Полный текст (543 стр.). Показаны 526–543 · переход к 531.
стр. 526
ابن نباتة:
انسيةً في مثال الجنِّ تحسبها ... شمساً بدت بين تشريقِ وتغميم
شقَّت لها الشمس ثوباً من محاسنها ... فالوجه للشمس والعينان للريم
آخر:
بصدرها كوكباً درٍّ كأنهمّا ... ركنان لم يدنسا من لمس مستلم
صانتهما بستورٍ من غلائلها ... فالناس في الحلّ والركنان في الحرم
الصلاح الصفدي:
تقول له الأغصان مذْ هزَّ عطفه ... أتزعم أنَّ اللين عندك ما قوى
فقم نحتكم للروض عند نسيمه ... ليقضي على من مال منّا إلى الهوى
وكأنه ينظر إلى قول السراج:
ومهفهفٍ عنيّ يميل ولم يمل ... يوماً إليَّ فَصِحْتُ من ألم الجوى
لم لم تميل إليَّ يا غصن النقى ... فأجاب كيف وأنت من جهة الهوى
أراد ملك الروم أن يباهي أهل الإسلام فبعث إلى معاوية رجلين أحدهما طويل والثاني قصير شديد القوة فدعا للطويل بقيس بن سعد بن عبادة فنزع قيس سراويله ورمى بها إليه فلبسها الطويل فبلغت
стр. 527
ثدييه فلاموا قيساً على نزع السراويل فقال:
أردت لكيما يعلم الناس أنَّها ... سراويل قيسٍ والوفود شهودُ
وكيلا يقولوا خان قيسٌ وهذه ... سراويل عادٍ أحرزتها ثمود
وإني من القوم اليمانين سيّدٌ ... وما الناس إلاّ سيّدٌ ومسود
ثم دعا معاوية للرجل الشديد القوة بمحمد بن الحنفية فخيره بين أن يقعد فيقيمه أو يقوم فيقعده فغلبه في الحالتين وأنصرفا مغلوبين.
وحكى الجاحظ ما أخجلني قط إلا امرأة مرت بي إلى صائغ فقالت له أعمل مثل هذا فبقيت مبهوتاً ثم سألت الصائغ فقال: هذه امرأة أرادت أن أعمل لها صورة شيطان فقلت: لا أدري كيف أصوِّره فأتت بك إليَّ لأصوره على صورتك وفي الجاحظ يقول بعضهم:
لو يمسخ الخنزير مسخاً ثانياً ... ما كان إلاّ دون قبح الجاحظ
رجلٌ ينوب عن الجحيم بوجهه ... وهو القذى في عين كل ملاحظ
لو أن مرآةً جلت لمثاله ... ورآه كان له كأعظم واعظ
قيل إنه قدم تاجر إلى المدينة يحمل من أخمرة العراق فباع الجميع غلا السود فشكا إلى الدارمي وقد تنسك وتعبد فعمل بيتين وأمر من يغني
стр. 528
بهما في المدينة وهما:
قل للمليحة في الخمار الأسود ... ماذا فعلت بزاهدٍ متعبد
قد كان شمر للعبادة ذيله ... حتى وقفت له بباب المسجد
فشاع الخبر في المدينة أن الدارمي رجع عن زهده وتعشق صاحبة الخمار الأسود فلم تبق في المدينة مليحة إلا اشترت لها خماراً أسود فلما أنفذ التاجر ما كان معه رجع الدارمي إلى تعبده وعمد إلى ثياب نسكه فلبسها.
ومر رجل أشمط بامرأة عجيبة في الجمال فقال يا هذه إن كان لك زوج فبارك الله لك فيه وإلا فاعلمينا فقالت كأنك تخطبني قال نعم فقالت إنَّ في عيباً قال وما هو قالت شيب في رأسي فثنى عنان دابته فقالت على رسلك فلا والله ما بلغت عشرين سنة ولكنني أحببت أن أعلمك أني أكره منك مثل ما تكره مني.
