شيء قدير١. وقد سئل ابن عيينة عن معناه، فأنشد قول أمية في عبد الله بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إنَّ شيمتَك الحياءُ
قال في "القاموس": الدعاء هو الرغبة إلى الله. انتهى.
وقال الحسين بن محمد النعمي: الدعاء في الأصل موضوع لأن يكون من فقير عاجز خاضع، لغني قادر عزيز قاهر. انتهى.
والدعاء يَرِدُ في الكتاب والسنة بمعنى الطلب والمسألة بامتثال الأمر واجتناب النهي، ويرد بمعنى المسألة والطلب بالصيغة القولية.
وقد فسر قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ . الآية [غافر:٦٠] بدعاء العبادة، وبدعاء المسألة، والقولان معروفان، والآية تشمل النوعين. قاله شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، وذكر أنهما متلازمان، فكل عابد سائل، وكل سائل عابد.
وقال ﵀: والدعاء والدعوة في القرآن يتناول معنيين: دعاء العبادة، ودعاء المسألة –وساق جملة من الآيات- ثم قال: ولفظ الصلاة في اللغة بمعنى الدعاء، وسميت به لتضمنها معنى الدعاء دعاءِ العبادة والمسألة. ثم قال: فأحد الاسمين يتناول الآخر عند تجرده عنه،
стр. 107
ويراد بالعابد من يطلب ذلك بامتثال الأمر، وإن لم يكن في ذلك صيغة سؤال، وسمي الذكر دعاء لما فيه من التعريض بالمسألة.
قال: وهذه الصيغة صيغة الطلب والاستدعاء إذا كانت مما لا١ يحتاج إليه الطالب، أو ممن يقدر على قهر المطلوب منه ونحو ذلك، فإنها تقال على وجه الأمر، إما لما في ذلك من حاجة الطالب، وإما لما فيه من نفع المطلوب منه. وأما إذا كانت من الفقير من كل وجه، للغني من كل وجه، فإنها سؤال محض بتذلل وافتقار. انتهى.
قلت: وقد نص على ما ذكره الشيخ من الفرق علماء المعاني صاحب "المفتاح" وغيره. وفرقوا في الصيغة الواحدة نظراً للمخاطب والمخاطِب –بكسر الطاء- فقالوا: هي من الأعلى أمر، ومن المساوي التماس، ومن دونه مسألة وطلب.
وقد فسر قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ . [الأعراف:٥٥] بدعاء المسألة، قاله العلامة ابن القيم، وقرر٢ أنه في هذه الآية أظهر. وذكر أن استعمال الدعاء في العبادة والمسألة من استعمال اللفظ في حقيقته الواحدة، ليس من المشترك، ولا المتواطئ، ولا المجاز.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ . [الإسراء:٦٧] ظاهر في دعاء المسألة لمناسبة الحال والواقع.
و٣في حديث عكرمة بن أبي جهل لما فرَّ يوم الفتح إلى السِّيْف، وركب البحر، جاءتهم ريح عاصف، وظنوا الهلكة، أخلصوا الدعاء لله،
стр. 108
وصاروا يتواصون بذلك، ويقول بعضهم لبعض لا ينجي في مثل هذا إلا الله. فقال عكرمة: إن كان لا ينجي في الشدة إلا هوتعالى، فكذلك لا ينجي في الرخاء إلا هو. وقال: لئن أنجاني الله لأرجعن إلى محمد، ولأضعن يدي في يده، فكان ذلك، وأسلم وحسن إسلامه –﵀ والقصة معروفة عند أهل العلم١.
وفي الحديث: "دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه"٢ سماها دعوة، وهي سؤال وطلب، وتوسل بالتوحيد.
стр. 109
والعراقي يقول: (لا تسمى دعاء وإنما هي نداء) وهذا رد على رسول الله، وتكذيب بآيات الله، وقول على الله بغير علم.
وفي السنن من حديث حصين بن عبد الرحمن الخزاعي أن النبي ﷺ قال له حين أسلم: "كم كنت تعبد؟ قال: سبعة، واحد في السماء، وستة في الأرض، قال: "فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ " قال: الذي في السماء"١.
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ . [الأنعام:٤٠] الآية. وهذا الدعاء ظاهر في دعاء المسألة حال الشدة والضرورة.
стр. 110
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . [العنكبوت:٦٥] .
وما زال أهل العلم يستدلون بالآيات التي فيها الأمر بدعاء الله، والنهي عن دعاء غيره، على المنع من مسألة المخلوق ودعائه، بما لا يقدر عليه إلا الله، وكتبهم مشحونة بذلك، لا سيما شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم، اللذين١ يزعم هذا العراقي أنه على طريقتهما.
أيها المدَّعِي سُلَيْمى سفاهاً٢ ... لستَ منها ولا قلامةَ ظُفْرِ
إنما أنتَ من سُلَيْمى٣ كواوٍ ... ألحقت في الهجاء ظلماً بعَمْرِو
يوضح هذا أن ما لا يقدر عليه إلا الله٤ من الأمور العامة الكلية لهداية القلوب, ومغفرة الذنوب, والنصر على الأعداء, وطلب الرزق من غير جهة معينة, والفوز بالجنة, والإنقاذ من النار, ونحو ذلك غاية في القصد والإرادة، فسؤاله وطلبه غاية في السؤال والطلب، وفي ذلك من الذل وإظهار الفاقة والعبودية، ما لا ينبغي أن يكون لمخلوق، أو يقصد به غير الله. وهذا أحد الوجوه في الفرق بين دعاء المخلوق فيما يقدر عليه من الأسباب العادية الجزئية، وبين ما تقدم، مع أن سؤال المخلوق قد يحرم مطلقاً.
