. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سيذكرنى قومى إذا جدّ جدّهم ... وفى اللّيلة الظّلماء يفتقد البدر (١)
وكذلك قوله تعالى: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (٢).
الرابع: إسناده إلى اسم الزمان، مثل: (نهاره صائم) فقد أسند صائم إلى النهار، معناه أنا نجعل اسم الزمان فاعلا، فنسند الصوم إليه، وينبغى تقييد ذلك بإرادة هذا المعنى، فإنه يصح أن تقول: (نهاره صائم) حقيقة، أى قائم الظهيرة، يقال: صام النهار إذا قام قائم الظهيرة، ولا بد من إرادة الحقيقة الشرعية، فإن الصوم فى اللغة مطلق الإمساك، فيصح إسناده للنهار حقيقة، ومن هذا الباب قولهم ولد له ثلاثون عاما، وصيد عليه يومان، وليلة ماطرة، وليل ساهر، وقوله تعالى: وَالنَّهارَ مُبْصِراً (٣).
الخامس: اسم المكان مثل: (نهر جار) وهو كظرف الزمان، وهذا المثال إنما يصح إذا كان النهر اسما للشق، فإن كان اسما للماء وحده فهو حقيقة، ولأهل اللغة فى ذلك عبارات مختلفة تشهد لكل من الاحتمالين.
السادس: السبب وهو أن تجعل ما هو سبب الفعل فى المعنى فاعلا، أو فى حكمه، مثل (بنى الأمير المدينة) لكونه تسبب فى بنائها، قال الخطيبى: يريدون بنيت المدينة للأمير، وبعضهم يجعل هذا المثال للمسبب، وكلاهما صحيح.
(قلت): ليس معناه ما ذكره، وإنما يكون معناه بنيت للأمير بتقدير أن يكون للمسبب، فيكون من القسم الذى ذكره بعد، وقوله: (وكلاهما صحيح) فيه نظر؛ لأنه على المسببة يرجع فى المعنى إلى المفعول من أجله، فيمكن دخوله فى قسم عيشة راضية، إلا أن مرادهم بالمفعول فى عيشة راضية المفعول به فقط. هذا كله على تقدير أن المراد بالإسناد ذلك فقولك: بنيت المدينة لا يطلق على بنائها للأمير، ولا يفهم منه لا حقيقة ولا مجازا، وأما قولك: للأمير
فليس مسندا إليه، وأما على التقدير الآخر أن المراد بالإسناد النسبة - ولا تستبعده - فسيأتى عن سيبويه والسكاكى مثله فى الكلام على أسباب العلمية، فالحكم على ما سبق واضح؛ لأنه يكون تعلق الصفة بالموصوف، كراضية بعيشة، وغيره مجازا، من غير نظر إلى ضميره المستتر فيه، ويكون فى (ضرب زيد عمرا) إسناد باعتبار الفاعلية، وإسناد باعتبار المفعولية.
стр. 142
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبعد أن تحررت هذه القاعدة على التحقيق فنقول: الإسناد إلى الفاعل المعنوى قد يكون والفعل مبنى له لفظا، مثل: (قام زيد) فزيد فاعل لفظا، ومعنى حقيقة، ولا يكون إلى نائبه، لأنك إذا قلت: (ضرب زيد) لم تسند الضرب باعتبار الفاعلية إلى أحد، إنما أسندته باعتبار المفعولية فالفاعل المعنوى ليس المفعول الذى هو نائبه نائبا فى المعنى، بل فى اللفظ فقط، والإسناد إلى المفعول به المعنوى قد يكون مع البناء للفاعل، كما يقول رضيت العيشة، وإن بنيته للمفعول ألبس بالحقيقة كقولك: رضيت العيشة بضم الراء، وعلى هذا القياس، إلا أنه قد يقال: لا يلزم من جعل المفعول فاعلا أن يجعل كذلك الفاعل مفعولا، بل يستعمل منه القاصر، فإن (دفق) فى الأصل متعد، فلما أسندناه إلى الماء قد يقال: إنه صار قاصر بمعنى مندفق، وفيه نظر، وقد يقال: هو متعد، أى دافق نفسه، والظاهر أنا إذا جعلنا المفعول فاعلا انقلب الفاعل مفعولا، ويوضحه ما تقدم فى (سيل مفعم)؛ لأنا إنما قلنا مفعم بالبناء للمفعول؛ لأنا قدرنا أن المفعول هو الفاعل، فقلنا: ملأ الوادى السيل، فلذلك صح بناء الفعل للسيل، فقلنا: (أفعم السيل) فتبعه قولنا سيل مفعم.
ولنرجع حينئذ إلى عبارة المصنف، فقوله: إسناده إلى الفاعل حقيقة لا يريد الفاعل اللفظى، وإلا ورد عليه أن الإسناد المجازى أيضا لا يكون إلا لفاعل لفظى، كما ستراه فى الجميع، وإنما أراد المعنوى ويعنى به ما هو له عند المتكلم فى الظاهر، ولا يريد لما هو له حقيقة، أو بتأويل؛ لأن كل إسناد كذلك، وقوله: (أو المفعول إذا كان مبنيا له) يعنى إسناد الفعل فى نحو: (ضرب زيد عمرا) إلى الفاعل الحقيقى؛ إذا كان الفعل أو معناه مبنيا له، أو إلى المفعول؛ إذا كان الفعل أو معناه مبنيا له. وقيدناه (بالحقيقى) احترازا عن إسناد الفعل لما جعلناه مفعولا به مجازا، فإن الإسناد فيه مجازى كما سبق فى (سيل مفعم)، ولا يصح إطلاق أن الإسناد إلى المفعول والفعل مبنى له حقيقة،
فتصحيح الكلام أن يقال: إسناد الفعل إلى مفعوله الحقيقى والفعل مبنى له حقيقة، مثل: (ضرب زيد)، وكذلك إسناده إلى الفاعل الحقيقى، والفعل مبنى له مثل: (ضرب زيد عمرا) فالأول إسناد الضاربية، والثانى إسناد المضروبية، ولا يكون الإسناد فى هذين إلا حقيقة، والأقسام الآتية وإن صح بناؤها للمفعول فالمفعول الذى بنى الفعل له فيها ليس مفعولا حقيقيا. وقوله: (إلى غيرهما للملابسة) مجاز أى سواء كان مبنيا للفاعل
стр. 143
وقولنا: بتأوّل خ خ: يخرج ما مرّ من قول الجاهل؛ ولهذا لم يحمل نحو قوله [من المتقارب]:
أشاب الصّغير وأفنى الكبي ... ر كرّ الغداة ومرّ العشى
ــ
مثل: عيشة راضية، أو للمفعول مثل: سيل مفعم؛ على أنه قيل فى عيشة راضية غير ذلك، فقال البصريون: هو على إرادة النسب، أى عيشة ذات رضا، وفيها ضمير الفاعل، كما هو فى قولك: رجل هندى. وقال الكوفيون: أصله مرضية، فأقيم راضية، مقام مرضية. قال الفارسى: فعلى هذا ليس الضمير المستتر فاعلا، بل هو قائم مقامه، فعلى الوجهين هو مجاز إفرادى لا عقلى، وقيل: الأصل راض صاحبها، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فارتفع مستترا، وأنث لإسناده لمؤنث، وقيل: راضية معناه كاملة. وقوله: وسيل مفعم الكلام فيه كعيشة راضية فتطرقه هذه الأقوال وكذلك الجميع وقوله: شعر شاعر تقدم الكلام عليه.
(تنبيه): عرف مما سبق أن الإسناد إلى الفاعل والمفعول أقسام أربعة:
أحدها - أن يسند إلى الفاعل والفعل مبنى له مثل: (قام زيد).
الثانى - أن يسند إلى الفاعل والفعل مبنى للمفعول مثل: (رضى صاحب العيشة).
الثالث - أن يسند إلى المفعول والفعل مبنى للفاعل، مثل: (عيشة راضية).
الرابع - أن يسند إلى المفعول وهو مبنى له مثل: (ضرب زيد).
(تنبيه): المراد بقولنا الإسناد إلى المفعول وما معه هو الذى كان مفعولا، وكذلك فى الجميع، ولا نعنى أنا نسند إليه حال كونه مفعولا، فلا نقول: إن راضية بمعنى مرضية، والضمير للفاعل، ولو قلنا ذلك لتهافت، بل الصيغة فاعل لفظا صناعيا، ومعنى مجازيا.
(تنبيه): لك أن تقول: الملابسة لا تختص بالسببية، بل جميع العلاقات المذكورات فى المجاز اللفظى ينبغى أن تأتى فى المجاز الإسنادى.
قوله: (وقولنا بتأول يخرج ما مر من قول الجاهل) يعنى قوله: أنبت الربيع البقل، ويعنى الجاهل بالله تعالى، وهو الكافر.
قوله: ولهذا لم يحمل على المجاز قول الصلتان العبدى، وقيل السعدى:
أشاب الصّغير وأفنى الكبي ... ر كرّ الغداة ومرّ العشى (١)
стр. 144
على المجاز؛ ما لم يعلم أو يظنّ بأنّ قائله لم يرد ظاهره؛ كما استدلّ على أنّ إسناد ميّز فى قول أبى النّجم [من الرجز]:
ميّز عنه قنزعا عن قنزع ... جذب اللّيالى أبطئى أو أسرعى (١)
مجاز بقوله عقيبه [من الرجز]:
أفناه قيل الله للشّمس اطلعى
ــ
نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضى
تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقى
يعنى كل مجاز إسنادى لا يحمل على المجاز، حتى يظن أن قائله لم يرد ظاهره، فإن شك فالأصل الحقيقة. وعلى المصنف فى هذا المثال اعتراض سيأتى، وقوله: كما استدل مثال لما إذا ظن أن قائله لم يرد ظاهره، فإن أبا النجم لو اقتصر على قوله:
ميّز عنه قنزعا عن قنزع ... جذب اللّيالى أبطئى أو أسرعى (٢)
لما علمنا أنه مجاز إلى أن قال:
أفناه قيل الله للشّمس اطلعى (٣)
وعكسه قولهم: وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ (٤) استدل على إرادة الحقيقة بقوله تعالى: إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ. *
(تنبيه): أنشد فى الإيضاح لملابسة السبب قول عوف بن الأحوص:
стр. 145
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلا تسألينى واسألى عن خليقتى ... إذا ردّ عافى القدر من يستعيرها (١)
أراد أنه أطلق عافى القدر على المرق الذى يتأخر فيها، وإنما هى حقيقة فى المستعير؛ لأن عافى القدر هو المستعير الراد. (قلت): كذا قال الجوهرى يقال: عفوت القدر إذا تركت فيها شيئا، لكن قال ابن سيده فى المحكم: عافى القدر ما يبقيه فيها المستعير من المرق وأنشد البيت.
