فصل: المحاذير التي وقعت فيها هذه الطوائف
...
فصل
* علم مما سبق أن كل طائفة من هؤلاء الطوائف الأربع واقعون في محاذير:
стр. 37
الأول: مخالفة طريق السلف.
الثاني: تعطيل النصوص عن المراد بها.
الثالث: تحريفها إلى معان غير مرادة بها.
الرابع: تعطيل الله عن صفات الكمال التي تضمنتها هذه النصوص.
الخامس: تناقض طريقتهم فيما أثبتوه وفيما نفوه.
فنقول لكل واحد منهم في جانب الإثبات: أثبت ما نفيت مع نفي التشبيه، كما أثبت ما أثبت مع نفي التشبيه.
ونقول له في جانب النفي: انف ما أثبت خوفاً من التشبيه، كما نفيت ما نفيت خوفاً من التشبيه وإلا كنت متناقضاً.
* والقول الفصل المطرد السالم من التناقض: ما كان عليه سلف الأمة وأئمتها من: إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه من الأسماء والصفات، إثباتاً بلا تمثيل، وتنزيهاً بلا تعطيل، وإجراء النصوص على ظاهرها على الوجه اللائق بالله ، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
ويتبين هذا بأصلين، ومثلين، وخاتمة:
стр. 38
فصل: أصلان ومثلان فيما كان عليهما سلف الأمة وأئمتها
فصل: الأصل الول أن القول في بعض الصفات كالقول في بعض
...
فصل
فأما الأصلان:
* فأحدهما: أن يقال لمن يثبت بعض الصفات دون بعض: القول في بعض الصفات كالقول في بعض.
أي: أن من أثبت شيئاً مما أثبته الله لنفسه من الصفات ألزم بإثبات
стр. 39
الباقي، ومن نفى شيئاً منه ألزم بنفي ما أثبته وإلا كان متناقضاً.
مثال ذلك: إذا كان المخاطب يثبت لله تعالى حقيقة الإرادة، وينفي حقيقة الغضب ويفسره: إما بإرادة الانتقام، وإما بالانتقام نفسه.
فيقال له: لا فرق بين ما أثبته من حقيقة الإرادة وما نفيته من حقيقة الغضب، فإن كان إثبات حقيقة الغضب يستلزم التمثيل، فإثبات حقيقة الإرادة يستلزمه أيضاً.
وإن كان إثبات حقيقة الإرادة لا يستلزمه، فإثبات الغضب لا يستلزمه أيضاً، لأن القول في أحدهما كالقول في الآخر، وعلى هذا يلزمك إثبات الجميع، أو نفي الجميع.
فإن قال: الإرادة التي أثبتها لا تستلزم التمثيل، لأنني أعني بها إرادة تليق بالله لا تماثل إرادة المخلوق.
قيل له: فأثبت لله غضباً يليق به ولا يماثل غضب المخلوق.
فإن قال: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام وهذا لا يليق بالله تعالى.
قيل له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة وهذا لا يليق بالله .
فإن قال: هذه إرادة المخلوق، وأما إرادة الله فتليق به.
قيل له: والغضب بالمعنى الذي قلت غضب المخلوق، وأما غضب الله فيليق به.
стр. 40
وهكذا القول في جميع الصفات التي نفاها يقال له فيها ما يقوله هو فيما أثبته.
فإن قال: أثبت ما أثبته من الصفات بدلالة العقل عليه.
أجبنا عنه بثلاثة أجوبة سبق ذكرها عند الرد على الطائفة الأولى.
стр. 41
* الأصل الثاني: أن يقال لمن يقر بذات الله تعالى ويمثل في صفاته أو ينفيها: القول في الصفات كالقول في الذات .
يعني أن من أثبت لله تعالى ذاتاً لا تماثل ذوات المخلوقين لزمه أن يثبت له صفات لا تماثل صفات المخلوقين، لأن القول في الصفات كالقول في الذات
وهذا الأصل يخاطب به أهل التمثيل، وأهل التعطيل من المعتزلة ونحوهم.
فيقال لأهل التمثيل: ألستم لا تثبتون ذات الله ذاتا بلا تمثي؟ فأثبتوا له صفات بلا تمثيل.
ويقال لأهل التعطيل من المعتزلة ونحوهم: ألستم تقولون بوجود ذات لا تشبه الذوات؟ فكذلك قولوا بصفات لا تشبه الصفات.
مثال ذلك: إذا قال: إن الله استوى على العرش فكيف استواؤه؟
فيقال له: القول في الصفات كالقول في الذات فأخبرنا كيف ذاته؟
فإن قال: لا أعلم كيفية ذاته.
قيل له: ونحن لا نعلم كيفية استوائه.
وحينئذ؛ يلزمه أن يقر باستواء حقيقي غير مماثل لاستواء المخلوقين، ولا
стр. 42
معلوم الكيفية، كما أقر بذات حقيقية غير مماثلة لذوات المخلوقين، ولا معلومة الكيفية، كما قال مالك وشيخه ربيعة وغيرهما في الاستواء: "الاستواء معلوم والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"١.
- فقوله: "الاستواء معلوم" أي: معلوم المعنى في اللغة العربية التي نزل بها القرآن وله معان بحسب إطلاقه وتقييده بالحرف، فإذا قيد بـ "على" كان معناه العلو والاستقرار كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨] وقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣] . فاستواء الله تعالى على عرشه علوه عليه علواً خاصاً يليق به، على كيفية لا نعلمها، وليس هو العلو المطلق على سائر المخلوقات.
وقوله: "والكيف مجهول" أي أن كيفية استواء الله على عرشه مجهولة لنا وذلك لوجوه ثلاثة:
الأول: أن الله أخبرنا أنه استوى على عرشه ولم يخبرنا كيف استوى.
الثاني: أن العلم بكيفية الصفة فرع عن العلم بكيفية الموصوف وهو الذات، فإذا كنا لا نعلم كيفية ذات الله، فكذلك لا نعلم كيفية صفاته.
الثالث: أن الشيء لا تعلم كيفيته إلا بمشاهدته، أو مشاهدة نظيره أو الخبر الصادق عنه، وكل ذلك منتف في استواء الله على عرشه، وهذا يدل على أن السلف يثبتون للاستواء كيفية لكنها مجهولة لنا.