стр. 111
ومسألة المخلوق في الأصل محرمة، وإنما أبيحت للضرورة. قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ*وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ . [الشرح:٧-٨] .
وثبت عنه ﷺ أنه بايع نفراً من أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئاً. فكان أحدهم يسقط السوط من يده فلا يقول لأحد ناولنيه١.
وقد اشتهر عنه ﷺ أنه منع من تعليق الأوتار والتمائم، وأمر بقطعها، وبعث رسوله بذلك٢، كما في السنن وغيرها. وقال: "من
стр. 112
تعلق شيئاً وكل إليه"١.
стр. 113
_________
سمعت. وفي إسناده محمد بن أبي ليلى وهي سيئ الحفظ. انتهى كلام الهيثمي.
قال كاتبه: لا يثبت سماعه من النبي ﷺ بمثل هذا السند الذي فيه ابن أبي ليلى، والذي عليه الأئمة أبو حاتم، والبخاري، وأبو نعيم، وأبو زرعة، وابن حبان وغيرهم: أنه لم يسمع من النبي ﷺ شيئاً.
وللحديث شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه النسائي في "سننه" كتاب تحريم الدم، باب الحكم في السحرة، من طريق عباد بن ميسرة المنقري عن الحسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من عقد عقدةً ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئاً وكل إليه".
قال الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب" ٤/ ٣٢:
رواه النسائي من رواية الحسن عن أبي هريرة، ولم يسمع منه عند الجمهور. اهـ.
وقال العلامة الحافظ ابن مفلح –رحمه الله تعالى- في "الآداب" ٣/ ٧٨ بعد أن نقل عن الذهبي قوله في "الميزان٢/ ٣٧٨": لا يصح –أي هذا الحديث- للين عبّاد، ولانقطاعه. قال ابن مفلح: كذا قال، ويتوجه أنه حديث حديث حسن. اهـ. قلت: أي بشواهده.
ومن شواهد الحديث: ما أخرجه عبد الرزاق في "المصنف" ١١/ ٢٠٩: أخبرنا معمر عن أبان عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "من علق علقة وكل إليها".
وأخرجه البيهقي في "سننه" ٩/ ٣٥١ من طريق جرير بن حازم قال: سمعت الحسن البصري قال: قال رسول الله ﷺ ... فذكره.
ومن شواهده أيضاً ما أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" ٨/ ١٧: حدثنا وكيع عن شعبة عن قتادة عن واقع بن سحبان قال: قال عبد الله: "من تعلق شيئاً وكل إليه".
وأخرجه البيهقي في "السنن" ٩/ ٣٥١ من جهة شعبة عن قتادة عن واقع بن سحبان عن أسير بن جابر قال: قال عبد الله ... فذكره.
وواقع بن سحبان هو أبو عقيل البصري، ذكره البخاري في "التاريخ الكبير" ٨/ ١٨٩ وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" ٩/ ٤٩، ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.
стр. 114
بل نهى عن قول الرجل: ما شاء الله وشئت. وقال لمن قال له ذلك: "أجعلتني لله نداً" ١.
стр. 115
ومنع من التبرك بالأشجار والأحجار. وقال لأبي واقد الليثي وأصحابه من مسلمة الفتح لما قالوا له: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط: " قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ " ١.
стр. 116
ونهى عن الصلاة عند القبور وإن لم يقصدها المصلي. ولعن من فعل ذلك، وأخبر أنهم شرار الخلق عند الله١.
стр. 117
ونهى عن الذبح لله في مكان يذبح فيه لغيره١، حسماً لمادة الشرك، وقطعاً لوسائله، وسداً لذرائعه، وحماية للتوحيد، وصيانة لجانبه.
فمن المستحيل شرعاً وفطرة وعقلاً؛ أن تأتي هذه الشريعة المطهرة الكاملة بإباحة دعاء الموتى والغائبين، والاستغاثة بهم في المهمات والملمات، كقول النصراني: يا والدة المسيح اشفعي لنا إلى الإله، أو يا عيسى، أعطني كذا، وافعل بي٢ كذا، وكذلك قول القائل: يا علي، أو يا حسين، أو يا عباس، أو يا عبد القادر، أو يا عيدروس، أو يا بدوي، أو فلان وفلان: أعطني كذا، أو أجرني من كذا، أو أنا في حسبك، أو نحو ذلك من الألفاظ الشركية، التي٣
стр. 118
تتضمن١ العدل بالله، والتسوية به تعالى وتقدس، فهذا لا تأتي شريعة ولا رسالة بإباحته قط، بل هو من شُعَب الشرك الظاهرة الموجبة للخلود في النار، ومقتِ العزيز الغفار.
وقد نص على ذلك مشايخ الإسلام، حتى ذكره ابن حجر في "الإعلام" مقرراً له.
وتأويل الجاهلين، والميل إلى شبه المبطلين، هو الذي أوقع هؤلاء وأسلافهم الماضين، من أهل الكتاب والأميين، في الشرك بالله رب العالمين.