(تنبيه): عرف صاحب المفتاح الحقيقة العقلية بقوله: هو الكلام المفاد به ما عند المتكلم من الحكم فيه، وعرف المجاز العقلى بقوله: هو الكلام المفاد به خلاف ما عند المتكلم من الحكم فيه، لضرب من التأول إفادة للخلاف، لا بواسطة وضع، وقال: إنما قلت ما عند المتكلم من الحكم دون أن أقول ما عند العقل، وفى الثانى خلاف ما عند المتكلم دون أن أقول خلاف ما عند العقل، ليتناول الأول كلام الجاهل، حيث عد منه حقيقة، مع أنه غير مفيد لما فى العقل من الحكم فيه، ولا يدخل هذا الكلام فى الثانى، فإنه لا يسمى كلام ذلك مجازا، وإن كان بخلاف العقل فى نفس الأمر، ولئلا يمتنع عكس الثانى، بمثل: (كسا الخليفة الكعبة) فإنه لا يمتنع أن يكسو الخليفة نفسه الكعبة، ولا يقدح ذلك فى كونه فى المجاز العقلى. قال المصنف فى كلامه: هذا نظر، أما فى الأول؛ فلأنه غير مطرد لصدقه على ما لم يكن المسند فيه فعلا، ولا متصلا به، مثل: الإنسان حيوان، مع كونه لا يسمى حقيقة، ولا مجازا. ولا منعكس، لخروج ما يطابق الواقع دون اعتقاد المتكلم، وما لا يطابق شيئا منهما مع كونهما حقيقتين عقليتين.
(قلت): أما السؤال الأول فممنوع، ولا شك أن الإسناد فى زيد حيوان حقيقة، بخلاف ما قاله المصنف، وهو مقتضى كلام عبد القاهر، حيث حدها بما يقتضى دخول مثل ذلك، كما تقدم، والثانى صحيح، إلا أن يحمل على أن مراده بما عند المتكلم، ما يدل لفظه عليه مع عدم القرينة الصارفة عنه، وقد ذكر فى الإيضاح اعتراضات على
стр. 146
وأقسامه أربعة: لأنّ طرفيه:
إمّا حقيقتان: نحو: أنبت الربيع البقل.
أو مجازان: نحو: أحيا الأرض شباب الزّمان.
أو مختلفان: نحو: أنبت البقل شباب الزمان، وأحيا الأرض الربيع.
ــ
هذا الحد، لم أطل بذكرها، وقد تبين بما ذكرناه أن المسمى بالحقيقة والمجاز العقلى عند المصنف هو الإسناد نفسه، وعليه عبارة ابن الحاجب فى النقل عن عبد القاهر، وقول الزمخشرى فى الكشاف، وغيره، وعلى عبارة السكاكى يكون المجاز نفس الكلام.
قال المصنف: وإنما اخترنا هذا؛ لأن نسبة المسمى حقيقة أو مجازا على هذا لنفسه بلا واسطة شئ وعلى الأول لاشتماله على ما ينسب إلى العقل، قلت: بل لا يصح من جهة المعنى إلا ذلك، والسكاكى فى جميع الباب يقول: إسناد حقيقة وإسناد مجاز، كما قال غيره.
أقسام المجاز العقلى:
ص: (وأقسامه أربعة؛ لأن طرفيه إلى قوله وغير مختص).
(ش): أى أقسام المجاز العقلى أربعة، لأن له طرفين: هما المسند والمسند إليه فإما أن يكونا حقيقتين أى كل منهما حقيقة لغوية، مثل: أنبت الربيع البقل، فالإنبات والبقل حقيقتان، لاستعمالهما فى موضوعهما ومنه:
وشيّب أيّام الفراق مفارقى (١)
وكذلك قول الشاعر:
ونمت وما ليل المطىّ بنائم (٢)
أو مجازين مثل أحيا الأرض شباب الزمان، فإن الإحياء والشباب مستعملان مجازا فى الإنبات والربيع، أو يكون المسند حقيقة والمسند إليه مجازا، مثل: أنبت البقل شباب الزمان، أو عكسه، نحو: أحيا الربيع البقل، ووقع المجاز العقلى كثيرا فى القرآن كقوله تعالى:
стр. 147
وهو فى القرآن كثير: وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً (١)، يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ (٢)، يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما (٣)، يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (٤)، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٥).
وهو غير مختص بالخبر، بل يجرى فى الإنشاء؛ نحو: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً (٦)
ــ
وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً «١» - نسب الزيادة للآيات وهى لله تعالى، وكذلك يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ «٢» نسب التذبيح لفرعون لكونه الآمر به، وكذلك يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما «٣» باعتبار السبب فى النزع، وكذلك يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً «٤» وكذلك أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها «٥».
(تنبيه): هذه الأقسام الأربعة تأتى فى الإسناد الحقيقى، فقد يكون طرفاه حقيقتين، مثل: (خلق الله زيدا) وقد يكونان مجازين، كقولك: (أحيا البحر زيدا) تريد (أعطى الكريم زيدا) وقد يكون المسند مجازا، والمسند إليه حقيقة، مثل: (أحيا الله البقل)، وعكسه، مثل: (جاء فلان) يريد غلامه، وإنما يجوز ذلك بقرينة ترشد إلى المعنى.
(تنبيه): هذه الأقسام الثمانية هى دائرة بين الفعل وفاعله، ولا شك أن الفعل يلابس فضلات باعتبار المفعول، والحال، وغيرهما، وذلك باعتبار الحقيقة أو المجاز، فنقول: كل واحد منهما قد يكون فى الفاعل والمفعول، والمفعول يلابس الفعل حقيقة أو مجازا، وكل واحد منهما قد يكون فى نفسه مجازا إفراديا، وقد يكون حقيقيا، فهذه أربعة أحوال تضرب فى الثمانية أعنى الأقسام الأربعة الحقيقية والأقسام الأربعة المجازية - تبلغ اثنين وثلاثين قسما، وتأتى فى المفعول الثانى أربعة وستين، وفى الثالث مائة وثمانية وعشرين، وتتضاعف بالتوابع والحال والمصدر والظرف ونحوه، فعليك باعتبار ذلك، وافعل ما تقتضيه القواعد السابقة، وينبغى أن يسمى هذا مجاز الملابسة، ولا يقال: مجاز إسناد؛ لغلبة استعمال الإسناد بين الفعل وفاعله، أو ما قام مقامه فقط.
ص: (وغير مختص بالخبر بل يجرى فى الإنشاء كقوله تعالى: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً «٦»).
стр. 148
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
(ش): لأن هامان ليس مأمورا أن يبنى بنفسه، وقوله: غير مختص معطوف على كثير، ولكنه لا يشاركه فى ظرفه الذى هو فى القرآن، وهذا مثال لمجاز السببية ويأتى ذلك فى الجميع، كقولك: لعل العيشة ترضى، والنهار يصوم، والنهر يجرى، والجد يجد، وفى القسم تقول: أقسمت بالله، حقيقة، فإذا أردت الإسناد المجازى لا تكاد تقدر عليه، ولا تقدر عليه أيضا فى النداء ولا الاستفهام، لا يقال: قد يأتى فى القسم فى نحو:
حلف الزّمان ليأتينّ بمثله ... حنثت يمينك يا زمان فكفّر (١)
فإنك يصح أن تقول: على هذا قال الزمان: أقسمت لآتين بمثله؛ لأن الإسناد حينئذ فى قول الزمان: (أقسمت) حقيقة وفى قولك: قال الزمان: هو المجاز.
(قاعدة هذا أول مواطن ذكرها لا بأس بالتيقظ لها فقد غلط فيها من لا أحصيهم عددا من الأئمة) والاختصاص والتخصيص معناهما الانفراد والإفراد، فإذا قلت: اختص زيد بالمال فمعناه أنه انفرد به لم يشاركه أحد من الناس فيه، وخصصته به أى أفردته من دون سائر الناس بالمال، كما صرح به أهل اللغة، وقال: الراغب: التخصيص (٢) والاختصاص والتخصص تفرد بعض الشئ بما لا يشاركه فيه الجملة اه. وهذا واضح، ولذلك قال تعالى: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ (٣) أى يفرد من يشاء برحمته، أو ينفرد من يشاء برحمته، فمعناه على التقديرين انفراد من يشاء بالرحمة، فإذا قلت: اختص زيد بالمال فمعناه أن زيدا منفرد عن غيره بالمال، فهو المختص بمعنى اسم الفاعل، والمال مختص به، والمختص أبدا هو المنفرد، والمحتوى على الشئ فهو كالظرف له، والمختص به أبدا هو المأخوذ، كالمظروف، فلو قلت: اختص المال بزيد مريدا ما أردته بالمثال السابق لم يصح؛ لأنك فى المثال الأول حصرت المال فى زيد، وفى الثانى حصرت زيدا فى المال، فلا يكون له صفة غير الاحتواء على المال،
стр. 149
ولا بدّ له من قرينة:
لفظيّة: كما مرّ.
أو معنويّة: كاستحالة قيام المسند بالمذكور:
عقلا: كقولك: محبّتك جاءت بى إليك.
أو عادة: نحو: هزم الأمير الجند.
وكصدوره عن الموحّد فى مثل [من المتقارب]:
أشاب الصّغير ...
ــ
وهو غير المراد فإن زيدا قد يكون له صفات من دين وعلم وغير ذلك، فإن تخيل متخيل صحة ذلك قال: معنى اختصاص زيد بالمال أن المال لا يخرج عن ملكه، ومعنى اختصاص المال بزيد أن زيدا لا يخرج عن أن يكون مالكا له، ولا ينفى ذلك أن يكون له صفات أخرى لا تنافى ملكه للمال، قلنا له: فما تصنع بقولهم: التخصيص إفراد بعض الشئ بما لا يشاركه فيه الجملة؟ فإذا قلت: خصصت المال بزيد كان معناه إفراد المال بما لا يشاركه فيه غير المال، ويلزم فى ذلك نفى غير المال، من صفات زيد، ثم إنه يلزم أن يكون مدلول اختص الثوب بزيد أن زيدا لا يفارقه أبدا، فلا يزال مالكا له، وهذا وإن كان صحيحا فى نفسه فلا شك أنه معنى آخر، غير قولك: اختص زيد بالثوب، وإنما نبهت على ذلك؛ لأنه وقع التساهل فى عبارات كثير من الأكابر عن غير قصد، وقد كثر ذكر هذه العبارة مقلوبة فى كلام ابن الحاجب، وابن مالك، والسكاكى، والمصنف، حتى فى عبارة سيبويه، وهذا أول موطن ذكرها فيه مقلوبة، فإنه قال: غير مختص بالخبر وصوابه غير مختص به الخبر، وسترى فى عبارة المصنف كثيرا منه، فعليك باعتباره، ولقد كثر الغلط فى ذلك حتى رأيت بعض المصنفين فى هذا العلم إذا وجدوا العبارة على السداد يتوهمون أنها مقلوبة، وأشكل على شراح المفتاح مواضع، وإنما نشأ لهم ذلك عن قلب العبارة فليتأمل.
أهمية القرينة للمجاز الإسنادى:
ص: (ولا بد من قرينة ... إلخ)
(ش): أى لا بد للمجاز الإسنادى من قرينة، إما لفظية؛ كما تقدم من قول أبى النجم:
(أفناه قيل الله) فإنه قرينة صرفت اللفظ إلى مجازه، أو قرينة معنوية، كاستحالة قيام المسند بالمذكور عقلا، أى
بالمسند إليه، ودخل فيه الصفات الحقيقية كالعلم، والجهل، والإضافية، كالقرب، والبعد، ونحو الموت أيضا، وكذلك ذكر فى الإيضاح كاستحالة صدوره من
стр. 150
ومعرفة حقيقته:
إمّا ظاهرة: كما فى قوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ (١) أى: فما ربحوا فى تجارتهم.
وإمّا خفيّة: كما فى قولك: سرّتنى رؤيتك، أى: سرّنى الله عند رؤيتك، وقوله [من مجزوء الوافر]:
إذا ما زدته نظرا (٢) ... يزيدك وجهه حسنا
أى: يزيدك الله حسنا فى وجهه.