- وقوله: "والإيمان به واجب"؛ أي: أن الإيمان بالاستواء على هذا
стр. 43
الوجه واجب، لأن الله تعالى أخبر به عن نفسه، وهو أعلم بنفسه، وأصدق قولاً وأحسن حديثاً، فاجتمع في خبره كمال العلم، وكمال الصدق، وكمال الإرادة وكمال الفصاحة والبيان فوجب قبوله والإيمان به.
- وقوله: "والسؤال عنه – أي: عن كيفيته بدعة"؛ لأن السؤال عنها لم يعرف في عهد النبي ﷺ ولا خلفائه الراشدين، وهو من الأمور الدينية فكان إيراده بدعة، ولأن السؤال عن مثل ذلك من سمات أهل البدع
ثم إن السؤال عنه مما لا تمكن الإجابة عليه فهو من التنطع في الدين، وقد قال النبي ﷺ : "هلك المتنطعون".
وهذا القول الذي قاله مالك وشيخه يقال في صفة نزول الله تعالى إلى السماء الدنيا وغيره من الصفات: إنها معلومة المعنى، مجهولة الكيفية، وإن الإيمان بها على الوجه المراد بها واجب، والسؤال عن كيفيتها بدعة.
стр. 44
فصل: وأما المثلان:
* فأحدهما: نعيم الجنة: فقد أخبر الله تعالى أن في الجنة طعاماً وشراباً ولباساً، وزوجات، ومساكن، ونخلاً، ورماناً، وفاكهة، ولحماً، وخمراً، ولبناً، وعسلاً، وماءً، وحلية من ذهب ولؤلؤ وفضة ... وغير ذلك.
وكله حق على حقيقته، وهو في الاسم موافق لما في الدنيا من حيث المعنى لكنه مخالف له في الحقيقة.
- أما موافقته لما في الدنيا في المعنى فلأن الله تعالى قال عن القرآن: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] . ولولا موافقته له في
стр. 45
المعنى؛ ما فهمناه ولا عقلناه.
- وأما مخالفته له في الحقيقة فلقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] . وقوله في الحديث القدسي: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" قال ابن عباس – ﵄: "ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء"
فإذا كانت هذه الأسماء دالة على مسمياتها حقيقة، وكان اتفاقها مع ما في الدنيا من الأسماء لا يستلزم اتفاق المسميات في الحقيقة، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله، فإن مباينة الخالق للمخلوق أعظم وأظهر من مباينة المخلوق للمخلوق؛ لأن التباين بين المخلوقات تباين بين مخلوق ومخلوق مثله، فإذا ظهر التباين بينها كان بينها وبين الخالق أظهر وأولى.
وقد انقسم الناس في هذا المقام – مقام الإيمان بالله واليوم الآخر – إلى ثلاث فرق:
الفرقة الأولى: السلف والأئمة وأتباعهم: آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر، وأنه حق على حقيقته مع اعتقادهم التباين بين ما في الدنيا وما في الآخرة، وأن التباين بين الخالق والمخلوق أولى وأعظم وأبين؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
الفرقة الثانية: طوائف من أهل الكلام يؤمنون بما أخبر الله به عن اليوم الآخر من الثواب والعقاب، وينفون كثيراً مما أخبر الله به عن نفسه من الصفات.
الفرقة الثالثة: القرامطة، والباطنية، والفلاسفة لا يؤمنون بما أخبر الله به
стр. 46
عن نفسه، ولا عن اليوم الآخر، بل ينكرون حقائق هذا وهذا.
فمذهبهم فيما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر أنه تخييل لا حقيقة له.
وأما في الأمر والنهي فكثير منهم يجعلون للمأمورات والمنهيات تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها، فيقولون: المراد بالصلوات معرفة أسرارهم، وبالصيام كتمان أسرارهم، وبالحج السفر إلى شيوخهم ... ونحو ذلك مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام أنه كذب وافتراء وكفر وإلحاد.
وقد يقولون: إن الشرائع تلزم العامة دون الخاصة، فإذا وصل الرجل إلى درجة العارفين والمحققين عندهم ارتفعت عنه التكاليف، فسقطت عنه الواجبات وحلت له المحظورات.
وقد يوجد في المنتسبين إلى التصوف والسلوك من يدخل في بعض هذه المذاهب.
وهؤلاء الباطنية هم الملاحدة، الذين أجمع المسلمون على أنهم أكفر من اليهود والنصارى لعظم إلحادهم ومخالفتهم لجميع الشرائع الإلهية.
* المثل الثاني: الروح التي بها الحياة: وهي أقرب شيء إلى الإنسان، بل هي قوام الإنسان، وقد وصفت في النصوص بأنها تقبض من البدن، ويصعد بها إلى السماء، وتعاد إلى البدن، ولا ينكر أحد وجودها حقيقة.
وقد عجز الناس عن إدراك كنهها وحقيقتها، إلا ما علموه عن طريق الوحي، واضطربوا فيها اضطراباً كثيراً لكونهم لا يشاهدون لها نظيراً:
- فمنهم طوائف من أهل الكلام: جعلوها البدن، أو جزءاً منه، أو صفة
стр. 47
من صفاته.
- ومنهم طوائف من أهل الفلسفة وصفوها بأمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود، فقالوا: لا هي داخل البدن ولا خارجه، ولا مداخلة له ولا مباينة، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عرض. وقد يقولون إنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة، كما يصفون بذلك الخالق الواجب الوجود.
- فإذا قيل لهم: إثبات هذا القول ممتنع في العقل ضرورة.
قالوا: هذا ممكن، بدليل أن الكليات ممكنة موجودة وهي غير مشار إليها. وقد غفلوا عن كون الكليات لا توجد كلية إلا في الأذهان لا في الأعيان، فإن الذهن يفرض أشياء في الخيال لا يمكن وجودها في الخارج، كأن يتخيل ارتفاع النقيضين أو اجتماعهما مع أن هذا ممتنع.
واعلم أن اضطراب المتكلمين والفلاسفة في الروح كثير وله سببان:
أحدهما: قلة بضاعتهم مما جاء به الوحي في صفاتها.
