← Фикх общий

Фикх общий · id 11108

تلخيص أحكام الجنائز

ناصر الدين الألباني

Полный текст (90 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ابن عياض ﵁ ما معناه: الزم طرق الهدى ولا يضرك قلة السالكين وإياك وطرق الضلالة ولا تغتر بكثرة الهالكين. وقد روينا في سنن البيهقي ما يقتضي ما قلته يشير إلى قول قيس بن عباد. وأما ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بدمشق وغيرها من القراءة بالتمطيط وإخراج الكلام عن مواضعه فحرام بإجماع العلماء وقد أوضحت قبحه وغلظ تحريمه وفسق من تمكن من إنكاره فلم ينكره في كتاب آداب القراءة والله المستعان ٥٠ - ويجب الإسراع في السير بها سيرا دون الرمل لقوله ﷺ : "أسرعوا بالجنازة فإن تكن صالحة فخير تقدمونها عليه وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم". قلت: ظاهر الأمر الوجوب وبه قال ابن حزم ٥ / ١٥٤ - ١٥٥ ولم نجد دليلا يصرفه إلى الاستحباب فوقفنا عنده. وقال ابن القيم في زاد المعاد: وأما دبيب الناس اليوم خطوة خطوة فبدعة مكروهة مخالفة للسنة ومتضمنة للتشبه بأهل الكتاب: اليهود. ٥١ - ويجوز المشي أمامها وخلفها وعن يمينها ويسارها على أن يكون قريبا منها إلا الراكب فيسير خلفها لقوله ﷺ : "الراكب يسير خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبا منها الطفل يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة". ٥٢ - وكل من المشي أمامها وخلفها ثبت عن رسول الله ﷺ فعلا كما قال أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمام الجنازة وخلفها. ٥٣ - ولكن الأفضل المشي خلفها لأنه مقتضى قوله ﷺ : "واتبعوا الجنائز". وما في معناه. ويؤيده قول علي ﵁:

стр. 37

المشي خفها أفضل من المشي أمامها كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته فذا. ٥٤ - ويجوز الركوب بشرط أن يسير وراءها لقوله ﷺ في الحديث المتقدم: "الراكب يسير خلف الجنازة. . .". لكن الأفضل المشي لأنه المعهود عنه ﷺ ولم يرد أنه ركب معها بل قال ثوبان ﵁: إن رسول الله ﷺ أتي بدابة وهو مع الجنازة فأبى أن يركبها فلما أنصرف أتي بدابة فركب فقيل له؟ فقال: إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون فلما ذهبوا ركبت. ٥٥ - وأما الركوب بعد الانصراف عنها فجائز بدون كراهة لحديث ثوبان المذكور آنفا ومثله حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ على ابن الدحداح ونحن شهود وفي رواية: خرج على جنازة ابن الدحداح ماشيا ثم أتي بفرس عري فعقله رجل فركبه حين انصرف فجعل يتوقص به١ ونحن نتبعه نسعى خلفه وفي رواية: حوله قال: فقال رجل من القوم: إن النبي ﷺ قال: "كم من عذق معلق أو مدلى في الجنة لابن الدحداح". ٥٦ - وأما حمل الجنازة على عربة أو سيارة مخصصة للجنائز وتشييع المشيعين لها وهم في السيارات فهذه الصورة لا تشرع البتة وذلك لأمور: الأول: أنها من عادات الكفار وقد تقرر في الشريعة أنه لا يجوز تقليدهم فيها. وفي ذلك أحاديث كثيرة جدا كنت استوعبتها وخرجتها في كتابي حجاب المرأة المسلمة في الكتاب والسنة. بعضها في الأمر والحض على مخالفتهم في

стр. 38

عباداتهم وأزيائهم وعاداتهم وبعضها من فعله ﷺ في مخالفتهم في ذلك فمن شاء الاطلاع عليها فليرجع إليه. الثاني: أنها بدعة في عبادة مع معارضتها للسنة العملية في حمل الجنازة وكل ما كان كذلك من المحدثات فهو ضلالة اتفاقا. الثالث: أنها تفوت الغاية من حملها وتشييعها وهي تذكر الآخرة كما نص على ذلك رسول الله ﷺ في الحديث المتقدم في أول هذا الفصل بلفظ: ". . . واتبعوا الجنائز تذكركم الآخرة". أقول: إن تشييعها على تلك الصورة مما يفوت على الناس هذه الغاية الشريفة تفويتا كاملا أو دون ذلك فإنه مما لا يخفى على البصير أن حمل الميت على الأعناق ورؤية المشيعين لها وهي على رؤوسهم أبلغ في تحقيق التذكر والاتعاظ من تشييعها على الصورة المذكورة ولا أكون مبالغا إذا قلت: إن الذي حمل الأوربيين عليها إنما هو خوفهم من الموت وكل ما يذكر به بسبب تغلب المادة عليهم وكفرهم بالآخرة. الرابع: أنها سبب قوي لتقليل المشيعين لها والراغبين في الحصول على الأجر الذي سبق ذكره في المسألة ٤٦ من هذا الفصل ذلك لأنه لا يستطيع كل أحد أن يستأجر سيارة ليشيعها. الخامس: أن هذه الصورة لا تتفق من قريب ولا من بعيد مع ما عرف الشريعة المطهرة السمحة من البعد عن الشكليات والرسميات لا سيما في مثل هذا الأمر الخطير: الموت والحق أقول: إنه لو لم يكن في هذه البدعة إلا هذه المخالفة لكفى ذلك في ردها فكيف إذا انضم إليها ما سبق بيانه من المخالفات والمفاسد وغير ذلك مما لا أذكره. ٥٧ - والقيام لها منسوخ. وهو على نوعين: أ - قيام الجالس إذا مرت به.

стр. 39

ب - وقيام المشيع لها عند انتهائها إلى القبر حتى توضع على الأرض. والدليل على ذلك حديث علي ﵁: قام رسول الله ﷺ للجنازة فقمنا ثم جلس فجلسنا. وفي لفظ: كان يقوم في الجنائز ثم جلس بعد. وفي آخر: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالقيام في الجنازة ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس. ويستحب لمن حملها أن يتوضأ لقوله ﷺ : "من غسل ميتا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ".

стр. 40

١٣- الصلاة على الجنازة . ٥٨ - والصلاة على الميت المسلم فرض كفاية لأمره ﷺ بها في أحاديث أذكر منها حديث زيد بن خالد الجهني: صحيح أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ توفي يوم خيبر فذكروا ذلك لرسول الله فقال: "صلوا على صاحبكم" فتغيرت وجوه الناس لذلك قال: "إن صاحبكم غل في سبيل الله". ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز اليهود لا يساوي درهمين ٥٩ - ويستثنى من ذلك شخصان فلا تجب الصلاة عليهما: الأول: الطفل الذي لم يبلغ لأن النبي ﷺ لم يصل على ابنه إبراهيم ﵇ قالت عائشة ﵂: مات إبراهيم بن النبي ﷺ وهو ابن ثمانية عشر شهرا فلم يصل عليه رسول الله ﷺ . الثاني: الشهيد لأن النبي ﷺ لم يصل على شهداء أحد وغيرهم كما سبق. ولكن ذلك لا ينفي مشروعية الصلاة عليهما بدون وجوب كما يأتي في المسألة التالية: ٦٠ - وتشرع الصلاة على من يأتي ذكرهم: الأول: الطفل: ولو كان سقطا وهو الذي يسقط من بطن أمه قبل تمامه لقوله ﷺ في الحديث المتقدم المسألة ٥١: ٠٠٠٠والطفل وفي رواية: السقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة. والظاهر أن السقط إنما يصلى عليه إذا كان قد نفخت فيه الروح. وذلك إذا استكمل أربعة أشهر ثم مات فأما إذا سقط قبل ذلك فلا.

