← Акыда

Акыда · id 11082

تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (146 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فيقال: لو عرف هذا مَنْ أهلُ القبلة في هذا الموضوع، ومن المراد بهذه العبارة عند أهل العلم١ لما أوردها هنا محتجاً بها على دعاء غير الله، وعدم تكفير فاعله. ومن أعرض عن كلام أهل العلم، ورأى أن من صلى، أو قال٢"لا إله إلا الله"فهو من أهل القبلة، وإن ظهر منه من الشرك والترك لدين الإسلام ما ظهر، فقد نادى على نفسه بالجهالة والضلالة، وكشف عن حاصله من العلم والدين بهذه المقالة. وقد أنكر الإمام أحمد –﵀-قول القائل: لا نكفر أهل القبلة٣.وهذا يزعم أنه على مذهب الإمام أحمد، ومقصود من قالها إنما هو البراءة من مذهب الخوارج الذين يكفرون بمجرد الذنوب، وهذا وَضَعَ كلامهم في غير موضعه٤، وأزال بهجته، لأنه تأوله في أهل الشرك، ودعاء الصالحين، فالتبس عليه الأمر، ولم يعرف مراد من قال هذا من السلف. وهذا الفهم الفاسد مردود بكتاب الله، وسنة رسوله، وبإجماع أهل العلم، وقد عقد الفقهاء من أرباب المذاهب باباً مستقلاً في هذه المسألة، وذكروا حكم المرتد من أهل القبلة، وقرروا من المكفرات أشياء كثيرة دون ما نحن فيه، وجزموا بأن العصمة بالتزام

стр. 37

الإسلام ومبانيه ودعائمه العظام، لا بمجرد القول، أو الصلاة١، مع الإصرار على المنافي. وهذا يعرفه صغار الطلبة، وهو مذكور في المختصرات من كتب الحنابلة وغيرهم. فهذا لم يعرف ما عرفه صبيان المدارس والمكاتب، فالدعوى عريضة والعجز ظاهر. وأعجب من هذا أنه يقول في رسالته" (إني رأيت لمن يدعو٢ الصالحين والأولياء ويناديهم في حاجاته أدلةً صحيحة، ونيات صالحة، ما تخرج عن التوحيد، لأن المقصود التسبب والوسائل، لا الاستقلال) هذا كلامه. ومن بلغت به الجهالة والعماية إلى هذا الغاية، فقد استحكم على قلبه الضلال والفساد، ولم يعرف ما دعت إليه الرسل سائر الأمم والعباد. ومن له أدنى نهمة٣ في العلم، والتفات إلى ما جاءت به الرسل، يعرف أن المشركين من كل أمة في كل قرن ما قصدوا من معبوداتهم، وآلهتهم التي عبدوها مع الله: إلا التسبب، والتوسل، والتشفع، ليس إلا، ولم يدَّعوا الاستقلال والتصرف لأحد من دون

стр. 38

الله، ولا قال به١ أحد منهم سوى فرعون، والذي حاج إبراهيم في ربِّه. وقد قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ . [النمل:١٤] .فهم في الباطن يعلمون أن ذلك لله وحده. قال تعالى في بيان قصدهم ومرادهم بدعاء غيره: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ﴾ .الآية [يونس:١٨] ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ . [الزمر:٣] ، وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ . [الأحقاف:٢٨] ، وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء﴾ . [الزمر:٤٣] ، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ﴾ . [البقرة:١٦٥] . فأخبر تعالى أنهم تعلقوا على آلهتهم، ودعوهم مع الله للشفاعة، والتقريب إلى الله بالجاه والمنزلة، وأحبوهم مع الله محبة تأله وتعبد لنيل أغراضهم الفاسدة، ولم يريدوا منهم تدبيراً ولا تأثيراً لا شركة٢ ولا استقلالاً. يوضحه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ﴾ .إلى قوله ﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ . [يونس:٣١] ، وقوله: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ

стр. 39

وَمَن فِيهَا﴾ إلى قوله ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ . [المؤمنون:٨٤-٨٩] ، وقوله ﴿أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ إلى قوله ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ . [النمل:٦١-٦٤] . فتأمل هذه الآيات، وما فيها من الحجج والبينات، تطلعك على جهل هذا العراقي وأمثاله، وأنهم ما عرفوا شرك المشركين، وما كانوا عليه من القصد والدين، ولم يعرفوا ما كان عليه أنبياء الله وأتباعهم من توحيد رب العالمين. وتأمل كيف استدل الله على توحيد إلهيته، ووجوب عبادته وحده لا شريك له، بما أقر به الخصم واعترف به من توحيد ربوبيته، واستقلاله بالملك، والخلق، والتأثير، والتدبير. وهذه عادة القرآن دائماً يعرج على هذه الحجة، لأنها من أكبر الحجج، وأوضحها، وأدلها على المقصود. فسبحان من جعل كلامه في أعلى طبقات البلاغة، والفصاحة، والجلالة، والفخامة، والدلالة، والظهور. فأيُّ شبهة بعد هذا تبقى للمماحل١ الكفور٢. واعلم أن دعاء الأموات والغائبين ليس بسبب لما يقصده المشرك ويريده، بل هو سبب لنقيض قصده وحرمانه، وهلاكه في الدنيا والآخرة.

