Полный текст (192 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وحكى أبو منصور الثعالبي في كتاب غرر النوادر قال: تأذى أبو الغصن جحا بالريح مرة فقال يخاطبها: ليس يعرفك إلا سليمان بن داود الذي حبسك حتى أكلت خراك.
وخرج يوماً من الحمام في يوم بارد، فضربته الريح فمس خصيتيه، فإذا إحدى بيضتيه قد تقلصت، فرجع إلى الحمام وجعل يفتش الناس، فقالوا: ما لك؟ فقال: قد سرقت إحدى بيضتي، ثم إنه دفىء وحمى، فرجعت البيضة، فلما وجدها سجد شكر لله، قال: كل شيء لا تأخذه اليد لا يفقد.
ومات جار له، فأرسل إلى الحفار ليحفر له، فجرى بينهما لجاج في أجرة الحفر، فمضى جحا إلى السوق واشترى خشبة بدرهمين وجاء بها، فسئل عنها فقال: إن الحفار لا يحفر بأقل من خمسة دراهم، وقد اشترينا هذه الخشبة بدرهمين لنصلبه عليها ونربح ثلاثة دراهم ويستريح من ضغطة القبر ومسألة منكر ونكير.
وحكي: أن جحا تبخر يوماً فاحترقت ثيابه فغضب وقال: والله لا تبخرت إلا عرياناً.
وهبت يوماً ريحٌ شديدةٌ فأقبل الناس يدعون الله ويتوبون، فصاح جحا: يا قوم، لا تعجلوا بالتوبة وإنما هي زوبعة وتسكن.
وذكر أنه اجتمع على باب دار أبي جحا تراب كثير من هدم وغيره، فقال أبوه: الآن يلزمني الجيران برمي هذا التراب وأحتاج إلى مؤنة وما هو بالذي يصلح لضرب اللبن فما أدري ما أعمل به، فقال له جحا: إذا ذهب عنك هذا المقدار فليت شعري أي شيء تحسن؟، فقال أبوه: فعلمنا أنت ما تصنع به. فقال: يحفر له آبار ونكبسه فيها.
стр. 37
واشترى يوماً دقيقاً وحمله على حمال فهرب بالدقيق، فلما كان بعد أيام رآه جحا فاستتر منه، فقيل له: ما لك فعلت كذا؟ فقال: أخاف أن يطلب مني كراه.
ووجهه أبوه ليشتري رأساً مشوياً، فاشتراه وجلس في الطريق، فأكل عينيه وأذنيه ولسانه ودماغه، وحمل باقيه إلى أبيه، فقال: ويحك ما هذا؟ فقال: هو الرأس الذي طلبته. قال: فأين عيناه؟ قال: كان أعمى. قال: فأين أذناه؟ قال: كان أصم. قال: فأين لسانه؟ قال: كان أخرس. قال: فأين دماغه؟ قال: فكان أقرع، قال: ويحك، رده وخذ بدله. قال: باعه صاحبه بالبراءة من كل عيب.
وحكي: أن جحا دفن دراهم في صحراء وجعل علامتها سحابة تظلها.
ومات أبوه فقيل له: إذهب واشتر الكفن، فقال: أخاف أن أشتري الكفن فتفوتني الصلاة عليه.
وحكي: أن المهدي أحضره ليمزح معه، فدعا بالنطع والسيف، فلما أقعد في النطع، قال للسياف: أنظر لا تصب محاجمي فإني قد احتجمت.
ورأوه يوماً في السوق يعدوا فقالوا: ما شأنك؟ قال: هلا مرت بكم جارية رجل مخضوب اللحية؟ واجتاز يوماً بباب الجامع فقال: ما هذا؟ فقيل مسجد الجامع، فقال: رحم الله جامعاً ما أحسن ما بنى مسجده.
ومر بقوم وفي كمه خوخ، فقال: من أخبرني بما ي كمي فله أكبر خوخةٍ، فقالوا: خوخ، فقال: ما قال لكم هذا إلا من أمه زانية.
وسمع قائلاً يقول ما أحسن القمر، فقال: أي والله خاصة في الليل.
وقال له رجل: أتحسن الحساب بإصبعك؟ قال: نعم، قال: خذ جريبين
стр. 38
حنطة، فعقد الخنصر والبنصر، فقال له: خذ جريبين شعيراً فعقد السبابة والإبهام وأقام الوسطى فقال الرجل لم أقمت الوسطى، قال: لئلا يختلط الحنطة بالشعير.
ومر يوماً بصبيان يلعبون ببازي ميت، فاشتراه منهم بدرهم وحمله إلى البيت، فقالت أمه: ويحك ما تصنع به وهو ميت؟ فقال لها: أسكتي فلو كان حياً ما طمعت في شرائه بمائة درهم.
وخرج أبوخ مرة إلى مكة فقال له عند وداعه: بالله لا تطل غيبتك واجتهد أن تكون عندنا في العيد لأجل الأضحية.
مزبد الأحمق
ومنهم مزبد. قال أبو زيد: قيل لمزبد: إن فلاناً الحفار قد مات، فقال: أبعده الله، من حفر حفرة سوء وقع فيها.
وقال مزبد لرجل: أيسرك أن تعطى ألف درهم وتسقط من فوق البيت؟ قال: لا، قال مزبد: وددت أنها لي وأسقط من فوق الثريا، فقال له الرجل: ويلك فإذا سقطت مت، قال: وما يدريك! لعلي سقطت في التبانين أو على فرش زبيدة. وقيل له: أيسرك أن تكون هذه الجبة لك؟ قال: نعم وأضرب عشرين سوطاً، قالوا: ولم تقول هذا؟ قال: لأنه لا يكون شيء إلا بشيء.
أزهر الحمار الأحمق
ومنهم أزهر الحمار، كان جالساً بين يدي الأمير عمرو بن الليث يوماً يأكل بطيخاً فقال له عمرو: كيف طعمه يا أزهر أحلو هو؟ قال: ما أكلت الخرا قط؟ وقدم على الأمير عمرو رسول من عند السلطان، فأحضر مائدته، فقال
стр. 39
لأزهر: جملنا بسكوتك اليوم، فسكت طويلاً ثم لم يصبر فقال: بنيت في القرية برجاً ارتفاعه ألف خطوة، فأومأ إليه حاجبه أن أسكت، فقال له الرسول: في عرض كم؟ قال: في عرض خطوة، فقال له الرسول: ما كان ارتفاعه ألف خطوة لا يكفي عرضه خطوة! قال: أردت أن أزيد فيه فمنعني هذا الواقف.
وقدم رسول آخر فقيل لأزهر: لا تتكلم اليوم وتجمل لهذا الرسول، فسكت ساعة فعطس الرسول فأراد أزهر أن يشمته فيقول يرحمك الله فقال: صبحك الله، فقال الأمير: أليس قد قدمت إليك أن لا تتكلم! فقال: أردت أن لا يرجع الرسول إلى بغداد فيقول: إن هؤلاء لا يعرفون العربية.
وقال له الطبيب: خذ رمانتين فاعصرهما بشحميهما واشرب ماءهما، فعمد إلى رمانتين وقطعة شحم ودقهما ف موضع واحد وعصرهما وأخذ ماءهما فشربه.
أبو محمد الصيدلاني الأحمق
ومنهم أبو محمد جامع الصيدلاني. قال علي بن معاذ: كتبت إلى جامع الصيدلاني كتاباً فكتب جوابه وجعل عنوانه: إلى الذي كتب إلي.
وجاء إليه قوم في أمر حائط فقالوا: يا أبا محمد منذ كم تعرف هذا الحائط؟ فقال: أعرفه منذ كان وهو صغير لفلان.
وقيل له يوماً: كم سنة تعد؟ فقال: إحدى وسبعين سنة، قيل له: فمن تذكر من ولد العباس؟ قال: ايتاخ.
وركب زورقاً فأعطى الملاح قطعة فاستزاده، فقال: مسخني الله ذو أربع قوائم مثلك إن زدتك شيئاً.
ومضى إلى السوق ليشتري لابنه نعلاً، فقيل له كم سنة؟ فقال: ما أدري ولكنه ولد أول ما جاء العنب الداراني، ومحمد ابني، استودعه الله، أكبر منه بشهرين ونصف سنة.
стр. 40
وكانت له بنت فقيل له كم سنها؟ فقال: ما أدري إلا أنها ولدت أيام البراغيث.
