← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 11155

حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام - محمد جميل مبارك

محمد بن جميل مبارك

Полный текст (70 стр.). Показаны 36–70 · переход к 41.

стр. 36

أسباب نشأة ظاهرة التشكيك في خبر الآحاد من أهم الأسباب التي أدت إلى ظهور التشكيك في خبر الآحاد خاصة وفي السنة عامة: ١ – ظهور قرن الفتنة التي عصفت بالأمة منذ مقتل عثمان ﵁، فالخوارج أدت بهم قضية "التحكيم" إلى تجريح الصحابة، لأنهم رضوا بالتحكيم، والروافض جرحوا كثيراً من الصحابة إلا علياً وأبناءه وشيعته، وكان من منهجهم ألا يقبلوا من الأحاديث إلا ما جاء عن طريق آل البيت (١) . ٢ – طغيان المنهج العقلي في التعامل مع السنة، ولا سيما عند المعتزلة الذين جعلوا دلالة العقل أولى الدلالات، فالأدلة عندهم على الترتيب هي: "حجة العقل والكتاب والسنة والإجماع" (٢) . وقد رأى القاضي عبد الجبار-وهو أحد أقطابهم- أن خبر الآحاد لا يعلم كونه صدقاً ولا كذباً فيلجأ فيه إلى الحجة العقلية التي هي الدليل الأول "فإن لم يكن موافقاً لها كان الواجب أن يرد! وأن يحكم أن النبي لم يقله، وإن قاله فإنما قاله حكاية عن غيره!! " (٣) . ومن نتائج طغيان هذا المنهج أن خبر الواحد يمكن أن يكون في نفس

стр. 37

الأمر كذباً أو خطأ، وقد جعلت "المعتزلة والخوارج هذا حجة لهم في ترك العمل به، وقالوا: ما جاز أن يكون كذباً أو خطأ فلا يحل الحكم به في دين الله ، ولا أن يضاف إلى الله تعالى، ولا إلى الرسول ﷺ ولا يسع أحداً أن يدين به" (١) . ٣ – قضية الصفات وما أثير حولها من تعطيل وتجسيم وتأويل، فنفاة الصفات ومعطلوها قالوا: "لا يحتج بكلام رسول الله ﷺ على شيء من صفات ذي الجلال والإكرام" (٢) . وقد انطلقوا في التعطيل من زعم تنزيه الله عن صفات البشر: إذ "لو كان الله عالماً بعلم لكان يجب في علمه أن يكون مثلاً لعلمنا" كما قال القاضي عبد الجبار (٣) ، والصفات الواردة في القرآن الكريم لابد أن تؤول بما يتفق مع هذا المنطلق (٤) ، وهو منطلق تنزيه الله ، والخوف من تشبيهه بمخلوقاته، إذ جعلوا قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] مستنداً لهم في رد الأحاديث الصحيحة" (٥) . وقضية الصفات دفعت الكثيرين إلى التوقف في آيات الصفات من القرآن الكريم نفسه؛ لأن الصفات لابد فيها من القطع، والآيات القرآنية

стр. 38

وإن كانت لها صفة القطع من جهة الثبوت لا تفيد القطع من جهة الدلالة، وأخبار الآحاد فقدت القطع من الجهتين معاً، "وبهذا قدحوا في دلالة أحاديث الآحاد؛ لأنها لا تفيد العلم، فسدُّوا على القلوب معرفة الرب تعالى، وأسمائه وصفاته من جهة الرسول ﷺ " (١) . ٤ – انتشار الوضع في الحديث، وقد شككت هذه الظاهرة كثيراً من الفرق في حجية السنة جملةً، رغم الجهود المضنية التي بذلها علماء الحديث لتمييز الحديث الصحيح عن غيره، ولتحذير الأمة من الأحاديث الموضوعة، لكن أهل الأهواء وفاقدي العلم بالحديث وجدوا في هذه الظاهرة مستنداً لهم لرد أخبار الآحاد. بل إن بعض المعاصرين تَعدَّوْا التشكيك في أخبار الآحاد إلى التشكيك في الأحاديث المتواترة، وتساءل بعضهم: "هل كل ما تواتر عن النبي ﷺ أنه فعله وأمر به يكون واجبا على الأمة الإسلامية في جميع الأزمنة والأمكنة وإن لم يرد له ذكر في القرآن؟ " (٢) ثم أجاب عن السؤال بقوله: "إنه لا يجب!! " (٣) . ٥ – دعوى معارضة القرآن الكريم أو السنة المتواترة أو الأصول. لكن يجب بصدد الحديث عن هذا السبب أن نفرق بين مذهب مَنْ

стр. 39

يرفض العمل بخبر الواحد أصلاً، ومذهب مَنْ يرفضه إذا عارضه ما هو أقوى منه، كما هو مذهب أبي حنيفة مثلاً، وكما نسب إلى الإمام مالك في تقديم ظاهر القرآن الكريم على خبر الواحد. وتجب ملاحظة هذه التفرقة حتى لا يظن بمثل أبي حنيفة أنه من الرافضين لحجية خبر الواحد، فهو ﵀ إمام أهل الرأي، ويحتل القياس عنده مكانة بارزة في الاستدلال، ومع ذلك يقدم خبر الواحد على القياس، ومعه في هذا التقديم الإمامان محمد وأبو يوسف، وهذا من أقوى البراهين على حجية خبر الآحاد عندهم. غير أن المشكل – منهجياً - أن هناك ما يشبه خيطاً رابطاً بين اتجاه من يرفض حجية خبر الواحد جملة، واتجاه من يرفض حجيته إذا عارضه ما هو أقوى منه، من الكتاب أو السنة المتواترة أو المشهورة، وهو ما يدخل في ما يطلق عليه "تعارض الأخبار" وقد ميَّز الإمام الشافعي بين الاتجاهين لما قال لمناظره: "قد أجد الناس مختلفين فيها (أي السنة) منهم من يقول بها، ومنهم من يقول بخلافها، فأما سنة يكونون مجتمعين على القول بخلافها فلم أجدها قط" (١) . ويتمثل هذا الخيط الرابط بين الاتجاهين في مبدأ رد خبر الواحد، وفي مبدأ اتساع رقعة هذا الرد، وفي أدلة الرد، وأظهر هذه الأدلة ما استشهد به أصوليو المذهب الحنفي لردِّ خبر الواحد إذا تعارض مع الكتاب والسنة

стр. 40

المتواترة أو المشهورة من حديث منسوب إلى النبي ﷺ ونصه: "تكثر الأحاديث لكم بعدي، فإذا روي لكم عن حديث فاعرضوه على كتاب الله تعالى فما وافقه فاقبلوه، واعلموا أنه مني، وما خالفه فردوه، واعلموا أني منه بريء" (١) . لكن هذا الحديث غير صحيح، فقد قال عنه يحيى بن معين: إنه موضوع وضعته الزنادقة، وقال عنه الشافعي: ما رواه أحد عمن يثبت حديثه في شيء صغير ولا كبير، ونقل الحافظ ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله عن عبد الرحمن بن مهدي قوله: "الزنادقة والخوارج وضعوا حديث: ما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف كتاب الله فأنا لم أقله" (٢) . على أن أسلوب هذا الحديث يوحي بالاختلاق والوضع! وقد توسع الحنفية في ردِّ بعض أخبار الآحاد، لا لأن منهجهم هو ردُّ أخبار الآحاد، كما هو منهج المبتدعة، لكن لاعتبارات علمية ومنهجية لم يسلمها لهم غيرهم، فمتأخرو الحنفية ردوا خبر الواحد إذا كان في ما تعم به البلوى" (٣) .