فبعضهم يستدل على شركه بالمعجزات والكرامات.
وبعضهم برؤيا المنامات.
وبعضهم بالقياس على السوالف والعادات.
وبعضهم بقول من يُحَسِّن به الظن.
وكل هذه الأشياء ليست من الشرع في شيء، وعند رهبان النصارى وعباد الصليب والكواكب من هذا الضرب شيء كثير، وبعضهم أحذق من هذا العراقي وأمثاله، الذين لم يفهموا من العبادة سوى السجود، ولم يجدوا في معلومهم سواه، فأين الحب والخضوع، والتوكل والإنابة، والخوف والرجاء، والرغب والرهب، والطاعة والتقوى، ونحو ذلك من أنواع العبادة الباطنة والظاهرة؟ فكل هذا عند العراقي يصرف لغير الله، ولا يكون عبادة، لأن
стр. 119
العبادة السجود فقط، بل عبارته تفهم أن السجود لا يحرم إلا على من زعم الاستقلال، وقد رأينا من المشركين، ولم نرَ مثل هذا الرجل في جهله ومجازفته وبلادته.
ولولا ما نقصده من انتفاع من اطلع على هذه الرسالة لم نتعرض لرد شيء من كلامه، لظهور بطلانه.
ويزيد هذا ظهوراً ما جاء في الحديث من قوله: "من سأل الناس وله ما يغنيه جاءت مسألته خدوشاً أو خموشاً في وجهه يوم القيامة" ١. وقوله: "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس على
стр. 120
وجهه مزعة لحم" ١.
وقوله: "من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته، ومن أنزلها بالله أَوْشَكَ ٢ له بالغنى: إما ٣ بموت عاجل، أو غنى عاجل" ٤.
стр. 121
_________
والترمذي حديث بشير بن إسماعيل ثنا سيار أبو الحكم عن طارق بن شهاب عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "من أصابته فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ... الحديث".
قال أبو داود عقبه: هو سيار أبو حمزة، ولكن بشيراً كان يقول: سيار أبو الحكم، وهو خطأ. قال أحمد: هو سيار أبو حمزة، وليس قولهم: سيار أبو الحكم بشيء". اهـ.
قلت: هكذا قال ابن حجر: والذي في سنن أبي داود المطبوعة –رواية اللؤلؤي- وكذا في "تحفة الأشراف" ٧/ ٦١: "عن سيار أبي حمزة" وليس لأبي داود كلام عقب هذا الحديث في النسخ المطبوعة التي بين يدي.
ثم قال الحافظ: "وقال الدارقطني: قول البخاري: سيار أبو الحكم سمع طارق بن شهاب وهمٌ منه، وممن تابعه، والذي يروي عن طارق هو: سيار أبو حمزة، قال ذلك أحمد ويحيى وغيرهما".
ثم قال الحافظ أيضاً: " ... وتبع البخاري في أنه يروي عن طارق مسلمٌ في الكنى، والنسائيُّ، والدولابيُّ، وغير واحد، وهو وهمٌ كما قال الدارقطني". اهـ كلام ابن حجر.
وقال في "التقريب" في ترجمة أبي الحكم: وليس هو الذي يروي عن طارق بن شهاب. اهـ. وفي ترجمة أبي حمزة منه: "ووقع في الإسناد عن سيار أبي الحكم عن طارق، والصواب: عن سيار أبي حمزة". اهـ.
وقال –﵀ أيضاً في ترجمة "سيار أبي حمزة": قد ذكر الخطيب في التلخيص أن الثوري روى عن بشير عن سيار أبي حمزة عن طارق عن ابن مسعود حديثاً، واختلف فيه على سفيان، فقال عبد الرزاق وغيره عنه هكذا. وقال المعافى بن عمران عن سفيان عن بشير عن سيار أبي الحكم ... اهـ.
وقد رجح الشيخ أحمد شاكر في التعليق على المسند ٥/ ٢٥٨ أن سياراًَ هذا هو أبو الحكم، وعلى هذا صحح الإسناد. فإن أبا الحكم ثقة، وأبا حمزة مجهول.
وقال الحاكم بعد إخراجه للحديث: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. اهـ. وأقره الذهبي في التلخيص.
стр. 122
وقوله: "لا تحل المسألة إلا لثلاثة: الذي غرم مفضع، أو فقر مدقع، أو دم موجع" ١. هذا في سؤال الخلق ما يقدرون عليه من الأسباب الجزئية، فكيف ترى بما لا يقدر عليه إلا الله من الأمور العامة الكلية.
وعلى زعم هذا العراقي لا يكره شيء من ذلك ولا يمنع لمن قصد الصالحين ودعاهم.
وقوله: (على أنها أرباب) يريد به ما مَرَّ من أن دعاءها٢ ومسألتها بطريق السبب والشاعة لا يضر. وقد تقدم رد هذا بما يغني عن إعادته.
وقد عُلِّق على الحكم بالكفر وإباحة الدم والمال بنفس الشرك، وعبادة غير الله، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً﴾ . [التوبة:٣٦] . وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ .
стр. 123
[الأنفال: ٣٩] . والفتنة: الشرك. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ . الآية [المائدة: ٧٢] . وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ . [النساء:٤٨] .