وقال عبد الله الماجشون وهو من فقهاء المدينة قال لي المهدي يوما يا ماجشون ما قلت حين فارقت أحبابك قال قلت يا أمير المؤمنين:
لله باكٍ على أحبابه جزعاً ... قد كنت أحذر هذا قبل أن يقعا
ما كان والله شؤمُ الدهر يتركني ... حتى يجرّعني من بعدهم جزعا
إنّ الزمان راى إلف السرور لنا ... فدبّ بالبين فيما بيننا وسعى
стр. 529
فليصنع الدهر بي ما شاء مجتهداً ... فلا زيادة شيءٍ فوق ما صنعا
فقال والله لأعيننك فأعطاه عشرة آلاف دينار.
وحكى بعضهم قال دخلنا إلى دير هرقل فنظرنا إلى مجنون في شباك وهو ينشد شعراً فقلنا له أحسنت فأومأ بيده إلى حجر يرمينا به وقال لمثلي يقال أحسنت ففررنا منه فقال أقسمت عليكم إلا ما رجعتم حتى أنشدكم فإن أنا أحسنت فقولوا أحسنت وإن أنا أسأت فقولوا أسأت فرجعنا إليه فأنشد يقول:
لما أناخوا قبيل الصبح عيسهمُ ... وحَّملوها وسارت بالدّمى الإبلُ
وقلّبت بخلال السجف ناظرها ... ترنو إليَّ ودمع العين ينهمل
وودعت ببنانٍ زانها عنمٌ ... ناديت لاحملت رجلاك يا جمل
يا حادي العيس عرّج كي أودّعهم ... يا حادي العيس في ترحالك الأجل
إنيّ على العهد لم أنقض مودّتهم ... يا ليت شعري لطول البعد ما فعلوا
فقلنا له ماتوا فقال وأنا والله أموت ثم شهق شهقة فإذا هو ميت.
قيل لما وفد المهدي من الري إلى العراق امتدحه الشعراء فقالوا أبو دلامة:
إني نذرت لئن رأيتك قادماً ... أرض العراق وأنت ذو وفرِ
لتصلِّينَّ على النبيّ محمّدٍ ... ولتملأنّ دراهماً حجريَ
стр. 530
فقال المهدي صلى الله على محمد فقال أبو دلامة ما أسرعك للأولى وأبطأك عن الثانية فضحك وأمر ببدرة فصبت في حجره.
وتزوج مغنٍّ بنائحة فسمعها تقول اللهم أوسع لنا في الرزق فقال لها يا هذه إنما الدنيا فرح وحزن وقد أخذنا بطرفي ذلك فإن كان فرح دعوني وإن كان حزن دعوك.
وكان عروة بن الزبير صبوراً حين يبتلي حكي أنه خرج إلى الوليد بن يزيد فوطىء عظماً فما بلغ دمشق حتى بلغ به كل مذهب جمع له الوليد الأطباء فأجمع رأيهم على قطع رجله فقالوا له اشرب مرقداً فقال ما أحب أن أغفل عن ذكر الله تعالى فأحمي له المنشار وقطعت رجله فقال ضعوها بين يدي ولم يتوجع ثم قال لئن كنت ابتليت في عضو فقد عوفيت في أعضاء فبينما هو كذلك إذا أتاه خبر ولده أنه اطلع من سطح على دواب الوليد فسقط بينها فمات فقال الحمد لله على كل حال لئن أخذت واحداً لقد أبقيت جماعة.
