والصاد والزاي والسين من مخرج واحد وهو مابين طرف اللسان وأصول الثنايا العليا.
والنون من مخرج واحد وهو طرف اللسان وما يتصل بالخياشيم.
والراء من مخرج واحد وهو طرف اللسان غير أنه أدخل في ظهر اللسان لانجرافه إلى اللام.
ولحافة اللسان مخرجان لحرفين: فمن حافة اللسان من أقصاها وما يلي الأضراس مخرج الضاد، ومن الناس من يخرجها من الجانب الأيمن ومن الناس من يخرجها من الجانب الأيسر وهم الأكثر، وخروجها من هذا كخروجها من هذا ومن حافة اللسان ومن أدناها إلى ما يلي الثنايا العليا، والباء والميم والواو مخرجهن مابين الشفتين غير أن الشفتين تنطبقان بالميم والباء ولا ينطبقان بالواو بل ينفتحان.
والنون الساكنة والتنوين مخرجهما من الخياشيم.
وقال الفراء وقطرب وابن كيسان: المخارج أربعة عشر مخرجاً، فجعلوا الراء واللام والنون من مخرج واحد وهو طرف اللسان
وذكر أبو عمرو الداني١ أرجوزة في هذا المعنى شعراً فقال:
تسع وعشرون حروف المعجم ... فسبعة للحلق منها فاعلم
стр. 37
الهاء والهمزة قبل والألف
... والحاء والعين فميز ما أوصف
والخاء والغين كما بينت لك
... والكاف والقاف فمن أقصى الحنك
والجيم والشين وحرف الياء
... من وسط اللسان باستواء
ومخرج الدال وحرف الطاء
... بين الثنايا مع حرف التاء
والتاء ثم الطاء بعد الدال
... من طرفي هذين باعتدال
والصاد والزاي نعم والسين
... من الثنايا طرف تكون
في مذهب الفراء والحربي ...
كمذهب ابن قنبرا البصري
بل قال أن اللام لا ستواها
... من حافة اللسان من أقصاها
ومخرج التنوين وهو غنة
... من داخل الخيشوم فأعلمنه
والصاد تنفرد عن سواها
... بحافة اللسان من أدناها
إلى الذي تلي من الأضراس
... وقل من يحكمها من الناس
وأحرف والثنية منها الفاء
... وهي من باطنها والباء
والميم والواو وثلاث هنه
... مابين ضم الشفتين هنه١
стр. 38
وإنما حكيت لك هذه المخارج مشروحة لتعلم أنها كلها جسمانية، ولا تحقق للحروف إلا بها، والبارئ منزه عن ذلك كله.
العاشر: وما صرتم إليه متحقق فيه قبل وبعد، وهما من خواص المحدثات ولوازمها،
الحادي عشر: الكلام على ما قلتم صفة فعلية لا ذاتية كما في الشاهد.
الثاني عشر: القدم لا يتصور فيه تجدد بل يتعلق بالموجودات، والكلام ليس كذلك لأن حقيقة مبنية من المتجددات في كل وقت وزمان كما في الشاهد.
الثالث عشر: إذا كان متكلماً في الأزل على ما ذكرتم، فإما أن يكلم نفسه أو غيره لاستحالة تحقق المحدثات أزلاً، ولا جائز أن يكلم نفسه لعدم الفائدة في ذلك.
الرابع عشر: لو كان القديم ما ذكرتم، لما كان قارئه مثاباً في وقت عاصياً في وقت، وكذلك كتابته ولمسه لأن الحقيقة الواحدة لا تختلف، أو لأن الثواب والعقاب لا يتحققان إلا على فعل الآدمي ومقدوره.
الخامس عشر: الخطوط تختلف والحروف تتفاوت والقديم ليس كذلك.
السادس عشر: إذا تكلمنا بكلامه يلزم أن نعلم علمه، ونقدر بقدرته، وإلا يلزم أن تكون القدرة على أحد المتساويين غير ثابتة على المساوي الآخر فيلزم الترجيح من غير مرجح وهو محال، لأن حقيقة الصفة القديمة من حيث هي صفة قديمة واحدة.
السابع عشر: لو كان هذا الكلام الذي نتلوه المنسوب إلينا تلاوته كلام الله حقيقة لصدق علينا: أنا نحن الآمرون الناهون المشرعون للأحكام وهذه النسبة منتفية بالإجماع.
الثامن عشر: لو جاز أن نتكلم بكلامه تعالى لجاز لزيد أن يتكلم بكلام عمرو وليس كذلك.
стр. 39
فصل: في كلام الله
التاسع عشر: إذا كنا١ متكلمين بكلامه على وجه لا يتحقق الامتياز يلزم مشاركته تعالى في صفته٢ القديمة وذلك محال.
العشرون: لو كان هذا الكلام الذي نتلوه حقيقة كلام الله لزم منه قيام الصفة الواحدة بالأغيار المتعددة. وذلك محال.
فعلم بمجموع ما ذكرنا أن الذي صرتم إليه مخالف لبديهية العقل ومستحيل في نفسه فلا سبيل إلى المصير إليه.
والجواب الذي نقوله في الرد عليهم: أن مجموع ما ذكرنا من الآيات والأخبار والإجماع صريح في مدعانا ونص له عليه وفيه ودعوى المجاز مردود إذ هو خلاف الأصل ثم كيف يظن بالصحابة ﵃ وهم أصحاب العربية وأهل اللغة تواطئهم على استعمال المجاز في صور لا تعد ولا تحصى.
فإما قولكم: أن ما ذكرناه مخالف للقواعد العقلية.
قلنا: لا وسنبين في جواب الأسئلة أن هذا المعتقد لا يخالف الأمور العقلية ولا ينافيها، حينئذ يكون المصير إلى ما ذكرناه أولى إذ هو تبع للصحابة واستعمالات الإطلاقات في موضوعها الأصلي وغير مناف للأمور العقلية، حينئذ لا يشك عاقل في ترجيح هذا على ما عداه، على أنا لا نقتصر على هذا، بل نقول: يجب أن تكون الحقيقة مرادة من تلك الإطلاقات المذكورة في الأخبار والآيات لعشرين وجهاً:
الأول: لولم يكن المراد ما ذكرنا، للزم من ذلك التلبيس من الله تعالى على نبيه ﷺ إذ يكون مصرحاً بنزول كلامه والمراد غيره وذلك محال في حق الله تعالى.
стр. 40
الثاني: يلزم منه ارتفاع التكاليف بأسرها لأنها إنما أوجبت بكلام الله تعالى، وهذا غير كلام الله ومحال أن يكون هذا غير كلام الله، فإن في فتح هذا الباب مفسدة عظيمة.
الثالث: لو لم يكن المراد ما ذكرنا، للزم منه العبث في قوله ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّه﴾ [التوبة:٦]
إذ الإجارة حينئذ تكون حاصلة بغير كلام الله، أو يلزم منه المحال، فإن سماع القائم بالنفس مع كونه قائماً محال، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ (البقرة) (٧٥)
وقول النبي ﷺ " إن قريشاً منعتني أن أبلغ كلام الله ربي "١ وليس المراد بهذا إلا ما ذكرنا.
الرابع: لو لم يكن ما ذكرناه ثابتاً، لما ثبتت هذه الأحكام من وجوب تعظيم المصحف واحترامه، وتحريم مسه إلا على طهارة، حتى أنه نقل عن جماعة من العلماء والزهاد ﵏، أنهم ما دخلوا بيتاً فيه مصحف إلا على طهارة، لأن هذه الأمور لا تفعل طبعاً إلا لكلام الله تعالى إما بالإجماع أو الدوران، لا يقال يفعل ذلك لدلالتها على القديم، لأنا نقول: فكتب الحديث والفقه والتفسير تدل على ما يدل عليه من الحل والحرمة، والمجموع منتف عليه.
الخامس: لو لم يكن هذا المنزل غير كلام الله تعالى على الحقيقة لما انعقدت يمين الحالف به، ضرورة عدم الانعقاد بالمحدثات واليمين منعقدة فيها إذا قال: وما في المصحف من كلام الله. كيف والتحليف بالمصاحف من لدن الصحابة إلى زماننا هذا شائع بين الناس من غير إنكار فيكون ذلك إجماعاً.
السادس: لو قيل لقارئ يقرأ آية: أنه يقرأ كلام الله، لا يخطأ فيه هذه القضية
стр. 41
بالإجماع، لو قيل: يقرأ عبارة كلام الله لا كلام الله، لأجمع الناس على ضلالته وتبديعه، وكذا هذا الوجه مطرد فيمن وجد يكتب مصحفاً.
السابع: أجمع المسلمون على إطلاق هذه الكلمات من غير إنكار ولا تعرض إلا كيفية نزول ولا حقيقة ولا مجاز وهي قولهم كلام الله المنزل غير مخلوق وهذه الكلمات مروية عن النبي ﷺ روى ذلك أبو نصر السجزي في كتابه.
وروي عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر بن خطاب ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ " القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود "١
وكذلك روي من طريق أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أن قال:" القرآن متصل من الله إلينا طرف بيده وطرف في يدينا "٢.
الثامن: قول علي بن أبي طالب ﵁ يوم صفين لما عوتب في التحكيم٣:ما حكمت مخلوقاً٤ وذلك يدل على ما قلناه، فإن قضية التحكيم مشهورة، حتى إن الشاعر قال فيها حيث يقول:
أيها الحاضرون إن علياً
... لم يحكم في دينه مخلوقاً
إنما حكم القرآن وقد كان
... بتحكيمه القرآن حقيقاً
أعلم الناس بالكتاب ... والسنة والله ملهم توفيقاً
стр. 42
وكان مع علي ومعاوية ﵁ الجمع العظيم والخلق العميم من كبار الصحابة ﵃ ولم ينكر عليه أحد منهم ذلك.
التاسع: لو لم يكن المراد ما ذكرنا لكان قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [الفتح:١٥] غير مستقيم إذ تبديل مالا يصل إليهم غير متصور، وقد أشار إلى هذا الوجه ابن عقيل١.
العاشر: الذي صرتم إليه لم يقل به أحد من العلماء لأن إثبات كلام الله قديم لا نبصره ولا نقرأه ولا نسمعه خلاف الإجماع.
الحادي عشر: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨] كذلك قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [الأعلى ١٨] ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ﴾ [النمل ٧٦] ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء٩] ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ﴾ [الحشر ٢١] وأجمعت الأمة على أن قوله"هذا"إشارة إلى هذا القرآن الذي نتلوه ونحفظه.
الثاني عشر: لو لم يكن المراد ما ذكرنا، لكان رد على الكفار لما قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٥] غير صحيح لأنهم كانوا يقولون ما قلناه صحيح. فلولا أن هذا الكلام غير كلام البشر وإلا لما اتجهت الملامة والتوبيخ.
الثالث عشر: قوله ﷺ " مابين الدفتين كلام الله "٢ وليس بين الدفتين إلا هذه الحروف.
стр. 43
وعن عبد العزيز قال:"دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس ﵄
فقال شداد بن معقل: أترك النبي ﷺ شيئًا؟ قال: ما ترك إلا مابين الدفتين.
ودخلنا على محمد بن الحنفية فسألناه: فقال: ما ترك إلا مابين الدفتين١.
وهذه إشارة منهم إلى كلام الله تعالى.
الرابع عشر: قوله تعالى: ﴿فأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود١٣] فلو لم يكن الثابت ما ذكرناه لكان هذا الكلام بمنزلة قوله:"فأتوا بمثل ما في نفسي""وبمثل مالم تعرفوه" فيكون بمثابة قوله:"فأتوا بمثل عملي وقدرتي" والباري منزه عن ذلك.
الخامس عشر: في ما صرتم إليه رد لقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ [المزمل ٥]
السادس عشر: قوله ﷺ " لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو "٢
ومعلوم أنه يرد بالنهي الورق والمداد، فتعين ما ذكرنا وإلا لما صح هذا النهي.
السابع عشر: أجمع المسلمون على أن كلام الله مشتمل على أمر ونهي وخبر واستخبار، ومحكم ومتشابه، ومجمل ومبين، وناسخ ومنسوخ، وأنه سور وآيات وأجزاء وأحزاب، والقائم بنفس لا يتصف بذلك.
стр. 44
الثامن عشر: لو لم يكن هذا" الذي"١ نتلوه كلام الله حقيقة، لما جاز الرجوع إليه في الأحكام، إذ الرجوع إلى غير كلام الله مع وجوده غير جائز بالإجماع.
التاسع عشر: لو لم يكن ما نتلوه ونحفظه كلام الله حقيقة، لما تحقق إعجاز العرب عن الإتيان بمثله مع ما كانوا فيه من الفصاحة والبلاغة، وتوفر دواعيهم على قطع النبي ﷺ وتعجيزه، وتمكنهم من ذلك في المدة طويلة، ولما تحقق عجزهم وعدم استطاعتهم على الإتيان بمثله، حتى نزل معهم من الجميع إلى عشر سور إلى سورة واحدة، دل ذلك دلالة قطعية على أن هذا الكلام ليس من كلام الآدميين، فتعين أن يكون كلاماً لله إ ذ لا ثالث لذلك.
العشرون: قوله ﷺ :" أن هذه صلاتنا لا يصح فيها شيئاً من كلام الآدميين "٢ إن فيها قراءة فاتحة الكتاب.
فلو كانت فاتحة الكتاب من كلام الآدميين لتناقض الكلام، لأن نقيض السلب الكلي يتحقق بالإيجاب الجزئي، ومنصب النبوة يجل عن مثل هذه المناقضة.
فثبت بمجموع ما ذكرناه من هذه الوجوه: أن الحقيقة يجب٣
أن تكون مرادة من تلك الإطلاقات المذكورة في الأخبار والآيات، وأن هذا الموجود المكتوب في المصاحف الذي نحفظه ونعمل به، هو حقيقة كلام الله القديم المنزل على نبيه
стр. 45
صلى الله عليه وسلم، إذ هو العمل والأصل والقرآن، وفراراً عن الوقوع في هذه المحذورات وإخراجاً للصحابة رضوان الله عليهم من الجهالات، ولا خفاء على ذي بصيرة أن هذا هو الدين القويم والصراط المستقيم.
وأما الجواب: عما ذكروه من الأسئلة العقلية: قلنا: أما الأول: فنسلم ما ذكرتموه من المشاهد الحسية، لكن ما هو مشاهد من السواد والحمرة، والشخصيات الكسبية، فهو محدث عندنا، والحرف القديم بالقبلية والبعدية، إنما كانت باعتبار ما هو محدث من مجموع ما ذكرنا، مع كونه في هذا المحل، والحرف منفك عن هذه الأمور، فعلم أنه لا يلزم مما ذكرتم حدوثها، لا يقال الإشكال بحاله، فإن التقسيم ورد على نفس الحرف، إ‘ما أن يكون خالياً عن العمل، أو لا يكون خالياً عنه، فإن كان الأول فوجوده حينئذ بعد أن لم يك، فيعود الإشكال، وإن كان الثاني، فيلزم الخلاء للوجود وهو محال، لأنا نقول يكون خالياً عنه، لكن لما كان ذاتياً في قدمه، وعدم الوجود في هذا المحل لا ينفي الوجود، فالمنافاة إنما تقع لو وجد بعد أن لم يكن أصلاً.
الثاني: قولكم هذه الحروف يلازمها التركيب.
إن عنيتم بالتركيب أن كلمات يصدق على واحد منها لا يصدق على أخرى.
فإن قلتم: إن ذلك يستحيل على القديم.
فإن كلما يصدق على صفة من صفاته لا يصدق على أخرى.
وإن عنيتم التركيب الجسماني فلا نسلم تحقق الملازمة حينئذ كما لا يستحيل وجود موجود، لا جوهر ولا جسم ولا عرض، فلم يستحيل وجود حروف يلازمها التركيب مع ما سلف في فصل الحروف من صحة القسمة العقلية، ولئن سلمنا أنه يلازمها التركيب، فلم قلتم أنه يلزم منه حدوثها؟
قولكم: لازم المحدث محدث.
стр. 46
قلنا: إن أردتم بالملازمة المعبر١، فلا نسلم تحقق الحدوث على هذا التفسير، وإن عنيتم بالملازمة عدم الانفكاك، فلا نسلم تحقق الملازمة حينئذ، بل ذلك إنما يقع باعتبار المحال.
قولكم في الثالث: يلزم تنجيس القديم إذا كتب بالحبر النجس.
قلنا: إنما يتنجس للحبر والمداد، أما القديم فلا، ثم إن دفع كلام الله من بين أظهرنا وعدم نزوله على النبي ﷺ أشنع من هذه المقالة التي نحن بريئون منها.
قولكم في الرابع: أنه بتقدير٢ أن يكون المشار إليه في هذا المصحف المعين قديماً، يلزم تعدد القدماء.
قلنا: لا نسلم بل يلزم تعدد الآلات والمحال، أما نفس الحرف فلا، فإن كتب ألفاً بألوان مختلفة متعددة، لا يشعر ذلك بتعدد الألفات، وإنما التعدد يقع باعتبار تلك الألوان مع المحال، والمتعدد بتعدد محله لايكون متعدداً في نفس الأمر، إذ لو كان متعدداً مع قطع النظر عن محله، يلزم أن يكون الواحد أكثر من واحد، وذلك محال.
فلئن قال: حاصل ما تشيرون إليه خلاف ما عولتم عليه، وذلك لأن عندكم كلام الله موجود في المصحف على الحقيقة. وهو هذه الحروف وعلى ما ذكرتم ثم يكون القديم غير هذه الحروف.
قلنا: لا يدل على ما ذكرنا على قدم غير هذه الحروف، بل عندنا أنها قديمة، وهي كلام الله تعالى. ثم عندنا كلام الله تعالى ليس بجسم، وما هو موصوف بالجسمية عندنا محدث، وهو عندنا مباين للكلام
القديم ولا ينافي ذلك وجوده في
стр. 47
هذا المحل المشار، بدليل ما نذكره في النظير فإن الصناع إذا شخص من صنعته صورة وهيأها من مواد مختلفة، فإن صنعته تكون موجودة في ذلك المحل، بحيث لا يشك عاقل في ذلك، مع أن تلك الآلات التي هي موضوع الصنعة، لا تكون داخلة في حقيقة صنعته التي هي الترتيب والتلفيق، وكل ذلك مرئي مشاهد محقق، فكذلك ما نحن فيه بصدق رؤية الحروف مع عدم المنافاة لقدمها، وما عداها ينزل منزلة الآلات من هذا المصنوع، فليفهم ذلك ففيه غموض وقد أشار إليه الإمام أبو الحسن ابن الزاغوني١ في كتابه"الإيضاح".
ولعمري لقد اندفع بهذا التقرير كثير من كلام الأشاعرة وتلبياتهم عند العارف بمعاني الكلام ودقائقه.
بقي على هذا أن يقال، قد نقل عن مالك – ﵀ أنه قال: ليس من السنة أن يجادل عنها، إنما السنة أن تخبر بها، فإن قبل منك وإلا فاسكت.
وقد روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال:"من أخذ دينه بالقياس ذهب دهره في الإلباس، مائلاً عن المنهاج طاعناً في الاعوجاج".
ثم قال ابن عباس ﵄: نعرف ربنا بما عرفنا به نفسه، ونصفه بما وصف به نفسه، لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس، قريب من الأشياء غير ملاصق، بعيد منها غير مفارق، تحقق بلا تمثيل، وموحد بلا تعطيل.
стр. 48
قلت: فإشارة ابن عباس إلى أنه لا يجوز العدول عما جاء به الكتاب العزيز، ونطق به السيد الرسول ﷺ ، ولا يليق بذي الجلال أن نصفه إلا بما وصف به نفسه، ومن تجاوز ذلك المنهاج، مال بآرائه ومقاييسه عن طريق الحق والسداد، عد من عصابة الجهل وأهل العناد.
وأما ما ذكروه في الثامن: إذا كتب إنسان من القرآن ثم محى ذلك.
قلنا: لا نسلم أن التشويش والانعدام ورد على القديم، بل على ما يصدق عليه أنه محدث، أما الحرف فلا. وقد بينا فيما تقدم ثبوت التغاير بينهما، ثم لو صح ما ذكرتم لزم من انعدام هذه الألف انعدام كل ألف، وذلك باطل بالبديهة الحسية، فإن انمحى ألف كتب في محل لا توجد انمحاء ألف كتبت في محل آخر، ولو كان المحو وارداً على الحرف، لا رتفع الجميع بارتفاع واحد منها، بل هو وارد على أمور خارجية عن حقيقة الحرفية.
стр. 49
فصل: في إثبات الحرف لله تعالى
دليله آيات من الكتاب العزيز
الأول: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة:٣٧] .
وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف:١٠٩] .
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام:١١٥] .
وقال تعالى: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص:٨٤] .
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧] .
стр. 50
والكلمات هي الحروف المتآلفة المفيدة وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء:١٦٤] .
قال الأصمعي١ والفراء٢ وأبو عبيد القاسم بن سلام٣ وغيرهم من أهل اللغة: التأكيد بالمصدر يدل على ارتفاع الواسطة.
فثبت أنه يقال: كلم موسى بكلام سمعه بحاسة أذنه، ولذلك امتن الله عليه
стр. 51
في قوله: ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤] فلولا أنه سمع كلامه وإلا لم يكن للتخصيص فائدة.
وقد روي أن بني إسرائيل كانوا يقولون لموسى ﷺ : أرنا أذناً سمعت كلام الله١
وروي عن النبي ﷺ أنه قال:" إن الله ناجى موسى بمائة ألف كلمة وأربعين ألف كلمة "٢.
وروي عن زيد بن أسلم: أن الله لما كتب التوراة بيده لموسى، قال:" باسم الله قال: هذا كتاب الله بيده لعبده موسى يسبحني ويقدسني ولا يحلف باسمي آثماً " الحديث بطوله.
стр. 52
فصل: في اثبات الصوت لله تعالى
ينطق الكتاب العزيز بذلك في مواضع:
منها في سورة القصص ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ﴾ [القصص: ٣٠]
وفي سورة النمل ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ﴾ [النمل: ٨] وفي طه ﴿فَلَمَّا جَاءَهَانُودِيَ﴾ [طه:١١] .
والنداء لايكون إلا بصوت عند جميع أهل اللغة. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه:٣١] .
والاستماع لايكون إلا لصوت مسموع.
стр. 53
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص:٦٢و٧٤] ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص:٤٦] والنداء بالإجماع لايكون إلا بصوت.
وقال تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: ١٤] ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ١ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ [النازعات: ١٦] ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢] ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا﴾ [الأعراف:٢٢] ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] إنما سمعوا الصوت.
وروى البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ ، أنه قال:" إذا تكلم الله بالوحي، سمع صوته أهل السماء السابعة، فيخرون سجداً "٢إلى آخره.
وروي في الصحيحين ودونه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن أنيس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:" يحشر العباد يوم القيامة فيناديهم بصوت يسمع من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان "٣.
وروى محمد بن عطية، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
" إن الله ينادي يوم القيامة، فيقول: أين جيراني؟ أين جيراني؟ فتقول الملائكة ربنا! ومن ينبغي له أن يجاورك؟ قال: فيقول: أين عمار المساجد "٤.
стр. 54
ولا يقال إضافة النداء إلى الله بطريق المجاز إذ هو الآمر كما يقال: نادى السلطان والمراد غيره، لأنا نقول: لا يجوز ذلك. لأن غير الله لا يمكنه أن يقول:"أنا الله، أنا الملك، أنا الديان. فيسقط هذا الخيال".
وروي أن الإمام أحمد بن حنبل سئل عن رجل قال: إن الله لا يتكلم بصوت ولم يكلم موسى بصوت.
فقال: هذا جهمي كافر عدو الله وعدو الإسلام أما سمع ما قال ابن مسعود"إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء. وهذا لا يقوله ابن مسعود بالاجتهاد من تلقاء نفسه.
وروي أن" موسى ﵇ لما مضى بقبس النار، رأى ناراً تفور من فرع شجرة خضراء شديدة الخضرة، وإذا المنادي ينادي: يا موسى يا موسى. فأجاب استئناساً ببشر: لبيك لبيك! من أنت؟ فإني أسمع صوتك ولا أرى مكانك. فقال: يا موسى أنا ربك".
وروي أيضاً، أن بني إسرائيل قالوا لموسى: بم شبهت صوت ربك حين كلمك من هذا الخلق؟ قال شبهت صوته بصوت الرعد حين لا يترجع١.
وروي أن موسى حين رجع من مناجاة ربه استوحش من كلام الآدميين لما وجد من الأنس بكلام الله تعالى.
стр. 55
فصل: في ان القراءة هي المقروء وان الكتابه هي المكتوب
وإن كانت طريقتنا هذه التي سلكناها غير مفتقرة إلى شيء من ذلك، لكن إتباع المشايخ أولى
стр. 56
منها ما روي عن النبي ﷺ ، أنه قال:" من قرأ القرآن فأعربه، فله بكل حرف منه خمسين حسنة أما أني لا أقول: الم حرف، بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف "١.
وروي عن النبي ﷺ ، أنه قال:" لا يعذب الله قلباً وعى القرآن "٢ وروي
عن علي ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال:" إن أفواهكم طرق القرآن فطهروها بالسواك "٣.
وروي عن ابن مسعود أنه قال:" تعاهدوا هذا القرآن فإنه أشد تفصياً من صدور الرجال من النعم من عقلها "٤. وروي عنه أيضاً، أنه قال: أقرأني رسول الله ﷺ آية، فأثبتها في مصحفي، فلما كان الليلة، جئت أقرأها، فلم أقدر على قراءتها، فعدت إلى المصحف فوجدت مكان الآية أبيض، فأخبرت بذلك رسول الله ﷺ ، فقال:"أما علمت أنها رفعت البارحة؟ "٥.
стр. 57
وعنه أيضاً أنه قال:"اقرءوا القرآن قبل أن لا تقدروا على آية منه". قيل وكيف ذلك يابن مسعود ونحن نعلمه أبنائنا وأبناؤنا يعلمونه أبنائهم. قال: يسري عليه في ليلة واحدة فينسخ من صدور الرجال ومن المصاحف، فيصبح الناس كالبهائم لا يقدرون على آية منه"١.
وعن أبي هريرة أنه قال:"يسري على القرآن في ليلة واحدة، فلا يصبح في الأرض منه آية واحدة".
وفي حديث آخر:"يوشك أن يغضب الله لكتابه، فيسري عليه في ليلة فلا يبقى في قلب ولا ورقة
منه حرف واحد"٢
وفي حديث آخر:"ليرفعن القرآن من صدور الرجال ومصاحفهن".
وروي عن النبي ﷺ ، أنه كان يعرض نفسه في الموسم ويقول:" هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي "٣.
وروي عنه، أنه قال:" لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن يناله
стр. 58
العدو "١.
وقال الإمام أحمد ﵁: ولم يذكر حبراً ولا ورقاً.
وعن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ :" من أدام النظر في المصحف متع في بصره ما بقي في الدنيا، وفضل القراءة في المصحف نظراً على قراءته ظهراً- أي حفظاً- كفضل الفريضة على النافلة ".
وعن النبي ﷺ أنه قال:" من قرأ القرآن نظراً ختمه غرس الله له به في الجنة " الحديث بطوله.
وعن النبي ﷺ ، أنه قال:" خذوا القرآن عن أبي، وابن أم عبد- يعني: ابن مسعود- ومعاذ، وسالم "٢.
وروى عطية بن قيس قال: ما تكلم العباد بكلام أحب إلى الله من كلامه-يعني: القرآن – ولا رفع إلى الله كلام أحب إليه من كلامه.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال:" إن الرجل الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب "٣.
يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا﴾ [العنكبوت:٤٩] .
فعلم بمجموع ما ذكرناه أن معتقد الصحابة والتابعين ما اعتقدنا ومذهبهم ما ذهبنا إليه ونصرناه.
стр. 59
وقد نقل عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، أنه قال:" لعن الله المشبهة والمعطلة. فقيل له: من المشبهة؟ قال: الذين يقولون يد كيدي وبصر كبصري".
ونقل عنه: أنه قال: من شبه الله بخلقه فهو كافر بالله العظيم.
وروي عنه أنه قال: مذهبنا بين مذهبين وهدى بين ضلالتين، إثبات الأسماء والصفات، مع نفي التشبيه والأدوات، لا نغالي في الصفات فنجعلها أجساماً فنشبه١ الله بخلقه تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ولا نقصر فنمحوا٢ عنه ما أثبته لنفسه بل نقول كما سمعنا، ونشهد بما علمنا.
قال النبي ﷺ :" اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم "٣ فالتشبيه زيغ وضلال، والتعطيل كفر وإبطال، والوقوف مع السلامة أسلم.
والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم.
وروى يونس بن عبد الأعلى المصري٤ عن إمامنا الشافعي ﵀، أنه قال: نثبت هذه الصفات التي جاء بها القرآن ونثبت الصفات التي جاءت٥ بها
стр. 60
السنة، وننفي التشبيه كما نفى ذلك عن نفسه فقال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] فنحن نصف ولا نشبه. ونثبت ولا نجسم، ونعرف ولا نكيف. مذهبنا بين باطلين، وهدي بين ضلالتين، وسنة بين بدعتين وقد تفرد الله بحقائق صفاته ومعانيها عن العالم فنحن بها مؤمنون، وبحقائقها موقنون، وبمعرفة كيفيتها جاهلون.
فانظروا – رحمكم الله- إلى لفظ هذين الإمامين وكيف اتحدا واتفقا والتبري ما ورائه أحرى.
اعلم أن القراءة هي المقروء بدليل بحث لغوي مرجعه إلى أرباب اللغة. وقد جعلوهما بمعنى واحد.
قال ابن قتيبة١ في كتاب اللفظ: العرب تسمي القراءة قرآن قال الشاعر:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به
... يقطع الليل تسبيحاً وقرآنا
أي: قراءة.
قال أبو عبيدة٢: يقال قرأه قراءة وقرآناً بمعنى واحد يجعلهما مصدرين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُود اً﴾ [سورةالإسراء:٧٨] وإذاكانتاالقراءة.
стр. 61
والقرآن بمعنى واحد، فيلزم التسليم.
وقد أجمعنا على أن كلام الله هو القرآن.
وأجمعنا على أن كلام الله غير مخلوق.
فيتعين أن تكون القراءة غير مخلوقة، وقد أجمع أهل العلم على أن من حلف: لا يتكلم بكلام الآدميين: فقرأ القرآن، لأنه لا يحنث، ولو علق به طلاق زوجته لا يقع.
وقد أطلق الله تعالى لفظ القرآن وأراد به القراءة في مواضع:
منها: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ﴾ الآية [الإسراء:٤٥] ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل:٩٨] .
﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠] ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس:٩٤] ﴿الرَّحْمَنُ *عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن:١-٢] ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٨] ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء:٨٨] .
والمراد بالجميع القراءة.
وكذلك روي عن ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ :" خذوا القرآن عن أبي وعن ابن أم عبد "١.
وقوله ﷺ :" أن قريشاً قد منعوني أن أبلغ كلام ربي "٢.
стр. 62
أي القراءة به والتلاوة.
وأما إن الكتابة هي المكتوب، ففي آيات منها قوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ*وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ* فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ [الطور:١-٣] ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾ [الإسراء:٥٨] ﴿كِتَاباً فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام:٧] ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ*فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة:٧٧-٧٨﴾ .
يعني هو الكتابة، كما أخبر في صفة نبينا ﷺ حيث قال: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٧] .
والمراد به الكتابة وهي المودوعة في المصاحف إلى يوم القيامة يتوارثها القراطيس وتتضمنها.
وقد ذكر ابن عرفة في" تاريخه" هذه الأبيات عن أبي بكر الصديق ﵁، يرثي بها النبي ﷺ :
فقدنا الوحي مذ وليت عن ... وودعنا من الله الكلام
سوى ما قد تركت لنا رهيناً ... توارثه القراطيس الكرام
اًفقد أورثتنا قرآنمن الرحمن ... عليك بها التحية والسلام
في أعلى الجنان صدق ... من الفردوس طاب بها المقام
وقال : ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى*صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٨-١٩] ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ﴾ [عبس:١٣] والمراد به الكتابة.
وروي عن الشافعي ﵁ أنه قال:" إذا"١ سمعت من رجل يقول الاسم غير المسمى فاشهدوا عليه بالزندقة.
стр. 63
فصل: في ان كلام الله مسموع
...
دليله آيات من الكتاب العزيز. منها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة:٨٣] ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ [الأحقاف:٢٩] ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ [الجن:١] ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ [الأحقاف:٣٠] ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ١٣] ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [البقرة: ٧٥] ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] ﴿وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ [لقمان: ٧] ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه: ١٣] وقال تعال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ [فصلت: ٢٢٦] .
فعلم بهذه الآيات، أن كلام الله مسموع، والمسموع ليس إلا هذه الحروف والأصوات، فتكون هي كلام الله حقيقة، وإذا كانت هي كلام الله حقيقة لا يكون غيرها كلام الله ضرورة لأن كلام الله أحد شيئين، وليس هو ذلك الذي هو غيره فينبغي المصير إلى هذا.
стр. 64
فصل: في أحاديث تؤكد أن كلام الله مسموع
فانظروا إلى ما كان عليه الأئمة المهديين والفرق بينهم وبين غيرهم من المتعصبين من أهل زماننا على موافقة أغراضهم ومخالفتهم لها، لكونهم انعطفوا على حب الدنيا وزخارفها، والتحبب إلى رؤساء أعصارهم حملهم١ على هذه الأمور المستبشعة فباعوا المقطوع بالمظنون ولقد أحسن الشاعر حيث يقول:
عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى ... ومن يشتري دنياه بالدين أعجب
ونحن من ديننا: التمسك بكتاب الله وسنة نبينا ﷺ وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث المشهورين ونؤمن بجميع أحاديث الصفات، لا نزيد على ذلك شيئاً، ولاننقص منه شيئاً، كحديث قصة الدجال وقوله فيه:
" وإن ربكم ليس بأعور "٢.
وكحديث النزول إلى السماء الدنيا٣.
وكحديث الاستواء على العرش٤، وإن القلوب بين إصبعين من أصابعه٥
стр. 65
وإنه يضع السموات على أصبع والأرضين على أصبع١، ونقول بتصديق حديث المعراج٢ وبصحيح مافيه من الروايات وندين أن الله مقلب القلوب.٣ وما أشبه هذه الأحاديث جميعها كما جاءت بها الرواية من غير كشف عن تأويلها، وأن نمرها كما جاءت.
وأن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر:٢٢] وإن الله يقرب من عباده كيف يشاء لقوله تعالى ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] وقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى*فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:٨-٩] وأشباه ذلك من آيات الصفات، ولا نتأولها ولا نكشف عنها بل نكف عن ذلك كما كف عنه السلف الصالح.
ونؤمن بأن الله على عرشه كما أخبر في كتابه العزيز ولا نقول هو في كل مكان، بل هو في السماء، وعلمه في كل مكان لايخلو منه مكان كما قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] وكما قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر:١١] .
وكما جاء في حديث الإسراء إلى السماء السابعة:" ثم دنا من ربه ".
وكما في حديث سوداء أريدت أن تعتق، فقال لها النبي ﷺ :" أين ربك؟ " فقالت: في السماء فقال:" اعتقها فإنها مؤمنة "٤.
وأمثال ذلك كثير في الكتاب والسنة، نؤمن بذلك ولا نجحد شيئاً من ذلك.
стр. 66
وقد روت الثقات عن مالك بن أنس أن سائلاً سأله عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَ﴾ [طه:٥] فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.١
فيا إله السموات والأرضين، ويا خالق الخلق أجمعين، أنت المطلع على البواطن وأنت الرقيب على كل خالق وساكن، أسألك أن تغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.
فهذا: آخر ما أردنا ذكره من هذا المختصر من معتقد مصنفه، مما ذكره في كتابه كتاب" غاية المرام في مسألة الكلام" للشيخ أبي العباس أحمد بن الحسن الأرموي الشافعي، وهو الذي عليه الجمهور من السلف والخلف.
وهذا الذي ذكرناه جميعه من كلام الشيخ أبي العباس الأرموي – ﵀.
стр. 67
ثم نشرع
في كلامنا نحن
وهو القسم الثاني فيما نذكره فيما وضعناه في كتابنا المعروف"بالتبيان في آداب حملة القرآن" فلنذكر من الباب الأول أخباراً في فضيلة تلاوة القرآن وحملته فهي كثيرة جداً فمن جملتها:
عن عمر ﵁، أن النبي صلي الله عليه وسلم قال:" إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين " ١ رواه مسلم.
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ :" من قرأ حرفاً من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألم حرف [ولكن] ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف "٢ رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
وعن عبد الله بن مسعود أيضاً قال:" اقرءوا القرآن. إن الله لا يعذب قلباً وعى القرآن، وإن هذا القرآن مأدبة الله، فمن دخل فيه فهو آمن ومن أحب القرآن فليبشر"٣.
وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:" اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه "٤ رواه مسلم.
وعن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : خيركم من تعلم
стр. 68
القرآن وعلمه "١ رواه البخاري.
ومن الباب السابع منه: في آداب الناس كلهم مع القرآن:
ثبت في صحيح مسلم عن تميم الداري قال: إن النبي ﷺ قال:" الدين النصيحة".قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم "٢.
قال العلماء النصيحة لكتاب الله تعالى هي الإيمان بأنه كلام الله تعالى، وتنزيله لايشبهه شيء من كلام المخلوقين، ولا يقدر على مثله الخلق بأسرهم، ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته، وتحسينها والخشوع عندها، وإقامة حروفه في التلاوة، والذب عنه لتأويل المحرفين، وتعرض الطاعنين، والتصديق لما فيه، والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله، والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل بمحكمه، والتسليم لمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه، وناسخه ومنسوخه، ونشر علومه، والدعاء إليه وإلى ماذكرنا من نصيحته.
فصل
أجمع المسلمون على وجوب تعظيم القرآن العظيم على الإطلاق، وتنزيهه وصيانته، وأجمعوا على أن من جحد منه حرفاً مما أجمع عليه. أو زاد حرفاً لم يقرأ به أحد وهو عالم بذلك، فهو كافر
قال الإمام الحافظ أبو الفضل القاضي عياض ٣ ﵀: اعلم أن من
стр. 69
فصل: في وجوب تعظيم القرآن
أجمع المسلمون على وجوب تعظيم القرآن العظيم على الإطلاق، وتنزيهه وصيانته، وأجمعوا على أن من جحد منه حرفاً مما أجمع عليه. أو زاد حرفاً لم يقرأ به أحد وهو عالم بذلك، فهو كافر
قال الإمام الحافظ أبو الفضل القاضي عياض ٣ ﵀: اعلم أن من
стр. 70
استخف بالقرآن أو بالمصحف أو بشيء منه، أو شبه أو جحد حرفاً، أو كذب بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر، أو أثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته وهو عالم بذلك، أو شك بشيء من ذلك، فهو كافر بإجماع المسلمين. كذلك إن" من جحد التوراة"١ والإنجيل، أو كتب الله المنزلة، أو كفر بها، أو سبها أو استخف بها، فهو كافر.
قال: وقد أجمع المسلمون على أن القرآن المتلو في جميع الأقطار، والمكتوب في المصحف الذي بأيدي المسلمون، مما جمعه الدفتان من أول ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ إلى آخر ﴿الناس﴾ كلام الله ووحيه المنزل على نبيه ﷺ ، وإن جميع ما فيه حق، وان من نقص منه حرفاً قاصداً لذلك، أو بدله بحرف آخر مكانه، أو زاد عليه حرفاً لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع عليه الإجماع، وأجمع عليه أنه ليس بقرآن، عامد لكل هذا فهو كافر.
قال أبو عثمان الحذار: جميع من ينتحل التوحيد متفقون على أن الجحد بحرف من القرآن كفر، وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة ابن شنبوذ٢ القارئ أحد أئمة المقرئين المتصدرين لها مع ابن مجاهد٣ لقراءته وإقرائه بسواد من الحروف مما ليس في المصحف. وعقدوا عليه للرجوع عنه والتوبة منه سجلا ً أشهد على
стр. 71
نفسه في مجلس الوزير أبي علي بن مقلة١ سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة
وأفتى محمد بن أبي زيد فيمن قال لصبي: لعن الله معلمك وما علمك، وقال: أردت سوء الأدب ولم أرد القرآن قال يؤدب القائل.
قال: وأما من لعن المصحف فإنه يقتل. هذا آخر كلام القاضي عياض.
فصل
ويحرم تفسيره بغير علم، والكلام في معانيه لمن ليس من أهلها، والأحاديث في ذلك كثيرة، والإجماع منعقد عليه. وأما تفسيره للعالم فجائز حسن، والإجماع منعقد عليه.
فمن كان من أهل التفسير جامع للأدوات التي تعرف بها معناه، وغلب على ظنه المراد، فسّره إن كان مما يدرك بالاجتهاد كالمعاني والأحكام الخفية والجلية، والعموم والخصوص، والإعراب وغير ذلك، وإن كان ممالا يدرك بالاجتهاد، كالأمور التي طريقها النقل وتفسير الألفاظ اللغوية، فلا يجوز الكلام فيه إلا بنقل صحيح من جهة المعتمدين من أهله.
أما من كان ليس من أهله لكونه غير جامع لأدواته، فحرام عليه التفسير.
ولكن له أن ينقل التفسير عن المعتمدين من أهله.
ثم المفسرون برأيهم من غير دليل صحيح أقسام:
*فمنهم: من يحتج بآية على تصحيح مذهبه وتقوية خاطره، مع انه لا يغلب على ظنه أن ذلك هو المراد بالآية، وإنما يقصد الظهور على خصمه.
*ومنهم: من يقصد الدعاء إلى خير ويحتج بآية من غير أن يظهر له دلالة
стр. 72
فصل: في تحريم تفسيره بغير علم
ويحرم تفسيره بغير علم، والكلام في معانيه لمن ليس من أهلها، والأحاديث في ذلك كثيرة، والإجماع منعقد عليه. وأما تفسيره للعالم فجائز حسن، والإجماع منعقد عليه.
فمن كان من أهل التفسير جامع للأدوات التي تعرف بها معناه، وغلب على ظنه المراد، فسّره إن كان مما يدرك بالاجتهاد كالمعاني والأحكام الخفية والجلية، والعموم والخصوص، والإعراب وغير ذلك، وإن كان ممالا يدرك بالاجتهاد، كالأمور التي طريقها النقل وتفسير الألفاظ اللغوية، فلا يجوز الكلام فيه إلا بنقل صحيح من جهة المعتمدين من أهله.
أما من كان ليس من أهله لكونه غير جامع لأدواته، فحرام عليه التفسير.
ولكن له أن ينقل التفسير عن المعتمدين من أهله.
ثم المفسرون برأيهم من غير دليل صحيح أقسام:
*فمنهم: من يحتج بآية على تصحيح مذهبه وتقوية خاطره، مع انه لا يغلب على ظنه أن ذلك هو المراد بالآية، وإنما يقصد الظهور على خصمه.
*ومنهم: من يقصد الدعاء إلى خير ويحتج بآية من غير أن يظهر له دلالة
стр. 73
لما قاله.
ومنهم: من يفسر الألفاظ العربية من غير وقوف على معانيها عند أهلها، وهي مما لايؤخذ إلا بالسماع من أهل العربية وأهل التفسير، كبيان معنى اللفظة وإعرابها، وما فيها من الحذف والاختصار والإضمار والحقيقة والمجاز والعموم والخصوص والإجمال والبيان، والتقديم والتأخير.
ولا يكفي في ذلك معرفة العربية وحدها، بل لابد معها معرفة ما قاله أهل التفسير فيها، فقد يكونون مجتمعين على ترك الظاهر، أو على إرادة الخصوص والإضمار أو غير ذلك"مما به خالف"١ الظاهر، وكما إذا كان اللفظ مشتركاً بين معاني، فاعلم أن المراد أحد المعاني ثم فسر كل ما جاء به، فهذا كله تفسير بالرأي وهو حرام والله أعلم.
فصل
يحرم المراء في القرآن والجدال فيه بغير حق، ومن ذلك أن يظهر له دلالة الآية على شيء يخالف مذهبه، ويحتمل احتمالاً ضعيفاً موافقة مذهبه، ويناظر على ذلك فيحمله على مذهبه مع ظهورها له في خلاف ما يقول، وأما من لا يظهر له ذلك فهو معذور.
وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال:" المراء في القرآن كفر"٢
قال الخطابي: قيل: المراء المراد به الشك.
стр. 74
فصل: في تحريم المراء في القرآن والجدال فيه بغير حق
حرم المراء في القرآن والجدال فيه بغير حق، ومن ذلك أن يظهر له دلالة الآية على شيء يخالف مذهبه، ويحتمل احتمالاً ضعيفاً موافقة مذهبه، ويناظر على ذلك فيحمله على مذهبه مع ظهورها له في خلاف ما يقول، وأما من لا يظهر له ذلك فهو معذور.
وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال:" المراء في القرآن كفر "٢
قال الخطابي: قيل: المراء المراد به الشك.
стр. 75
وقيل: الجدال المشكك فيه.
وقيل: الجدال الذي يفعله أهل الأهواء في آيات القدر ونحوها.