ومن المشتهر عندهم أن تعليق الحكم بالمشتق يؤذن بالعِلِّية. وهذا الأحمق زاد قيداً فقال: "لا يشرك إلا من قصد واعتقد الاستقلال من دون الله". وفي تلبية المشركين في الجاهلية: "لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك"١.
فهؤلاء لم يدَّعوا الاستقلال. وعلى زعم هذا ليسوا بمشركين.
وقوله: (وهذا نداء لا دعاء) من أدل الأشياء على جهله، وعدم ممارسته لشيء من العلم وإن قَلَّ، فإن النداء هو رفع الصوت بالدعاء، أو الأمر، أو النهي، ويقابله النجا الذي هو المسارَّة وخفض الصوت.
هذا بإجماع أهل اللغة، كما حكاه ابن القيم في "نونيته" وشيخ الإسلام في "تسعينيته" وليس قسيماً للدعاء كما ظنه الغبي. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ﴾ . الآية [الكهف: ٥٢] . ما فعلوه عين ما أمروا به، وكفى بهذه الآية حجة على إبطال قوله. وقال تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ . [الأنبياء:٨٣] .
стр. 124
﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ﴾ . [الأنبياء:٧٦] . ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ . [الأنبياء:٨٧] . وقال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا*إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ . [مريم:٢، ٣] . وسمى هذا النداء دعاءً في كتابه العزيز. قال عن نوح ﵇ ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ﴾ . [القمر:١٠] . وقال: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ . [آل عمران:٣٨] .
وفي الحديث: "دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه" ١.
وفيه أيضاً: "لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً" ٢. يعني الشيطان الذي تفلت عليه ﷺ .
وفيه: "ألا أنبئكم بأول أمري وآخره: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى" ٣.
стр. 125
يشير بدعوة سليمان إلى قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ . الآية [ص:٣٥] . وبدعوة إبراهيم إلى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ . [البقرة:١٢٩] . فسمى هذه المسألة دعوة، والتاء فيها للوحدة.
وقال معاذ –رضي الله تعالى عنه- في الطاعون: "إنه ليس برجز، إنه دعوة نبيكم، وموت الصالحين قبلكم، ورحمة بكم" يشير إلى قوله: "اللهم اجعل فناء أمتي بالطعن والطاعون"١.
فانظر هذه النصوص، وما أفادت من إطلاق اسم الدعاء على المسألة والطلب. وقد تقدم بعض هذا، وكُرِّر تتميماً للفائدة، وربما جَرَّ شأن شؤوناً.
وأما قول العراقي: (إن الشيخ ذكر هذا على سبيل التغليظ والزجر، وله مائة عبارة تنفي ذلك وتخالفه) فيكفي من هذا العراقي أن يصحح دعواه بعبارة واحدة، ولا نكلفه تصحيح المائة، لأنه أعجز وأقلّ.
стр. 126
وقد تقدم التنبيه على كذبه ومجازفته، وأنه وجد كتباً وموادّ١ شَتَّت فهمه، وحجبت إدراكه وعلمه، فلم يزدد بها إلا حيرة وشكاًَ وما أحسن ما قيل:
جهد المغفَّل في الزمان مضيَّع ... وإن ارتضى أستاذَه وزمانَه
كالثور في الدولاب يسعى وهو لا ... يدري الطريقَ فلا يزالُ مكانَه
وعبارات الشيخ في هذا الباب –أعني: إنكار الشرك، وتكفير أهله، والحكم عليهم بما حكم الله به ورسوله في الدنيا والآخرة- موجود مشهور، لو تتبعناه لعزَّ حصره واستقصاؤه، ولكن نشير ببعضه٢ إلى ما وراءه.
قال ﵀: وما علمتُ عالماً نازع في أن الاستغاثة بالنبي أو غيره فيما لا يقدر عليه إلا الله لا تجوز. قال: وعلو درجته ﷺ بعد الموت لا تقتضي أن يسأل، كما لا تقتضي أن يستفتى، ولا يمكن أحدا أن يذكر دليلاً شرعياً على أن سؤال الموتى من الأنبياء والصالحين وغيرهم مشروع، بل الأدلة على تحريم ذلك كثيرة.
وقال ﵀: من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم: كفر إجماعاً.
قال البهوتي في شرحه على هذا الموضع: لأنه فِعْل عبّاد الأصنام القائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ . [الزمر:٣] .
стр. 127
وقال –﵀ بعد أن سرد جملة من الآيات: وتفصيل القول: أن مطلوب العبد إن كان من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله ، ومثل أن يطلب شفاء مريض من الآدميين والبهائم، ووفاءَ دَينه من غير جهة معينة، أو عافية أهله، أو ما به من بلاء الدنيا والآخرة، وانتصاره على عدوه، وهداية قلبه١، وغفران ذنبه، أو دخول الجنة، ونجاته من النار، أو أن يتعلم القرآن، أو٢ العلم، أو أن يصلح قلبه، أو٢ يحسن خلقه، ويزكي نفسه، وأمثال ذلك: فهذه الأمور لا يجوز أن تطلب إلا من الله تعالى، ولا يجوز أن يقال لملك ولا نبي ولا شيخ سواء كان حياً أو ميتاً: اغفر ذنبي، ولا انصرني على عدوي، ولا اشفِ٣ مريضي، ولا عافِ٤ أهلي ودوابي، وما أشبه ذلك. ومن سأل ذلك مخلوقاً كائناً من كان، فهو مشرك بربه، من المشركين الذين يعبدون الملائكة والتماثيل التي يصورونها على صورهم، ومن جنس دعاء النصارى: المسيحَ وأمَّه.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ . الآية [المائدة:١١٦] ، وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيْحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ الآية [التوبة:٣١] .
