فكان الشيخ ﵀ يستأجر رجالا يدفع إليهم من ماله، ليقطعوا هذه الأشجار، وبقيت شجرة واحدة بالعيينة وكانت كبيرة تعرف بشجرة الذئب، لم يستطع أتباع الشيخ قطعها لكثرة روادها وقاصديها، فذهب الشيخ إلى هذه الشجرة بنفسه وقطعها وهو يتلو قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ الإسراء: ٨١] . ولما أصبح الناس لم يجدوا هذه الشجرة، فترقبوا بالشيخ الضرر فوجدوه لم يصب بمكروه.
٢- هدم القباب:
وخطا الشيخ خطوته الثانية وهي التصميم على هدم القباب المقامة على القبور التي ضل الناس بها عن الهدف، فتبادل الرأي مع الأمير عثمان بن معمر فوافق على ذلك وكان ببلدة الجبيلة قبة على القبر المنسوب إلى زيد بن الخطاب، يقدسها ويحجون إليها، ويعكفون على القبر ويتمسحون به، فأراد الشيخ أن يهدمها وشاور عثمان بن معمر فقال له عثمان: دونكما فأهدمها فأعرب الشيخ لعثمان عن خوفه من أهل الجبيلة، فطلب مساعدته، فذهب الشيخ ومعه عثمان بن معمر بنحو ستمائة رجل، فلما اقترب منها، هب أهل الجبيلة لمنعهما بالقوة، فاستعد عثمان لحربهم، ورتب جنده، وأعد سلاحه، فلما رأوا عزم عثمان تخلّوا عن المقاومة بأيديهم، فأقبلوا يمنعونهما بألسنتهم ويخوفونهما من عاقبة عملهما، وعندما رأى الشيخ ذلك، أخذ الفأس وضرب جوانبها، وتابعه أتباعه وأزيلت القبة. وما أصاب الشيخ ضرر،
стр. 37
ولقد ضجت نجد كلها لهذه الأعمال، وتناول الناس أخبار الشيخ، واتهموه بأنه صاحب بدعة منكرة وخارج عن الدين الإسلامي، ولكن الشيخ لم يقف موقف المتفرج إزاء هذه الدعاية الخبيثة بل التزم جانب الدفاع عن دعوته والرد على خصومه بالحكمة والموعظة الحسنة، وبعث رسائل إلى بعض العلماء وهذه الرسالة مثال من رسائله إلى أولئك العلماء أرسلها إلى مطاوعةأهل سدير والوشم والقصيم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد الوهاب إلى من يصل إليه هذا الكتاب:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، خصوصا محمد بن عبيد وعبد القادر العديلي وابنه، وعبد الله بن سحيم، وعبد الله بن عضيب، وحميدان بن تركي، وعلي بن زامل، ومحمد أبا الخيل بن عبد الله، أما بعد:
فإن الله أرسل محمدا ﷺ على حين فترة من الرسل، فهدى الله به إلى الدين الكامل، والشّرع التام وأعظم ذلك وأكبره وزبدته هو إخلاص الدين لله، بعبادته وحده لا شريك له، والنهي عن الشرك وهو: أن لا يدعي أحد من دون الله من الملائكة والنبيين، فضلا عن غيرهم. فمن ذلك لا يسجد إلا لله، ولا يركع إلا له، ولا يدعى لكشف الضر إلا هو، ولا يجلب الخير إلا هو، ولا ينذر إلا له، ولا يحلف إلا به، ولا يذبح إلا له، وجميع
стр. 38
العبادات لا تصلح إلا له وحده لا شريك له. وهذا معنى قوله: "لا إله إلا الله فإنه المألوه والمقصود والمعتمد عليه "، وهذا أمر هين عند من لا يعرفه، كبير عظيم عند من عرفه، فمن عرف هذه المسألة عرف أن أكثر الخلف قد لعب بهم الشيطان، وزين لهم الشرك بالله، وأخرجه في قالب حب الصالحين وتعظيمهم، والكلام في هذا يبنى على قاعدتين عظيمتين:
القاعدة الأولى:
أن تعرف أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يعرفون الله، ويعظمونه، ويحجون ويعتمرون، ويزعمون أنهم على دين إبراهيم الخليل، وأنهم يشهدون أنه لا يخلق ولا يرزق، ولا يدبر إلا الله وحده لا شريك له، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس، من الآية: ٣١] . فإذا عرفت أن الكفار يشهدون بهذا كله فأعرف:
القاعدة الثانية:
وهي أنهم يدعون الصالحين، مثل الملائكة وعيسى وعزير، وغيرهم، وكل من ينتسب إلى شيء من هؤلاء سماه إلها، ولا يعني بذلك أنه يخلق ويرزق، بل يدعون الملائكة وعيسى، ويقولون: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس، من الآية: ١٨] . ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزّمر، من الآية: ٣] ، والإله في لغتهم هو الذي يسمى في لغتنا: "الذي فيه سر". والذي يسمونه الفقراء شيخهم يعنون بذلك أنه يدعي وينفع ويضر وإلا فإنهم مقرون لله بالنفوذ
стр. 39
بالخلق والرزق، وليس ذلك معنى الإله، بل الإله: المقصود المدعو الموجود، ولكن المشركون في زماننا أضل من الكفار الذين في زمن رسول الله ﷺ من وجهين:
أحدهما: أن الكفار إنما يدعون الأنبياء والملائكة في الرخاء وأما في الشدائد فيخلصون لله الدين، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء، من الآية: ٦٧] .
والثاني: أن مشركي زماننا يدعون أناسا لا يوازون عيسى والملائكة. إذا عرفتم هذا فلا يخفى عليكم ما ملأ الأرض من الشرك الأكبر، عبادة الأصنام هذا يأتي إلى قبر نبي وهذا إلى قبر صحابي كالزبير وطلحة ... فإن كان الاستدلال بالقرآن هزئا وجهلا، كما هي عادتكم ولا تقبلونه، فانظروا في "الإقناع " في باب حكم المرتد وما ذكر فيه من الأمور الهائلة التي ذكر أن الإنسان إذا فعلها- فقد ارتد وحل دمه، مثل الاعتقاد في الأنبياء والصالحين، وجعلهم وسائط بينه وبين الله ... فإن بان لكم في كلامي هذا شيء من الغلو من أن هذه الأفاعيل لو كانت حراما فلا تخرج من الإسلام، وأن فعل أهل زماننا في الشدائد في البحر والبر، وعند قبور الأنبياء والصالحين، ليست من هذه.
بينوا لنا الصواب، وأرشدونا إليه. وإن تبين لكم هذا هو الحق الذي لا ريب فيه، وأن الواجب إشاعته في الناس، وتعليمه
стр. 40
النساء والرجال، فرحم الله من أدى الواجب عليه، وتاب إلى الله، وأقر على نفسه.
فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وعسى الله أن يهدينا وإياكم وإخواننا لما يحب ويرضى والسلام١.
هكذا كان محمد بن عبد الوهاب يرد على خصوم الدعوة معتمدا في رده على القرآن الكريم وسنة رسول الله ﷺ وما كان عليه السلف الصالح من هذه الأمة.
٣- إقامة حد الزنا:
لقد استطاع محمد بن عبد الوهاب أن يؤثر تأثيرا عميقا في المجتمع الذي عاش فيه، وأن يجعل كل إنسان يحاسب نفسه على ما فعل. وبلغ من تأثيره في الناس أن جاءته فتاة نجدية، تعترف بأنها قد زنت وهي متزوجة وطلبت من الشيخ أن يقيم الحد عليها. وكانت هذه الفتاة تعرف أن الحد هو أشد عقوبة عرفها البشر، الرجم، ومع ذلك فقد أقدمت على الاعتراف بالذنب وطلبت من الشيخ إقامة الحد عليها، بسبب ما تمكن في قلبها من العقيدة الصادقة، وما ثبت فيه من الإيمان، والحق أن هذا أسمى ما يتخيل من ألوان التضحية بالنفس في سبيل الواجب.