وانبثق كنيف لجامع الصيدلاني، فقال لغلامه: بادر وأحضر من يصلحه حتى نتغدى به قبل أن يتعشى بنا. وحج ابنه في بعض السنين فقال له: يا بني أنت تعلم أنني لا أصبر عنك، فأجهد نفسك أن لا تضحي إلا عندنا، فإنك تعلم أن أمك لا تأكل شيئاً في العيد حتى تجيء من الصلاة.
أبو عبد الله الجصاص الأحمق
ومنهم أبو عبد الله الجصاص. حكي عنه أنه كان يوماً يأكل مع الوزير، فلما فرغ من الأكل قال: الحمد لله الذي لا يحلف بأعظم منه. ونظر يوماً في المصحف وجعل يقول: رخيص والله، وهذا من فضل ربي، آكل وأتمتع بدرهم، وإذا في المصحف " ذرهم يأكلوا ويتمتعوا " فصحف ذرهم فظن أنه درهم.
ودخل ابن الجصاص يوماً على ابن الفرات الوزير الخاقاني وفي يده بطيخة كافور، فأراد أن يعطيها الوزير ويبصق في دجلة، فبصق في وجه الوزير ورمى البطيخة في دجلة، فارتاع الوزير وانزعج ابن الجصاص وتحير وقال: والله العظيم لقد أخطأت وغلطت أردت أن أبصق في وجهك وأرمي البطيخة في دجلة. فقال له الوزير: كذلك فعلت يا جاهل. فغلط في الفعل وأخطأ في الاعتذار.
ونظر يوماً في المرآة فقال: اللهم بيض وجوهنا يوم تبيض وجوه وسودها يوم تسود وجوه.
стр. 41
وقال يوماً: أشتهي بغلة مثل بغلة النبي ﷺ حتى أسميها دلدل.
وقال يوماً: خريت على يدي، فلو غسلتها ألف مرة لم تنظف حتى أغسلها مرتين.
ونظر يوماً في المرآة فقال لإنسان عنده: ترى لحيتي طالت؟ فقال له: المرآة في يدك. فقال: صدقت، ولكن الشاهد لا يرى ما لا يراه الغائب.
وكسر يوماً لوزاً فطارت لوزة فقال: لا إله إلا الله، كل شيء يهرب من الموت حتى البهائم.
وأهدى إلى العباس بن الأحنف الوزير نبقاً وكتب إليه: تفيلت أن تبقى فأهديتك النبقا فكتب في جوابه: ما تفيلت يا أبا عبد الله ولكن تبقرت. وكان ابن الجصاص يسبح كل يوم فيقول: نعوذ بالله من نعمه، ونتوب إليه من إحسانه، ونستقيله من عافيته، ونسأله عوائق الأمور. حسبي الله وأنبياؤه والثغور الكنائس، سبحان الله قبل الله سبحان الله بعد الله.
стр. 42
وأتاه غلامه يوماً بفرخ فقال: أنظروا إلى هذا الفرخ ما أشبهه بأمه، ثم قال: أمه ذكر أم أنثى؟ واعتل مرة فقيل له: كيف تجدك؟ فقال: الدنيا كلها محمومة.
وذكر محمد بن أحمد الترمذي قال: كنت عند الزجاج أعزيه بأمه وعنده الخلق من الرؤساء والكتاب، إذ أقبل ابن الجصاص فدخل ضاحكاً وهو يقول: الحمد لله قد سرني والله يا أبا إسحاق، فدهش الزجاج ومن حضر، وقيل له: يا هذا، كيف سرك ما غمه وغمنا؟ فقال: ويحك، بلغني أنه هو الذي مات، فلما صح عندي أنها هي التي ماتت سرني ذلك. فضحك الناس جميعاً.
وكتب ابن الجصاص إلى وكيل له يحمل إليه مائة من قطناً فحملها، فلما حلجها خرج منها ربع الوزن، فكتب إلى الوكيل: لم يحصل من هذا القطن إلا خمسة وعشرون مناً فلا تزرع بعد هذا إلا قطناً محلوجاً وشيئاً من الصوف أيضاً.
ودخل يوماً بستاناً فثار به المرار، فطلب بصلاً بخل ليطفىء المرار، ولم يكن عند البستاني فقال له: لم لم تزرع لنا بصلاً بخل.
وكان يوماً خلف الإمام فقال الإمام: " ولا الضالين "، فقال ابن الجصاص: أي لعمري.
وكان إذا سبح يقول: حسبي الله وحدي.
стр. 43
وقال يوماً: ينبغي للإنسان أن يصير إلى المقابر ليغتاظ، أراد يسير ليتعظ.
وقال يوماً: كان الفأر يؤذينا في سقوفنا، فوصف لي إنسان دواء فما سمعت لهم حسوه، وأراد حساً.
وذكر يوماً ثلاثة أصناف من الثياب ثم قال: إذا لبست واحدة من هؤلاء فما أبالي بغيرها.
وقال يوماً: كان الهواء البارحة بارداً، إلا إني لم أجده.
وقدمت له هريسة من نعامة فاستطابها فقال: كيف لو أكلتها بقرية؟ أراد سكباجاً. ومرض فقيل له: لعلك تناولت شيئاً ضاراً؟ فقال: لا والله ما أكلت إلا مزورة بفرخ فروج.
وذكر بين يديه رجل فقال: أخبرتني أمه أنه ولد أبوه وله ثمانون سنة.
وقدمت إليه اسفيداجة فقال لمن حوله: كلوا فهذه أم القرى.
وقال يوماً: قمت البارحة إلى المستراح وقد انطفأ القنديل، فما زلت أتلمظ المقعدة حتى وجدتها.
ودخل يوماً على مريض فجلس عنده، فشكا إليه الكتف فقال: والله ما أغفل من وجع كتفي هذين، وضرب بيديه على ركبتيه.
ابن الجصاص لم يكن أحمق
وقد نقل عن ابن الجصاص ما يدل على أنه كان يقصد التطابع لا أنه كان بهذه المثابة.
стр. 44
عن علي بن أبي علي التنوخي عن أبيه قال: اجتمعت ببغداد سنة ست وخمسين وثلاثمائة مع أبي علي بن أبي عبد الله بن الجصاص فرأيته شيخاً حسناً طيب المحاضرة، فسألته عن الحكايات التي تنسب إلى أبيه، مثل قوله خلف الإمام حين قرأنا " ولا الضالين " فقال: أي لعمري بدلاً عن آمين، ومثل قوله أراد أن يقبل رأس الوزير فقل له: أفيه ذهب؟ فقال: لو كان في رأس الوزير خرا لقبلته، ومثل قوله وقد وصف مصحفاً بالعتق فقال: كسروي! فقال: أما أي لعمري ونحو هذا فكذب، وما كان فيه علامة تخرجه إلى هذا، وما كان إلا من أدهى الناس، ولكنه يطلق بحضرة الوزراء قريباً مما يحكى عنه لسلامة طبع كان فيه، ولأنه كان يحب أن يصور نفسه عندهم بصورة الأبله ليأمنه الوزراء لكثرة خلواته بالخلفاء فيسلم عليهم.