والثاني: أنهم لا يشاهدون لها نظيراً، فإن الروح ليست من جنس هذا البدن، ولا من جنس العناصر والمولدات منها، وإنما هي من جنس آخر مخالف لهذه الأجناس.
فعرفها الفلاسفة بالأسلوب التي توجب مخالفتها للأجسام المشهودة، وجعلها المتكلمون من جنس الأجسام المشهودة.
فطريق الفلاسفة فيها تعطيل، وطريق المتكلمين فيها تمثيل، وكلا الطريقين خطأ.
وقد صح عن النبي ﷺ أن الروح إذا قبضت اتبعها البصر, وأن الملائكة
стр. 48
تجعلها في كفن وتصعد بها إلى السماء، ومع هذا فالعقول قاصرة عن إدراك كنهها وحقيقتها كما قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] .
فإذا كانت الروح حقيقة، واتصافها بما وصفت به في الكتاب والسنة حقيقة، مع أنها لا تماثل الأجسام المشهودة، كان اتصاف الخالق بما يستحقه من صفات الكمال مع مباينته للمخلوقات من باب أولى، وكان عجز أهل العقول عن أن يحدوا الله أو يكيفوه أبين من عجزهم عن حد الروح وتكييفها.
وإذا كان من نفى صفات الروح جاحداً معطلاً، ومن مثلها بما يشاهد من المخلوقات جاهلاً بها ممثلاً، فالخالق سبحانه أولى أن يكون من نفى صفاته جاحداً معطلاً، ومن قاسه بخلقه جاهلاً به ممثلاً.
стр. 49
الخاتمة
القاعدة الأولى: في أن الله تعالى موصوف بالنفي والإثبات
...
الخاتمة
هذه الخاتمة تشتمل على قواعد عظيمة مفيدة:
القاعدة الأولى: في أن الله تعالى موصوف بالنفي والإثبات
يعني أن الله تعالى جمع فيما وصف به نفسه بين النفي والإثبات؛ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
وإنما جمع الله تعالى لنفسه بين النفي والإثبات؛ لأنه لا يتم كمال الموصوف إلا بنفي صفات النقص، وإثبات صفات الكمال.
وكل الصفات التي نفاها الله عن نفسه صفات نقص كالإعياء،
стр. 50
واللغوب، والعجز، والظلم، ومماثلة المخلوقين ... وكل ما أثبته الله تعالى لنفسه فهو صفات كمال كما قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] سواء كانت من الصفات الذاتية التي يتصف بها أزلاً وأبداً، أم من الصفات الفعلية التي يتصف بها حيث تقتضيها حكمته، وإن كان أصل هذه الصفات الفعلية ثابتاً له أزلاً، وأبداً، فإن الله تعالى لم يزل ولا يزال فعالاً لما يريد.
فصل
* فمن صفات الله تعالى التي أثبتها لنفسه: الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والإرادة والكلام والعزة والحكمة والمغفرة والرحمة.
- فحياته تعالى: حياة كاملة مستلزمة لكل صفات الكمال، لم يسبقها عدم، ولا يلحقها فناء، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] . وقال: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: ٣] . وقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
- وعلمه تعالى: كامل شامل لكل: صغير وكبير، وقريب وبعيد، لم يسبقه جهل، ولا يلحقه نسيان، كما قال الله تعالى عن موسى حين سأله فرعون: ما بال القرون الأولى؟ ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه:٥٢] . وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥] .
- وقدرته تعالى: كاملة، لم تسبق بعجز ولا يلحقها تعب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ [فاطر: ٤٤] . وقال: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ
стр. 51
اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق: ١٢] . وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [قّ: ٣٨] .
- وحكمته تعالى: حكمة بالغة، منزهة عن العبث، شاملة لخلقه وشرعه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨-٣٩] . وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الملك: ٢] . وقال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠] .
وحكمته كسائر صفاته لا يحيط بها الخلق، فقد نعجز عن إدراك الحكمة فيما خلقه أو شرعه، وقد ندرك منها ما يفتح الله به علينا.
وعلى هذا تجري سائر الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه، فكلها صفات كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه.
فصل
* ومن الصفات التي نفاها الله تعالى عن نفسه: الموت والجهل والنسيان والعجز والسنة والنوم واللغوب والإعياء والظلم.
- قال الله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] .
- وقال عن موسى: ﴿فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [طه:٨٢] .
- وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٤] .
- وقال: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
- وقال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [قّ:٣٨] . وقال: ﴿وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنّ﴾
стр. 52
[الأحقاف: ٣٣] .
- وقال: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف: ٤٩] .
* وكل صفة نفاها الله تعالى عن نفسه فإنها متضمنة لشيئين:
أحدهما: انتفاء تلك الصفة.
الثاني: ثبوت كمال ضدها.
ألا ترى إلى قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ [فاطر: ٤٤] ؛ فإن الله تعالى لما نفى عن نفسه العجز بين أن ذلك لكمال علمه وقدرته؟
وعلى هذا فنفي الظلم عن نفسه متضمن لكمال عدله. ونفي اللغوب والعي متضمن لكمال قوته. ونفي السنة والنوم متضمن لكمال حياته وقيوميته؛ ونفي الموت متضمن لكمال حياته.
وعلى هذا تجري سائر الصفات المنفية.
* ولا يمكن أن يكون النفي في صفات الله – – نفياً محضاً، بل لابد أن يكون لإثبات كمال وذلك للوجوه التالية:
الأول: أن الله تعالى قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠] . أي الوصف الأكمل، وهذا معدوم في النفي المحض.
الثاني: أن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء فكيف يكون مدحاً وكمالاً؟!
الثالث: أن النفي إن لم يتضمن كمالاً فقد يكون لعدم قابلية الموصوف لذلك المنفي أو ضده، لا لكمال الموصوف، كما إذا قيل: "الجدار
стр. 53
لا يظلم، فنفي الظلم عن الجدار ليس لكمال الجدار، ولكن لعدم قابلية اتصافه بالظلم أو العدل، وحينئذ لا يكون نفي الظلم عنه مدحاً له ولا كمالاً فيه.