стр. 41

لأنه ليس بميت كما لا يخفى. وأصل ذلك حديث عبد اله بن مسعود ﵁ مرفوعا: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكا. . . ينفخ فيه الروح". الثاني: الشهيد وفيه أحاديث كثيرة أكتفي بذكر بعضها: ١ - حسن عن عبد الله بن الزبير: أن رسول الله ﷺ أمر يوم أحد بحمزة فسجي ببردة ثم صلى عليه فكبر تسع تكبيرات ثم أتي بالقتلى يصفون ويصلي عليهم وعليه معهم ٢ - عن عقبة بن عامر الجهني: أن النبي ﷺ خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت بعد ثمان سنين كالمودع للأحياء والأموات ثم انصرف إلى المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال: "إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم وإن موعدكم الحوض وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن وإن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم الدنيا أن تتنافسوا فيها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم". قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله ﷺ . الثالث: من قتل في حد من حدود الله لحديث عامر بن حصين: أن امرأة من جهينة أتت نبي الله ﷺ وهي حبلى من الزنا فقالت: يا نبي الله أصبت حدا فأقمه علي فدعا نبي الله ﷺ وليها فقال: "أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها. ففعل فأمر بها نبي الله ﷺ فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها فقال له عمر: تصلي

стр. 42

عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى؟ " الرابع: الفاجر المنبعث في المعاصي والمحارم مثل تارك الصلاة والزكاة مع اعترافه بوجوبهما والزاني ومدمن الخمر ونحوهم من الفساق فإنه يصلى عليهم إلا أنه ينبغي لأهل العلم والدين أن يدعوا الصلاة عليهم عقوبة وتأديبا لأمثالهم كما فعل النبي ﷺ . وفي ذلك أحاديث أذكر أحدها: عن أبي قتادة قال: كان رسول الله ﷺ إذا دعي لجنازة سأل عنها فإن أثني عليها خير قام فصلى عليها وإن أثني عليها غير ذلك قال لأهلها: "شأنكم بها ولم يصلي عليها". الخامس: المدين الذي لم يترك من المال ما يقضي به دينه فإنه يصلى عليه وإنما ترك رسول الله ﷺ الصلاة عليه في أول الأمر وفيه أحاديث: ١ - عن سلمة بن الأكوع قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ أتي بجنازة فقالوا: صل عليها فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا. قال: فهل ترك شيئا؟ قالوا: لا فصلى عليه. ثم أتي بجنازة أخرى فقالوا: يا رسول الله صل عليها قال: هل عليه دين؟ قيل: نعم قال: فهل ترك شيئا؟ قالوا: ثلاثة دنانير قال: فقال بأصابعه: ثلاث كيات فصلى عليها. ثم أتي بالثالثة فقالوا: صل عليه قال: هل ترك شيئا؟ قالوا: لا قال: هل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير قال: صلوا على صاحبكم. قال رجل من الأنصار يقال له أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعلي دينه. ٢ - عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين فيسأل: هل ترك من قضاء؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه وإلا فلا: قال: "صلوا على

стр. 43

صاحبكم". فلما فتح الله عليه الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم في الدنيا والآخرة اقرؤوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فمن توفي وعليه دين ولم يترك وفاء فعلي قضاؤه ومن ترك مالا فهو لورثته. السادس: من دفن قبل أن يصلى عليه أو صلى عليه بعضهم دون بعض فيصلون عليه وهو في قبره على أن يكون الإمام في الصورة الثانية ممن لم يكن صلى عليه. وفي ذلك أحاديث أجتزئ هنا بواحد منها: عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: صحيح مات رجل - وكان رسول الله ﷺ يعوده - فدفنوه بالليل فلما أصبح أعلموه فقال: ما منعكم أن تعلموني؟ قالوا: كان الليل وكانت الظلمة فكرهنا أن نشق عليك. فأتى قبره فصلى عليه قال: فأمنا وصفنا خلفه وأنا فيهم وكبر أربعا. السابع: من مات في بلد ليس فيها من يصلي عليه صلاة الحاضر فهذا يصلي عليه طائفة من المسلمين صلاة الغائب لصلاة النبي ﷺ على النجاشي. وقد رواها جماعة من أصحابه ﷺ يزيد بعضهم على بعض وقد جمعت أحاديثهم فيها ثم سقتها في سياق واحد تقريبا للفائدة والسياق لحديث أبي هريرة: إن رسول الله ﷺ نعى للناس وهو بالمدينة النجاشي أصحمة صاحب الحبشة في اليوم الذي مات فيه قال: إن أخا لكم قد مات وفي رواية: مات اليوم عبد لله صالح بغير أرضكم فقوموا فصلوا عليه. قالوا: من هو؟ قال: النجاشي وقال: استغفروا لأخيكم. قال: فخرج بهم إلى المصلى وفي رواية: البقيع ثم تقدم فصفوا خلفه صفين قال: فصففنا خلفه كما يصف على الميت وصلينا عليه كما يصلى على الميت وما نحسب الجنازة إلا موضوعة بين يديه قال: فأمنا وصلى عليه وكبر عليه أربع تكبيرات فقيل: يا رسول الله تصلي على

стр. 44

عبد حبشي؟ فأنزل الله :؟ وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله. . .؟ الآية قال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد ١ / ٢٠٥ / ٢٠٦: ولم يكن من هديه ﷺ وسنته الصلاة على كل ميت غائب فقد مات خلق كثير من المسلمين وهم غيب فلم يصل عليهم وصح أنه صلى على النجاشي صلاته على الميت. ومما يؤيد عدم مشروعية الصلاة على كل غائب أنه لما مات الخلفاء الراشدون وغيرهم لم يصل أحد من المسلمين عليهم صلاة الغائب ولو فعلوا لتواتر النقل بذلك عنهم. فقابل هذا بما عليه كثير من المسلمين اليوم من الصلاة على كل غائب لا سيما إذا كان له ذكر أو صيت ولو من الناحية السياسية فقط ولا يعرف بصلاح أو خدمة للإسلام ولو كان مات في الحرم المكي وصلى عليه الآلاف المؤلفة في موسم الحج صلاة الحاضر قابل ما ذكرنا بمثل هذه الصلاة تعلم يقينا أن ذلك من البدع التي لا يمتري فيها عالم بسنته ﷺ ومذهب السلف ﵃. ٦١ - وتحرم الصلاة والاستغفار والترحم على الكفار والمنافقين١ لقول الله ﵎: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ . ولحديث علي ﵁ قال: سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهم مشركان فقلت: تستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: أليس قد استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك؟ قال: فذكرت ذلك