стр. 41

كما ردوه إذا ورد مخالفا للأصول، قال الدبوسي: "الأصل عند أصحابنا أن خبر الآحاد متى ورد مخالفا لنفس الأصول مثل ما روي عن النبي ﵊ أنه أوجب الوضوء مِنْ مَسِّ الذكر، لم يقبل أصحابنا هذا الخبر لأنه ورد مخالفاً للأصول؛ لأنه ليس في الأصول انتقاض الطهارة بمس بعض أعضائه" (١) . وقضية مخالفة خبر الواحد للأصول لم تُسَلَّمْ لفقهاء المذهب الحنفي وأصوليِّيه، ومثلهم فقهاء المذهب المالكي وأصوليوه، إذ كيف يكون خبر الواحد مخالفا للأصول، وهو نفسه من الأصول؟! فقد وجدت للعلماء نصوصا تثبت أن خبر الواحد أصل بنفسه، والأصل لا تجوز مخالفته، فقد قال الإمام الشافعي: "وتثبيت خبر الواحد أقوى من أن أحتاج إلى أن أمثله بغيره؛ بل هو أصل في نفسه" (٢) ، ومثله قول ابن حزم في رده على بعض الحنفيين: "وأما قولهم: مخالف للأصول، فكلام فاسد فارغ من المعنى واقع على ما لا يعقل؛ لأن خبر الواحد الثقة المسند أصل من أصول الدين، وليس سائر الأصول أولى بالقبول منه، ولا يجوز أن تتنافى أصول الدين" (٣) . وبالرغم من وجود هذا الشبه الظاهري في ظاهرة الرفض، فإن علماء الحنفية وغيرهم ممن ردوا بعض أخبار الآحاد يختلفون منهجا واعتقادا مع الرافضين لمبدأ الحجية نفسها.

стр. 42

المبحث الخامس: إفادة خبر الواحد للعلم أو الظن هذه قضية من القضايا التي أثيرت حول خبر الواحد بين الذين يقولون بوجوب العمل بخبر الواحد من حيث هو، وهم جمهور العلماء سلفاً وخلفاً، فهم متفقون على حجية خبر الواحد وإفادته للعمل، ومختلفون في إفادته للعلم. ومن الذين ينكرون حجيته من يجعل إفادته للظن من دواعي رده؛ لأن الظن لا يغني من الحق شيئاً، لكن الذي يعنينا دراسة هذا الخلاف بين المثبتين لحجيته ووجوب العمل به، أما المنكرون فلا فائدة من إثارة الظنية أو العلمية عندهم، إذ الرفض جملة هو حصيلة مذهبهم. ومجمل الأقوال في هذه القضية تعود إلى قولين: القول الأول: أن خبر الواحد الصحيح يفيد العلم بنفسه، وهذا هو الاتجاه العام عند المحدثين، وهو ما نجده عند فقهاء الظاهرية وعلى رأسهم داود وابن حزم الذي أطال في الاحتجاج له وأفاض في ترجيحه (١) ، وما كان له ليقول غير ذلك؛ لأنه لا يقبل بناء أي حكم على الظن، ويرى أن الله تعالى حرم القول في دينه بالظن الذي لا يتيقن، إذ " هو الباطل الذي لا يغني من الحق شيئا"، وهو " غير الهدى الذي جاءنا من عند الله تعالى" (٢) .

стр. 43

بل إن إيجاب العمل بخبر الواحد يستلزم عنده إفادته للعلم، فكأنه يلزم الجمهور القائلين بوجوب العمل بخبر الواحد بالقول بإفادته للعلم، ولا يتردد في اعتبار " كل من يقول بإيجاب العمل بخبر الواحد وأنه مع ذلك ظن لا يقطع بصحة غيبه ولا يوجب العلم، قائلا بأن الله تعالى تعبَّدنا أن نقول عليه تعالى ما ليس لنا به علم، وأن نحكم في ديننا بالظن الذي قد حرم تعالى علينا أن نحكم به في الدين، وهذا عظيم جدا" (١) . وانتصر ابن القيم ﵀ لهذا القول (٢) ، وربط المسألة بتحكيم رسول الله ﷺ في جميع الشؤون بناء على قول الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] فمن ادعى أن خبر الواحد لا يفيد العلم فهو"بمعزل عن هذا التحكيم". كما ربطها برد المتنازعين ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله بناء على قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فإن كانت أخبار الآحاد "لا تفيد علما ولا يقينا لم يكن للرد إليه وجه" (٣) . وإذا كان الاتجاه العام عند أهل الحديث أن خبر الواحد يفيد العلم، فإن قولهم أولى بالقبول والصواب من قول غيرهم؛ فهم أهل الاختصاص،

стр. 44

وقول أهل الاختصاص في كل فن مقدم على قول غيرهم، وهذا ما أيد به ابن القيم ترجيحه للقول بإفادة خبر الواحد للعلم، فإذا "كان أهل الحديث عالمين بأن رسول الله ﷺ قال هذه الأخبار وحدث بها في الأماكن والأوقات المتعددة، وعلمهم بذلك ضروري؟!! لم يكن قول من لا عناية له بالسنة والحديث، وأن هذه أخبار آحاد لا تفيد العلم، مقبولاً عليهم، فإنهم يدعون العلم الضروري، وخصومهم إما أن ينكروا حصوله لأنفسهم أو لأهل الحديث؛ فإن أنكروا حصوله لأنفسهم لم يقدح ذلك في حصوله لغيرهم، وإن أنكروا حصوله لأهل الحديث كانوا مكابرين لهم على ما يعلمون من نفوسهم ... " (١) . أما أن يقول أهل الكلام إنه لا يفيد العلم فإنهم وأتباعهم "في غاية قلة المعرفة بالحديث وعدم الاهتمام به" (٢) . ويلاحظ أن في كلام ابن القيم ﵀ مبالغة في المسألة من حيث جعل العلم الذي يفيده خبر الواحد علماً ضرورياً، وهذه المبالغة تؤدي إلى زوال الفرق بين الخبر المتواتر وخبر الآحاد؛ فالفرق بينهما أن المتواتر يفيد العلم الضروري، وخبر الواحد يفيد العلم النظري، وإذا زال هذا الفرق لم يبق لتقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد معنى. فهل العلم الذي يفيده خبر الواحد ضروري أو نظري؟