ولما كانت الحدود في الشريعة الإسلامية السمحة تدرأ بالشبهات فقد فتح لها الشيخ طريقا للنجاة فسألها هل غصبت غصبا فأجابت أنها
стр. 41
كانت راضية غير مغصوبة، ففكر الشيخ ثم طلب إليها أن تراجعه بعد أيام، وتكررت مراجعة الزانية التائبة أربع مرات وأصرت إصرارا غريبا على إقامة الحد عليها، وكان موقف لا يكاد يجد له الباحث عشرة أشباه في تاريخ البشر هو أعجوبة الأعاجيب في تاريخ البشر، فأقام عليها الحد بمشاركة عثمان بن معمر، ومشى الخبر في كل مكان فانقطعت - به طرق الزنا غفر الله لك أيتها التائبة١.
٤- صلاة الجماعة:
وجد الشيخ في العيينة أن المسلمين منصرفون عن صلاة الجماعة وهي شعار عظيم من شعائر الإسلام، فطلب من الأمير عثمان بن معمر حاكم العيينة بأن يشكل هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون من أول واجباتها إلزام الناس بصلاة الجماعة وبالفعل باشرت هذه الهيئة مهمتها، نتيجة لذلك امتلأت المساجد بالمصلين وعمرت بمجالس العلم والذكر، وبهذا زادت الرابطة الاجتماعية بين الناس في العيينة.
الشيخ يغادر العيينة
قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ببرنامجه الإصلاحي الآنف الذكر في العيينة، مدفوعا بقوة إيمانه، فشاعت أخباره ومساندة عثمان بن معمر إلى مسمع العرب خاصة أمراء نجد والأحساء، وقد اعتقد أعداء الدعوة، أن انتصار الدعوة يعنى ضياع السلطة من أيديهم لذا حاولوا
стр. 42
بكل وسيلة ممكنة القضاء عليها، "وزعموا أنه يملأ قلوب الجهال والطغام بكلامه ويقويهم بطريقته فيخرجون على حكامهم ويعلنون العصيان١.
لهذا شكوا تصرفاته وتصرفات مساعده ابن معمر إلى سليمان آل محمد رئيس بني خالد في الأحساء، وكان عثمان بن معمر يتلقى راتبا منه وخوفوه من خطر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "فأرسل سليمان إلى عثمان كتابا يهدده فيه إن لم يقتل الشيخ أو يخرجه من بلده إن لم يفعل ذلك قطع خراجه عنده في الأحساء"٢، فلم يستجب ابن معمر في بداية الأمر لطلب حاكم الأحساء، ولكن الظروف كانت كلها ضد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وابن معمر، وقد أدرك ابن معمر أنه لا يستطيع، رفض أمر حاكم الأحساء، فأمر الشيخ بالرحيل من العيينة.
ولكنه مع ذلك لم ينس خلائق العربي، ولم يغدر بجاره، فقال له: "إن سليمان أمرنا بقتلك، ولا نقدر على مخالفة أمره، وليس من المروءة ولا كرم الأخلاق أن نقتلك وأنت جارنا، فشأنك ونفسك وارحل عن بلادنا"٣.
وبعد أن رأى الشيخ موقف عثمان عرف أن لا مقام له في العيينة. وهكذا رحل الشيخ من مسقط رأسه بعد أن أقام فيها أربع سنوات، وقف معه ابن معمر موقف النصير المخلص، الذي يؤمن بصدق الدعوة التي كان من حملة لوائها بل كان أول من ساندها وجاهد من أجلها أشد
стр. 43
الجهاد. وقد قرر الشيخ الذهاب إلى الدرعية لوجود كثير من أتباعه بها ولأن الأمير محمد بن سعود مشهور بالقوة والتدين والصلاح.
١١- حقيقة العلاقة بين عثمان بن معمر والشيخ محمد بن عبد الوهاب:
لا يستطيع أي باحث منصف تتبع سيرة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في العيينة أن ينكر الدور العظيم الذي قام به عثمان بن معمر من أجل الدعوة وصاحبها. فلقد احتضن ابن معمر الدعوة وبذل كل ما في طاقته من أجل حمايتها ونجاحها ووقف مع الشيخ في يسره وعسره، وقف معه عندما أراد الشيخ إزالة المنكرات وقفة الرجل الصادق، ووقف معه عندما أقام الحدود الشرعية، واستمع إلى رأيه عندما أشار إليه إلزام الناس بصلاة الجماعة، وقبل نصحه عندما نصحه في رفع المظالم.
هذه هي حقيقة العلاقة بين الشيخ وعثمان كما شهد بذلك الواقع التاريخي ولكن بعض المؤرخين نسبوا إلى ابن معمر فرية لا يصدقها التاريخ ولا يقبلها الباحث المنصف: لقد قال بعض المؤرخين لسيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إن عثمان بن معمر أراد قتله عندما خرج الشيخ إلى الدرعية. ولعل مورد هذا الخطأ ما ذكره المؤرخ النجدي عثمان بن بشر في كتابه، "عنوان المجد وتاريخ نجد " حيث يقول: "أرسل ابن معمر إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقال: إن سليمان أمرنا بقتلك ولا نقدر على غضبه ولا مخالفة أمره لأنه لا طاقه لنا بحربه، وليس من الشيم والمروءة أن نقتلك في بلادنا فشأنك ونفسك وخل بلادنا، فأرسل فارسا عنده يقال له"الفريد" وقال: اركب جوادك وسر بهذا الرجل إلى ما يريد، فقال الشيخ: أريد الدرعية
стр. 44
فركب الفارس جواده والشيخ يمضي راجلا أمامه وليس معه إلا المروحة وذلك في غاية الصيف. فقال ابن معمر لفارسه: "إذا أنت وصلت إلى أخيه يعقوب فاقتله عنده" فسار الفارس والشيخ أمامه وهو لا يلتفت فلما هَمَّ بقتله كف الله عنه يده وأبطل كيده وقذف في قلبه الرعب حتى ما استطاع أن يمشى قدما فحرف جواده وانصرف إلى العيينة. وقال لابن معمر: إنه أصابني رعب عظيم "١.
إن ما نسبه عثمان بن بشر المؤرخ النجدي إلى ابن معمر لا يتفق مع الواقع التاريخي، فالذين عاصروا الشيخ وكتبوا تاريخه في عهده لم يشيروا إلى هذه الحادثة من قريب أو بعيد، فالمؤرخ حسين بن غنام، تلميذ الشيخ ومؤلف تاريخ "روضة الأفهام" الذي عنِّي بسيرة الشيخ محمد وتاريخ حياته لم يشر إلى ما نسبه ابن بشر إلى ابن معمر، ولو كانت الحادثة صحيحة لكان ابن غنام أسبق إلى العلم بها من ابن بشر المتأخر الذي لم ير الشيخ ولم يتتلمذ عليه، بل إن ابن بشر نفسه رجع عن رواية هذه الحادثة وأبطلها مما يؤكد براءة عثمان بن معمر ما نسب إليه.
يقول ابن بشر: "واعلم رحمك الله أني قد ذكرت في المبيضة الأولى أشياء نقلت لي عن عثمان بن معمر وفرسانه وأنه أمر بقتل الشيخ في الطريق وغير ذلك، ثم تحقق عندي أن ليس لها أصل بالكلية فطرحتها من المبيضة"٢. ومع أن ابن بشر أبطل روايته هذه إلا أن بعض المؤرخين ما زالوا يكتبون عن هذه الحادثة وكأنها حقيقة ثابتة بالرغم من أن راويها أبطلها.
стр. 45
والحق أنه لا يصح أن ينسب إلى عثمان بن معمر ما نسب إليه والتاريخ يشهد أنه أول من آزر الدعوة ودافع عنها، وساعد الشيخ على تنفيذ برنامجه الإصلاحي في العيينة. يقول ابن غنام: "ثم بعد ذلك عزم على السير عنها والارتحال، والإقامة بالعيينة فجد في الرحيل والانتقال وذلك بعد أن هدى الله تعالى عثمان بن معمر لقبول هذا الدين المنور فدخل منه شيء في قلبه، وأعلن عند جماعته وصحبه بتقريبه وحبه فحين وصل تلك البلد قام معه عثمان وقعد، وساعده على ذلك واجتهد أمر الناس له بالاتباع، وعدم المشاققة والنّزاع، وألزم الخاصة والعامة أن يمتثلوا أمره وكلامه، ويسلكوا طريق الاستقامة، ويظهروا توقيره وإكرامه، فكان بعد ذلك الأمر والإلزام، وصدور ذلك الاعتناء التام وشد الرغبة والاهتمام، وبدأ التعظيم له والاحتشام تسمع أقواله وتطاع، وتملأ الصدور والأسماع لم يبق في البلدان التي كانت تحت يد عثمان وشاع ذلك واستبان ونعم بذلك أهل الإيمان، وصلحوا حالا من ذلك المكان، وانتشر الحق من ذلك الأوان، واشتهر الأمر وبان، وسارت بذلك الركبان"١.
ولم يكتف عثمان بمساعدة الدعوة في وطنه، بل أنه عندما رحل الشيخ إلى الدرعية واستقر به المقام، كان في مقدمة الوفود التي وفدت إلى الدرعية لمبايعة الشيخ، بل أنه عرض على الشيخ أن يرجع إلى العيينة. وعلى هذا نستطيع القول: إن عثمان بن معمر أيد الداعي ودعوته بنفسه وسلطانه وماله، فلا يعقل بعد هذا كله أن يأمر ابن معمر
стр. 46
بقتل الشيخ عندما قرر الرحيل إلى الدرعية، فلقد كانت الظروف كلها ضد الشيخ وابن معمر فكان على الشيخ أن يرحل وقد زوده ابن معمر بفارس من فرسانه ليوصله إلى الدرعية. هذه حقيقة العلاقة بين الشيخ وابن معمر عندما كان الشيخ في العيينة وعندما هم بالهجرة منها.
١٢- الشيخ في الدرعية
خرج الشيخ من العيينة سنة ١١٥٨ هـ ووصل إلى الدرعية صلاة العصر "فنَزل في الليلة الأولى عند عبد الله بن سويلم، وقدم الناس إلى منْزل ابن سويلم، حتى ضاق بهم، فخاف ابن سويلم على نفسه من أمير الدرعية محمد بن سعود، فوعظه الشيخ وهدأ من روعه١.
ثم انتقل في اليوم التالي إلى دار تلميذه أحمد بن سويلم الذي امتلأ بيته بأنصار الشيخ ومريديه، وكان من بينهم ثنيان ومشاري إخوان الأمير محمد بن سعود اللذان حاولا إقناع أخيهما بمواجهة الشيخ فتردد في أول الأمر فذهبا إلى زوجته موضي بنت أبي وطبان، وكانت امرأة متدينة عاقلة، فأخبراها بمكان الشيخ وبحقيقة دعوته، فألقى إليه في قلبها حبه والرغبة في نصرته، ولما دخل عليها زوجها محمد بن سعود قالت له: "إن هذا الرجل ساقه الله إليك وهو غنيمة فاغتنم ما خصك الله به"فقبل منها ودعا أخاه مشاري وطلب منه أن يدعو الشيخ لمقابلته ولكن مشاري أشار على أخيه أن يذهب بنفسه لمقابلة الشيخ. وقال
стр. 47
له: سر إليه برجلك وأظهر تعظيمه وتوقيره ليسلم من أذى الناس١.
١٣- لقاء محمد بن سعود للشيخ ومعاهدته
ذهب الأمير محمد بن سعود إلى بيت أحمد بن سويلم وهناك رحب بالشيخ قائلا له: "أبشر ببلاد خير من بلادك وأبشر بالعز والمنعة. فقال الشيخ: وأنا أبشرك بالعز والتمكين وهي كلمة لا إله إلا الله من تمسك بها ونصرها ملك البلاد والعباد كلمة التوحيد وأول ما دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم٢.
ثم أخبره بما كان عليه رسول الله ﷺ وما دعا إليه، وما كان عليه السلف الصالح، وما أمروا به وما نهوا عنه، وأن كل بدعة ضلالة وأخبره بما عزهم الله به، من الجهاد في سبيل الله وأغناهم به، وجعلهم إخوانا، وبما هم عليه أهل نجد اليوم، من المخالفة والشرك والابتداع والاختلاف والجهل والظلم، وبعد أن استمع الأمير محمد إلى الشيخ قال: "يا شيخ إن هذا دين الله ورسوله الذي لا شك فيه وأبشر بالنصر لك ولما أمرت به والجهاد لمن خالف التوحيد. ولكن أريد أن أشترط اثنتين:
الأولى: نحن إذا قمنا بنصرتك والجهاد في سبيل الله وفتح الله لنا ولك البلدان أخاف أن ترحل عنا وتستبدل بنا غيرنا.
стр. 48
الثانية: أن لي على أهل الدرعية قانونا آخذه منهم في وقت الثمار وأخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيئا.
فأجاب الشيخ أيها الأمير أما الأولى فأبسط يدك الدم بالدم والهدم بالهدم. وأما الثانية فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك الله من الغنائم وما هو خير منها. ثم إن محمد بسط يده وبايع الشيخ على دين الله ورسوله والجهاد في سبيل الله وإقامة شرائع الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقام الشيخ معه واستقر عنده وتم التحالف بين الشيخ والأمير على نصرة الحق ومحاربة الشرك. هكذا دخل محمد بن سعود في الدعوة وكان الاتفاق بينه وبين الشيخ النواة الأولى في بناء صرح الدولة السعودية الأولى. وما أن ذاع خبر هذا الاتفاق سنة ١١٥٧ هـ - ١٧٤٦ م في بلدان نجد حتى أتى المبايعون إلى الدرعية وأصبحت بمثابة العاصمة الدينية والسياسية والحربية، وضاقت منازلها عن تحمل العدد الغفير الذي هاجر إليها من أتباع الشيخ من العيينة وغيرها من بلدان نجد، وكانت الدرعية ومن هاجر إليها في ذلك الوقت في ضيق مالي ثم تحسنت أحوالهم بعد ذلك بسبب ما حصلوا عليه من الغنائم والزكاة التي أصبحت تؤخذ من البلدان الخاضعة للدرعية. ولما علم عثمان بن معمر باتفاق المحمدين ندم على خروج الشيخ من بلده فطلب منه الرجوع ووعده بنصره ومنعة. فقال الشيخ: "ليس ذلك إلي، إنه لمحمد بن سعود، فإن أراد أن أذهب معك ذهبت وإن أراد أن أقيم عنده أقمت، ولا أستبدل برجل تلقاني بالقبول غيره"١.
стр. 49
١٤- الأعمال التي قام بها الشيخ في الدرعية
١- دروس التوحيد:
عكف الشيخ بعد استقراره في الدرعية، على التدريس كعادته فقد درّس وعلّم في البصرة وفي حريملاء وفي العيينة.
فعلم الناس التوحيد، والمتفق عليه بين المؤرخين، أنه بدأ بتعليم أهل الدرعية معنى لا إله إلا الله، فقال: إنها نفي وإثبات"فلا إله" تنفي جميع المعبودات و "إلا الله" تثبت العبادة لله وحده لا شريك له وقال: إن معرفة الله تكون بآياته ومخلوقاته كالشمس والقمر والنجوم والليل والنهار، وعلمهم أيضا معنى الإسلام فقال: إنه الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة. كما علمهم سيرة الرسول ﷺ وبعثته وجهوده في سبيل نشر الدعوة الإسلامية وهجرته، وأوضح لهم أن أول ما دعا إليه، لا إله إلا الله. وعكف إلى جانب ذلك على التأليف فألف سلسلة من الكتب والرسائل دلت على عمق فهمه لمرامي الشريعة الإسلامية. وظل هذا على شأنه حتى وفاته ﵀.
٢- مكاتبة أهل البلدان:
لما فرغ الشيخ محمد من أمر الدرعية حيث دلهم على التوحيد الصحيح، بدأ صفحة جديدة في سجل الدعوة، فأرسل إلى أهل البلدان المجاورة مثل حريملاء والرياض ... وإلى أمراء العرب وقضاتهم ومدعي العلم فيهم، يدعوهم إلى العودة إلى التوحيد والإسلام الخالص.
стр. 50
وإليك أمثلة لهذه المكاتبات:
هذه رسالة أرسلها إلى السويدي، عالم أهل العراق وكان قد أرسل له كتابا وسأله عما يقول الناس فيه، فأجابه بهذه الرسالة وهذا نصها:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الرحمن بن عبد الله
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فقد وصل خطابك وسر الخاطر. جعلك الله من أئمة المتقين، ومن الدعاة إلى دين سيد المرسلين.
وأخبرك أنى- ولله الحمد- متبع ولست بمبتدع، عقيدتي وديني الذي أدين الله به مذهب أهل السنة والجماعة، الذي عليه أئمة المسلمين مثل الأئمة الأربعة وأتباعهم إلى يوم القيامة. لكني بينت للناس إخلاص الدين لله، ونهيتهم عن دعوة الأحياء والأموات من الصالحين وغيرهم، وعن إشراكهم فيما يعبد الله به، من: الذبح والنذر، والتوكل والسجود، وغير ذلك مما هو حق الله الذي لا يشركه فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل. وهو الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم، وهو الذي عليه أهل السنة والجماعة. وبينت لهم أن أول من أدخل الشرك في هذه الأمة هم الرافضة الملعونة، الذين يدعون عليا وغيره ويطلبون منهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات. وأنا صاحب منصب في قريتي، مسموع الكلمة، فأنكر هذا بعض الرؤساء لأنه خالف عادة نشأوا عليها. وأيضا ألزمت من تحت يدي بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وغير ذلك من فرائض الله.
стр. 51
ونهيتهم عن الربا، وشرب المسكر وأنواع المنكرات. فلم يمكن الرؤساء القدح في هذا وعيبه، لكونه مستحسنا عند العوام، فجعلوا قدحهم وعداوتهم فيما آمر به من التوحيد، وأنهي عنه من الشرك. ولبسوا على العوام أن هذا خلاف ما عليه أكثر الناس. وكبرت الفتنه جدا وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله؛ منها: إشاعة البهتان بما يستحي العاقل أن يحكيه، فضلا عن أن يفتريه. ومنها: ما ذكرتم أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني، وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة ويا عجبا كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟! هل يقول هذا مسلم أو كافر؟ أو عارف أو مجنون!!
وكذلك قولهم أنه يقول: لو أقدر أهدم قبة النبي ﷺ لهدمتها وأما"دلائل الخيرات" فله سبب، وذلك أني أشرت على من قبل نصيحتي من إخواني أن لا يصير في قلبه أجل من كتاب الله، ويظن أن القراءة فيه أجل من قراءة القرآن. وأما إحراقه والنهي عن الصلاة على النبي ﷺ بأي لفظ فهذا بهتان. والحاصل: أن ما ذكر عنا من الأسباب غير دعوة الناس إلى التوحيد والنهي عن الشرك فكله من البهتان، وهذا لو خفي على غيركم فلا يخفى على حضرتكم، ولو أن رجلا من أهل بلدتكم - ولو كان أحب الخلق إلى الناس - قام يلزم الناس الإخلاص، ويمنعهم من دعوة أهل القبور، وله أعداء وحساد أشد منه رئاسة وأكثر أتباعا، وقاموا يرمونه بما تسمع، ويوهمون الناس أن هذا تنقص بالصالحين، وأن دعوتهم من إجلالهم واحترامهم لعلمتم كيف، ومع هذا وأضعافه فلا بد من الإيمان بما جاء به الرسول ونصرته كما أخذ الله على الأنبياء
стр. 52
قبله وأممهم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران، من الآية: ٨١] . فلما فرض الله الإيمان لم يجز ترك ذلك.
وأنا أرجو أن الله يكرمك بنصر دينه ونبيه وذلك بمقتضى الاستطاعة، ولو بالقلب والدعاء، وقد قال ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"١. فإن رأيت عرض كلامي هذا على من ظننت أنه يقبله من إخواننا فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا.
ومن أعجب ما جرى من الرؤساء المخالفين: أني لما بينت لهم كلام الله وما ذكر أهل التفسير في قوله: ﴿أُ ُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء، من الآية: ٥٧] .
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: من الآية ١٨] .
وقوله: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزّمر، من الآية: ٣] . وما ذكر الله من إقرار الكفار في قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس، من الآية: ٣١] . الآية وغير ذلك.
قالوا: القرآن لا يجوز العمل به لنا ولأمثالنا، ولا بكلام الرسول، ولا بكلام المتقدمين، ولا نطيع إلا ما ذكره المتأخرون. قلت لهم: أنا أخاصم الحنفي بكلام المتأخرين من الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي- كل أخاصمه بكتب المتأخرين من علمائهم الذين يعتمدون عليهم فلما أبوا
стр. 53
ذلك نقلت لهم كلام العلماء من كل مذهب، وذكرت ما قالوا بعدما حدثت الدعوة عند القبور والنذر لها، فعرفوا ذلك وتحققوه ولم يزدهم إلا نفورا وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول، ثم- بعد ما عرفه- سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله. فهذا هو الذي أكفره. وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك. وأما القتال فلم نقاتل أحدا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة، وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا ولكن قد نقاتل بعضهم في سبيل المقابلة ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشّورى، من الآية: ٤٠] وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعدما عرفه١.
الدعوة إلى الجهاد:
لما رأى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن أعداء الدعوة لم يكتفوا بالإعراض عنها، بل سخروا منها، ونسبوا إلى القائمين بها ما ليس فيهم، واستعدوا للاعتداء عليها عندما رأى ذلك دعا أتباعه إلى الجهاد في سبيل نشر الدعوة وحمايتها فلبوا دعوته وعرفوا أن لا بد للحق من قوة تحميه- والحق ليس وإن علا بمؤيد حتى يحوط جانبيه حسام- وبدأت سلسة المعارك التي امتدت من سنة ١١٦٠ هـ إلى أن مات الشيخ وبقيت مستمرة بعده، معارك متصلة لا تنتهي معركة حتى تبدأ أخرى. معارك مع القبائل والبلدان المجاورة وكانت أول غزوة لأتباع الدعوة في محرم سنة ١١٥٩ هـ.
стр. 54
١٥- مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب
خلف الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ثروة قيمة من الكتب والرسائل تؤلف مكتبة خاصة يرجع إليها ويستقي من مناهلها وفيما يلي بيان بأهم مؤلفاته:
١- كتاب التوحيد: وهو أول كتاب ألفه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ والهدف الرئيس من تأليف هذا الكتاب هو توضيح مفهوم التوحيد والشرك وما يتعلق بهما. والواقع أن كتاب التوحيد هو المحور الذي دارت حوله مؤلفات الشيخ وأتباعه في هذا الموضوع.
اشتمل هذا الكتاب على آيات وأحاديث في تبيان التوحيد وفضائل شهادة أن لا إله إلا الله، كما اشتمل على أنواع كثيرة من الشرك والمنكر ويصف المؤرخ ابن بشر هذا الكتاب بقوله: "ما وضع المصنفون في فنه أحسن منه"١.
وهذا الكتاب له شروح، منها شرح الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ واسمه: فتح المجيد.
٢- كتاب كشف الشبهات: وهو كتاب صغير يقع في صفحات قليلة. يشبه رسالة من رسائله التي كان يبعث بها إلى الرؤساء والقادة.
وهذا الكتاب لا يعرف تاريخ تأليفه ولكنه يترجم عن رسالة صاحب الدعوة، وهي تخليص التوحيد من دواعي الشرك وأسبابه. وهذا الكتاب
١ ابن بشر، عنوان المجد، مصدر سابق، ج١، ص ١٦٦.
стр. 55
يمثل مرحلة من المراحل التي مرت بها الدعوة كما يمثل دور الصراع الفكري، إلى جانب الصراع المادي بين أنصار الدعوة وخصومها. ففيه يرد الشيخ على خصوم الدعوة ويفند أدلتهم فيما يدفعون به التهمة، وهي الإلحاد والشرك.
ويقرر الشيخ في هذا الكتاب أن ما يدعيه الذين يتعلقون بالأولياء ويتمسحون بالأضرحة، وما شاكلها أنهم يقولون: إنما ذلك لتوقير هؤلاء الصالحين، والتماس القدوة الحسنة منهم ... يرد الشيخ على هذا بأنه "إذا جاز هذا في حق الأحياء فلا يجوز في حق الأموات.. وأن الموتى قد انقطع ما بينهم وبين الحياة والأحياء، وليس ثمة فرق بين من يَرجو البركة عند قبر ولي، وبين من يعبد وثنا.. كلاهما قد جعل بينه وبين الله شفيعا يِرجى ... وما كان كفار قريش الذين حاربوا دعوة التوحيد إلا على هذه الصورة كانوا يعتقدون أن الله هو الخالق العظيم، ولكن هناك آلهة دون الله يتصرفون وينفعون ويضرون. أن هؤلاء الآلهة هي الطريق إلى الله ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزّمر، من الآية: ٣] .
ويستمر الشيخ في عرض صور من هذا الشرك ليضعها إزاء ما يعتقده بعض المسلمين في الأولياء والصالحين١. وهذا الكتَاب مطبوع عدة مرات مفردا وضمن مجموعات ومنها كتاب تَاريخ نجد لحسين بن غنام تَحقيق الدكتور ناصر الدين الأسد ص ٢٣٣- ص ٢٥٨ طبع القاهرة سنة ١٣٨١هـ.
стр. 56
٣- كتاب الكبائر: أوضح الشيخ في هذا الكتاب الأشياء التي تخالف أسس الإسلام وقواعده وقد طبع هذا الكتاب عدة طبعات.
٤- كتاب السيرة المختصرة: وهو اختصار لسيرة الرسول ﵊ عن سيرة ابن هشام بأسلوب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقد طبع هذا الكتاب عدة مرات.
٥- كتاب الأصول الثلاثة وأدلتها: فيه شرح لهذه الأصول وهي معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة.
٦- كتاب أصول الإيمان: أوضح الشيخ معرفة الله والإيمان به ويشمل أيضاً شرحا للإيمان بالقدر والحث على طلب العلم.
٧- كتاب فضل الإسلام: فيه بيان لفضل الإسلام وتفسيره: وهو مطبوع عدة طبعات.
٨- كتاب شروط الصلاة وأركانها: كتاب في الصلاة عرف باسم الفصل الأول منه"آداب المشي إلى الصلاة".
٩- كتاب مجموع الحديث على أبواب الفقه.
١٠- كتاب مختصر الشرح الكبير والإنصاف.
١١- كتاب الهدي النبوي.
١٢- كتاب مسائل الجاهلية.
وللشيْخ غير هذه المؤلفات كثير من الرسائل المطولة والمختصرة التي كان يبعث بها إلى الأمراء وشيوخ العرب والعلماء. والتي قام تلميذه حسين بن غنام بجمع ما وصل إليه منها ودونه في الجزء الأول من تاريخه
стр. 57
المسمى "روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام". والذي قام الدكتور ناصر الدين الأسد بتحقيقه ونشره باسم تاريخ نجد طبع القاهرة سنة ١٣٨١هـ - ١٩٦١م. وقد قامت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بطبع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وأسلوب الشيخ في كتبه ورسائله، أسلوب سهل واضح يترسل فيه دون تكلف، ويعرض آراءه في غير عسر وتأنق. وإذا كان الشيخ ملتزما اللغة العربية الفصحى في كتاباته، فإنه قد يستخدم في بعض رسائله الكلمات العامية في لهجة نجد، يقول في رسالة كتبها إلى عبد الله بن عيسى "ذكر لي أنكم زعلانين كل الزعل هذه الأيام ولا يخفاك أني زعلان كثير، وناقد عليكم نقودا أكبر من الزعل، ومعي في بعض هذه الأيام تنغص في المعيشة وتكدر مما يبلغني عنكم"١. وعلى أي حال فإن الشيخ لم يستعمل العامية إلا نادرا.
وفاة الشيخ:
توفي الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في شوال سنة ١٢٠٦هـ عن إحدى وتسعين سنة، قضى معظمها في الدعوة للإسلام والعمل على تجديده. وما كان خبر وفاته يعم الدرعية حتى عمها الحزن وسرعان ما انتشر هذا الخبر في أنحاء الجزيرة فحزنت لفقد هذا المصلح العظيم ورثاه العلماء ومنهم الإمام المصلح العلامة محمد بن علي الشوكاني وقد جاء في رثائه قوله:
لقد مات طود العلم قطب رحى العلا
ومركز أدوار الفحول الأفاضل
إمام الهدى ما حي الردى قامع العدا
ومروي الصدى من فيض علم ونائل
стр. 58
١٦- الأئمة من آل سعود الذين عاصرهم الشيخ محمد بن عبد الوهاب وذكر نماذج لجهودهم في مناصرة الدعوة وحمايتها والتمكين لها:
يجدر بنا قبل أن نتحدث عن حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أن نتكلم بإيجاز عن حياة رجلين من آل سعود عاصرا الشيخ ونصرا دعوته حتى كتب لها النجاح. ولقد سبق أن ذكرنا أن الشيخ اتصل بآل سعود عندما وفد على الدرعية عام ١١٥٨هـ وتعاهد مع الإمام محمد بن سعود الذي يعتبر بحق المؤسس الأول للدولة السعودية، وقد اقتصرنا على ذكر هذين الإمامين من آل سعود لأن هذين الإمامين عاصرا الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
أولا: الإمام محمد بن سعود:
ولد الإمام محمد بن سعود سنة ١١٠٠هـ"١٦٨٧م" في بلدة الدرعية وامتد حكمه من سنة ١١٣٩ إلى ١١٧٩هـ أي قرابة أربعين سنة قضى نصفها قبل مجيء الشيخ إلى الدرعية ونصفها الآخر مع الشيخ.
لقد استطاع الإمام محمد بن سعود أن ينشر العدل ويحافظ على الأمن في مدينة الدرعية، كما تمكن من القضاء على خصومه في الداخل.
وقد وصف لنا كل من ابن غنام وابن بشر وابن سحمان الإمام محمد بن سعود وما يتمتع به من الصفات الحميدة.
стр. 59
يقول ابن غنام عن محمد بن سعود: "كان الأمير محمد بن سعود بحسن السيرة معروفا، وبالوفاء وحسن المعاملة موصوفا، مشهوراً بذلك"١.
ويقول ابن بشر إن محمد بن سعود آوى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ولم يخش لوم اللائمين ولا كيد الأعداء المحاربين فشمر في نصرة الإسلام بالجهاد وبذل الجهد والاجتهاد، فقام في عداوته الأصاغر والأكابر وجروا عليه المدافع، فلم يثن عزمه على ما قال المبطلون٢.
ويقول أحد أنصار الدعوة السلفية الشيخ سليمان بن سحمان: "من عجيب ما اتفق لأهل هذه الدعوة أن محمد بن سعود، لما وفقه الله لقبول هذا الدين، بعد تخلف الأسباب وعدم الناصر، شمر في نصرته ولم يبال بمن خالفه من قريب أو بعيد، حتى إن بعض الناس عذله عن هذا المقام الذي شمر إليه فلم يلتفت إلى عذل عاذل ولا لوم لائم، ولا رأي مرتاب، بل جد في نصرة هذا الدين فمكنه الله تعالى في حياته من قرى كل من عاداه من أهل القرى، ثم بعد وفاته صار الأمر في ذريته، يسوسون الناس بهذا الدين الذي يجاهدون فيه كما جاهدوا في الابتداء"٣.
وتحدث صاحب لمع الشهاب عن كرم محمد بن سعود وحبه لقومه ورغبته في تكاثرهم فقال: "ذكر الثقاة من المخبرين عن شَأن محمد بن
стр. 60
سعود أنه كان رجلا كثير الخيرات والعبادة.. كريم الطبيعة، ميسر الرزق له أملاك كثيرة من نخل وزرع، وله عدد من المواشي قيل عن نخاوته: أنه كان الرجل يأتيه من البلدان يطلب شيئا كثير لوفاء دين عليه فإذا عرف أنه محق أعطاه.
والمعروف عن محمد بن سعود أنه لا يرى أحدًا شابا من أهل بلدته وجماعته غير متزوج إلا سأل عن حاله، فإذا قيل له: لا يمكنه جهاز، جهزه وأمر بالزواج، فإذا امتنع أحد أن يعطي ابنته لشخص خطبها وهو كفء، سار محمد بن سعود بنفسه إليه وعاتبه في ذلك، وربما اشترط على نفسه أن أعطوا هذا فلانة فإن أصابها منه ضرر من كسوة أو متاع أو مسكن فأنا ضامن به، وكان لذلك يفعل حيث وقع الشرط لا محالة، وذلك لحسن سيرته وسريرته يريد التئام جماعته، وكثرة خيرهم بالتناسل"١.
انتشار الدعوة السلفية في عهد الإمام محمد بن سعود:
لما وصل الشيخ محمد بن عبد الوهاب الدرعيهَ وعقد المعاهدة مع الإمام محمد بن سعود، أخذ يدعو الناس ويرشدهم بالتي هي أحسن، ولكن كثيرا من الناس عارضوا الدعوة بل استعدوا لمقاومتها بالقوة، فكان لا بد للدعوة أن تدافع عن نفسها، فدعا الشيخ أتباعه إلى الدفاع عن الدعوة السلفية، فلبوا دعوته وكان في مقدمتهم الإمام محمد بن سعود أمير الدرعية ومناصر الدعوة وحاميها. وانتشرت الفتوحات السعودية
стр. 61
تدريجيا، واقتصرت في أول الأمر على بعض المناطق، ثم أخذت في التوسع، فشقت طريقها إلى الوشم، وامتدت الدرعية بتوسعها إلى سدير والمحمل وترنحت الرياض تحت ضربات الدرعية ثم طلبت الصلح.
وفي عام ١١٧٩هـ توفي محمد بن سعود، وخلف ولدين ذكرين هما عبد العزيز وعبد الله، وقد تولى عبد العزيز الإمارة، أما عبد الله فلم يتول الإمارة ولكن ابنه تركي أعاد الدولة بعد انهيارها، وتولى الملك أبناؤه من بعد، وما زال فيهم.
وكان لمحمد بن سعود ولدان آخران وهما: فيصل وسعود وقد استشهدا في حياته.
لقد أسس الإمام محمد بن سعود قبل موته أول دولة إسلامية عربية مستقلة في الدرعية، وكانت هذه الدولة في ازدياد وخصومها في تناقص وتراجع. لقد ترك محمد بن سعود لأولاده دولة ترفرف راياتها على أكثر من بلد من بلدان نجد، وينتشر دعاتها وأنصارها في مختلف المدن والقرى والبوادي النجدية.
لقد قضى الإمام محمد بن سعود ﵀ السنوات الطوال من حكمه في الإنشاء والعمران والفتوحات، ونشر الدعوة، توفي ﵀ مطمئنا إلى أنه أدى واجبه، وأن أعظم مهمة في حياته قد تحققت وهي توطيد الدعوة السلفية وتثبيتها.
стр. 62
ثانيا: الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود المؤسس الثاني للدولة السعودية الأولى:
ولد الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود سنة ١١٣٢هـ في بلدة الدرعية. ولقد بدأت صلة الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود بالشيخ محمد بن عبد الوهاب عندما كان الشيخ مقيماً في العيينة، حينما أرسل إليه عبد العزيز يطلب منه تفسيراً لسورة الفاتحة. فكتب لأجله الشيخ، ذلك التفسير الرائع، الذي أثبته ابن غنام في تاريخه.
ولما وصل الشيخ إلى الدرعيهَ، لازمه عبد العزيز وواظب على حضور دروسه، وكان معتزاً بزعامته واعياً لدعوته، حريصاً على كسب رضاه، سريعاً في تحقيق رغباته، فأحبه الشيخ حباً كبيراً، وكان يثني عليه الشيخ في مجالسه العامة والخاصة ثناءً كبيراً.
وفي عام ١١٧٩هـ توفي محمد بن سعود أمير الدرعية ومؤسس الدولة السعودية، فتم اختيار ابنه عبد العزيز للإمارة، وكان في السادسة والأربعين من العمر.
ويعد الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود بحق المؤسس الثاني للدولة السعودية الأولى. لقد شارك في تأسيس بنائها وتركيز دعائمها، فقد آزر أباه في كهولته، وناب عنه في شيخوخته، ولما توفى أبوه واستقل بالسلطان، حمل الراية بقوة وإيمان، وأخضع البلدان بالحرب والسياسة وأقام على الشرع قواعد الحكم والرئاسة، وأضاف إلى ملكه الذي ورثه عن أبيه شيئاً كثيراً.
стр. 63
لقد بارك الله في الملك الصغير الذي ورثه من أبيه ونصر راياته، فلم تمض سنوات قليلة حتى استطاع عبد العزيز بن محمد بن سعود أن يضم إلى ملكه بلاد نجد والأحساء، وجبل شمر وتهامة وسراة عبيدهَ ومرتفعات الحجاز، وبسط حمايته على القواسم وعمان وزبارة والبحرين، كما تفتحت له أبواب الحرمين وجبيت له الزكاة من بوادي الشام والعراق١.
لقد تضاعف ملكه، وكبرت عاصمة دولته الدرعية لتكون أعظم مدينة في جزيرة العرب. وصدقت كلمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب للإمام محمد بن سعود من أول لقاء بينهما، فقد وعده متى أخلص التوحيد لله والتزم بأحكام الشرع أن يملك هو وأبناؤه جزيرة العرب.
لقد استطاع القضاء على إمارة ابن دواس في الرياض التي طالما ناصبت دولة الدعوة العداء على مدى ٢٨ سنة واستطاع القضاء على إمارة ابن عريعر في الأحساء والقطيف تلك الإمارة التي عملت على عرقلة نشر الدعوة السلفية.. والحق"أن العمل الذي قام به محمد بن سعود وابنه عبد العزيز، بعد مبايعتهما للشيخ كان عملا جليلا، من الناحيتين الدينية والوطنية، لأنه أحل الدين محل الخرافة والجهل، والوطن محل الاقليمية والقبلية. ولكن أبعاد هذا العمل العظيم تبدو لنا بوضوح وقوة متى وضعناه في"إطاره العالمي" فقد حقق محمد
стр. 64
وعبد العزيز من بعده توحيد الشطر الأكبر من جزيرة العرب تحت لواء واحد حدثا عظيما لفت أنظار العالم: وهو ظهور دولة عربية حرة قوية، بعد فترة طويلة من غياب العرب عن مسرح السياسة الدولية١.
صفات الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود وإنسانيته:
من يتتبع سيرة الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، يجد بكل وضوح أن هذا الإمام الفذ لم يكن عظيماً بشجاعته وفتوحاته فحسب، وإنما كان عظيما قبل كل شيء بخلقه الكريم يتضح هذا من خلال ما أنعم الله به عليه من محبته للعلماء ورعايته لطلبة العلم، وإحسانه إلى الفقراء ومناصرته للضعفاء، وكراهيته للظلم وحبه للعدل، ووقوفه عند الحدود وتورعه عن المحارم، وتواضعه، وبساطته.
ولتوضيح هذه الحقيقة نستعرض ما قاله بعض العلماء المنصفين عن الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود.
قال ابن بشر يصف عبد العزيز: "كان كثير الرأفة والرحمة بالرعية، وخصوصا أهل البلدان، لإعطائهم الأموال وبعث الصدقة لفقرائهم والتفحص عن أحوالهم٢. وكان كثير العطاء والصدقات للرعية من الوفود والأمراء والقضاة وأهل العلم وطلبته ومعلمي القرآن والمؤذنين وأئمة المساجد.
وكان الصبيان من أهل الدرعية، إذا خرجوا من عند المعلم، يصعدون
стр. 65
إليه بألواحهم، ويعرضون عليه خطوطهم، فمن تحاسن خطه منهم أعطاه عطاء جزيلاً، وأعطى البقية دونه. وكان إذا مات الرجل من جميع نواحي نجد يأتي أولاده إلى عبد العزيز يستخلفونه، فيعطيهم عطاء جزيلا وربما كتب لهم في الديوان ... وكان يسأل عن القضاة والأيتام في الدرعية وغيرها ويأمر بإعطائهم.
وكان كثيراً ما يكتب إلى النواحي بالحض على تعليم القراءة وتعلم العلم وتعليمه، ويجعل لهم راتباً من الديوان، ومن كان منهم ضعيفاً يأمر أن يأتي إلى الدرعيه ويقوم بجميع أنوابه. ويضيف ابن بشر: "كان الإمام عبد العزيز ﵀ كثير الخوف من الله، كثير الذكر، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، لا تأخذه في الحق لومة لائم، ينفذ الحق ولو على أهل بيته وعشيرته، لا يتعاظم عظيمًا إذا ظلم فيقيمه عن الظلم، وينفذ الحق فيه، ولا يتصاغر صغيرًا ظلم فيأخذ الحق له ولو كان بعيد الوطن، وكان لا يكترث في لباسه ولا سلاحه بحيث كان بنوه وبنو بنيه سيوفهم محلاة بالذهب والفضة وليس في سيفه من ذلك شيء إلا القليل"١.
قال بركهاردت: "كانت نجد موزعة بين عدد كبير من الأقاليم والمدن والقرى، وكانت هذه المناطق مستقلة، متعادية، يحارب بعضها بعضا. وكانت شريعة الأقوى هي الشريعة المتبعة في الأرياف وضمن أسوار المدن، حيث يضطر الرجل الضعيف إلى التخلي عن ملكه وحقه للرجل القوي المتغلب.
стр. 66
وكانت الفوضى مسيطرة على مضارب البدو، وكانت معاركهم التي لا تنتهي وغزواتهم التي لا يقصد منها إلا السلب والنهب تغرق بلاد نجد في طوفان من الدم.
هذا هو الوضع الذي واجهه عبد العزيز وقد استطاع عبد العزيز بعد كفاح طويل وشاق، أن ينشر الدعوة في نجد وأن يتسلم السلطة العليا ويمارسها وبذلك تحول من شيخ عشيرة إلى رئيس دولة!!
لم يحاول عبد العزيز إخضاع مواطنيه في كل أمورهم إلى سلطته وسلبهم كل حرية، كما يفعل الحكام المستبدون، فقد ترك العرب ينعمون بحريتهم في عشائرهم وبلدانهم، ولكنه حملهم على العيش بسلام، وعلى احترام حق الملك، والخضوع لأوامر الشرع ونواهيه، وبهذه الوسيلة تيسر له الاستيلاء على الشطر الأكبر من جزيرة العرب، لأن أسلوب حكمه أسلوبا حرا سمحا. كان العربي، إلا من عصم ربي، لا يعرف قاعدة لسلوكه إلا شهوته ورغبته، أما الآن ... فينبغى أن يخضع لأحكام الشرع ويدفع الزكاة إلى الإمام ويشترك في الجهاد"أو الغزو" ضد الملاحدة والمشركين كلما دعي إلى ذلك. ولم يعد العربي قادرا على الاحتكام إلى السيف لحل خلافاته مع الآخرين، فقد أقيم قضاة لفصل الخصومات، ويجب عليه أن يعرض أمره عليهم ويسلم بقضائهم".
وقال كورانسيز: "كان عبد العزيز يعيش عيشة تقشف مثل أكثر رعاياه، ولعل ذلك من أعظم أسباب توفيقه. كان نزيهاً فلم يتخذ الدعوة وسيلة لجمع المال، ولكنه جمع المال ليخدم الدعوة! كان شجاعاً، ولكن
стр. 67
في غير تهور، كان رحيما، ولكنه كان يعاقب على الإخلال بالأمن والفوضى عقوبة شديدة"١
هذه بعض صفات الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود المؤسس الثاني للدولة السعودية الأولى، الذي قضى أكثر من أربعين سنة من حياته في الغزو والحروب.. لقد كان يزحف برجاله في سبيل نشر دعوة التوحيد وحمايتها من أقصى البلاد إلى أقصاها. وعندما قتل عام ١٢١٨هـ كان ملك السعوديين يمتد من شاطئ الفرات إلى حدود عمان من الخليج العربي إلى أطراف الحجاز وعسير.
стр. 68
الفصل الثاني: حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
تمهيد:
إن كل عالم منصف متجرد واع ومدرك لأسس الإسلام وأهدافه وأحكامه، يعلم أن ما دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، في دعوته الإصلاحية السلفية، ليس سوى العودة إلى الإسلام بكل مبادئه وتعاليمه الخالصة من شوائب الشرك والوثنية.
فالشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ لم يدع لمذهب جديد، لأنه لا جديد في الإسلام فهو أحكام ووحي منزل من عند الله ﵎ على محمد ﷺ ولم يبق بعد وفاته ﷺ أمام أمته إلا اقتفاء أثره، واتباعه والاستمساك بالمحجة البيضاء التي ترك الأمة عليها.
دعوة الشيخ في جوهرها، دعوة لتنقية التوحيد من كل شوائب الشرك ظاهره وخفيه، دعوة إخلاص الدين لله وحده، دعوة لنبذ البدع والانحرافات. الشيخ محمد ابن عبد الوهاب ﵀ لم يدع إلا لعقيدة السلف الصالح في جميع أبواب الاعتقاد. جميع مؤلفاته ورسائله بل سيرته
стр. 69
وأفعاله وسلوكه تؤكد بلا ريب اهتمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وحرصه الشديد على التزام منهج السلف الصالح والاقتداء بهم.
كما أن ما كتبه أتباعه يبين بكل جلاء ووضوح لكل من أراد معرفة الحقيقة ما اتصف به الشيخ محمد بن عبد الوهاب من تمسك والتزام بمنهج أهل السنة والجماعة، ويظهر حال وشأن أولئك الأتباع وما كانوا عليه من التمسك الصادق بعقيدة الفرقة الناجية سواء في أقوالهم أو أفعالهم.
وقد شهد بعض العلماء المنصفين في الشرق والغرب وفي أزمان متفاوتة، بل ومن ديانات ومذاهب متنوعة أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ يدعو إلى الإسلام كما كان عليه أول ظهوره من صفاء ونقاء ووضوح، بعيدا عن لوثات الفلسفة وأدران الشرك وخرافات التصوف ومحدثات البدع١.
ولإبراز حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب سوف نتحدث بالتفصيل في هذا الفصل عن أربعة موضوعات من أجل بيان حقيقة دعوة الشيخ لمن تهمه معرفة الحقيقة والموضوعات هي:
أولا: الأهداف الحقيقية من تسمية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالوهابية من قبل خصوم الدعوة، وجناية هذه الكلمة على الحقيقة والواقع والتاريخ.
стр. 70
ثانيا: بيان عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
ثالثا: بيان الأسس العامة التي قامت عليها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
رابعا: بيان غاية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأهدافها العامة.
أولا: الأهداف الحقيقية من تسمية دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالوهابية من قبل خصوم الدعوة، وجناية هذه الكلمة على الحقيقة والواقع والتاريخ.
الوهابية لقب لم يختاره أتباع دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لأنفسهم، لكن أطلق عليهم من قبل خصومهم، تنفيرا للناس منهم، وإيهاما للسامع أنهم جاءوا بمذهب خامس يخالف المذاهب الإسلامية الأربعة، واللقب الصحيح لدعوة الشيخ هو الدعوة السلفية.