ــ
المسند إليه، أو قيامه به، ليدخل ذلك كله. وقوله: كقولك: محبتك جاءت بى إليك الباء فيه للتعدية، أى محبتك أحضرتنى، وإنما أتت به نفسه، كذا فى الإيضاح، ويصح أن يقال: إنما أتى به الله تعالى وقوله: (أو عادة) أى استحالة عادة نحو: هزم الأمير الجيش، وبنى المدينة؛ لأن العادة أنه لا يفعل ذلك وحده. وقوله: وصدوره عن الموحد فى مثل: (أشاب الصغير) يعنى أن العلم بأن قائل ذلك البيت موحد قرينة صرفت الإسناد إلى المجاز.
(قلت): وهذا القسم هو الأول؛ لأن العقل يقضى باستحالة صدور الإشابة والإفناء من غيره ، فأى فرق بين هذا وبين الأول؟ ثم لا نسلم أن القرينة هنا غير لفظية؛ لأن تلك القصيدة فى بعض أبياتها ذكر النبى فهو قرينة لفظية، كبيت أبى النجم، أنشد صاحب التتمة فى أولها:
على دين صدّيقنا والنّبى (٣) ... فملّتنا أنّنا مسلمون
فإن قلت: قد تقدم من المصنف أن ذلك البيت لم يحمل على المجاز، قلت: ليس كذلك، بل الذى تقدم أن نحو ذلك البيت لا يحكم عليه بالتجوز ما لم يعلم أن قائله أراد معناه، وقد علم.
ص: (ومعرفة حقيقته ... إلخ).
(ش): معرفة حقيقته أى حقيقة المجاز الإسنادى إما أن يريد معرفة وجوده، أو معرفة كيفية ملابسته، إما ظاهرة أى واضحة، أو خفية، والمعرفة لا توصف بالظهور
стр. 151
وأنكره (١) السكاكىّ؛ ذاهبا إلى: (أنّ ما مرّ ونحوه استعارة بالكناية؛ على أنّ المراد بالربيع الفاعل الحقيقىّ؛ بقرينة نسبة الإنبات إليه، وعلى هذا القياس غيره):
وفيه نظر (٢):
أ - لأنه يستلزم أن يكون المراد ب عيشة فى قوله تعالى: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٣): صاحبها؛ كما سيأتى.
- ألّا تصحّ الإضافة فى نحو: نهاره صائم خ خ؛ لبطلان إضافة الشئ إلى نفسه.
- وألّا يكون الأمر بالبناء لهامان.
- وأن يتوقّف نحو: أنبت الربيع البقل على السمع.
واللوازم كلّها منتفية.
ب - ولأنه ينتقض بنحو: نهاره صائم خ خ؛ لاشتماله على ذكر طرفى التشبيه.
ــ
والخفاء باعتبار نفسها، بل باعتبار سهولة تحصيلها وعسره، فإنها قد تدرك بالبديهة، أو بأدنى تأمل، فتسمى ظاهرة، وقد تحتاج لطول نظر فتكون خفية، ومثل الظاهرة بقوله تعالى: فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ (٤) أى فما ربحوا فى تجارتهم، والخفية كقولك:
(سرتنى رؤيتك) أى سرنى الله عندها، وهو من الإسناد إلى الظرف المجازى أو من الإسناد بملابسة السبب؛ لأن الرؤية سبب السرور، وكذلك قول أبى نواس:
إذا ما زدته نظرا (٥) ... يزيدك وجهه حسنا
أى يزيدك الله حسنا فى وجهه كذا قاله المصنف.
(قلت): لكن يلزم منه حمل حسنا على استحسانا، فإن الذى ازداد حسنا هو الوجه لا الناظر، ويحتمل أن يقال فيه: إنه على السببية، أى بسبب وجهه، وملابسة هذا بالظرفية كالذى قبله.
(قوله: وأنكره السكاكى) قال السكاكى: الذى عندى نظمه فى سلك الاستعارة بالكناية فى قولهم: أنبت الربيع البقل إلخ، وأورد عليه المصنف ما أورده، وفيه نظر؛ أما
стр. 152
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: إنه يلزم أن يكون المراد بعيشة فى قوله: عِيشَةٍ راضِيَةٍ (١) صاحبها فليس كذلك، بل لنا فى تصحيح كلامه طريقان:
إحداهما: أن راضية فى معنى الصفة الجارية على غير من هى له فى المعنى، لا من حيث الصناعة، كأنه قال: راض صاحبها، لا على أحد التقادير السابقة، فإن ذلك تقدير لفظى، وهذا معنوى، فإنا نجعل الإسناد إلى ضمير العيشة، وهى صفة جارية فى اللفظ على العيشة، وفى المعنى على صاحبها، والمعنى فى عيشة رضى صاحبها، فضمير راضية يعود على العيشة، وهو استعارة بالكناية، والمسند وهو اسم الفاعل استعارة تخييلية، قارنت المكنية، فإن قلت: كان السكاكى مستغنيا عن هذا بأن يجعل الإسناد إلى صاحبها الحقيقى، كما هو أحد التقادير السابقة، ولا حاجة إلى الاستعارة بالكناية، قلت: تفوت المبالغة المقصودة.
الثانية: أنه يلتزم ما ذكره المصنف، وأن المراد بعيشة صاحبها، ولا يلزم أن يكون الشئ فى نفسه، ويجعل العيشة وضميرها المستتر فى راضية، أريد بهما صاحب العيشة، فتكون العيشة استعارة بالكناية، والمسند فى راضية استعارة تخييلية، ولا بدع أن يكون صاحب العيشة الحقيقى فى صاحبها المجازى على سبيل الاستعارة للمبالغة، فإن قلت:
المصنف لا يرى أن الاستعارة بالكناية أريد بها غير موضوع اللفظ، فكيف يقول: يلزم السكاكى أن يكون المراد بعيشة صاحبها؟ قلت: ألزمه برأيه؛ لأن السكاكى يرى أن الاستعارة بالكناية مجاز، بإطلاق لفظ المشبه، وإرادة المشبه به، مدعيا أن المشبه به فرد من أفراد المشبه، وقد خبط كثير من الناس فى هذا المكان، والتحقيق ما قلناه، والله تعالى أعلم. على أن الجزرى اعترض عليه فى إلزامه أن المراد بعيشة صاحبها، بأن قال:
يلزم ذلك، فإن الزمخشرى ذكره، وهو وهم؛ لأن التزام ذلك التزام للمحال، إذ يلزم أن يكون الشئ فى نفسه، ولا يصح التزام ذلك إلا بالطريق التى ذكرناها، والزمخشرى لم يذكر أن المراد بعيشة صاحبها، بل أن المراد براضية صاحبها، وبينهما فرق، وأما قوله: إنه يلزم أن يكون المراد (بماء دافق) فاعل الدفق فلا يلزم، بل يحتمل ما سبق، وأما قوله: إنه يلزم عدم صحة الإضافة فى نحو: (نهاره صائم) إذ يصير من باب
стр. 153
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إضافة الشئ إلى نفسه فممنوع، ولا نسلم أنه يلزم التجوز فى نهاره، بل فى صائم، على ما سبق. وأما إلزامه بنحو: (يا هامان ابن لى صرحا) بأن لا يكون الأمر بالبناء لهامان، مع أن النداء له، فجوابه أن يلتزم أن المأمور بالبناء البانى بنفسه بعد اعتقاد دخول هامان نفسه فى زمرة من يبنى بنفسه مجازا، مدلولا على خطابه بيا هامان، وعلى أن المراد البناء بقوله: (ابن). وأما اعتراضه بلزوم توقف (أنبت الربيع البقل) على النقل الشرعى فهو أحسن الأسولة (١)، وأجاب عنه الجزرى بأن السكاكى لم يرد أن الربيع أطلق على الله تعالى، إنما أراد أن الإسناد إلى هذه الأشياء جعل كناية عن الإسناد إلى الفاعل، وأسند إلى الربيع ليعلم أن المقصود منه الإسناد إلى الله كما يعلم من قولك: (زيد كثير الرماد) أن المقصود الكرم، وهذا الكلام يمكن سلوكه فى كل ما سبق، إلا أنه لا يصح الجواب به عن السكاكى، فإن جعله كناية يخرجه عن أن يكون استعارة بالكناية، لكن الجواب أن يقال: أسند إلى الربيع على أنه فاعل حقيقى لا بمعنى المؤثر بل بمعنى أنه حقيقة فى الفعل الصورى، كقولك: قام زيد فكما أن معنى كونه حقيقة أن العرب وضعت اللفظ له، وإن كان الفاعل الحقيقى هو الله تعالى فكذلك لا يمتنع أن تضع العرب (أنبت الربيع) لوجود صورة الإنبات فيه وعن السكاكى جواب آخر تحقيقى يضيق المجال عنه وأما قول الخطيبى: إن السكاكى لا يرى أن أسماء الله تعالى توقيفية وأخذه ذلك من كلامه على نحو: أنبت الربيع البقل على ما يقتضيه لفظه - فضعيف؛ لأن مثل ذلك كلام مستطرد لا يؤخذ منه قاعدة كلية تقضى بأن مذهبه أن أسماء الله تعالى اصطلاحية إلا أن يكون أراد أن السكاكى يرى أن الأسماء اصطلاحية لكونه معتزليا والظاهر أن المعتزلة يرون ذلك ولو ذهب إليه فهو مذهب فاسد مردود وأما قوله: إن ذكر طرفى التشبيه يمنع من حمل الكلام على الاستعارة فليس كذلك لأن المراد ذكر الطرفين على جهة التشبيه وأجيب عنه بأن المشبه به فى هذا المثال شخص ما إنسانى موصوف بالصوم وهو أعم من المذكور فيكون غيره فلا يكون الكلام مشتملا على طرفى
стр. 154
أحوال المسند إليه (١) أولا: حذف المسند إليه ، وذكره.
حذف المسند إليه:
ــ
التشبيه وفيه نظر لأنك لو قلت: زيد كنهار صائم كان تشبيها بالاتفاق مع وجود هذا التغاير وأما الإلزام بأنه لا
يكون استعارة فى نحو: نهاره صائم فجوابه ما سبق؛ من جعل المجاز فى الخبر وهو صائم.
(تنبيه): اعلم أن المصنف فى باب الاستعارة بالكناية جعلها كلها مجازا عقليا، وذلك مناقض لما ذكره هنا من إثبات المجاز العقلى فى هذه الأمثلة، وإنكار أن يكون استعارة بالكناية، وتصريحه بتغايرهما، وهذا الاعتراض أقوى من جميع ما اعترض به على السكاكى.
(تنبيه): تلخص فى نحو: (أنبت الربيع البقل) إذا لم يكن من كافر ولا كذبا، وفى نحو: (زيد الجبل العظيم) أقوال:
أحدها - أن المجاز فى أنبت، وهو رأى ابن الحاجب.
الثانى - أنه فى الربيع، وهو رأى السكاكى.
الثالث - أنه فى الإسناد، وهو رأى عبد القاهر والمصنف.
الرابع - أنه تمثيل، فلا مجاز فيه فى الإسناد، ولا فى الإفراد، بل هو كلام أورد ليتصور معناه فينتقل الذهن منه إلى إنبات الله تعالى، وهو اختيار الإمام فخر الدين.
[الجزء الاول] أحوال المسند إليه:
[- حذف المسند إليه]
ص: (أحوال المسند إليه أما حذفه إلى قوله: وأما ذكره).