стр. 45

والمقصود بالعلم الضروري هو العلم الذي يفيد اليقين والقطع بلا نظر وبلا استدلال، فهو يحصل لكل سامع، وسمي ضرورياً لأنه "يضطر الإنسان إليه بحيث لا يمكن دفعه (١) ، أما العلم النظري فهو العلم الذي يتوقف حصوله على نظر واستدلال، وهو لا يحصل إلا لمن له أهلية النظر، والمقصود بالنظر: ترتيب أمور معلومة أو مظنونة يتوصل بها إلى علوم أو ظنون" (٢) . وخبر الواحد لا يفيد إلا العلم النظري الاستدلالي المبني على البرهان وهو علم "لا يحصل إلا للعالم المتبحر في الحديث" (٣) حسب تعبير الشيخ أحمد شاكر ﵀، ومن المعلوم أن العلم الذي يفيده خبر الواحد لا يمكن أن يكون ضروريا بالمعنى السابق بحيث يضطر الإنسان إليه، ولا يمكنه دفعه، ولا يتوقف حصوله على النظر والاستدلال وإقامة البرهان، ولم أقف لأحد على القول بإفادة خبر الواحد للعلم الضروري إلا لبعض العلماء كابن القيم في النص السابق، ولعله تبع في ذلك مَنْ قال به قبله كابن خويز منداد على ما نسب إليه. وقد وافق جمهور المحدثين بعض الفقهاء وبعض الأصوليين في إفادة خبر الواحد للعلم النظري، وحكوا عن ابن خويز منداد أنه نسب القول بذلك إلى الإمام مالك ﵀، وذكر ابن القيم ﵀ أن ابن خويز منداد ذكر في كتابه "أصول الفقه" أن خبر الواحد الذي يرويه الواحد

стр. 46

والاثنان يفيد العلم الضروري وأن مالكاً نص عليه (١) . ونلاحظ مرة أخرى أن ابن القيم جعل العلم الذي يفيده خبر الواحد عند ابن خويز منداد علما ضروريا، وهو كذلك فيما قرره المازري من كلام ابن خويز منداد، فقد حكى الزركشي عن المازري قوله: "ذهب ابن خويز منداد إلى أنه يفيد العلم ونسبه إلى مالك، وأنه نص عليه، وأطال في تقريره، وحاصله أنه يوجب العلم الضروري، لكن تتفاوت مراتبه، ونازعه المازري وقال: لم يعثر لمالك على نص فيه (٢) وحكى ابن حزم القول بإفادة خبر الواحد للعلم عن الحارث بن أسد المحاسبي، لكن الزركشي انتقد حكاية ذلك عنه وقال: وفيما حكاه عن الحارث نظر، فإني رأيت كلامه في كتاب "فهم السنن"، نقل عن أكثر أهل الحديث وأهل الرأي والفقه أنه لا يفيد العلم، ثم قال: وقال أقلهم: يفيد العلم، ولم يختر شيئًا...." (٣) . وإذا صحَّ ما ذكره المحاسبي في "فهم السنن" فإنه نسب لأغلب أهل الحديث أن خبر الواحد لا يفيد العلم، وأن أقلهم هم الذين قالوا إنه يفيد العلم، وهو عكس ما نسبه إليهم آخرون. وتحقيق نسبة ذلك إلى الأكثر أو إلى الأقل يحتاج إلى تقص للأقوال لا

стр. 47

يسمح الوقت للقيام به الآن، إذ في نسبة الأقوال إلى العلماء اضطراب في المصادر. ومن أوجه هذا الاضطراب: أن ابن القيم ﵀ نسب القول بإفادة خبر الواحد للعلم إلى مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة بما يفيد أنهم نصوا على ذلك، وعبارته: "فممن نص على أن خبر الواحد يفيد العلم: مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة إلخ" (١) بل ذكر أن الشافعي قد صرح في كتبه بأن خبر الواحد يفيد العلم، قال: " نص على ذلك صريحاً في كتابه: اختلاف مالك" (٢) . أما في الرسالة فذكر أنه لا يوجب العلم الذي يوجبه نص الكتاب والخبر المتواتر، لكنه على كل حال يفيد العلم، وساق نصه في مناظرته مع بعض منكري أخبار الآحاد. بينما نجد آخرين ينسبون إليهم القول بإفادته للظن لا للعلم، قال ابن عبد البر: "والذي عليه أكثر أهل العلم منهم أنه يوجب العمل دون العلم، وهو قول الشافعي وجمهور أهل الفقه والنظر، ولا يوجب العلم عندهم إلا ما شهد به على الله وقطع العذر بمجيئه قطعاً..." (٣) . ونسب إلى الإمام أبي حنيفة أن خبر الواحد لا يفيد العلم وإنما يفيد الظن قال أستاذنا د. محمد بلتاجي: "وقد راجعت كل ما استخلصته على فقه أبي حنيفة ومسائله وأقواله ذاتها، وانتهيت إلى أن أبا حنيفة كان يرى

стр. 48

أن خبر الواحد لا يوجب علم اليقين، إنما يوجب العمل به بشروط" (١) . وإذا صحَّ هذا فإن القول بإفادة خبر الواحد للظن قد راج منذ عهد الأئمة المجتهدين خلافا لما يعتقد من أنه لم يحدث إلا بعدهم على يد المتكلمين. وقد تفرع عن القول بإفادة خبر الواحد للعلم قولان آخران يقيدان إطلاقه: أحدهما: أنه يفيد العلم لكن لا بنفسه بل بالقرائن التي حفت به، وهذا القول فرع عن سابقه، ويتفقان في أن خبر الواحد يفيد العلم، لكن على القول الأول يفيد العلم بنفسه من غير قرينة، وعلى هذا القول يفيد العلم بالقرائن لا بنفسه. وقد رجح هذا القول بعض الأصوليين كالآمدي (٢) وابن الحاجب والسبكي في جمع الجوامع (٣) وإليه مال الحافظ ابن حجر، قال في "النخبة" وشرحها: "وقد يقع فيها – أي في أخبار الآحاد- ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار خلافاً لمن أبى ذلك" (٤) . ونقل في ((الفتح)) عن الكرماني قوله في حديث ذي اليدين: "لم يخرج عن كونه خبر الآحاد وإن كان قد صار يفيد العلم بسبب ما حَفَّه من القرائن" (٥) .