стр. 45

للنبي ﷺ فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ . قال النووي رحمه الله تعالى في المجموع ٥ / ١٤٤، ٢٥٨: الصلاة على الكافر والدعاء له بالمغفرة حرام بنص القرآن والإجماع. قلت: ومن ذلك تعلم خطأ بعض المسلمين اليوم في الترحم والترضي على بعض الكفار ويكثر ذلك من بعض أصحاب الجرائد والمجلات ولقد سمعت أحد رؤساء العرب المعروفين بالتدين يترحم على ستالين الشيوعي الذي هو ومذهبه من أشد وألد الأعداء على الدين وذلك في كلمة ألقاها لرئيس المشار إليه بمناسبة وفاة المذكور أذيعت بالراديو ولا عجب من هذا فقد يخفى عليه مثل هذا الحكم ولكن العجب من بعض الدعاة المسلمين أن يقع في مثل ذلك حيث قال في رسالة له: رحم الله برناردشو. . وأخبرني بعض الثقات عن أحد المشايخ أنه كان يصلي على من مات من الإسماعيلية مع اعتقاده أنهم غير مسلمين. لأنهم لا يرون الصلاة ولا الحج ويعبدون البشر ومع ذلك كان يصلي عليهم نفاقا ومداهنة لهم. فإلى الله المشتكى وهو المستعان. ٦٢ - وتجب الجماعة في صلاة الجنازة كما تجب في الصلوات المكتوبة بدليلين: الأول: مداومة النبي ﷺ عليها: الآخر: قوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي". ولا يعكر على ما ذكرنا صلاة الصحابة على النبي ﷺ فرادى لم يؤمهم أحد لأنها قضية خاصة لا يدرى وجهها فلا يجوز من أجلها أن نترك ما واظب عليه.

стр. 46

صلى الله عليه وسلم طيلة حياته المباركة لا سيما والقضية المذكورة لم ترد بإسناد صحيح تقوم به الحجة وإن كانت رويت من طرق يقوي بعضها بعضا فإن أمكن الجمع بينها وبين ما ذكرنا من هديه ﷺ في التجميع في الجنازة فبها وإلا فهديه هو المقدم لأنه أثبت وأهدى. فإن صلوا عليها فرادى سقط الفرض وأثموا بترك الجماعة والله أعلم. قال النووي في المجموع ٥ / ٣١٤: تجوز صلاة الجنازة فرادى بلا خلاف والسنة أن تصلى جماعة للأحاديث المشهورة في الصحيح في ذلك مع إجماع المسلمين. ٦٣ - وأقل ما ورد في انعقاد الجماعة فيها ثلاثة ففي حديث عبد الله بن أبي طلحة: أن طلحة دعا رسول الله ﷺ إلى عمير بن أبي طلحة حين توفي فأتاه رسول الله ﷺ فصلى عليه في منزلهم فتقدم رسول الله ﷺ وكان أبو طلحة وراءه وأم سليم وراء أبي طلحة ولم يكن معهم غيرهم. ٦٤ - وكلما كثر الجمع كان أفضل للميت وأنفع لقوله ﷺ : "ما من ميت تصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه". وفي حديث آخر: "غفر له". وقد يغفر للميت ولو كان العدد أقل من مائة إذا كانوا مسلمين لم يخالط توحيدهم شيء من الشرك لقوله ﷺ : "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه". ٦٥ - ويستحب أن يصفوا وراء الإمام ثلاثة صفوف فصاعدا لحديثين رويا في ذلك تتقوى المسألة بمجموعهما فراجعهما في الأصل.

стр. 47

٦٦ - وإذا لم يوجد مع الإمام غير رجل واحد فإنه لا يقف حذاءه كما هو السنة في سائر الصلوات بل يقف خلف الإمام للحديث المتقدم في المسألة ٦٣. ٦٧ - والوالي أو نائبه أحق بالإمامة فيها من الولي لحديث أبي حازم قال: إني لشاهد يوم مات الحسن بن علي فرأيت الحسين بن علي يقول لسعيد ابن العاص ويطعن في عنقه ويقول: تقدم فلولا أنها سنة ما قدمتك وسعيد أمير على المدينة يومئذ وكان بينهم شيء. ٦٨ - فإن لم يحضر الوالي أو نائبه فالأحق بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله ثم على الترتيب الذي ورد ذكره في قوله ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدهم سلما ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلى إلا بإذنه". ويؤمهم الأقرأ ولو كان غلاما لم يبلغ الحلم لحديث عمرو بن سلمة: أنهم يعني قومه وفدوا على النبي ﷺ فلما أرادوا أن ينصرفوا قالوا: يا رسول الله من يؤمنا؟ قال: أكثركم جمعا للقرآن أو أخذا للقرآن فلم يكن أحد من القوم جمع ما جمعت فقدموني وأنا غلام وعلي شملة لي. قال: فما شهدت مجمعا من جرم إلا كنت إمامهم وكنت أصلي على جنائزهم إلى يومنا هذا. ٦٩ - وإذا اجتمعت جنائز عديدة من الرجال والنساء صلي عليها صلاة واحدة وجعلت الذكور - ولو كانوا صغارا - مما يلي الإمام وجنائز الإناث مما يلي القبلة فإنه السنة كما قال نافع عن ابن عمر: أنه صلى١ على تسع جنائز جميعا فجعل الرجال يلون الإمام والنساء يلين القبلة فصفهن صفا واحدا ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي امرأة عمر بن

стр. 48

الخطاب وابن لها يقال له: زيد وضعا جميعا والإمام يومئذ سعيد بن العاص وفي الناس ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة فوضع الغلام مما يلي الإمام فقال رجل: فأنكرت ذلك فنظرت إلى ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد وأبي قتادة فقلت: ما هذا؟ قالوا: هي السنة. ٧٠ - ويجوز أن يصلي على كل واحدة من الجنائز صلاة لأنه الأصل ولأن النبي ﷺ فعل ذلك في شهداء أحد كما تقدم في المسألة ٦٠ / ١. ٧١ - وتجوز الصلاة على الجنازة في المسجد لحديث عائشة ﵂ قالت: صحيح لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي ﷺ أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه ففعلوا فوقف به على حجرهن يصلين عليه أخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد. فبلغهن أن الناس عابوا ذلك وقالوا هذه بدعة ما كانت الجنائز يدخل بها إلى المسجد فبلغ ذلك عائشة فقالت: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد والله ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء وأخيه إلا في جوف المسجد. ٧٢ - لكن الأفضل الصلاة عليها خارج المسجد في مكان معد للصلاة على الجنائز كما كان الأمر على عهد النبي ﷺ وهو الغالب على هديه فيها وفي ذلك أحاديث مذكورة في الأصل منها صلاته ﷺ على النجاشي في المصلى قرب البقيع كما تقدم في المسألة ٦٠ / ٧. ومنها حديث: أن اليهود جاؤوا إلى النبي ﷺ برجل منهم وامرأة زنيا فأمر بهما فرجما قريبا من موضع الجنائز عند المسجد.

