← Акыда

Акыда · id 11162

حقوق آل البيت

ابن تيمية

Полный текст (65 стр.). Показаны 36–65 · переход к 41.

стр. 36

﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ ١. وهذا سبب ما خلق الإنسان عليه من الجهل في نوع العلم, والظلم في نوع العمل, فبجهله يتبع الظن, وبظلمه يتبع ما تهوى الأنفس. ولما بعث الله رسله وأنزل كتبه, لهدى الناس وإرشادهم, صار أشدهم إتباعا للرسل أبعدهم عن ذلك كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢. ولهذا صار ما وصف الله به الإنسان لا يخص غير المسلمين دونهم, ولا يخص طائفة من الأمة, لكن غير المسلمين أصابهم ذلك في أصول الإيمان التي صار جهلهم وظلمهم فيها كفرانا وخسرانا مبينا, ولذلك من ابتدع في أصول الدين بدعة جليلة أصابه من ذلك أشد مما يصيب من أخطأ في أمر دقيق أو أذنب فيه, والنفوس لهجة بمعرفة محاسنها, ومساوئ غيرها. وأما العالم العادل فلا يقول إلا الحق, ولا يتبع إلا إياه, ولهذا من يتبع المنقول الثابت عن النبي ﷺ وخلفائه وأصحابه وأئمة أهل بيته, مثل الإمام علي بن الحسين زين العابدين, وابنه الإمام أبي جعفر محمد بن علي الباقر, وابنه الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق شيخ علماء الأمة, ومثل: أنس بن مالك, والثوري, وطبقتهما, وجد ذلك جميعه متفقا مجتمعا في أصول دينهم, وجماع شرائعهم, ووجد في ذلك ما يشغله وما يغنيه عما أحدثه كثير من المتأخرين من أنواع المقالات التي تخالف ما كان عليه أولئك

стр. 37

السلف "وهؤلاء المتأخرون"١ ممن ينتصب لعداوة آل البيت رسول الله ﷺ , ويبخسهم حقوقهم, ويؤذيهم, أو ممن يغلوا فيهم غير الحق ويفتري عليهم الكذب, ويبخس السابقين والطائعين حقوقهم, ورأى أن في المأثور عن أولئك السلف في باب التوحيد والصفات, وباب العدل والقدر, وباب الإيمان والأسماء والأحكام, وباب الوعيد والثواب, والعذاب, باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ما يتصل به حكم الأمراء أبرارهم وفجارهم, وحكم الرعية معهم, والكلام في الصحابة والقرابة ما يبين لكل عاقل عادل أن السلف المذكورين لم يكن بينهم من النزاع في هذه الأبواب إلا من جنس النزاع الذي أقرهم عليه الكتاب والسمة كما تقدم ذكره, وأن البدع الغليظة المخالفة للكتاب والسنة, واتفاق أولي الأمر الهداة المهتدين إنما حدثت من الأخلاف, وقد يعزون بعض ذلك إلى بعض الأسلاف, تارة بنقل غير ثابت, وتارة بتأويل لشيء من كلامهم متشابه. ثم إن من رحمة الله قل أن ينقل عنهم شيء من ذلك إلا وفي النقول الصحيحة الثابتة عنهم للقول المحكم الصريح ما يبين غلط الغالطين عليهم في النقل أو التأويل, وهذا لأن الصراط المستقيم في كل الأمة بمنزلة الصراط في الملك, فكمال الإسلام هو الوسط في الأديان والملك, كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ ٢. ولم ينحرفوا انحراف اليهود والنصارى والصابئين. فكذلك أهل الاستقامة, ولزوم سنة رسول الله ﷺ , وما عليه السلف, تمسكوا بالوسط, ولم ينحرفوا إلى الإطلاق. فاليهود مثلا جفوا في الأنبياء والصديقين حتى قتلوهم وكذبوهم, كما قال الله تعالى:

стр. 38

﴿فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ ١. والنصارى غلوا فيهم عبدوهم كما قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ ٢. واليهود انحرفوا في النسخ حتى زعموا أنه لا يقع من الله أو لا يجوز عليه, كما ذكر الله عنهم إنكاره في القرآن حيث قال: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ ٣. والنصارى قابلوهم, فجوزوا للقسيسين والرهبان أن يوجبوا ما شاءوا, ويحرموا ما شاءوا, وكذلك تقابلهم في سائر الأمور. فهدى الله المؤمنون إلى الوسط فاعتقدوا في الأنبياء ما يستحقونه, ووقروهم, وعزروهم, وأحبوهم, وأطاعوهم واتبعوهم ولم يردوهم كما فعلت اليهود, ولا أطروهم ولا غلوا فيهم فنزلوهم منزلة الربوبية كما فعلت النصارى. وكذلك في النسخ, جوزوا أن ينسخ الله, ولم يجوزوا لغيره أن ينسخ, فإن الله له الخلق والأمر, فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره. وهكذا أهل الاستقامة في الإسلام المعتصمون بالحكمة النبوية, والعصبة الجماعية, متوسطون في باب التوحيد والصفات بين النفاة المعطلة وبين الشبهة الممثلة. وفي باب القدر والعدل والأفعال بين القدرية والجبرية والقدرية المجوسية. وفي باب الأسماء والأحكام بين من أخرج أهل المعاصي من الإيمان بالكلية

стр. 39

كالخوارج وأهل المنزلة, وبين من جعل إيمان الفساق كإيمان الأنبياء والصديقين كالمرجئة والجهمية. وفي باب الوعيد والثواب والعقاب بين الوعيد بين الذين لا يقولون بشفاعة نبينا لأهل الكبائر, وبين المرجئة الذين يقولن بنفوذ الوعيد. وفي باب الإمامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, بين الذين يوافقون الولاة على الإثم والعدوان, ويركنون إلى الذين ظلموا, وبين الذين لا يرون أن يعاونوا أحدا على البر والتقوى, لا على جهاد ولا جمعة ولا أعياد إ أن يكون معصوما, ولا يدخلون فيما أمر الله به ورسوله إلا في طاعة من لا وجود له. فالأولون يدخلون في المحرمات, وهؤلاء يتركون واجبات الدين, وشرائع الإسلام, غلاتهم يتركونها لأجل موافقة من يظنونه ظالما, وقد يكون كاملا في علمه وعدله.

стр. 40

أهل الاستقامة ... عند المصيبة: وأهل الاستقامة والاعتدال يطيعون الله ورسوله بحسب الإمكان, فيتقون الله ما استطاعوا, وإذا أمرهم الرسول بأمر أتوا منه ما استطاعوا, ولا يتركون ما أمروا به لفعل غيرهم ما نهى عنه, بل كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ١. ولا يعانون أحدا على معصية, ولا يزيلون المنكر بما هو أنكر منه, ولا يأمرون بالمعروف إلا بالمعروف, فهم وسط في عامة الأمور, ولهذا وصفهم النبي ﷺ بأنهم الطائفة الناجية لما ذكر اختلاف أمته وافتراقهم. ومن ذلك أن اليوم الذي هو يوم عاشوراء الذي أكرم الله فيه سبط نبيه, وأحد سيدي شباب أهل الجنة بالشهادة على أيدي من قتله من الفجرة الأشقياء, وكان ذلك مصيبة عظيمة من أعظم المصائب الواقعة في الإسلام. وقد روى الإمام أحمد وغيره عن فاطمة بنت الحسين وقد كانت قد شهدت مصرع أبيها, الحسين بن علي ﵃, عن جده رسول الله ﷺ أنه قال: " ما من رجل يصاب بمصيبة فيذكر مصيبته وإن قدمت, فيحدث لها استرجاعا إلا أعطاه الله من الأجر مثل أجره يوم أصيب بها" ٢. فقد علم أن الله أن مثل هذه المصيبة العظيمة سيتجدد ذكرها مع تقادم.