стр. 49

ومن القرائن التي أوردها الحافظ، ويفيد بها خبر الواحد العلم النظري: إخراج الشيخين لخبر الواحد، ونسب القول بإفادة ما أخرجه الشيخان للعلم النظري للأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني، وأبي عبد الله الحميدي وأبي الفضل بن طاهر (١) . ومنها: تعدد طرق خبر الواحد مع سلامتها مِنْ ضعف الرواة والعلل. ومنها: اشتراك أئمة حفاظ متقنين في رواية خبر الواحد. وهذه القرائن التي ذكرها الحافظ أولى من القرائن التي أوردها بعض الأصوليين كقرينة إخبار رجل بموت ولده المشرف على الموت مع قرينة البكاء وإحضار الكفن والنعش (٢) . ثانيهما: أنه يفيد العلم الظاهر، وقد نسب الحافظ ابن عبد البر هذا القول إلى قوم كثير من أهل الأثر وبعض أهل النظر (٣) . غير أن قيد العلم بالظاهر مما يصعب تحديده وضبطه، ولذلك أوَّله بعض العلماء ليوافق رأي جمهور الأصوليين والفقهاء أن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن كما سيأتي، فالإمام الغزالي في "المستصفى" يفسر العلم الظاهر عند من قال به من المحدثين بأنه يعود إلى الظن؛ لأنَّ العلم ليس له ظاهر وباطن، وإنما هو الظن (٤) .

стр. 50

وجعل القاضي عبد الوهاب الخلاف لفظياً بين من يقول: "إن خبر الواحد يفيد العلم الظاهر وبين من يقول: إنه لا يفيده لأن مرادهم أنه يوجب غلبة الظن، فصار الخلاف في أنه هل يسمى علما أو لا (١) ؟ ". بينما سَخِرَ ابن حزم من هذا القيد ووصفه بأنه: "كلام لا يعقل، وما علمنا علماً ظاهراً غير باطن ولا علما باطنا غير ظاهر، بل كل علم تيقن فهو ظاهر إلى من علمه وباطن في قلبه معاً، وكل ظن يتيقن فليس علماً أصلاً لا ظاهراً ولا باطناً، بل هو ضلال وشك وظن محرم القول به في دين الله تعالى" (٢) . القول الثاني من القولين الأصليين: أن خبر الواحد يفيد الظن، وهو الاتجاه العام عند جمهور الأصوليين والفقهاء، وهو مذهب الحنفية والشافعية وجمهور المالكية وجميع المعتزلة وغيرهم (٣) . وهو الذي رجحه بعض محدثي الفقهاء كالحافظ ابن عبد البر ونسبه إلى الإمام الشافعي (٤) . وقد دفع بعض العلماء إصرارهم على أن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن إلى تعريفه بقولهم: "خبر الواحد ما أفاد الظن" (٥) وبقولهم: "خبر

стр. 51

الواحد العدل أو العدول المفيد للظن" (١) . ومنطلق الجمهور في قولهم: إن خبر الواحد لا يفيد إلا الظن أنه لا يمكن أن يقطع على غيبه، وأنه بمنزلة شهادة الشاهد الواحد، كما صرح به ابن القصار وقال: "وصار خبر الواحد بمنزلة الشاهد الذي قد أُمِرنا بقبول شهادته، وإن كنا لانقطع على صدقه" (٢) ، وقال الحافظ ابن عبد البر: "الذي نقول به أنه يوجب العمل دون العلم كشهادة الشاهدين والأربعة سواء" (٣) . هذا ومما تجدر الإشارة إليه أن عبارات بعض العلماء يفهم منها أن خبر الواحد الذي تلقته الأمة بالقبول يفيد العلم. قال ابن الصلاح عن هذا النوع من الخبر: "وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع به، خلافا لمن نفى ذلك محتجا بأنه لا يفيد إلا الظن، وإنما تلقته الأمة بالقبول لأنه يجب عليهم العمل بالظن، والظن قد يخطئ" قال: "وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قوياً، ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه هو الصحيح ... " (٤) . ويبدو أن مرادهم بالذي تلقته الأمة بالقبول: هو الذي لا خلاف فيه بين جماهير الأمة، بل كلهم يعملون به أو يصدقونه، وقد مثلوا له بخبر

стр. 52

عمر بن الخطاب ﵁: "إنما الأعمال بالنيات" وبخبر أبي هريرة ﵁: "لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها" (١) . وقد جعلوا معظم الأحاديث المخرجة في صحيح البخاري ومسلم مما تلقته الأمة بالقبول، وقد نص على ذلك أبو عمرو بن الصلاح، وقبله الحافظ أبو طاهر السلفي وغيره (٢) ، وعقب ابن تيمية على ذلك بقوله: "فإن ما تلقاه أهل الحديث وعلماؤه بالقبول والتصديق فهو محصل للعلم مفيد لليقين، ولا عبرة بمن عداهم من المتكلمين والأصوليين" (٣) . وإذا أضفنا إلى خبر الواحد الذي تلقَّته الأمة بالقبول خبر الواحد الذي احتفت به القرائن من حيث إن كليهما يفيدان العلم النظري، فإن الخلاف في إفادة خبر الواحد للعلم ينحصر في خبر الواحد المستوفي لشروط الصحة دون أن يكون مما تلقته الأمة بالقبول، ودون أن يكون مما احتفت به القرائن. والمقصود أن هذه القيود مما يقلص شقة الخلاف بين العلماء في إفادة خبر الواحد للعلم أو الظن، ولاسيما إذا وسعنا دائرة القرائن، فقلما يوجد حديث صحيح لا تحتف القرائن بمضمونه ليفيد العلم. وقد اعترف ابن القيم بوجود خلاف بين العلماء في إفادة خبر

стр. 53

الواحد للعلم إذا لم يرتق إلى درجة ما تلقته الأمة بالقبول، وقد حكي القولان عن الإمام أحمد، وقد نص ابن القيم على أن من بين القائلين بإفادة خبر الواحد للظن "جماعة من أهل الحديث" (١) ، وبذلك لا يُسَلَّمُ قول من ادَّعَى أن الخلاف إنما حدث خارج دائرة أهل الحديث. ولعل الرغبة في تقليص شقة الخلاف في المسألة هي التي حدت بالحافظ ابن حجر أن يقول: " والخلاف في التحقيق لفظي، لأن من جوز إطلاق العلم قيده بكونه نظريا، وهو الحاصل عن الاستدلال، ومن أبى الإطلاق خص لفظ العلم بالتواتر، وما عداه عنده كله ظن، لكن لا ينفي أن ما احتفت به القرائن أرجح مما خلا عنها" (٢) . وإن كان الزركشي رفض كون الخلاف لفظيًّا، فالنتيجة أن الخلاف ليس بذي بال إذا كان الاتفاق حاصلاً على وجوب العمل بخبر الواحد في جميع المجالات. على أن بعض الأصوليين والفقهاء لجؤوا إلى تأويل مذهب أهل الحديث ومن معهم من الظاهرية في إفادة خبر الواحد للعلم حتى يجعلوا قولهم آيلا إلى قولهم، فابن دقيق العيد حاول أن يجمع بين مذهب الظاهرية ومعهم المحدثون، وبين مذهب غيرهم في إفادة خبر الواحد للعلم أو الظن بقوله: "قد أكثر الأصوليون من حكاية إفادته القطع عن الظاهرية أو بعضهم، وتعجب الفقهاء وغيرهم منهم!!؛ لأنا نراجع أنفسنا