يقول الدكتور عبد الله العثيمين: "من المعروف أن الغرض من اختلاق المعارضين تلك التسمية تنفير الناس من دعوة الشيخ، وهو بتعبير آخر اتهامه بأنه يدعو إلى دين جديد، أو مذهب خامس، كما يقولون أحيانا وبالرغم من أن كثيرا من الناس في مشارق الأرض ومغاربها أصبحوا على علم بحقيقة ما يدعو إليه الشيخ محمد فإن الصفة التي أطلقها خصومه على أتباعه وعقيدته ما زالت شائعة الاستعمال من قبل كثير من الكتّاب في الأقطار المختلفة"وعلى أي حال فإن عددا قليلا من العلماء التابعين لدعوة الشيخ محمد أو المتعاطفين معها، بدأوا في
стр. 71
السنوات الأخيرة لا يتحاشون استعمال كلمة وهابية في كتاباتهم. ولا بد أن هذا الموقف جاء نتيجة اعتقاد هؤلاء بأن ما كان يدعو إليه الشيخ وأنصاره بات واضحا بدرجة كبيرة، وأن ما تحمله هذه الكلمة من معاني في الزمن الماضي أصبح أضعف من ذي قبل في أذهان الكثيرين.
ويقول أحمد بن حجر آل طامي في كتابه عن محمد بن عبد الوهاب "ومن معاملة الله لهم- أي خصوم الدعوة- مقتضي مقصدهم هو أنهم قصدوا بلقب الوهابية ذمهم، وأنهم مبتدعة، ولا يحبون الرسول كما زعموا، صار الآن لقبا لكل من يدعو إلى الكتاب والسنة، وإلى الأخذ بالدليل، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومحاربة البدع والخرافات والتمسك بمذهب السلف"١.
ويقول الدكتور محمد بن سعد الشويعر: "أطلق خصوم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السلفية التصحيحية، التي نبعت من الجزيرة العربية، لإزالة ما علق بتعاليم الإسلام من شوائب وما أدخل على التوحيد وخاصة توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات من مشاركة المخلوق مع الخالق، في صرف ما هو له جل وعلا وإشراك المخلوق، نقول: "إن أولئك الخصوم أعطوا الدعوة اصطلاحا في اللقب هو"الوهابية" من باب التنفير حسب حركة ذلك الاصطلاح ودعت إليه بعض الطرق الصوفية، ومصالحها في تضليل العوام"٢.
стр. 72
ويقول مسعود الندوي: "إن من أبرز الأكاذيب على دعوة شيخ الإسلام تسَميتها بالوهابية ولكن أصحاب المطامع حاولوا من هذه التسمية أن يثبتوا أنها دين خارج عن الإسلام. ونجح الإنجليز والأتراك والمصريون فجعلوها شبحا مخيفا بحيث كلما قامت أي حركة إسلامية في العالم الإسلامي في القرنين الماضيين ورأى الأوربيون فيها خطرا على مصالحهم ربطوا حبالها بالوهابية النجدية ... وعلى أي حال فنظرا إلى تلك المحاولات التي بذلت لإظهار الوهابية في صورة مذهب مستقل وطائفة ضالة فتنقد أشد الانتقاد هذا الاسم، ولكن بغض النظر عن هذه الأكذوبة والافتراء فلا أرى حرجا في هذه التسمية١.
ويقول أحمد القطان في كتابه:"إمام التوحيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب": "وأيا كان الأمر فليس في التسمية ما يعيب الحركة الوهابية فإن التسمية ليست أكثر من علم على مجموعة من الناس يلتفون حول أهداف ومبادئ معينة يجمعهم اسم معين. وسواء سميت هذه الحركة بالوهابية أو السلفية فإن منهجها يفرض عليها أن تكون سلفية، وهي تسمية صادقة تعبر عن حقيقة هذه الحركة وواقعها العملي"٢.
ويقول الشيخ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ: "كلمة الوهابية أصبحت في عصرنا الحاضر لا تمثل لنا مشكلة ما، ففي عصر
стр. 73
السرعة، والمخترعات قربت المسافات، وزاد اتصال الناس بعضهم ببعض، وشاهد الناس ما كان يصعب عليهم فيما مضى مشاهدته، واطلعوا بأنفسهم على ما كان ينقل إليهم فيما سبق محورا ومزيفا ولمسوا بجوارحهم، وبعين المشاهدة ما كان يدلس ويلبس عليهم في غابر الزمان.. ووضح الحق وجلت الحقيقة لكل ذي بصر وبصيرة ... وعرف الناس أن الوهابية لا تعني سوى طائفة من أهل السنة متمسكين بعقيدة السلف، يذودون عنها ما وسعهم الجهد، يطبقون الشريعة الإسلامية، ويتخذون الكتاب والسنة دستورا لدولتهم الإسلامية، واعتز حاكمهم وصاحب الأمر منهم، بإطلاق لقب "خادم الحرمين الشريفين" عليه، تشرفا واعتزازا بارتداء ثوب خدمتها، وما أحلاه من ثوب.. ثم ما تحقق من خدمات الحرمين الشريفين، وللأماكن المقدسة بصفة عامة، وما قدم ويقدم لخدمة ضيوف الرحمن، مما لم يشهد له التاريخ الإسلامي مثيلا أو نظيرا، وأصبح الحديثِ به يجري على كل لسان.
هذه الأعمال وغيرها كثير، قدمت خدمة للإسلام والمسلمين، في شتى بقاع الأرض، وفى سبيل خدمة العقيدة السلفية والإسلام بصفة عامة، قام ويقوم بها من أطلق عليهم فيما مضى وهابيون، أطلقها عليهم خصومهم لغرض في نفوسهم، فأصبحت اليوم تعني المتمسكين بعقيدة السلف، القائمين على خدمة الإسلام المنفذين لشرعه ... فلا ضير من استعمالها، وإطلاقها، أنى شئنا أو شاء غيرنا من الكتاب والباحثين والمؤرخين"١.
стр. 74
مما سبق يتضح أن بعض المعاصرين لا يتحاشون من استخدام كلمة الوهابية بينما ما زال بعض الباحثين يتحاشون استخدام لقب الوهابية١.
جناية كلمة الوهابية على التاريخ:
الواقع أن جناية هذه التسمية، أي تسمية الدعوة السلفية بالوهابية، على التاريخ لم تكن أقل من جنايتها على الواقع والحقيقة، ذلك لأنها سبب لوقوع كثير من المؤرخين في الخطأ، حيث نسبوا هذه الدعوة الإصلاحية إلى والد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولعل أول من وقع في هذا الخطأ، كما أشار إلى ذلك الأستاذ مسعود الندوي هو السائح الأوروبي برجس، الذي قال عند كلامه عن الشيخ حسين بن الشيخ محمد إنه حفيد صاحب الدعوة. كما وقع في هذا الخطأ الرحالة برجاردت الذي قال: إن لصاحب الدعوة ولداً اسمه محمد. وقال المؤرخ الفرنسي سيديو في كتابه تاريخ العرب العام عند كلامه عن الوهابية: "اسم واضع هذه السيطرة هو عبد الوهاب التميمي. بل لقد وقع في هذا الخطأ مؤلفو دائرة معارف أمريكية تعرف باسم، "كتاب العالم" وكلهم من حملة شهادة الدكتوراه في التاريخ والأدب والفلسفة ومن بينهم الدكتور حتى المؤرخ. لقد جاء في هذه الموسوعة تحت كلمة الإخوان "
стр. 75
هم جماعة من المسلمين في قلب الجزيرة العربية يتبعون تعاليم عبد الوهاب المصلح الذي ظهر سنة ١٧٤٥م.
وقال فريد وجدي في دائرة معارفه، الجزء العاشر تحت كلمة الوهابية: "هي طائفة من المسلمين اتبعوا شيخاً يقال له عبد الوهاب في بلاد العرب".
ولم يقع هؤلاء المؤلفون وغيرهم في هذا الخطأ إلا بسبب هذه التسمية المخالفة للواقع.
ثانيا: بيان عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب
لعل أبرز رسائل الشيخ التي تبين عقيدته تلك الرسالة التي أرسلها إلى أهل القصيم إجابة عن سؤالهم عن معتقده ونظرا لأهمية هذه الرسالة نوردها فيما يأتي:
سأل أهل القصيم الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن عقيدته فأجابهم ﵀ بهذا الكتاب١
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"عقيدة أهل السنة والجماعة"
أشهد الله ومن حضرني من الملائكة وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، والإيمان بالقدر خيره وشره.