ أَوْ مَسْجِدٍ فَهُوَ لُقَطَةٌ، وَلَوْ وُجِدَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ إنْ وَجَدَهُ الْمَالِكُ فَهُوَ لَهُ وَإِنْ وَجَدَهُ غَيْرُ الْمَالِكِ لَمْ يَمْلِكْهُ، فَإِنْ ادَّعَاهُ الْمَالِكُ فَهُوَ لَهُ كَأَمْتِعَةِ الدَّارِ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ انْتَقَلَ إلَى مَنْ تَلَقَّاهُ الْمَالِكُ عَنْهُ وَهَكَذَا حَتَّى يَصِلَ الْحَالُ إلَى مَنْ أَحْيَا تِلْكَ الْأَرْضِ، وَمِنْ الْمُصَرِّحِينَ بِمِلْكِ الرِّكَازِ بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ الْقَفَّالُ وَبَنَى الْإِمَامُ ذَلِكَ عَلَى مَسْأَلَةِ الظَّبْيَةِ إذَا دَخَلَتْ دَارًا فَأَغْلَقَ عَلَيْهَا الْبَابَ صَاحِبُ الدَّارِ لَا عَلَى قَصْدِ ضَبْطِهَا، وَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا لَكِنَّهُ يَصِيرُ أَوْلَى بِهَا وَإِنْ كَانَ فِي أَرْضٍ مَوْقُوفَةٍ فَهُوَ لِمَنْ فِي يَدِهِ الْأَرْضُ قَالَ الْبَغَوِيّ وَإِنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنْ أُخِذَ بِقَهْرٍ وَغَلَبَةٍ فَهُوَ غَنِيمَةٌ وَإِلَّا فَهُوَ فَيْءٌ قَالَهُ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ أَمَانٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا دَخَلَ بِأَمَانٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ كَنْزِهِ لَا بِقِتَالٍ وَلَا غَيْرِهِ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، ثُمَّ فِي الْحُكْمِ بِكَوْنِهِ فَيْئًا إشْكَالٌ فَإِنَّهُ إنْ أَخَذَهُ خُفْيَةً كَانَ سَارِقًا وَإِنْ أَخَذَهُ جِهَارًا كَانَ مُخْتَلِسًا لَا جَرَمَ أَطْلَقَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ كَالصَّيْدَلَانِيِّ وَابْنِ الصَّبَّاغِ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ غَنِيمَةٌ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَرَاضِيِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا الرِّكَازُ

стр. 865

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] وَجُعِلَ الْحُكْمُ مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِهَا وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ بِأَنَّ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ إمَّا مُطْلَقًا أَوْ فِي أَكْثَرِ الصُّوَرِ فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْحَدِيثِ اهـ. [فَائِدَة بَيَان مِنْ يَصْرِف لَهُ الْخَمْس] ١ (الْعَاشِرَةُ) لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ مَنْ يُصْرَفُ لَهُ الْخُمُسُ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الزَّكَوَاتِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّهُ يُصْرَفُ مَصْرِفَ خُمُسِ الْفَيْءِ وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيّ وَهُوَ قَوْلٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَالثَّانِيَةُ أَصَحُّ وَأَقْيَسُ عَلَى مَذْهَبِهِ. [فَائِدَة هَلْ يَشْتَرِط أَنْ يَبْلُغ الرِّكَاز النصاب لِوُجُوبِ الْخَمْس] (الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ الْخُمُسِ فِي الرِّكَازِ بَيْنَ أَنْ يَبْلُغَ نِصَابًا أَمْ لَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيمٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ لَمْ يُثْبِتْهُ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ إِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ يُعْتَبَرُ فِيهِ النِّصَابُ فَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيمَا دُونَهُ إلَّا إذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ مَا يُكْمِلُهُ مِنْ جِنْسِ النَّقْدِ الْمَوْجُودِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَبِهِ قَالَ جُلُّ أَهْلِ الْعِلْمِ. [فَائِدَة هَلْ يَشْتَرِط حُلُول الْحَوْل فِي الرِّكَاز لِوُجُوبِ الْخَمْس] ١ (الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) ظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْلُ بَلْ يَجِبُ إخْرَاجُ الْخُمُسِ مِنْهُ فِي الْحَالِ وَلَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَلَا غَيْرِهِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي اعْتِبَارِ الْحَوْلِ فِيهِ فَرَأَى مَالِكٌ أَنَّهُ كَالزَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ زَكَوِيٌّ يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ وَرَأَى الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ يَجْرِيَا عَلَى حُكْمِهِمَا، فَرَاعَى الشَّافِعِيُّ اللَّفْظَ وَرَاعَى مَالِكٌ الْمَعْنَى وَهُوَ أَسْعَدُ بِهِ اهـ، وَقَدْ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْلُ بِلَا خِلَافٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إنَّمَا حَكَى هَذَا الْخِلَافَ فِي الْمَعْدِنِ، وَالْخِلَافُ فِي اشْتِرَاطِ الْحَوْلِ فِي زَكَاةِ الْمَعْدِن عِنْدَنَا مَعْرُوفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَائِدَة لَا فرق بَيْن أَنْ يَكُون الرِّكَاز ذهبا وَفِضَّة أَوْ غَيْرهَا] ١ (الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) ظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الرِّكَازُ ذَهَبًا وَفِضَّةً أَوْ غَيْرَهُمَا كَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَالْجَوَاهِرِ وَسَائِرِ الْأَمْوَالِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ وَعَنْ إِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. قَالَ: وَبِهِ أَقُولُ. قَالَ: وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: مَا أَرَى بِأَخْذِ الْخُمُسِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بَأْسًا وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ كَالْقَوْلَيْنِ وَحَكَى كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ بِالتَّعْمِيمِ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ نَافِعٍ وَبِالتَّخْصِيصِ ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَصَحُّ قَوْلَيْ