стр. 40

قال تعالى: ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ *يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ . [الحج:١٢-١٣] . (لأنه في الحقيقة إنما عبد الشيطان، ودعاه، وأطاعه فيما يأمر به، ولذلك تتبرأ الملائكة والصالحون ممن١ دعاهم، وصرف لهم شيئاً من العبادة) ٢. وأيضاً فليس كل سبب يباح، بل من الأسباب ما هو محرَّم، وما هو كفر، كالسحر، والتكهن. والغبي يظن أن الدليل يسلم له إذا أراد السبب لا الاستقلال. وعباد الكواكب، وأصحاب النيرنجيات٣ ومخاطبات النجوم، يرون أنها أسباب ووسائل نافعة، ويظنونها كالأسباب العادية، وعباد القبور والأنفس المفارقة، يرون أن تعلق قلب الزائر وروحه بروح المزور سبب لنيل مقصوده، وتحصيل نصيب مما يفيض على روح ذلك

стр. 41

المزور، كما ذكره الفارابي وغيره من عباد الكواكب، والأنفس المفارقة. وقد قال بعض السلف: (ما عبدتِ الشمسُ والقمر إلا بالمقاييس) ١. ١ جاءت هذه العبارة عن ابن سيرين فيما رواه عنه ابن جرير في "تفسيره": (٨/ ١٣١) ، والبيهقي في "المدخل إلى السنن":ص١٩٦، والدارمي في المقدمة من "سننه": (١/ ٥٨) ، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله": (٢/ ٧٦) طبعة المنيرية. ولفظه: "أول من قاس إبليس، وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس". قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره": (٢/ ٢٠٣) على سند ابن جرير: إسناده صحيح. اهـ. وقد ذكر شيخ الإسلام هذه العبارة عن بعض السلف في "الرد على البكري"ص ٢٦٩.وقال شيخ الإسلام في "الاقتضاء": (٢/ ٦٥٢) :وإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس. اهـ. وينظر "الاقتضاء": (٢/ ٦٨٢، و٦٨٧) .

стр. 42

الفصل الثاني ... فصل قال العراقي: (ومن الأدلة على جواز دعاء الصالحين وندائهم ما ذكر الله عن نبيه سليمان، وقوله لآصف، فإنه١ طلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله) . فنقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، ما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا. وقصة آصف من أدلة التوحيد، وآصف توسل إلى الله بتوحيده وإلهيته، وكرر ذلك في دعائه، وقد قيل: إنه يعرف الاسم الأعظم، فهو طالب من الله، راغب إليه، سائل له، ليس بفاعل أصلاً٢، وسليمان ﵇ آمر ليس بسائل ولا طالب. وفرق بين الأمر والمسألة. ومن لم يفرق بين الأمرين، و٣لم يدر حكم المسألتين، فليرجع إلى وراء، وليقتبس نوراً من كلام أئمة العلم والهدى.

стр. 43

وقد قال النبي ﷺ لعمر بن الخطاب: "لا تنسنا يا أُخَيَّ من صالح دعائك" ١.

стр. 44

وهذا من جنس الأسباب العادية، فإن الرجل إذا كان معروفاً بالصلاح، وإجابة الدعاء، فطلب منه الدعاء، أو أمر به، فدعا الله واستجيب له، لا يكون هو الفاعل للاستجابة، وليس المطلوب منه ما يختص بالله من الفعل، وإنما يطلب منه ما يختص به من الدعاء والتضرع. فالآية من أدلة التوحيد، وصرف الوجوه إلى الله، وإقبال القلوب عليه، فإن آصف توسل إلى الله بتوحيده وربوبيته، وقَصَدَه وحده، ولم يقصد سليمان ولا غيره، مع أن سليمان أفضل منه لنبوته. وفيها أن الأنبياء لا يسألون ولا يقصدون، بل ربما صار حصول مقصودهم، ونيل مطلوبهم على يد من هو دونهم من المؤمنين. وأن أعظم الوسائل وأشرف المقاصد هو توحيد الله بعبادته ودعائه وحده لا شريك له، كما فعل آصف. وفيها براءة أولياء الله من الحول والقوة، كما دلت عليه القصة، فإنه١ توضأ، وصلى، ودعا، فقال في دعائه: "يا ذا الجلال والإكرام" قاله مجاهد. وقال الزهري٢: يا إِلهَنا وإله كل شيء، إلهاً واحداً، لا إله إلا أنت، ائتني بعرشها". فأي شبهة تبقى مع هذا، وأي حجة فيه على أن غير الله يدعى؟ ١ في النسخ الخطية: "وأنه". ٢ في طبعة آل ثاني: "الزيادي" وهو خطأ.