وقال ﵀: وكثير من الناس يقع في الشرك والإفك
стр. 128
جهلاً وضلالاً من المشركين، وأهل الكتاب، وأهل البدع، والله قد أرسل جميع رسله، وأنزل جميع كتبه: بأن لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، لا يعبد معه لا ملك، ولا نبي، ولا صالح، ولا تماثيلهم، ولا قبورهم، ولا شمس، ولا قمر، ولا كوكب، ولا ما صُنع من التماثيل لأجلهم، ولا شيئاً من الأشياء، وبَيَّنَ أن كل ما يعبد من دونه فإنه يضر ولا ينفع، وإن كان ملكاً أو نبيًّا، وأن عبادته كفر.
قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً﴾ . إلى قوله: ﴿مَحْذُوْراً﴾ . [الإسراء:٥٦-٥٧] . بَيَّن سبحانه أن كل ما يدعى من دونه من الملائكة والجن والإنس ما يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً١، وأن هؤلاء المدعوين من الملائكة والأنبياء يتقربون إلى الله، ويرجونه، ويخافونه، وكذلك كان قوم من الإنس يعبدون رجالاً من الجن، فآمنت الجن المعبودون، وبقي عابدوهم يعبدونهم، كما ذكر ذلك ابن مسعود.
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ .إلى قوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ . [سبأ:٢٢-٢٣] . بَيَّنَ سبحانه أن كل ما يدعى من دونه، من الملائكة والبشر وغيرهم ليس لهم مثقال ذرة في السموات والارض, ولا لهم نصيب فيهما, وليس لله ظهير يعاونه من خلقه.
стр. 129
وهذه الأقسام الثلاثه هي التي تحصل مع المخلوقين, إما أن يكون لغيره ملك دونه, أو يكون شريكاً له, أو يكون معيناً وظهيراً له, والرب تعالى ليس من خلقه مالك, ولا شريك, ولا ظهير له١, لم يبق إلا الشفاعة, وهو دعاء الشافع وسؤاله لله في المشفوع له, فقال: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ . [سبأ:٢٣] .
ثم إنه خص بالذكر الملائكة والأنبياء في قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ -إلى قوله- بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . [آل عمران:٧٩-٨٠] بين أن اتخاذهم أرباباً كفر.
وقال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ -إلى قوله - وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . [المائدة:١٧] . وقد بين أن من دعا المسيح وغيره، فقد دعا ما لا يملك له ضراً ولا نفعاً.
وقال لخاتم الرسل: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ . [الأنعام: ٥٠] ، وقال: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ . الآية [الأعراف:١٨٨] . وقال: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ . [الجن:٢١] . وقال: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ*لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ . [آل عمران:١٢٧-١٢٨] . وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ . [القصص:٥٦] .
стр. 130
وقال: ﴿إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ . [النحل:٣٧] انتهى.
وكلامه في هذا المعنى يعزُّ حصره أو يتعذر. وكذلك صاحبه شمس الدين ابن القيم. كلامه في هذا الباب أشهر من أن يذكر، وأكثر من أن يحصر، إلا بكلفة ومشقة، وتقدم قوله في "المدارج".
وقال أبو الوفاء بن عقيل: لما صعبت التكاليف على الجهال والطَّغام، عدلوا عن أوضاع الشرع١ إلى تعظيم أوضاع وضعوها هم لأنفسهم، فسهلت عليهم٢، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر٣ غيرهم، وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل خطاب الموتى بالحوائج، ودَسِّ الرقاع في قبورهم، فيها: يا مولاي، افعل بي كذا وكذا، وتعليق الستور على القبور اقتداءً بمن عبد اللات والعزى، والويل عندهم لمن لم يحضر مشهد الكف٤، أو لم يَعْقِد على قبره، أو قبر أبيه بالآخر، ولم يقل الحمالون على جنازته: أبو بكر وعمر. انتهى.
والمقصود أن النصوص بهذا المعنى كثيرة شهيرة، والعاقل يسير فينظر.
ويكفي المؤمن أن دعاء الموتى والغائبين لا يُعْرَف عن أحد من أهل العلم والإيمان الذين لهم لسن صدق في الأمة، ولم تأتِ به
стр. 131
شريعة من الشرائع، بل المنقول عن جميع الأنبياء يرده ويبطله، فإن الله حكى أدعيتهم وتوجهاتهم، وما قالوه وأمروا به، وندب عباده إلى الاقتداء بهم فقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ . [الأنعام:٩٠] .
وقد أجمع المسلمون على ذم البدع وعيبها. قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ . [الشورى:٢١] . وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ . [الأحقاف:٤] .
وفي حديث العرباض بن سارية: "إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" ١.
وهذا الوجه كافٍ٢ في الجواب، للاتفاق على وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة.
стр. 132
الفصل العاشر
...
فصل
قال العراقي: "والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ . [المائدة:٣٥] .