стр. 54

فنجد خبر الواحد محتملا للكذب والغلط، ولا قطع مع هذا الاحتمال، لكن مذهبهم له مستند لم يتعرض له الأكثرون وهو أن يقال: ما صح من الأخبار فهو مقطوع بصحته لا من جهة كونه خبر الواحد... وإنما وجب أن يقطع بصحته لأمر خارج عن هذه الجهة، وهو أن الشريعة محفوظة، والمحفوظ ما لا يدخل فيه ما ليس منه، ولا يخرج عنه ما هو منه، فلو كان ما ثبت عندنا من الأخبار كذباً لدخل في الشريعة ما ليس منها، والحفظ ينفيه، والعلم بصدقه من هذه الجهة لا من جهة ذاته، فصار هذا كالإجماع" (١) . فابن دقيق العيد في هذا النص يجعل مسألة القطع بالصحة مشتركة بين الجميع، واختلاف الجهة المأخوذ منها القطع لا يجعل الخلاف حقيقياً. وأحسب أن ابن دقيق العيد استخلص هذا المستند من كلام مُدَوِّن فقه الظاهرية الإمام ابن حزم في كتابه "الإحكام"، فقد حام حول هذه الفكرة للدفاع عن مذهبه في إفادة خبر الواحد للعلم منطلقاً من أن الوحي محفوظ، وكلام رسول الله ﷺ وحي، وكل ما تكفل الله بحفظه فمضمون أن لا يضيع منه حرف، وأن لا يحرف منه شيء، ثم لا يعقبه بيان الضياع أو التحريف أو البطلان؛ إذ لو جاز ذلك لكان الوحي غير محفوظ، وهو محفوظ قطعاً، وما هو محفوظ لابد أن يفيد القطع والعلم اليقيني (٢) .

стр. 55

والإمام الغزالي يقول بعد نفيه إفادة خبر الواحد للعلم: "وما حُكي عن المحدثين من أن ذلك يوجب العلم فلعلهم أرادوا أنه يفيد العلم بوجوب العمل؛ إذ يسمى الظن علما" (١) . وقد قرر هذا المعنى قبله الإمام الباجي مدعيا أن الغلط إنما دخل على القائلين بإفادة خبر الواحد للعلم " من أن العمل بأخبار الآحاد معلوم وجوبه بالقطع واليقين، وأما ما يتضمنه من أخبار فمظنون، فلم يتميز لنا العلم بوجوب العمل من العلم بصحة الخبر" (٢) . وأوَّلَ بعضهم مذهب المحدثين بأنهم يقصدون أن الخبر يفيد العلم بمعنى الظن محتجين بأن العلم قد يأتي بمعنى الظن كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] (٣) . والإمام ابن تيمية ﵀، وإن كان توجهه العام أن خبر الواحد يفيد العلم، لا يمانع في كون بعض الأخبار تفيد ظناً قد يتحول إلى علم بوجود مؤيدات لتلك الأخبار، وقد يتحول ذلك الظن إلى أوهام مع انعدام مؤيدات لتلك الأخبار، فقد نقل عنه ابن القيم ﵀ قوله: "والآحاد في هذا الباب قد تكون ظنوناً بشروطها، فإذا قويت صارت علوما، وإذا ضعفت صارت أوهاماً وخيالات فاسدة" (٤) .

стр. 56

ويعترف الذين لا يفيد عندهم خبر الواحد إلا الظن أن الظن الذي يفيده قد تختلف درجته باختلاف درجات رواته أو بكثرتهم؛ فالظن المستفاد من أخبار أكابر الصحابة آكد من الظن المستفاد من غيرهم من عدول الأزمان بعدهم" (١) ، والخبر "الصادر من اثنين آكد ظناً وأقوى حسباناً من الخبر المستفاد بقول الواحد، وكلما كثر المخبرون كثر الظن بكثرة عددهم إلى أن ينتهي خبرهم إلى الاعتقاد، فإن تكرر بعد حصول الاعتقاد انتهى إلى إفادة العلم". فهذا الكلام يكاد يكون صريحا في أن خبر الواحد يفيد العلم؛ لأن كثيرا من أخبار الآحاد تنتهي إلى إفادة الاعتقاد بصحتها. لكن عبارات أهل الأثر صريحة في أن مرادهم أن خبر الواحد يوجب العلم بصحته، وكفى على ذلك دليلاً قولهم: إنه يصح أن تشهد على الله وعلى رسوله بمضمونه، وتأكيدهم أن الأمة منذ عهد الصحابة "لم تزل تشهد على الله ورسوله بمضمون هذه الأخبار....." (٢) .

стр. 57

المبحث السادس: نشأة التفرقة بين العقائد والأحكام في الاحتجاج بخبر الآحاد قد تسأل بعد هذا النقاش المحتدم حول إفادة خبر الواحد للعلم أو الظن؟ ما ثمرة الخلاف بين الفريقين؟ والبحث عن هذه الثمرة يفيد في فَهْم إصرار كل فريق على رأيه، فنجد ابن حزم مثلا ينفي القول بالظن في دين الله جملة، ويجعل قول القائلين بإفادة خبر الواحد للظن بمنزلة القول بأن الله "تعبدنا أن نقول عليه تعالى ما ليس لنا به علم" (١) . وإمعاناً منه في رفضه إفادة خبر الواحد للظن وصف الظن باليقين في قوله: "وكل ظن يتيقن فليس علما أصلا....بل هو ضلال وشك محرم القول به في دين الله تعالى" (٢) إيماء إلى أن الظن وإن كان قوياً قوة تُقَرِّبه من اليقين لا عبرة به، ولا يبنى عليه أي حكم، وإلا فكيف يكون الظن متيقنا؟! ونجد في المقابل قول الجويني: "ذهبت الحشوية (٣) من الحنابلة وكتبة الحديث إلى أن خبر الواحد العدل يوجب العلم، وهذا خرق لا يخفى مدركه على ذي لب" (٤) ولا متعلق لهم إلا ظنهم أن خبر الواحد يوجب العمل" (٥) .