стр. 41

العهد, فكان من محاسن الإسلام أن روى هذا الحديث صاحب المصيبة والمصاب به أولا ولا ريب أن ذلك فعله الله كرامة للحسين ﵁, ورفعا لدرجته ومنزلته عند الله, تبليغا له منازل الشهداء, وإلحاقا له بأهل بيته الذين ابتلوا بأصناف البلاء, ولم يكن الحسن والحسين حصل لهما من الابتلاء ما حصل لجدهما ولأمهما وعمهما, لأنهما ولدا في عز الإسلام, تربيا في حجور المؤمنين, فأتم الله نعمته عليهما بالشهادة, أحدهما مسموما, والآخر مقتولا, لأن الله عنده من المنازل العالية في دار كرامته ما لا ينالها إلا أهل البلاء كما قال النبي ﷺ وقد سئل: أي الناس بلاء؟ فقال: "الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل, وابتلى الرجل حسب دينه, فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه, وإن كان في دينه رقة خفف عنه وما يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس خطيئة" ١. وشقي بقتله من أعان عله, أو رضي به, فالذي شرعه الله للمؤمنين عند الإصابة بالمصائب وإن عظمت أن يقولوا: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ٢. وقد روى الشافعي في مسنده أن النبي ﷺ لما مات, وأصاب أهل بيته من المصيبة ما أصابهم, سمعوا قائلا يقول: "يا آل بيت رسول الله, إن في الله عزاء من كل مصيبة, وخلفا من كل هالك, ودركا من كل فائت, فبالله فثقوا, وإياه فارجوا المصاب من حرم الثواب ... ". فكانوا يرونه الخضر جاء يعزيهم بالنبي ﷺ .

стр. 42

فأما اتخاذ المآتم في المصائب, واتخاذ أوقاتها مآتم, فليس من دين الإسلام, وهو أمر لم يفعله رسول الله ﷺ , ولا أحد من السابقين الأولين, ولا من التابعين لهم بإحسان, ولا من قادة أهل البيت, ولا غيرهم. وقد شهد مقتل علي أهل بيته, وشهد مقتل الحسين من شهده من أهل بيته, وقد مرت على ذلك سنون كثيرة, وهم متمسكون بسنة رسول الله ﷺ , لا يحدثون مأتما, ولا نياحة, بل يصبرون ويسترجعون كما أمر الله ورسوله, أو يفعلون ما لا بأس به من الحزن والبكاء عند قرب المصيبة. قال النبي ﷺ : "ما كان من العين والقلب فمن الله, وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان" ١. وقال: "ليس منا من لطم الخدود, وشق الجيوب, ودعا بدعوى الجاهلية" ٢. يعني: مثل قول المصاب "يا سنداه, يا ناصراه, يا عضداه". وقال: " إن النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تلبس يوم القيامة درعا من جرب, وسربالا من قطران " ٣. وقال: "لعن الله النائحة والمستمعة إليها" ٤.

стр. 43

وقد قال في تنزيله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرُجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١. وقد فسر النبي ﷺ قوله: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ بأنها النياحة. وتبرأ النبي ﷺ من الحالقة والصالقة. "والحالقة"٢: التي تحلق شعرها عند المصيبة. والصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة. وقال جرير بن عبد الله: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعتهم الطعام للناس من النياحة. وإنما السنة أن يصنع لأهل الميت طعام, لأن مصيبتهم تشغلهم. كما قال النبي ﷺ لما نعى جعفر بن أبي طالب لما استشهد بمؤتة فقال: "اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد جاءهم ما يشغلهم" ٣. وهكذا ما يفعل قوم آخرون يوم عاشوراء من الاكتحال والانخضاب, أو المصافحة, والاغتسال, فهو بدعة أيضا لا أصل لها, ولم يذكرها أحد من الأئمة المشهورين. وإنما روي فيها حديث: " من اغتسل يوم عاشوراء لم يمرض تلك السنة ومن اكتحل يوم عاشوراء لم يرمد ذلك العام" نحو ذلك.

стр. 44

ولكن الذي ثبت عن النبي ﷺ : أنه صام يوم عاشوراء, وأمر بصيامه وقال: "صومه يكفر سنة" ١. وقرر النبي ﷺ أن الله أنجى فيه موسى وقومه, وأغرق فرعون وقومه, وروى انه كان فيه حوادث الأمم..فمن كرامة الحسين أن الله جعل استشهاده فيه. وقد يجمع الله في الوقت شخصا أو نوعا من النعمة التي توجب شكرا, أو المحنة التي توجب صبرا. كما أن سابع عشر شهر رمضان فيه كانت وقعة بدر, وفيه مقتل علي ... وأبلغ من ذلك: أن يوم الاثنين في ربيع الأول فيه مولد النبي ﷺ , وفيه هجرته وفيه وفاته. والعبد المؤمن يبتلي بالحسنات التي تسره, والسيئات التي تسوءه في الوقت الواحد, ليكون صبارا شكورا, فكيف إذا وقع مثل ذلك في وقتين متعددين من نوع واحد. ويستحب صوم التاسع والعاشر, ولا يستحب الكحل, والذين يصنعونه من الكحل من أهل الدين لا يقصدون به مناصبة أهل البيت وإن كانوا مخطئين في فعلهم, ومن قصد منهم أهل البيت بذلك أو غيره, أو فرح, أو استشفى بمصائبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. فقد قال النبي ﷺ : " والذي نفسي بيده لا يدخلون الجنة حتى يحبوكم من أجلي" ٢ لما شكى إليه العباس أن بعض قريش يجفون بني هاشم.