стр. 49

قال الحافظ في الفتح: إن مصلى الجنائز كان لاصقا بمسجد النبي ﷺ من ناحية جهة المشرق. وقال في موضع آخر ١٢ - ١٠٨: والمصلى الذي كان يصلى عنده العيد والجنائز هو من ناحية بقيع الغرقد. ٧٣ - ولا تجوز الصلاة عليها بين القبور لحديث أنس بن مالك ﵁: أن النبي ﷺ نهى أن يصلى على الجنائز بين القبور. وعنه أيضا: "كان يكره أن يبنى مسجد بين القبور". ويشهد للحديث ما تواتر عن النبي ﷺ من النهي عن اتخاذ القبور مساجد وقد ذكرت ما ورد ي ذلك في أول كتابي تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد وسأذكر بعضها في المسألة ١٢٦ فقرة ٩. ٧٤ - ويقف الإمام وراء رأس الرجل ووسط المرأة وفيه حديثان أجمعهما حديث أبي غالب الخياط قال: صحيح شهدت أنس بن مالك صلى على جنازة رجل فقام عند رأسه وفي رواية رأس السرير فلما رفع أتي بجنازة امرأة من قريش أو من الأنصار فقيل له: يا أبا حمزة هذه جنازة فلانة ابنة فلان فصل عليها فصلى عليها فقام وسطها وفي رواية عند عجيزتها وعليها نعش أخضر وفينا العلاء بن زياد العدوي١ فلما رأى اختلاف قيامه على الرجل والمرأة قال: يا أبا حمزة هكذا كان رسول الله ﷺ يقوم حيث قمت ومن المرأة حيث قمت؟ قال: نعم قال: فالتفت إلينا العلاء فقال: احفظوا.

стр. 50

صفة صلاة الجنازة . ٧٥ - ويكبر عليها أربعا أو خمسا إلى تسع تكبيرات كل ذلك ثبت عن النبي ﷺ فأيها فعل أجزأه والأولى التنويع فيفعل هذا تارة وهذا تارة كما هو الشأن في أمثاله كأدعية الاستفتاح وصيغ التشهد والصلوات الإبراهيمية ونحوهما وإن كان لا بد من التزام نوع واحد منها فهو الأربع لأن الأحاديث فيها أقوى وأكثر والمقتدي يكبر ما كبر الإمام. وبيان ذلك في الأصل. ٧٦ - ويشرع له أن يرفع يديه في التكبيرة الأولى وفيه حديثان يقوي أحدهما الآخر مع اتفاق العلماء عليه. ٧٧ - ثم يضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد ثم يشتد بهما على صدره وفي ذلك أحاديث معروفة ترى بعضهما في الأصل. وأما الوضع تحت السرة فضعيف اتفاقا كما قال النووي والزيلعي وغيرهما. ٧٨ - ثم يقرأ عقب التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب وسورة لحديث طلحة بن عبد الله بن عوف قال: صحيح صليت خلف ابن عباس ﵁ على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر حتى أسمعنا فلما فرغ أخذت بيده فسألته؟ فقال: إنما جهرت لتعلموا أنها سنة وحق ٧٩ - ويقرأ سرا لحديث أبي أمامة بن سهل قال: صحيح السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة ثم يكبر ثلاثا والتسليم عند الآخرة. ٨٠ - ثم يكبر التكبيرة الثانية ويصلي على النبي ﷺ لحديث أبي أمامة المذكور أنه أخبره رجل من أصحاب النبي ﷺ : أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد

стр. 51

التكبيرة الأولى سرا في نفسه ثم يصلي على النبي ﷺ ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات الثلاث لا يقرأ في شيء منهن١ ثم يسلم سرا في نفسه حين ينصرف عن يمينه والسنة أن يفعل من ورائه مثلما فعل إمامه. وأما صيغة الصلاة على النبي ﷺ في الجنازة فلم أقف عليها في شيء من الأحاديث الصحيحة فالظاهر أن الجنازة ليس لها صيغة خاصة بل يؤتى فيها بصيغة من الصيغ الثابتة في التشهد في المكتوبة٢. ٨١ - ثم يأتي ببقية التكبيرات ويخلص الدعاء فيها للميت لحديث أبي أمامه المتقدمة آنفا وقوله ﷺ : "إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء" ٣. ٨٢ - ويدعو فيها بما ثبت عنه ﷺ من الأدعية وقد وقفت منها على أربعة: الأول: اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء الثلج والبرد ونقه من خطاياه كما نقيت وفي رواية كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا وفي رواية: زوجة خيرا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار.

стр. 52

الثاني: اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا. اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده. الثالث: اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك وحبل جوارك فقه فتنة القبر وعذاب النار وأنت أهل الوفاء والحق فاغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم. الرابع: اللهم عبدك وابن أمتك احتاج إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه إن كان محسنا فزد في حسناته وإن كان مسيئا فتجاوز عنه. ثم يدعوا ما شاء الله أن يدعو. ٨٣ - والدعاء بين التكبيرة الأخيرة والتسليم مشروع لحديث أبي يعفور عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: شهدته وكبر على جنازة أربعا ثم قام ساعة - يعني - يدعو ثم قال: أتروني كنت أكبر خمسا؟ قالوا: لا. قال: إن رسول الله ﷺ : كان يكبر أربعا. ٨٤ - ثم يسلم تسليمتين مثل تسليمه في الصلاة المكتوبة إحداها عن يمينه والأخرى عن يساره لحديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ثلاث خلال كان رسول الله ﷺ يفعلهن تركهن الناس إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة. وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن ابن مسعود أن النبي ﷺ كان يسلم تسلمتين في الصلاة. فهذا يبين أن المراد بقوله في الحديث الأول مثل التسليم في الصلاة أي التسليمتين المعهودتين.

стр. 53

٨٥ - ويجوز الاقتصار على التلسيمة الأولى فقط لحديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة فكبر عليها أربعا وسلم تسليمة واحدة. ٨٦ - والسنة أن يسلم في الجنازة سرا الإمام ومن وراءه في ذلك سواء لحديث أبي أمامة المتقدم في المسألة ٨٠ بلفظ: ثم يسلم سرا في نفسه حين ينصرف والسنة أن يفعل من وراءه مثلما فعل إمامه. ٨٧ - ولا تجوز الصلاة على الجنازة في الأوقات الثلاثة التي تحرم الصلاة فيها إلا لضرورة لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب. وهو بعمومه يشمل الصلاة على الجنازة وهو الذي فهمه الصحابة كما شرحته في الأصل.

стр. 54

١٤ - الدفن وتوابعه . ٨٨ - ويجب دفن الميت ولو كان كافرا وفي ذلك حديثان: الأول: عن جماعة من أصحاب النبي ﷺ منهم أبو طلحة الأنصاري والسياق له: أن رسول الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش فجروا بأرجلهم فقذفوا في طوى١ من أطواء بدر خبيث مخبث بعضهم على بعض إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها فذهبوا يحركووه فتزايل٢ فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة. . . الحديث. الثاني: عن علي ﵁ قال: لما توفي أبو طالب أتيت النبي ﷺ فقلت: إن عمك الشيخ الضال قد مات فمن يواريه؟ قال: اذهب فواره ثم لا تحدث شيئا حتى تأتيني فقال: إنه مات مشركا فقال اذهب فواره قال: فواريته ثم أتيته قال: اذهب فاغتسل ثم لا تحدث شيئا حتى تأتيني قال: فاغتسلت ثم أتيته قال: فدعا لي بدعوات ما يسرني أن لي بها حمر النعم وسودها. قال: وكان علي إذا غسل الميت اغتسل. ٨٩ - ولا يدفن مسلم مع كافر ولا كافر مع مسلم بل يدفن المسلم في مقابر المسلمين والكافر مقابر المشركين. كذلك كان الأمر على عهد النبي ﷺ واستمر إلى عصرنا هذا ومن الأدلة على ذلك حديث بشير بن الخصاصية قال: بينما أماشي رسول الله ﷺ آخذا بيده فقال: يا ابن الخصاصية ما

стр. 55

أصبحت تنقم على الله١؟ أصبحت تماشي رسول الله قال: أحسبه قال: آخذا بيده فقلت يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما أصبحت أنقم على الله شيئا كل خير فعل بي الله فأتى على قبور المشركين فقال: لقد سبق هؤلاء بخير كثير وفي رواية: خيرا كثيرا ثلاث مرات ثم أتى على قبور المسلمين فقال: لقد أدرك هؤلاء خيرا كثيرا ثلاث مرات. فبينما هو يمشي إذ حانت منه نظرة فإذا هو برجل يمشي بين القبور عليه نعلان فقال: يا صاحب السبتيتين ويحك ألقي سبتيتيك فنظر فلما عرف الرجل رسول الله ﷺ خلع نعليه فرما بهما. وإن مما يؤكد ذلك تفريق الشارع الحكيم بين ما يقوله المؤمن إذا زار قبور المسلمين وما يقوله إذا مر بمقابر الكافرين كما يأتي بيانه قريبا في زيارة القبور. ٩٠ - والسنة الدفن في المقبرة لأن النبي ﷺ كان يدفن الموتى في مقبرة البقيع كما تواترت الأخبار بذلك وتقدم بعضها في مناسبات شتى أقربها حديث ابن الخصاصية الذي سقته في المسألة السابقة. ولم ينقل عن أحد من السلف أنه دفن في غير المقبرة إلا ما تواتر أيضا أن النبي ﷺ دفن في حجرته وذلك من خصوصياته ﵊ كما دل عليه حديث عائشة ﵂: قالت: لما قبض رسول الله ﷺ اختلفوا في دفنه فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله ﷺ شيئا ما نسيته قال: ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه فدفنوه في موضع فراشه.

стр. 56

٩١ - ويستثنى مما سبق من مات من الشهداء في المعركة فإنهم يدفنون في مواطن استشهادهم ولا ينقلون إلى المقابر لحديث جابر ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ من المدينة إلى المشركين ليقاتلهم وقال أبي عبد الله: يا جابر بن عبد الله لا عليك أن تكون في نظاري أهل المدينة حتى تعلم إلى ما يصير أمرنا فإني والله لولا أني أترك بنات لي بعدي لأحببت أن تقتل بين يدي قال: فبينما أنا في النظارين إذ جاءت عمتي بأبي وخالي عادلتهما على ناضح فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا - إذ لحق رجل ينادي: ألا إن رسول الله ﷺ يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت فرجعنا بهما فدفناهما حيث قتلا. ٩٢ - ولا يجوز الدفن في الأحوال الآتية إلا لضرورة: أ - الدفن في الأوقات الثلاثة لحديث عقبة بن عامر المتقدم في المسألة ٨٧ بلفظ: ثلاث ساعات كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا. . الحديث. ب - في الليل لحديث جابر ﵁: ". . . فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه"١ إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك". وقد سبق بتمامه في المسألة ٣٥. ٩٣ - فإن اضطروا لدفنه ليلا جاز ولو مع استعمال المصباح والنزول به في القبر لتسهيل عملية الدفن والدليل حديث ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ أدخل رجلا قبره ليلا وأسرج في قبره".

стр. 57

٩٤ - ويجب إعماق القبر وتوسيعه وتحسينه وفيه حديثان: الأول: عن هشام بن عامر قال: لما كان يوم أحد أصيب من أصيب من المسلمين وأصاب الناس جراحات فقلنا: يا رسول الله الحفر علينا لكل إنسان شديد فكيف تأمرنا فقال: "احفروا وأوسعوا وأعمقوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في القبر وقدموا أكثرهم قرآنا. قال: فكان أبي ثالث ثلاثة وكان أكثرهم قرآنا فقدم". الثاني: عن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار وأنا غلام مع أبي فجلس رسول الله ﷺ على حفيرة القبر فجعل يوصي وفي رواية يومئ إلى الحافر ويقول: أوسع من قبل الرأس وأوسع من قبل الرجلين لرب عذق له في الجنة١. ٩٥ - ويجوز في القبر اللحد٢ والشق لجريان العمل عليهما في عهد النبي ﷺ ولكن الأول أفضل وفي ذلك أحاديث أذكر اثنين منها: الأول: عن أنس بن مالك قال: لما توفي النبي ﷺ كان بالمدينة رجل يلحد وآخر يضرح فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما فأيهما سبق تركناه فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا للنبي ﷺ .

стр. 58

الثاني: عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "اللحد لنا والشق لغيرنا". ٩٦ - ولا بأس من أن يدفن فيه اثنان أو أكثر عند الضرورة ويقدم أفضلهم وفيه أحاديث تقدم منها حديث أنس في المسألة ٣٧ وحديث هشام بن عامر في المسألة ١٠٠. ٩٧ - ويتولى إنزال الميت ولو كان أنثى الرجال دون النساء لأمور: الأول: أنه المعهود في عهد النبي ﷺ وجرى عليه عمل المسلمين حتى اليوم ويأتي فيه حديث أنس في المسألة ٩٩. الثاني: أن الرجال أقوى على ذلك. الثالث: لو تولته النساء أفضى ذلك إلى انكشاف شيء من أبدانهن أمام الأجانب وهو غير جائز. ٩٨ - وأولياء الميت أحق بإنزاله لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ١ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ . ولحديث علي ﵁ قال: صحيح غسلت رسول الله ﷺ فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أر شيئا وكان طيبا حيا وميتا وولي دفنه وإجنانه دون الناس أربعة: علي والعباس والفضل وصالح مولى رسول الله ﷺ ولحد لرسول الله لحدا ونصب عليه اللبن نصبا. وعن عبد الرحمن بن أبزى قال: صليت مع عمر بن الخطاب على زينب بنت جحش في المدينة فكبر أربعا ثم أرسل إلى أزواج النبي ﷺ : من يأمرن أن يدخلها القبر؟ قال: وكان يعجبه أن يكون هو الذي يلي ذلك فأرسلن إليه: انظر من كان يراها في حال حياتها فليكن هو الذي يدخلها القبر. فقال عمر: صدقتن.

стр. 59

٩٩ - ويجوز للزوج أن يتولى بنفسه دفن زوجته لحديث عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ في اليوم التالي الذي بدئ فيه فقلت: وارأساه فقال: وددت أن ذلك كان وأنا حي فهيأتك ودفنتك. قالت: فقلت: غيرى: كأني بك في ذلك اليوم عروسا ببعض نسائك قال: وأنا وارأساه ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب لأبي بكر كتابا فإني أخاف أن يقول قائل ويتمنى متمن: أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر. ١٠٠ - لكن ذلك مشروط بما إذا كان لم يطأ تلك الليلة وإلا م يشرع له دفنها وكان غيره هو الأولى بدفنها ولو أجنبيا بالشرط المذكور لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: شهدنا ابنة لرسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ جالس على القبر فرأيت عينيه تدمعان. ثم قال: هل منكم من رجل لم يقارف الليلة أهله؟ فقال أبو طلحة: نعم: أنا يا رسول الله قال: فانزل. قال: فنزل في قبرها فقبرها١. ١٠١ - والسنة إدخال الميت مؤخر القبر لحديث أبي إسحاق قال: أوصى الحارث أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد فصلى عليه ثم أدخله القبر من قبل رجلي القبر وقال: هذا من السنة. وعن ابن سيرين قال: كنت مع أنس في جنازة فأمر بالميت فسل من قبل رجل القبر.