الرابع: أن النفي؛ إن لم يتضمن كمالاً؛فقد يكون لنقص الموصوف أو لعجزه عنه كما لو قيل عن شخص عاجز عن الانتصار لنفسه ممن ظلمه: "إنه لا يجزي السيئة بالسيئة" فإن نفي مجازاته السيئة بمثلها ليس لكمال عفوه ولكن لعجزه عن الانتصار لنفسه، وحينئذ يكون نفي ذلك عنه نقصاً وذماً لا كمالاً ومدحاً.
ألم تر إلى قول الحماسي يهجو قومه:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
إلى أن قال:
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا
يريد بذلك ذمهم ووصفهم بالعجز لا مدحهم بكمال العفو بدليل قوله بعد:
فليت لي بهم قوماً إذا ركبوا ... شنوا الإغارة ركباناً وفرسانا
* وبهذا علم أن الذين لا يصفون الله تعالى إلا بالنفي المحض لم يثبتوا في الحقيقة إلهاً محموداً بل ولا موجوداً؛ كقولهم في الله : إنه ليس بداخل العالم، ولا خارجه، ولا مباين، ولا محايث١, ولا فوق، ولا تحت، ولا متصل، ولا منفصل ... ونحو ذلك.
ولهذا قال محمود بن سبكتكين٢ لمن أدعى ذلك في الخالق جل
стр. 54
وعلا١: "ميز لنا بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم"!
ولقد صدق –﵀ –فإنه لن يوصف المعدوم بوصف أبلغ من هذا الوصف الذي وصفوا به الخالق جل وعلا:
فمن قال: لا هو مباين للعالم، ولا مداخل للعالم فهو بمنزلة من قال: لا هو قائم بنفسه ولا بغيره، ولا قديم ولا محدث، ولا متقدم على العالم، ولا مقارن له.
ومن قال: ليس بحي، ولا سميع، ولا بصير، ولا متكلم، لزمه أن يكون ميتاً، أصم، أعمى، أبكم٢..
стр. 55
فصل: القاعدة الثانية: في وجوب الإيمان بما أخبر الله به ورسوله سواء عرف معناه أم لم يعرف
* ما أخبر الله تعالى به في كتابه، أو أخبر به رسوله ﷺ وجب علينا الإيمان به، سواء عرفنا معناه، أم لم نعرفه:
لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ
стр. 56
عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:١٣٦] . وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [النساء: ١٧٠] .
ولأن خبر الله تعالى صادر عن علم تام، فهو أعلم بنفسه وبغيره كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠] .
ولأن خبر الله تعالى أصدق الأخبار كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء: ٨٧] .
ولأن كلام الله تعالى أفصح الكلام، وأبلغه، وأبينه كما قال الله تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان: ٣٣] . وقال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِي﴾ [الزمر: ٢٣] . متشابهاً: يشبه بعضه بعضاً في الكمال والبيان. وقال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣-١٩٥] .
ولأن الله تعالى يريد بما أنزل إلى عباده من الوحي أن يهتدوا ولا يضلوا كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] . وقال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦] .
وهكذا خبر النبي ﷺ صادر عن علم فإنه ﷺ أعلم الناس بربه وأسمائه وصفاته وأحكامه وخبره أصدق أخبار البشر، وكلامه أفصح كلام البشر، وقصده أفضل مقصود البشر، فهو أنصح الخلق للخلق.
فقد اجتمع في خبر الله تعالى وخبر رسوله كمال العلم، وكمال الصدق وكمال البيان، وكمال القصد والإرادة، وهذه هي مقومات قبول الخبر.
стр. 57
ولهذا لو صدر الخبر عن جاهل أو كاذب، أو عيي، أو سيئ قصد لم يكن مقبولاً لفقد مقومات القبول أو أحدها.
فإذا كانت مقومات قبول الخبر تامة على أكمل وجه في خبر الله ورسوله وجب الإيمان به وقبوله سواء كان نفياً أم إثباتاً، ولم يبق عذر لمعتذر في رده، أو تحريفه، أو الشك في مدلوله، لاسيما في أسماء الله تعالى وصفاته.
* وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها وجب قبوله.
وعامة هذا الباب "باب الأسماء والصفات" منصوص عليه في الكتاب والسنة متفق عليه بين سلف الأمة.
* وأما ما تنازع فيه المتأخرون مما ليس في الكتاب والسنة ولا عند سلف الأمة فليس على أحد بل وليس لأحد أن يثبت لفظه أو ينفيه لعدم ورود السمع به، وليس له أن يقبل معناه أو يرده حتى يعلم المراد منه. فإن كان حقاً وجب قبوله، وإن كان باطلاً وجب رده.
ولذلك أمثلة منها:
المثال الأول: الجهة: أي لو قال قائل: إن الله في جهة، أو هل لله جهة؟
فيقال له: لفظ "الجهة" ليس في الكتاب والسنة إثباته ولا نفيه، فليس فيهما أنه في جهة، أو له جهة، ولا أنه ليس في جهة، أو ليس له جهة، وفي النصوص ما يغني عنه كالعلو، والفوقية، والاستواء على العرش، وصعود الأشياء إليه ونزولها منه.
وقد اضطرب المتأخرون في إثباته ونفيه.
فإذا أجريناه على القاعدة قلنا:
стр. 58
- أما اللفظ فلا نثبته ولا ننفيه لعدم ورود ذلك.
- وأما المعنى فنري ماذا يراد بالجهة؟
أيراد بالجهة شيء مخلوق محيط بالله ؟ فهذا معنى باطل لا يليق بالله سبحانه، فإن الله لا يحيط به شيء من مخلوقاته، فقد وسع كرسيه السموات والأرض، ولا يؤوده حفظهما، ولا يمكن أن يكون داخل شيء من مخلوقاته.
أم يراد بالجهة ما فوق العالم؟ فهذا حق ثابت لله ، فإن الله تعالى فوق خلقه عال عليهم، كما دل على ذلك الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والفطرة، وفي صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي أن النبي ﷺ قال لجارية كانت له: "أين الله؟ " قالت: في السماء. قال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله. قال: "أعتقها فإنها مؤمنة".
المثال الثاني: الحيز أو المتحيز:
فإذا قال قائل: هل نصف الله تعالى بأنه متحيز أو في حيز؟
قلنا: لفظ "التحيز" أو "الحيز" ليس في الكتاب والسنة ثابتة ولا نفيه عن الله تعالى، فليس فيهما أنه في حيز، أو متحيز، ولا أنه ليس كذلك، وفي النصوص ما يغني عنه مثل الكبير المتعال.