стр. 45

وقال: "إن الله اصطفى قريشا من بني كنانة, اصطفى بني هاشم من قريش, واصطفاني من بني هاشم" ١. وروي أنه قال: "أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمة, وأحبوني لحب الله, وأحبوا أهل بيتي لحبي" ٢. وهذا باب واسع يطول القول فيه.

стр. 46

بدع وضلالات: وكان سبب هذه المواصلة أن بعض الإخوان قدم بورقة فيها ذكر النبي ﷺ , وذكر سادة أهل البيت, وقد أجرى فيها ذكر النذور لمشهد المنتظر, فخوطب من فضائل أهل البيت وحقوقهم بما سر قلبه, وشرح صدره, وكان ما ذكر بعض الواجب, فإن الكلام في هذا طويل, ولم يحتمل هذا الحامل أكثر من ذلك. وخوطب فيما يتعلق بالأنساب والنذور بما يوجب في دين الله, فسأل المكاتبة بذلك إلى من يذهب إليه من الإخوان, فإن النبي ﷺ قال: "الدين النصيحة, قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله, ولكتابة, ولرسوله, والأئمة المسلمين وعامتهم" ١. أما ورقة الأنساب والتواريخ ففيها غلط في مواضع متعددة, مثل: ذكر أن النبي ﷺ توفي في صفر, وأنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن عمرو ابن العلاء بن هاشم, وأن جعفر الصادق توفي في خلافة الرشيد, وغير ذلك. فإنه لا خلاف بين أهل العلم أن النبي ﷺ توفي في شهر ربيع الأول شهر مولده وشهر هجرته, وأنه توفي يوم الاثنين, وفيه ولد, وفيه أنزل عليه, وجده هاشم بن عبد مناف, وإنما كان هاشم يسمى عمر, ويقال له:

стр. 47

عمرو العلا, كما قال الشاعر: عمر العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مستنون عجاف وأن جعفر أبا عبد الله توفي في سنة ثمان وأربعين في إمارة أبي جعفر المنصور. وأما المنتظر فقد ذكر طائفة من أهل العلم بأنساب أهل البيت: أن الحسن ابن علي العسكري لما توفي بعسكر سامراء لم يعقب ولم ينسل, وقال من أثبته: إن أباه لما توفي سنة ستين ومائتين كان عمره سنتين أو أكثر من ذلك بقليل, وإنه غاب من ذلك الوقت, وإنه من ذلك الوقت حجة الله على أهل الأرض, لا يتم الإيمان إلا به, وإنه هو المهدي الذي أخبر به النبي ﷺ , وإنه يعلم لكل ما يفتقر إليه في الدين. وهذا موضع ينبغي للمسلم أن يتثبت فيه, ويستهدي الله ستعينه, فإن الله قد حرم القول بغير علم, وذكر أن ذلك من خطوات الشيطان وحرم القول بغير علم, وذكر أن ذلك من خطوات الشيطان وحرم القول المخالف للحق, ونصوص التنزيل شاهدة بذلك, ونهى عن اتباع الهوى. فأما المهدي الذي بشر به النبي ﷺ فقد رواه أهل العلم العالمون بأخبار النبي ﷺ , والحافظون لها, الباحثون عنها وعن رواتها, مثل أبي داود, والترمذي, وغيرهما, ورواه الإمام أحمد في مسنده. فعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث الله فيه رجلا من أهل بيتي يوطئ اسمه اسمي, واسم أبيه اسم أبي, يملأ الأرض قسطا وعدلا, كما ملئت ظلما

стр. 48

وجورا" ١. وروي هذا المعنى من حديث أم سلمة وغيرها. وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: "المهدي من ولد ابني هذا" وأشار إلى الحسن٢. وقال ﷺ : "يكون في آخر الزمان خليفة يحثو المال حثوا" ٣. وهو حديث صحيح. فقد أخبر النبي ﷺ أنه اسمه محمد بن عبد الله, ليس محمد بن الحسن. ومن قال: إن أباه جده الحسين, وأن كنيته الحسين أبو عبد الله فقد جعل النية اسمه, فما يخفى على من يخشى الله أن هذا تحريف للكلم عن مواضعه, وأنه من جنس تأويلات القرامطة.

