← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 11147

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح - ط المدني

ابن القيم

Полный текст (415 стр.). Показаны 386–415 · переход к 391.

стр. 386

الجنة وأهل النار النار وما يلقاه هؤلاء وهؤلاء وقال ثم يفعل الله بعد ذلك ما يشاء بل وإلى هنا هاهنا انتهت أقدام الخلائق وما ذكرنا في هذه المسألة بل في الكتاب كله من صواب فمن الله وهو المانّ به وما كان من خطا فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريء منه وهو عند لسان كل قائل وقلبه وقصده والله أعلم.

стр. 387

الباب الثامن والستون: في ذكر آخر أهل الجنة دخولا إليها ... الباب الثامن والستون: قصده والله اعلم في ذكر آخر أهل الجنة دخولا إليها في الصحيحين من حيث أبي منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله ابن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها وآخر أهل الجنة دخولا الجنة رجلا يخرج من النار حبوا فيقول الله له اذهب فادخل الجنة فيأتيها فيخيل إليه إنها ملأى فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملأى فيقول الله له اذهب فادخل الجنة قال فيأتيها فيخيل إليه إنها ملأى فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملأى فيقول الله له اذهب فادخل الجنة فان لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها أو أن لك عشرة أمثال الدنيا قال فيقول أتسخر بي وتضحك بي وأنت الملك قال لقد رأيت رسول الله يضحك حتى بدت نواجذه قال فكان يقول ذلك أدنى أهل الجنة منزلة" وفي صحيح مسلم من حديث الأعمش عن عمرو بن سويد عن أبي ذر ﵁ قال قال رسول الله "إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة وآخر أهل النار خروجا منها رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها فيعرض عليه صغار ذنوبه فيقال عملت يوم كذا وكذا وكذا وكذا وعملت يوم كذا وكذا وكذا وكذا فيقول نعم لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه إن تعرض عليه فيقال له فان لك مكان كل سيئة حسنة فيقول رب قد عملت أشياء لا أراها ههنا فلقد رأيت رسول الله ضحك حتى بدت نواجذه " وقال الطبراني حدثنا عبد الله بن سعد بن يحيى الزرقي حدثنا أبو فروة يزيد بن محمد بن سنان الرهاوي قال حدثني أبي عن أبيه قال حدثني أبو يحيى الكلاعي عن أبي أمامة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : " إن آخر

стр. 388

رجل يدخل الحنة رجل يتقلب على الصراط ظهرا لبلعن كالغلام يضربه أبوه وهو يفر منه يعجز عنه عمله أن يسعى فيقول يا رب بلغ بي الجنة ونجني من النار فيوحي الله ﵎ إليه عبدي إن أنا نجيتك من النار وأدخلتك الجنة أتعترف لي بذنوبك وخطاياك فيقول العبد نعم يا رب وعزتك وجلالك لئن نجيتني من النار لاعترفن لك بذنوبي وخطاياي فيجوز الجسر فيقول العبد فيما بينه وبين نفسه لئن اعترفت له بذنوبي وخطاياي ليردني إلى النار فيوحي الله إليه عبدي اعترف لي بذنوبك وخطاياك اغفرها لك وأدخلك الجنة فيقول العبد لا وعزتك وجلالك ما أذنبت ذنبا قط ولا أخطأت خطيئة قط فيوحي الله إليه عبدي إن لي عليك بينة فيلتفت العبد يمينا وشمالا فلا يرى أحدا فيقول يا رب ارني بينتك فيستنطق الله جلده بالمحقرات فإذا رأى ذلك العبد فيقول يا ربي عندي وعزتك العظائم فيوحي الله إليه عبدي أنا اعرف بها منك اعترف لي بها اغفرها لك وأدخلك الجنة فيعترف العبد بذنوبه فيدخل الجنة ثم ضحك رسول الله حتى بدت نواجذه يقول هذا أدنى أهل الجنة منزلة فكيف بالذي فوقه ورواه ابن أبي شيبة عن هاشم بن القاسم ثنا أبو عقيل عبد الله بن عقيل الثقفي عن يزيد بن سنان به وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله قال آخر من يدخل الحنة رجل فهو يمشي على الصراط مرة ويكبو مرة وتسعفه النار مرة فإذا جاوزها التفت إليها فقال تبارك الله الذي نجاني منك لقد أعطاني الله شيئا ما أعطاه أحدا من الأولين والآخرين فترتفع له شجرة فيقول أي رب أدنني