стр. 45

ثم أخذ العراقي في هذيان وإسهاب حاصله: أن السبب لا يفعل، وأن الله هو الفاعل. ومراده بهذا أن دعاء الأموات والغائبين من الأولياء والصالحين يجوز ويسوغ، إذا اعتُقِد أن الله هو الفاعل. وقد مَرَّ رد هذا، وتقرير جهل قائله، ومفارقته لما عليه أهل الإسلام، وقد تقدم أن أصل الإسلام وقاعدته: هي عبادة الله وحده لا شريك له، وإفراده بالقصد والطلب. وأن توحيد الربوبية، واعتقاد الفاعلية له تعالى لا يكفي في السعادة والنجاة، ولا يكون به الرجل مسلماً حتى يعبد الله وحده، ويتبرآ مما سواه من الأنداد والآلهة. وقد قال النبي ﷺ لوفد عبد القيس: "آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله" ١. وهذا ظاهر بحمد الله، وإن خفي على خفافيش البصائر، الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا٢ إلى ركن وثيق، فهاموا من

стр. 46

الجهل والضلال في كل فج عميق، مع انتسابهم إلى العلوم والدفاتر، وتقدمهم في المجالس والمحاضر١. لا عيبَ في القومِ من طولٍ ومن قصرٍ ... جسمُ البغالِ وأحلامُ العصافيرِ٢

стр. 47

الفصل الثالث ... فصل قال العراقي: (فعند أهل السنة أفعال العبد مخلوقة لله، وعند المعتزلة أن المخلوق خالق لأفعاله، ومع هذا فأهل السنة لا يكفرونهم) انتهى. قلت: يريد العراقي أن مسألةَ الأموات والغائبين، ودعاءََهم١ في الحوائج والشدائد مبنية على هذه المسألة، وأن أهل السنة يثبتون ذلك لمن اعتقد أن الله خالق أفعال العباد، وأن من أنكر دعاء الصالحين ونداءهم٢، فهو من المعزلة، لأن إنكاره مبني على اعتقاده أن العبد خالق لأفعال نفسه. والجواب أن يقال: أما هذه المسألة أعني –خلق أفعال العباد- فأهل السنة قائلون بها، لدلالة الكتاب والسنة، والأدلة العقلية والنقلية، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ . [الصافات: ٩٦] . وقد انعقد الإجماع على هذا، ثم حدث قول القدرية النفاة في أواخر عصر الصحابة، وأول من اشتهر عنه ذلك غيلان القدري،

стр. 48

ومعبد الجهني. فأما غيلان: فكان في زمن هشام بن عبد الملك، فناظره الأوزاعي إما أهل الشام في زمانه، وألزمه الحجة، وحكم بكفره، وقتله هشام. ومعبد الجهني: قتله الحجاج بن يوسف. وأكثر السلف والأئمة١ يكفرونه بههذ المقالة، كما هو معروف في محله. وقد قال الإمام أحمد: "ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروا كفروا". وقد حكى الإجماع على كفر من أنكر العلم شمس الدين ابن قيم الجوزية، وناهيك به علماً واطلاعاًَ، فنسبته عدم التكفير إلى أهل السنة كذب جَرَّه عدم الحياء. ثم أي حجة في هذا على أن الأولياء والصالحين يدعون بما لا يقدر عليه إلا الله، فمسألة خلق الأفعال لا تلازم بينها وبين دعاء الأولياء والصالحين بوجه ما. وإنما أتي هذا من جهة ظنه أن من قال: بأن الله يخلق أفعال العباد، يباح له دعاء الصالحين. ومن قال: إن العبد يخلق أفعال نفسه، يحرم عليه ذلك، هذا ظن الأحمق، ولم يفرق٢ بين مذهب المعتزلة والقدرية، ودين المشركين من العرب والصابئين.

стр. 49

ويذكر أن بعض الأغبياء شكا رجلاً إلى أمير من الأمراء، فقال: إنه مرجئ، خارجي، رافضي١، ناصبي، يسب معاوية بن الخطاب الذي قتل علي بن العاص. فقال له الوالي: "لا أدري على أي شيء أحسدك؟ على علمك بالمقالات، أو على معرفتك بالأنساب"٢. قال العراقي: (وكان أحمد يصلي خلفهم، وكل السلف) . والجواب أن يقال: سبحان الله، ما أقبح الواقحة والجراءة٣، والتمادي في الكذب على الله، وعلى أولي العلم من خلقه؛ ما صلى الإمام أحمد خلف قدري قط، بل أفتى بعض أهل الحديث بمجلسه أنه لا يصلى خلفهم، فاستحسنه واستصوبه. والمعروف من مذهبه أن الصلاة لا تصح خلف فاسق باعتقاده أو فعله. وقد كذب هذا بانتسابه إليه، والحكم عليه بالصلاة خلف القدرية، وأكثر أهل السنة لا يرون الصلاة خلفهم، كما ذكره صاحب "كشف الغمة". بعض العلماء يقول: مسألة صلاة الجمعة والجماعة مبنية على

стр. 50

مسألة القول بالتكفير وعدمه، ويرى الصلاة خلف من لم يكفر ببدعته إذا احتيج١ إلى ذلك، فما حكاه هذا عن أهل السنة كذب لا مرية فيه، والصواب التفصيل عند بعضهم، والمنع مطلقاً عند آخرين.

