ونستطيع أن نستخلص من هذا الحديث وغيره من أحاديث جمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁ عدة أمور أوجزها في المطالب التالية:
стр. 37
المطلب الأول: عناية الصحابة بالقرآن الكريم
تدلنا الروايات التي وردت حول وقعة اليمامة وحديث جمع القرآن الكريم على مدى العناية والاهتمام من الصحابة رضوان الله عليهم بالقرآن الكريم. فكان حفظ القرآن الكريم شعاراً لهم في وقعة اليمامة، حيث كانوا يتنادون به، ويشجعون أنفسهم أمام قوة عدوهم بعبارات تدل على حفظهم للقرآن الكريم، ومن العبارات التي وردت على ألسنتهم عندما حمي الوطيس: قولهم "يا أصحاب سورة البقرة" وقول سالم مولى أبي حذيفة – للمهاجرين عندما خشوا أن يؤتوا من قبله –"بئس حامل القرآن أنا إذاً" وقول أبي حذيفة: "يا أهل القرآن: زينوا القرآن بالفعال." ١
كما نلحظ فزع عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي بكر الصديق ﵁ لما علم بكثرة القتلى من القراء، وخشي أن يشتد في مواقع أخرى ويكثر القتلى منهم فيذهب كثير من القرآن. ودار حوار بينهما حول كيفية العمل والحال ما وقع، ثم استدعى الخليفة أبو بكر الصديق زيد بن ثابت ﵁ وأمره بجمع القرآن الكريم فدلَّ ذلك على مدى اهتمامهم بالقرآن الكريم حيث جعلوه من أولويات عملهم، بعد أن تناقش الجميع في الأمر وانتهوا إلى ما انتهوا إليه.
فهذا الحرص من الصحابة رضوان الله عليهم لم يقتصر على عهد رسول الله ﷺ ، بل تعداه وأشد إلى ما بعد وفاته ﷺ .
стр. 38
المطلب الثاني: سبب تردد أبي بكر الصديق في قبول عرض عمر ﵄ بجمع القرآن:
نلحظ من الحديث السابق الذي رواه البخاري أن أبا بكر الصديق ﵁ تردد في أول الأمر – في قبول عرض عمر بن الخطاب ﵁ بجمع القرآن الكريم. ولعل السبب في ذلك أن أبا بكر ﵁ ظن أن جمع القرآن الكريم كله في مصحف واحد بدعة في الدين، فخاف أن يحدث فيه ما لم يفعله الرسول ﷺ أو يأمر به، ولذلك قال رضي الله: "كيف أفعل شيئاً لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال ابن بطال: "إنما نفر أبو بكر أولاً، ثم زيد بن ثابت ثانياً، لأنهما لم يجدا رسول الله ﷺ فعله، فكرها أن يحلا أنفسهما محل من يزيد احتياطه للدين على احتياط الرسول١.
ولكن عمر بن الخطاب ﵁ أخذ يقنع أبا بكر بصواب الفكرة، وأن في هذا الأمر خيراً، ولم يزل به حتى اقتنع بأهمية ذلك، ولذا قال: "فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك".
وبنفس الإقناع اقتنع زيد في آخر الأمر حيث قال "لم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄".
قال ابن حجر: "وقد تسول لبعض الروافض أنه يتوجه الاعتراض على أبي بكر بما فعله من جمع القرآن في المصحف فقال: كيف جاز أن يفعل شيئاً لم يفعله الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام؟ والجواب: أنه لم يفعل
стр. 39
ذلك إلاّ بطريق الاجتهاد السائغ الناشئ عن النصح منه لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وقد كان النبي ﷺ أذن في كتابة القرآن، ونهى أن يكتب معه غيره، فلم يأمر أبو بكر إلاّ بكتابة ما كان مكتوباً. ثم قال: وإذا تأمل المنصف ما فعله أبو بكر من ذلك جزم بأنه يعد من فضائله، وينوه بعظيم منقبته لثبوت قوله ﷺ : "من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها" ١ فما جمع القرآن أحد بعده إلاّ وكان له مثل أجره إلى يوم القيامة"٢.
ومن هنا يتبين أن عمل أبي بكر ﵁ لم يكن بدعة في الدين، ويكفي دليلاً على ذلك إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على استحسان عمله ومشاركتهم فيه، وقد عبر علي بن أبي طالب ﵁ عن ذلك بقوله: "أعظم الناس أجراً في المصاحف أبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمع بين اللوحين٣.
стр. 40
المطلب الثالث: سبب جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق
دلت الأحاديث الواردة في جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق ﵁ على أن سبب جمعه يعود إلى خوف الصحابة رضوان
стр. 41
الله عليهم من ذهاب شيء من القرآن بذهاب حفاظه باستشهادهم في المعارك أو موتهم، فكتابته مجموعاً في مصحف واحد فيه أمان وحفظ له مما قد يحصل في المستقبل، ويدل لهذا ما أفصح عنه عمر ﵁ بقوله: "إن القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن" فذهاب بعض القراء قد يعني ذهاب الآخرين، فبهذا العمل أمكن تدارك الأمر منذ بدايته١.