стр. 389

من هذه الشجرة استظل بظلها واشرب من مائها فيقول الله ﵎ يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها فيقول لا يا رب ويعاهده إن لا يسأله شيئا غيرها وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه فيدنيه منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها ثم ترتفع له شجرة هي أحسن من الأولى فيقول يا رب أدنني من هذه لا شرب من مائها واستظل بظلها لا أسالك غيرها فيقول يا ابن آدم ألم تعاهدني انك لا تسألني غيرها فيقول لعلي إن أدنيتك منها إن تسألني غيرها فيعاهده إن لا يسأله غيرها وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه فيدنيه منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين فيقول أي رب أدنني من هذه الشجرة لاستظل بظلها واشرب من مائها لا أسألك غيرها فيقول يا ابن آدم ألم تعاهدني إن لا تسألني غيرها قال بلى يا رب هذه لا أسألك غيرها وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه فيدنيه منها فإذا أدناه منها سمع أصوات أهل الجنة فيقول يا رب ادخلنيها فيقول يا ابن آدم ما يرضيك مني أيرضيك أنى أعطيتك الدنيا ومثلها معها قال يا رب أتستهزئ مني وأنت رب العالمين فضحك ابن مسعود فقال ألا تسألونني مم اضحك قالوا مم تضحك قال ضحك رسول الله فقالوا مم تضحك يا رسول الله ﷺ قال من ضحك رب العالمين حين قال أتستهزئ بي وأنت رب العالمين فيقول لا استهزئ بك ولكن على ما أشاء قادر وفي صحيح البرقاني عن أبي سعيد البرقاني من حديث أبي سعيد الخدري نحو هذه القصة ونحن نسوقه بتمامه من عنده وهو بإسناد مسلم سواء قال قال رسول الله ﷺ : "إن أدنى أهل النار عذابا منتعل بنعلين من نار يغلي دماغه من حرارة نعليه وإن أدنى أهل الجنة منزلة رجل صرف الله وجهه عن النار قبل الجنة ومثل له شجرة ذات ظل فقال أي رب قدمني إلى هذه الشجرة لأكون في ظلها فقال الله هل عسيت إن فعلت إن تسألني غيره قال لا وعزتك فقدمه الله إليها ومثل له شجرة ذات ظل وثمر أخرى فقال أي رب قدمني إلى هذه الشجرة استظل بظلها وآكل من ثمرها قال فقال هل عسيت إن أعطيتك ذلك إن تسألني غيره قال لا وعزتك لا أسألك غيره فيقدمه الله

стр. 390

الباب التاسع والستون: وهو باب جامع فيه فصول منثورة لم تذكر فيما تقدم من الأبواب فصل في لسان أهل الجنة قال ابن أبي الدنيا حدثنا القاسم بن هاشم ثنا صفوان بن صالح حدثني رواد ابن الجراح العسقلاني ثنا الأوزاعي عن هارون ابن زباب عن أنس بن مالك ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : "يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم ستين ذراعا بذراع الملك على حسن يوسف وعلى ميلاد عيسى ثلاث وثلاثون سنة وعلى لسان محمد جرد مرد مكحلون" وروى داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال لسان أهل الجنة عربي وقال عقيل قال الزهري لسان أهل الجنة عربي فصل في احتجاج الجنة والنار في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "احتجت الجنة والنار فقالت هذه يدخلني الجبارون والمتكبرون وقالت هذه يدخلني الضعفاء والمساكين فقال الله لهذه أنت عن أبي أعذب بك من أشاء وقال لهذه أنت رحمتي ارحم بك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها" وفي رواية أخرى تحاجت النار والجنة فقالت النار أوثرت بالمتكبرين

стр. 391

والمتجبرين وقالت الجنة ما مالي لا يدخلني ألا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم فقال الله سبحانه للجنة أنت رحمتي ارحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ولكل واحدة منكما ملؤها فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع قدمه عليها فتقول قط قط فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها على بعض ولا يظلم الله من خلقه أحدا وأما الجنة فان الله ينشئ لها خلقا فصل في إن الجنة يبقى فيها فضل فينشئ الله لها خلقا دون النار وفي الصحيحين عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال " لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط بعزتك وكرمك ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة" وفي لفظ مسلم يبقى من الجنة ما شاء الله إن يبقى ثم ينشىء الله سبحانه لها خلقا فيسكنهم فضل الجنة وفي لفظ مسلم يبقى من الجنة ما شاء الله ان يبقى لمما يشاء وأما اللفظ الذي وقع في صحيح البخاري في حديث أبي هريرة وانه ينشئ للنار من يشاء فيلقى فيها فتقول هل من مزيد فغلط من بعض الرواة انقلب عليه لفظه والروايات الصحيحة ونص القران يرده فان الله سبحانه واخبر أنه يملا جهنم من إبليس واتباعه فانه لا يعذب ألا من قامت عليه حجته وكذب رسله قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ ولا يظلم الله أحدا من خلقه

стр. 392

فصل قي امتناع النوم على أهل الجنة روى ابن مردويه من حديث سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر ﵁ قال قال رسول الله "النوم أخو الموت وأهل الجنة لا ينامون "وذكر الطبراني من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد ابن المنكدر عن جابر قال سئل نبي الله فقيل أينام أهل الجنة فقال النبي ﷺ "النوم أخو الموت وأهل الجنة لا ينامون" فصل في ارتقاء العبد وهو في الجنة من درجة إلى درجة أعلى منها قال الإمام احمد ثنا يزيد أنبانا حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله" إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول يا رب إن لي هذه فيقول باستغفار ولدك لك" فصل في إلحاق ذرية المؤمن به في الدرجة وإن لم يعملوا عمله قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ وروى قيس عن عمرو بن مرة

стр. 393

عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله إن الله ليرفع ذرية المؤمن إليه في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقربهم عينه ثم قرا ﴿والذين آمنوا واتبعناهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم وما التناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين﴾ قال ما نقصنا الآباء مما أعطينا البنين وذكر ابن مردويه في تفسيره من حديث شريك عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال شريك أظنه حكاه عن النبي ﷺ قال: "إذا دخل الرجل الجنة سال عن أبويه وزوجته وولده فيقال إنهم لم يبلغوا درجتك أو عملك فيقول يا رب قد عملت لي ولهم فيؤمر بالإلحاق بهم ثم تلا ابن عباس ﴿والذين آمنوا واتبعناهم ذرياتهم بإيمان﴾ إلى آخر الآية وقد اختلف المفسرون في الذرية في هذه الآية هل المراد بها الصغار أو الكبار أو النوعان على ثلاثة أقوال واختلافهم مبني على إن قوله بإيمان حال من الذرية والتابعين أو المؤمنين المتبوعين فقالت طائفة المعنى والذين آمنوا واتبعناهم ذرياتهم في إيمانهم فأتوا من الإيمان بمثل ما أتوا به وألحقناهم بهم في الدرجات قالوا ويدل على هذا قراءة من قرأ واتبعتم ذريتهم فجعل الفعل في الإتباع لهم قالوا وقد أطلق الله سبحانه الذرية على الكبار كما قال ومن ذريته داود وسليمان " قال " ذرية من حملنا مع نوح وقال وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون وهذا قول الكبار والعقلاء قالوا ويدل على ذلك ما رواه قول سعيد بن جبير عن ابن عباس يرفعه: "إن الله يرفع ذرية المؤمن إلى درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه فهذا يدل على أنهم دخلوا الجنة بأعمالهم ولكن لم يكن لهم أعمال يبلغوا بها درجة آبائهم فبلغهم