стр. 866

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] مَالِكٍ مَا عَلَيْهِ سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ اهـ وَحُكِيَ التَّعْمِيمُ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ لَمْ يُثْبِتْهُ. [فَائِدَة هَلْ يَشْتَرِط فِي إخْرَاجِ الْخُمُسِ مِنْ الرِّكَاز أَنْ يَكُون الْوَاجِدُ لَهُ مُسْلِمًا] (الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ) ظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ إخْرَاجِ الْخُمُسِ مِنْهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِدُ لَهُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا وَكَادَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنْ يَدَّعِيَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ إنَّ عَلَى الذِّمِّيِّ فِي الرِّكَازِ يَجِدُهُ الْخُمُسُ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَغَيْرِهِمْ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَكَذَلِكَ نَقُولُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خُمُسَ الرِّكَازِ لَيْسَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ الصَّدَقَاتِ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ إنَّمَا سَبِيلُهُ سَبِيلَ مَالِ الْفَيْءِ اهـ وَلَمَّا كَانَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَصْرِفَهُ مَصْرِفُ الزَّكَوَاتِ قَالَ لَا يُؤْخَذُ مِنْ الذِّمِّيِّ شَيْءٌ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا قُلْنَا بِذَلِكَ الْقَوْلِ أَنَّ مَصْرِفَهُ مَصْرِفُ الْفَيْءِ أُخِذَ مِنْ الذِّمِّيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَائِدَة مِنْ يَتَعَيَّن عَلَيْهِ إخْرَاج الْخَمْس مِنْ الرِّكَاز] ١ (الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ) لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَعَرُّضٌ لِمَنْ يَتَعَاطَى إخْرَاجَ الْخُمُسِ مِنْ الرِّكَازِ أَهُوَ الْوَاجِدُ أَوْ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ قُلْنَا مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الزَّكَاةِ فَلَوْ أَخْرَجَهُ الْوَاجِدُ لَهُ وَقَعَ الْمَوْقِعُ وَإِنْ قُلْنَا مَصْرِفُ الْفَيْءِ فَذَلِكَ مِنْ وَظِيفَةِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ الَّذِي أَقَامَهُ لِذَلِكَ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِخُمُسِهِ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمَّنَهُ الْإِمَامُ، وَعَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ أَنَّهُ يَسَعُهُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَهَذَا أَصَحُّ وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي وَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى الْإِنْسَانُ تَفْرِقَةَ الْخُمُسِ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا ﵁ أَمَرَ وَاجِدَ الْكَنْزِ بِتَفْرِقَتِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ثُمَّ قَالَ وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَجُوزَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ فَيْءٌ فَلَمْ يَمْلِكْ تَفْرِقَتَهُ بِنَفْسِهِ كَخُمُسِ الْغَنِيمَةِ. قَالَ الْقَاضِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ: وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ رَدُّهُ عَلَى وَاجِدِهِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ مَالٍ فَلَمْ يَجُزْ رَدُّهُ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ كَالزَّكَاةِ وَخُمُسِ الْغَنِيمَةِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى وَاجِدِهِ وَلِأَنَّهُ فَيْءٌ فَجَازَ رَدُّهُ عَلَيْهِ كَخَرَاجِ الْأَرْضِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. [فَائِدَة هَلْ يَدْخُل الْمَعْدِن تَحْت أسم الرِّكَاز] ١ (السَّادِسَةَ عَشْرَةَ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى وُجُوبِ الْخُمُسِ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ الْمَعَادِنِ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ غَيْرَهُمَا مِنْ مَعَادِنِ الْأَرْضِ كَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَغَيْرِهَا بِنَاءً عَلَى دُخُولِ ذَلِكَ فِي اسْمِ الرِّكَازِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَلَمْ يَعْتَبِرُوا

стр. 867

بَابُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَقْبَلْ صَدَقَتَهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ــ [طرح التثريب] فِي ذَلِكَ نِصَابًا وَلَا حَوْلًا وَجَعَلُوا مَصْرِفَهُ مَصْرِفَ الْفَيْءِ وَذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَالْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّ الْمَعْدِنَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ اسْمِ الرِّكَازِ وَلَا لَهُ حُكْمُهُ وَاتَّفَقُوا عَلَى الْإِخْرَاجِ مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ وَأَنَّ مَصْرِفَ الْمُخْرَجِ مِنْهُ مَصْرِفُ الزَّكَاةِ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ اعْتِبَارُ النِّصَابِ فِيهِ دُونَ الْحَوْلِ ثُمَّ اخْتَلَفَتْ تَفَاصِيلُ مَذَاهِبِهِمْ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ إنْ كَانَ الْمُسْتَخْرَجُ مِنْ الْمَعْدِنِ غَيْرَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ إلَّا فِي وَجْهٍ شَاذٍّ وَإِنْ كَانَ أَحَدَ النَّقْدَيْنِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ وَفِي قَدْرِ الْوَاجِبِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلشَّافِعِيِّ (أَصَحُّهَا) رُبْعُ الْعُشْرِ كَزَكَاةِ النَّقْدَيْنِ (وَالثَّانِي) الْخُمُسُ (وَالثَّالِثُ) إنْ نَالَهُ بِلَا تَعَبٍ وَمُؤْنَةٍ فَالْخُمُسُ وَإِلَّا فَرُبْعُ الْعُشْرِ وَلَمْ يَخُصَّ الْحَنَابِلَةُ ذَلِكَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بَلْ قَالُوا بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ مَا خَرَجَ مِنْ الْأَرْضِ مِمَّا يُخْلَقُ فِيهَا مِنْ غَيْرِهَا مِمَّا لَهُ قِيمَةٌ، وَوَسَّعُوا ذَلِكَ حَتَّى قَالُوهُ فِي الْمَعَادِنِ الْجَارِيَةِ كَالْقَارِ وَالنِّفْطِ وَالْكِبْرِيتِ، وَالْحَنَفِيَّةُ خَصُّوا ذَلِكَ بِمَا يَنْطَبِعُ كَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ. قَالَ الْحَنَابِلَةُ وَالْوَاجِبُ فِيهِ رُبْعُ الْعُشْرِ وَخَصَّ الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ بِالنَّقْدَيْنِ وَقَالُوا إنَّ الْوَاجِبَ رُبْعُ الْعُشْرِ إلَّا مَا لَا يُتَكَلَّفُ فِيهِ إلَى عَمَلٍ فَفِيهِ الْخُمُسُ، وَاعْتَبَرَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ فِي زَكَاةِ الْمَعْدِنِ الْحَوْلَ وَحَكَى قَوْلًا عَنْ الشَّافِعِيِّ، وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي الصُّفْرِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالْقَصْدِيرِ وَأَنَّ طَائِفَةً قَالُوا بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا عِنْدَ امْتِزَاجِهَا فِي الْمَعْدِنِ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ وَأَسْقَطُوا الزَّكَاةَ عَنْهَا إذَا كَانَتْ صِرْفًا اهـ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ أَوْجَبُوا الْإِخْرَاجَ مِنْ سَائِرِ الْمَعَادِنِ، وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ إلَّا أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ أَوْجَبُوا الْخُمُسَ وَجَعَلُوهُ فَيْئًا وَالْحَنَابِلَةَ أَوْجَبُوا رُبْعَ الْعُشْرِ وَجَعَلُوهُ زَكَاةً. [بَابُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَقْبَلْ صَدَقَتَهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ] [حَدِيث لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ] (بَابُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ) (الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ) عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَتَقَبَّلُ مِنْهُ صَدَقَةَ