стр. 51

الفصل الرابع ... فصل قال العراقي: (وهذا باب الكرامة) وتكلم في إثبات الكرامة، وأنها تكون بعد الموت، واستدل بقوله تعالى عن الملائكة ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ . [فصلت: ٣١] . ومراد العراقي أن دعاء الصالحين، والاستشفاع بهم، وطلب ما لا يقدر عليه إلا الله منهم، من جنس الكرامة المثبتة التي أثبتها أهل السنة. وهذه طامة عظيمة، وغاية في الجهالة والسفاهة، بل هي من جنس احتجاج النصارى على دعاء المسيح، وأمه، وعبادتهما، ظنوا أن ما حصل للمسيح ولأمه –﵉ من المعجزات والكرامات١، يبيح لهم دعاءهما٢، وعبادتهما. وإذا خاطبت النصراني، سرد عليك من المعجزات والكرامات التي أعطيها المسيح واحتج بها على دعواه. وعباد القبور يحتجون في هذا الباب بما لم يثبت. وما ثبتَ

стр. 52

فأكثرُه دون ما أعطيه المسيح، ومع ذلك فالاحتجاج به على دعائهم من جنس حجج النصارى، لا يدل على المدَّعَى، بل غايته أن يدل١ على علو الدرجة، وصدق الرسالة، أو ثبوت الولاية إذا اقترن به عمل صالح. وأما الاستدلال بذلك على أنه يدعى ويرجى، ويشفع وينفع، فهذا من دين النصارى، والصائبة، وعباد الأصنام. وهذه الشبهة هي التي أوقعت في الشرك جمهور المشركين، فإن أصل عبادة الأصنام هو التعلق على الصالحين، وتصوير صورهم وتماثيلهم. بل عباد الكواكب دعاهم إلى عبادتها ما أودع الله فيها من الحِكم والمنافع التي ظهرت آثارها في هذا العالم، كما يعرفه من عرف مذاهب القوم. وطرد الدليل الذي استدل به العراقي: أن يقال بدعاء كل ذي كرامة وقربة٢، إذا اعتقد أن الفاعل هو الله، ولا يتوجه الإنكار على النصارى في قولهم: يا عيسى افعل كذا، يا روح القدس أعطني كذا، ويا والدة المسيح اشفعي لنا إلى الإله، لأنه من أولي العزم، ومن أكابر أهل الكرامات. والمسلم إذا تصور هذا ظهر له ما فيه من الجهل والضلال، بمجرد الفطرة، ومعرفة الإسلام، وأما من رزق الفهم فيما جاء به

стр. 53

محمد ﷺ ، ووفق للاستدلال بآيات الله ومخلوقاته، التي نصبها شاهدة ودالة على توحيده في ربوبيته، فذلك أكمل إيماناً، وأتم علماً وإيقاناً، يرى كفر من تعلق على غير الله، ودعاه فيما يختص بالله من أوضح الواضحات، وأبين البينات. قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . [الشورى:٩] . استدل بعموم قدرته وإيجاده وإحيائه الموتى على وجوب توليه بعبادته وحده لا شريك له. والقرآن والسنة يدلان على هذا، ويقررانه بأنواع الدلالات، وألطف التقريرات. والآية التي استدل بها ليس فيها ما يدل على دعواه، بل فيها ما يبطلها ويدحضها١، فإن أول الآية نص على وجوب التوحيد، وإفراد الله بالعبادة والاستقامة على ذلك بالتزام حقوقه وواجباته، وتنزل الملائكة ومخاطبتهم للمؤمن بهذا الخطاب، وتوليهم٢ له لا يدل على أنه يفعل ويشفع، وإنما يدل على كرامته، وعلو درجته، ونيل مشتهاه، ومدعاه في دار الكرامة. فأين في هذا ما يدل على أنه يدعى في حياته، أو بعد مماته؟ وفي الحديث: "من قال في القرآن برأيه فليتبوأ٣ مقعده من النار".

стр. 54

وفي رواية: "بغير علم"١.

стр. 55

وهذا الجاهل في الاستدلال بآيات الله، ويحملها على غير محملها، ويتأولها على غير تأويلها، بل على نقيضه وضده، فسبحان من طبع على قلبه. ط [وقد استدل بعض من يدعي العلم على مسألة تصرف الأولياء، وأنهم يدعون، بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ . [آل عمران:١٦٩] . فقال بعض عوام المسلمين: إن كانت القراءة يَرزقون –بفتح الياء- فذاك متجه، وإلا فالآية حجة عليك] ١. قال في "الفتاوى البزازية": من كتب الحنفية: "قال علماؤنا: من قال أرواح المشايخ حاضرة تعلم يكفر". انتهى. فإن أراد علماء الشريعة فهو حكاية للإجماع، والإجماع على هذا يعلم بالضرورة من دين الإسلام، وهذا أحد الطرق التي يعرف بها الإجماع. وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي في رسالته "في الرد على من زعم أن الأولياء يدعون ويتصرفون على أن ذلك كرامة". قال: "وهذا كلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي،

стр. 56

والعذاب السرمدي، لما فيه من روائج الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق، ومخالفة عقائد الأئمة، وما اجتمعت عليه الأمة". انتهى١. والمقصود أنه حكى إجماع الأمة على كفر من زعم ذلك.