стр. 58

وجعل الإمام الغزالي بعده عدم إفادة خبر الواحد للعلم معلوما بالضرورة! وفسر ذلك بقوله " فإنا لا نصدق بكل ما نسمع، ولو صدقنا وقدرنا تعارض الخبرين فكيف نصدق بالضدين" (١) . والجواب عن السؤال في بداية المبحث: ما ثمرة الخلاف بين الفريقين؟ (٢) إن تتبع أقوال العلماء في هذا الموضوع هدى إلى أن هناك ثمرتين واضحتين لهذا الخلاف: الثمرة الأولى للخلاف تتمثل في التفرقة بين خبر الواحد في مجال العقائد وخبر الواحد في مجال الأحكام، فمن قال: إن خبر الواحد يفيد العلم قَبِلَه في العقائد، ومن قال لا يفيده لم يقبله فيها "إذ العمل على الظن فيما هو محل القطع ممتنع". لكن هذه الثمرة لا تظهر إلا عند المتأخرين القائلين بالتفرقة بين المجالين، إذ ذهبوا إلى أن العقائد لا تثبت إلا بعلم يقيني، وخبر الواحد لا يفيد العلم اليقيني فلا تثبت به العقائد. وقد أبرز العز بن عبد السلام الفرق بين العقيدة فلا يجوز فيها الظن وبين الفروع التي يكتفى فيها بالظنون بقوله: "إذ لو شرط فيها العلم لفات معظم المصالح الدنيوية والأخروية، ولا يكفي فيما يتعلق بأوصاف الإله إلا العلم والاعتقاد، والفرق بينهما أن الظان مجوز بخلاف (لخلاف)

стр. 59

مظنونه، وإذا ظن صفة من صفات الإله فإنه يجوز نقيضها وهو نقص، ولا يجوز تجويز النقص على الإله؛ لأن الظن لا يمنع من تجويز نقيض المظنون، بخلاف الأحكام، فإنه لو ظن الحلال حراما والحرام حلالا لم يكن ذلك تجويز نقص على الرب ، لأنه لو أحل الحرام وحَرَّم الحلال لم يكن ذلك نقصاً، بخلاف الصفات فإن كمالها شرف وضده نقصان" (١) . لكن ترتيب هذه الثمرة على قول جمهور الأصوليين والفقهاء بإفادة خبر الواحد للظن دون العلم فيه إشكال كبير بالنظر إلى الاتجاه العام عند سلفهم الذين لم ينفوا إثبات العقائد بخبر الواحد، بل سياق كلامهم يدل على عدم الفرق بين العقائد والأحكام في ثبوتها بخبر الواحد، كما سنرى. ومن ثم فإما أن يقال: إن مذهب الجمهور أن خبر الواحد يفيد الظن في غير العقائد، أما فيها فلا بد أن يقولوا بإفادته للعلم إذا قلنا بوجوب بناء العقائد على العلم وعدم جواز العمل بالظن فيها؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣] . وإما أن يقال: إن مذهب الجمهور يشمل العقائد والأحكام، ويصح إثبات العقائد بالظن الغالب كما قرر الحافظ ابن عبد البر؛ فهو قد رجح إفادة خبر الواحد للظن، وفي الوقت نفسه رجح إثبات العقائد به، وعزا

стр. 60

ذلك إلى "أكثر أهل الفقه والأثر، وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادي ويوالي عليها، ويجعلها شرعا ودينا في معتقده، على ذلك جماعة أهل السنة" (١) . فبناء على هذا التقرير يكون خبر الواحد حجة في العقائد كما يكون حجة في الأحكام، وفي الوقت نفسه لا يوجب العلم وإن أوجب العمل، فتصير هذه الثمرة لهذا الخلاف منعدمة على هذا التقرير. بل إن من الأصوليين الذين اشتهر عنهم القول بإفادة خبر الواحد للظن مَنْ يصرح بصحة إثبات العقائد بخبر الواحد، على أن يكون الاحتجاج بمجموع أخبار الآحاد لا بآحادها. قال الزركشي: " سبق منع بعض المتكلمين من التمسك بأخبار الآحاد فيما طريقه القطع من العقائد، لأنه لا يفيد إلا الظن، والعقيدة قطعية، والحق: الجواز، والاحتجاج إنما هو بالمجموع منها، وربما بلغ مبلغ القطع، ولهذا أثبتنا المعجزات المروية بالآحاد" (٢) . وهنا يأتي سؤال على تقرير الحافظ ابن عبد البر وغيره ممن أوجبوا العمل بخبر الواحد في العقائد والأحكام معاً، لكنه مع ذلك لا يفيد إلا الظن، والسؤال هو: لماذا لم يجعلوه مفيدا للعلم كما جعلوه مفيداً للعمل موجبا له؟

стр. 61

وقد علق ابن تيمية في "المسودة" تعليقا لطيفا على تقرير ابن عبد البر بما يشبه هذا السؤال فقال: "هذا الإجماع الذي ذكره في خبر الواحد العدل في الاعتقادات يؤيد قول من يقول: إنه يوجب العلم، وإلا فما لا يفيد علما ولا عملا كيف يجعل شرعا ودينا يوالى عليه ويعادى؟ " (١) . وقد سبق أن ابن حزم يتلازم عنده إيجاب العمل بخبر الواحد وإفادته للعلم، فلم يبق للخلاف المذكور عند الجمهور إلا الثمرة الثانية التي سيأتي الحديث عنها. وأيًّا ما كان فإن جماهير العلماء عدُّوا قول من يفرق بين العقائد والأحكام في إثباتها بخبر الواحد قولاً مبتدعاً لم يكن معروفاً عند السلف الماضين، وإنما تسرب إلى المتأخرين من الفقهاء والأصوليين وبعض المشتغلين بالحديث. ويبدو أن السلف مجمعون إجماعاً سكوتياً على قبول خبر الواحد في العقائد كقبوله في مجال الأحكام، وقد صرَّح ابن القيم وغيره بأن الإجماع على قبول أخبار الآحاد في إثبات صفات الرب سبحانه بها إجماع معلوم متيقن "لا يشك فيه من له أقل خبرة بالمنقول" (٢) . ولم يخرق هذا الإجماع إلا بعض متأخري المتكلمين (٣) ، وتسربت منهم هذه التفرقة بين العقائد والأحكام إلى الأصوليين والفقهاء وبعض

стр. 62

المشتغلين بالحديث، واشتهرت هذه التفرقة حتى ادعى بعضهم الإجماع عليها إجماعاً مضاداً للإجماع السابق، كما يفهم من السؤال الذي أورده الآمدي على قبول خبر الواحد وهو: "أن النبي ﷺ كما أنه كان ينفذ الآحاد لتبليغ الأخبار كان ينفذهم لتعريف وحدانية الله تعالى، وتعريف الرسالة، فلو كان خبر الواحد حجة في الإخبار بالأحكام الشرعية لكان حجة في تعريف التوحيد والرسالة وهو خلاف الإجماع" (١) !! أي: إن إثبات التوحيد والرسالة بخبر الواحد خلاف الإجماع، فيا ترى إجماع من هذا؟ الناقض لإجماع السلف على عكس ما يثبته؟! مع أن أصوليين آخرين لم ينسبوا التفرقة إلا لبعض المتكلمين (٢) ، فأين ذلك من الإجماع؟ بل إن تتبع أقوال السلف قد هدى إلى أن القول بالتفرقة قول مبتدع؛ فالإمام الشافعي مثلا، وهو أبرز علماء السلف الذين دافعوا عن حجية خبر الواحد لم أقف في كلامه على أي إشارة لهذه التفرقة المبتدعة، فهو لم يتطرق للتنصيص على حجية خبر الواحد في العقائد، والأحكام، وذلك يعزز بدعية هذه التفرقة وحدوثها بعده، ويؤذن بتسويته بين المجالين في الاحتجاج بخبر الواحد كما يفهم من كثير من إطلاقاته كقوله بعد سرد أعلام من التابعين وغيرهم: "كلهم يحفظ عنه تثبيت خبر الواحد عن رسول الله والانتهاء إليه، والإفتاء به، ويقبله كل واحد منهم عمن