стр. 868

«لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَتَقَبَّلُ مِنْهُ صَدَقَةَ مَالِهِ. قَالَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَيَقْتَرِبُ الزَّمَنُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ، قَالُوا الْهَرْجُ أَيْمَ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ» . ــ [طرح التثريب] مَالِهِ، قَالَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَيَقْتَرِبُ الزَّمَنُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ، قَالُوا الْهَرْجُ أَيْمَ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ» (فِيهِ فَوَائِدُ) : (الْأُولَى) أَخْرَجَ مِنْهُ مُسْلِمٌ الشَّطْرَ الْأَخِيرَ وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ «يُقْبَضُ الْعِلْمُ» مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَأَخْرَجَ الشَّطْرَيْنِ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. فَرَّقَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ ذَكَرَ الشَّطْرَ الْأَوَّلَ فِي الزَّكَاةِ وَفِيهِ «حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ» ، وَذَكَرَ الشَّطْرَ الْأَخِيرَ مِنْ قَوْلِهِ «وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ فِي الْفِتَنِ» وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَسَطَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ «يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَيَقْتَرِبُ الزَّمَنُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ» وَأَخْرَجَهُ بِتَمَامِهِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي يُونُسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَرَّقَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِتَمَامِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى الشَّطْرِ الْأَخِيرِ مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ «يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْهَرْجُ؟ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا كَأَنَّهُ يُرِيدُ الْقَتْلَ» لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهُ وَمِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ وَيُلْقَى الشُّحُّ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ قَالُوا وَمَا الْهَرْجُ قَالَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ» لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ «وَيَنْقُصُ الْعِلْمُ» وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَفْظَانِ (أَحَدُهُمَا) «وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ» (وَالْآخَرُ) «وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ» وَفِي رِوَايَتِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ «وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ» ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ وَيُلْقَى الشُّحُّ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّمَا هُوَ قَالَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ» لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. (الثَّانِيَةُ) قَوْلُهُ «فَيَفِيضَ» بِفَتْحِ أَوَّلِهِ فَسَّرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ يَكْثُرُ وَحِينَئِذٍ فَيُشْكِلُ عَطْفُهُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ «حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ» وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ

стр. 869

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] فِي الْفَيْضِ زِيَادَةً عَلَى الْكَثْرَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْمَشَارِقِ فِي قَوْلِهِ «يَفِيضُ الْمَالُ» أَيْ يَكْثُرُ حَتَّى يَفْضُلَ مِنْهُ بِأَيْدِي مُلَّاكِهِ مَا لَا حَاجَةَ لَهُمْ بِهِ. قَالَ وَقِيلَ بَلْ يَنْتَشِرُ فِي النَّاسِ وَيَعُمُّهُمْ وَهُوَ الْأَوَّلُ انْتَهَى. فَيَصْدُقُ كَثْرَةُ الْمَالِ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَلَا يَصْدُقُ فَيْضُهُ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ وَيُوَافِقُ ذَلِكَ قَوْلَ الْجَوْهَرِيِّ فِي الصِّحَاحِ فَاضَ الْمَاءُ أَيْ كَثُرَ حَتَّى سَالَ عَلَى ضِفَّةِ الْوَادِي، انْتَهَى. فَاعْتُبِرَ فِيهِ مَعَ الْكَثْرَةِ زِيَادَتُهُ عَنْ قَدْرِ الْوَادِي حَتَّى يَسِيلَ عَلَى ضِفَّتِهِ. (الثَّالِثَةُ) قَوْلُهُ «حَتَّى يُهِمَّ» ضَبْطُ وَجْهَيْنِ (أَجْوَدُهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا) أَنَّهُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، وَقَوْلُهُ «رَبَّ الْمَالِ» أَيْ صَاحِبَهُ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وَقَوْلُهُ «مَنْ يَتَقَبَّلُ مِنْهُ صَدَقَةَ مَالِهِ» هُوَ الْفَاعِلُ وَفِيهِ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ أَيْ أَمْرٌ وَالْمَعْنَى أَنْ يُقْلِقَ رَبَّ الْمَالِ وَيُحْزِنَهُ أَمْرُ مَنْ يَأْخُذُ مِنْهُ زَكَاةَ مَالِهِ لِفَقْدِ الْمُحْتَاجِ لِأَخْذِ الزَّكَاةِ لِعُمُومِ الْغِنَى لِجَمِيعِ النَّاسِ (وَالْوَجْهُ الثَّانِي) أَنَّهُ يَهُمُّ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْهَاءِ وَيَكُونُ رَبُّ الْمَالِ مَرْفُوعًا فَاعِلًا وَتَقْدِيرُهُ يَهُمُّ رَبُّ الْمَالِ بِمَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ أَيْ يَقْصِدُهُ، حَكَاهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ: قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: يُقَالُ أَهَمَّهُ إذَا أَحْزَنَهُ وَهَمَّهُ إذَا أَذَابَهُ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: هَمَّك مَا أَهَمَّكَ، أَيْ أَذَابَك الشَّيْءُ الَّذِي أَحْزَنَك فَأَذْهَبَ شَحْمَك، قَالَ وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي هُوَ مِنْ هَمَّ بِهِ إذَا قَصَدَهُ انْتَهَى قَالَ فِي الصِّحَاحِ: تَقُولُ أَهَمَّنِي الْأَمْرُ إذَا أَقْلَقَك وَحَزَنَكَ وَالْهَمُّ الْحُزْنُ وَهَمَّنِي الْمَرَضُ أَذَابَنِي. [فَائِدَة الْمُبَادَرَة بِالصَّدَقَةِ وَاغْتِنَام إمْكَانهَا] ١ (الرَّابِعَةُ) فِيهِ الْإِخْبَارُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ هَمٌّ قَالَ النَّوَوِيُّ وَسَبَبُ عَدَمِ قَبُولِهِمْ الصَّدَقَةَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ كَثْرَةُ الْأَمْوَالِ وَظُهُورُ كُنُوزِ الْأَرْضِ وَوَضْعُ الْبَرَكَاتِ فِيهَا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ بَعْدَ هَلَاكِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَقِلَّةُ النَّاسِ وَقِلَّةُ آمَالِهِمْ وَقُرْبُ السَّاعَةِ وَعَدَمُ ادِّخَارِهِمْ الْمَالَ وَكَثْرَةُ الصَّدَقَاتِ. (الْخَامِسَةُ) وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِالصَّدَقَةِ وَاغْتِنَامِ إمْكَانِهَا قَبْلَ تَعَذُّرِهَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ ﵁ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «تَصَدَّقُوا فَيُوشِكُ الرَّجُلُ يَمْشِي بِصَدَقَتِهِ فَيَقُولُ الَّذِي أُعْطِيهَا لَوْ جِئْتنَا بِهَا بِالْأَمْسِ قَبِلْتهَا، فَأَمَّا الْآنَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا، فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا» . (السَّادِسَةُ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ ﵀ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ وَهُوَ وَاضِحُ الْحُكْمِ وَالتَّعْلِيلِ