стр. 57

الفصل الخامس ... فصل واستدل العراقي على دعاء الصالحين وندائهم بالحوائج١ بقوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ . [النازعات:٥] . وذكر عن البيضاوي أنها أرواح الموتى. الجواب أن يقال: قد حكى البيضاوي أقوالاً في الكلام٢ على هذه الآية، وقدَّم أنها الملائكة، وحكى أنها النجوم، وحكى أنها خيل الغزاة، وحكى أنها أنفس الغزاة. وعلى زعم هذا وطرد دليله: كل ما ذكر يدعى مع الله حتى خيل الغزاة، والبيضاوي لا يقول بدعاء أحد مع الله، بل ذكر في "تفسيره" مواضع يعز استقصاؤها في المنع من٣ ذلك وتحريمه. ثم هذا القول الذي قاله العراقي رجوع إلى عبادة الملائكة، والنجوم، والأنفس المفارقة، هذا حقيقة دين الصابئة، أوقع العراقي فيه: ظنه أن العبادة لا تكون عبادة وشركاً إلا إذا اعتقد التأثير من

стр. 58

دون الله، وهذا الشرط هو الذي أوقعه فيما وقع فيه من تجويز عبادة الملائكة، والنجوم، والأنفس المفارقة. وهذه١ المسألة غلط فيها كثير من الضالين، مع أن الله تعالى وضحها في كتابه توضيحاً كافياً شافياً. وقد تقدم بعض ذلك قريباً.

стр. 59

والشرك: جعل شريك لله تعالى فيما يستحقه ويختص به من العبادة الباطنة والظاهرة١، كالحب، والخضوع، والتعظيم، والخوف، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والنسك، والطاعة، ونحو ذلك من العبادات. فمتى أشرك مع الله غيره في شيء من ذلك فهو مشرك بربه، قد٢ عدل به سواه، وجعل له نداً من خلقه. ولا يشترط في ذلك أن يعتقد له شَرِكَةً في الربوبية، أو استقلالاً منها. والعجب كل العجب أن مثل هؤلاء يقرؤون٣ كتاب الله، ويتعبدون بتلاوته، وربما عرفوا شيئاً من قواعد العربية، وهو في هذا

стр. 60

الباب من أضل خلق الله، وأبعدهم عن فهم وحيه وتنزيله. ومن الأسباب المانعة عن فهم كتاب الله أنهم ظنوا أن ما حكى الله عن المشركين، وما حكم عليهم به١، ووصفهم به، خاص بقوم مضَوا، وأناس سلفوا وانقرضوا، لم يعقبوا وارثاً. وربما سمع بعضهم قول من يقول من المفسرين: هذه نزلت في عباد٢ الأصنام، هذه نزلت٣ في النصارى، هذه في الصابئة، فيظن الغُمر٤ أن ذلك مختص٥ بهم، وأن الحكم لا يتعداهم، وهذا من أكبر الأسباب التي تحول بين العبد وبين فهم القرآن والسنة. ثم اعلم أن قول البيضاوي هنا قول لا يلتفت إليه، ولا يعول في الدليل عليه، لأنه صدر عَمَّن لا يرضى، ولا يؤتم به في هذا الشأن ولا يقتدى، ولم يقله أحد من أئمة التفسير والهدى، بل قد صرحوا بخلافه كما يعرفه أولو٦ الأحلام والنهى، ونبهوا على أن أصل الشرك هو سؤال أرواح الموتى. والبيضاوي وأمثاله إنما يؤخذ عنهم ما شهدت له الأدلة الشرعية، وجرى على القوانين المرضية، التي يتلقاها أهل العلم والإيمان، من أحكام السنة والقرآن.

стр. 61

وقد قال عمر بن الخطاب –رضي الله تعالى عنه-: "ذهاب الإسلام من ثلاثة: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن،١ وحكم الأئمة المضلين"٢. هذا لو سلمنا ثبوت العلم لمن يحكي مثل هذه الأقوال، وإلا فأين العنقاء لتطلب، وأين السمندل ليجلب؟ ٣ وأهل التحقيق من المفسرين على أن المراد بهذه الآية هم الملائكة، فإسناد التدبير إليهم كإسناد النزع، والنشط، والتقسيم، والزجر، كما في قوله: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ . [الذاريات:٤] وقوله: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا*فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ . [الصافات:٢-٣] . وليس في هذه الآيات الكريمات ما يدل على دعاء الملائكة، وعبادتهم، فإنهم رسل مأمورون مدبرون، كما أن إبلاغ الرسالة من الرسول البشري لا يدل على دعائه، ولا يقتضيه، فكذلك الملائكة،