стр. 394

إياها وإن تقاصر عملهم عنها قالوا أيضا فالأيمان هو القول والعمل والنية وهذا إنما يمكن من الكبار وعلى هذا فيكون المعنى إن الله سبحانه يجمع ذرية المؤمن إليه إذا أتوا من الإيمان بمثل إيمانه إذ هذا حقيقة التبعية وإن كانوا دونه في الإيمان رفعهم الله إلى درجته إقرارا لعينه وتكميلا لنعيمه وهذا كما إن زوجات النبي ﷺ معه في الدرجة تبعا وإن لم يبلغوا تلك الدرجة بأعمالهن وقالت طائفة أخرى الذرية هاهنا الصغار والمعنى والذين آمنوا واتبعناهم ذرياتهم في إيمان الآباء والذرية تتبع الآباء وإن كانوا صغارا في الإيمان وإحكامه من الميراث والدية والصلاة عليهم والدفن في قبور المسلمين وغير ذلك ألا فيما كان من أحكام البالغين ويكون قوله بإيمان على هذا في موضع نصب على الحال من المفعولين أي واتبعناهم ذرياتهم بإيمان الآباء قالوا ويدل على صحة هذا القول البالغين لهم حكم أنفسهم في الثواب والعقاب فإنهم مستقلون بأنفسهم ليسوا تابعين الآباء في شيء من أحكام الدنيا ولا أحكام الثواب والعقاب لاستقلالهم بأنفسهم ولو كان المراد بالذرية البالغين لكن أولاد الصحابة البالغون كلهم في درجة آبائهم وتكون أولاد التابعين البالغون كلهم في درجة آبائهم وهلم جرا إلى يوم القيامة فيكون الآخرون في درجة السابقين قالوا ويدل عليه أيضا أنه سبحانه جعلهم معهم تبعا في الدرجة كما جعلهم تبعا معهم في الإيمان ولو كانوا بالغين لم يكن إيمانهم تبعا بل إيمان استقلال قالوا ويدل عليه إن الله جعل المنازل في الجنة بحسب الأعمال في حق المستقلين وأما الإتباع فان الله يرفعهم إلى درجة أهليهم وإن لم يكن لهم أعمالهم كما تقدم وأيضا فالحور العين والخدم في درجة أهليهم وان لم يكن لهم عمل بخلاف المكلفين البالغين فإنهم يرفعون إلى حيث بلغتهم أعمالهم وقالت فرقة منهم الواحدي الوجه إن تحمل الذرية الصغار والكبار لأن

стр. 395

الكبير يتبع الأب بإيمان نفسه والصغير يتبع الأب بإيمان الأب قالوا والذرية تقع على الصغير والكبير والواحد والكثير والابن والأب كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُون﴾ أي آباءهم والإيمان يقع على الإيمان التبعي وعلى الاختياري الكسبي فمن وقوعه على التبعي قوله فتحرير رقبة مؤمنة فلو اعتق صغيرا جاز قالوا وأقوال السلف تدل على هذا قال سعيد بن جبير عن ابن عباس إن الله يرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقربهم عيونهم ثم قرأ هذه الآية وقال ابن مسعود في هذه الآية الرجل يكون له القدم ويكون له الذرية فيدخل الجنة فيرفعون إليه لتقر بهم عينه وإن لم يبلغوا ذلك وقال أبو مجلز يجمعهم الله له كما كان يحب إن يجتمعوا في الدنيا وقال الشعبي ادخل الله الذرية بعمل الآباء الجنة وقال الكلبي عن ابن عباس إن كان الآباء ارفع درجة من الأبناء رفع الله الأبناء إلى الآباء وإن كان الأبناء ارفع درجة من الآباء رفع الله الآباء إلى الأبناء وقال إبراهيم أعطوا مثل أجور آبائهم ولم ينقص الآباء من أجورهم شيئا وقال ويدل على صحة هذا القول إن القراءتين كالآيتين فمن قرأ واتبعتهم ذريتهم فهذا من حق البالغين الذين تصح نسبة الفعل إليهم كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ ومن قرأ واتبعناهم ذرياتهم فهذا في حق الصغار الذين اتبعهم الله إياهم في الإيمان حكما فدلت القراءتان على النوعين قلت واختصاص الذرية هاهنا بالصغار اظهر لئلا يلزم استواء المتأخرين بالسابقين في الدرجات ولا يلزم مثل هذا في الصغار فان أطفال كل رجل وذريته معه في درجته والله اعلم