стр. 42
المطلب الرابع: سبب اختيار زيد بن ثابت ﵁:
لقد أبان أبو بكر الصديق ﵁ في كلامه الصفات التي جعلته يختار زيد بن ثابت ﵁ لمهمة جمع القرآن الكريم حيث قال: "إنك رجل شاب، عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه" ويمكن إيضاحها بما يلي:
١. إنه شاب يتوفر فيه النشاط والحماسة، فيكون أنشط لما يطلب منه، وحتى لا تفتر عزيمته أثناء العمل.
٢. إنه عاقل فطن يحسن التصرف، فيكون أوعى لما يعمله، وحتى لا يقع في عمله نقص أو خلل.
٣. إنه غير متهم في دينه لا يتطرق إليه تجريح أو تفسيق فلا يكون في عمله أدنى ريبة أو شك، وقد استشعر هو خطورة المهمة وضخامتها حيث قال: "فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن".
стр. 43
٤. إنه أحد كتبة الوحي لرسول الله ﷺ ، فلديه التجربة العملية والخبرة الميدانية أمام من نزل عليه القرآن ﷺ ويكفي بها مزية.
هذا ما ذكره أبو بكر الصديق ﵁، ويمكن أن يضاف إلى ذلك:
* حسن خطه وشدة ضبطه.
* شهوده العرضة الأخيرة للقرآن، قال أبو شامة "قال أبو عبد الرحمن السلمي: قرأ زيد بن ثابت على رسول الله ﷺ في العام الذي توفاه الله فيه مرتين، وإنما سميت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت، لأنه كتبها لرسول الله ﷺ ، وقرأها عليه، وشهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كَتْب المصاحف، ﵃ أجمعين١
стр. 44
المطلب الخامس: منهج جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق
حينما اقتنع الخليفة أبو بكر الصديق ﵁ بجمع القرآن الكريم، أمر عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت ﵄ بالبدء بهذه المهمة وسارا وفق منهج محدد بالاعتماد على مصدرين معاً هما:
الأول: ما كتب بين يدي النبي ﷺ .
الثاني: ما كان محفوظاً في صدور الرجال.
стр. 45
ويدل لهما قول زيد بن ثابت – في الحديث السابق – الذي أخرجه البخاري: "فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف، وصدور الرجال".
فقوله "من العسب واللخاف" دليل على المكتوب، وقوله "صدور الرجال" دليل على المحفوظ.
وما ذكره السيوطي عن موسى بن عقبة في مغازيه عن شهاب قال: لما أصيب المسلمون باليمامة فزع أبو بكر، وخاف أن يذهب من القرآن طائفة، فأقبل الناس بما كان معهم، وعندهم، حتى جمع على عهد أبي بكر في الورق، فكان أبو بكر أول من جمع القرآن في المصحف١
فقوله "فأقبل الناس بما كان معهم" يدل على إتيان الناس بالمحفوظ. وقوله "وعندهم" بالمكتوب٢.
ويقصد بالحفظ أنهم لم يقبلوا شيئاً من القرآن إلاّ إذا كان محفوظاً عن ظهر قلب. وهذا الشرط كان ميسوراً، لأن القرآن الكريم كان محفوظاً في صدور الصحابة.
أما الكتابة فيقصد بها أن يكون كتب بين يدي الرسول ﷺ . أما ما كان بأيدي الصحابة من القرآن المكتوب، فكان يطلب من الصحابي الذي يتقدم به أن يُشهد على أن هذا المكتوب كتب بين يدي النبي ﷺ أو روجع على قراءته، أو سمعه وأقره. ويؤكد هذا ما قاله أبو بكر لعمر وزيد ﵃: "اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه"٣
стр. 46
كما يدل عليه ما أخرجه ابن أبي داود عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: قال عمر: "من كان تلقى من رسول الله ﷺ شيئاً من القرآن فليأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك في الصحف والألواح والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئاً حتى يشهد شهيدان"١.
وليس المقصود بالشهادة هنا على قرآنية المكتوب، فقرآنيته بلا شك ثابتة متواترة بحفظ المئات من الصحابة، وإنما على أنه كتب بين يدي الرسول ﷺ ، فكما هو معلوم كان للصحابة رضوان الله عليهم مصاحف خاصة بهم كتبوها في بيوتهم لأنفسهم.
قال أبو شامة موضحاً ذلك: "لم تكن البينة على أصل القرآن، فقد كان معلوماً لهم كما ذكر، وإنما كانت على ما أحضروه من الرقاع المكتوبة فطلب البينة عليها أنها كانت كتبت بين يدي رسول الله ﷺ وبإذنه على ما سمع من لفظه ولهذا قال: فليمل سعيد، يعني من الرقاع التي أحضرت، ولو كانوا كتبوا من حفظهم لم يحتج زيد فيما كتبه إلى من يمليه عليه٢.
إذن فالمقصود الشهادة على كونها مكتوبة لا كونها محفوظة، وهكذا كان منهج الجمع:
عدم الاكتفاء بما سمعاه من رسول الله ﷺ .
وعدم الاكتفاء بما كتباه وقت نزول الوحي.
وعدم الاكتفاء بما حفظاه.
стр. 47
والطلب من الصحابة الآخرين بما حفظوه وكتبوه على أن لا يقبل هذا المكتوب إلاّ أن يأتي صاحبه بشاهدَيْ عدل يشهدان على كتابته بين يدي الرسول ﷺ ، ويطابق ما هو محفوظ في صدورهم.
стр. 48
المطلب السادس: مدة جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر:
استغرق جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁ قرابة خمسة عشر شهراً حيث بدأ بعد معركة اليمامة التي وقعت في أواخر السنة الحادية عشرة أو أوائل الثانية عشرة وانتهى قبل وفاة أبي بكر الصديق ﵁ وكانت في الشهر السادس من السنة الثالثة عشرة، وتم ذلك جمعاً وكتابة قبل وفاته ﵁، ويدل على ذلك قول زيد بن ثابت. كما في الحديث السابق الذي أخرجه البخاري "فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله"١
стр. 49
المطلب السابع: سمات جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق:
اتسم جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق بعدة سمات، من أبرزها:
١. أن كتابته قامت على أدق وسائل التثبت والاستيثاق، فلم يقبل فيه إلاّ ما أجمع الجميع على أنه قرآن وتواترت روايته.
٢. أنه جمع في مصحف واحد مرتب الآيات والسور.
стр. 50
٣. موافقته لما ثبت في العرضة الأخيرة.
٤. اقتصاره على ما لم تنسخ تلاوته، وتجريده مما ليس بقرآن.
٥. اشتماله على الأحرف السبعة التي ثبتت في العرضة الأخيرة.
٦. إجماع الصحابة على صحته ودقته، وعلى سلامته من الزيادة والنقصان، وتلقيهم له بالقبول والعناية، حتى قال علي بن أبي طالب ﵁: "أعظم الناس أجراً في المصاحف أبو بكر، فإنه أول من جمع بين اللوحين"١
فهذه السمات اجتمعت في الصحف التي جمعها أبو بكر الصديق ﵁، وإن وجدت مصاحف فردية لدى بعض الصحابة كمصحف علي بن أبي طالب، ومصحف أبي بن كعب، ومصحف عبد الله بن مسعود ﵃ إلاّ أنها لم تكن على هذا النحو ولم تحظ بالتحري والدقة والجمع والترتيب، والاقتصار على القرآن، حيث كانت متضمنة تعليقات وشروحاً وأدعية ومأثورات كتبها الصحابة لأنفسهم، فهي خاصة بهم وباستطاعتهم تمييز القرآن من غيره، أما غيرهم فقد لا يستطيع ذلك.
стр. 51
المطلب الثامن: تسميته بالمصحف:
بعد أن أتم زيد جمع القرآن الكريم أطلق على هذا المجموع "المصحف"، فقد روى السيوطي عن ابن أشته في كتابه المصاحف أنه قال: "لما جمعوا القرآن فكتبوه في الورق، قال أبو بكر: التمسوا له اسماً، فقال بعضهم: السِّفْر.
وقال بعضهم: المصحف، فإن الحبشة يسمونه المصحف.
стр. 52
وكان أبو بكر أول من جمع كتاب الله وسماه "المصحف"١.
وعلى أي حال فإن المصحف يطلق على مجموع الصحائف المدون فيها القرآن الكريم، أما القرآن فهو الألفاظ ذاتها.
стр. 53
المطلب التاسع: خبر هذا المصحف:
دل الحديث السابق الذي أخرجه البخاري على أن الصحف التي جمع فيها القرآن سلمت إلى أبي بكر الصديق ﵁ فحفظه عنده، حتى توفي سنة ١٣هـ، ثم آلت إلى أمير المؤمنين من بعده عمر بن الخطاب ﵁، حتى توفي سنة ٢٣هـ، وبعد وفاته بقيت عند ابنته حفصة بنت عمر أم المؤمنين ﵂، لأن عمر ﵁ جعل أمر الخلافة من بعده شورى، فبقى عندها إلى أن طلبه عثمان بن عفان ﵁ لنسخها، ثم أعادها إليها مرة أخرى.
وبقي عندها حتى أرسل مروان بن الحكم٢ يسألها إياه فامتنعت، ولما توفيت أرسل مروان إلى أخيها عبد الله بن عمر ﵂ – ساعة رجعوا من جنازة حفصة – ليُرْسِلَنّ إليه بتلك الصحف، فأرسل بها إليه، فأمر بها مروان فشققت، فقال مروان:
"إنما فعلتُ هذا، لأن ما فيها قد كتب، وحفظ بالمصحف، فخشيت إن طال بالناس زمان أن يَرْتاب في شأن هذه الصحف مرتاب، أو يقول: إنه قد كان شيء منها لم يكتب"٣.
стр. 54
المبحث الخامس: جمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان ﵁
مدخل
...
المبحث الخامس جمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان ﵁
عندما جمع أبو بكر الصديق ﵁ القرآن الكريم كان الهدف الأساس منه كتابة القرآن الكريم في مصحف واحد مسلسل الآيات مرتب السور، ولم يكن من أهدافه القضاء على المصاحف الخاصة التي جمع فيها بعض الصحابة القرآن الكريم لأنفسهم والتي تضم بعض التفسيرات والأدعية والمأثورات ونحوها، وهم يعلمون أنها ليست من القرآن، أو تركوا تدوين سورة وهم يعلمون أنها من القرآن١.
فتعدد المصاحف الخاصة بجوار مصحف أبي بكر، وانتشار القراء في الأمصار نتيجة اتساع الفتوحات الإسلامية، وأخذ كل مصر القراءة ممن وفد إليه من الصحابة، حيث كان كل صحابي يُعَلِّم بالحرف الذي تلقاه من الأحرف السبعة التي نزلت على رسول الله صلى الله عيه وسلم. أقول: إن ذلك تسبب في تعدد القراءات واختلاف القراء.
فكان أهل الشام يقرؤون بقراءة أبي بن كعب ﵁.
وأهل العراق يقرؤون بقراءة عبد الله بن مسعود ﵁.
وغيرهم يقرؤون بقراءة أبي موسى الأشعري ﵁.
стр. 55
فكان بينهم اختلاف في حروف الأداء، ووجوه القراءات، فكان إذا ضمهم مجمع أو موطن من مواطن الغزو عجب البعض من وجود هذا الاختلاف حتى كاد الأمر يصل إلى النزاع والشقاق بينهم وإنكار بعضهم على بعض وبخاصة من الذين لم يسمعوا من النبي ﷺ مباشرة القراءات القرآنية.
أخرج ابن أبي داود عن أيوب عن أبي قلابة قال: "لما كان في خلافة عثمان جعل المعلم يعلم قراءة الرجل والمعلم يعلم قراءة الرجل، فجعل الغلمان يلتقون فيختلفون حتى ارتفع ذلك إلى المعلمين، قال أيوب: لا أعلمه إلاّ قال: حتى كفر بعضهم بقراءة بعض، فبلغ ذلك عثمان فقام خطيباً فقال: أنتم عندي تختلفون فيه فتلحنون، فمن نأى عني من الأمصار أشد فيه اختلافاً وأشد لحناً، اجتمعوا يا أصحاب محمد واكتبوا للناس إماماً"١
وممن لا حظ الاختلاف في الأمصار حذيفة بن اليمان ﵁ المتوفى سنة ٣٦هـ حيث شارك في فتح "أرمينية، وأذربيجان" سنة ٢٥هـ الذي اشترك فيه أهل الشام وأهل العراق، فرأى اختلافاً كثيراً بين المسلمين في وجوه القراءة، وسمع ما كان يحصل بينهم من تجريح، وتأثيم بعضهم البعض، وقرر الركوب إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان لإخباره بما رأى. أخرج البخاري – قصة ذلك – في الحديث الذي رواه أنس بن مالك حيث قال: "إن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح "أرمينية، وأذربيجان " مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في
стр. 56
الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف نَنْسَخُها في المصاحف ثم نردُّها إليكِ فأرسلت بها حفصة إلى عثمان. فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام. فنسخوها في المصاحف. وقال للرهط القرشيين الثلاثة: "إذا اختلفتم أنتم وزيدُ بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم" ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق"١
فأفادت هذه الروايات وغيرها عدة أمور أوجزها في المطالب التالية:
стр. 57
المطلب الأول: فكرة الجمع
لما سمع عثمان بن عفان ﵁ – ما سمع، وأخبره حذيفة بما رآه، جمع – ﵁ – أعلام الصحابة واستشارهم في علاج هذه الفتنة وذلك الاختلاف، فأجمعوا أمرهم على ثلاثة أمور:
١. أن تنسخ الصحف الأولى التي جمعها زيد بن ثابت في عهد أبي بكر الصديق في مصاحف متعددة.
٢. أن ترسل نسخة إلى كل مصر من الأمصار فتكون مرجعاً للناس منه يقرؤون ويُقرئون وإليه يحتكمون عند الاختلاف.
٣. أن يحرق ماعدا هذه النسخ.
стр. 58
ثم شرع عثمان بن عفان – ﵁ – في تنفيذ هذه الأمور وكان ذلك في أواخر سنة ٢٤هـ وأوائل سنة ٢٥هـ ١ حيث عهد إلى لجنة من الصحابة من خيرة الحفاظ والكتاب مؤلفة من أربعة أشخاص هم:
١. زيد بن ثابت الأنصاري الخزرجي أحد كتاب الوحي لرسول الله ﷺ ، وهو الذي كلفه أبو بكر الصديق ﵁ بجمع المصحف في عهده. توفي سنة ٤٢هـ وقيل ٤٣هـ وقيل ٤٥هـ٢
٢.عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي، أحد العبادلة الذين اشتهروا بالعلم، وعنوا بحفظ القرآن الكريم. توفي سنة ٧٣هـ ٣
٣. سعيد بن العاص القرشي الأموي، كان من فصحاء قريش، ومما قيل فيه: إن عربية القرآن أقيمت على لسان سعيد بن العاص. لأنه كان أشبه الصحابة بلهجة رسول الله ﷺ . توفي سنة ٥٣هـ٤
٤. عبد الرحمن بن الحارث بن هشام القرشي المخزومي كان من أشراف قريش، نشأ في حجر عمر، وتزوج بنت عثمان ﵃ مات سنة ٤٣هـ٥
ويلاحظ أن زيد بن ثابت هو الأنصاري الوحيد أما الثلاثة الآخرون فهم قرشيون، وكان نصيبهم كبيراً، لأن القرآن نزل بلغة قريش.
وتشير بعض الروايات إلى أن الذين ساهموا في نسخ المصاحف اثنا عشر رجلاً. حيث أخرج ابن أبي داود عن محمد بن سيرين عن كثير بن
стр. 59
أفلح قال: "لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلاً من قريش والأنصار فيهم أبي بن كعب وزيد بن ثابت١.
والظاهر أنه لا تنافي بين رواية البخاري التي اقتصرت على ذكر الأربعة وبين الروايات الأخرى التي أضافت إليهم خمسة أو سبعة، فرواية البخاري حددت اللجنة الأساسية، والروايات الأخرى أضافت إليهم ممن ساعدهم بالإملاء والكتابة٢.
стр. 60
المطلب الثاني: سبب جمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان ﵁
بينت لنا الروايات السابقة أن سبب جمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان يمكن إرجاعه إلى ما يلي:
١. رفع الاختلاف والتنازع في القرآن الكريم، وقطع المراء فيه، وذلك باعتماد القراءات المتواترة التي يمكن أن يقرأ بها القرآن الكريم.
٢. حماية النص القرآني من أي إضافة أو نقص نتيجة وجود عدد من المصاحف بأيدي الصحابة حيث اشتملت على ما ليس بقرآن كالشروح والتفاسير، أو لم يكتب فيها بعض السور لعدم حاجتهم لكتابتها مع علمهم بأنها من القرآن٣.
стр. 61
المطلب الثالث: منهج جمع القرآن الكريم في عهد عثمان بن عفان ﵁
حينما عزم عثمان بن عفان ﵁ – على جمع القرآن الكريم وعيّن اللجنة التي تباشر هذا العمل حدَّد لها خطوات العمل الذي يمكن إيجازه بما يلي:
١. اعتباره الصحف التي جمعها زيد بن ثابت – ﵁ – في عهد أبي بكر الصديق – ﵁ – أساساً في نسخ المصاحف حيث أمر عثمان بن عفان – ﵁ – بإحضارها من حفصة بنت عمر أم المؤمنين حيث قال لها: "أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك".
٢. إشراف عثمان بن عفان – ﵁ – المباشر على الجمع حيث كان يتفقد اللجنة باستمرار، ويتعاهدهم على الدوام. أخرج ابن أبي داود بإسناده عن كثير بن أفلح أنه قال: "وكان عثمان يتعاهدهم، فكانوا إذا تدارؤوا في شيء أخروه"١
٣. رجوع اللجنة إلى الخليفة عثمان بن عفان – ﵁ – فيما يحتاجون إليه للتأكد من كتابته وكيفية ذلك. أخرج البخاري أن ابن الزبير (أحد أعضاء اللجنة) قال: قلت لعثمان بن عفان: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً﴾ (البقرة: ٢٤٠ (.قال: قد نسختها الأخرى، قلت: فلِمَ تَكْتُبُها؟ أَوَتَدَعُها؟ قال: يابن أخي لا أغير شيئاً من مكانه"٢
стр. 62
٤. استيثاق اللجنة مما يكتبونه وبخاصة فيما تعددت فيه القراءة حيث كانوا يسألون مشاهير الصحابة عن كيفية القراءة به لا عن قرآنيته، فإن ذلك عرف في جمع أبي بكر، لأنه – ﵁ – أراد أن تكتب المصاحف في مجموعها على جميع القراءات التي قرأها الرسول ﷺ ، ليقضي على الفتنة التي حدثت بين المسلمين، بسبب جهلهم هذه القراءات.