قلت: يريد العراقي أن الآية أصل في دعاء الصالحين، والتوجه بهم إلى الله وجعلهم وسائط بين العباد وبين الله، ووسائل إليه في قضاء حاجاتهم، وتفريج كرباتهم.
والجواب: أن هذا القول صدر عن جهل بمسمى الوسيلة شرعاً، فإن الوسيلة في شرع الله الذي شرعه على ألسن جميع رسله، هي عبادته وحده لا شريك له، والإيمان به، وبرسله، والأعمال الصالحة التي يحبها ويرضاها، كما في البخاري وغيره من حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في غار، فتوسلوا إلى الله تعالى بأعمالهم الصالحة من البر والعفة والأمانة١. وكذلك ما شرع من واجب أو مستحب.
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ . [الإسراء:٥٧] وابتغاؤها بالقيام بما أمر به، وأحبه ورضيه، من الأعمال الصالحة.
стр. 133
وأما دعاء غير الله فليس وسيلة١ شرعية، بل هو وسيلة أهل الشرك والجاهلية، من أعداء الرسل في كل زمان ومكان، والله لا يأمر بالشرك ولا يرضاه ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ . [الأعراف:٢٩] .
فكيف يتوسل إليه بالشرك به الذي هو أظلم الظلم، وضد القسط، والذي يمنع من إقامة الوجوه له عند المساجد، وهو –أي الشرك- حقيقة التوسل الذي قصده المشركون. قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ . [الأحقاف:٢٨] وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ . [الزمر: ٣] فهذا قد يسمى توسلاً، فإن لفظ التوسل صار مشتركاً، فيطلق شرعاً على ما يقرب إلى الله من الأعمال الصالحة التي يحبها الرب ويرضاها، ويطلق على التوسل بذوات الصالحين ودعائهم واستغفارهم، ويطلق في عرف عباد القبور على التوجه إلى الصالحين ودعائهم مع الله في الحاجات والملمات.
والمراد بالآية هو٢ الأوَّل عند أهل العلم والمفسرين.
وأما التوسل بذوات الأنبياء والصالحين بدون طاعتهم وبدون استغفارهم فهذا لم يشرع٣، ولا أصل له٤، فإن التوسل بالأنبياء
стр. 134
مع معصيتهم ومخالفتهم في الدين والملة، قد دلت آية سورة التحريم على المنع منه، وعدم الانتفاع بالتعلق والقرابة والنسب والتوسل بذلك لمن لم يؤمن بما جاؤوا به من الهدى ودين الحق.١وكذلك في الحديث لما أنزل عليه قوله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ . [الشعراء:٢١٤] قال: "يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئاً" ٢.
وأكبر من٣ هذا من يدعوهم، ويستغيث بهم، ويتقرب إليهم بعبادتهم على أنها وسيلة له، وشفعاء، فإن هذا هو عين الشرك الذي ذمه القرآن وعابه، وإن سمي توسلاً.
وأما ما ذكره بعد هذا الكلام من نسبة الذي ينهى عن دعاء غير الله إلى الجهل وعدم الفهم، فهذا يتناول كل من نهى عن دعاء الأنبياء والصالحين، ومعلوم أن الرسل نهت عن دعاء غير الله بما لا يقدر عليه إلا الله، بل وفيما لا تدعو٤ إليه حاجة ولا ضرورة من جنس المسألة، فلازم كلامه مسبة الأنبياء، وأتباعهم إلى يوم القيامة، فنعوذ بالله من حال أهل الجهالة والسفاهة.
стр. 135
الفصل الحادي عشر
...
فصل
قال العراقي: "إنكم تكَفِّرون بالحلف بغير الله، ويُكَفِّر به السابقون من أهل بلدكم، وهو ليس بشرك ولا كفر، بل هو مكروه كراهة تنزيه، للأدلة على ذلك، ولأنه قد ورد أن النبي ﷺ قال لبعض أصحابه: "لا وأبيك"، ولأن الترمذي ترجم على هذه المسألة بالكراهة، وساق حديث ابن عمر: "من حلف بغير الله فقد أشرك"، وأن هذا يدل على الكراهة للترجمة، ولأنه ساق الرواية الأخرى عن ابن عمر "من حلف بغير الله فقد كفر". وقال بعدُ: هذا محمول على التغليظ والزجر، كالريا الذي فسر به قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ . الآية [الكهف:١١٠] .
والجواب أن يقال: في هذا الكلام من الجهل والخلط ما يتنزه عنه العاقل فضلاً عن العالم، من ذلك أنه قال: الحلف بغير الله ليس بشرك ولا كفر. ثم ساق حديث ابن عمر: "من حلف بغير الله فقد أشرك" ثم قادته المقادير إلى أن نطق بالرواية الأخرى: "من حلف بغير الله فقد كفر" فقف وتأمل هذه العبر!! ثم استدل بأن الترمذي ترجم بالكراهة، وهو أول من يخالف الترمذي في أكثر ما في سننه، مع أنه لم يفهم كلام الترمذي، ولا حام حول مراده.