(ش): المسند إليه قد تقدم ذكره، وإنما قدمه على المسند؛ لأن المسند إليه كالموصوف، والمسند كالصفة، والموصوف أجدر بالتقديم؛ لأنه الموضوع، والصفة هى المحمول، وأحواله أقسام: أحدها أن يكون محذوفا، والإضافة فى قوله حذفه إلى المفعول؛ لأن الحذف فعل المتكلم، وكذلك ما بعده من قوله ذكره، وغير ذلك، وقدم
стр. 155
أما حذفه:
١ - للاحتراز عن العبث بناء على الظاهر.
٢ - أو تخييل العدول إلى أقوى الدليلين من العقل واللفظ؛ كقوله [من الخفيف]:
قال لى: كيف أنت قلت: عليل (١)
ــ
ذكر الحذف على الذكر؛ لأن الذكر هو الأصل فلا تتشوف النفس إلى ذكر الموجب له، بخلاف الحذف، وحذفه لأحد أمور بمعنى أن الاعتبار المناسب حذفه عند وجود واحد من هذه الأمور؛ فإن حذف لا لواحد منها كان حذفا على غير الوجه المناسب.
الأول: الاحتراز عن العبث بناء على الظاهر، يعنى بقوله فى الظاهر أن ذكره يكون فى الظاهر عبثا لإغناء القرينة عنه، وإن كان فى الحقيقة غير عبث، كقولك لمن يستشرف الهلال: (الهلال والله) أى هذا الهلال، فلو صرحت بذكر المبتدأ لكان ذكره عبثا فى الظاهر، بمعنى أنه لا يظهر له فائدة.
واعلم أن المصنف جعل هذا فى الإيضاح جزء علة، وأضافه إلى الاختصار، وإنما اقتصر على هذا هنا؛ لأنهما يرجعان لشئ واحد، والظاهر أن الاختصار هنا هو الحذف، والاقتصار على الخبر يترتب على الحذف، فإن كان كذلك فكيف يعلل الحذف بنفسه؟ وإن كان الاختصار هو جعل معانى اللفظ الكثير فى لفظ قليل فلا يتأتى هنا؛ لأن معنى المسند إليه ليس مجعولا فى المسند، بل حذف، ودل عليه بالقرائن، وقد يجاب بأن مراده بقصد الاختصار أن يقصد المتكلم الاختصار فى الجملة، والمراد بالحذف حذف شئ خاص، وهو المسند إليه.
الثاني: أن يقصد تخييل العدول إلى أقوى الدليلين من العقل واللفظ، كقولك: (قائم) فى جواب: (كيف زيد؟) وإنما قلنا: أقوى الدليلين لأنك لو قلت: (زيد قائم) أو (هو قائم) لكان الكلام مفيدا للمسند إليه بلفظه، ولو قلت: قائم لكان يدل عليه بدلالة العقل القاضية بأن السؤال كالمعاد فى الجواب، فالدليلان هما العقل واللفظ، وأقواهما العقل؛ فالعقل يدل على المسند إليه، واللفظ لو ذكر دل عليه،
стр. 156
٣ - أو اختبار تنبّه السامع عند القرينة.
٤ - أو مقدار تنبّهه.
٥ - أو إيهام صونه عن لسانك.
٦ - أو عكسه.
ــ
إلا أن الدلالة المعنوية أقوى. وقال الخطيبى: لأن اللفظ لا يفيد إلا الظن، والدلالة العقلية تفيد القطع، قلت: فيه نظر؛ لأنه لا يعنى بالعقل إلا دلالة القرائن التى لا تفيد بمجردها فى الغالب إلا الظن، وفى عبارته أيضا أن العقل دليل على
الترك، واللفظ دليل على الذكر، فهى عبارة قلقة، وصوابها العقل دليل عند الترك، واللفظ دليل عند الذكر.
قال المصنف: كقوله:
قال لى كيف أنت قلت عليل ... سهر دائم وحزن طويل (١)
تقديره أنا عليل، وهذا يصلح أن يكون مثالا لهذا، وأن يكون مثالا للذى قبله، وأن يكون مثالا للحذف؛ لضيق المقام (٢)، كما سيأتى. والمعنى الأول هو لما يلزم عليه، من عدم الفائدة فى الذكر. والمعنى الثانى فيه نقص الفائدة وضعفها، فالأول أعم من الثانى؛ لأن فى الثانى تحصيل الصيانة عن العبث، فإن سلوك أضعف الدليلين عبث، وعبارة المصنف التخييل، وينبغى أن يقول: للعدول؛ فإنه وقع حقيقة لا تخييلا. هذا على ما اقتضاه كلامهم وقد تبعناهم فيه، ولك أن تقول: ليست القرائن أقوى من اللفظ، بل مراد المصنف أن المتكلم إذا حذف فقد خيل للسامع أن المسند إليه مدلول عليه بالعقل، فلا يحتاج إلى ذكر، وعلى هذا تعين ذكر التخييل.
الثالث: أن يقصد بحذفه اختبار تنبه السامع عند القرينة أله تنبه أم لا؟ وإنما قلنا:
عند القرينة؛ لأن الفهم عند عدم القرينة لا سبيل إليه، ولا يجوز الحذف حينئذ أو يعلم أن له تنبها ولكن يريد أن يختبر مقدار تنبهه، وهل يكتفى بقرينة بعيدة، أو يحتاج إلى قرينة قريبة، أو لقرائن؟
الرابع: إيهام صونه عن لسانك لتعظيمه، أو صون لسانك عنه وتحقيره. وقول المصنف: إيهام كقوله فى السابق: تخييل، ولا يأتى فيه ذلك الجواب، ولو قال:
стр. 157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للصون لكان جيدا، وقد يجاب عنه بأن الصون ليس هو الترك، بل قصده للصيانة، وهو لم يوجد، بل وجد ما يوهمه، ومثال الأول:
سأشكر عمرا إن تراخت منيّتى ... أيادى لم تمنن وإن هى جلّت
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشّكوى إذا النّعل زلّت (١)
هما لأبى الأسود الدؤلى يمدح عمرو بن سعيد بن العاصى، وكذلك قول الآخر:
أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى اللّيل حتّى نظم الجزع ثاقبه
نجوم سماء كلّما انقضّ كوكب ... بدا كوكب تأوى إليه كواكبه (٢)
ولو عبر المصنف بقوله: لقصد التعظيم؛ لمثلنا ذلك بقوله تعالى: سُورَةٌ أَنْزَلْناها (٣). وفى هذا المعنى يقول يزيد:
وإيّاك واسم العامريّة إنّنى ... أغار عليها من فم المتكلّم (٤)
ومثال الثانى: قوله تعالى: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ (٥)، وقوله: وَما أَدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ (٦)، وإنما يصح التمثيل بهاتين الآيتين الكريمتين؛ لصون اللسان عن المسند إليه باعتبار لسان القارئ، لما لا يخفى، وكقوله:
стр. 158
٧ - أو تأتّى الإنكار لدى الحاجة.
٨ - أو تعيّنه.
٩ - أو ادّعاء التعيّن.
١٠ - أو نحو ذلك.
ــ
سريع إلى ابن العمّ يلطم وجهه ... وليس إلى داعى النّدا بسريع (١)
يقول عن ابن عم له لطمه الأصل: هو سريع فحذفه تحقيرا له، وسيأتى ذكر هذا البيت فى البديع مثالا لرد العجز على
الصدر. وفيما ذكرناه من الشواهد لهذا والذى قبله نظر؛ لجواز أن يراد إيهام التعيين، أو الاختصار، أو غير ذلك: وفى معنى صون اللسان يقول الشاعر:
ولقد علمت بأنّهم نجس ... وإذا ذكرتهم غسلت فمى (٢)
وقوله: (أو عكسه) معطوف على إيهام أى: أو إيهام صون لسانك عنه، ولا يصح عطفه على صونه؛ لأنه يكون لإيهام أحد الأمرين، وليس هو المراد.
الخامس: لتأتى الإنكار عند الحاجة؛ لأنه قد تدعو الحاجة إلى التكلم بشئ، ثم تدعو الحاجة لإنكاره مثاله: أن يذكر شخص فتقول: فاسق. ثم تخشى من غائلة ذلك فتنكره، فلو قلت: زيد فاسق؛ لقامت البينة بذلك، ولم تستطع الإنكار. لا يقال:
كيف ينفع الإنكار مع القرينة؟ لأنا نقول: القرينة ترجح أحد الطرفين ترجيحا لا يسوغ الشهادة، لا يقال: فهذا حينئذ مدعاة إلى الكذب المحرم؛ لأنا نقول: نحن نتكلم على أسباب الحذف التى لاحظتها العرب، سواء كان ذلك شرعا أم لا، ثم نقول: قد يجب الإنكار والكذب، كما إذا كان فيه مصلحة شرعية، ثم إنما يتأتى ذلك إذا لم يكن استفهام، فلو قيل لك: ما زيد؟ فتقول: فاسق. لم ينفع الإنكار بعد ذلك، ولم يصدق المنكر، حتى لو قال له: ما حال زوجتك؟ فقال: طالق. لم يصدق إذا ادعى عدم إرادتها.
السادس: التعيين فيه أى: أن ذلك المسند معين للمسند إليه منحصر فيه؛ فلا حاجة لذكره، كقولك: خالق لما يشاء أى: الله. قيل: وقول السكاكى: لما يشاء، لا حاجة لذكره، وإنه إنما ذكره اعتزالا؛ لأنهم يرون أن العبد خالق؛ ولكن لا لكل
стр. 159
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما يشاء وفيما قيل نظر؛ لأن هذا المثال هو المطابق لقوله : يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) وقوله تعالى: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ (٢) فلعل السكاكى لم يقصد بقوله: لما يشاء الاحتراز؛ بل قصد التأسى بالآية الكريمة. قلت: وهذه الفائدة داخلة فى الأولى، إلا أن يقال: المقصود الإعلام بالتعين، أو إحضاره فى ذهن السامع، وهذا القسم بهذا المثال هو الجدير بأن يقال فيه: ترك المسند إليه لدلالة العقل، ويسمى الأول: دلالة
المعنى وقوله: (أو ادعاء التعيين) فهو كقوله: (يعطى بدرة) يعنى السلطان، ولو قال المصنف: ادعاء التعين إما ادعاء مطابقا، أو غير مطابق، لكان أحسن، وسيأتى عن قريب ما قد يورد على هذا.
(تنبيه): ينبغى أن يلحق هذا بما يحصل به القصر، ويذكر فى بابه.
وقوله: (أو نحو ذلك) ذكر فى الإيضاح بعد ذكره أنه يترك إذا كان ذكره عبثا، أنه يحذف إما لذلك، وإما لذلك، مع ضيق المقام، ومقتضاه أن ضيق المقام قد يقصد منضما إلى غيره، لا مستقلا. والسكاكى جعله فائدة مستقلة، قسيمة للعبث ثم كيف يحسن أن يكون ذلك علة مستقلة، وجزء علة أخرى، وهذا القسم يصلح أن يمثل له بقوله:
قال لى كيف أنت قلت عليل (٣)
لأن الاستفهام قد يكون مع ضيق المقام عن طول الإجابة، وهى حالة العليل، وقد يكون مع اتساعه، كقوله تعالى حكاية عن موسى ﵇: قالَ هِيَ عَصايَ (٤) وذكر السكاكى من أسباب الحذف: كون الاستعمال واردا على تركه، أو ترك نظائره، كقولهم: رمية من غير رام وكقولك: نعم الرجل زيد، على قول من يرى أن التقدير:
هو زيد. وقيل: عكسه، وقيل: زيد مبتدأ، خبره نعم الرجل. وهذا السبب يدخل فيه جميع المواضع التى ذكر النحاة وجوب حذف المبتدأ فيها، وهى: إذا أخبر عنه بنعت مقطوع لمدح، أو ذم، أو ترحم، أو بمصدر بدل من اللفظ بفعله، نحو:
стр. 160
ذكر المسند إليه:
وأمّا ذكره، ف:
١ - لكونه الأصل ولا مقتضى للعدول عنه.