стр. 63

فوقه، ويقبله عنه من تحته" (١) ، وكتمثيله بعقائد ثبتت بخبر الواحد، دون أن يخص منكري حجية خبر الواحد في العقائد برد، مما يدل على عدم وجود القائلين بالتفرقة في عهده، ومن ذلك قوله: "ومن زعم أن الحجة لا تثبت بخبر المخبر الصادق عند من أخبره فما يقول في معاذ إذ بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن والياً ومحارباً من خالفه، ودعا قوما لم يلقوا النبي ﷺ إلى أخذ الصدقة منهم وغيرها....؟ " (٢) ففي هذا النص دليل واضح على عدم وجود من يفرق بين العقائد والأحكام في عهد الإمام الشافعي، وإنما فيه رد خبر الواحد جملة لا في العقائد ولا في الأحكام. وقد صنع مثل صنيعه الإمام البخاري في صحيحه، فقد ساق أمثلة عديدة لوجوب العمل بخبر الواحد مع التسوية بين العقائد والأحكام، فقد ساق حديث وفد عبد القيس الذي أمرهم فيه النبي ﷺ بأركان الإسلام وقال لهم في آخره: "احفظوهن وأبلغوهن مَنْ وراءكم" ومن بين الأمور التي أمروا بحفظها وإبلاغها: أمر العقيدة، فدل ذلك على أن الحجة تقوم بخبر الواحد في العقائد كما تقوم به في الأحكام. ويفهم من عدم تصريحه كسابقه الإمام الشافعي بالتسوية بين العقائد والأحكام ولا بالتفرقة بينهما: أن التفرقة بينهما لم تنشأ إلا بعد زمنهما ولم أقف فيما اطلعت عليه على من يفرق بين المجالين في عهدهما ولا قبل

стр. 64

عهدهما، فلم يثبت أن أحداً من الصحابة والتابعين وتابعيهم ولا أحداً من الأئمة المعروفين ذهب إلى هذه التفرقة، ويبدو أن التفرقة نشأت نشأة غير بريئة ترمي إلى رفض كثير من العقائد التي لم يكن لها مستند إلا خبر الواحد. وقد جزم ابن القيم ﵀ بأن الشافعي "لم يفرق هو ولا أحد من أهل الحديث البتة بين أحاديث الأحكام وأحاديث الصفات، ولا يعرف هذا الفرق عن أحد من الصحابة ولا عن أحد من التابعين ولا عن تابعيهم ولا عن أحد من أئمة الإسلام وإنما يعرف عن رؤوس أهل البدع ومن تبعهم" (١) . ولا شك أن هؤلاء الذين لا يعرفون الفرق بين أحاديث الأحكام وأحاديث الصفات قد تواطؤوا على الاستدلال بخبر الواحد على أمور العقيدة، فتكون بدعة التفرقة بين أحاديث الأحكام وأحاديث الصفات قد نشأت متأخرة عن بدعة رفض الاحتجاج بخبر الآحاد، وكأن تلك بنيت على أنقاض هذه، فبعد أن فشل المبتدعون في رد أخبار الآحاد لجأوا إلى رد ما تعلق منها بالعقيدة ظاهرين بمظهر المدافعين عن العقيدة حتى تكتسي بدعتهم بعض المشروعية، وإلا فإن الوقائع التاريخية تدحض هذه التفرقة من حيث إن صحابياً إذا روى لغيره حديثاً في موضوع الصفات تلقاه عنه بالقبول، واعتقد مضمونه على القطع واليقين بمجرد

стр. 65

سماعه، وإذا تثبت أحد منهم في قبول خبر الواحد ففي بعض الأحكام. أما في الصفات فلم يطلب أحد منهم الاستظهار فيها "بل كانوا أعظم مبادرة إلى قبولها وتصديقها والجزم بمقتضاها وإثبات الصفات بها من المخبر لهم بها عن رسول الله ﷺ " (١) . ولكن المؤسف أن هذه البدعة تسربت عبر الزمان إلى فكر الذين لا يحملون أي دخلة خبيثة لهذا الدين من متأخري الأصوليين والفقهاء، وبذلك اختلطت أسباب التفرقة بين العقائد والأحكام باختلاف دوافع التفرقة. فالمبتدعة ردوا كل العقائد التي رويت بطريق أخبار الآحاد فراراً منهم من التجسيم -زعموا- وهروباً إلى التعطيل، بل عمموا المسألة في السنة كلها متواترها وآحادها بناء على قاعدة بناء العقائد على القطع ولا يمكن أن تبنى العقائد على الأخبار كلها، أما المتواتر منها فرغم كونه قطعي الثبوت غير قطعي الدلالة، ولا شك أن النص القرآني نفسه ينطبق عليه هذا الوصف، فهو غير قطعي الدلالة وإن كان قطعي الثبوت؛ لأن في النصوص القرآنية الواردة في العقائد ما يتنافى مع ما يعتقدون من التعطيل والإبطال. فإذا كانت نصوص القرآن والسنة المتواترة التي لا تفيد القطع من جهة الدلالة، ونصوص أخبار الآحاد لا تفيد القطع من الجهتين معا: جهة الدلالة وجهة السند فذلك "إبطال لدين الإسلام رأساً "كما قال ابن

стр. 66

القيم ﵀ (١) . فالدافع الأقوى إلى هذه التفرقة هو الموقف من الأسماء والصفات التي يثبتها السلف بنصوص القرآن والسنة معا كما وردت، مع تفويض الكيف إلى الله وتنزيهه عن مشابهة المخلوقات، بينما المبتدعة يعطلون حذراً من التجسيم الذي تُصَوِّره عقولهم. أما الذين تسربت إليهم هذه التفرقة مع سلامتهم من تلك البدعة، فكان دافعهم الحرص على سلامة منطلقات العقيدة، وأول منطلقاتها هو العلم، فمعرفة الله ومعرفة صفاته لا يكفي فيها مجرد الظن، فالظن في هذا الموضع مذموم؛ لأن الله ألزم المكلفين القطع واليقين في عقيدتهم، وذلك ما لا سبيل للظن إلى تحقيقه، وفي هذا قال الخطيب البغدادي ﵀: "خبر الواحد لا يقبل في شيء من أبواب الدين المأخوذ على المكلفين العلم بها والقطع عليها... أما ما عدا ذلك من الأحكام التي لم يوجب علينا العلم بأن النبي ﷺ قررها، وأخبر بها عن الله فإن خبر الواحد فيها مقبول والعمل بها واجب" (٢) . ومثله قول أبي بكر السمرقندي: "خبر الواحد لا يحتج به في العقائد لأنه يوجب الظن وعلم غالب الرأي لا علماً قطعياً، فلا يكون حجة فيما يبتني عليه العلم القطعي والاعتقاد حقيقة" (٣) . وجاهر ابن برهان بمخالفته لأصحاب الحديث في قوله إن " خبر