стр. 49

وقول أمير المؤمنين صريح في أنه حسني لا حسيني, لأن الحسن والحسين مشبهان من بعض الوجوه بإسماعيل وإسحاق, وإن لم يكونا نبيين. ولهذا كان النبي ﷺ يقول لهام: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة, ومن كل عين لامة" ١. ويقول: "إن إبراهيم كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق". وكان إسماعيل هو الأكبر والأحلم. ولهذا قال النبي ﷺ وهو يخطب على المنبر: "إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" ٢. فكما أن غالب الأنبياء كانوا من ذرية إسحاق, فهكذا كان غالب السادة الأئمة من ذرية الحسين, وكما أن خاتم الأنبياء الذي طبق أمره مشارق الأرض ومغاربها كان من ذرية إسماعيل, فكذلك الخليفة الراشد المهدي الذي هو آخر الخلفاء يكون من ذرية الحسن. وأيضا فإن من كان ابن سنتين كان في حكم الكتاب والسنة مستحقا أن يحجر عليه في بدنه, ويحجر عليه في ماله, حتى يبلغ ويؤنس منه الرشد, فإنه يتيم, وقد قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ٣.

стр. 50

فمن لم تفوض الشريعة إليه أمر نفسه كيف تفوض إليه أمر الأمة؟ وكيف يجوز أن يكون إماما على الأمة من لا يرى ولا يسمع له خبر؟ مع أن الله لا يكلف العباد بطاعة من لا يقدرون على الوصول إليه, وله أربعمائة وأربعون سنة ينتظره من ينتظره وهو لم يخرج, إذ لا وجود له. وكيف لم يظهر لخواصه وأصحابه المأمون عليه كما ظهر آباؤه, وما الموجب لهذا الاختفاء الشديد دون غيره من الآباء؟ وما زال العقلاء قديما وحديثا يضحكون بمن يثبت هذا, ويعلق دينه به, حتى جعل الزنادقة هذا وأمثاله طريقا إلى القدح في الملة, وتسفيه عقول أهل الدين إذا كانوا يعتقدون مثل هذا. لهذا قد اطلع أهل المعرفة على خلق كثير منافقين زنادقة يتسترون بإظهار هذا وأمثاله, ليستميلوا قلوب وعقول الضعفاء وأهل الأهواء, ودخل بسبب ذلك من الفساد ما الله به عليم, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم, والله يصلح أمر هذه الأمة ويهديهم ويرشدهم. النذور للمشاهد والمساجد: وكذلك ما يتعلق بالنذور للمساجد والمشاهد, فإن الله في كتابه وسنة نبيه التي نقلها السابقون والتابعون من أهل بيته وغيرهم قد أمر بعمارة المساجد, وإقامة الصلوات فيها بحسب الإمكان, ونهى عن بناء المساجد على القبور, ولعن من يفعل ذلك, قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ١.

стр. 51

قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ ٢. وقال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ٣. وقال: ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً﴾ ٤. قال النبي ﷺ : "من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة" ٥. وقال: "وبشر المشائين في ظلم الليل إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة " ٦.

стр. 52

وقال: "من غدا إلى المسجد أو راح, أعد الله له نزلا كلما غدا أو راح" ١. وقال: "صلاة الرجل في المسجد تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين درجة" ٢. وقال: "من تطهر في بيته فأحسن الطهور, وخرج إلى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة, كانت خطوتاه إحداهما ترفع درجة, والأخرى تضع خطيئة" ٣. وقال: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده, وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل, وما كان أكثر أحب إلى الله" ٤. وقال: "سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها, فصلوا الصلاة لوقتها ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة" ٥.