стр. 62

لأنهم رسل بالأوامر الكونية والشرعية. والقدرةُ والتدربير وتسخير المخلوقات كل ذلك لله وحده، وهو من أدلة توحيده وإلهيته، وصرف الوجوه إليه، والإعراض عما سواه. قال تعالى في حق الملائكة: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ . إلى قوله ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ . [الأنبياء:٢٦-٢٩] . وقال في شأن جبريل وغيره من الملائكة ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ . [مريم:٦٤] . فتأمل ما في هذا القول من كمال العبودية، ومتابعة الأمر، والبراءة من الملكة والحول والقوة، والاعتراف له تعالى بذلك. فاستدل بعموم الربوبية، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ ثناء عليه تعالى بإثبات العلم، ونفي ما يضاده، أو ينافي كماله. قال تعالى في حق المسيح: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ . الآية [النساء:١٧٢] . والمقصود أن تسخير الملائكة، وتدبيرها، وإرسالها من أدلة إلهيته تعالى، واستحقاقه لأن يعبد وحده لا شريك له. * ومن العجب أن هذا العراقي زعم هنا أن ابن القيم قال في كتاب "الروح" وابن تيمية قال في كتاب "الفرقان": إن أرواح الموتى تدبر. وقد برأهما الله، وحماهما من ذلك، بل هما من أبعد خلق الله عن هذه الأقاويل الجاهلية الشركية، ومن أشدهم نهياً عنها، وإبطالاً

стр. 63

لها في غالب كتبهم ومصنفاتهم، وقد شنعوا على من قال هذا، وكفروه، وحكوا هذا القول عن الصابئة والمشركين من الفلاسفة وغيرهم. وفي "الفرقان" للشيخ ما يبطل هذا المذهب من وجوه عديدة تقارب السبعين. فانظر ترى، إن كنت من أهل العلم والهدى. وفي كتاب "الروح" ما يقارب ذلك من إبطال هذا القول، وتكفير فاعله. ومن وقف على الكتابين، وله فهم عن الله ورسوله، يعرف ما قلناه، ويتضح له صحته ومغزاه. والخطاب مع ذكي النفس، قوي الهمة، رفيع القدر، العارف بأخذ العلم واستنباطه، وأما وضيع النفس، ضعيف الهمة، خسيس القدر، الجاهل بأخذ العلم من معدنه ومظانه فليس الكلام معه، ومثله لا يزداد بكثرة الكتب والأقوال إلا شكاًّ وحيرة. ثم استدل العراقي برؤيا الأرواح بعد الموت عند النصر والظفر. وهذا من أعجب ما سمعنا عن هؤلاء الضلال. والرؤيا على أقسام معروفة، وتأويلات مختلفة، فمنها حقائق وصور مشهورة. ومنها أمثال مضروبة، وعلى الأول ليست فاعلة، ولا سبباً أصلاً، بل هي علامات وشواهد، ولا يخالف في هذا من شم رائحة العلم والتمييز. وقد قالوا: إن رؤيته ﷺ مناماً –بشرطها المقرر، وهو أن يراه ﷺ على صفته ومثاله- يختلفُ تأويلُه بحسب اختلاف الرائي، واختلاف الزمان والمكان، فرؤيته عند الحرب تحمد للمؤمنين وفيها بشارة لهم،

стр. 64

بخلاف غيرهم من الكفار والمنافقين، والبغاة المعتدين، فهي نذارة لهم، وعقوبة عاجلة، وكذلك المكان الذي تكثر فيه المعاصي، ويظهر الفجور. واللبيب يفهم من الرؤيا والمثل ما لا يفهمه سواه، وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون. وأيضاً فالنبي ﷺ في حياته الدنيوية، وأبو بكر، وعمر كانوا يجاهدون بأنفسهم وأموالهم، وقد قال تعالى لنبيه: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ . [الأنفال:١٧] . ولما وعدهم أن يمدهم بالملائكة تقاتل معهم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ . [الأنفال:١٠] فأخبر أن النصر من عند الله لا من عند غيره، لتنيب القلوب إليه، فتعتمد في مهماتها ةعليه، وتستغيث به وحده لا شريك له. فإذا كان هذا حالهم في الحياة فكيف ترى حال الأرواح بعد الممات، وقد قال النبي ﷺ : "إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُوْ لَهُ". وهؤلاء الضلالُ يقولون: إن أرواح الأولياء تدبر، وتهزم، وتنصر، وتفعل، وتفعل، قل أأنتم أعلم أم الله. وهذا الرجل يعرف من نظر في كلامه أنه أجنبي عن العلم والإيمان، لم يعرف ما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، وكيف كان الشرك في الأمم. ولكنه وجد مادة وكتباً شتت فهمه، أراد

стр. 65

الاستغناء بها فلم تزده إلا جهلاً وعمى، وأضاف إلى ذلك الجراءة في الكذب على أهل العلم، ونسبة الأقوال الضالة إليهم، كما كذب على الشيخ وتلميذه، وزعم أنهما قالا: أرواح الموتى من المدبرات، وروح النبي ﷺ هزمت الجيوش. والصواب أن الشيخ –﵀ نص على أن القول بمثل هذا من أقوال الفلاسفة والصابئة*.