стр. 67

الواحد لا يفيد العلم خلافا لأصحاب الحديث ولا تثبت به العقائد" (١) ، فهم إنما يفرون بهذه التفرقة من الذمِّ الذي يستوجبه بناء العقيدة على الظن، وفي هذا قال العز بن عبد السلام: "وإنما ذم الله العمل بالظن في كل موضع يشترط فيه العلم أو الاعتقاد الجازم كمعرفة الإله ومعرفة صفاته، والفرق ظاهر" (٢) . فالدافع هو تنزيه صفات الله عن النقص الناجم عن بنائها على الظن، فمن ظن صفة من صفات الله فيمكنه أن يجوز نقيضيها وذلك نقص" (٣) . بل إن بعض أولئك الذين تسربت إليهم التفرقة حاولوا الرد على أدلة مثبتي الحجية لخبر الواحد في مجالي العقائد والأحكام معا، وكان ردهم متكلفاً بارداً. ومن أمثلة تلك الردود المتكلفة قول أبي الوليد الباجي ﵀: "فإن قالوا: فيجب قبول خبر الواحد في التوحيد وأعلام النبوة وما طريقه العلم؛ لأن رسله أيضاً ينفذون بذلك إلى أهل النواحي". قال: "والجواب: أن هذا غلط، لأنه إنما كان ينفذ رسله بأحكام الشريعة بعد انتشار الدعوة وإقامة الحجة" (٤) . وأجاب الآمدي عن هذه المسألة حيث قال: "إن إنفاذ الآحاد لتعريف التوحيد والرسالة لم يكن واجب القبول!! لكونه خبر واحد، بل

стр. 68

إنما كان واجب القبول من جهة ما يخبرهم به من الأدلة العقلية...!! " ولم يذكر هذه الأدلة العقلية التي زعم أن الرسل يخبرون بها من بعثوا إليهم بالرسائل والأوامر، أما مضمون ما حملوا تبليغه فلا يجب عليهم قبوله إلا بالأدلة العقلية (١) . والظاهر أن الآمدي ﵀ أبان بهذا الكلام عن تأثره بمنهج المعتزلة، ودليل ذلك أن القاضي عبد الجبار المعتزلي لا يثبت لخبر الآحاد من حيث هو حجية في العقائد، لكن موجب خبر الواحد عنده يعتقد "لا لمكانه، بل للحجة العقلية!! " (٢) وأما الثمرة الثانية لإفادة خبر الواحد للعلم أو الظن: فتتمثل في كفر جاحد ما ثبت بخبر الواحد أو عدم كفره، فمن ذهب إلى أن خبر الواحد يفيد العلم القطعي اليقيني كفَّرَ من جحده، ومن ذهب إلى أنه لا يفيد العلم القطعي اليقيني لم يكفره، قال الزركشي: "وقد حكى ابن حامد من الحنابلة أن في تكفيره وجهين، ولعل هذا مأخذهما" (٣) . غير أن هذه الثمرة لم يكن النص عليها شائعا في المصادر شيوع سابقتها بمعنى أنه من غير المجزوم به أن كل من قال بإفادة خبر الواحد للعلم يكفر جاحده، ولم أعثر إلا على نصوص لابن العربي وابن القيم والزركشي، فابن العربي أكد أنَّ مَنْ رَدَّ الحديث "لأنه خبر آحاد فهو

стр. 69

مبتدع أو كافر على التأويل في أحد القولين، وبه أقول فإن من أنكر خبر الواحد فقد رد الشريعة كلها ولم يعلم مقاصدها، ولا اطلع على بابها الذي يدخل منه إليها" (١) . أما ابن القيم فقد عزا إلى جماعة من أصحاب أحمد وغيرهم تكفير "من يجحد ما ثبت بخبر الواحد العدل، والتكفير مذهب إسحاق بن راهويه ... " (٢) . غير أنه لم يفرع التكفير على إفادة خبر الواحد للعلم أو الظن كما فعل الزركشي، وإن كان في كلامه بعد ما يفيده، فقد قال: "وعلى هذا تنازعوا في كفر تاركه لكونه من الحجج العلمية كما تكلموا في كفر جاحد الإجماع" (٣) . غير أن للإمام الشافعي كلاما يومئ إلى هذه الثمرة من حيث تفرقته في الحجية بين خبر الواحد والخبر المتواتر، لا من حيث أصل الاحتجاج بل من حيث ترك الاحتجاج، فمن لم يقبل خبر الواحد وشك فيه لا من جهة صحة سنده فلا يستتاب مِن رفضه قبول خبر الواحد، ومِنْ شكه فيه، ومن لم يقبل الخبر المتواتر يستتاب، فهذه التفرقة قد تكون دليلا على أن الشافعي يقول بإفادة خبر الواحد للظن لا للعلم، وقد نسب ذلك إليه الحافظ ابن عبد البر، ونسب إليه عكسه الإمام ابن القيم كما سبق.

стр. 70

وهذا نصُّ الشافعي: "أما ما كان من نص كتاب بَيِّنٍ أو سنةٍ مجتمع عليها فالعذر فيها مقطوع، ولا يسع الشك في واحد منهما، ومن امتنع من قبوله استتيب، فأما ما كان من سنة من خبر الخاصة الذي قد يختلف الخبر فيه فيكون الخبر محتملا للتأويل، وجاء الخبر فيه من طريق الانفراد، فالحجة عندي أن يلزم العالمين حتى لا يكون لهم رد ما كان منصوصاً منه، كما يلزمهم أن يقبلوا شهادة العدول، لا أن ذلك إحاطة، كما يكون نص الكتاب وخبر العامة عن رسول الله ﷺ . ولو شك في هذا شاك لم نقل له تب، وقلنا: ليس لك -إن كنت عالما- أن تشك كما ليس لك إلا أن تقضي بشهادة الشهود العدول، وإن أمكن فيهم الغلط، ولكن تقضي بذلك على الظاهر من صدقهم، والله ولي ما غاب عنك منهم". فمن هذا النص تؤخذ أمور: أولها: أن هذه التفرقة قد تكون دليلا على أن الشافعي يقول بإفادة خبر الواحد للظن لا للعلم. ثانيها: أن من شك في السنة المجتمع عليها كمن شك في النص القرآني فيستتاب، والظاهر أنه يقصد الاستتابة من الكفر، أما من شك في خبر الواحد فليس بكافر ولا يستتاب. ثالثها: أنه لا يفرق من حيث الحجية بين النص القرآني والحديث المتواتر وخبر الآحاد، فالجميع عنده حجة وإن كان الاختلاف في درجة قوة الحجية.