٢ - أو للاحتياط؛ لضعف التعويل على القرينة.
ــ
سمع وطاعة، أو بصريح قسم، وبعد لا سيما إذا رفع الاسم بعدها، وفى المصدر الذى انتصب توكيدا للجملة نفسها، إذا رفعت نحو: صنع الله، وذكر المبرد نحو قولهم: دار فلانة أى: هذه دار فلانة وفى قولهم: من أنت؟ زيد أى:
مذكورك زيد، وقولهم: لا سواء، وقد يحذف سرورا بالمسند، كقولك: غزال أى: هذا غزال، يخاطب من يريد صيده.
(تنبيه) اقتصر المصنف على المبتدأ من المسند إليه؛ لأن الفاعل لا يحذف عند البصريين، وما ندر من ذلك فى: قام الناس، لا يكون زيدا ونحوه، على رأى ابن مالك، لا عبرة به ولعله لم يقصد الحذف. وكذلك مواضع يسيرة فإن جوزنا حذفه، كما هو مذهب الكسائى، كان حذفه ما يتأتى فيه من الاعتبارات السابقة، فى حذف المبتدأ، دون ما لا يتأتى مثل: السرور بالمسند، فإنه حاصل حذف الفاعل أم ذكر؛ لأن المسند إلى الفاعل مقدم عليه.
ذكر المسند إليه:
ص: (وأما ذكره إلى آخره).
(ش): ذكر المسند إليه يكون لأحد أمور:
الأول - أنه الأصل، ولك أن تقول: هذا المعنى يعارض كلا من مقتضيات الحذف، فما تصنع حينئذ بتعارض المقتضيين؛ فينبغى أن يزاد فيه، ولا مقتضى للحذف، كما فعل فى الإيضاح؛ ليدل على أن الأصل، إنما يراعى، حيث لا مقتضى يعارضه. وقولنا:
ولا مقتضى سواء شرط للتعليل لا جزء علّة فرار من التعليل بالعدم.
الثانى - أن يضعف التعويل على القرينة، هذه عبارته، ولك أن تقول: إن كان المراد أن القرينة ضعيفة فى نفسها، لا يغلب على الظن إفادتها، فلا مقتضى للحذف. فإن القرينة الدالة على المحذوف شرط الحذف وإن كان المراد ضعف اعتماد السامع عليه، لعدم تنبهه فلا يسوغ الحذف حينئذ، أو المراد: ضعف تعويل المتكلم
стр. 161
٣ - أو التنبيه على غباوة السامع.
٤ - أو زيادة الإيضاح والتقرير.
٥ - أو إظهار تعظيمه.
٦ - أو إهانته.
٧ - أو التبرّك بذكره.
٨ - أو استلذاذه.
٩ - أو بسط الكلام حيث الإصغاء مطلوب؛ نحو: هِيَ عَصايَ (١).
ــ
عليها، فذلك عبارة عن عدم الحذف. وإن أراد: أن الاعتماد على القرينة فى نفسه ضعيف، أو أن المتكلم يفرضه
ضعيفا، كان منافيا لقوله فيما سبق: بحذف للاعتماد على أقوى الدليلين: العقل واللفظ، وفرض المتكلم القوى ضعيفا لا موجب له.
الثالث - أن يقصد التنبيه على غباوة السامع، حتى أنه لا يفهم إلا بالتصريح، وينبغى أن يقول: إيهام غباوته؛ لأن التنبيه على غباوته إنما يكون عند غباوته، وحينئذ لا يسوغ الحذف وإذا لم يسغ وجب الذكر؛ لأنه الأصل ولا مقتضى للحذف.
الرابع - أن يقصد زيادة الإيضاح والتقرير. فإن قلت: قد تقدم أن الدلالة مع الحذف أقوى. قلت: لكنها ربما احتاجت إلى فكر ونظر بخلاف الصراحة.
الخامس - إظهار تعظيمه بالذكر كقوله: القهار يصون عباده؛ لعظم هذا الاسم، أو إهانته لما يدل عليه اسمه من الحقارة، كقولك: اللعين إبليس.
السادس - التبرك باسمه، كقولك: محمد رسول الله خير الخلق.
السابع - الاستلذاذ بذكره، كقولك: الله خالق كل شئ، ورازق كل حى وعد السكاكى هذين شيئا واحدا؛ لأن بينهما تلازما والأحسن أن يمثل للاستلذاذ بذكره بما تكون حروف المسند إليه عذبة، من غير نظره لمعناه.
الثامن - بسط الكلام، حيث يقصد الإصغاء، كقول موسى ﵇: هِيَ عَصايَ ولذلك زاد على الجواب بقوله: أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وما بعده وإنما أجمل المآرب؛ لأن تفصيلها يطول، وقد يفضى الطول إلى الخروج عن الفصاحة. قلت:
وقولهم: (حيث الإصغاء مطلوب) فيه نظر؛ لأن المطلوب هو الكلام المستدعى من موسى ﵇ لا الإصغاء، وأن أخذ الإصغاء من جانبه فذلك لا يسمى إصغاء. ولو سى فإنما كان المقصود كلام الله تعالى له، وأن يصغى هو له،
стр. 162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وذلك لا يحصل ببسط الجواب، ولم يكن المقصود سماع الله تعالى، فإنه حاصل لا يزال إلا أن يقال: قصد تطويل المكالمة والمراجعة.
ومن هذا أيضا قالوا: نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (١) هذا ما ذكره المصنف.
قال السكاكى: وقد يذكر لقصد تخصيص المسند بالمسند إليه بعد أن كان عاما، كقولك:
زيد جاء وعمرو ذهب، وقوله:
الله أنجح ما طلبت به ... والبرّ خير حقيبة الرّجل (٢)
وقوله:
والنّفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع (٣)
قال المصنف فى الإيضاح: وفيه نظر؛ لأنه إن قامت قرينة تدل عليه إن حذف فعموم الخبر وإرادة تخصيصه بمعين وحدهما لا يقتضيان ذكره، وإلا فيكون ذكره واجبا.
وأجيب على هذا بأنه لا مانع من اجتماع الأسباب، فيكون ذكره لعدم القرينة وللتخصيص، فإن وجوب ذكره لعدم القرينة، لا ينافى ذلك. وفيه نظر؛ لأن المصنف يقول: هب أنه لا ينافى، فأى مناسبة فى عموم الخبر وإرادة تخصيصه يقتضى الذكر؟
كما أشار بقوله: لا يقتضيان ذكره وأجيب عنه بأن إرادة التخصيص توجب التصريح به وهو لا يحصل إلا بالذكر. نعم هنا سؤال على الجميع، وهو: أن قولهم: لقصد تخصيص المسند بالمسند إليه كلام بعيد عن الصواب؛ لأن تخصيص المسند بالمسند إليه معناه: ما الله إلا أنجح، وما النفس إلا طامعة؛ لأن تخصيص الشئ بالشئ، إن يجعل له شيئا، لا يجعله لغيره، كما سبق. فتخصيص المسند، وهو الطمع بالنفس معناه أن لا
стр. 163
ثانيا: تعريف المسند إليه ، وتنكيره.
أ - تعريف المسند إليه:
ــ
يكون للنفس صفة إلا الطمع، وهذا لا يصح؛ لأمور منها: أن القطع حاصل بأنه غير مقصودهم ولا هو صحيح فى نفسه، إذ لا يقول أحد: إن قولنا: زيد قام، معناه ما زيد إلا قام، وإنما قيل بذلك فى نحو: صديقى زيد. ومنها: أن قولهم فى الخبر بعد أن كان عام النسبة لا يوافقه؛ لأنهم يريدون بعد أن كان الخبر عام النسبة، كما صرح به فى المفتاح. ولو أرادوا هذا لقالوا: بعد أن كان المسند إليه عاما. ولا شك أن هذا ليس مرادهم وإن أرادوا أن معناه:
ما طمع إلا النفس فذلك تخصيص المسند إليه بالخبر الفعلى، ولا يصح لأمرين:
أحدهما - أن العبارة مقلوبة؛ لأن التعبير عن مثله أن يقال: تخصيص المسند إليه بالمسند.
الثانى - أنه مخالف لقاعدة السكاكى، فإنه يقول: متى كان المبتدأ اسما ظاهرا، لا يفيد التخصيص؟ ولا جواب عن هذا السؤال، إلا بأن يقال: لعله أراد بالتخصيص، ذكر مسند إليه خاص أى: معين. فإن قلت: كيف يجتمع هذا مع قوله قبل ذلك: إنه يترك المسند إليه للتعين أو ادعاء التعين، مثل: أعطى بدرة يعنى السلطان، فكيف يكون التخصيص علة الذكر والترك، والشئ لا يكون علة للضدين؟
قلت: لم يجعل الحذف سببا للحصر؛ بل جعل العلم بالحصر سببا للحذف، والمراد ادعاء أن هذا المسند لا يقبل أن يصدر إلا من هذا المسند إليه، وعند الذكر، يريد أن يعين فيه ما هو قابل أن يكون منه، وأن يكون من غيره.
(تنبيه): كل واحد من الحذف والذكر، قد يكون مع كل واحد مما سيأتى من تعريف وتنكير وغير ذلك.
تعريف المسند إليه:
ص: (وأما تعريفه).
(ش): إنما قدم الكلام على تعريف المسند إليه على الكلام على تنكيره؛ لأن التنكير هو الأصل، فليس للنفس تشوق طائل إلى ذكر سببه. وقيل: لأن التعريف وجودى، والتنكير عدمى. وقيل: لأن المعرف أعم من المنكر، فقدم عليه. ولعل قائله أراد أن المنكر، يدل على الحقيقة بقيد القلة، أو الكثرة، أو غير ذلك على ما سيأتى. والمعرف يدل على الحقيقة لا بقيد، أو أراد أن المعرف عام، إذا دخلته الألف واللام الجنسية، أو
стр. 164
تعريف المسند إليه بالإضمار:
وأمّا تعريفه: فبالإضمار:
١ - لأنّ المقام للتكلّم.
٢ - أو الخطاب.
٣ - أو الغيبة.
ــ
الإضافة بخلاف النكرة المثبتة. قال فى الإيضاح: التعريف لتكون الفائدة
أتم لأن الحكم كلما كان بعيدا من الذهن، كان الإعلام به أكبر فائدة، وكلما كان أكبر كانت الفائدة أضعف وبعده بحسب تخصيص المسند إليه، والمسند كلما ازداد تخصيصا، ازداد الحكم بعدا، وكلما ازداد عموما، ازداد الحكم قربا. وإن شئت فاعتبر حال الحكم فى
قولنا:
شئ ما موجود يعنى أن الفائدة فيه ضعيفة، بخلافها فى قولك: فلان ابن فلان يحفظ الكتاب، والتخصيص كماله بالتعريف. اه.
وأورد عليه الخطيبى أن ما ذكره يقتضى التخصيص، وهو أعم من التعريف. قلت:
قد أجاب المصنف عن ذلك، بقوله: وكمال التخصيص بالتعريف.