стр. 66

قال ﵀ – فيمن قال إن أرواح الموتى تجيب من دعاها١: "هذا يشبه بقول من يقول: الأرواح بعد المفارقة تجتمع هي والأرواح الزائرة فيقوى تأثيرها، وهذه المعاني ذكرها طائفة من الفلاسفة، ومن أخذ عنهم كابن سينا وأبي حامد وغيرهما. وهذه الأحوال هي من أصول الشرك، وعبادة الأصنام، وهي من المقاييس التي قال بعض السلف: ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس". وقال أيضاً –﵀ في الكلام على رؤساء المتكلمين: "وكل شرك في العالم إنما حدث برأي جنسهم، فهم الآمرون بالشرك، الفاعلون له"٢ إلى أن قال: "وقد رأيت في مصنفاتهم في عبادة الملائكة، وعبادة الأنفس المفارقة –أنفس الملائكة وغيرهم- ما هو أصل الشرك". وقال العلامة ابن القيم –﵀ في "مدارجه": ومن أنواعه –يعني الشرك الأكبر- طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم،

стр. 67

والتوجه إليهم. وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فضلاً عمن استغاث به، أو سأله أن يشفع له عند الله. انتهى. [ونَقْلَ العراقي عن كتاب "الروح" أن روح النبي ﷺ هزمت جيوش الكفار والظلم مع كثرة عددهم، لا أصل له، وكتاب "الروح" موجود، ومسموع من المشايخ الثقات العارفين بنصوصه وأقواله وأصوله وفروعه، ليس فيه هذا، بل فيه ردُّه وإبطاله كما تقدم. كذلك نقله عن الشيخ كذب ظاهر، وإفك وخيم. ويغلب على ظني أنه سمع في كتاب "الروح" ذكر رؤيا الأرواح وصعودها، ونزولها، وحضورها تارة عند الحرب أو غيره، ورؤية بعض الناس لأصحابها: فظن أن هذا هو القول بأن الأرواح تدبر، وتهزم الجيوش، لأن في ذهنه وخَلْده ما عليه الصابئة والفلاسفة من أن الأنفس المفارقة قد تؤثر في هذا العالم، ولم يميز بين مذهب الصابئة، وما عليه المسلمون، ومن بلغ في الجهالة إلى هذه الغاية والحد، فقد تعطل قلبه عن الإدراك والمنافع وفسد] ١.

стр. 68

الفصل السادس ... فصل قال العراقي في استدلاله على أن أرواح الصالحين تدعى وتدبر: (ومن الآيات التي تدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ . [يوسف:٢٤] . قال١ المفسرون، منهم البغوي: رأى يعقوب عاضاً على أنملته، يقول: إياك وإياها، فلم يفعل، فكان يوسف في مصر، ويعقوب في الشام. فهذا نوع من الكرامة وهي سبب، والقدرة لله) . قلت: يريد العراقي أن مثل هذا يدل على جواز دعاء الصالحين وندائهم بالحوائج في الغيبة، وبعد الممات، لأن هذا كرامة، والكرامة يدعى صاحبها، وينادى. والجواب أن يقال: عبادة الله وحده لا شريك له وإفراده بالدعاء والطلب فيما لا يقدر عليه إلا هو، دلت على وجوبها الكتب السماوية، واتفقت عليها الدعوة الرسالية، وهي أصل الدين وقاعدته، لا يعتريها نسخ ولا تخصيص. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ

стр. 69

خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ . [فاطر:٣] . وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ*أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُور﴾ . [تبارك: ٢٠-٢١] . وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . [العنكبوت:١٧] . فتأمل هذه الآيات ونظائرها، وانظر ما دلت عليه من اختصاصه تعالى وانفراده١ بالخلق والرزق اللذين هما أصل المخلوقات وقوامها، وانظر٢ كيف استدل بهذا على وجوب عبادته وطاعته والإيمان به، وهل يُعَارِضُ هذا الأصل بمثل هذه الأوهام الضالة من شَمَّ رائحة العلم، ودرى ما الناس فيه من أمر دينهم. فإن كنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ ... وإن كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ هذا لو سلم أن الكرامات سبب، وأن هذا المثال فيه إثبات الكرامة، فكيف والأمر بخلاف ذلك بإجماع أهل العلم، والمقدمتان كاذبتان، لأن الكرامة فعل الله تعالى لا فعل للولي فيها، ولا قدرة له عليها ولا تأثير. وكل من يذكر تعريف الكرامة وحَدَّها يقول: هي خرق الله العادة لوليه، لحكمة ومصلحة تعود عليه، أو على غيره، وعلى هذا