стр. 60

١٠٢ - ويجعل الميت في قبره على جنبه اليمين ووجه قبالة القبلة ورأسه ورجلاه إلى يمين القبلة ويسارها على هذا جرى عمل أهل الإسلام من عهد رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا وهكذا كل مقبرة على ظهر الأرض. كذا في المحلى ٥ / ١٧٣ وغيره. ١٠٣ - ويقول الذي يضعه في لحده: بسم الله وعلى سنة رسول الله أو: ملة رسول الله ﷺ . أو يقول: بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ﷺ . أمر بذلك كله ﷺ . ١٠٤ - ويستحب لمن عند القبر أن يحثو من التراب ثلاث حثوات بيديه جميعا بعد الفراغ من سد اللحد لحديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ صلى على جنازة ثم أتي بالميت فحثا عليه من قبل رأسه ثلاثا. ١٠٥ - ويسن بعد الفراغ من دفنه أمور: الأول: أن يرفع القبر عن الأرض قليلا نحو شبر ولا يسوى بالأرض ليتميز فيصان ولا يهان لحديث جابر ﵁: أن النبي ﷺ ألحد له لحد ونصب عليه اللبن نصبا ورفع قبره من الأرض نحوا من شبر الثاني: أن يجعل مسنما لحديث سفيان التمار قال: رأيت قبر النبي ﷺ وقبر أبي بكر وعمر مسنما الثالث: أن يعلمه بحجر أو نحوه ليدفن إليه من يموت من أهله لحديث المطلب بن أبي وداعة ﵁ قال: لما مات عثمان بن مظعن أخرج بجنازته فدفن أمر النبي ﷺ رجلا أن

стр. 61

يأتيه بحجر فلم يستطع حمله فقام إليها رسول الله ﷺ وحسر عن ذراعيه قال المطلب: قال الذي يخبرني عن رسول الله ﷺ : كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله ﷺ حين حسر عنهما ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال: أتعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي. الرابع: أن لا يلقن الميت التلقين المعروف اليوم لأن الحديث الوارد فيه لا يصح بل يقف على القبر يدعو له بالتثبيت ويستغفر له ويأمر الحاضرين بذلك لحديث عثمان بن عفان ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: "استغفروا لأخيكم وسلو له التثبيت فإنه الآن يسأل". ١٠٦ - ويجوز الجلوس عنده أثناء الدفن بقصد تذكير الحاضرين بالموت وما بعده لحديث البراء بن عازب لا بأس من ذكره على طوله لما فيه من الرغبة والرهبة والموعظة قال: خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله ﷺ مستقبل القبلة وجلسنا حوله وكأن على رءوسنا الطير وفي يده عود ينكت في الأرض فجعل ينظر إلى الأرض وجعل يرفع بصره ويخفضه ثلاثا فقال استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثا ثم قال اللهم إني أعوذ من عذاب القبر ثلاثا ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت ﵇ حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة وفي رواية المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها وفي رواية حتى إذا خرج روحه صلى عليه

стр. 62

كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء وفتحت له أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله أن يعرج بروحه من قبلهم فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط فذلك قوله تعالى: توفته رسلنا وهم لا يفرطون ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض قال فيصعدون بها فلا يمرون يعني بها على ملإ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيب فيقولون فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح لهم فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهى به إلى السماء السابعة فيقول الله اكتبوا كتاب عبدي في عليين وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون فيكتب كتابه في علييين ثم قال: أعيدوه إلى الأرض فإني وعتهم إني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى قال فيرد إلى الأرض وتعاد روحه في جسده قال فإنه يسمع خفق نعال أصحابه إذا ولا عنه مدبرين فيأتيه ملكان شديدا الانتهار فينتهرانه ويجلسانه. فيقولان له: من ربك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت فينتهره فيقول: من ربك؟ ما دينك؟ ما نبيك؟ وهي آخر فتنة تعرض على المؤمن فذلك حين يقول الله : ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فيقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد ﷺ فينادي مناد في السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من

стр. 63

الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة قال فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره. قال: وفي رواية يمثل له رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر بالذي يسرك أبشر برضوان من الله وجنات فيها نعيم مقيم هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له: وأنت فبشرك الله بخير من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير فيقول أنا عملك الصالح فوالله ما علمتك إلا كنت سريعا في طاعة الله بطيئا في معصية الله فجزاك الله خيرا ثم يفتح له باب من الجنة وباب من النار فيقال هذا منزلك لو عصيت الله أبدلك الله به هذا فإذا رأى ما في الجنة فيقول: رب عجل قيام الساعة كيما أرجع إلى أهلي ومالي فيقال له: اسكن قال: وإن العبد الكافر وفي رواية: الفاجر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكة غلاظ شداد سود الوجوه معهم المسوح١ من النار فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب قال فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود الكثير الشعب من الصوف المبلول فتقطع معها العروق والعصب فيلعنه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء وتغلق أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله ألا تعرج روحه من قبلهم فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملإ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان بن فلان - بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهى به إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له ثم قرأ رسول الله

стр. 64

صلى الله عليه وسلم: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ ١ فيقول الله : اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى ثم يقال: أعيدوا عبدي إلى الأرض فغني وعدتهم أني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى فتطرح روحه من السماء طرحا حتى تقع في جسده ثم قرأ ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ فتعاد روحه في جسده قال: فإنه ليسمع خفق نعال أصحابه إذا ولو عنه. ويأتيه ملكان شديدا الانتهار فينتهرانه ويجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه٢ لا أدري فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري فيقولان له: فما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فلا يهتدي لاسمه فيقال: محمد فيقول: هاه هاه لا أدري سمعت الناس يقولون ذاك قال: فيقال: لا دريت ولا تلوت فينادي مناد من السماء أن كذب فافرشوا له من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ويأتيه وفي رواية: ويمثل له رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول: أبشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول: وأنت فبشرك لله بالشر من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشر فيقول: أنا عملك الخبيث فوالله ما علمت إلا كنت بطيئا عن طاعة الله سريعا إلى معصية الله فجزآك الله شرا ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة لو ضرب بها جبل كان ترابا فيضربه ضربة حتى يصير ترابا ثم يعيده الله كما كان فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعه كل شيء

стр. 65

إلا الثقلين ثم يفتح له باب من النار ويمهد من فرش النار فيقول: رب لا تقم الساعة. ١٠٧ - ويجوز إخراج الميت من القبر لغرض صحيح كما لو دفن قبل غسله وتكفينه ونحو ذلك لحديث جابر بن عبد الله قال: صحيح أتى رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي بعد ما أدخل حفرته فأمر به فأخرج فوضعه على ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصه. قال جابر: وصلى عليه فالله أعلم١ وكان كسا عباسا قميصا. ١٠٨ - ولا يستحب للرجل أن يحفر قبره قبل أن يموت فإن النبي ﷺ لم يفعل ذلك وهو ولا أصحابه والعبد لا يدري أين يموت وإذا كان مقصود الرجل الاستعداد للموت فهذا يكون من العمل الصالح. كذا في الاختيارات العلمية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى

стр. 66

١٥- التعزية . ١٠٩- وتشرع تعزية أهل الميت١ وفيه حديثان: الأول: عن قرة المزني ﵁ قال: صحيح كان نبي الله ﷺ إذا جلس يجلس إليه نفر من أصحابه وفيهم رجل له ابن صغير يأتيه من خلف ظهره فيقعده بين يديه فقال له النبي ﷺ : تحبه فقال: يا رسول الله أحبك كما أحبه فهلك فامتنع الرجل أن يحضر الحلقة لذكر ابنه فحزن عليه ففقده النبي ﷺ فقال: ما لي لا أرى فلانا؟ فقالوا: يا رسول الله بنيه الذي رأيته هلك فلقيه النبي ﷺ فسأله عن بنيه؟ فأخبره بأنه هلك فعزاه عليه ثم قال: يا فلان أيما كان أحب إليك: أن تمتع به عمرك أولا تأتي غدا إلى باب من أبواب الجنة إلا وجدته قد سبقك إليه يفتحه لك؟ قال: يا نبي الله بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها إلي لهو أحب إلي قال: فذاك لك. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله جعلني الله فداءك أله خاصة أو لكلنا؟ قال: "بل لكلكم". الثاني: عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من عزى أخاه المؤمن في مصيبته كساه الله حلة خضراء يحبر بها يوم القيامة" قيل: يا رسول الله ما يحبر؟ قال: "يغبط".

стр. 67

١١٠ - ويعزيهم بما يظن أنه يسليهم ويكف من حزنهم ويحملهم على الرضا والصبر مما ثبت عنه ﷺ إن كان يعلمه ويستحضره وإلا فبما تيسر له من الكلام الحسن الذي يحقق الغرض ولا يخاف الشرع كقولهم أعطاك عمره وفي ذلك أحاديث: الأول: عن أسامة بن زيد قال: أرسلت إلى رسول الله ﷺ بعض بناته: أن صبيا لها ابنا أو ابنة وفي رواية أميمة بنت زينب١ قد احتضرت فاشهدنا قال: فأرسل إليها يقرؤها السلام ويقول: إن لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده إلى أجل مسمى فلتصبر ولتحتسب. . الحديث. قلت: وهذه الصغية من التعزية وإن وردت فيمن شارف الموت فالتعزية بها فيمن قد مات أولى بدلالة النص ولهذا قال النووي في الأذكار وغيره: وهذا الحديث أحسن ما يعزى به الثاني: قوله ﷺ للمرأة الأنصارية يعزيها بولدها: "أما إنه بلغني أنك جزعت على ابنك فأمرها بتقوى الله وبالصبر". فقالت: يا رسول الله ما لي لا أجزع ووإني امرأة رقوب لا ألد ولم يكن لي غيره؟ فقال رسول الله ﷺ : "الرقوب: الذي يبقى ولدها" ثم قال: "ما من امرئ أو امرأة مسلمة يموت لها ثلاثة أولاد يحتسبهم إلا أدخله الله بهم الجنة". فقال عمر وهو عن يمين النبي ﷺ : بأبي أنت وأمي واثنين؟ قال: واثنين.

стр. 68

الثالث: قوله ﷺ حينما دخل على أم سلمة ﵂ عقب موت أبي سلمة: "اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وافسح له في قبره ونور له فيه". وقد مضى بتمامه في المسألة ١٧. الرابع: قوله ﷺ في تعزيته عبد الله بن جعفر في أبيه: "اللهم اخلف جعفرا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه". قالها ثلاث مرات. يأتي بتمامه في المسألة التالية. ١١١ - ولا تحد التعزية بثلاثة أيام لا يتجاوزها بل متى رأى الفائدة في التعزية أتى بها فقد ثبت عنه ﷺ أنه عزى بعد الثلاثة في حديث عبد الله بن جعفر ﵄ قال: بعث رسول الله ﷺ جيشا استعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: "فإن قتل زيد أو استشهد فأميركم جعفر فإن قتل أو استشهد فأميركم عبد الله بن رواحة". فلقوا العدو فأخذ الراية زيد فقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل ثم أخذها عبد الله فقاتل حتى قتل ثم أخذ الراية خالد بن الوليد ففتح الله عليه, وأتى خبرهم النبي ﷺ فخرج إلى الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال: "إن إخوانكم لقوا العدو وإن زيدا أخذ الراية فقاتل حتى قتل واستشهد ثم. . . ثم. . . ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله خالد بن الوليد ففتح الله عليه".

стр. 69

فأمهل ثم أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم ثم أتاهم فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم ادعوا لي ابني أخي قال: فجيء بنا كأنا أفرخ فقال: ادعوا لي الحلاق فجيء بالحلاق فحلق رؤوسنا ثم قال: أما محمد فشبيه عمنا أبي طالب وأما عبد الله فشبيه خلقي وخلقي. ثم أخذ بيدي فأشالها فقال: "اللهم اخلف جعفرا في أهله وبارك لعبد الله في صفقة يمينه. قالها ثلاث مرات". قال: فجاءت أمنا فذكرت له يتمنا وجعلت تفرح١ له. فقال: العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟ ١١٢ - وينبغي اجتناب أمرين وإن تتابع الناس عليهما: أ - الاجتماع للتعزية في مكان خاص كالدار أو المقبرة أو المسجد. ب - اتخاذ أهل الميت الطعام لضيافة الواردين للعزاء. وذلك لحديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: كنا نعد وفي رواية: نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة. قال النووي في المجموع ٥ / ٣٠٦: وأما الجلوس للتعزية فنص الشافعي والمصنف وسائر الأصحاب على كراهته قالوا: يعني بالجلوس لها أن يجتمع أهل الميت في بيت فيقصدهم من أراد التعزية قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم فمن صادفهم عزاهم ولا فرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها. ونص الإمام الشافعي الذي أشار إليه النووي في كتاب الأم ١ / ٢٤٨:

стр. 70

وأكره المآتم وهي الجماعة وإن لم يكن لهم بكاء فإن ذلك يجدد الحزن ويكلف المؤنة مع ما مضى فيه من الأثر. كأنه يشير إلى حديث جرير هذا قال النووي: واستدل له المصنف وغيره بدليل آخر وهو أنه محدث. وكذا نص ابن الهمام في شرح الهداية ١ / ٤٧٣ على كراهة اتخاذ الضيافة من الطعام من أهل الميت وقال: وهي بدعة قبيحة وهو مذهب الحنابلة كما في الإنصاف ٢ / ٥٦٥. ١١٣ - وإنما السنة أن يصنع أقرباء الميت وجيرانه لأهل الميت طعاما يشبعهم لحديث عبد الله بن جعفر ﵁ قال: لما جاء نعي جعفر حين قتل قال النبي ﷺ : "اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم أمر يشغلهم أو أتاهم ما يشغلهم". قال الإمام الشافعي في الأم ١ / ٢٤٧: وأحب لجيران الميت أو ذي القرابة أن يعملوا لأهل الميت في يوم يموت وليلته طعاما يشبعهم فإن ذلك سنة وذكر كريم وهو من فعل أهل الخير قبلنا وبعدنا. ثم ساق الحديث المذكور عن عبد الله بن جعفر. ١١٤ - ويستحب مسح رأس اليتيم وإكرامه لحديث عبد الله بن جعفر قال: لو رأيتني وقثم وعبيد الله بن عباس ونحن صبيان نلعب إذ مر النبي ﷺ على دابة فقال: ارفعوا هذا إلي قال: فحملني أمامه وقال: لقثم: ارفعوا هذا إلي فحمله وراءه وكان عبيد الله أحب إلى عباس من قثم فما استحى من عمه أن حمل قثما وتركه قال:

стр. 71

ثم مسح على رأسي ثلاثا وقال كلما مسح: "اللهم اخلف جعفرا في ولده" قال: قلت لعبد الله: ما فعل قثم؟ قال: استشهد قال: قلت: والله أعلم ورسوله بالخير. قال: أجل. ما ينتفع به الميت. ١١٥ - وينتفع الميت من عمل غيره بأمور: أولا: دعاء المسلم له إذا توفرت فيه شروط القبول لقول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وأما الأحاديث فهي كثيرة جدا وقد سبق بعضها ويأتي بعضها في زيارة القبور ودعاء النبي ﷺ لهم وأمره بذلك. ومنها قوله ﷺ : "دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل". بل إن صلاة الجنازة جلها شاهد لذلك لأن غالبها دعاء للميت واستغفار له كما تقدم بيانه. ثانيا: قضاء ولي الميت صوم النذر عنه وفيه أحاديث: الأول: عن عائشة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه". وهو محمول على صيام النذر دون صيام رمضان وبيانه في الأصل. الثاني: عن ابن عباس ﵁: أن امرأة ركبت البحر فنذرت إن الله ﵎ أنجاها أن تصوم

стр. 72

شهرا فأنجاها الله فلم تصم حتى ماتت فجاءت قرابة لها إما أختها أو ابنتها إلى النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: "أرأيتك لو كان عليها دين كنت تقضيه؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى". [ف] "اقضي عن أمك". ثالثا: قضاء الدين عنه من أي شخص وليا كان أو غيره كما تقدم. رابعا: ما يفعله الولد الصالح من الأعمال الصالحة فإن لوالديه مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيء لأن الولد من سعيهما وكسبهما والله يقول:؟ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى؟ وقال رسول الله ﷺ : "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه". ويؤيد ما دلت عليه الآية والحديث أحاديث خاصة وردت في انتفاع الوالد بعمل ولده الصالح كالصدقة والصيام والعتق ونحوه وهذه بعضها: الأول: عن عائشة ﵂: أن رجلا قال: إن أمي افتلتت نفسها١ ولم توص وأظنها لو تكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها ولي أجر؟ قال: نعم فتصدق عنها. الثاني: عن عبد الله بن عمر: أن العاص بن وائل السهمي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة فأعتق ابنه هشام خمسين رقبة وأراد ابنه عمرو أن يعتق عنه الخمسين الباقية قال: حتى أسأل رسول الله ﷺ فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أبي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة وإن هشاما أعتق عنه خمسين وبقيت عليه خمسون أفأعتق عنه؟ فقال رسول الله ﷺ : "إنه لو كان مسلما فأعتقتم أو تصدقتم عنه أو حججتم عنه بلغه ذلك" وفي رواية: "فلو كان أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك".

стр. 73

خامسا: ما خلفه من بعده من آثار صالحة وصدقات جارية لقوله ﵎:؟ ونكتب ما قدموا وآثارهم؟ وقوله ﷺ : "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح١ يدعو له". وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار فجاءه أقوام حفاة عراة مجتابي النمارأو العباء متقليدي السيوف وليس عليهم أزر ولا شيء غيرها عامتهم من مضر بل كلهم من مضر فتمعر وفي رواية: فتغير - ومعناهما واحد وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وصلى الظهر ثم صعد منبرا صغيرا ثم خطب فحمد الله وأثنى عليه فقال: أما بعد فإن الله أنزل في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ والآية التي في الحشر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ. وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ . تصدقوا قبل أن يحال بينكم وبين الصدقة تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره من شعيره من صاع تمره حتى قال: ولا يحقرن أحدكم شيئا من الصدقة ولو بشق تمرة فأبطؤوا حتى بان في وجهه الغضب قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة من ورق وفي

стр. 74

رواية: من ذهب كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت فناولها رسول الله ﷺ وهو على منبره فقال: يا رسول الله هذه في سبيل الله فبضها رسول الله ﷺ ثم قام أبو بكر فأعطى ثم قام عمر فأعطى ثم قام المهاجرون والأنصار فأعطوا ثم تتابع الناس في الصدقات فمن ذي دينار ومن ذي درهم ومن ذي ومن ذي حتى رأيت كومين من طعام وثياب حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة فقال رسول الله ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها ومثل أجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن سنة في الإسلام سيئة كان عليه وزرها ومثل وزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء". ثم تلى هذه الآية: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ قال: فقسمه بينهم١. زيارة القبور: ١١٦ - وتشرع زيارة القبور للاتعاظ بها وتذكرة الآخرة شريطة أن لا يقول عندها ما يغضب الرب كدعاء المقبور والاستغاثة به من دون الله تعالى أو تزكيته والقطع له بالجنة ونحو ذلك وفيه أحاديث معروفة لا ضرورة لذكرها هنا فمن شاء راجعها في الأصل. ١١٧ - والنساء كالرجال في استحباب زيارة القبور لوجوه: الأول: عموم قوله ﷺ : "فزوروا القبور" فيدخل فيه النساء وبيانه: أن النبي ﷺ لما نهى عن زيارة القبر في أول الأمر فإن مما لا شك فيه أن

стр. 75

النهي كان شاملا للرجال والنساء معا فلما قال: كنت نهيتكم عن زيارة القبور كان مفهوما أنه كان يعني الجنسين ضرورة أنه يخبرهم عما كان في أول الأمر من نهي الجنسين فإذا كان الأمر كذلك كان لزاما أن الخطاب في الجملة الثانية من الحديث وهو قوله: فزوروها إنما أراد به الجنسين أيضا. ويؤيده أن الخطاب في بقية الأفعال المذكورة في روايته: ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرا. أقول: فالخطاب في جميع هذه الأفعال موجه إلى الجنسين قطعا كما هو الشأن في الخطاب الأول: كنت نهيتكم فإذا قيل بأن الخطاب في قوله: فزوروها خاص بالرجال اختل نظام الكلام وذهبت طلاوته الأمر الذي لا يليق إلصاقه بمن أوتي جوامع الكلم ومن هو أفصح من نطق بالضاد ﷺ ويزيده تأييدا الوجوه الآتية: الثاني: مشاركتهن الرجال في العلة التي من أجلها شرعت زيارة القبور: فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة. الثالث: أن النبي ﷺ قد رخص لهن في زيارة القبور في حديثين حفظتهما لنا أم المؤمنين عائشة ﵂: ١- عن عبد الله بن أبي مليكة: أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت: لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر عبد الرحمن بن أبي بكر فقلت لها: أليس كان رسول الله ﷺ نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم: ثم أمرنا بزيارتها. وفي رواية عنها: أن رسول الله ﷺ رخص في زيارة القبور. ٢ - عن محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال يوما: ألا أحدثكم عني
следующие страницы →