٥. أن الكتابة تمت بشكل يجمع ما ثبت من الأحرف السبعة في العرضة الأخيرة على أن يكتب بدون تكرار الكلمات، واتفقوا على رسم الكلمات التي بها عدة أوجه بطريقة يجعلها محتملة لأن تقرأ بكل تلك الأوجه، وقد ساعد على ذلك عدم التشكيل، وعدم التنقيط. قال ابن الجزري المتوفى سنة ٨٣٣هـ "وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف وأئمة المسلمين إلى أن هذه المصاحف العثمانية مشتملة على ما يحتمله رسمها من الأحرف السبعة فقط، جامعة للعرضة الأخيرة التي عرضها النبي ﷺ على جبرائيل ﵇، متضمنة لها لم تترك حرفاً منها" إلى أن قال "وهذا القول هو الذي يظهر صوابه، لأن الأحاديث الصحيحة والآثار المشهورة المستفيضة تدل عليه وتشهد له ... "
ثم قال: "فكتب الصحابة المصاحف على لفظ لغة قريش والعرضة الأخيرة، وجردوا المصاحف عن النقط والشكل لتحتمله صورة ما بقي من الأحرف السبعة"١.
стр. 63
٦. عند اختلاف اللجنة في كتابة كلمة فإنهم يكتبونه بحرف قريش. حيث قال عثمان بن عفان – ﵁ – للرهط القرشيين الثلاثة: "إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم"١.
فالمقصود بالاختلاف هنا من حيث الرسم والكتابة، لا من حيث الألفاظ والكلمات، ويدل عليه قوله "فاكتبوه" فيكون المعنى: إذا اختلفتم أنتم وزيد في رسم كلمة، فاكتبوها بالرسم الذي يوافق لغة قريش ولهجتها٢.
стр. 64
المطلب الرابع: نشر عثمان بن عفان المصاحف في الأمصار
بعد أن تم العمل بنسخ المصاحف، أعاد عثمان بن عفان – ﵁ – الصحف إلى حفصة أم المؤمنين ﵂، وأمر بتوزيع المصاحف على الأمصار؛ ليقضي على التنازع والاختلاف في قراءة القرآن الكريم، فأرسل إلى كل مصر من الأمصار بمصحف من المصاحف التي نسخت، واحتفظ عنده بمصحف سمي "المصحف الإمام"٣.
وقد وقع الاختلاف في عدد هذه المصاحف:
فقيل: إنها ثمان نسخ، ذكر ذلك ابن الجزري عن عثمان قال "فكتب منها عدة مصاحف: فوجه بمصحف للبصرة، ومصحف إلى الكوفة، ومصحف إلى الشام، وترك مصحفاً بالمدينة، وأمسك لنفسه مصحفاً –
стр. 65
الذي يقال له الإمام – ووجه بمصحف إلى مكة، ومصحف إلى اليمن، ومصحف إلى البحرين".١
٢. وقيل: إنها أربع نسخ، قال أبو عمرو الداني: "أكثر العلماء على أن عثمان لما كتب المصاحف جعله على أربع نسخ، وبعث إلى كل ناحية واحدا: الكوفة، والبصرة، والشام، وترك واحداً عنده٢
٣. وقيل: إنها خمس نسخ، قال ابن حجر: "فالمشهور أنها خمسة"٣ وقرره السيوطي في الإتقان٤
وعلى أي حال فإن الجميع يكاد يتفق على خمسة وهي:
الكوفي، والبصري، والشامي، والمدني العام، والمدني الخاص – الذي حبسه عثمان لنفسه وهو المسمى بالإمام.
والتي محل خلاف ثلاثة هي: المكي، ومصحف البحرين، واليمن. وإن كان بعضهم أضاف مصر.
ولم يكتف عثمان – ﵁ – بتوجيه هذه المصاحف إلى تلك البلدان، وإنما اختار حفاظاً يثق بهم فأرسلهم إليها ليقرئوا أهل البلد المرسل إليهم مع ملاحظة أن تكون قراءته موافقة لخط المصحف.
١. فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمصحف المدني.
٢. وبعث عبد الله بن السائب المتوفى سنة ٧٠هـ مع المصحف المكي.
стр. 66
٣. وبعث المغيرة بن شهاب المتوفى سنة ٩١هـ مع المصحف الشامي.
٤. وبعث أبا عبد الرحمن السلمي المتوفى سنة ٧٢هـ مع المصحف الكوفي.
٥. وبعث عامر بن قيس مع المصحف البصري١.
стр. 67
المطلب الخامس: حرق الصحف والمصاحف الأخرى ورضا الصحابة عن ذلك
بعد أن أرسل عثمان ﵁ – المصاحف التي تم نسخها إلى الأمصار، أمر بما سواها مما كان بأيدي الناس أن يحرق، كما في حديث أنس السابق الذي أخرجه البخاري: "فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق". وقد استجاب الصحابة كلهم لذلك، وقاموا بحرق مصاحفهم، حتى عبد الله بن مسعود ﵁، فإنه بعد أن امتنع في أول الأمر رجع طواعية لما علم صواب ذلك، وأن مصلحة الأمة فيما فعله عثمان.
وقد أشار إلى ذلك ابن أبي داود في كتاب المصاحف حيث عقد له باباً سماه "رضاء عبد الله بن مسعود لجمع عثمان ﵁ المصاحف٢.
وأخرج أيضاً عن سويد بن غفلة قال: " قال علي حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته"٣.
وأخرج أيضاً عن مصعب بن سعد قال: "أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، وقال: لم ينكر ذلك منه أحد٤.
стр. 68
وجاء في المصاحف عن سويد بن غفلة أنه قال: "والله لا أحدثكم إلاّ شيئاً سمعته من علي بن أبي طالب – ﵁ – سمعته يقول: "يا أيها الناس لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلاّ خيراً في المصاحف وإحراق المصاحف، فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلاّ عن ملأ منا جميعاً." ثم قال: قال علي: والله لو وليت لفعلت مثل الذي فعل١
ونقل أبو شامة عن البيهقي في جمع عثمان: "وذلك كله بمشورة من حضرة من علماء الصحابة – ﵃، وارتضاه علي بن أبي طالب – ﵁، وحمد أثره فيه"٢
وهكذا استطاع عثمان بن عفان – ﵁ – بهذا العمل الجبار أن يزيل جذور الخلاف، ويجمع الأمة عبر كل العصور – منذ عهد الصحابة ﵃ وحتى عصرنا الحاضر – على التزام المصحف الذي أجمعوا عليه، وحمد له المسلمون ذلك العمل. قال الزركشي: "ولقد وفق لأمر عظيم، ورفع الاختلاف، وجمع الكلمة، وأراح الأمة"٣.
стр. 69
المطلب السادس: خبر هذه المصاحف
اعتنت الأمة الإسلامية بهذه المصاحف العثمانية فاتخذتها أصولاً يؤخذ منها، وأئمة يقتدى بها في كتابة المصاحف جيلاً بعد جيل.
أما عن هذه المصاحف بذاتها فقد ذكر بعض الرحالة والمؤرخين عن رؤيتهم لبعض منها.
стр. 70
فيحدثنا ابن جبير المتوفى سنة ٦١٤هـ في رحلته إلى الشام عندما زار جامع دمشق حيث ذكر أنه رأى في الركن الشرقي من المقصورة الحديثة في المحراب خزانة كبيرة فيها مصحف من مصاحف عثمان، وهو الذي أرسله إلى الشام١.
كما أشار ابن بطوطة المتوفى سنة ٧٧٩هـ إلى رؤيته له في رحلته إلى الشام٢.
كما رأى النسخة نفسها ابن كثير الدمشقي المتوفى سنة ٧٧٤هـ حيث قال: "وأما المصاحف العثمانية الأئمة، فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق – عند الركن، شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله – وقد كان قديماً في "طبريَّة"، ثم نقل منها إلى دمشق في حدود ثمان عشرة وخمسمائة ٥١٨هـ، وقد رأيته كتاباً عزيزاً جليلاً عظيماً ضخماً، بخط حسن مبين، قوي، بحبر محكم، في رق أظنه من جلود الإبل، والله أعلم"٣
واستمر هذا المصحف محفوظاً في الجامع الأموي إلى أوائل القرن الرابع عشر الهجري، ثم فقد هذا المصحف:
فبعضهم يرى أنه احترق عندما احترق الجامع الأموي. يقول محمد كرد علي في حديثه عن الجامع الأموي: "حتى إذا كانت سنة ١٣١٠هـ سرت النار إلى جذوع سقفه، فالتهمتها في أقل من ثلاث ساعات، فدثر آخر ما بقي من آثاره ورياشه، وحرق فيه مصحف كبير بالخط الكوفي، كان جيء
стр. 71
به من مسجد عتيق في بصرى، وكان الناس يقولون: إنه المصحف العثماني١، وبعضهم يرى أنه نقل إلى إنجلترا٢
وفي مصر الآن مصاحف أثرية، يقال إنها مصاحف عثمانية – في المسجد الحسيني، ودار الكتب المصرية – ولكن يستبعد ذلك لوجود زركشة وزينة ونقوش فاصلة بين السور، وعلامات لبيان أعشار القرآن، ولا شك أن المصاحف العثمانية كانت خالية من كل هذا، ومن النقط والشكل٣٠
وعلى أي حال فإن فقد هذه المصاحف لا يقلل من ثقتنا بما تواتر واستفاض نقله من المصاحف، ثقة عن ثقة وإماماً عن إمام، وسواء أوجدت هذه المصاحف أم لم توجد فإنا على يقين بسلامة القرآن الكريم من الزيادة أو النقصان٤.