стр. 870

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] إذْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ وَلَا مَنْعٌ، لَكِنْ فِي اسْتِنْبَاطِ ذَلِكَ مِنْ الْحَدِيثِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِيهِ الْإِخْبَارُ بِأَنَّ هَذَا سَيَقَعُ، أَمَّا كَوْنُهُ إذَا وَقَعَ يَكُونُ صَاحِبُ الْمَالِ مَأْثُومًا أَوْ غَيْرَ مَأْثُومٍ فَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لَهُ. (السَّابِعَةُ) الْمُرَادُ بِقَبْضِ الْعِلْمِ ذَهَابُهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ انْتِزَاعُهُ مِنْ النَّاسِ بَلْ مَوْتُ الْعُلَمَاءِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا فَسَأَلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى «وَيَنْقُصُ الْعِلْمُ» فَهَذَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ يَنْقُصُ ثُمَّ يُقْبَضُ وَيَذْهَبُ بِالْكُلِّيَّةِ. (الثَّامِنَةُ) الْمُرَادُ بِاقْتِرَابِ الزَّمَانِ قُرْبُهُ مِنْ السَّاعَةِ قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ قِصَرُهُ وَعَدَمُ الْبَرَكَةِ فِيهِ وَأَنَّ الْيَوْمَ مَثَلًا يَصِيرُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِقَدْرِ الِانْتِفَاعِ بِالسَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ وَلَعَلَّ هَذَا أَظْهَرُ وَأَوْفَقُ لِلْأَحَادِيثِ وَأَكْثَرُ فَائِدَةً وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ فَتَكُونُ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ وَالْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ وَيَكُونُ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ وَتَكُونُ السَّاعَةِ كَالضَّرَمَةِ بِالنَّارِ» . (التَّاسِعَةُ) الْهَرْجُ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ جِيمٌ فَسَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّهُ الْقَتْلُ وَهُوَ أَحَدُ مَعَانِيهِ فَتَعَيَّنَ الْأَخْذُ بِهِ وَلَهُ مَعَانٍ أُخَرُ جَمْعُهَا فِي الْمُحْكَمِ شِدَّةُ الْقَتْلِ وَكَثْرَتُهُ وَالِاخْتِلَاطُ وَالْفِتْنَةُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَكَثْرَةُ النِّكَاحِ وَكَثْرَةُ الْكَذِبِ وَكَثْرَةُ النَّوْمِ وَشَيْءٌ تَرَاهُ فِي النَّوْمِ وَلَيْسَ بِصَادِقٍ وَعَدَمُ الْإِيقَانِ بِالْأَمْرِ وَاقْتَصَرَ الْجَوْهَرِيُّ عَلَى أَنَّ الْهَرْجَ الْفِتْنَةُ وَالِاخْتِلَاطُ. قَالَ: وَأَصْلُ الْهَرْجِ الْكَثْرَةُ فِي الشَّيْءِ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى قَالَ أَبُو مُوسَى وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ قَوْلُهُ بِلُغَةِ الْحَبَشَةِ وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ وَإِلَّا فَهِيَ عَرَبِيَّةٌ صَحِيحَةٌ وَالْهَرْجُ الِاخْتِلَاطُ. (الْعَاشِرَةُ) قَوْلُهُ أَيْمَ هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَمَعْنَاهُ مَا هُوَ، وَأَصْلُهُ أَيُّ مَا هُوَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَبِالْأَلْفِ فِي مَا؛ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ هُوَ فَخُفِّفَتْ الْيَاءُ وَحُذِفَتْ أَلِفُ مَا، ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ، وَذَكَرَ فِي الْمَشَارِقِ أَنَّهُ رُوِيَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا وَأَنَّهُمَا لُغَتَانِ. (الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) فِيهِ أَنَّ

стр. 871

وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أُحُدًا عِنْدِي ذَهَبًا لَأَحْبَبْت أَلَّا يَأْتِيَ عَلَيَّ ثَلَاثٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ أَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنِّي لَيْسَ شَيْئًا أَرْصُدُهُ فِي دَيْنٍ عَلَيَّ» لَمْ يَقُلْ مُسْلِمٌ «أَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهُ» .. ــ [طرح التثريب] مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ كَثْرَةُ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ» وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ بَعْدَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «إنَّ الْهَرْجَ الْقَتْلُ؛ فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَقْتُلُ الْآنَ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ وَلَكِنْ بِقَتْلِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ وَابْنَ عَمِّهِ وَذَا قَرَابَتِهِ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَعَنَا عُقُولُنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا، تُنْزَعُ عُقُولُ أَكْثَرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَتَخْلُفُ لَهَا هَبَاءٌ مِنْ النَّاسِ لَا عُقُولَ لَهُمْ» [حَدِيث لَوْ أَنَّ أُحُدًا عِنْدِي ذَهَبًا] (الْحَدِيثُ الثَّانِي) وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أُحُدًا عِنْدِي ذَهَبًا لَأَحْبَبْت أَنْ لَا يَأْتِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ أَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنِّي لَيْسَ شَيْءٌ أَرْصُدُهُ فِي دَيْنٍ عَلَيَّ» (فِيهِ) فَوَائِدُ. (الْأُولَى) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّمَنِّي فِي صَحِيحِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَفِي الِاسْتِقْرَاضِ وَالرِّقَاقِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الزَّكَاةِ مِنْ صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ وَلَيْسَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ قَوْلُهُ «أَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنِّي» . (الثَّانِيَةُ) فِي قَوْلِهِ ﵊ «وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ» جَوَازُ الْحَلِفِ بِغَيْرِ تَحْلِيفٍ قَالَ النَّوَوِيُّ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ إذَا كَانَ مَصْلَحَةً كَتَوْكِيدِ أَمْرٍ مُهِمٍّ وَتَحْقِيقِهِ وَنَفْيِ الْمَجَازِ عَنْهُ؛ قَالَ، وَقَدْ كَثُرَتْ الْأَحَادِيثُ

стр. 872

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] الصَّحِيحَةُ فِي حَلِفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا النَّوْعِ لِهَذَا الْمَعْنَى انْتَهَى. (الثَّالِثَةُ) فِي قَوْلِهِ (نَفْسُ مُحَمَّدٍ) تَعْبِيرُ الْإِنْسَانِ عَنْ نَفْسِهِ بِاسْمِهِ دُونَ ضَمِيرِهِ كَقَوْلِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ نَفْسِي وَفِي الْحَلِفِ بِهَذِهِ الْيَمِينِ زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا اسْتَحْضَرَ أَنَّ نَفْسَهُ الَّتِي هِيَ أَعَزُّ الْأَشْيَاءِ عَلَيْهِ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى يَتَصَرَّفُ فِيهَا كَيْفَ يَشَاءُ غَلَبَ عَلَيْهِ الْخَوْفُ فَارْتَدَعَ عَنْ الْحَلِفِ عَلَى مَا لَا يَتَحَقَّقُهُ فَكَانَ فِي الْحَلِفِ بِهَذَا زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ عَلَى الْحَلِفِ بِغَيْرِهِ. (الرَّابِعَةُ) قَوْلُهُ «بِيَدِهِ» مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ الَّتِي فِيهَا مَذْهَبَانِ مَشْهُورَانِ: (أَحَدُهُمَا) تَأْوِيلُ الْيَدِ بِالْقُدْرَةِ (ثَانِيهِمَا) إمْرَارُهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَالْكَفُّ عَنْ تَفْسِيرِ الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ. (الْخَامِسَةُ) قَوْلُهُ «لَوْ أَنَّ أُحُدًا عِنْدِي» يَحْتَمِلُ أَنَّ تَقْدِيرَهُ مِثْلُ أُحُدٍ فَفِيهِ مُضَافٌ حُذِفَ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ انْقِلَابَ أُحُدٍ نَفْسِهِ وَصَيْرُورَتُهُ ذَهَبًا وَيَدُلُّ لِلِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ» الْحَدِيثَ، وَيَدُلُّ لِلِاحْتِمَالِ الثَّانِي قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فِي الصَّحِيحِ «فَلَمَّا أَبْصَرَ يَعْنِي أُحُدًا قَالَ مَا أُحِبُّ أَنْ تُحَوَّلَ لِي ذَهَبًا يَمْكُثَ عِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ» الْحَدِيثَ. [فَائِدَة الْحَثّ عَلَى الصَّدَقَة وَالْإِنْفَاق فِي الْقِرْبَات] ١ (السَّادِسَةُ) فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْإِنْفَاقِ فِي الْقُرُبَاتِ وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الزُّهْدِ يُحِبُّ أَنْ لَا يَبْقَى عِنْدَهُ مِنْ جَبَلِ ذَهَبٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ شَيْءٌ وَإِنَّمَا قَيَّدَ ذَلِكَ بِالثَّلَاثِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى تَفْرِيقُ جَبَلِ الذَّهَبِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، وَلَوْ اسْتَغْرَقَ فِي ذَلِكَ أَوْقَاتَهُ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ بِكُلِّ أُحُدٍ. [فَائِدَة الْإِنْفَاق إنَّمَا يَكُون عِنْد وجود الْقَابِلِينَ لَهُ] ١ (السَّابِعَةُ) فِيهِ أَنَّ الْإِنْفَاقَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ وُجُودِ الْقَابِلِينَ لَهُ فَأَمَّا مَعَ فَقْدِهِمْ فَلَا يَتَأَتَّى الْإِنْفَاقُ؛ لِأَنَّ الْآخِذَ أَحَدُ رُكْنَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهِ وَاسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ ﵀ بِهِ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ اسْتِدْلَالٌ وَاضِحٌ، فَإِنَّهُ ﵊ شَرَطَ فِي اسْتِحْبَابِهِ إنْفَاقَ جَبَلِ الذَّهَبِ فِي ثَلَاثٍ وُجُودَ الْقَابِلِ لَهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ قَابِلًا أَخَّرَهُ إلَى وُجُودِ الْقَابِلِ لَهُ وَأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يُفَرِّقْ فِيهِ بَيْنَ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ وَاضِحٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مَعَ الْإِمْكَانِ وَهُوَ مَفْقُودٌ مَعَ فَقْدِ الْقَابِلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [فَائِدَة تَقْدِيم وفاء الدِّين عَلَى الصدقات] (الثَّامِنَةُ) قَوْلُهُ «لَيْسَ شَيْءٌ أَرْصُدُهُ فِي دَيْنٍ عَلَيَّ» أَيْ لَيْسَ الْبَاقِي شَيْئًا

стр. 873

بَابُ بَيَانِ الْمِسْكِينِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، قَالُوا فَمَنْ الْمِسْكِينُ؟ قَالَ الَّذِي ــ [طرح التثريب] وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ وَفَاءِ الدَّيْنِ عَلَى الصَّدَقَةِ ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إرْصَادَهُ لِصَاحِبِ دَيْنٍ غَائِبٍ حَتَّى يَحْضُرَ فَيَأْخُذَ دَيْنَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إرْصَادَهُ لِوَفَاءِ دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ حَتَّى يَحِلَّ فَيُوَفِّيَهُ. [فَائِدَة حُكْم الِاسْتِقْرَاض وَالِاسْتِدَانَة] ١ (التَّاسِعَةُ) وَفِيهِ جَوَازُ الِاسْتِقْرَاضِ وَالِاسْتِدَانَةِ وَقَيَّدَ ابْنُ بَطَّالٍ ذَلِكَ بِالْيَسِيرِ لِلِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي إرْصَادِهِ دِينَارًا لِدَيْنِهِ قَالَ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ مِائَةُ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرُ لَمْ يَرْصُدْ لِأَدَائِهَا دِينَارًا؛ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ قَضَاءً، قَالَ فَبَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يَسْتَغْرِقَ فِي كَثْرَةِ الدَّيْنِ خَشْيَةَ الِاهْتِمَامِ بِهِ وَالْعَجْزِ عَنْ أَدَائِهِ، وَقَدْ اسْتَعَاذَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ ضَلَعِ الدَّيْنِ وَاسْتَعَاذَ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ وَقَالَ إنَّ الرَّجُلَ إذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ، انْتَهَى. وَمَا فَهِمَهُ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّمَا أَرَادَ إرْصَادَ دِينَارٍ وَاحِدٍ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلَوْ أُطْلِقَ الدِّينَارُ هُنَا فَلَا يُرَادُ بِهِ التَّوْحِيدُ وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَرْصُدُ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ مَا يَفِي بِهِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا. [فَائِدَة التَّمَنِّي فِي الْخَيْر] ١ (الْعَاشِرَةُ) هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي أَدَاءِ الْأَمَانَاتِ وَوَفَاءِ الدُّيُونِ. (الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) فِيهِ اسْتِعْمَالُ التَّمَنِّي فِي الْخَيْرِ وَأَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﷺ «لَا تَقُولُوا لَوْ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» إنَّمَا هُوَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا فَأَمَّا تَمَنِّي الْخَيْرَ فَمَحْبُوبٌ مَأْجُورٌ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ بَيَانِ الْمِسْكِينِ] [حَدِيث لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ] (بَابُ بَيَانِ الْمِسْكِينِ) عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، قَالُوا