стр. 53

وقال: "يصلون لكم, فإن أحسنوا فلكم, وإن أساءوا فلكم وعليهم". وهذا الباب واسع جدا. وقال أيضا: "لعن الله اليهود, اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". ويحذر مما فعلوا قالوا: ولولا ذلك لأبرز قبره, ولكن كره أن يتخذ مسجدا. وهذا قاله في مرضه. وقال قبل موته بخمس: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد, ألا فلا تتخذون القبور مساجد, فإني أنهاكم عن ذلك" ١. ولما ذكر كنيسة الحبشة قال: "أولئك إذا مات الرجل فيهم بنوا على قبره مسجدا, وصوروا فيه تلك التصاوير, أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" ٢. وكل هذه الأحاديث في الصحاح المشاهير. وقال أيضا: "لعن الله زوارات القبور, والمتخذين عليها المساجد والسرج" ٣. رواه الترمذي وغيره وقال: حديث حسن.

стр. 54

فإذا كان النبي ﷺ قد لعن الذين يتخذون على القبور المساجد ويسرجون عليها الضوء, فكيف يستحيل مسلم أن يجعل هذا طاعة وقربة؟!! وفي صحيح مسلم عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ قال: "بعثني رسول الله ﷺ فأمرني ألا أدع قبر مشرفا إلا سويته, ولا تمثالا إلا طمسته" ١. وثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" ٢. وقال: "لا تتخذوا قبري عبدا, وصلوا علي حيثما كنتم, فإن صلاتكم تبلغني" ٣. فنهى النبي ﷺ عن الاجتماع عند قبره. وأمر بالصلاة عليه في جميع المواضع, فإن الصلاة عليه تصل إليه من جميع المواضع. وهذه الأحاديث رواها أهل بيته, مثل: علي بن الحسين عن أبيه عن جده علي, ومثل عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب. فكانوا هم وجيرانهم من علماء أهل المدينة ينهون عن البدع التي عند قبره أو غير قبر غيره, امتثالا لأمره, ومتابعة لشريعته.

стр. 55

فإن من مبدأ عبادة الأوثان: العكوف على الأنبياء والصالحين, والعكوف على تماثيلهم, وإن كانت وقعت بغير ذلك. وقد ذكر الله في كتابه عن المشركين أنهم قالوا: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً﴾ ١. وقد روى طائفة من علماء السلف أن هؤلاء كانوا قوما صالحين, فلما ماتوا بنوا على قبورهم, ثم صوروا تماثيلهم. وكذلك قال ابن عباس في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ٢. قال ابن عباس: كان اللات رجلا يلت السويق للحجاج, فلما مات عكفوا على قبره, ولهذا قال النبي ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" نهى أن يصلى عند قبره. ولهذا لما بنى المسلمون حجرته حرفوا مؤخرها, وسنموه لئلا يصلي إليه "أحد"٣. فإنه ﷺ قال: "لا تجلسوا على القبور, ولا تصلوا إليها" ٤. رواه مسلم. وكان ﷺ إذا خرج إلى أهل البقيع يسلم عليهم, ويدعو لهم.

стр. 56

وعلم أصحابه أن يقولوا إذا زاروا القبور: "سلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين, وإن شاء الله بكم لاحقون, يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين, نسأل لكم العافية, اللهم آجرهم, ولا تفتنا بعدهم, واغفر. لنا ولهم" ١. هذا مع أن في البقيع إبراهيم وبناته أم كلثوم ورقية, وسيدة نساء العالمين فاطمة, وكانت إحداهن دفنت فيه قديما قريبا من غزوة بدر, ومع ذلك فلم يحدث على أولئك السادة شيئا من هذه المنكرات, بل المشروع التحية لهم, والدعاء بالاستغفار وغيره. وكذلك في حقه, أمر بالصلاة والسلام عليه من القرب والبعد, وقال: "أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة وليلة الجمعة, فإن صلاتكم معروضة علي. قالوا: كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ يعني: بليت. قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" ٢. وقال: "ما من رجل يمر بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇" ٣.

стр. 57

وكل هذه الأحاديث ثابتة عن أهل المعرفة بحديث النبي ﷺ . فالدعاء والاستغفار يصل إلى الميت عند قبره, وهو الذي ينبغي للمسلم أن يعامل به موتى المسلمين من الدعاء لهم بأنواع الدعاء, كما كان حياته يدعو لهم. وهذا رسول الله ﷺ قد أمرنا أن نصلي عليه ونسلم تسليما في حياته ومماته, وعلى آل بيته. وأمرنا أن ندعو للمؤمنين والمؤمنات في محياهم ومماتهم, عند قبورهم وغير قبورهم. ونهانا الله أن نجعل لله أندادا, أو نشبه بيت المخلوق الذي هو قبره ببيت الله الذي هو الكعبة البيت الحرام, فإن الله أمرنا أن نحج ونصلي إليه, ونطوف به, وشرع لنا أن نستلم أركانه, ونقبل الحجر الأسود الذي جعله الله بمنزلة يمينه. قال ابن عباس: " الحجر الأسود يمين الله في الأرض, فمن استلمه وصافحه فكأنما صافح الله وقبل يمينه". وشرع كسوة الكعبة, وتعليق الأستار عليها, وكان يتعلق من يتعلق بأستار الكعبة كالمتعلق بأذيال المستجير به, فلا يجوزان تضاهى بيوت المخلوقين ببيت الخالق. ولهذا كان السلف ينهون من زار قبر النبي ﷺ أن يقبله, بل يسلم عليه بأبي هو وأمي ﷺ , ويصلى عليه كما كان السلف يفعلون. فإذا كان السلف أعرف بدين الله وسنة نبيه وحقوقه, وحقوق السابقين والتابعين من أهل البيت وغيرهم, ولم يفعلوا شيئا من هذه البدع التي تشبه

стр. 58

الشرك وعبادة الأوثان, لأن الله ورسوله نهاهم عن ذلك, بل يعبدون الله وحده لا شريك له, مخلصين له الدين كما أمر الله به ورسوله, ويعمرون بيوت الله بقلوبهم وجوارحهم من الصلاة والقراءة, والذكر والدعاء وغير ذلك. فكيف يحل للمسلم أن يعدل عن كتاب الله, وشريعة رسوله, وسبيل السابقين من المؤمنين, إلى ما أحدثه ناس آخرون, إما عمدا وإما خطأ. فخوطب حامل هذا الكتاب بان جميع هذه البدع التي على قبور الأنبياء والسادة من آل البيت والمشايخ المخالفة للكتاب والسنة, ليس للمسلم أن يعين عليها, هذا إذا كانت القبور صحيحة, فكيف وأكثر هذه القبور مطعون فيها؟ وإذا كانت هذه النذور للقبور معصية قد نهى الله عنها ورسوله والمؤمنون والسابقون, فقد قال النبي ﷺ : "من نذر أن يعطي الله فليطعمه, ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصيه" ١. وقال ﷺ : "كفارة النذر كفارة اليمين" ٢. وهذا الحديث في الصحاح. فإذا كان النذر طاعة الله ورسوله, مثل أن ينذر صلاة أو صوما أو حجا أو صدقة أو نحو ذلك, فهذا عليه أن يعني به.

стр. 59

وإذا كان المنذر معصية كفرا أو غير كفر, مثل, أن ينذر للأصنام كالنذور التي بالهند, ومثلما كان المشركون ينذرون لآلهتهم, مثل: اللات التي كانت بالطائف, والعزى التي كانت بعرفة قريبا من مكة, مناة الثالثة الأخرى التي كانت لأهل المدينة. وهذه المدائن الثلاث هي مدائن أرض الحجاز, كانوا ينذرون لها النذور, ويتعبدون لها, ويتوسلون بها إلى الله في حوائجهم, كما أخبر عنهم بقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١ ومثلما ينذر الجهال من المسلمين لعين ماء, أو بئر من الآبار, أو قناة ماء أو مغارة, أو حجر, أو شجرة من الأشجار, أو قبر من القبور, وإن كان قبر نبي أو رجل صالح, أو ينذر زيتا أو شمعا أو كسوة أو ذهبا, أو فضة لبعض هذه الأشياء, فإن هذا كله نذر معصية لا يوفى به. لكن من العلماء من يقول: على صاحبه كفارة يمين, لما روى أهل السنن عن النبي ﷺ : " لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين" ٢. وفي الصحيح عنه أنه قال: "كفارة النذر كفارة يمين" ٣. وإذا صرف من ذلك المنذور شيء في قربة من القربات المشروعة كان حسنا, مثل أن يصرف الدهن إلى تنوير بيوت الله, ويصرف المال والكسوة إلى من يستحقه من المسلمين ومن آل بيت رسول الله ﷺ , وسائر المؤمنين, وفي سائر المصالح التي أمر الله بها ورسوله.