وقدم على الوليد وفد من عبس فيهم شيخ ضرير فسأله عن حاله وسبب ذهاب بصره فقال خرجت مع رفقة مسافرين ومعي مالي وعيالي ولا أعلم عبسياً يزيد على مالي فعرسنا في بطن واد فطرقنا سيل فذهب
стр. 531
ما كان لي من أهل ومال وولد غير صبي صغير وبعير فشرد البعير فوضعت الصغير على الأرض ومضيت لآخذ البعير فسمعت صيحة الصغير فرجعت إليه فإذا رأس الذئب في بطنه وهو يأكل فيه فرجعت إلى البعير فحطم وجهي برجليه فذهبت عيناي فأصبحت بلا عينين ولا ولد ولا مال ولا أهل فقال الوليد اذهبوا به إلى عروة ليعلم إن في الدنيا من هو أعظم مصيبة منه.
ومما نقلته ما حكي عن مسلم بن الوليد أنه قال: كنت يوماً جالساً عند خباء لي بازاء منزلي فمر بي إنسان أعرفه فقمت إليه وسلمت عليه وجئت به إلى منزلي لأضيفه وليس معي دراهم بل كان عندي زوج أخفاف فأرسلتهما مع جاريتي لبعض معارفي فباعهما بتسعة دراهم واشترى بها ما قلته لها من الخبز واللحم فجلسنا نأكل وإذا بالباب يطرق فنظرت من شق الباب وإذا بإنسان يسأل هذا منزل فلان ففتحت الباب وخرجت فقال أنت مسلم بن الوليد قلت نعم واستشهدت له بالضيف على ذلك فأخرج لي كتاباً وقال هذا من الأمير يزيد بن مزيد فإذا فيه قد بعثنا لك بعشرة آلاف درهم لتكون في منزلك
стр. 532
وثلاثة آلاف درهم تتجمل بها لقدومك علينا فأدخلته إلى داري وزدت في الطعام واشتريت فاكهة وجلسنا فأكلنا ثم وهبت لضيفي شيئاً يشتري به هدية لأهله وتوجهنا إلى باب يزيد بالرقة فوجدناه في الحمام فلما خرج استؤذن لي عليه فدخلت فإذا هو جالس على كرسي وبيده مشط يسرِّح به لحيته فسلمت عليه فرد أحسن رد وقال ما الذي أقعدك عنا قلت ذات اليد وأنشدته قصيدة مدحته بها قال أتدري لم أحضرتك قلت لا أدري قال كنت عند الرشيد منذ ليال أحادثه فقال لي يا يزيد من القائل فيك هذه الأبيات:
سلَّ الخليفة سيفاً من بني مضرٍ ... يمضي فيخترق الأجسام إلهاما
كالدهر لا ينثني أبداً عمَّا يهمُّ به ... قد أوسد الناس إنعاماً وإرغاما
فقلت والله لا أدري يا أمير المؤمنين فقال سبحان الله أيقال فيك مثل هذا ولا تدري من قاله: فسألت فقيل لي هو مسلم بن الوليد فأرسلت إليك فانهض بنا إلى الرشيد فسرنا إليه واستؤذن لنا فدخلنا عليه فقبلنا الأرض وسلمت
стр. 533
فرد علي السلام فأنشدته ما لي فيه من شعر فأمر لي بمائتي ألف درهم وأمر لي يزيد بمائة وتسعين ألف درهم وقال ما ينبغي لي أن أساوي أمير المؤمنين في العطاء انتهى.
نادرة قيل ترافق رجلان في طريق فلما قربا من مدينة من المدن قال أحدهما للآخر قد صار لي عليك حق وإني رجل من الجان ولي إليك حاجة قال وما هي قال إذا وصلت إلى المكان الفلاني من هذه المدينة فهناك عجوز عندها ديك فاشتره منها وإذبحه فقال له الآخر وأنا أيضاً لي إليك حاجة قال وما هي قال إذا ركب الجني إنساناً ما يعمل له قال تشد إبهاميه بسير من جلد اليحمور وتقطر في أذنيه من ماء السَّذاب أربعاً وفي السرة ثلاثاً فإن الراكب له يموت ثم تفرقا ودخل الأنسي ففعل ما أمره به الجني من شراء الديك وذبحه فلم يشعر بعد إلا وقد أحاط به أهل صبية من تلك البلدة وقالوا له أنت ساحر ومن حين ذبحت الدين سلبت صبية عندنا عقلها فلا نفلتك إلى إلى صاحب المدينة قال فقلت لهم أئتوني بسير
стр. 534
من جلد اليحمور وقليل من ماء السَّذاب ودخلت على الصبية فربطت إبهاميها وقطرت ماء السذاب في أذنيها فسمعت صوتاً يقول آه علمتك على نفسي ثم مات من ساعته وشفى الله تلك الشابة واليحمور دابة وحشية لها قرنان طويلان كأنهما منشاران تنشر بهما الشجر وقيل هو كالإبل يلقي قرنيه كل سنة وهما صامتان وقال الجوهري هو الحمار الوحشي.