стр. 396

فصل في إن الجنة تتكلم قد تقدم قوله احتجت الجنة والنار وقوله قالت الجنة يا رب قد أطردت أنهاري وطابت ثماري فعجل على بأهلي وقال إسماعيل ابن أبي خالد عن سعيد الطائي أخبرت إن الله تعالى لما خلق الجنة قال لها تزيني فتزينت ثم قال لها تكلمي فتكلمت فقالت طوبى لمن رضيت عنه وقال قتادة لما خلق الله الجنة قال لها تكلمي فقالت طوبى للمتقين وقال الطبراني حدثنا احمد بن علي ثنا هشام بن خالد ثنا بقية عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ : "لما خلق الله جنة عدن خلق فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ثم قال لها تكلمي فقالت ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ فصل في إن الجنة تزداد حسنا على الدوام قال عبد الله بن احمد ثنا خلف بن هشام ثنا خالد بن عبد الله عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحارث عن كعب قال: ما نظر الله إلى الجنة ألا قال طيبي لأهلك فتزداد ضعفا حتى يدخلها أهلها

стр. 397

فصل في إن الحور العين يطلبن أزواجهن أكثر مما يطلبهن أزواجهن كما تقدم حديث معاذ بن جبل في ذلك وقول الحوراء لامرأته في الدنيا لا تؤذيه فيوشك إن يفارقك ألينا حديث عكرمة عن النبي ﷺ في قول الحور العين" اللهم اعنه على دينك واقبل بقلبه على طاعتك" وذكر ابن أبي الدنيا عن أبي سليمان الداراني قال كان شابا بالعراق يتعبد فخرج مع رفيق له إلى مكة فكان إن نزلوا فهو يصلي وإن أكلوا فهو صائم فصبر عليه رفيقه ذاهبا وجائيا فلما أراد إن يفارقه قال له يا أخي اخبرني ما الذي هيجك إلى ما رأيت قال رأيت في النوم قصرا من قصور الجنة وإذا لبنة من فضة ولبنة من ذهب فلما تم البناء إذا شرافة من زبر جدة وشرافة من ياقوت وبينهما حوراء من حور العين مرخية شعرها عليها ثوب من فضة ينثني عليها معها كلما تثنت فقالت جد إلى الله في طلبي فقد والله جددت إليه في طلبك فهذا الذي تراه في طلبها قال أبو سليمان هذا في طلب حوراء فكيف بمن قد طلب ما هو اكثر منها فصل في ذبح الموت بين الجنة والنار قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 398

: "يجاء بالموت كأنه كبش املح فيوقف بين الجنة والنار فيقال يا أهل الجنة هل تعرفون هذا فيشرأبون وينظرون ويقولون نعم هذا الموت ثم يقال يا أهل النار هل تعرفون هذا فيشرأبون وينظرون ويقولون نعم هذا الموت قال فيؤمر به فيذبح قال ثم يقال يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت ثم قرأ رسول الله ﴿وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون﴾ " متفق عليه وفي الصحيحين أيضا من حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله قال" يدخل أهل الجنة الجنة ويدخل أهل النار النار ثم يقوم مؤذن بينهم فيقول يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار لا موت كل خالد فيما هو فيه" وعنه قال قال رسول الله " إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وصار أهل النار إلى النار أتي بالموت حتى يجعل بين النار والجنة ثم ينادى مناد يا أهل الجنة لا موت ويا أهل النار لا موت فيزداد أهل الجنة فرحا ويزداد أهل النار حزنا إلى جهنم " وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أتي بالموت ملبيا فيوقف على السور الذي بين أهل الجنة وأهل النار ثم يقال يا أهل الجنة فيطلعون خائفين ثم يقال يا أهل النار فيطلعون مبشرين يرجون الشفاعة فيقال لأهل الجنة وأهل النار هل تعرفون هذا فيقول هؤلاء وهؤلاء قد عرفناه هو الموت الذي وكل بنا فيضجع فيذبح ذبحا على السور ثم يقال يا أهل الجنة خلود لا موت ويا أهل النار خلود لا موت رواه النسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح وهذا الكبش والإضجاع والذبح ومعاينة الفريقين ذلك حقيقة لا خيال ولا تمثيل كما أخطأ فيه بعض الناس خطا قبيحا وقال الموت عرض والعرض لا يتجسم فضلا عن ان يذبح وهذا لا يصح فان الله سبحانه ينشئ من الموت صورة كبش يذبح كما ينشئ

стр. 399

من الأعمال صورا معاينة يثاب بها ويعاقب والله تعالى ينشئ من الأعراض أجساما تكون الأعراض مادة لها وينشئ من الأجسام أعراضا كما ينشئ من الأعراض أعراضا ومن الأجسام أجساما فالأقسام الأربعة ممكنة مقدوره للرب تعالى ولا يستلزم جمعا بين النقيضين ولا شيئا من المحال ولا حاجة إلى تكلف من قال أن الذبح لملك الموت فهذا كله من الاستدراك الفاسد على الله ورسوله والتأويل الباطل الذي لا يوجبه عقل ولا نقل وسببه قله الفهم لمراد الرسول من وكلامه فظن هذا القائل أن لفظ الحديث يدل على أن نفس العرض يذبح وظن غالط آخر أن العرض يعدم ويزول ويصير مكانه جسم يذبح ولم يهتد الفريقان الى هذا القول الذي ذكرناه وأن الله سبحانه ينشئ من الأعراض أجسام ويجعلها مادة لها كما في الصحيح عنه تجيء البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غمامتان الحديث فهذه هي القراءة التي ينشئها الله سبحانه تعالى غمامتين وكذلك قوله في الحديث الآخر أن ما تذكرون من جلال الله من تسبيحه وتحميده وتهليله يتعاطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل يذكرن بصاحبهن ذكره احمد وكذلك قوله في حديث عذاب القبر ونعيمه للصورة التي يراها فيقول من أنت فيقول أنا عملك الصالح وأنا عملك السيء وهذا حقيقة لا خيال ولكن الله سبحانه أنشأ له من عمله صورة حسنة وصورة قبيحة وهل النور الذي يقسم بين المؤمنين يوم القيامة إلا نفس إيمانهم أنشأ الله سبحانه لهم منه نورا يسعى بين أيديهم فهذا أمر معقول لو لم يرد به النص فورود النص به من باب تطابق السمع والعقل وقال سعيد عن قتادة بلغنا أن نبي الله قال أن المؤمن إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة حسنة وبشارة حسنة فيقول له من أنت فوالله أنى لأراك أمرا الصدق فيقول له أنا عملك فيكون له نورا وقائدا