стр. 874

لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ» وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ وَلَمْ يَقُلْ قَالُوا فَمَنْ الْمِسْكِينُ قَالَ: «إنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَيَسْتَحْيِي أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «إنَّ الْمِسْكِينَ الْمُتَعَفِّفُ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] » . ــ [طرح التثريب] فَمَنْ الْمِسْكِينُ؟ قَالَ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ» وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ وَلَمْ يَقُلْ قَالُوا فَمَنْ الْمِسْكِينُ وَقَالَ «إنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَيَسْتَحْيِي أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ» (فِيهِ) فَوَائِدُ. . (الْأُولَى) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَلَا اللُّقْمَةُ وَلَا اللُّقْمَتَانِ، إنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ، وَاقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ يَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] » لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَقَالَ مُسْلِمٌ «إنَّ الْمِسْكِينَ الْمُتَعَفِّفُ اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] » وَانْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الْأَكْلَةُ وَالْأَكْلَتَانِ وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِي أَوْ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ إلْحَافًا» . (الثَّانِيَةُ) قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْمِسْكِينَ الْكَامِلَ الْمَسْكَنَةِ هُوَ الْمُتَعَفِّفُ الَّذِي لَا يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ وَلَا يَسْأَلُهُمْ وَلَا يُفْطَنُ لِحَالِهِ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ نَفْيَ أَصْلِ الْمَسْكَنَةِ عَنْ الطَّوَّافِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ نَفْيُ كَمَالِهَا، وَهَذَا كَقَوْلِهِ ﵊ «أَتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ؟» الْحَدِيثَ وَكَقَوْلِهِ ﷺ «أَتَدْرُونَ مَنْ الرَّقُوبُ» وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ [البقرة: ١٧٧] الْآيَةَ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى إطْلَاقِ اسْمِ الْمَسْكَنَةِ عَلَى الطَّوَّافِ بِحَدِيثِ أُمِّ بُجَيْدٍ مَرْفُوعًا «رُدُّوا الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ» وَبِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂ (إنَّ

стр. 875

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] الْمِسْكِينَ لَيَقِفُ عَلَى بَابِي) الْحَدِيثَ. قَالَ: وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الصَّدَقَاتِ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَأَجْمَعُوا أَنَّ السَّائِلَ الطَّوَّافَ الْمُحْتَاجَ مِسْكِينٌ. (الثَّالِثَةُ) الْإِشَارَةُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ بِهَذَا الطَّوَّافِ، تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِحُضُورِهِ وَمُشَاهَدَتِهِ وَتَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِحَقَارَتِهِ. (الرَّابِعَةُ) قَوْلُهُ «فَمَنْ الْمِسْكِينُ» كَذَا هُوَ فِي رِوَايَتِنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ الْوَجْهُ وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ «فَمَا الْمِسْكِينُ» ، وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيِّ وَلَهُ ثَلَاثُ تَوْجِيهَاتٍ. (أَحَدُهَا) أَنْ يَكُونَ أَرَادَ فَمَا الْحَالُ الَّتِي يَكُونُ بِهَا السَّائِلُ مِسْكِينًا. وَ (الثَّانِي) أَنْ تَكُونَ مَا هُنَا بِمَعْنَى مَنْ كَمَا قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [الليل: ٣] ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. (وَالثَّالِثُ) أَنَّ مَا تَأَتَّى كَثِيرًا لِصِفَاتِ مَنْ يَعْقِلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] أَيْ الطَّيِّبِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ. (الْخَامِسَةُ) الْغِنَى بِكَسْرِ الْغَيْنِ مَقْصُورٌ الْيَسَارُ، وَقَوْلُهُ «يُغْنِيهِ» صِفَةٌ لَهُ وَهُوَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْيَسَارِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الْيَسَارِ لِلْمَرْءِ أَنْ يَغْنَى بِهِ بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ آخَرَ وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نَفْيَ أَصْلِ الْيَسَارِ وَلَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نَفْيَ الْيَسَارِ الْمُقَيَّدِ بِأَنَّهُ يُغْنِيهِ مَعَ وُجُودِ أَصْلِ الْيَسَارِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ عَلَى لَا حُبَّ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي فَفِيهِ أَنَّ الْمِسْكِينَ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ لَا يَكْفِيهِ وَهُوَ حِينَئِذٍ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ الْفَقِيرِ فَإِنَّهُ الَّذِي لَا يَمْلِكُ شَيْئًا أَصْلًا أَوْ يَمْلِكُ مَالًا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَفُقَهَاءُ الْكُوفَةِ وَقَالَ بِهِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ وَاسْتَدَلَّ لَهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٧٩] فَسَمَّاهُمْ مَسَاكِينَ مَعَ أَنَّ لَهُمْ سَفِينَةً لِكَوْنِهَا لَا تَقُومُ بِجَمِيعِ حَاجَتِهِمْ وَعَكَسَ آخَرُونَ ذَلِكَ فَقَالُوا: الْفَقِيرُ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ الْمِسْكِينِ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ وَابْنِ السِّكِّيتِ وَابْنِ قُتَيْبَةَ وَقَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَقَالَ آخَرُونَ هُمَا سَوَاءٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى

стр. 876

بَابُ لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَاَللَّهِ إنِّي لَأَنْقَلِبُ إلَى أَهْلِي فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً إلَى فِرَاشِي أَوْ فِي بَيْتِي فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلْقِيهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ــ [طرح التثريب] وَإِنْ افْتَرَقَا فِي الِاسْمِ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَائِرِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ قَوْلًا رَابِعًا أَنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي يَسْأَلُ وَالْفَقِيرُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ. (السَّادِسَةُ) قَوْلُهُ «فَيَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ» ، وَقَوْلُهُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ مَنْصُوبَانِ فِي جَوَابِ النَّفْيِ، وَهَذَا وَاضِحٌ. [فَائِدَة الصَّدَقَة عَلَى الْمُتَعَفِّف] ١ (السَّابِعَةُ) فِيهِ أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمُتَعَفِّفِ أَفْضَلُ مِنْهَا عَلَى السَّائِلِ الطَّوَّافِ وَهُوَ كَذَلِكَ. (الثَّامِنَةُ) قَدْ يُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ عَلَى أَحَدِ مَحْمَلَيْ قَوْله تَعَالَى ﴿لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] أَنَّ مَعْنَاهُ نَفْيُ السُّؤَالِ أَصْلًا، وَقَدْ يُقَالُ لَفْظَةُ يَقُومُ تَدُلُّ عَلَى التَّأْكِيدِ فِي السُّؤَالِ فَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أَصْلِ السُّؤَالِ وَالتَّأْكِيدُ فِي السُّؤَالِ هُوَ الْإِلْحَافُ. [بَابُ الصَّدَقَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ] [حَدِيث وَاَللَّهِ إنِّي لَأَنْقَلِبُ إلَى أَهْلِي فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً إلَى فِرَاشِي] (بَابُ لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ) الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «وَاَللَّهِ إنِّي لَأَنْقَلِبُ إلَى أَهْلِي فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي أَوْ فِي بَيْتِي فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلْقِيهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (فِيهِ) فَوَائِدُ. (الْأُولَى) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ مَسْقُوطَةٍ فَقَالَ لَوْلَا أَنْ تَكُونَ مِنْ صَدَقَةٍ لَأَكَلْتهَا» وَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِخْ كِخْ ارْمِ بِهَا أَمَا عَلِمْت أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟» لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ أَيْضًا «إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ»