ومن اللطائف ما حكاه أبو الفرج في كتاب النساء وابن الكرديوس في الاكتفاء قالا كانت عند أبي العباس السفاح أم سلمة بنت يعقوب بن عبد الله المخزومي وكان قد أحبها حباً شديداً ووقعت في قلبه موقعاً عظيماً فحلف لها أن لا يتخذ عليها سرية ولا يتزوج عليها امرأة فوفى لها بذلك فخلا به خالد بن صفوان يوما وقال له يا أمير المؤمنين فكرت في أمرك وسعة ملكك وأنك قد ملكت امرأة واقتصرت عليها فإذا مرضَتْ مرضْتَ وإذا حاضَتْ حضْتَ وحرمت نفسك التلذذ بالسراري واستطراف
стр. 535
الجواري ومعرفة اختلاف حالاتهن وأجناس التمتع بما تشتهي منهن فمنهن يا أمير المؤمنين الطويلة الغيداء والعتيقة الادماء والزهية السمراء والمولدات المغنيات اللواتي يفتن بحلاوتهن ولو رأيت يا أمير المؤمنين السمراء واللعساء من مولدات البصرة والكوفة وذوات الألسن العذبة والقدود المهفهفة والأوساط المختصرة والثدي النواهد المحققة وحسن زيهن وشكلهن رأيت فتنا ومنظراً حسنا وأين أنت يا أمير المؤمنين من بنات الأحرار والنظر إلى ما عندهن من الحياء والتخفر والدلال والتعطر ولم يزل خالد يجيد في الوصف ويكثر في الإطناب بحلاوة لفظه وجودة كلامه فلما فرغ قال له أبو العباس ويحك والله ما سلك مسامعي قط كلام أحسن مما سمعته منك فاعده علي فأعاده عليه أم سلمة وكانت تبرِّه كثيرا وتتحرى مسرته وموافقته في جميع ما أراده فقالت له مالي أراك مغموما يا أمير المؤمنين فهل حدث أمر
стр. 536
تكرهه أو أتاك أمر ارتعت له قال لم يكن شيء من ذلك قالت فما قصتك فجعل يكتم عنها فلم تزل به حتى أخبرها بمقالة خالد قالت فما قلت لابن الفاعلة قال سبحان الله ينصحني وتشتمينه فخرجت من عنده وأرسلت إلى خالد عبيدا وأمرتهم بضربه والتنكيل به قال خالد: وانصرفت إلى منزلي مسرورا بما رأيت من اصغاء أمير المؤمنين إلى كلامي وإعجابه بما ألقيت إليه وأنا لا أشك في الصلة فلم ألبث أن جاء العبيد فلما رأيتهم أقبلوا نحوي أيقنت بالجائزة فوقفوا علي وسألوا عني فعرفتهم نفسي فأهوى إليَّ أحدهم بعمود كان في يده فبادرت إلى الدار وأغلقت الباب ومكثت أياما لا أخرج من منزلي وطلبني أمير المؤمنين طلبا شديدا فلم اشعر ذات يوم إلا بقوم هجموا عليَّ فقالوا أجب أمير المؤمنين فأيقنت بالموت وقلت لم أردم شيخ اضيع من دمي وركبت فلم اصل إلى الدار حتى استقبلني عدة رسل فدخلت على أمير المؤمنين فوجدته جالسا فأومأ إلي بالجلوس
стр. 537
فثاب إلى عقلي وفي المجلس باب عليه ستور وقد أرخيت وخلفه حركة فقال لي يا خالد مذ ثلاث لم ارك قلت كنت عليلاً يا أمير المؤمنين قال أنت وصفت في آخر دخلة لي من أمر النساء والجواري ما لم يطرق سمعي قط كلام أحسن منه فأعده عليَّ قلت نعم يا أمير المؤمنين أعلمتك أن العرب إنما اشتقت اسم الضرّة من الضرر وإن أحداً لم يك عنده امرأتان إلا كان في ضرر وتنغيص قال ويحك لم يكن هذا في حديثك قلت نعم يا أمير المؤمنين إن الثلاث من النساء كأسفي القِدْر تغلي عليها أبداً وإن الأربع شر مجموع لصاحبه يمرضنه ويسقمنه ويضعفنه وإن أبكار الأماء رجال ولكن لا خصي لهن قال فقال أبو العباس: برئت من قرابتي من رسول الله ﷺ ما سمعت منك من هذا شيئاً قط قال خالد بلى والله يا أمير المؤمنين وعرفتك إن بني مخزوم ريحانة قريش وإن عندك ريحانة الرياحين وأنت تطمح بعينك إلى الإماء والسراري قال خالد فقال لي أبو العباس
стр. 538
ويحك أتذكبني قلت أفتقتلني يا أمير المؤمنين قال فسمعت ضحكاً من وراء الستر وقائلا يقول صدقت والله يا عماه هذا الذي حدثته ولكنه بدل وغير ونطق على لسانك بما لم تنطق به قال خالد فقمت عنهما وتركتهما يتراودان في أمرهما فما شعرت إلا برسل أم سلمة معهم المال وتخوت ثياب فقالوا لي تقول لك أم سلمة إذا حدثت أمير المؤمنين فحدثه بمثل حديثك هذا انتهى.
ومن البدائع ما يحكى أن السلطان الملك الكامل أصبح متمرضاً فأشار عليه الأطباء باستعمال شراب ليمون شتوي فأمر بعض الخدام بإحضاره فمضى الخادم وأحضر شراب ليمون سائل فقال الطبيب ما طلبت إلاّ شتوياً وهذا سائل ردوه فقال الامير صلاح الدين والله مامن عادة مولانا السلطان ان يرد سائلاً فقال السلطان والله ما أرد سائلا هاتوه أحسنت والله يا صلاح الدين فأكله وكان الشفاء فيه.
ونظير ذلك ما حكي أنه كان بالقاهرة شاب حسن الوجه يسمى بركن الدين وله معلم اسمه إبراهيم كان ربما يتهم به وكان بعض
стр. 539
الأدباء يميل إلى هذا الصبي وله فيه غزل حسن قال الناقل فركبت يوماً مع الأمير صلاح الدين فمررنا على باب ذلك الصبي فوجدت ذلك الأديب قريباً من الباب فقلت له أي شيء تصنع ههنا فقال أطوف بالبيت فلعلي أستلم الركن أو أصل إلى مقام إبراهيم فاستحسنت ذلك منه وسألني الأمير صلاح الدين ما معنى ذلك فغالطته في الجواب فأقسم أن لا بد أن أخبره فأخبرته فاستحسن ذلك منه وأمر بإحضاره إلى مجلسه ونال منه راحة.
ذكر ابن الجوزي في كتاب تلقيح فهوم الأدباء عن محمد بن عثمان بن أبي خيثمة السلمي عن أبيه عن جده قال بينما عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يطوف ذات ليلة في سكك المدينة إذ سمع امرأة تقول:
هل من سبيلٍ إلى خمرٍ فأشربها ... أم من سبيلٍ إلى نصر بن حجاج
إلى فتىً ماجدِ الأعراق مقتبلٍ ... سهل المحيَّا كريمٍ غير ملجاج
стр. 540
تنميه أعراق صدقٍ حين تنسبه ... أخي وفاءٍ عن المكروب فرّاج
فقال عمر رضي الله تعالى عنه لا أدري معي بالمدينة رجلا تهتف به العواتق في خدورهن عليّ بنصر بن حجاج فلما أصبح أتى بنصر بن حجاج فإذا هو من أحسن الناس وجهاً وأحسنهم شعراً فقال عمر عزيمة من أمير المؤمنين لتأخذنَّ من شعرك فأخذ من شعره فخرج من عنده وله وجنتان كأنهما شقتا قمر فقال له اعتم فاعتم فافتتن الناس بعينيه فقال له عمر والله لا تساكنني في بلدة أنا فيها فقال يا أمير المؤمنين ما ذنبي قال هو ما أقول لك ثم سيره إلى البصرة وخشيت المرأة التي سمع منها عمر ما سمع أن يبدو من عمر إليها شيء فدست إليه أبياتاً وهي:
قل للإمام الذي تُخشى بوادره ... مالي وللخمر أو نصر بن حجاج
لا تجعل الظّنّ حقاً أن تبِّيته ... إنَّ السبيل سبيل الخائف الراجي
إنَّ الهوى زُمَّ بالتقوى لتحجبه ... حتى يقرَّ بألجام وإسراج
قال فبكى عمر رضي الله
стр. 541
تعالى عنه وقال الحمد لله الذي زم الهوى بالتقوى قال وطال مكث نصر بن حجاج بالبصرة فخرجت أمه يوماً بين الأذان والإقامة متعرضة لعمر فإذا هو قد خرج في إزار ورداء وبيده الدرة فقالت يا أمير المؤمنين والله لأقفنَّ أنا وأنت بين يدي الله تعالى وليحاسبنَّك الله أيبيتن عبد الله وعاصم إلى جنبيك وبيني وبين ابني الفيافي والأودية فقال لها: إنَّ ابنيَّ لم تهتف بهما العواتق في خدورهن ثم أرسل عمر إلى البصرة بريداً إلى عتبة فقال عتبة من أراد أن يكتب إلى أمير المؤمنين فليكتب فإن البريد خارج فكتب نصر بن حجاج بسم الله الرحمن الرحيم سلام عليك يا أمير المؤمنين أما بعد فإسمع مني هذه الأبيات:
стр. 542
لعمري لئن سيَّرتني أو حرمتني ... وما نلت من عرضي عليك حرامُ
فأصبحت منفيّاً ملوماً بمنيةٍ ... وبعض أمانّي النساء غرام
ظننت بي الظن الذي ليس بعده ... بقاء ومالي جرمة فالام
فيمنعني ممَّا تقول تكرُّمي ... وآباء صدقٍ سالفون كرام
ويمنعها مّما تقول صلاتها ... وحالٍ لها في قومها وصيام
فهاتان حالانا فهل أنت راجعي ... فقد جُبّ مني كاهلٌ وسنام
قال فلما قرأ عمر رضي الله تعالى عنه هذه الأبيات قال أمّا وليُّ السلطان فلا وأقطعه داراً بالبصرة في سوقها فلما مات عمر ركب راحلته وتوجه المدينة.
قيل دخل بعض العشراء على الأديب جمال الدين بن نباتة فرأى
стр. 543
في نواحي منزله نملا كثيراً فأنشد يقول:
مالي أرى منزل المولى الأديب به ... نملٌ تجمّع في أرجائه زمرا
فأجابه ابن نباتة بقوله:
لا تعجبنّ إذن من نمل منزلنا ... فالنمل من شأنها أن تتبع الشعرا
هذا آخر ما أردت إيراده في هذا الذيل مما وقفت عليه من المستطرف والنكات المفتخرة والزند الواري والتالد والطريف وغير ذلك والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.