وقد اضطرب المتأخرون في إثبات ذلك لله تعالى أو نفيه عنه.
فإذا أجريناه على القاعدة قلنا:
- أما اللفظ فلا نثبته ولا ننفيه لعدم ورود السمع به.
- وأما المعنى؛ فينظر ماذا يراد بالحيز أو المتحيز؟
стр. 59
أيراد به أن الله تعالى تحوزه المخلوقات وتحيط به؟! فهذا معنى باطل منفي عن الله تعالى لا يليق به، فإن الله أكبر وأعظم وأجل من أن تحيط به المخلوقات وتحوزه كيف وقد وسع كرسيه السموات والأرض، والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه؟! وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة – ﵁ – أن النبي ﷺ قال: "يقبض الله ﵎ الأرض يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ ". وقال ابن عباس – ﵄: "ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم".
أم يراد بالحيز أو المتحيز: أن الله منحاز عن المخلوقات أي مباين لها منفصل عنها ليس حالاً فيها، ولا هي حالة فيه، فهذا حق ثابت لله ، كما قال أئمة أهل السنة: هو فوق سمواته على عرشه، بائن من خلقه.
* تنبيه: جاء في القاعدة أنه يجب علينا الإيمان بما أخبر الله به ورسوله سواء عرفنا معناه أم لا.
لكن؛ ليعلم أنه ليس في كلام الله ورسوله شيء لا يعرف معناه جميع الأمة، بل لابد أن يكون معروفاً لجميع الأمة أو بعضها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] . وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] . ولأنه؛ لو كان فيه ما لا يعلم معناه أحد لكان بعض الشريعة مجهولاً للأمة.
ولكن المعرفة والخفاء أمران نسبيان، فقد يكون معروفاً لشخص ما كان خفياً على غيره: إما لنقص في علمه، أو قصور في فهمه، أو تقصير في طلبه، أو سوء في قصده.
стр. 60
فصل: القاعدة الثالثة: في إجراء النصوص على ظاهرها
* ظاهر النصوص: ما يتبادر منها من المعاني بحسب ما تضاف إليه وما يحتف بها من القرآن.
* والواجب في النصوص: إجراؤها على ظاهرها بدون تحريف لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥] . وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف: ٣] . وقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاء﴾ [لأعراف: ٣] .
فإذا كان الله تعالى أنزله باللسان العربي من أجل عقله وفهمه، وأمرنا باتباعه، وجب علينا إجراؤه على ظاهره بمقتضى ذلك اللسان العربي، إلا أن تمنع منه حقيقة شرعية.
ولا فرق في هذا بين نصوص الصفات وغيرها، بل قد يكون وجوب التزام الظاهر في نصوص الصفات أولى وأظهر؛ لأن مدلولها توقيفي محض لا مجال للعقول في تفاصيله.
* فإن قال قائل في نصوص الصفات: لا يجوز إجراؤها على ظاهرها لأن ظاهرها غير مراد.
فجوابه أن يقال: ماذا تريد بالظاهر؟
- أتريد ما يظهر من النصوص من المعاني اللائقة بالله من غير تمثيل؟ فهذا الظاهر مراد لله ورسوله قطعاً، وواجب على العباد قبوله، والإيمان به شرعاً؛
стр. 61
لأنه حق ولا يمكن أن يخاطب الله عباده بما يريد منهم خلاف ظاهره بدون بيان كيف، وقد قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم﴾ [النساء: ٢٦] وقال: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] ويقول عن رسوله ﷺ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] . ويقول: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] . ومن خاطب غيره بما يريد منه خلاف ظاهره بدون بيان فإنه لم يبين له ولم يهده.
- أم تريد بالظاهر ما فهمته من التمثيل؟ فهذا غير مراد لكنه ليس ظاهر نصوص الكتاب والسنة؛ لأن هذا الظاهر الذي فهمته كفر وباطل بالنص والإجماع، ولا يمكن أن يكون ظاهر كلام الله ورسوله كفراً وباطلاً، ولا يرتضي ذلك أحد من المسلمين.
* وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن نصوص الصفات تجري على ظاهرها اللائق بالله من غير تحريف، وأن ظاهرها لا يقتضي تمثيل الخالق بالمخلوق.
فاتفقوا على: أن لله تعالى حياة، وعلماً، وقدرة، وسمعاً، وبصراً، حقيقة، وأنه مستوٍ على عرشه حقيقة، وأنه يحب ويرضى، ويكره ويغضب حقيقة، وأن له وجهاً ويدين حقيقة؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] . وقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] . ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٠٢] . ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] . وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] . ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه﴾ [المائدة: ١١٩] . ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦] . ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾
стр. 62
[الرحمن: ٢٧] . ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان﴾ [المائدة: ٦٤] .
فأجروا هذه النصوص وغيرها من نصوص الصفات على ظاهرها وقالوا: إنه مراد على الوجه اللائق بالله تعالى فلا تحريف ولا تمثيل.
وبيان ذلك: أن من صفاتنا ما هو معان وأعراض قائمة بنا كالحياة والعلم والقدرة، ومنها ما هو أعيان وأجسام وهي أبعاض لنا كالوجه واليدين. ومن المعلوم أن الله وصف نفسه بأنه حي، عليم، قدير، ولم يقل المسلمون إن المفهوم من حياته وعلمه وقدرته كالمفهوم من حياتنا وعلمنا وقدرتنا، فكذلك لما وصف نفسه بأن له وجهاً ويدين لم يكن المفهوم من وجهه ويديه كالمفهوم من وجوهنا وأيدينا. وإنما قال المسلمون إن المفهوم من صفات الله في هذا وهذا لا يماثل المفهوم منها في صفاتنا، بل كل صفة تناسب الموصوف وتليق به، فلما كانت ذات الخالق لا تماثل ذوات المخلوقين، فكذلك صفاته لا تماثل صفات المخلوقين.
وقد سبق أن القول في الصفات كالقول في الذات.
* فتبين بذلك أن من قال: إن ظاهر نصوص الصفات غير مراد فقد أخطأ على كل تقدير، لأنه إن فهم من ظاهرها معنى فاسداً وهو التمثيل، فقد أخطأ في فهمه وأصاب في قوله "غير مراد"، وإن فهم من ظاهرها معنى صحيحاً وهو المعنى اللائق بالله، فقد أصاب في فهمه وأخطأ في قوله "غير مراد" فهو إن أصاب في معنى ظاهرها أخطأ في نفي كونه مراداً، وإن أخطأ في معنى ظاهرها أصاب في نفي كونه مراداً، فيكون قوله خطأ على كل تقدير.
والصواب الذي لا خطأ فيه: أن ظاهرها مراد، وأنه ليس إلا معنى يليق بالله.
стр. 63
فصل
والذين يجعلون ظاهر النصوص معنى فاسداً فينكرونه يكون خطؤهم على وجهين:
* الأول: أن يفسروا النص بمعنى فاسد لا يدل عليه اللفظ فينكرونه لذلك، ويقولون: إن ظاهره غير مراد.
- مثال ذلك: قوله تعالى في الحديث القدسي: "يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، يا ابن آدم! استطعمتك فلم تطعمني، يا ابن آدم! استسقيتك فلم تسقني ... ". الحديث رواه مسلم.
قالوا: فظاهر الحديث أن الله يمرض، ويجوع، ويعطش، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.
فنقول: لو أعطيتم النص حقه لتبين لكم أن هذا المعنى الفاسد ليس ظاهر اللفظ، لأن سياق الحديث يمنع ذلك فقد جاء مفسراً بقول الله تعالى في الحديث نفسه: "أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده؟ أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ واستسقاك عبدي فلان فلم تسقه؟ ". وهذا صريح في أن الله سبحانه لم يمرض، ولم يجع، ولم يعطش، وإنما حصل المرض والجوع والعطش من عبد من عباده.
- ومثال آخر: قوله تعالى عن سفينة نوح: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤] .
- قالوا: فظاهر الآية أن السفينة تجري في عين الله، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.
فنقول: دعواكم أن ظاهر الآية أن السفينة تجري في عين الله سبحانه
стр. 64
مردودة من جهة التركيب اللفظي ومن جهة المعنى أيضاً:
أما التركيب اللفظي: فإنه إذا قال القائل: فلان يسير بعيني لم يفهم أحد من هذا التركيب أنه يسير داخل عينيه، ولو أدعى مدع أن هذا ظاهر لفظه لضحك منه السفهاء فضلاً عن العقلاء، وإنما يفهم منه أن عينيه تصحبه بالنظر والرعاية، لأن الباء هنا للمصاحبة وليست للظرفية.
وأما المعنى: فإن من المعلوم أن نوحاً ﵊ كان في الأرض، وأنه صنع السفينة في الأرض، وجرت على الماء في الأرض كما قال الله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ [هود: ٣٨] . وقال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ، فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٠ – ١٤] .
ولا يمكن لأحد أن يدعي أن ظاهر اللفظ أن السفينة تجري في عين الله ، لأن ذلك ممتنع غاية الامتناع في حق الله تعالى، ولا يمكن لمن عرف الله وقدره حق قدره، وعلم أنه مستو على عرشه، بائن من خلقه، ليس حالاً في شيء من مخلوقاته، ولا شيء من مخلوقاته حالاً فيه أن يفهم من هذا اللفظ هذا المعنى الفاسد.
وعلى هذا؛ فمعنى الآية الذي هو ظاهر اللفظ أن السفينة تجري والله تعالى يكلؤها بعينه.
- ومثال ثالث: في الأثر: "الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه".
قالوا: فظاهر الأثر أن الحجر نفسه يمين الله في الأرض، وهذا معنى
стр. 65
فاسد فيكون غير مراد.
فنقول: أولاً: هذا الأثر روي عن النبي ﷺ بإسناد لا يثبت والمشهور أنه عن ابن عباس. قلت: قال ابن الجوزي: "هذا حديث لا يصح". وقال ابن العربي: "حديث باطل فلا يلتفت إليه" أهـ.
ثانياً: أنه على تقدير صحته صريح في أن الحجر الأسود ليس نفس يمين الله لأنه قال: "يمين الله في الأرض" فقيده في الأرض ولم يطلق، وحكم اللفظ المقيد يخالف المطلق، ومعلوم أن الله تعالى في السماء، ولأنه قال: "فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه" ومعلوم أن المشبه غير المشبه به.
فالأثر ظاهر في أن مستلم الحجر ليس مصافحاً لله، وليس الحجر نفس يمين الله، فكيف يجعل ظاهره كفراً يحتاج إلى تأويل؟!
* الوجه الثاني: أن يفسروا اللفظ بمعنى صحيح موافق لظاهره، لكن يردونه لاعتقادهم أنه باطل وليس بباطل.
- مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] .
قالوا: فظاهر الآية أن الله علا على العرش، والعرش محدود فيلزم أن يكون الله سبحانه محدوداً، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.
فنقول: إن علو الله تعالى على عرشه – وإن كان العرش محدوداً – لا يستلزم معنى فاسداً، فإن الله تعالى قد علا على عرشه علواً يليق بجلاله وعظمته، ولا يماثل علو المخلوق على المخلوق، ولا يلزم منه أن يكون الله محدوداً، وهو علو يختص بالعرش، والعرش أعلى المخلوقات فيكون الله
стр. 66
تعالى عالياً على كل شيء وهذا من كماله وكمال صفاته، فكيف يكون معنى فاسداً غير مراد؟!
- مثال آخر: قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ [المائدة: ٦٤] .
قالوا: فظاهر الآية أن الله تعالى يدين حقيقتين وهما جارحة، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.
فنقول: إن ثبوت اليدين الحقيقيتين لله لا يستلزم معنى فاسداً، فإن لله تعالى يدين حقيقيتين تلقيان بجلاله وعظمته، وبهما يأخذ ويقبض، ولا تماثلان أيدي المخلوقين، وهذا من كماله وكمال صفاته.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٧] .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "ما تصدق أحد بصدقة من طيب – ولا يقبل الله إلا الطيب – إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل".
فأي معنى فاسد يلزم من ظاهر النص حتى يقال إنه غير مراد؟!
*وقد يجتمع الخطأ من الوجهين: في مثال واحد مثل قوله ﷺ : "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء".
فقالوا على الوجه الأول: ظاهر الحديث أن قلوب بني آدم بين أصابع الرحمن فيلزم منه المباشرة والمماسة، وأن تكون أصابع الله سبحانه داخل أجوافنا، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.
стр. 67
وقالوا على الوجه الثاني: ظاهر الحديث أن لله أصابع حقيقية والأصابع جوارح، وهذا معنى فاسد فيكون غير مراد.
فنقول على الوجه الأول: إن كون قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن حقيقة لا يلزم منه المباشرة والمماسة، ولا أن تكون أصابع الله داخل أجوافنا.
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] ؛ فإن السحاب لا يباشر السماء ولا الأرض ولا يماسهما.
ويقال: سترة المصلي بين يديه وليست مباشرة له ولا مماسة له.
فإذا كانت البينية لا تستلزم المباشرة والمماسة فيما بين المخلوقات فكيف بالبينية فيما بين المخلوق والخالق الذي وسع كرسيه السموات والأرض وهو بكل شيء محيط؟!
وقد دل السمع والعقل على أن الله تعالى بائن من خلقه، ولا يحل في شيء من خلقه، ولا يحل فيه شيء من خلقه، وأجمع السلف على ذلك.
ونقول على الوجه الثاني: إن ثبوت الأصابع الحقيقية لله تعالى لا يستلزم معنى فاسداً، وحينئذ يكون مراداً قطعاً، فإن لله تعالى أصابع حقيقية تليق بالله ، ولا تماثل أصابع المخلوقين.
وفي صحيح البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد!، إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله
стр. 68
صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] . هذا لفظ البخاري في تفسير سورة الزمر.
فأي معنى فاسد يلزم من ظاهر النص حتى يقال إنه غير مراد؟!
* ويشبه هذا الخطأ أن يجعل اللفظ نظيراً لما ليس مثله:
كما قيل في قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص: ٧٥] . إنه مثل قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] . فيكون المراد باليد نفس الفاعل في الآيتين.
وهذا غلط؛ فإن الفرق بينهما ثابت من وجوه ثلاثة:
الأول: من حيث الصيغة، فإن الله قال في الآية الأولى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص: ٧٥] وهي تخالف الصيغة في الآية الثانية، فإن الله قال فيها: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] ولو كانت الأولى نظيرة للثانية لكان لفظها: "لما خلقت يداي" فيضاف الخلق إليهما، كما أضيف العمل إليهما في الثانية.
الثاني: أن الله تعالى أضاف في الآية الفعل إلى نفسه معدى بالباء إلى اليدين، فكان سبحانه هو الخالق وكان خلقه بيديه. ألا ترى إلى قول القائل: كتبت بالقلم؟ فإن الكاتب هو فاعل الكتابة، ومدخول الباء - وهو القلم - حصلت به الكتابة.
وأما الآية الثانية: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] فأضاف الفعل فيها إلى الأيدي المضافة إليه، وإضافة الفعل إلى الأيدي كإضافته إلى النفس فكأنه قال: مما عملنا. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم﴾ [الشورى: ٣٠] . والمراد بما كسبتم؛ بدليل قوله في آية
стр. 69
أخرى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ [الزمر: ٥١] .
الوجه الثالث: أن الله تعالى أضاف الفعل في الآية الأولى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص: ٧٥] معدّى بالباء إلى يدين اثنتين، ولا يمكن أن يراد بهما نفسه لدلالة التثنية على عدد محصور باثنين، والرب – جل وعلا – إله واحد، فلا يمكن أن يذكر نفسه بصيغة التثنية لدلالة ذلك على صريح العدد وحصره، ولكنه تعالى يذكر نفسه تارة بصيغة الإفراد للتوحيد، وتارة يذكر نفسه بصيغة الجمع للتعظيم، وربما يدل الجمع على معاني أسمائه.
أما في الآية الثانية فأضاف الفعل إلى الأيدي المضافة إليه مجموعة للتعظيم، فصار المراد بها نفسه المقدسة جل وعلا.
وبهذا تبين الفرق بين قوله ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص: ٧٥] . وقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: ٧١] ، وأنها ليست نظيراً لها. وتبين أيضاً أن ظاهر النصوص في الصفات حق ثابت مراد لله تعالى على الوجه اللائق به، وأنه لا يستلزم نقصاً في حقه ولا تمثيلاً له بخلقه.
لكن؛ لو كنا نخاطب شخصاً لا يفهم من ظاهرها إلا ما يقتضي التمثيل فإننا نقول له: إن هذا الظاهر الذي فهمته غير مراد، ثم نبين له أن هذا ليس ظاهر النصوص؛ لأنه باطل لا يقتضيه السياق كما سبق بيانه.
стр. 70
القاعدة الرابعة: توهم بعض الناس في نصوص الصفات والمحاذير المترتبة على ذلك
* اعلم أن كثيراً من الناس يتوهم في بعض الصفات التي دلت عليها النصوص - أو كثير منها، أو أكثرها، أو كلها - أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم
стр. 71
يريد أن ينفي ذلك الوهم الذي توهمه؛ فيقع في أربعة محاذير:
الأول: أنه فهم من النصوص صفات تماثل صفات المخلوقين، وظن أن ذلك هو مدلول النص، وهذا فهم خاطئ؛ فإن الصفة التي دلت عليها النصوص تناسب موصوفها وتليق به.
وتمثيل الخالق بالمخلوق كفر وضلال؛ لأنه تكذيب لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] .
ولا يمكن أن يكون ظاهر النصوص الكفر والضلال؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] . وقوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] .
الثاني: أنه جنى على النصوص؛ حيث نفى ما تدل عليه من المعاني الإلهية، ثم أثبت لها معاني من عنده لا يدل عليها ظاهر اللفظ، فكان جانياً على النصوص من وجهين.
الثالث: أنه نفى ما دلت عليه النصوص من الصفات بغير علم فيكون بذلك قائلاً على الله ما لا يعلم، وهذا محرم بالنص والإجماع، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] .
الرابع: أنه إذا نفى عن الله ما تقتضيه النصوص من صفات الكمال لزم أن يكون الله سبحانه متصفاً بنقيضها من صفات النقص؛ وذلك لأنه ما من موجود إلا وهو متصف بصفة، ولا يمكن وجود ذات مجردة عن الصفات، فإذا انتفت صفة الكمال عنها، لزم اتصافها بصفات النقص.
стр. 72
وحينئذٍ؛ يكون من نفى عن الله تعالى ما تقتضيه النصوص من صفات الكمال متعدياً في حق الله تعالى، حيث جمع بين نفي صفات الكمال عنه، وتمثيله بالمنقوصات والمعدومات، بل قد يرتقي به الغلو في النفي إلى تمثيله بالممتنعات المستحيلات.
ويكون أيضاً جانياً على النصوص حيث عطلها عما دلت عليه من صفات الكمال لله تعالى، وأثبت لها معاني من عنده لا يدل عليها ظاهرها.
فيجمع بين النفي والتمثيل في صفات الله، وبين التحريف والتعطيل في نصوص الكتاب والسنة، ويكون ملحداً في أسماء الله وآياته، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [لأعراف: ١٨٠] . وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠] .
* مثال ذلك: أن الله تعالى أخبر عن نفسه أنه استوى على العرش فيتوهم واهم أنه كاستواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام، وأنه محتاج إلى العرش كحاجة الإنسان للأنعام والفلك، فلو عثرت الدابة لخر المستوي عليها، ولو انخرقت السفينة لغرق المستوي عليها، فقياس هذا أنه لو عدم العرش لسقط الرب - على قياسه الفاسد -, فينفي بذلك حقيقة الاستواء.
ومنشأ هذا الوهم الذي توهمه في استواء الله على عرشه ظنه أنه مثل استواء الإنسان على ظهور الأنعام والفلك، وهذا ظن فاسد؛ لأن الله تعالى أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة، لم يذكر استواء مطلقاً يصلح للمخلوق، ولا عاماً يتناول المخلوق، فتعين أن يكون استواءً خاصاً يليق به؛ كسائر صفاته
стр. 73
وأفعاله لا يماثل استواء المخلوقين، كما أن الله نفسه لا يماثل المخلوقين.
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] ؟ هل يتوهم أحد أن بناءه إياها كبناء المخلوق سقف البيت، بحيث يحتاج إلى زنبيل ومجارف وضرب لبن، وجبل طين ونحو ذلك، فإذا كان لا يحتاج إلى ذلك في هذا الفعل من أفعاله، لزم أن لا يكون محتاجاً إلى العرش في استوائه عليه، بل هو سبحانه الغني عن العرش وغيره.
فتجد هذا نفي حقيقة الاستواء الذي هو ظاهر النصوص وقع في تلك المحاذير الأربعة:
- فقد مثل ما فهمه من استواء الله على عرشه باستواء المخلوقين.
- وعطل النصوص عما دلت عليه من صفة الاستواء اللائق بالله، ثم حرفها إلى معان لا تدل عليها.
- وكان نفيه لذلك وتعطيله بلا علم، بل عن جهل وظن فاسد.
- ولزم من نفيه لصفة الكمال التي تضمنها الاستواء ثبوت صفة نقص بفوات هذا الكمال.
* مثال آخر: قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك:١٦] . فيتوهم واهم أن الله تعالى داخل السماء، وأن السماء تحيط به كما لو قلنا: فلان في الحجرة فإن الحجرة محيطة به، فينفي بناء على هذا الوهم كون الله تعالى في السماء ويقول: إن الذي في السماء ملكه وسلطانه ... ونحو ذلك.
ومنشأ هذا الوهم ظنه أن "في" التي للظرفية تكون بمعنى واحد في جميع مواردها، وهذا ظن فاسد؛ فإن "في" يختلق معناه بحسب متعلقها؛ فإنه يفرق
стр. 74
بين كون الشيء في المكان، وكون العرض في الجسم، وكون الوجه في المرآة، وكون الكلام في الورق المكتوب فيه، فلو قيل: هل العرش في السماء أو في الأرض؟ لقيل: في السماء؛ مع أن العرش أكبر من السماء كثيراً.
وعلى هذا فيخرج قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ على أحد وجهين:
إما أن تكون السماء بمعنى العلو، فإن السماء يراد بها العلو كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [النمل: ٦٠] . والمطر ينزل من السحاب المسخر بين السماء والأرض لا من السماء نفسها، فيكون معنى كونه تعالى في السماء أنه في العلو المطلق فوق جميع المخلوقات، وليس هناك ظرف وجودي يحيط به إذ ليس فوق العالم شيء سوى الله تعالى.
وإما أن تكون "في" بمعنى "على" كما جاءت بمعناها في مثل قوله تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٣٧] ؛ أي على الأرض، وقوله عن فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوع﴾ [طه: ٧١] ؛ أي على جذوع النخل، وعلى هذا فيكون معنى قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك: ١٦] ؛ أي على السماء أي فوقه، والله تعالى فوق السموات وفوق كل شيء.
فتجد هذا الذي نفى أن يكون الله في السماء حقيقة وقع في المحاذير الأربعة:
- فقد مثل ما فهمه من كون الله تعالى في السماء يكون المخلوق في الحجرة ونحو ذلك.
- وعطل النصوص عما دلت عليه من علو الله في السماء، ثم
стр. 75
حرفها إلى معان لا تدل عليها.
- وكان نفيه وتعطيله بلا علم، بل عن جهل وظن فاسد.
- ولزم من نفيه لصفة الكمال التي تضمنها كونه في السماء ثبوت صفة النقص؛ لأن نفيه لصفة العلو يستلزم أحد أمرين ولابد:
فإما أن يكون الله تعالى في كل مكان بذاته! والقول بهذا في غاية الضلال والكفر، لأنه يستلزم إما تعدد الخالق، وإما تبعضه، ويستلزم كذلك: أن يكون في محلات القذر والأذى التي يتنزه عنها كل ذي مروءة، فضلاً عن الخالق.
وإما أن يكون الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت، ولا متصلاً ولا منفصلاً، ولا مبايناً ولا محايثاً ... ونحو ذلك من العبارات المتضمنة للتعطيل المحض، وحقيقة هذا نفي وجود الخالق جل وعلا.