стр. 70

التعريف لا فعل للولي فيها ولا إرادة، فمن أين يؤخذ أنها سبب يقتضي دعاء من قامت به، أو فعلت له؟ ومن أي وجه دلت الكرامة على هذا؟ وأفضل الناس الرسل، والملائكة من أفضل خلق الله، ولهم من المعجزات والكرامات والمقامات ما ليس لغيرهم. قد جاء عيسى بن مريم بما هو من أفضل المعجزات والكرامات: يخلق من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه، فيكون طيراً بإذن الله، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وينبئهم من الغيب ما يأكلون وما يدخرون. وقد أنكر تعالى على من دعاه وقصده١ في حاجاته وملماته، وأخبر أن فاعل ذلك كافر بربه، ضال بعبادة غيره. قال تعالى: ﴿وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا﴾ . الآية [آل عمران:٨٠] . والأرباب هنا٢: هم المعبودون المدعون، وسيأتي تحقيق هذا. وقال تعالى فيمن عبد٣ المسيح: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ . [المائدة:٧٦] . وسيأتيك أن الدعاء والنداء بما لا يقدر عليه إلا الله داخل في مسمى العبادة فتنبه.

стр. 71

فأخبر تعالى عن المسيح أنه لا يملك لمن دعاه نفعاً ولا ضراً، وإن قَلَّ، كما يفيده التنكير، وأبطل عبادته، وأنكرها أشد الإنكار، ومعجزاته أوضح من الشمس وسط النهار. وقد تقدم أن هذه الشبهة هي التي تعلق بها النصارى في دعائه ودعاء أمه. ثم اعلم أن الآية ليس فيها ما يدل على كرامة يعقوب –﵇ إلا حفظه في عقبه، وصيانة ولده، فإن الله يحفظ الرجل الصالح في نفسه وأهله ووله، كما في حديث ابن عباس: "احفظ الله يحفظك"١. وليس ذلك من جهة المثال وتخصيصه، فإن هذا لا يفيد الكرامة ولا يفهمها.

стр. 72

وقد تمثل جبريل في صورة دحية الكلبي١. وكثيراً ما يتمثل الملك في صورة البشر.

стр. 73

والذي رآه يوسف هو المثال، لا نفس يعقوب وذاته كما فهمه الغبي، فإن هذا لا يدل عليه كلامهم أصلاً، وكرامات يعقوب –﵇ أَجَلُّ من ذلك وأعظم. وقد يُمَثَّلُ للإنسان من يحب ويأنس به، أو من يجله ويهابه، لمصلحة تعود عليه، لا على نفس صاحب المثال، ولذلك نظائر وأشباه في اليقظة١ والمنام، يعرفها أولو العلم والأفهام.

стр. 74

تنبيه ليست الكرامة من لوازم المنزلة وعلو الدرجة، مشى قوم فوق البحار، ومات عطشاً من هو أفضل منهم، وأقوى إيماناً. وقد كثرت في القرن الثاني والثالث، وفي القرن الأول من هو أفضل وأجل ممن وقعت له هذه الخوارق، وبسط هذا له محل آخر١. والقصد إبطال كلام هذا الضال. ويقال له: أكثر المفسرين على غير هذا، فمنهم من قال: إن هَمَّ يوسف من جنس الخطرات والواردات التي لا تستقر وليست بعزم، فتركها والإعراض عنها حسنة، كما دل عليه حديث: "إذا هَمَّ العبد بالسيئة فلم يفعلها كتبت له حسنة" ٢. ومنهم من قال: البرهان المشار إليه هو قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى﴾ . [الإسراء:٣٢] . رأى الآية مكتوبة في السقف.

стр. 75

ومنهم من قال: رأى ثلاث آيات هي البرهان. ومنهم من قال: لم يهمّ يوسف بسوء لوجوب عصمته حتى قبل النبوة، وقوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ . [يوسف:٢٤] معلق على عدم الرؤية، وقد ثبتت فلا هَمَّ، نقول: هلك١ زيد لولا عمر. وهذا معنى ما قال بعضهم: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير: لولا أن رأى برهان ربه همَّ بها. وهذا يذهب إليه من يقول بعصمة الأنبياء قبل النبوة. وهو الراجح عن من اعتمد أقوالهم هذا العراقي فيما وصل إلينا في علم مسألة٢ الغيب لرسول الله ﷺ . وهنا٣ خالفهم ظناً منه أن إثبات الكرامة يقتضي إباحة الدعاء مع الله. قال بعض السلف: "أنت عند الطاعة قدري، وعند المعصية جبري، أيَّ مذهب وافق هواك تمذهبت به". ومن العجب أنه يكرر في هذه "الرسالة": سلوني سلوني إن أشكل عليكم شيء، وعندي مِنَ النسخ، وعندي كذا وكذا، ويطري نفسه إطراء لا يصدر عَمَّن له دين وعقل، أو دراية بشيء من الآداب والنقل، حتى أنشد في مدح نفسه قول الشاعر:
следующие страницы →