تعريف المسند إليه بالإضمار:
ص: (فبالإضمار؛ لأن المقام للتكلم أو الخطاب أو الغيبة).
(ش): الذى يظهر أن قوله: لأن المقام هو خبر تعريفه، والفاء داخلة عليه، وفصل بينهما قوله: بالإضمار، وهو حال لأنه لا يريد أن يخبر بأن التعريف يكون بالإضمار وغيره؛ فإن ذلك حظ النحوى، بل يريد ذكر أسباب التعريفات، غير أن فيه الفصل بين الفاء والمعطوف بالحال. فإذا كان التعريف بالإضمار فذلك يكون لأحد أسباب:
الأول - أن يكون المقام يحتاج لضمير يبين المقصود، فتارة يكون باعتبار التكلم، كقوله:
أنا المرعّث لا أخفى على أحد ... ذرت بى الشّمس للقاصى وللدّانى (١)
стр. 165
وأصل الخطاب أن يكون لمعيّن، وقد يترك إلى غيره؛ ليعمّ كلّ مخاطب؛ نحو: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ (١) أى: تناهت حالهم فى الظهور؛ فلا يختصّ بها مخاطب.
ــ
والبيت لبشار، والمرعث: المقرط، وكان بشار يلقب بالمرعث لرعثة كانت له فى صغره، والرعثة: القرط، وإما أن يكون مكان خطاب، كقوله:
وأنت الّذى كلّفتنى دلج السّرى
وقوله:
وأنت الذى أخلفتنى ما وعدتنى ... وأشمتّ بى من كان فيك يلوم (٢)
وإما أن يكون مقام غيبة؛ لتقدم ما يرجع إليه المسند إليه لفظا، كقوله:
من البيض الوجوه بنى سنان ... لو انّك تستضئ بهم أضاءوا
هم حلّوا من الشّرف المعلّى ... ومن حسب عشيرة حيث شاءوا (٣)
أو فى حكم الملفوظ به؛ كقوله تعالى: اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى (٤).
ص: (وأصل الخطاب أن يكون لمعين، وقد يترك إلى غيره؛ ليعم كل مخاطب).
(ش): أصل الخطاب أن يكون لمعين، إما مفرد، أو جمع، أو مثنى، وقد لا يقصد به معين، كما تقول: فلان لئيم إن أكرمته أهانك، وإن أحسنت إليه، أساء إليك. فلا تريد مخاطبا بعينه، بل تريد أكرم، أو أحسن إليه فتخرجه فى صورة الخطاب، ليفيد العموم، وأن سوء معاملته، لا يختص بواحد دون آخر.
ومنه قوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ (١) أخرج فى صورة الخطاب لما أريد العموم، يريد أن حالهم تناهت فى
стр. 166
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الظهور، بحيث لا يختص بها راء دون راء، بل كل من أمكن منه الرؤية داخل فى ذلك الخطاب.
(تنبيه): مثل هذا الخطاب هل نقول: إنه عام عموم الصلاحية، أو عموم الاستغراق، ويحتمل أن يقال بالأول، ويكون الخطاب مع شخص لا بعينه، لكن فيه إشكال، من جهة أن ذلك يزيل تخصيص الضمير، ويجعله شائعا، وذلك بمعنى التنكير، وضمائر المخاطب لا تكون إلا معرفة، وإن كان ضمير النكرة قد يقال: إنه نكرة - كما هو أحد
قولين - لكن ذاك فى ضمير الغيبة، فلو جعلنا ذلك الشخص لا بعينه لضاهى تنكير الأعلام، والمضمرات لا تنكر كما ينكر العلم، ويحتمل أن يقال: إن المراد أنه خطاب مع كل من يقبل أن يخاطب، وعلى هذا فيكون عاما للشمول، ويحتمل أن يقال: إنه استعمل ضمير المفرد مرادا به، الجمع فيكون مجازا إن جوزنا التجوز فى المضمرات، وفيه بحث. ويحتمل أن يقال: إنه جمع بين الحقيقة والمجاز، على معنى أنه خوطب الجميع ليكون لواحد منهما حقيقة، ولغيره مجازا، فأيهما فرضته فيه حقيقة كان فى غيره مجازا، لكنه لا يتعين فى الخارج، فلم يقع حينئذ إلا على معين يفيد التعيين المطلق الذى لا يتميز فى الخارج، ويحتمل أن يقال: إنه حقيقة، يدل على كل فرد بالمطابقة، كدلالة العام على أفراده، والمشترك على معانيه، ولا يلزم عليه أن يصير مدلوله جمعا، بل ينصب على كل فرد فرد انصبابا واحدا، وهذا هو الظاهر، ولم أر من تكلم على ذلك فليتأمل.
(تنبيه): إنما يتأتى ذلك حيث كان المخاطب به صالحا لأن يخاطب به كل أحد، فإن لم يكن فلا، كقوله تعالى: كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ (١).
واعلم أن خطاب القرآن ثلاثة أقسام: قسم لا يصلح إلا للنبى ﷺ وقسم لا يصلح إلا لغيره، وقسم يصلح لهما، وقد تكلمنا على ذلك فى شرح مختصر ابن الحاجب.
стр. 167
تعريف المسند إليه بالعلمية:
وبالعلمية:
١ - لإحضاره بعينه فى ذهن السامع ابتداء باسم مختصّ به؛ نحو: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١).
ــ
تعريف المسند إليه بالعلمية
ص: (وبالعلمية لإحضاره بعينه فى ذهن السامع ابتداء باسم مختص به نحو قوله تعالى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «١»).
(ش): المراد بالعلمية هنا علم الشخص، لا علم الجنس؛ لأن ما ذكره لا ينطبق عليه أى التعريف إذا كان بالعلمية، يكون لأحد أسباب:
منها: أن يقصد إحضاره فى ذهن السامع. وقوله: (بعينه) احتراز من اسم الجنس نكرة كان، أو معرفة: وقوله: (ابتداء) احتراز عن المضمر، وقيل: يعنى بلا واسطة، فإن كلا من المعارف، إنما يفيد بواسطة، كالصلة، والمشار
إليه، والتكلم، والخطاب، والغيبة.
وقوله: (باسم مختص به) احتراز عن اسم الإشارة، والموصول. وقال الخطيبى:
قوله: (بعينه) يخرج النكرة. وليس كما قال، بل يخرج المعرفة إذا أريد به الجنس، إلا أن يريد بالنكرة ما هو أعم منه، ثم قال: وفى كون الإحضار المذكور يقتضى أن يكون بالعلمية نظر؛ لأن الإحضار المذكور قد يحصل ببعض المعارف.
(قلت): وقد علمت بما قدمناه، أنه ليس كذلك، وقد مثل المصنف له ب قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ يعنى بالعلم لفظ الجلالة الشريفة، وهذا بناء على القول بأنها علم، وهو المشهور. قال الخطيبى: فى جعله علما نظر؛ لأن ما وضع له هو المستحق للعبودية، أو الواجب لذاته، وكل واحد منهما، وإن انحصر فى الخارج فى فرد واحد لدليل يدل عليه، وذلك لا يمنع كليته، ومفهوم العلم جزئى. قلت: ليس كما قال بل الكلى هو الإله، وأما لفظ الله فإنه علم حقيقى على الراجح.
стр. 168
٢ - أو تعظيم.
٣ - أو إهانة.
٤ - أو كناية.
٥ - أو إيهام استلذاذه.
٦ - أو التبرّك به.
٧ - أو نحو ذلك.
ــ
ص: (أو تعظيم، أو إهانة، أو كناية أو إيهام استلذاذه أو التبرك به).
(ش): أى يؤتى بالعلم لإشعاره بتعظيم المسند إليه، أو إهانته، كما فى الكنى، والألقاب المحمودة، والمذمومة أى الألقاب من الأعلام، فإن بين العلم واللقب عموما وخصوصا من وجه. وقوله: (كما فى الكنى) فيه نظر، فإن الكنية إن أشعرت بضعة، أو رفعة، فهى من الألقاب وإلا فلا إشعار لها بشئ من ذلك، إلا أن يقال: الخطاب بالكنية - كيف كانت - تعظيم قال الشاعر:
أكنّيه حين أناديه لأكرمه ... ولا ألقّبه والسّوأة اللّقب (١)
وبين الكنية واللقب اللذين هما قسمان من العلم، عموم وخصوص من وجه. فإن قلت: كيف يشعر العلم اللقب بشئ، ومعناه غير مراد؟ فإن الأعلام لا تدل على معناها الذى كانت موضوعة له قبل العلمية. قلت: يشعر باعتبار استحضار معناه، واستحضار أنه ربما كان حاملا على التسمية، وإن لم يكن معناه مرادا، ولذلك قال:
أنا الّذى سمّتنى أمّى حيدره (٢)
لأن موضوعه قبل العلمية الأسد. وقوله: (وإما للكناية) يعنى أن يكنى عن الإهانة، أو غيرها، والعلم صالح لذلك. والفرق بينه وبين الأول: أن الأول لم يقصد معناه؛ إنما قصد التسمية وأشعر، وفى الثانى كنى به عن معناه، وفيه تنازع فى تسميته الآن علما. ومما هو صالح للكناية من غير باب المسند إليه: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ (٣)
стр. 169
تعريف المسند إليه بالموصوليّة:
وبالموصوليّة:
١ - لعدم علم المخاطب بالأحوال المختصّة به سوى الصّلة؛ كقولك: الذى كان معنا أمس رجل عالم.
٢ - أو لاستهجان التصريح بالاسم.
ــ
فإنه يحضر فى الذهن لهب النار، التى هى داره، لا أنه سمى أبا لهب بذلك. فإنه قيل: إنما سمى أبا لهب؛ لأن لونه كان ملتهبا، وأيضا الظاهر أنه سمى بذلك فى صغره، قبل استحقاقه النار.
وإنما قلنا: من غير باب المسند إليه، لأن المسند إليه فى الآية الكريمة يدا لا العلم، وقد أورد على السكاكى أنه أورد هذا فى أمثلة كون المسند إليه علما، وأجيب عنه بأن المراد بيديه نفسه، إطلاقا لاسم الجزء على الكل، فيكون منها. وفيه نظر؛ لأن يديه حينئذ أريد بهما ذاته، وذاته لا تشعر بهذا الاسم الذى يشعر بالإهانة، وأيضا فالمسند إليه على هذا التقدير ليس علما، بل هو مضاف إلى العلم، أو يقال عند السكاكى: هذا من باب المسند إليه يعنى به إسناد
النسبة، كما نقل عن سيبويه أنه قال: غلام زيد.
معناه: زيد ملك غلاما. وهذا ما تقدم الوعد به عند الكلام على الإسناد العقلى.
وإما لإيهام استلذاذه، كقول المتنبى:
أساميا لم تزده معرفة ... وإنّما ذكرناها (١)
قال السكاكى: وما شاكل ذلك، أى: من إرادة العلم باسمه، والحكم عليه، أو نحو ذلك.
تعريف المسند إليه بالموصولية:
ص: (وبالموصولية إلخ).
(ش): التعريف بالموصولية يكون لأحد أسباب:
الأول: أن لا يكون المخاطب يعلم من أحوال المسند إليه غير الصلة، كقوله: الذى كان معنا أمس رجل عالم.