стр. 400

إلى الجنة وأما الكافر إذا خرج من قبره صور له عمله في صورة سيئة وبشارة سيئة فيقول ما أنت فوالله إني لأراك أمرا السوء فيقول له أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار وقال مجاهد مثل ذلك وقال ابن جريج يمثل له عمله في صورة حسنة وريح طيبة يعارض صاحبه ويبشره بكل خير فيقول له من أنت فيقول أنا عملك فيجعل له نورا بين يديه حتى يدخله الجنة فذلك قوله يهديهم ربهم بإيمانهم والكافر يمثل له عمله في صورة سيئة وريح منتنة فيلازم صاحبه ويلاده حتى يقذفه في النار وقال ابن المبارك ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن أنه ذكر هذه الآية ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ قال علموا أن كل نعيم بعده الموت أنه يقطعه فقالوا ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ قيل لا قالوا أن هذا لهو الفوز العظيم وكان يزيد الرقاشي يقول في كلامه أمن أهل الجنة من الموت فطاب لهم العيش وآمنوا من الأسقام فهنا هم في جوار الله طول يبكي حتى تجري دموعه على لحيته

стр. 401

فصل في ارتفاع العبادات في الجنة إلا عبادة الذكر فإنها دائمة روى مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: "كل يأكل أهل الجنة فيها ويشربون ولا يتخمطون ولا يتغوطون ولا يبولون ويكون طعامهم ذلك جشاء ورشحا كرشح المسك يلهمون التسبيح والحمد كما يلهمون النفس " وفي رواية التسبيح والتكبير كما تلهمون بالتاء المثناة من فوق أي تسبيحهم وتحميدهم يجري مع الأنفاس كما تلهمون انتم النفس فصل قي تذاكر أهل الجنة ما كان بينهم في دار الدنيا قال الله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ الآيات وقد تقدم الكلام عليها وقال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ وذكر ابن أبي الدنيا من حديث الربيع بن صبيح عن الحسن عن أنس يرفعه إذا دخل أهل الجنة الجنة فيشتاق الإخوان بعضهم إلى بعض فيسير سرير هذا إلى سرير هذا وسرير هذا إلى سرير هذا حتى يجتمعا جميعا فيتكئ هذا أو يتكئ هذا فيقول أحدهما لصاحبه تعلم متى غفر الله لنا فيقول صاحبه نعم يوم كذا وكذا وموضع كذا وكذا فدعونا الله فغفر لنا

стр. 402

وإذا تذاكروا ما كان بينهم فتذاكرهم فيما كان يشكل عليهم في الدنيا من مسائل العلم وفهم القرآن والسنة وصحة الأحاديث أولى وأحرى فان المذاكرة في الدنيا في ذلك ألذ من الطعام والشراب والجماع فتذاكر في الجنة أعظم لذة وهذه لذة يختص بها أهل العلم ويتميزون بها على من عداهم

стр. 403

الباب السبعون: في ذكره من يستحق هذه البشارة دون غيره ... الباب السبعون: في ذكر من يستحق هذه البشارة دون غيره قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا﴾ وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلْبَابِ﴾ وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً

стр. 404

وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقال: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾ وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وفي المسند وغيره أن النبي ﷺ قال: "قد أنزلت علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ثم تلا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حتى ختم العشر آيات وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى قوله ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ وقال تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ_ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيّاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ

стр. 405

مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إلى قوله وبشر المؤمنين وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ وهذا في القرآن كثير مقداره على ثلاث قواعد إيمان وتقوى وعمل خالص لله على موافقة السنة فأهل هذه الأصول الثلاثة هم أهل البشرى دون من عداهم من سائر الخلق وعليها دارت بشارات القرآن والسنة جميعها وهي تجتمع في اصلين إخلاص في طاعة الله وإحسان إلى خلقه وضدها يجتمع في الذين يراءون ويمنعون الماعون وترجع إلى خصلة واحدة وهي موافقة الرب ﵎ في محابه ولا طريق إلى ذلك ألا بتحقيق القدوة ظاهرا وباطنا برسول الله وأما الأعمال التي هي تفاصيل هذا الأصل فهي بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا اله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق وبين هاتين الشعبتين سائر الشعب التي مرجعها تصديق الرسول في كل ما أخبر به وطاعته في جميع ما أمر به إيجابا واستحبابا كالإيمان بأسماء الرب وصفاته وأفعاله وآياته من غير تحريف لها ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل كما قال الشافعي ﵀ الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصف

стр. 406

به خلقه وكأنه أخذ هذا من قول النبي ﷺ : "اللهم لك الحمد كالذي تقول وخيرا مما تقول" وقد ذكرنا في أول الكتاب جملة م مقالات أهل السنة والحديث التي اجمعوا عليها كما حكاه الأشعري عنهم ونحن نحكي إجماعهم كما حكاه حرب صاحب الإمام احمد عنهم بلفظه قال في مسائله المشهورة هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المتمسكين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي ﷺ إلى يومنا هذا وأدركت من أدركت من علماء أهل الحجاز والشام وغيرهم عليها فمن خالف شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مخالف مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق قال وهو مذهب احمد وإسحاق بن إبراهيم وعبد الله بن مخلد وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم كمن جالسنا وأخذنا عنهم العلم وكان من قولهم أن الإيمان قول وعمل ونية وتمسك بالسنة والإيمان يزيد وينقص ويستثنى من الإيمان غير أن لا يكون الاستثناء شكا إنما هي سنة ماضية سد العلماء فإذا سئل الرجل أمؤمن أنت فانه يقول انا مؤمن أن شاء الله أو مؤمن ارجوا ويقول أمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله ومن زعم أن الإيمان قول بلا عمل فهو مرجىء ومن زعم أن الإيمان هو القول والأعمال شرائع فهو مرجئ ومن زعم أن الإيمان يزيد ولا ينقص فقد قال بقول المرجئة ومن لم ير الاستثناء في الإيمان فهو مرجئ ومن زعم أن إيمانه كإيمان جبريل والملائكة فهو مرجئ ومن زعم أن المعرفة في القلب وأن لم يتكلم بها فهو مرجئ والقدر خيره وشره وقليله وكثيره

стр. 407

وظاهره وباطنه وحلوه ومره ومحبوبه ومكروهه وحسنه وسيئه وأوله وآخره من الله قضاء قضاه على عباده وقدر قدره عليهم لا يعدوا واحد منهم مشيئة الله ولا يجاوزه قضاؤه بل هم كلهم صائرون إلى ما خلقهم له واقعون فيما قدر عليهم وهو عدل منه جل ربنا وعز والزنا والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المال الحرام والشرك والمعاصي كلها بقضاء الله من غير أن يكون لأحد من خلقه على الله حجة بل لله الحجة البالغة على خلقه لا يسئل عما يفعل وهم يسألون وعلم الله ماض في خلقه بمشيئة منه فهو سبحانه قد علم من إبليس ومن غيره ممن عصاه من لدن عصى الله ﵎ إلى قيام الساعة المعصية وخلقهم لها وعلم الطاعة أهل الطاعة وخلقهم لها فكل يعمل لما خلق له له وصائر إلى ما قضى عليه لا يعدو أحد منهم قدر الله ومشيئته والله الفعال لما يريد ومن زعم أن الله شاء لعباده الذين عصوه وتكبروا الخير والطاعة وأن العباد شاءوا لأنفسهم الشر والمعصية فعملوا على مشيئتهم فقد زعم أن مشيئته العباد اغلب من مشيئة الله تعالى وأي افتراء على الله اكبر من هذا ومن زعم أن الزنا ليس بقدر قيل له أرأيت هذه المرأة حملت من الزنا وجاءت بولد هل شاء الله أن يخلق هذا الولد وهل مضى في سابق علمه فان قال لا فقد زعم أن مع الله خالقا وهذا الشرك صراحا ومن زعم أن السرقة وشرب الخمر وأكل المال الحرام ليس بقضاء وقدر فقد زعم أن هذا الإنسان قادر على أن يأكل رزق غيره وهذا صراح قول المجوسية بل أكل رزقه الذي قضى الله أن يأكله من الوجه الذي أكله ومن زعم أن قتل النفس ليس بقدر من الله فقد زعم أن المقتول

стр. 408

مات بغير اجله وأي كفر أوضح من هذا بل ذلك بقضاء الله وذلك عدل منه في خلقه وتدبيره فيهم وما جرى من سابق علمه فيهم وهو العدل الحق الذي يفعل ما يريد ومن اقر بالعلم لزمه الإقرار بالقدر والمشيئة على الصغر والقماءة ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله ولا لكبيرة أتاها إلا أن يكون في ذلك حديث كما جاء في حديث ولا بنص الشهادة ولا نشهد لأحد أنه في الجنة بصالح عمله ولا لخير أتاه إلا أن يكون في ذلك حديث كما جاء على ما روي ولا بنص الشهادة والخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان وليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها ولا نخرج عليهم ولا نقر لغيرهم بها إلى قيام الساعة والجهاد ماض قائم مع الأئمة بروا أو فجروا لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل والجمعة والعيدان والحج مع سلطان وأن لم يكونوا بررة عدو لا أتقياء وأتقياء ودفع الصدقات والخراج والأعشار والفيء والغنائم إليهم عدلوا فيها أو جاروا والانقياد لمن والاه الله أمركم لا تنزع يدا من طاعته ولا تخرج عليه بسيف حتى يجعل الله لك فرجا ومخرجا ولا تخرج على السلطان وتسمع وتطيع ولا تنكث بيعته فمن فعل ذلك فهو مبتدع مخالف مفارق للسنة للجماعة وأن أمرك السلطان بأمر فيه لله معصية فليس لك أن تطيعه البتة وليس لك أن تخرج عليه ولا تمنعه حقه والإمساك في الفتنة سنة ماضية واجب احترامها فان أبتليت فقدم نفسك دون دينك ولا تعن على الفتنة بيد ولا لسان ولكن اكفف لسانك ويدك وهواك والله المعين والكف عن أهل القبلة فلا تكفر أحدا منهم بذنب ولا تخرجه عن الإسلام بعمل إلا أن يكون في ذلك حديثا كما جاء وما روى فتصدقه وتقبله وتعلم أنه كما روى نحو كفر من يستحل نحو ترك الصلاة وشرب الخمر وما أشبه ذلك أو يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج من الإسلام فاتبع ذلك

стр. 409

ولا تجاوزه والأعور الدجال خارج لا شك في ذلك ولا ارتياب وهو اكذب الكاذبين وعذاب القبر حق يسال العبد عن دينه وعن ربه وعن الجنة وعن النار ومنكر ونكير حق وهما فتانا القبر نسال الله الثبات وحوض محمد حق حوض ترده أمته ولهم آنية يشربون بها منه والصراط حق يوضع على سواء جهنم ويمر الناس عليه والجنة من وراء ذلك والميزان حق يوزن به الحسنات والسيئات كما شاء الله أن يوزن والصور حق ينفخ فيه إسرافيل فتموت الخلق ثم ينفخ فيه الأخرى فيقومون لرب العالمين للحساب وفصل القضاء والثواب والعقاب والجنة والنار واللوح المحفوظ يستنسخ منه أعمال العباد لما سبق فيه من التقادير والقضاء والقلم حق كتب الله به مقادير كل شيء وأحصاه في الذكر والشفاعة يوم القيامة حق يشفع قوم في قوم فلا يصيرون إلى النار ويخرج قوم من النار بعدما دخلوها ولبثوا فيها ما شاء الله ثم يخرجهم من النار وقوم يخلدون فيها أبدا وهم أهل الشرك والتكذيب والجحود والكفر بالله ويذبح الموت يوم القيامة بين الجنة والنار وقد خلقت الجنة وما فيها وخلقت النار وما فيها خلقهما الله وخلق الخلق لهما ولا يفنيان ولا يفنى فيهما ما فيهما أبدا فإذا احتج مبتدع أو زنديق بقول الله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَه﴾ وبنحو هذا من متشابه القرآن قيل له كل شيء مما كتب الله عليه الفناء والهلاك هالك والجنة والنار خلقهما الله للبقاء لا للفناء ولا للهلاك وهما من الآخرة لا من الدنيا

стр. 410

والحور العين لا يمتن عند قيام الساعة ولا عند النفخة ولا أبدا لان الله خلقهن للبقاء لا للفناء ولم يكتب عليهن الموت فمن قال خلاف هذا فهو مبتدع ضل عن سواء السبيل وخلق سبع سماوات بعضها فوق بعض وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض وبين الأرض العليا والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة عام والماء فوق السماء العليا السابعة وعرش الرحمن فوق الماء والله على العرش والكرسي موضع قدميه وهو يعلم ما في السماوات والأرضين وما بينهما وما تحت الثرى وما في قعر البحر ومنبت كل شعرة وشجرة وكل زرع وكل نبات ومسقط كل ورقة عدد كل كلمة وعدد الرمل والحصى والتراب ومثاقيل الجبال وأعمال العباد وأثارهم وكلامهم وأنفاسهم ويعلم كل شيء ولا يخفى عليه من ذلك شيء وهو على العرش فوق السماء السابعة ودونه حجب من نار ونور وظلمة وما هو اعلم به فإذا احتج مبتدع أو مخالف بقول الله ونحن اقرب إليه من حبل الوريد وقوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ ونحو هذا من متشابه القرآن فقل إنما يعني بذلك العلم أن الله على العرش فوق السماء السابعة العليا يعلم ذلك كله وهو بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان ولله عرش وللعرش حملة يحملونه والله مستو على عرشه وليس له حد والله سميع لا يشك بصير لا يرتاب عليم لا يجهل جواد لا يبخل حليم لا يعجل حفيظ لا ينسى ولا يسهو قريب لا يغفل ويتكلم وينظر ويبسط ويضحك ويفرح ويحب ويكره ويبغض ويرضى ويغضب ويسخط ويرحم ويعفو ويغفر ويعطي ويمنع

стр. 411

وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ويوعيها ما أراد وخلق آدم بيده على صورته والسماوات والأرض يوم القيامة في كفه ويضع قدمه في النار فتنزوي ويخرج قوما من النار بيده وينظر إلى وجهه أهل الجنة يرونه فيكرمهم ويتجلى لهم وتعرض عليه العباد يوم القيامة ويتولى حسابهم بنفسه ولا يلي ذلك غير الله عز ووجل والقرآن كلام الله الذي تكلم به وليس بمخلوق فمن زعم أن القرآن مخلوق فهو جهمي كافر ومن زعم أن القرآن كلام الله ووقف ولم يقل ليس بمخلوق فهو أخبث من القول الأول ومن زعم أن ألفاظنا وتلاوتنا مخلوقة والقرآن كلام الله فهو جهمي وكلم الله موسى تكليما منه إليه وناوله التوراة من يده إلى يده ولم يزل الله متكلما والرؤيا من الله وهي حق إذا رأى صاحبها في منامه ما ليس ضغثا فقصها على عالم وصدق فيها فأولها العالم على اصل تأويلها الصحيح ولم يحرف فالرؤيا تأويلها حينئذ حق وقد كانت الرؤيا من الأنبياء وحيا فأي جاهل اجهل ممن يطعن في الرؤيا ويزعم أنها ليست بشيء وبلغني أن من قال هذا القول لا يرى الاغتسال من الاحتلام وقد روى عن النبي ﷺ أن رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده وقال أن الرؤيا من الله وذكر محاسن أصحاب رسول الله كلهم والكف عن ذكر مساويهم التي شجرت بينهم فمن سب أصحاب رسول الله أو واحدا منهم أو نقصه أو طعن عليه أو عرض بعيبهم أو عاب أحدا منهم فهو مبتدع رافضي خبيث مخالف لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا بل حبهم سنة والدعاء لهم قربة والإقتداء بهم وسيلة والأخذ بآثارهم بها فضيلة