стр. 60

وإذا اعتقد بعض الجهال أن بعض هذه النذور المحرمة قد قضت حاجته يجلب المنفعة من المال والعافية ونحو ذلك, أو بدفع المضرة من العدو ونحو, فقد غلط في ذلك. فقد صح عن النبي صلى لله عليه وسلم أنه نهى عن النذر وقال: "إنه لا يأتي بخير, ولكنه يستخرج به من البخيل" ١. فعد النذر مكروها, وإن كان الوفاء به واجبا إذا كان المنذور طاعة الله ورسوله ﷺ . وقد أخبر النبي ﷺ أن النذر لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من بخيل, وهذا المعنى قد ثبت عن النبي ﷺ من غير وجه, فيما كان قربة محضة لله, فكيف بنذر شرك؟ فإنه لا يجوز نذره ولا الوفاء به. وهذا وإن كان قد عمر الإسلام, وكثر العكوف على القبور التي هي للصالحين من أهل البيت وغيرهم, فعلى الناس أن يطيعوا الله ورسوله, ويتبعون دين الله الذي بعث به نبيه ﷺ , ولا يشرعوا من الدين ما لم يأذن به الله, فإن الله إنما أرسل الرسل, وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله, وليعبدوا الله وحده لا شريك له. كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٢.

стр. 61

وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ ٣. وقال تعالى في حق الذين كانوا يدعون الملائكة والنبيين: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٤. ورد على من اتخذ شفعاء من دونه فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ٥.

стр. 62

وقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ٢. وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٤. قال: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٥. وكتب الله من أولها إلى آخرها تأمر بإخلاص الدين لله, ولا سيما الكتاب الذي بعث به محمد ﷺ أو الشريعة التي جاء بها فإنها كملت الدين. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ٦. وقال: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ

стр. 63

لا يَعْلَمُونَ﴾ ١. وقد جعل قوام الأمر بالإخلاص لله والعدل في الأمور كلها, كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ ٢. ولقد خلص النبي ﷺ التوحيد من دقيق الشرك وجليله, حتى قال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" ٣ رواه الترمذي وصححه. وقال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم, فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" ٤. وهذا مشهور في الصحاح. وقال: "ولا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء محمد, ولكن قولوا: ما شاء الله, ثم شاء محمد" ٥. وقال له رجل: "ما شاء الله وشئت, فقال: " أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده" ٦. وروي عنه أنه قال: "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل" ٧.

стр. 64

وروي عنه أن الرياء شرك١. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ٢. وعلم بعض أصحابه أن يقول: "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم, واستغفرك لما لا أعلم". ومن هذا الباب الذين يسألون الصدقة أو يعطونها لغير الله, مثل من يقول: لأجل فلان, إما بعض الصحابة, أو بعض أهل البيت, حتى يتخذ السؤال بذلك ذريعة إلى أكل أموال الناس بالباطل, ويصير قوم ممن ينتسب إلى السنة يعطي الآخرين والشيطان قد استحوذ على الجميع, فإن الصدقة وسائر العبادات لا يشرع أن تفعل إلا الله, كما قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى. الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ٤. وقال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ

стр. 65

جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ ١. وقال: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً﴾ ٢. وقال تعالى كلمة جامعة: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٣. وعبادته تجمع الصلاة وما يدخل فيها من الدعاء والذكر, وتجمع الصدقة والزكاة بجميع الأنواع, ومن الطعام اللباس والنقد وغير ذلك. والله يجعلنا وسائر إخواننا المؤمنين مخلصين له الدين, تعبده ولا نشرك به شيئا, معتصمين بحبله, متمسكين بكتابه, متعلمين لما أنزل من الكتاب والحكمة, ويصرف عنا شياطين الجن والإنس, ويعيذنا أن تفرق بنا عن سبيله, ويهدينا الصراط المستقيم, صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. والحمد لله رب العالمين, وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما كثيرا.