قصة الجصاص مع ابن الفرات
وأنا أحدثك عنه حديثاً حدثنا به، تعلم معه أنه كان في غاية الحزم، فإنه حدثني فقال: إن أبا الحسن بن الفرات لما ولي الوزارة قصدني قصداً قبيحاً، فأنفذ العمال إلى ضياعي وأمر بقبض معاملاتي وبسط لسانه بثلبي وتنقصني في مجلسه، فدخلت يوماً داره فسمعت حاجبه يقول وقد وليت: أي بيت مال يمشي على وجه الأرض ليس له من يأخذه؟ فقلت: إن هذا من كلام صاحبه وإني مسلوب، وكان عندي في ذلك الوقت سبعة آلاف دينار عيناً وجواهر، سوى ما يحتويه عليه ملكي. فهسرت ليلتي أفكر في أمري معه، فوقع لي الرأي في الثلث الأخير، فركبت إلى داره في الحال فوجدت الأبواب مغلقة فطرقتها، فقال البوابون: من هذا؟ قلت: ابن الجصاص. فقالوا: ليسوا هذا وقت وصول، والوزير نائم، فقلت:
стр. 45
عرفوا الحجاب إني حضرت في مهم، فعرفوهم فخرج إلي أحدهم فقال: إنه إلى ساعة ينتبه فيجلس، فقلت: الأمر أهم من ذاك، فنبهه وعرفه عني، فدخل وأبطأ ساعة ثم خرج وأدخلني إلى دار حتى انتهيت إلى مرقده وهو جالس على سرير له وحواليه نحو خمسين فراشاً وغلمان كأنهم حفة وهو مرتاع قد ظن أن حادثة حدثت وأني جئته برسالة الخليفة وهو متوقع لما أورده، فقام فرفعني وقال: ما الذي جاء بك في هذا الوقت؟ هل حدثت حادثة أو معك من الخليفة رسالة؟ قلت: خير ما حدثت حادثة، ولا معي رسالة، ولا جئت إلا في أمر يخصني، ويخص الوزير، ولم تصلح المفاوضة فيه إلا على خلوة. فسكن وقال لمن حوله: انصرفوا. فمضوا وقال: هات، قلت: أيها الوزير إنك قد قصدتني أقبح قصد وشرعت في هلاكي وإزالة نعمتي، وفي إزالتها خروج نفسي وليس عن النفس عوض، ولعمري إني أسأت في خدمتك وقد كان في هذا التقويم بلاغ وجد عندي، وقد اجتهدت في إصلاحك بكل ما قدرت عليه، وأبيت إلا الإقامة على إيذائي، وليس شيء أضعف في الدنيا من السنور، وإذا عوينت في دكان البقال وظفر صاحبها بها ولزها إلى زاوية ليخنقها، وثبت عليه فخدشت وجهه وبدنه، ومزقت ثيابه، وطلبت الحياة بكل ما يمكنها، وقد وجدت نفسي معك في هذه الصورة ولست أضعف من السنور بطشاً، وقد جعلت هذا الكلام عذراً بيناً فإن نزلت تحت حكمي في الصلح وإلا فعلي وعلي، وحلفت أيماناً مغلظة لأقصدن الخليفة الساعة ولأحولن إليه من خزائني ألفي ألف دينار عيناً وورقاً ولا أصبح إلا وهي عنده، وأنت تعلم قدرتي عليها، وأقول خذ هذا المال وسلم ابن الفرات إلى فلان واستوزره، وأذكر له أقرب من يقع في نفسي أنه يجيب إلى تقليده ممن له وجه مقبول ولسان عذب وخط حسن، ولا أعتمد إلا على بعض كتابك فإنه لا يفرق بينك وبينهم إذا رأى المال حاضراً، فيسلمك في الحال ويراني المتقلد بعين من أخذه وهو صغير فجعله وزيراً، وغرم عليه هذا المال الكثير فيخدمني ويتدبر برأيي، وأسلمك إليه
стр. 46
فيفرغ عليك العذاب حتى يأخذ ألفي ألف الدينار منك بأسرها، وانت تعلم أن حالك تفي بهذا ولكنك تفتقر بعدها ويرجع المال إلي ولا يذهب مني شيء، وأكون قد أهلكت عدوي، وشفيت غيظي، واسترجعت مالي، وصفت نعمتي، وزاد محلي بصرفي وزيراً وتقليدي وزيراً. فلما سمع هذا الكلام سقط في يده وقال: يا عدو الله أو تستحل هذا؟ قلت: لست عدواً لله، بل عدو الله من استحل مني هذا الذي أخرجني إلى الفكر في مثل هذا، ولم لا أستحل مكروه من أراد هلاكي وزوال نعمتي؟ فقال: أو إيش؟ فقلت: أن تحلف الساعة بما استحلفك به من الأيمان المغلظة أنك تكون لي لا علي في صغير أمري وكبيره، ولا تنقص لي رسماً ولا تغير لي معاملة، ولا تدس علي المكاره، ولا تشر لي في سوء أبداً ظاهراً ولا باطناً، فقال: وتحلف أنت أيضاً لي بمثل هذا اليمين على جميل النية وحسن الطاعة والمؤازرة؟ فقلت: افعل، فقال: لعنك الله فما أنت إلا إبليس والله لقد سحرتني. واستدعى دواة وعملنا نسخة يمين فأحلفته أولاً بها ثم حلفت له، فلما أردت القيام قال: يا أبا عبد الله لقد عظمت في نفسي، وخففت ثقلاً عني، والله ما كان المقتدر يفرق بين كفاءتي وبين أخس كتابي مع المال الحاضر، فليكن ما جرى مطوياً. فقلت: سبحان الله. فقال: إذا كان غداً فصر إلى المجلس لتر ما أعاملك به، فنهضت، فقال: يا غلمان بأسركم بين يدي أبي عبد الله، فخرج بين يدي نحو مائتي غلام وعدت إلى داري، ولما طلع الفجر واسترحت جئته في المجلس فعرفني الذين كانوا بحضرته،
стр. 47
وعرفهم ما جرى من التفريط التام
وعاملني بما شاهده الحاضرون، وأمر بإنشاء الكتب إلى عمال النواحي بإعزازي وإعزاز وكلاتي وعمالي وصيانة أسبابي وضياعي. فشكرت الله وقمت، فقال: يا غلمان بين يديه. فخرج الحجاب يجردون سيوفهم بين يدي والناس يعجبون، ولم يعلم أحد سبب ذلك فما حدثت بذلك إلا بعد القبض عليه. قال لي أبو علي: هل هذا فعل من يحكى عنه تلك الحكايات؟ قلت: لا. وقد حكى التنوخي إن ابن الجصاص صودر في أيام المقتدر فارتفعت مصادراته سوى ما بقي له من الظاهر وكانت ستة آلاف ألف دينار. بما شاهده الحاضرون، وأمر بإنشاء الكتب إلى عمال النواحي بإعزازي وإعزاز وكلاتي وعمالي وصيانة أسبابي وضياعي. فشكرت الله وقمت، فقال: يا غلمان بين يديه. فخرج الحجاب يجردون سيوفهم بين يدي والناس يعجبون، ولم يعلم أحد سبب ذلك فما حدثت بذلك إلا بعد القبض عليه. قال لي أبو علي: هل هذا فعل من يحكى عنه تلك الحكايات؟ قلت: لا. وقد حكى التنوخي إن ابن الجصاص صودر في أيام المقتدر فارتفعت مصادراته سوى ما بقي له من الظاهر وكانت ستة آلاف ألف دينار.
بعض تصرفات الجصاص تدل على ذكاء
قال التنوخي: وحدثني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن مكرم قال: حدثني بعض شيوخنا قال: كنا بحضرة أبي عمرو القاضي فجرى ذكر ابن الجصاص وغفلته فقال أبو عمرو: معاذ الله ما هو كما يقال عنه، ولقد كنت عنده منذ أيام وفي صحن داره سرادق مضروب، فجلسنا بالقرب منه نتحدث، فإذا بصرير نعل من خلف السرادق فقال: يا غلام جئني بصاحب هذا النعل، فأخرجت إليه جارية سوداء فقال: ما كنت تصنعين ها هنا؟ قالت: جئت إلى الخادم أعرفه أني قد فرغت من الطبيخ وأستأذن في تقديمه، فقال: انصرفي لشأنك، فعلمت أنه أراد يعرفني بذلك الوطء إنه وطء جارية سوداء مبتذلة، وأنها ليست من حرمه، فهل يكون هذا من التغفيل.
الجصاص يدلي بنصيحة تدل على العقل البالغ
عن أبي القاسم علي بن المحسن التنوخي عن أبيه، قال: حدثني أبو القاسم الجهني، قال: كنت بحضرة أبي الحسن بن الفرات وابن الجصاص حاضر، فذكروا ما يعتقده الناس لأولادهم، فقال ابن الفرات: ما أجل ما يعتقده الناس لأعقابهم فقال من حضر: الضياع، وقال بعضهم: العقار، وقال بعضهم: العقار الصامت، وقال بعضهم: الجوهر الخفيف الثمين. فإن بني أمية سئلوا أي الأموال كانت أنفع لكم في نكبتكم؟ فقالوا: الجوهر الخفيف المثمن كنا نبيعه فلا نطالب بمعرفته، والواحدة منه أخف من ثمنها، وابن الجصاص ساكت، فقال له
стр. 48
ابن الفرات: ما تقول أنت يا عبد الله؟ فقال: أجل ما يعتقده الناس لأولادهم الضياع والإخوان، فإنهم إن اعتقدوا لهم ضياعاً أو عقاراً أو صامتاً من غير إخوان ضاع ذلك وتمحقق، وأحدث الوزير بحديث جرى منذ مديدة يعلم منه صدق قولي، فقال له ابن الفرات ما هو؟ فقال: الناس يعرفون أن أبا الحسن كان رجلاً مشتهراً بالجوهر يعتقده لنفسه وأولاده وجواريه، فكنت جالساً يوماً في داري فجاءني بوابي فقال: بالباب امرأة تستأذن، فأذنت لها، فدخلت، فقالت لي: تخلي لي مجلسك، فأخليته، فقالت لي: أنا فلانة جارية أبي الحسن، فعرفتها وبكيت لما شاهدتها عليه ودعوت غلماني ليحضروا لي شيئاً أغير به حالها، فقالت: لا تدع أحداً فإني لم أضنك دعوتهم لتغير حالي وأنا في غنية وكفاية، ولم أقصدك لذلك ولكن لحاجة هي أهم من هذا. فقلت: ما هي؟ فقالت: تعلم أن أبا الحسن لم يكن يعتقد لنا إلا الجوهر، فلما جرى وتشتتنا وزال عنا ما كنا فيه، كان عندي جوهر قد سلمه إلي ووهبه لي ولابنته مني فلانة، وهي معي ها هنا فخشيت أن أظهره بمصر فيؤخذ مني، فتجهزت للخروج وخرجت متخفية وابنتي معي، فسلم الله تعالى ووصلنا هذا البلد، وجميع مالنا سالم، فأخرجت من الجوهر شيئاً قيمته خمسة آلاف دينار، وسرت به إلى السوق فبلغ ألفي دينار، فقلت: هاتوا. فلما أحضروا المال، قالوا: أين صاحب المتاع؟ قلت: أنا هي، قالوا: ليس محلك أن يكون هذا لك وأنت لصة، فعلقوا بي ليحملوني إلى صاحب الشرطة فخشيت أن أقع فأعرف فيؤخذ الجوهر وأطالب أنا بمال، فرشوت القوم دنانير كانت معي وتركت الجوهر عليهم وأقبلت، فما نمت ليلتي غماً مما جرى علي من خشية الفقر، لأن مالي هذا سبيله، فأنا غنية فقيرة، فلم أدر ما أفعل، فذكرت ما بيننا وبينك فجئتك، والذي أريد منك جاهك وبذله لي حتى تخلص لي حقي وما أخذ مني، وتبيع الباقي وتخلص لي ثمنه، وتشتري لي ولابنتي به عقاراً نقتات من غلته. قال: فقلت: من أخذ منك الجوهر؟ قالت: فلان، فأنفذت إليه فاستخليت به، وقلت: هذه امرأة من داري وإنما أنفذت المتاع لأعرف قيمته ولئلا يراني الناس
стр. 49
أبيع شيئاً بدون قيمته فلم تعرضتم لها؟ فقالوا: ما علمنا ذلك، ورسمنا كما تعلم لا نبيع شيئاً إلا بمعرفة، ولما طالبناها بذلك اضطربت فخشينا أن تكون لصة، فقلت له: أريد الجوهر الساعة، فجاء به، فلما رأيته عرفته، وكنت أنا اشتريته لأبي الحسن بخمسة آلاف دينار، فأخذته منه وصرفته، وأقامت المرأة في داري وتلطفت لها في بيع الجوهر بأوفى ثمن، فخصها منه أكثر من خمسة آلاف دينار فابتعت لها بذلك ضياعاً ومسكناً فهي تعيش في ذلك وولدها إلى الآن. فنظرت فإذا الجوهر لما كان معها بلا صديق حجر، بل كان سبباً لمكروه، ولما وجدت صديقاً يعينها حصل لها منه هذا المال الحليل، فالصديق أفضل من العقد. فقال ابن الفرات: أجدت يا أبا عبد الله.
ينسبون هذا الرجل إلى التغفيل، وقد سمعتم ما قال، فكيف يكون هذا مغفلاً!؟
النساء المنسوبات إلى التغفيل
فصل
فأما النساء المنسوبات إلى التغفيل.
ريطة الحمقاء
فمنهن التي نقضت غزلها، قال مقاتل بن سليمان: هي امرأة من قريش تسمى ريطة بنت عمرو بن كعب، كانت إذا غزلت نقضته، قال ابن السائب: اسمها رايطة، وقال أبو بكر بن الأنباري: أسمها ريطة بنت عمرو المرية، ولقبها الجعرا، وهي من أهل مكة، وكانت معروفة عند المخاطبين، فعرفوها بصنعتها، ولم يكن لها نظير في فعلها وكانت متناهية الحمق، تغزل الغزل من القطن، أو الصوف، فتحكمه، ثم تأمر خادمها بنقضه، قال بعضهم: كانت تغزل هي وجواريها، ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن.
دغة الحمقاء
ومنهن دغة بنت مغنج، ومغنج هو ربيعة بن عجل، واسم دغة ماوية، ودغة
стр. 50
لقب، وكانت قد تزوجت صغيرة في بني العنبر فحبلت، فلما جاءها المخاض ظنت أنها أحدثت، فقالت لضرتها: يا هنتاه هل يفتح الجعر فاه؟ قالت: نعم ويدعوا أباه، فمضت ضرتها فأخذت الولد، فبنو العنبر تنسب إليها فسموا بنو الجعر لذلك. ورأت يافوخ ولدها يضطرب فشقته بسكين وأخرجت دماغه، وقالت: أخرجت هذه المادة من دماغه ليسكن وجعه. وذكر عنها أنها كانت حسنة الثغر فولدت غلاماً، وكان أبوه يقبله ويقول: وا بأب دردرك. فظنت أن الدردر أعجب إليه، فحطمت أسنانها، فلما قال: وا بأبي دردرك، قالت: يا شيخ كلنا ذو دردر، فقال: أعييتني بأشر فكيف بدردر والأشر التحزيز في أطراف أسنان الأحداث والدردر مغارز الأسنان فضرب المثل بحمق دغة.
ربطة بنت عامر الحمقاء
ومنهن ريطة بنت عامر بن نمير كانت تعلم رأس أولادها بالقزع لتعرف أولادها من أولاد غيرها.
الفزارية الحمقاء
ومنهن الممهورة إحدى خدمتيها. أنبأنا محمد بن عبد الملك قال: حدثنا ابن خلف قال: يقال هو أحمق من الممهورة إحدى خدمتيها وهي امرأة من فزارة.
حذنة الحمقاء
ومنهن حذنة وقد مضى الخلاف في هذا الإسم وذكرنا في أحد الأقوال إنه اسم امرأة كانت تمتخط بكوعها.
стр. 51
الباب التاسع
في ذكر أخبار جماعة من العقلاء
صدرت عنهم أفعال الحمقى وأصروا عليها مستصوبين لها فصاروا بذلك الإصرار حمقى ومغفلين
أول العقلاء الحمقى إبليس
فأول القوم إبليس، فإنه كان متعبداً مؤذناً للملائكة فظهر منه من الحمق والغفلة ما يزيد على كل مغفل، فإنه لما رأى آدم مخلوقاً من طين، أضمر في نفسه لئن فضلت عليه لأهلكنه، ولئن فضل علي لأعصينه. ولو تدبر الأمر لعلم أنه كان الاختيار قد سبق لآدم لم يطق مغالبته بحيلة ولكنه جهل القدر ونسي المقدار.
اعتض على حكمة الله
ثم لو وقف على هذه الحالة لكان الأمر يحمل على الحسد، ولكنه خرج إلى الإعتراض على المالك بالتخطئة للحكمة، فقال: " أرأيتك هذا الذي كرمت علي " والمعنى لم كرمته؟ ثم زعم أنه أفضل من آدم بقوله: " خلقتني من نارٍ وخلقته من طين " ومجموع المندرج في كلامه: أني أحكم من الحكيم وأعلم من العليم، وأن الذي فعله من تقديم آدم ليس بصواب هذا، وهو يعلم أن علمه مستفادٌ من العالم الأكبر فكأنه يقول: يا من علمني أنا أعلم منك، ويا من قدر تفضيل هذا علي ما فعلت صواباً.
رضي بإهلاك نفسه
فلما أعيته الحيل رضي بإهلاك نفسه فأوثق عقد إصراره ثم أخذ يجتهد في إهلاك غيره ويقول لأغوينهم، وجهله في قوله " لأغوينهم " من وجهين؛
стр. 52
أحدهما: أنه أخرج ذلك مخرج القاصد لتأثر المعاقب له، وجهل أن الحق سبحانه لا يتأثر ولا يؤذيه شيءٌ، ولا ينفعه، لأنه الغني بنفسه. والثاني: نسي أنه من أريد حفظه لم يقدر على إغوائه، ثم انتبه لذلك فقال: " إلا عبادك منهم المخلصين "، فإذا كان فعله لا يؤثر وإضلاله لا يكون لمن قدرت له الهداية فقد ذهب علمه باطلاً.
رضي إبليس بالخساسة
ثم رضي لخساسة همته بمدة يسيرة يعلم سرعة انقضائها فقال: " انظرني إلى يوم يبعثون " وصارت لذته في إيقاع العاصي بالذنب كأنه يغيظ بذلك ولجهله بالحق أنه يتأثر، ثم نسي قرب عقابه الدائم فلا غفلة كغفلته ولا جهالة كجهالته وما أعجب قول القائل في إبليس: الرجز:
عجبت من إبليس في نخوته ... وخبث ما أظهر من نيته
تاه على آدم في سجدةٍ ... وصار قواداً لذريته
ابن الراوندي الفيلسوف الأحمق
وما رأيت من غير إبليس وزاد عليه في الجنون والتغفيل مثل أبيالحسين ابن الراوندي فإن له كتباً يزري فيها على الأنبياء ﵈ ويشتمهم، ثم عمل كتاباً يرد فيه على القرآن ويبين أن فيه لحناً، وقد علم أن هذا الكتاب العزيز قد عاداه خلق كثير ما فيهم من تعرض لذلك منه ولا قدر.
زعم أنه استدرك على الفصحاء
فاستدرك هو بزعمه على الفصحاء كلهم. ثم عمل كتاب الدامغ فأنا أستعصم أن أذكر بعض ما ذكر فيه من التعريض للرد على الخالق سبحانه، وذكر إياه بأقبح ما يذكر به آدمي مثل أن يقول: منه الظلم ومنه الشر، في عبارات أقبح من هذه قد ذكرت بعضها في التاريخ، فالعجب ممن يعترض على الخالق بعد إثباته. فأما الجاحد فقد استراح، أتراه خلق لهؤلاء عقولاً كاملة وفي صفاته هو نقص، تعالى الله عن تغفيل هؤلاء.
стр. 53
غفلة قابيل
فصل
ثم اتبع إبليس في الغفلة والحمق قابيل فإن من أعظم التغفيل قوله لمن قبله قربانه " لأقتلنك "، وهذا من أسمج الأشياء، لأنه لو فهم لنظر سبب قبول قربان أخيه ورد قربانه، ثم من التغفيل أنه حمل على ظهره ولم يهتد لدفنه.
القرآن الكريم حدثنا عن بعض المغفلين
ومثل هذا التغفيل " حرقوه وانصروا آلهتكم " ومثله " أن امشوا واصبروا على آلهتكم " ومن جنسه " أنا أحيي وأميت ".
ومثله " أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي ". فافتخر بساقية لا هو أجراها ولا يدري منتهاها ولا مبتداها، ونسي أمثالها مما ليس تحت حكمه، وليس في الحمق أعظم من ادعاء فرعون أنه الإله.
إبليس عند فرعون
قد ضرب الحكماء له مثلاً فقالوا: أدخل إبليس على فرعون فقال: من أنت؟ قال: إبليس، قال: ما جاء بك؟ قال: جئت أنظر إليك فأعجب من جنونك، قال: وكيف؟ قال: أنا عاديت مخلوقاً مثلي، وامتنعت من السجود له، فطردت ولعنت، وأنت تدعي أنك أنت الإله! هذا والله الجنون البارد.
اتخاذ الأصنام تغفيل
ومن أعجب التغفيل اتخاذ الأصنام آلهة، فالإله ينبغي أن يفعل لا أن يفعل. ومن التغفيل بنيان نمرود الصرح ثم رميه بنشابه ليقتل بزعمه إله السماء، أتراه لو كان خصمه في مكان فرأى قوساً موتورة إلى جهته، أما كان يمكنه أن ينزوي عنها!
تصرف إخوة يوسف تغفيل
ومن أعظم التغفيل ما جرى لإخوة يوسف في قولهم " أكله الذئب "
стр. 54
ولم يشقوا قميصه، وقصتهم مع يوسف في قوله إن الصاع يخبرني بكذا وكذا. ومن التغفيل ادعاء هاروت وماروت الإستعصام عن الوقوع في الذنب ومقاومة الأقدار فلما نزلا من السماء على تلك النية نزلا.
تغفيل بني إسرائيل
ومن عجيب التغفيل قول بني إسرائيل لموسى وقد جاوز بهم البحر: " اجعل لنا إلهاً "، وقول النصارى إن عيسى إله أو ابن إله، ثم يقرون أن اليهود صلبوه، فادعاؤهم الإلهية في بشر لم يكن فكان ولا يبقى إلا بأكل الطعام! والآله من قامت به الأشياء لا من قام بها، فظنهم أنه ابن الإله والبنوة تقتضي البعضية والمثلية وكلاهما مستحيل على الإله، وقولهم إنه قتل وصلب فيقرون عليه بالعجز عن الدفع عن نفسه وكل هذه الأشياء تغفيل قبيح.
اعتقاد المشبهة تغفيل
ومن أعجب التغفيل اعتقاد المشبهة الذين يزعمون أن المعبود ذو أبعاض وجوارح وأنه يشبه خلقه مع علمهم أن المؤلف لا بد له من مؤلف.
تخطئة أبي بكر وعمر تغفيل
ومن أعجب التغفيل: أن الرافضة يعلمون إقرار علي على بيعة أبي بكر وعمر، واستيلاده الحنفية من سبي أبي بكر، وتزويجه أم كلثوم ابنته من عمر، وكل ذلك دليل على رضاه ببيعتهما ثم فيهم من يكفرهما وفيهم من يسبهما، يطلبون بذلك على زعمهم حب علي وموافقته وقد تركوها وراء ظهورهم.
ومثل هذا الجنس كثير إذ تتبعته رأيته، وإنما أشرنا بهذه النبذة إليه ليفكر في جنسه ولم نر بسط القصص فيه، لأن المقصود الأكبر في هذا الكتاب غير ذلك.
عن أحمد بن حنبل أنه قال: لو جاءني رجل فقال: إني قد حلفت
стр. 55
بالطلاق أن لا أكلم يومي هذا أحمق فكلم رافضياً أو نصرانياًن لقلت: ما حنث. قال: فقال له الدينوري: أعزك الله تعالى لم صارا أحمقين؟ قال: لأنهما خالفا الصادقين عندهما، أما الصادق الأول فإنه المسيح ﵇ قال للنصارى " اعبدوا الله " وقال: " إني عبد الله " فقالوا: لا ليس هو بعبد بل هو إله. وأما علي ﵁، فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال لأبي بكر وعمر: " هذان سيدا كهول أهل الجنة " ثم سبهما هذا وتبرأ منهما هذا.
تغفيل عابد قديم
هذا ومن أعجب تغفيل القدماء ما روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: قال رسول الله ﷺ : " تعبد رجل في صومعة، فأمطرت السماء فأعشبت الأرض، فرأى حماراً يرعى، فقال: يا رب، لو كان لك حماراً رعيته مع حماري، فبلغ ذلك نبياً من أنبياء بني إسرائيل فأراد أن يدعو عليه فأوحى الله تعالى إليه إنما أجزي العباد على قدر عقولهم ".
تغفيل غير مقصود
فصل
وقد جرى من خلق كثير من العقلاء ما يشبه التغفيل إلا أنهم لم يقصدوا ذلك، فذكرت منهم طرفاً لشبهه بالتغفيل. فمن ذلك ما حكي عن بعض المغنين قال: حضرت عند أمير لأغنيه فجرى حديث بعض الوزراء فذكرت من محاسنه وكرمه شيئاً لأحركه به ليفعل مثله ثم غنيته:
стр. 56
الطويل:
قواصد كافور توارك غيره ... ومن قصد البحر استقل السواقيا
فقال لي: قبحك الله ما هذه المعاشرة؟ فاستيقظت وحلفت أني ما قصدته. ومثل هذا ما جرى لعبد الله بن حسن فإنه كان يساير السفاح وينظر إلى مدينته التي بناها ظاهر مدينة الأنبار فأنشده: الوافر:
ألم تر مالكاً أضحى يبني ... بيوتاً نفعها لبني بقيلة
يرجى أن يعمر عمر نوح ... وأمر الله يأتي كل ليلة
فغضب فاعتذر إليه. وبينا عيسى بن موسى يساير أبا مسلم يوم إدخاله على المنصور تمثل عيسى فقال:
стр. 57
الطويل:
سيأتيك ما أفنى القرون التي مضت ... وما حل في أكباد عاد وجرهم
فقال أبو مسلم: هذا مع الأمان الذي أعطيت؟ فقال عيسى: اعتقت ما أملك إن كان هذا شيئاً أضمرته.
ثلاث غفلات لجارية الأمين
ولما حوصر الأمين قال لجاريته: غني، فغنت الطويل:
كليب لعمري كان أكثر ناصراً ... وأيسر جرماً منك ضرج بالدم
فاشتد ذلك عليه ثم قال غني غير هذا. فغنت: البسيط:
شكت فراقهم عيني فأرقها ... إن التفرق للأحباب بكاء
فقال: لعنك الله أما تعرفين غير هذا؟ فغنت: البسيط:
ما اختلف الليل والنهار وما ... دارت نجوم السماء في الفلك
إلا لنقل السلطان من ملكٍ ... قد غاب تحت الثرى إلى ملك
فقال: قومي، فقامت فعثرت بقدح بلور فكسرته، فإذا قائل يقول: " قضي الأمر الذي فيه تستفتيان ".
ولما دخل المأمون على زبيدة ليعزيها في الأمين قالت: أرأيت أن تسليني في غدائك اليوم عندي؟ فتغدى وأخرجت إليه من جواري الأمين من تغنيه فغنت:
стр. 58
الطويل:
هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما فعلت يوماً بكسرى مرازبه
فوثب مغضباً، فقالت له: يا أمير المؤمنين حرمني الله أجره إن كنت علمت أو دسست إليها، فصدقها.
المعتصم يتطير من قول شاعر
ولما فرغ المعتصم من بناء قصره دخل الناس عليه، فاستأذنه إسحاق بن إبراهيم أن ينشده شعراً في صفته وصفة المجلس أوله: الكامل:
يا دار غيرك البلى ومحاك ... يا ليت شعري ما الذي أبلاك
فتطير المعتصم وعجب الناس من إسحاق كيف فعل هذا مع فهمه، فقاموا وخرب القصر وما اجتمع فيه بعد ذلك اثنان.
وأنشد الصاحب بن عباد عضد الدولة مديحاً له من قصيدة يقول فيها:
стр. 59
الطويل:
ضممت على أبناء تغلب تاءها ... فتغلب ما كر الجديدان تغلب
فتطير عضد الدولة من قول تغلب وقال: نعوذ بالله، فتيقظ الصاحب لقوله وتغير لونه.
وقال إسحاق المهلبي: دخلت على الواثق فقال: غنني صوتاً عربياً، فقلت: السريع:
يا دار إن كان البلى محاك ... فإنه يعجبني أراك
قال فتبينت الكراهية في وجهه وندمت.
الشاعر العجلي يوجأ في عنقه لغفلته
ودخل أبو النجم العجلي على هشام بن عبد الملك فأنشده أبياتاً حتى بلغ
стр. 60
فيها ذكر الشمس فقال: " وهي على الأفق كعين الأحول "، فأمر أن يوجأ في عنقه وأخرج.
أرطاة يخطىء خطأً غير مقصود
ودخل أرطأة على عبد الملك بن مروان وكان شيخاً كبيراً فاستنشده ما قاله في طول عمره فأنشده: الوافر:
رأيت المرء تأكله الليالي ... كأكل الأرض ساقطة الحديد
وما تبغي المنية حين تأتي ... على نفس ابن آدم من مزيد
فاعلم أنها ستكر حتى ... توفي نذرها بأبي الوليد
فارتاع عبد الملك وظن أنه عناه وعلم أرطأة أنه زل فقال: يا أمير المؤمنين إني أكنى بأبي الوليد، وصدقه الحاضرون.
ذو الرمة عند عبد الملك
ودخل ذو الرمة على عبد الملك فأنشده: البسيط:
ما بال عينيك منها الدمع ينسكب ... كأنه من كلى مفرية سرب
стр. 61
واتفق أن عيني عبد الملك كانت تسيلان، فظن أنه عرض به فغضب، وقطع إنشاده وأخرجه. ودخل شاعر على طاهر بن عبد الله فأنشده: الخفيف:
شب بالإبل من عزيزة نار ... أوقدتها وأين منك المزار
وكان اسم والدة طاهر عزيزة فتغامز الحاضرون وأعلموه بهفوته فأمسك.
غفلة شاعر في حضرة عقبة بن مسلم
ودخل رجل على عقبة بن مسلم الأزدي فأنشده: المديد:
يا ابنة الأزدي قلبي كئيبٌ ... مستهامٌ عندكم ما يؤوب
ولقد لاموا فقلت دعوني ... إني من تلحون فيه حبيب
فتغير وجه عقبة، فنظر الشاعر فقطع.
أسرجوا العلوي
ودخل الرئيس أبو علي العلوي يوماً على بعض الرؤساء، فتحادثا فجءا غلام لذلك الرجل فقال: يا سيدي أي الخيل نسرج اليوم؟ فقال: اسرجوا العلوي. فقال له أبو علي: أحسن اللفظ يا سيدي، فاستحيا وقال: هفوة.
المشاكلة اللفظية تسبب الأزمات
واجتاز المرتضى أبو القاسم نقيب العلويين، يوم جمعة على باب جامع المنصور عند المكان الذي يباع فيه الغنم، فسمع المنادي يقول: نبيع هذا التيس العلوي بدينار، فظن أنه قصده بذلك فعاد متألماً من المنادي فكشف عن الحال،
стр. 62
فوجد أن التيس إن كان في رقبته حلمتان سمي علوياً نسبة لشعرتي العلوي المسبلتين على رقبته. ونحو هذا ما جرى لأبي الفرج العلوي، فإنه كان أعرج أحول، فسمع منادياً ينادي على تيس: كم عليكم في هذا العلوي الأعرج الأحول؟ فلم يشك أنه عناه، فراغ عليه ضرباً إلى أن تبين أن التيس أحول أعرج فضحك الحاضرون مما اتفق.
أراد أن يمدحه فذمه
وقال أبو الحسن الصابىء: دخل بعض أصدقائنا إلى رجل قد ابتاع داراً في جواره، فسلم عليه وأظهر الأنس بقربه وقال: هذه الدار كانت لصديقنا وأخينا، إلا أنك بحمد الله أوفى منة وكرماً وأوسع نفساً وصدراً، والحمد لله الذي بدلنا به من هو خيرٌ منه وأنشد: بدل بالبازي غرابٌ أبقع. فضحك منه الرجل حتى استلقى وخجل، وصارت نادرة يولع الرجل بها.
стр. 63
الباب العاشر
في ذكر المغفلين من القراء والمصحفين
الإصرار على الغلط
عن عبد الله بن عمر بن أبان أن مشكدانة قرأ عليه في التفسير " ويعوق وبشراً " فقيل له ونسراً، فقال: هي منقوطة بثلاثة من فوق، فقيل له النقط غلط، قال: فارجع إلى الأصل. وعن محمد بن أبي الفضل قال: قرأ علينا عبد الله بن عمر بن أبان ويعوق وبشراً فقال له رجل إنما هو ونسراً، فقال: هو ذا فوقها نقط مثل رأسك. وقال أبو العباس بن عمار الكاتب: انصرفت من مجلس مشكدانة فمررت بمحمد بن عباد بن موسى فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من عند مشكدانة، فقال: ذاك الذي يصحف على جبرائيل. يريد قراءته ويعوق وبشراً وكانت حكيت عنه. حدثنا إسماعيل بن محمد قال: سمعت عثمان بن أبي شيبة يقرأ " فإن لم يصبها وابل فظل ". قال: وقرأ " من الخوارج مكلبين ".
стр. 64
وعن محمد بن جرير الطبري قال: قرأ علينا محمد بن جميل الرازي " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يجرحوك ". قال الدارقطني: وحدثني أنه سمع أبا بكر الباغندي أملى عليهم في حديث ذكره " وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوياً " بضم الهاء وياء.
تشنيعات على ابن أبي شيبة
قال ابن كامل: وحدثنا أبو شيخ الأصبهاني محمد بن الحسين قال: قرأ علينا عثمان بن أبي شيبة في التفسير وإذا بطشتم بطشتم خبازين يريد قوله " جبارين ". وعن محمد بن عبد الله المنادي يقول: كنا في دهليز عثمان بن أبي شيبة فخرج إلينا وقال ن والقلم في أي سورة هو؟. وعن إبراهيم بن دومة الأصبهاني أنه يقول: أملى علينا عثمان بن أبي شيبة في التفسير قال: خذوا سورة المدبر قالها بالباء. قال الدارقطني: قرأ علينا عثمان بن أبي شيبة في التفسير " فلما جهزهم
стр. 65
بجهازهم جعل السقاية في رجل أخيه " فقيل له: " السقاية في رحل أخيه " فقال: أنا وأخي أبو بكر لا نقرأ لعاصم. وقال القاضي المقدمي:
قرأ علينا عثمان بن أبي شيبة جعل السقاية في رجل أخيه فقيل له " في رحل أخيه " فقال: تحت الجيم واحدة. وعن محمد بن عبد الله الحضرمي إنه قال: قرأ علينا عثمان بن أبي شيبة فضرب بينهم سنور له ناب فقيل له إنما هو " بسور له باب " فقال: أنا لا أقرأ قراءة حمزة، قراءة حمزة عندنا بدعة.
استمر على تصحيفه أربعين سنة
قال: حدثني أبو الحسين أحمد بن يحيى قال: مررت بشيخ في حجره مصحف وهو يقر: ولله ميزاب السموات والأرض فقلت: يا شيخ ما معنى ولله ميزاب السموات والأرض؟ قال: هذا المطر الذي نراه، فقلت: ما يكون التصحيف إلا إذا كان بتفسير، يا هذا إنما هو " ميراث السموات والأرض " فقال: اللهم اغفر لي، أنا منذ أربعين سنة أقرؤها وهي في مصحفي هكذا.
ادعى الاشتغال بالقرآن وهو الجاهل به
قال: حدثني أبو فزارة الأسدي قال: قلت لسعيد بن هشيم: لو حفظت عن أبيك عشرة أحاديث سدت الناس، وقيل هذا ابن هشيم فجاءوك فسمعوا منك، قال: شغلني عن ذلك القرآن، فلما كان يوم آخر قال لي: جبير كان نبياً أم صديقاً؟
стр. 66
قال: قلت: من جبير؟ قال: قوله : واسأل به جبيراً. قال: قلت له: يا غافل، زعمت أن القرآن أشغلك.
يخلط بين الشعر والقرآن الكريم
وعن أبي عبيدة قال: كنا نجلس إلى أبي عمرو بن العلاء فنخوض في فنون من العلم ورجل يجلس إلينا لا يتكلم حتى نقوم، فقلنا: إما أن يكون مجنوناً أو أعلم الناس! فقال يونس: أو خائف، سأظهر لكم أمره. فقال له: كيف علمك بكتاب الله تعالى؟ قال: عالم به، قال: ففي أي سورة هذه الآية: مجزوء البسيط:
الحمد الله لا شريك له ... من لم يقلها فنفسه ظلما
فأطرق ساعة ثم قال: في حم الدخان.
وعن أبي عبد الله بن عرفة، أنه قال: اصطحب ناس فكانوا يتذاكرون الآداب والأخبار وسائر العلوم، وكان معهم شاب لا يخوض فيما يخوضون فيه سوى أنه كان يقول: رحم الله أبي ماكان يعدل بالقرآن وعلمه شيئاً، فكانوا يرون أنه أعلم الناس بالقرآن، فسأله بعضهم في أي سورة: الطويل:
وفينا رسول الله يتلو كتابه ... كما لاح مبيض من الصبح ساطع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالكافرين المضاجع
فقال: سبحان الله من لم يعرف هذا؟ هذا في " حم عسق "، فقالوا: ما قصر أبوك في أدبك، فقال لهم: أفكان يتغافل عني كتغافل آبائكم عنكم؟.
قاضٍ أغفل من الخصمين
ونبأنا في هذا المعنى أن رجلاً قدم ابناً له إلى القاضي فقال: أصلح الله القاضي، إن هذا ابني يشرب الخمر ولا يصلي، فقال له القاضي: ما تقول يا غلام فيما حكاه أبوك عنك؟ قال: يقول غير الصحيح إني أصلي ولا أشر الخمر، فقال أبوه: أصلح الله القاضي أتكون صلاة بلا قراءة؟ فقال القاضي: يا غلام تقرأ شيئاً من القرآن؟ قال: نعم وأجيد القراءة، قال: اقرأ، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم: مجزوء الكامل:
علق القالب ربابا ... بعدما شابت وشابا
إن دين الله حق ... لا أرى فيه ارتيابا
стр. 67
فقال أبوه: والله أيها القاضي ما تعلم هاتين الآيتين إلا البارحة، لأنه سرق مصحفاً من بعض جيراننا. فقال القاضي: قبحكم الله، أحدكما يقرأ كتاب الله ولا يعمل به.
الشافعي يتحدث عن غافل
وعن المزني أنه قال: سمعت الشافعي يقول: قرأ رجل فما لكم في المنافقين قيس قيل: فما قيس؟ قال: يقتاسون به.
ينسب إلى القرآن ما ليس منه
قال: حدثني أبو بكر محمد بن جعفر السواق قال: كان علي وعد أنفذه لابن عبدان الصيرفي، فأخرته لضرورة، فجاءني يقتضيني وقال لي، في عرض الخطاب: أقول لك يا أبا بكر كما قال الله تعالى وشديد عادة منتزعة فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله ما قال من هذا شيئاً. فاستحيا وقام، فما عاد لي أياماً، فلما حضرت الدراهم أنفذتها إليه.
غفلة الإبن والأب
وعن يحيى بن أكثم قال: قدم رجل ابنه إلى بعض القضاة ليحجر عليه فقال فيم؟ قال للقاضي: أصلحك الله، إن كان يحسن آيتين من كتاب الله فلا تحجر عليه، فقال له القاضي: اقرأ يا فتى، فقال: الوافر:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
فقال أبوه: أصلحك الله إنه قرأ آية أخرى فلا تحجر عليه. فحجر القاضي عليهما. وعن أبي عبد الله الشطيري قال: كان إبراهيم يقرأ على الأعمش
стр. 68
فقال: " قال لمن حوله ألا تستمعون " فقال الأعمش: لمن حوله. فقال: ألست أخبرتني إن من تجر ما بعدها؟.
تصحيفات حماد
قال: حدثني الدراقطني قال: ذكر أبو بكر عن حماد أن قرأ والغاديات صبحا بالغين المعجمة والصاد المهملة فأخبروا بذلك عقبة فامتحنه بالقراءة في المصحف فصحف في آيات عدة فقرأ ومما يغرسون وعدها أباه أصبت من أساء، فبادوا ولات حين، لا يسع الجاهلين، فأنا أول العائدين. كل خباز. قال: حدثني الدارقطني قال: ثنا علي بن موسى قال: قرأ أبو أحمد العراقي على عبد الله بن أحمد بن حنبل " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه " بكسر العين فقال له إنما هو " يرفعه " قال: هكذا الوقف عليه. قال الدارقطني: حدثنا النقاش قال: كنت بطبرية الشام أكتب على شيخ فيها عنده جزء فيه عن أبي عمرو الدوري وكان فيه أن يحيى بن معمر قرأ إن لك في النهار شيخاً طويلاً فقرأ على الشيخ وعلى من كان يسمع معه شيخاً بالشين المعجمة وبالخاء والياء.
نصيحة جار لجاره
كان رجل كثير المخاصمة لامرأته، وله جار يعاتبه على ذلك، فلما كان في بعض الليالي خاصمها خصومة شديدة وضربها، فاطلع عليه جاره، فقال: يا هذا،
стр. 69
اعمل معها كما قال الله تعالى: إما إمساك إيش اسمه أو تسريح ما أدري إيش.
صاحب الظالم
وجه فزارة صاحب مظالم البصرة رجلاً يوماً في حاجة فقضاها ورجع إليه، فقال فزارة أنت كما قال الله تعالى: المتقارب:
إذا كنت في حاجة مرسلا ... فأرسل حكيماً ولا توصه
يتبرأ من ابنه لجهله
قال رجل لابنه وهو في المكتب: في أي سورة أنت؟ قال: في أقسم بهذا البلد ووالدي بلا ولد فقال أبوه: لعمري من كنت ابنه فهو بلا ولد.
قال المأمون لبعض كتابه: ويلك ما تحسن تقرأ؟ قال: بلى والله، إني لأقرأ من سورة واحدة ألف آية. سمعت ابن الرومي يقول: خرج رجل إلى قرية فأضافه خطيبها فأقام عنده أياماً، فقال له الخطي: أنا منذ مدة أصلي بهؤلاء القوم وقد أشكل علي في القرآن بعض مواضع، قال: سلني عنها، قال: منها في " الحمد لله "، " إياك نعبد وإياك " أي شيء تسعين أو سبعين؟ أشكلت علي هذه فأنا أقولها تسعين، آخذ بالإحتياط.
стр. 70
الباب الحادي عشر
في ذكر المغفلين من رواة الحديث والمصحفين
تصحيف في أسماء الأعلام
قال أبو بكر بن أبي أويس: بينا عبد الله بن زياد يحدث انتهى إلى حديث شهر بن حوشب فقال: حدثني شهر بن خوشب، فقلت: من هذا؟ فقال: رجل من أهل خراسان، اسمه من أسماء العجم، فقلت: لعلك تريد شهر بن حوشب. فعلمنا أنه يأخذ من الكتب. وعن عوام بن إسماعيل قال: جاء حبيب كاتب مالك يقرأ على سفيان بن عيينة، فقال: حدثكم المسعودي عن جراب التيمي، فقال سفيان: ليس هو جراب إنما هو خوات. وقرأ عليه: حدثكم أيوب عن ابن شيرين. فقال: ليس كذلك إنما هو سيرين. وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه يقول حكاية عن بعض شيوخه قال: قال رجل لهشيم: يا أبا معاوية أخبركم أبو حرة عن الحسن. فقال هشيم: أخبرنا أبو حرة عن الحسن ووصف شيخنا ضحك هشيم هه هه. وعن محمد بن يونس الكندي أنه قال: حضرت مجلس مؤمل بن
стр. 71
إسماعيل فقرأ عليه رجل من أهل المجلس: حدثكم سبعة وسبعين، فضحك المؤمل وقال للفتى: من أين؟ فقال: من مصر. حدثنا إسحاق قال: كنا عند جرير، فأتاه رجل وقال: يا أبا عبد الله تقرأ علي هذا الحديث، فقال: وما هو؟ قال: حدثنا خربز عن رقبة، قال: ويحك أنا جرير.
تصحيف أدى إلى جريمة
حدثنا محمد بن سعيد قال: سمعت الفضل بن يوسف الجعفي يقول: سمعت رجلاً يقول لأبي نعيم: حدثتك أمك، يريد حدثك أمي الصيرفي. قال أبو نعيم: كتب عبد الملك إلى أبي بكر بن حزم أن احص من قبلك من المخنثين، فصحف الكاتب فقرأ بالخاء فخصاهم. فقال بعض المخنثين: اليوم استحققنا هذا الاسم.
حدثنا يحيى بن بكير قال: جاء رجل إلى البشير بن سعد فقال: كيف حدثك نافع عن النبي ﷺ : في الذي نشرت في أبيه القصة فقال الليث: ويحك إنما هو في الذي يشرب في آنية الفضة.
стр. 72
تصحيف في السند
قال الدارقطني: وحدثني محمد بن يحيى الصولي قال: حدثنا أبو العيناء قال: حضرت مجلس بعض المحدثين المغفلين فأسند حديثاً عن النبي ﷺ عن جبرائيل عن الله عن رجل، فقلت: من هذا الذي يصلح أن يكون شيخ الله؟ فإذا هو قد صحفه، وإذ هو . وقد نبأنا بهذه الحكاية أبو عبد الله الحسين بن محمد البارع قال: سمعت القاضي أبا بكر بن أحمد بن كامل يقول: حضرت بعض المشايخ المغفلين فقال: عن رسول الله ﷺ عن جبريل عن الله عن وجل. فقلت: من هذا الذي يصلح أن يكون شيخ الله، فإذا هو وقد صحفه.
ضحى بهرة
قال: حدثنا أبو أيوب سليمان بن إسحاق الخلال قال: قال إبراهيم الحربي:
стр. 73
قدم علينا محمد بن عباد المهلبي فذهبنا إليه فسمعنا منه ولم يكن بصيراً بالحديث، حدثنا بحديث فقال: إن النبي ﷺ ضحى بهرة وغلط، إنها التصقت الباب بالقاف.
لحق التصحيف باسمه
قال: سمعت محمد بن حمدان يقول: سمعت صالحاً يعني جزرة يقول: قدم علينا بعض الشيوخ من الشام وكان عنده كراس فيه عن جرير، فقرأت عليه: حدثكم جرير عن ابن عثمان أنه كان لأبي أسامة خرزة يرقي بها المريض، فصحفت أنا الخرزة، فقلت: كان لأبي أسامة جزرة، قال الخطيب: وبهذا سمي صالح جزرة.
شرف لا تستحقونه
قال: حدثنا أبو الحسن الدارقطني أن أبا موسى محمد بن المثنى قال لهم يوماً: نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة، وقد صلى النبي ﷺ إلينا، لما روي أن رسول الله ﷺ صلى إلى عنزة، توهم أنه صلى إليهم وإنما العنزة التي صلى إليها النبي ﷺ هي حربة كانت تحمل بين يديه فتنصب فيصلي إليها.
تعزية غير موفقة
وعن عبد الله بن أبي بكر السهمي قال: دخل أبي علي عيسى بن جعفر بن المنصور وهو أمير البصرة، فعزاه عن طفل مات له، ودخل عليه
стр. 74
شبيب بن شيبة فقال: أبشر أيها الأمير فإن الطفل لا يزال محبنظئاً على باب الجنة ويقول: لا أدخل حتى يدخل والدي، فقال له: يا أبا معمر، دع الظاء والزم الطاء، فقال له: أنت تقول لي هذا وما بين لابتيها أفصح مني! فقال له أبي: فهذا خطأ ثانٍ، من أين للبصرة لابة!؟ واللابة الحجارة السود والبصرة حجارة بيض قال: فكان كلما انتعش انتكس.
تصحيف في الأسماء
وعن أبي حاتم الرازي أنه قال: كان عمر بن محمد بن الحسين يصحف فيقول: معاد بن حبل، حجاج بن قراقصة، وعلقمة بن مريد فقلت له: أبوك لم يسلمك إلى الكتاب؟ فقال: كانت لنا صبية شغلتنا عن الحديث.
المناظرة تكشف الجهال
قال الدارقطني: وأخبرني يعقوب بن موسى قال: قال أبو زرعة: كان
стр. 75
بشر بن يحيى بن حسان من أصحاب الرازي وكان يناظر فاحتجوا عليه بطاووس فقال: يحتجون علينا بالطيور. قال أبو زرعة: وبلغني أنه ناظر إسحاق في القرعة فاحتج عليه إسحاق بالأحاديث الصحيحة فأفحمه، فانصرف، ففتش كتبه فوجد في حديث النبي ﷺ القزع فصحف بالراء فانصرف وقال لأصحابه: قد وجدت حديثاً أكسر به ظهره، فأتى إسحاق فأخبره فقال: إنما هو القزع.
تصحيف يجعل الحلال حراماً
وسأل حماد بن يزيد غلامٌ فقال: يا أبا إسماعيل حدثك عمر أن النبي ﷺ نهى عن الخبز، قال: فتبسم حماد وقال: يا بني إذا نهى عن الخبز فمن أي شيء يعيش الناس؟ وإنما هو نهى عن الخمر.
الضبي يكفيه كفن واحد
وعن يحيى بن معين قال: قدم داود بن أبي هند عليهم الكوفة فقام مستملي أهل الكوفة فقال: كيف حديث سعيد يكفن الضبي في ثوب واحد؟ يريد يكفن الصبي في ثوب واحد.
следующие страницы →