стр. 412

وخير الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر وعمر بعد أبي بكر وعثمان بعد عمر وعلي بعد عثمان ووقف قوم على عثمان وهم خلفاء راشدون مهديون ثم أصحاب رسول الله بعد هؤلاء الأربعة خير الناس لا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساوئهم ولا أن يطعن في واحد منهم بعيب ولا نقص فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته ليس له أن يعفو عنه بل يعاقبه ويستتيبه فان تاب قبل منه وأن لم يتب أعاد عليه العقوبة وخلده في الحبس حتى يموت أو يرجع ونعرف للعرب حقها وفضلها وسابقتها ونحبهم لحديث الرسول الله فان أحبهم إيمان وبغضهم نفاق ولا نقول بقول الشعوبية وأراذل الموالي الذين لا يحبون العرب ولا يقرون لهم بفضل فان قولهم بدعة ومن حرم المكاسب والتجارات وطلب المال من وجهه فقد جهل وأخطأ وخالف بل المكاسب من وجوهها خلال قد أحلها الله ورسوله فالرجل ينبغي له أن يسعى على نفسه وعياله من فضل ربه فان ترك ذلك على أنه لا ير الكسب فهو مخالف والدين إنما هو كتاب الله وآثار وسنن وروايات صحاح عن الثقات بالإخبار الصحيحة القوية المعروفة يصدق بعضها بعضا حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله وأصحابه ﵃ والتابعين وتابعي التابعين ومن بعدهم من الأئمة المعروفين المقتدى بهم المتمسكين بالسنة والمتعلقين بالآثار ولا يعرفون ببدعة ولا يطعن فيهم بكذب ولا يرمون بخلاف إلى أن قال فهذه الأقاويل التي وصفت مذاهب أهل السنة والجماعة والأثر وأصحاب الروايات وحملة العلم الذين أدركناهم وأخذنا عنهم الحديث وتعلمنا منهم السنن وكانوا أئمة معروفين ثقات أهل صدق وأمانة يقتدى بهم ويؤخذ عنهم ولم يكونوا أهل بدعة ولا خلاف ولا تخليط وهو قول أئمتهم وعلمائهم الذين كانوا قبلهم فتمسكوا بذلك وتعلموه وعلموه

стр. 413

قلت حرب هذا صاحب احمد وإسحاق وله عنهما مسائل جليلة وأخذ عن سعيد بن منصور وعبد الله بن الزبير الحميدي وهذه الطبقة وقد حكى هذه المذاهب عنهم واتفاقهم عليها ومن تأمل المنقول عن هؤلاء وأضعاف أضعافهم من أئمة السنة والحديث وجده مطابقا لما نقله حرب ولو تتبعناه لكان بمقدار هذا الكتاب مرارا وقد جمعت منه في مسالة علو الرب تعالى على خلقه واستوائه على عرشه وحدها سفرا متوسطا فهذا مذهب المستحقين لهذه البشرى قولا وعملا واعتقادا وبالله التوفيق فصل ونختم الكتاب بما ابتدأنا به أولا وهو خاتمة دعوى أهل الجنة قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال حجاج عن ابن جريج أخبرت أن قوله دعواهم فيها سبحانك اللهم قال إذا مر بهم الطير ليشتهونه قالوا سبحانك اللهم وذلك دعواهم فيأتيهم الملك بما اشتهوا فيسلم عليهم فيردون عليه فذلك قوله تعالى: وتحيتهم فيها سلام قال فإذا أكلوا حمدوا الله ربهم فذلك قوله تعالى: وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين قال سعيد عن قتادة قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ يقول ذلك دعاؤهم فيها وتحيتهم فيها سلام

стр. 414

وقال الأشجعي سمعت سفيان الثوري يقول إذا أرادوا الشيء قالوا سبحانك اللهم فيأتيهم ما دعوا به ومعنى هذه الكلمة تنزيه الرب تعالى وتعظيمه وإجلاله عما لا يليق به وذكر سفيان عن عبد الله بن موهب سمعت موسى بن طلحة قال سئل رسول الله عن سبحان الله فقال تنزيه الله عن السوء وسال بن الكواء عليا عنها فقال كلمة رضيها الله تعالى لنفسه وقال حفص بن سليمان بن طلحة ابن يحيى بن طلحة عن أبيه عن طلحة بن عبيد الله قال سالت رسول الله عن تفسير سبحان الله فقال هو تنزيه الله عن كل سوء فأخبر الله تعالى عن أول دعواهم إذا استدعوا شيئا قالوا سبحان الله وعن آخر دعواهم عند ما يحصل لهم هو قولهم الحمد لله رب العالمين ومعنى الآية اعم من هذا والدعوى مثل الدعاء والدعاء يراد به الثناء ويراد به المسالة وفي الحديث أفضل الدعاء الحمد لله رب العالمين فهذا دعاء ثناء وذكر يلهمه الله أهل الجنة فأخبر سبحانه وعن أوله وآخره فأوله تسبيح وآخره حمد يلهمونهما كما يلهمون النفس وفي هذا إشارة إلى أن التكاليف في الجنة يسقط عنهم ولا تبقى عبادتهم إلا هذه الدعوى التي يلهمونها وفي لفظ اللهم إشارة إلى صريح الدعاء فإنها متضمنة لمعنى يا الله فهي متضمنة للسؤال والثناء وهذا هو الذي فهمه من قال إذا أرادوا شيئا قالوا سبحانك اللهم فذكروا بعض المعنى ولم يستوفوه مع أنهم قصروا به فإنهم أوهموا أنهم إنما يقولون ذلك عندما يريدون الشيء وليس

стр. 415

في الآية ما يدل على ذلك بل يدل على أن أول دعائهم التسبيح وآخره الحمد وقد دل الحديث الصحيح على أنهم يلهمون ذلك كما يلهمون النفس فلا تختص الدعوى المذكورة بوقت إرادة الشيء وهذا كما أنه لا يليق بمعنى الآية فهو لا يليق بحالهم والله تعالى أعلم بالصواب