وهكذا سجلت الأمة الإسلامية بحفظها القرآن الكريم في الصدور والسطور منذ نزول القرآن الكريم في عهد الرسول ﷺ ، ثم بصنيع أبي بكر، ثم بصنيع عثمان بن عفان ﵃، مزية ليس لأمة غيرها، نقلوه عن الأصل المكتوب بين يدي رسول الله ﷺ ، ومقابلة ذلك بما حفظوه في صدورهم، وبذلوا فيه كل عوامل الدقة والاستيثاق، فجاء كاملاً، محفوظاً، عزيزاً، تحقيقاً لقوله تعالى ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) . وقوله ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ. لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت:٤١- ٤٢)
стр. 72
الخاتمة
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه وبعد:
فقد تناول هذا البحث معنى جمع القرآن الكريم في اللغة والاصطلاح، والمقصود بحفظ القرآن الكريم، ثم مراحل كتابته زمن النبي صلى اله عليه وسلم والخلفاء الراشدين.
وظهر فيه ما يلي:
أولاً: أن القرآن الكريم محفوظ بحفظ الله له منذ أن كان في السماء، وفي طريقه إلى الأرض، وحين نزل إلى الأرض.
ثانياً: أن كتابة القرآن الكريم زمن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين مرت بمراحل ثلاث، كل مرحلة لها سمتها وخصائصها أوجزها بما يلي:
١. المراد بجمع القرآن الكريم في العهود الثلاثة:
* في عهد النبي ﷺ : حِفْظُه عن ظهر قلب، وكتابته على الأدوات المتوفرة ذلك الوقت.
* في عهد أبي بكر الصديق ﵁: كتابة القرآن الكريم في مصحف واحد مسلسل الآيات مرتب السور.
* في عهد عثمان بن عفان ﵁: نسخ المصحف الذي كتب في عهد أبي بكر بمصاحف متعددة.
стр. 73
٢. سبب الجمع:
* في عهد النبي ﷺ لمجرد كتابته وحفظه.
* في عهد أبي بكر الصديق ﵁ خشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته، حين كثر القتل بالقراء.
* في عهد عثمان ﵁ لما كثر الاختلاف في وجوه القراءة فأراد حسم هذا الخلاف بجمعه على مصحف واحد.
٣. ترتيب الآيات في سورها:
قدر مشترك في العهود الثلاثة، إلاّ أنه في عهد النبي ﷺ لم يكن يربطها رابط، لعدم تجانس الأشياء المكتوبة فيها.
٤. ترتيب السور كتابةً:
في عهد النبي ﷺ لم تكن مرتبة كتابة.
وفي عهد أبي بكر وعثمان – ﵄ – فقد كانت مرتبة فيجمعهما.
٥. تجريد الكتابة من المنسوخ تلاوة:
قدر مشترك في العهود الثلاثة:
ففي عهد النبي ﷺ ، لئلا يلتبس الناسخ بالمنسوخ.
وفي عهد أبي بكر؛ فلأن نزول القرآن قد اكتمل.
وفي عهد عثمان، فلأن المصاحف قد نسخت من مصحف أبي بكر وكانت خالية منه.
стр. 74
٦. كتابة القرآن في مكان واحد:
في عهد النبي ﷺ كان غير مجموع في موضع واحد.
وفي عهد أبي بكر وعثمان ﵄ كتب في مكان واحد.
٧. تجريد الكتابة من النقط والشكل:
قدر مشترك في العهود الثلاثة؛ لعدم وجودها ذلك الوقت، وأفاد في كتابة القرآن الكريم بشكل يجمع القراءات المتعددة.
стр. 75
مصادر ومراجع
...
فهرس المصادر
١. الإتقان في علوم القرآن، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم. نشر الهيئة المصرية العامة لكتاب سنة ١٩٧٤م.
٢. الإصابة في تمييز الصحابة، لأحمد بن حجر العسقلاني، نشر مكتبة الكليات الأزهرية، الطبعة الأولى سنة ١٣٨٨هـ.
٣. أضواء على سلامة المصحف الشريف من النقص والتحريف د. زيد عمر مصطفى، نشر: مركز البحوث التربوية بجامعة الملك سعود سنة ١٤١٤هـ.
٤. البداية والنهاية للحافظ بن كثير، نشر: مكتبة المعارف بيروت، الطبعة الثانية سنة ١٩٧٧م.
٥. البرهان في علوم القرآن لبدر الدين الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر: دار المعرفة بيروت.
٦. البيان في مباحث من علوم القرآن، عبد الوهاب غزلان مطبعة دار التأليف.
٧. تاريخ الرسل والملوك لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، نشر: دار المعارف بالقاهرة، الطبعة الثالثة.
٨. تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة، تحقيق: السيد أحمد صقر نشر: دار التراث بالقاهرة.
٩. ترتيب القاموس المحيط للفيروز ابادي، ترتيب: الطاهر الزاوي، نشر: دار الكتب العلمية سنة ١٣٩٩هـ.
تفسير القرآن العظيم، لأبي الفداء إسماعيل ابن كثير، تحقيق: سامي السلامة، نشر: دار طيبة بالرياض، الطبعة الأولى سنة ١٤١٨هـ