الثانى: أن يكون اسمه مستهجنا، فيطوى ذكره لهجنة تنزه عنها لسانك، أو سمع المخاطب كإذا أردت أن تقول: أبو جهل فعل كذا، فتأتى بصفة من صفاته بدل اسمه، وتجعلها صلة.
стр. 170
٣ - أو زيادة التقرير؛ نحو: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ (١).
٤ - أو التفخيم؛ نحو: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٢).
ــ
الثالث: زيادة التقرير، أى: تقرير المسند، كقوله تعالى: وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ «١» فإنه لو قيل: زليخا، لم يفد ما أفاده هنا من ذكر السبب، الذى هو قرينة فى تقرير المراودة، وهى كونه فى بيتها. وهذا مثال للمسند إليه وهو فاعل؛ إذ لا فرق بين المبتدأ والفاعل.
الرابع: إرادة تفخيم المسند إليه، كقوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ «٢» ولقائل أن يقول: يحصل ذلك بالتنكير، أو يقول: إن ما نكرة موصوفة، ولو قيل:
فغشيهم الغرق؛ لم يفد هذا التفخيم، وأنشد فى الإيضاح:
مضى بها ما مضى من عقل شاربها ... وفى الزّجاجة باق يطلب الباقى
وقد قيل فى قوله تعالى: ما غَشِيَهُمْ إنما أتى به للتقليل؛ لأن الماء كان أضعاف ما يغرقهم. معناه أنه شئ يسير من
ذلك الماء غشيهم، وعلى هذا يترجح التنكير. قال فى الإيضاح: ومنه فى غير هذا الباب قوله تعالى: فَغَشَّاها ما غَشَّى (٣) أى فغشاها الله ما غشاها، فيكون الموصول مفعولا. وفيه نظر، والذى يظهر أن الموصول فاعل، ويؤيده أنه لو كان مفعولا، لكان المفعول الثانى ضميرا منفصلا، ولا يجوز حذفه؛ لأنه عائد منفصل أو متصل، فلا يجوز لاتحاد رتبته برتبة ما قبله. أو غشاها به فيلزم حذف العائد المجرور، وهو لا يجوز هنا.
وأما قوله تعالى: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٤) وقوله تعالى: فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ (٥) فهو مؤول، وحيث لا حاجة إلى التأويل، تركناه. وأنشد بعد ذلك ما ليس من هذا الباب أيضا؛ لكونه ليس مسندا إليه، كقول دريد بن الصمة:
صبا ما صبا حتّى علا الشّيب رأسه ... فلمّا علاه قال للباطل: ابعد (٦)
فإن: ما مفعول به أو مطلق.
стр. 171
٥ - أو تنبيه المخاطب على خطأ؛ نحو [من الكامل]:
إنّ الّذين ترونهم إخوانكم ... يشفى غليل صدورهم أن تصرعوا (١)
٦ - أو الإيماء إلى وجه بناء الخبر؛ نحو: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (٢).
٧ - ثم إنّه ربّما جعل ذريعة إلى التعريض بالتعظيم:
لشأنه؛ نحو [من الكامل]:
إنّ الّذى سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعزّ وأطول
ــ
الخامس: أن يقصد تنبيه المخاطب على غلطه، كقوله:
إنّ الّذين ترونهم إخوانكم ... يشفى غليل صدورهم أن تصرعوا (٣)
فإن الصلة هى المنبهة على أن المخاطب أخطأ فى اعتقاده، وهذا البيت نسبه ابن المعتز فى البديع لجرير وأنشده:
إنّ الّذين ترونهم خلّانكم ... يشفى صداع رءوسهم أن تصدعوا
السادس: أن يقصد الإيماء إلى وجه بناء المسند على المسند إليه، والمراد ببنائه: جعله مسندا بأن يذكر فى الصلة ما يناسبه، كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (٢) فإن الاستكبار الذى تضمنته الصلة، كان مناسبا لإسناد سيدخلون جهنم داخرين أى: ذليلين إلى الوصول، ولك أن تقول هذا كالقسم الذى مثله بقوله: وراودته بل هو إياه.
السابع: أن يجعل ذريعة إلى التعريض بشأنه أى: شأن الخبر، كقول الفرزدق:
إنّ الّذى سمك السّماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعزّ وأطول (٤)
стр. 172
أو شأن غيره نحو: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ (١).
ــ
أى: أعز وأطول من كل شئ، وقيل: من بيت جرير، وقيل: يعنى عزيزة طويلة.
وقال الخفاجى فى سر الفصاحة: إن المراد: أعز وأطول من السماء المذكورة فى البيت مبالغة، وإن جعله أطول من بيت جرير، أو بمعنى طويلة، فيه تعسف. والبيت قيل:
الكعبة، وقيل: بمعنى العزة. فلا شك أن الموصول كان ذريعة إلى ذكر صلته، وذكرها ذريعة إلى تعظيم الخبر الذى هو بناء البيت، وذلك تدركه بالذوق فإن: سمك السماء، فيه تعريض، بأن المسند إليه من شأنه أنه رفع السماء، فهو قادر على المخبر به. وتارة يقصد به تعظيم شأن غير الخبر، كقوله تعالى: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ فإنه قصد به تعظيم شأن شعيب ﷺ ويحتمل أن يقال: إنه لبناء الخبر عليه، فإن
تكذيبهم شعيبا ﷺ مناسب لخسرانهم. قال فى الإيضاح: قال السكاكى: وربما جعل ذريعة إلى تحقيق الخبر، كقوله:
إنّ التى ضربت بيتا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودّها غول (٢)
وربما جعل ذريعة إلى تنبيه المخاطب على خطأ، كقوله:
إنّ الّذين ترونهم ...
البيت.
وفيه نظر؛ لأنه لا يظهر بين الإيماء إلى وجه بناء الخبر، وتحقيق الخبر فرق.
(قلت): الفرق بينهما واضح: فإن الإيماء إلى وجه الخبر، أن تذكر ما يناسبه، وتحقيق الخبر أن تذكر ما يحقق وقوعه بأى نوع كان. والفرق بين بناء الشئ على غيره وتحققه، واضح. ثم قال فى الإيضاح: وكيف يجعل الأول ذريعة إلى الثانى، والمسند إليه فى البيت الثانى ليس فيه إيماء إلى وجه بناء الخبر عليه؟ بل لا يبعد أن يكون فيه إيماء إلى بناء نقيضه عليه.
(قلت): وهو اعتراض فاسد؛ فإن السكاكى إنما استشهد به على ما قصد فيه التنبيه على الخطأ، ولم يجعل الأول ذريعة للثانى؛ بل هما كلامان متفاصلان. ثم قوله: لا يبعد أن يكون فيه إيماء عجيب فإن فيه التصريح بذلك قطعا، قال السكاكى: ربما كان ذريعة لمعنى آخر، كقوله:
стр. 173
تعريف المسند إليه بالإشارة:
وبالإشارة:
١ - لتمييزه أكمل تمييز؛ نحو [من البسيط]:
هذا أبو الصّقر فردا فى محاسنه ... من نسل شيبان بين الضّال والسّلم (١)
ــ
إنّ الّذى الوحشة فى داره ... تؤنسه الرّحمة فى لحده
وهذا يمكن جعله من وجه بناء الخبر، ويمكن أن يجعل ذريعة لجبر خواطر الفقراء قال: وربما قصد توجه ذهن السامع إلى ما قد يخبر به، كقول المعرى:
والذى حارت البريّة فيه ... حيوان مستحدث من جماد (٢)
قيل: أراد ابن آدم؛ لأنه من تراب، وقيل: أراد به ناقة صالح ﷺ وسنتكلم عليه عند الكلام على تقديم المسند إليه.
تعريف المسند إليه بالإشارة:
ص: (وبالإشارة لتمييزه أكمل تمييز إلخ).
(ش): يؤتى بالمسند إليه اسم إشارة لأحد أمور:
الأول: أن يقصد تميزه؛ لإحضاره فى ذهن السامع حسا، فالإشارة أكمل ما يكون من التمييز، كقول ابن الرومى:
هذا أبو الصّقر فردا فى محاسنه ... من نسل شيبان بين الضّال والسّلم (٣)
وقول المتنبى:
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدّوا (٤)
وقول مادح حاتم الطائى:
стр. 174
٢ - أو التعريض بغباوة السامع؛ كقوله [من الطويل]:
أولئك آبائى فجئنى بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع (١)
٣ - أو بيان حاله فى القرب، أو البعد، أو التوسّط؛ كقولك: هذا أو ذلك أو ذاك زيد.
٤ - أو تحقيره بالقرب؛ نحو: أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ (٢).
ــ
وإذا تأمّل شخص ضيف مقبل ... متسر بل سربال ليل أغبر
أوما إلى الكوماء هذا طارق ... نحرتنى الأعداء إن لم تنحرى
فقوله: (تأمل) فيه نقض أدبى، والصواب أن يقول: تخيل، أو توهم. ولك أن تقول: كون أكمل التمييز يحصل باسم الإشارة دون غيره ظاهر إن قلنا: إنه أعرف المعارف، وإلا ففيه نظر.
الثانى: التعريض بغباوة السامع؛ حتى إنه لا يتميز له الشئ إلا بإشارة الحس، كقول الفرزدق:
أولئك آبائى فجئنى بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع (٣)
الثالث: أن يقصد بيان حاله فى القرب، أو البعد، أو التوسط، كقولك: هذا، أو ذاك، أو ذلك زيد أى: كقولك: هذا زيد للقريب، أو ذاك عمرو للمتوسط، أو ذلك بكر للبعيد وهذا تفريع على أن رتب اسم الإشارة ثلاث، وأما من جعل المتوسط والبعيد سواء، فهو لا يجعل اسم الإشارة تمييزا للمتوسط عن البعيد، ولا عكسه.
الرابع: أن يقصد تحقيره بالقرب، قال فى الإيضاح: وربما جعل القرب ذريعة إلى التحقير، وكلامه فى ظاهره أن هذا ليس سببا آخر؛ بل هو من بقايا هذا الرابع، وهو الصواب، ومثل له بقوله تعالى: وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ (٢)، أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤)
стр. 175
٥ - أو تعظيمه بالبعد؛ نحو: الم ذلِكَ الْكِتابُ (١).
٦ - أو تحقيره؛ كما يقال: ذلك اللعين فعل كذا.
٧ - أو التنبيه عند تعقيب المشار إليه بأوصاف على أنه جدير بما يرد بعده من أجلها؛ نحو: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢).
ــ
وقوله تعالى: وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ (٣) وعليه من غير باب المسند إليه قوله تعالى: ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا (٤) وقوله (أو تعظيمه بالبعد) قال فى الإيضاح: وربما جعل البعد ذريعة إلى التعظيم، كقوله تعالى: الم ذلِكَ الْكِتابُ (٥) ذهابا إلى بعد درجته، وقد قيل فيه: إنه على بابه، فإن الكتاب لم يكن كمل إنزاله، وقيل الإشارة إلى: الم، ولكنها لما انقضت، صارت فى حيز البعد. ومن مثال ما نحن فيه، قوله تعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها (٦) وقوله تعالى: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ (٧) وقوله: (أو تحقيره) أى قد يقصد تحقيره بالبعد، كقولك: ذلك اللعين فعل كذا، ووجهه أنك تستحقره عن أن يقرب منك، كما تستعظم فى الوجه السابق أن يدنو منك. ومن هنا يعلم أنه قد يقصد تعظيم المشار إليه بالقرب، ومنه قوله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (٨) وأمثاله فى القرآن كثير، وكان ينبغى للمصنف أن يذكر التعظيم بالقرب، كما ذكر التعظيم والتحقير فى البعد.