стр. 136
ويقال: مسألة الحلف بغير الله تظاهرت وتواترت النصوص النبوية بالنهي عنها، ودلّت على أنه شرك لا يحل ولا يجوز، كما ذكره أصحاب الكتب الستة، وأهل المسانيد من حديث: أبي هريرة، وعمر، و١ابنه، وابن مسعود، وغيرهم، وإنما ساق الترمذي حديث ابن عمر. والترمذي –﵀ أثبت أنه شرك، وجعله كالريا، والريا شرك بالنص والإجماع، وهو من الكبائر، إلا أنه ليس مما ينقل عن الملة ويوجب الردة، للآيات والأحاديث. وكلام الترمذي يدل على هذا، وقد جعله مثل الريا، وقاسه عليه في الحكم، وحمله على هذا الحمل والتأويل: أن الرواية الأخرى التي خرجها عن ابن عمر فيها تكفير من حلف بغير الله، والحكم بأنه كفر، وأراد الترمذي أن هذا الكفر ليس هو مما يخرج عن الملة كالشرك الأكبر، بل كفر دون كفر، وشرك دون شرك، وظلم دوم ظلم، كما قاله البخاري في "صحيحه" وتسميته هذا كفراً من باب التغليظ، وهذا مراده ﵀، وأما كونه شركاً محرماً فلم ينفِه الترمذي، ولم يتعرض له بتأويل، بل أثبته وقاله به، لأنه جعله مثل الريا.
وهذا الجاهل اغتر بكونه ترجم بالكراهة، والكراهة في عرف هذا الرجل إنما تطلق على التنزيه، هذا وجه ضلاله، ولم يدر أن إطلاقها على كراهة التنزيه عرف حادث، وأن الكراهة في عرف الكتاب والسنة وقدماء الأمة تطلق على التحريم. قال تعالى بعد أن
стр. 137
ذكر المحرمات المتفق عليها في جميع الكتب السماوية ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ . [الإسراء:٣٨] .
وفي الحديث: "إن الله يكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" ١. وأظن هذا يحمل كل ما تقدم على كراهة التنزيه.
قال الترمذي ﵀: "باب كراهة الحلف بغير الله" وساق بسنده حديث ابن عمر: "من حلف بغير الله فقد أشرك". وسكت الترمذي علذكر المحرمات المتفق عليها في جميع الكتب السماوية ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ . [الإسراء:٣٨] .
وفي الحديث: "إن الله يكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" ١. وأظن هذا يحمل كل ما تقدم على كراهة التنزيه.
قال الترمذي ﵀: "باب كراهة الحلف بغير الله" وساق بسنده حديث ابن عمر: "من حلف بغير الله فقد أشرك". وسكت الترمذي على هذا، ولم يتعقبه بتأويل. ثم قال: "بابٌ"٢ وساق بسنده الرواية الأخرى عن ابن عمر "من حلف بغير الله فقد كفر" ٣ وتأَوَّلَ لفظه "كفر" بأنها على وجه الزجر والتغليظ، لأن
стр. 138
لأن الحلف بغير الله لا ينقل عن الملة، بل هو كالريا في عدم الردة، وإن كان شركاً.
إذا عرفت هذا فالعراقي دلّس، وجعل البابين باباً واحداً، وجعل كلام الترمذي في تأويله لفظة "كفر" راجعاً إلى كلا البابين، وأن الحلف مكروه كراهة تنزيه، والترمذي لم يتعرض لكونها للتنزيه.
وأما قوله: "إنكم تكفرون به، وترون أنه كفر" فهو كذب بحت، وفرية ظاهرة، ما قال أحد ممن يعتدُّ به عندنا إنه كفر مخرج عن الملة. وقد يُطلق العالم والمفتي ما أطلقه الرسول ﷺ في مثل هذا، ويقف حيث وقف، ومن أنكر هذا الإطلاق فقد أنكر على الرسول ﷺ .
على أن ابن قيم الجوزية قال: قد يكون ذلك شركاً أكبر بحسب ما قام بقلب قائله، وقاله القاضي عياض من المالكية. وهذا ظاهر لا يخفى إذا قصد تعظيم من حُلف به كتعظيم الله.
وأما استدلال هذا العراقي على عدم التحريم بقوله ﷺ : "من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله" ١ فهذا الاستدلال والفهم ليس بشيء.
стр. 139
والحديث دليل على التحريم، والاستدلال به عليه هو عين الفقه عن الله ورسوله، لأنه أَمَرَ من حلف بغير الله أن يكفِّر بتجديد الإسلام، والإتيان بكلمة الإخلاص التي تضمنت البراءة من الشرك، وإثبات التوحيد.
وقد قال لقريش وغيرهم من عباد الأصنام: "قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا" ١. وقال لعمه: "قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله" ٢.
стр. 140
فإن١ كان ذاك يدل على الكراهة، فهذا أيضاً إنما يدل عليها. فسبحان من حال بين قلوب هؤلاء وبين الفقه عنه، ومعرفة المراد من كلامه وكلام رسوله.
وفي الحديث: "إن حسنة التوحيد تمحو الشرك وتكفره، فإن الإسلام يَجُبُّ ما قبله". قال ابن مسعود: "لأن أحلف بالله كاذباً أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقاً" ٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية –قُدِّس سِرُّه- بعد أن ذكر تحريم الحلف، واستدل له: ومعنى قول ابن مسعود: "أن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الشرك أعظم من سيئة الكذب" مع أن الكذب محرم بالإجماع.
وأما ما حكاه عن شيخنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أنه قال في "مختصر الإنصاف": ويكره الحلف بغير الله، وأن الشيخ استدل للكراهة. فلا يخفى أن العراقي دلس ولبّس، فأسقط من العبارة كلام ابن عبد البر، وحكاية الإجماع على التحريم، هذا تدليسه، وأما تلبيسه: فإن الشيخ قال بعد ذلك: وقيل يجوز. فأخره وحكاه بصيغة التمريض. وذكر أن القائل استدل لهذا: بأن الله أقسم بمخلوقاته، وبقوله: "أفلح وأبيه إن صدق" وبقوله في حديث أبي
стр. 141
العشراء: "أما وأبيك، لو طعنت في فخذها أجزأك" ١. ثم تعقب الشيخ هذا، وذكر أن أحمد لم يثبت حديث أبي العشراء. واستدل بقوله: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" ٢. وبحديث ابن عمر "من حلف بغير الله فقد أشرك" وقرر الشيخ أدلة التحريم.
والشيخ ﵀ في كتاب "التوحيد" استدل على هذه المسألة بقوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . [البقرة:٢٢] . وترجم بالآية على هذه المسألة، وساق حديث ابن عمر، وما روي عن ابن عباس، ومنه: والله وحياتك.
стр. 142
وأما الجواب عن قوله: "أفلح وأبيه" وقوله: "أما وأبيك" فلأهل العلم عنه أجوبة معرفة في محلها، منها: أن هذا ليس من جنس اليمين المقصودة بل هو مما جرى على ألسنتهم من غير قصد، مثل قوله: "تربت يداك، ثكلتك أمك، ويح عمار". وهذا الجواب ذكره كثير من الناس.
وقيل: إن ذلك منسوخ. واستدل القائل لهذا القول بما لا يمكن أمثال هذا العراقي نقضه، وبعضهم تكلم في المسند ولم يثبت هذا كما تقدم عن أحمد في حديث أبي العشراء.
وهذا آخر ما أوردناه، والحمد لله حمداً كثيراً كما ينبغي لكرم وجهه، وعز جلاله، وعظيم سلطانه. وصلى الله على عبده ورسوله محمد النبي الأمي، وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين آمين١.
стр. 143
أطراف الحديث
...
أطراف الأحاديث
طرف الحديث ... صحيفته
آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع ... ٥٠
ذأجعلتني لله نداًّ ... ١٢٠
احفظ الله يحفظك ... ٧٦
إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ... ٦٩
إذا هم العبد بالسيئة ... ٧٩
ألا أنبئكم بأول أمري وآخره ... ١٣٠
ألا تبايعون؟.. على أتعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ... ١١٧
أفضل الدعاء يوم عرفة: لا إله إلا الله ... ١١٠
أفلح وأبيه إن صدق ... ١٤٧
اللهم اجعل فناء أمتي بالطعن والطاعون ... ١٣١
أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم, ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه ... ١٠٢
أما وأبيك لو طعنت في فخذها أجزاك ... ٤٧
إن أولئك إذا كان منهم الرجل الصالح ... ١٢٢
أن تجعل لله نداً وهو خلقك ... ٣٧
إن الله يكره لكم: قيل وقال ... ١٤٣
****** ...
الحج عرفة ... ١٠٩
стр. 144
طرف الحديث ... صحيفته
دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا ... ١١٣-١٣٠
الدعاء سلاح المؤمن ... ١١٠
الدعاء مخ العبادة ... ١١٠
الدعاء هو العبادة ... ١٠٨
***** ...
ذهاب الإسلام من ثلاثة (أثر) ... ٦٦
***** ...
فما تعارف منها ائتلف ... ٨٢
***** ...
قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها ... ٨٤-١٣٧
قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا ... ١٤٦
قل: لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله ... ١٤٦
قصة الثلاثة أصحاب الغار ... ١٣٨
قصة عكرمة لما فَرَّ يوم الفتح ... ١١٢
***** ...
كان جبريل يأتي النبي ﷺ في صورة دحية ... ٧٧
كم كنت تعبد؟ ... ١١٥
***** ...
لعن الله اليهود والنصارى ... ٩٤-١٢٢
لولا دعوة أخي سليمان لأصبح موثقاً ... ١٣٠
لو يعطى الناس بدعواهم ... ٨٢
***** ...
من تعلق شيئاً وكل إليه ... ١١٧
стр. 145
طرف الحديث ... صحيفته
من حلف بغير الله فقد أشرك ... ١٤١-١٤٣
من حلف بغير الله فقد كفر ... ١٤٨
من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله ... ١٤٥
من قال في القرآن برأيه ... ٥٨
من نزلت به فاقة فأنزلها بالناس لم تسد فاقته ... ١٢٦
***** ...
هم شَرُّ قتلى تحت أديم السماء ... ٣٩
هل كان فيها من وثن ... ١٢٣
***** ...
ويلكم قدٍ قدٍ عند قول المشركين: إلا شريكاً هو لك ... ١٢٩
***** ...
لا تتخذوا قبري عيداً ... ٩٠
لا تجعلوا بيوتكم قبوراً ... ٩١
لا تحل المسألة إلا لثلاثة ... ١٢٨
لا تزال المسألة بأحدكم حتى ... ١٢٥
لا تنسنا يا أخي من صالح دعائك ... ٤٨
لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر ... ١١٧
***** ...
يا معشر قريش اشتروا أنفسكم ... ١٤٠
يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ... ٣٩
***** ...