стр. 877

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ «أَمَا شَعَرْت أَنَّا لَا نَأْكُلُ صَدَقَةً» وَفِي لَفْظٍ لَهُ «أَمَا عَلِمْت أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ لَا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ» . (الثَّانِيَةُ) فِيهِ تَحْرِيمُ الصَّدَقَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ فَأَمَّا الْأُولَى فَلَا خِلَافَ فِيهَا. وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي: إنَّهُ الظَّاهِرُ، ثُمَّ قَالَ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ لَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ، ثُمَّ حَكَى لَفْظَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ثُمَّ قَالَ وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ الصَّدَقَةِ لَهُ انْتَهَى. وَإِبَاحَةُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لَهُ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ زِيَادَةٌ أُخْرَى وَهِيَ تَحْرِيمُ الصَّدَقَةِ عَلَى آلِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ دُونَ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَكَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةُ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَعَكَسَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ ذَلِكَ فَقَالَ: تَحِلُّ لَهُمْ الصَّدَقَةُ الْوَاجِبَةُ وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ التَّطَوُّعُ؛ لِأَنَّ الْمِنَّةَ قَدْ يَقَعُ فِيهَا وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِمْ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ مِنْهُمْ بِعَكْسِهِ: إنَّهُ يَحِلُّ لَهُمْ الزَّكَاةُ وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْآلِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: بَنُو هَاشِمٍ فَقَطْ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ وَقَالَ أَشْهَبُ هُمْ بَنُو غَالِبٍ وَقَالَ أَصْبَغُ هُمْ بَنُو قَصِيٍّ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هُمْ قُرَيْشٌ كُلُّهَا. [فَائِدَة اسْتِعْمَال الْوَرَع وَتَرَك الشُّبُهَات] ١ (الثَّالِثَةُ) وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْوَرَعِ وَهُوَ تَرْكُ الشُّبُهَاتِ فَإِنَّ هَذِهِ التَّمْرَةَ لَا تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ وَلِهَذَا رَفَعَهَا النَّبِيُّ ﷺ لِيَأْكُلَهَا وَلَا يَقْدُمُ إلَّا عَلَى مَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ لَكِنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ الْوَرَعُ وَهُوَ تَرْكُهَا وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِتَمْرَةٍ مَسْقُوطَةٍ» الْحَدِيثَ، وَفِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ تِلْكَ التَّمْرَةَ لَيْسَتْ مِلْكًا لَهُ وَإِنَّمَا يَتَمَلَّكُهَا بِالِالْتِقَاطِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِأَنَّهَا فِي الطَّرِيقِ وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّمْرَةَ وَنَحْوَهَا مِنْ مُحَقَّرَاتِ الْأَمْوَالِ لَا يَجِبُ تَعْرِيفُهَا بَلْ يُبَاحُ أَكْلُهَا وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ ﵊ إنَّمَا تَرَكَهَا خَشْيَةَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ لَا لِكَوْنِهَا لُقَطَةً قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الْحُكْمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَلَّلَهُ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ بِأَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا وَلَا يَبْقَى لَهُ فِيهَا مَطْمَعٌ

стр. 878

وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: «جَاءَ سَلْمَانُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ بِمَائِدَةٍ عَلَيْهَا رُطَبٌ فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ؟ قَالَ صَدَقَةٌ عَلَيْك وَعَلَى أَصْحَابِك، قَالَ ارْفَعْهَا فَإِنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ فَرَفَعَهَا وَجَاءَ مِنْ الْغَدِ بِمِثْلِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ؟ قَالَ صَدَقَةٌ عَلَيْك وَعَلَى أَصْحَابِك، قَالَ ارْفَعْهَا فَإِنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ فَجَاءَ مِنْ الْغَدِ بِمِثْلِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَحْمِلُهُ فَقَالَ مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ، فَقَالَ هَدِيَّةٌ لَك، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ــ [طرح التثريب] [حَدِيث إنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ] الْحَدِيثُ الثَّانِي: وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ «جَاءَ سَلْمَانُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةِ بِمَائِدَةٍ عَلَيْهَا رُطَبٌ فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ؟ قَالَ صَدَقَةٌ عَلَيْك وَعَلَى أَصْحَابِك، قَالَ ارْفَعْهَا فَإِنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ فَرَفَعَهَا وَجَاءَ مِنْ الْغَدِ بِمِثْلِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ؟ قَالَ صَدَقَةٌ عَلَيْك وَعَلَى أَصْحَابِك قَالَ ارْفَعْهَا فَإِنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ فَجَاءَ مِنْ الْغَدِ بِمِثْلِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَحْمِلُهُ فَقَالَ مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ؟ فَقَالَ هَدِيَّةٌ لَك فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ انْشَطُوا قَالَ فَنَظَرَ إلَى الْخَاتَمِ الَّذِي عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَآمَنَ بِهِ، وَكَانَ لِلْيَهُودِ فَاشْتَرَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا وَعَلَى أَنْ يَغْرِسَ نَخْلًا فَيَعْمَلَ سَلْمَانُ فِيهَا حَتَّى تُطْعِمَ قَالَ فَغَرَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّخْلَ إلَّا نَخْلَةً وَاحِدَةً غَرَسَهَا عُمَرُ فَحَمَلَتْ النَّخْلُ مِنْ عَامِهَا وَلَمْ تَحْمِلْ النَّخْلَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قَالَ عُمَرُ أَنَا غَرَسْتهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ فَنَزَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ غَرَسَهَا فَحَمَلَتْ مِنْ عَامِهَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ (فِيهِ) فَوَائِدُ. (الْأُولَى) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ

стр. 879

انْشَطُوا قَالَ فَنَظَرَ إلَى الْخَاتَمِ الَّذِي عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَآمَنَ بِهِ وَكَانَ لِلْيَهُودِ فَاشْتَرَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا وَعَلَى أَنْ يَغْرِسَ نَخْلًا فَيَعْمَلَ سَلْمَانُ فِيهَا حَتَّى تُطْعِمَ قَالَ فَغَرَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّخْلَ إلَّا نَخْلَةً وَاحِدَةً غَرَسَهَا عُمَرُ فَحَمَلَتْ النَّخْلُ مِنْ عَامِهَا وَلَمْ تَحْمِلْ النَّخْلَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قَالَ عُمَرُ أَنَا غَرَسْتهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَنَزَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ غَرَسَهَا فَحَمَلَتْ مِنْ عَامِهَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ.. ــ [طرح التثريب] مَجِيئُهُ بِمِثْلِهِ ثَانِيَ يَوْمٍ، وَقَوْلُهُ «إنَّهُ صَدَقَةٌ» بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى مَرَّتَيْنِ وَقَالَ فِي الثَّانِيَةِ «إنَّهَا هَدِيَّةٌ» وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَزَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ثِقَةٌ حَافِظٌ. (الثَّانِيَةُ) قَالَ فِي الصِّحَاحِ: مَادَّهُمْ يُمِيدُهُمْ لُغَةٌ فِي مَارَهُمْ مِنْ الْمِيرَةِ وَمِنْهُ الْمَائِدَةُ وَهِيَ خُوَانٌ عَلَيْهِ طَعَامٌ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ طَعَامٌ فَلَيْسَ بِمَائِدَةٍ وَإِنَّمَا هُوَ خُوَانٌ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَائِدَةٌ فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ مِثْلُ عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ بِمَعْنَى مَرْضِيَّةٍ وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ الْمَائِدَةُ الطَّعَامُ نَفْسُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ خُوَانٌ وَقِيلَ هِيَ نَفْسُ الْخُوَانِ قَالَ الْفَارِسِيُّ لَا تُسَمَّى مَائِدَةً حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهَا طَعَامٌ وَإِلَّا فَهِيَ خُوَانٌ انْتَهَى. وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ تَفْسِيرَ الْمَائِدَةِ بِالطَّعَامِ نَفْسِهِ. (الثَّالِثَةُ) فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ هَدِيَّةَ سَلْمَانَ كَانَتْ رُطَبًا وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهَا تَمْرٌ رَوَاهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ مِنْ طَرِيقَيْنِ فِي إحْدَاهُمَا ضَعِيفٌ وَفِي الْأُخْرَى مَجْهُولٌ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ سَلْمَانَ أَيْضًا «فَاحْتَطَبْت حَطَبًا فَبِعْته فَصَنَعْت طَعَامًا فَأَتَيْت بِهِ النَّبِيَّ ﷺ » رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ «فَاشْتَرَيْت لَحْمَ جُذُورٍ بِدِرْهَمٍ ثُمَّ طَبَخْته فَجَعَلْت قَصْعَةً مِنْ ثَرِيدٍ فَاحْتَمَلْتهَا حَتَّى أَتَيْتُهُ بِهَا عَلَى عَاتِقِي حَتَّى وَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَلَعَلَّ الْهَدِيَّةَ كَانَتْ

стр. 880

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [طرح التثريب] طَعَامًا وَرُطَبًا فَالْإِسْنَادُ بِهَا صَحِيحٌ وَأَمَّا رِوَايَةُ التَّمْرِ فَضَعِيفَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ. (الرَّابِعَةُ) ظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ ﵊ لَمَّا ذَكَرَ لَهُ سَلْمَانُ أَنَّهَا صَدَقَةٌ لَمْ يَأْكُلْهَا هُوَ وَلَا أَصْحَابُهُ لَكِنْ الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ ﵊ «قَالَ لِأَصْحَابِهِ كُلُوا وَأَمْسَكَ يَدَهُ فَلَمْ يَأْكُلْ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طُرُقٍ عَدِيدَةٍ وَهُوَ أَصَحُّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ارْفَعْهَا أَيْ عَنِّي لَا مُطْلَقًا. (الْخَامِسَةُ) هَذَا الَّذِي فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَنَّهُ جَاءَهُ بِصَدَقَةٍ مَرَّتَيْنِ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ فِي الشَّمَائِلِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَا رَأَيْته فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ، فَإِنْ صَحَّ فَكَأَنَّهُ قَصَدَ بِتَكْرِيرِ ذَلِكَ أَنْ يَتَأَكَّدَ عِنْدَهُ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ لَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى تَكْرِيرِ الْهَدِيَّةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي مِنْ خَصَائِصِهِ الِامْتِنَاعَ مِنْ أَكْلِ الصَّدَقَةِ أَمَّا أَكْلُ الْهَدِيَّةِ فَمُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ لِعَارِضٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [فَائِدَة الصَّدَقَة عَلَى النَّبِيّ] ١ (السَّادِسَةُ) فِيهِ تَحْرِيمُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الْمَنْصُورُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَمَنْ يَقُولُ بِإِبَاحَتِهَا لَهُ يَقُولُ لَا يَلْزَمُ مِنْ امْتِنَاعِهِ مِنْ أَكْلِهَا تَحْرِيمٌ وَكَذَا قَوْلُهُ «إنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ» لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ يَتْرُكُ ذَلِكَ تَنَزُّهًا عَنْهُ مَعَ إبَاحَتِهِ لَهُ، وَهَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَفِيهِ أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ ﵊ الِامْتِنَاعَ عَنْ أَكْلِ الصَّدَقَةِ إمَّا وُجُوبًا وَإِمَّا تَنَزُّهًا. [فَائِدَة الفرق بَيْن الصَّدَقَة والهدية] ١ (السَّابِعَةُ) فِيهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ وَأَنَّهُمَا حَقِيقَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْهَدِيَّةِ حَمْلُهَا إلَى مَكَانِ الْمُهْدَاةِ لَهُ إعْظَامًا لَهُ وَإِكْرَامًا وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الصَّدَقَةِ تَمْلِيكُ الْمُحْتَاجِ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَطَلَبًا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ، وَقَدْ اعْتَرَضَ بَعْضُ شُيُوخِنَا تَقْيِيدَ الصَّدَقَةِ بِالِاحْتِيَاجِ وَقَالَ: إنَّ الْإِعْطَاءَ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ صَدَقَةٌ سَوَاءٌ كَانَ لِغَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ؛ وَصَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَبِحُصُولِ الثَّوَابِ فِي إعْطَاءِ الْغَنِيِّ، وَلَك أَنْ تَقُولَ كَيْفَ تَتَحَقَّقُ الْمُنَافَاةُ بَيْنَهُمَا مَعَ إمْكَانِ اجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ أَعْنِي حَمْلَهَا إلَى مَكَانِ الْمُهْدَاةِ لَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لَهُ وَالْإِكْرَامِ، وَكَوْنُ الْإِعْطَاءِ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا لِاسْتِمَالَةِ ذَلِكَ الْمُعْطَى بَلْ هَذَا
следующие страницы →