الخامس: التنبيه بعد ذكر المشار إليه بأوصاف قبله (على أنه) أى المشار إليه (جدير بما يرد بعده من أجلها نحو: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (٩) فذكر الأوصاف بعد الذين، ونبه باسم الإشارة على أن المشار إليه - وهو الذين - جدير بذلك. ولك أن تقول: أى مناسبة فى اسم الإشارة، اقتضت ذلك؟ ولو أتى بغير اسم الإشارة من المعارف، لحصل هذا. ومن هذا قول حاتم الطائى:
стр. 176
تعريف المسند إليه باللام:
وباللام:
١ - للإشارة إلى معهود؛ نحو: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى (١) أى: ليس الذى طلبت كالتى وهبت لها.
ــ
ولله صعلوك يساور همّه ... ويمضى على الأحداث والدّهر مقدما
فتى طلبات لا يرى الخمص ترحة ... ولا شبعة إن نالها عدّ مغنما
إذا ما رأى يوما مكارم أعرضت ... تيمّم كبراهنّ ثمّت صمّما
ترى رمحه ونبله ومجنّه ... وذا شطب عضب الضّريبة مخذما
وإحناء سرج فاتر ولجامه ... عتاد أخى هيجا وطرفا مسوّما
فذلك إن يهلك فحسنى ثناؤه ... وإن عاش لم يعقد ضعيفا مذمّما (٢)
وبقى من الأسباب أن لا يكون طريق إلى معرفة المسند إليه، إلا اسم الإشارة، كما فى المفتاح. وكان ينبغى للمصنف ذكره، كما ذكر نحوه فى الموصول.
تعريف المسند إليه باللام:
ص: (وباللام للإشارة إلى معهود إلخ).
(ش): التعريف بالأداة، وهى اللام على مذهب، والألف واللام على مذهب، تكون لأحد أمور:
الأول: أن يشار به إلى معهود. قال فى الإيضاح: للإشارة إلى معهود بينك وبين مخاطبك، كما إذا قال لك قائل: جاءنى رجل. فتقول: ما فعل الرجل؟ ومنه قوله تعالى: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى (١) أى: وليس الذكر الذى طلبت، كالأنثى التى وهبت والإشارة لمعهود سابق، وهو قولها: إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً (٣) وقولها: إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى (٤) غير أن المعهود السابق فى الذكر؛
стр. 177
٢ - أو إلى نفس الحقيقة؛ كقولك: الرجل خير من المرأة.
ــ
لتعريف عهد تقديرى، إذ لم يتقدم صريحا، وإنما تقدم: (ما فى بطنى محرّرا) والمراد به الذكر؛ لأنهم لم يكونوا
ينذرون تحرير الإناث وفى الأنثى لتعريف عهد حقيقى صريح لتقدم (وضعتها أنثى) كذا قالوه، وفيه نظر؛ لأن قولهم: ليس الذكر الذى طلبت، يدل على أنه قد وقع طلب الذكر حقيقة، فيكون اللام فيه لتعريف عهدى حقيقى، والذى أحوج لإخراجها عن الجنسية: أنه لو كانت للجنس، لقيل: ليست الأنثى كالذكر، وليس هذا مقام قلب التشبيه، والمعهود قد يكون حاضرا لفظا، كقوله تعالى: كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ (١) أو حسا وهو مبصر، كقولك: القرطاس لمن سدد سهما، أو علما، كقوله تعالى: إِذْ هُما فِي الْغارِ (٢) وقوله: بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ (٣)، إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (٤) هذا هو المعهود الشخصى، وأما الجنسى فسيأتى.
الثانى - أن يراد نفس الحقيقة، كقولك: الرجل خير من المرأة، أى: حقيقة الرجل من حيث هى هى، خير من حقيقة المرأة من حيث هى هى، وقول المعرى:
والخلّ كالماء يبدى لى ضمائره ... مع الصّفاء ويخفيها مع الكدر (٥)
فلا يدل هذا حينئذ على وحدة، ولا تعدد.
ثم قال المصنف: وقد تأتى لواحد باعتبار عهديته فى الذهن، كقولك: ادخل السوق، حيث لا عهد، يعنى: إن الدخول إنما يكون فى سوق معين قال: وعليه قول الشاعر، وهو عميرة بن جابر الحنفى:
ولقد أمرّ على اللّئيم يسبّنى ... فمضيت ثمّت قلت لا يعنينى (٦)
стр. 178
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رواه البحترى فى حماسته: ولقد مررت. لا يقال: كل ما يقع فى الوجود مشخص؛ لأنا نقول: لو نظر لذلك، لما
كان العهد مفارقا الأداة، قال: وهذا فى المعنى كالنكرة، ولذلك يقدر يسبنى وصفا للئيم، لا حالا. يعنى أن اللئيم لما لم تكن الأداة فيه لمعين يعرفه المخاطب، صار شائعا بحسب الظاهر، فعومل معاملة النكرة، فصح وصفه، وإن كان معرفة بيسبنى، وإن كان نكرة. ولو عومل معاملة المعرفة، لجعل حالا، والحال فى المعنى غير مقصود؛ لأن الحال يدل على الانتقال، وليس ذلك مقصودا هنا. ومن حيث اللفظ أيضا لا يتضح؛ لكونه فى حكم النكرة على ما سبق وسيأتى الكلام على ذلك فى الكلام على الحال.
ومثله فى القرآن كثير كقوله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ (١)، وقوله تعالى: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ (٢) إلى أن قال: لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً فإن قلت: لأى شئ فصل المصنف بين هذا، وما قبله من العهد بالجنس، وإن كان هذا والأول عهديين؟ قلت: لأن هذا وإن كان عهديا، فهو من حيث شياعه فى الظاهر كالجنس، فجعل بعدهما؛ لأن فيه شبها من كل منهما، ولك أن تقول: أقرب من هذا القسم شبها بالنكرات، ما اشتمل على الأداة الجنسية التى لتعريف الحقيقة، فإن شياعها فى نفس الأمر، وشياع ما نحن فيه فى الظاهر فقط، فكان أولى أن يعامل معاملة النكرات فى الوصف، وغيره. ولا شك أن الأمر كذلك؛ لكن ظاهر عبارة المصنف خلافه.
وقد يجاب: بأن مدلول الجنسية هو الحقيقة، من غير نظر لإفرادها، وهى حينئذ غير مبهمة لكن لك أن تقول حينئذ: فما الذى أفادته هذه الأداة؟
(تنبيه): نسبة ما نحن فيه من التوسط بين العهد الشخصى والجنسى المعهود الجنسى، فإن العهد قد يكون شخصيا، كقوله تعالى: فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ (٣)
стр. 179
٣ - وقد يأتى لواحد باعتبار عهديّته فى الذهن؛ كقولك: ادخل السوق خ خ؛ حيث لا عهد، وهذا فى المعنى كالنّكرة.
٤ - وقد يفيد الاستغراق (١)؛ نحو: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)، وهو ضربان:
- حقيقىّ؛ نحو: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ (٣) أى: كلّ غيب وشهادة.
- وعرفىّ؛ نحو: جمع الأمير الصّاغة، أى: صاغة بلده أو مملكته.
ــ
وقد يكون جنسيا، بمعنى إرادة جنس هو نوع لما فوقه، كقولك: الرجل، تريد به فردا من أفراد الرجال الحجازيين دون غيرهم، وهذا يقع كثيرا فى الكلام ولعل منه قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ (٤) فإن المراد جنس كتب الله، ليكون صالحا للتوراة، والإنجيل، والزبور التى أوتيها من تقدم ذكره من الأنبياء صلّى الله عليهم وسلم تسليما فاللام فيه عهدية جنسية، وكذا قوله تعالى: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ (٥) قال الزمخشرى: أى جنس كتب الله المنزلة، وتصير هذه الألف واللام عهدية، جنسية، استغراقية. وعلى هذا فينبغى أن يجعل: (وليس الذكر كالأنثى) من هذا القسم؛ فإن المعهود الذكر الذى قام بذهنها كيفيته المطلوبة، وذلك معهود جنسى لا شخصى، كما سبق فى: ولقد أمر على اللئيم.
الثالث: أن تكون للاستغراق، وإليه الإشارة بقوله: وقد يفيد الاستغراق، وإنما قال: وقد يفيد لأنه يريد أن اللام الجنسية قد تفيد الاستغراق ومعنى الجنسية مع ذلك لا يفارقها، ومثله بقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) فإنه عام، بدليل الاستثناء منه، وكذلك: خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً (٦) ثم قال: إن الاستغراق على قسمين:
أحدهما: حقيقى، نحو: عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ (٣) فإن معناه: كل غيب، وكل شهادة، وفى جعل هذا من هذا القسم بحث، سيأتى إن شاء الله.
والثانى: عرفى، كقولنا: جمع الأمير الصاغة أى: صاغة بلده أو مملكته. والحق وهذا أنه عام أيضا؛ ولكنه مخصوص بالعقل، كقوله تعالى: خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ (٧) ثم
стр. 180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جعل ذلك استغراقا عرفيا، فيه نظر؛ لأنه يقتضى أن العرف اقتضى عمومه، وليس كذلك، بل العرف اقتضى تخصيصه ببعض أفراده، والظاهر أنه يريد بالاستغراق العرفى أن ذلك فى العرف يعد مستغرقا، وليس بمستغرق لجميع ما يصلح له، بل لبعض أنواعه.
(تنبيه): اعلم أن كون الألف واللام للعموم أو لا، مسألة مهمة يحتاج إليها فى علوم المعانى، وأصول الفقه، والنحو، ولم أر من المصنفين فى شئ من هذه العلوم، من حررها على التحقيق؛ وها أنا أذكر قواعد يتهذب بها المقصود، ويبنى عليها ما بعدها، وبالله التوفيق:
الأولى: والألف واللام إما أن تكون اسما موصولا، أو حرفا. فإن كانت اسما، فليس كلامنا فيه؛ لأنه حينئذ داخل فى الموصولات، فله حكمها فى العموم بجميع أحواله وهذه فائدة جليلة يستفاد منها: أن غالب ما يستدل به من لا أحصيه عددا من الأئمة، فى إثبات العموم، أو نفيه من المشتقات المعرفة بالألف واللام، مثل:
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ (١)، الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي (٢)، وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ (٣) ليس من محل النزاع فى شئ، إنما النزاع فى الألف واللام الحرفية بشروط ستأتى.
وليتنبه لفائدة جليلة أيضا، أهملها النحاة، أو أكثرهم، وهو أن إطلاق أن الألف واللام الداخلة على المشتقات موصولة، لا يصح؛ لأنها إنما تكون موصولة، حيث أريد بها معنى الفعل من التجدد، أما إذا أريد بها الثبوت، فلا. فخرج بذلك أسماء الفاعلين، وأسماء المفعولين إذا قصد بها الثبوت، وخرج بذلك: أفعل التفضيل، وخرجت الصفة المشبهة فإنها يقصد بها الثبوت، ولذلك قال ابن الحاجب، فى نحو قوله تعالى: وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٤): إن الألف واللام هى المعرفة الموصولة، فلا حاجة لتقدير عامل. وبهذا يعلم أن إطلاق أهل المعانى أن الاسم يدل على الثبوت والاستقرار، ليس ماشيا على عمومه.
الثانية: ما تدخل عليه الألف واللام الحرفية، التى ليست شيئا مما سبق أقسام: