يجري أي نهر من الأنهار في الجزيرة كلها، ولا ركب في حياته ﵊ البحر، لينظر في خواصه ومصاب الأنهار فيه، فلا شك أن الذي علمه ذلك، وأخبره به هو الذي أنزل عليه القرآن وهو العليم الخبير.
٣- التناسل الإنساني:
إن موضوع خلق الإنسان، وتطور خلقه في بطن أمه قد ورد في آيات عديدة، منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ...﴾ [الحج:٥] .
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ , ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ , ُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٢-١٤] .
وقال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْأِنْسَانِ مِنْ طِينٍ , ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٧-٨] .
وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً , أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى , ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى , فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى , َلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٣٦٤٠] .
فهذه الآيات متعلقة بخلق الإنسان، وغيرها كثير مما ذكره العلماء ودرسوه. وهنا ننبه على أشياء من هذا، إذ لا يمكن استيعاب الكلام عن هذه المعاني، فنقول:
إن الإعتقاد السائد في خلق الإنسان قبل نزول القرآن على أنواع، فأرسطو الذي كان قبل الميلاد كان يرى أن الجنين موجود في نطاف الرجل كامل الخلقة، فإذا دخل في رحم المرأة نما في رحمها.
стр. 37
ثم عدل عن ذلك، وقال: إن الجنين يتشكل في دم الحيض، فإذا جاء المني من الرجل عقده، بمعنى أثر فيه، بحيث يبدأ يتشكل ويبرز.
ثم سادت في القرن السابع عشر الميلادي نظرية مفادها أن الجنين موجود في بيضة الأنثى، لأنهم كانوا اكتشفوا البويضة بالمجاهر قبل ذلك، في حدود عام ١٦٧٢م. ثم إن النطاف الذكر يؤثر في ذلك الجنين فينشطه للتطور.
ثم أول من عرف من الغربيين دور كل من نطفة الرجل وبويضة المرأة في تكوين الجنين هو العالم "هير تونغ" عام ١٨٧٥م، ثم تعرف العالمان "بونري ومورحان" عام ١٩١٢م على الصبغيات، وما تحمله من مورثات، وأنها موجودة في نطفة الذكر وبويضة الأنثى، التي تحمل صفات الآباء إلى الأبناء.
هذه المعلومات التي لم يتوصل لها العلم الحديث إلا بواسطة المجاهر والتحاليل والتصوير، إلى غير ذلك من الإمكانيات الحديثة، والتي تحتاج إلى متخصصين من أعلى المستويات، قد جاء بها القرآن الكريم، ولم يكن للناس علم بها، بل علم أكثرهم كان أن الجنين يتكون من دم الحيض، فلهذا كانوا يحملون المرأة نوع الجنين ذكراً أو أنثى، إلا أن هذه المعلومات الخاطئة صححها الله تعالى، وأعطى في ذلك معلومات صحيحة، كما أعطى مسميات دقيقة لمراحل خلق الإنسان، التي لايمكن بحال أن تعرف إلا بأحد أمرين:
إما من العليم الخبير، الذي لا تخفى عليه خافية، وهو الخالق الموجد، وإما بواسطة المشاهدة والمعاينة من أهل الإختصاص في هذا. وهذا لم يتحقق إلا في العصر الحديث، ولم يكن حدث من قبل، وقرر العلم في هذا:
أن الجنين يتخلق من نطفة الرجل والمرأة سوياً، ولا يمكن أن يتخلق ما لم يلتقي الحوين المنوي للرجل ببويضة المرأة. وهذا قول الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ والأمشاج: الأخلاط، والبعض يرى أن ذلك
стр. 38
الأمشاج هو حيوان الرجل المنوي وبويضة المرأة، وبعد الإختلاط يبدأ التكون، وقبله لا يمكن أن يبدأ تكون الجنين.
كما قرر القرآن أن نطفة الرجل هي التي تحمل الذكورة والأنوثة، وهي التي تتحكم في نوع الجنين، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى , مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ .
والنطفة التي تمنى هي من الرجل، وليس من المرأة. وقد ثبت بالعلم الحديث أن الحيوان المنوي للرجل يحمل نوعين من الحيوانات المنوية، فنصفها حيوان منوي مذكر يحتوي على "٢٣" كروموسوم أي صبغي، يرمز له بحرف "Y"، والنصف الآخر يحمل "٢٣" كروموسوم أنثوي يرمزون له بحرف "x"
ولكل من النوعين شكله الخاص وصفاته الخاصة، أما الأنثى فبويضتها تحتوي على "٢٣" كروموسوم أنثوي المرموز له "x"فقط.
فإذا سبق الحيوان المنوي الذي يحمل كروموسوم الذكورة "y"، فلقح البويضة، صار في البويضة النوعين الأنثوي والذكري، فيكون الجنين ذكراً بإذن الله، ويحمل في جسمه النوعين، وبعد أن يصبح ذلك الجنين بالغاً ينتج جسمه النوعين، أما إذاسبق الحوين المنوي المؤنث، الذي يحمل الكروموسوم "x" ولقح البويضة اجتمع فيها أنثوي مع أنثوي "x x"، فيكون أنثى بإذن الله، ثم لا تنتج بعد أن تبلغ إلا نوعاً واحداً، وهو الأنثوي. والله أعلم.
كما قرر العلم أن الرجل في القذفة الواحدة يقذف ما يزيد عن "٢٠٠" مليون حوين منوي، نصفها مذكر، ونصفها الآخر مؤنث.
وأن الذي يفوز بتلقيح البويضة واحد من تلك الملايين فقط، وهو الذي يلج إلى داخل البويضة ويلقحها، ويكون به الحمل بإذن الله، أما الباقي فيهلك ولا يكون له أي دور بعد."١"
стр. 39
وهذا ما يشير إليه صراحة قوله تعالى: ﴿ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين﴾ . والسلالة هي: الشيء المستل المأخوذ من مجموعة."١"
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى , مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ .
فالنطفة هي الشيء القليل من المني "٢". وقد أكد هذا ع ليه الصلاة والسلام بقوله - لما سئل عن العزل-:"ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء"."٣"
ومما قرر العلم في هذا أن البويضة بعد تلقيحها بالحيوان المنوي من الرجل، تذهب إلى جدار الرحم فتعلق به، بمعنى أنها تنغرس فيه، وتبدأ تتغذى من الأوعية الدموية التي فيه، ثم تبدأ مرحلة التخلق.
وهذه العلقة، وهذه الحالة، هي الموصوفة في القرآن في مواطن كثيرة، ولا يمكن لأحد مهما أوتي من العلم قبل عصر الإكتشافات العلمية أن يطلع على هذه الحالة وهذه الصورة، إلا من كشف الله له عن علم الغيب وعلمه من لدنه ﵎.
كما قرر العلم أن العلقة بعد ذلك تبدأ تخرج لها شبه أطراف، فتكون كقطعة اللحم الممضوغة، وهذه اللحمة الممضوغة يتكون منها شيئان: الشيء الأول: أعضاء الجنين، والتي تشكل الجنين فيما بعد، والشيء الثاني: المشيمة، التي ينمو داخلها الجنين، وهي تحمي الجنين وتغذيه بواسطة الحبل السري المتصل بها والمتصل بالجنين.
وهذا ينطبق تماماً مع قوله تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ . فالمخلقة هي ما يتكون منه
стр. 40
الجنين، وغير مخلقة هي المشيمة وما يتبعها من الماء الذي يسبح فيه الجنين، وهو ليس مخلق ولا شأن له من هذه الناحية بالجنين.
ثم بعد ذلك يبدأ تكون العظام، ثم يكسوها اللحم حتى يكون طفلاً يخرجه الله تعالى "١"، فإما يؤمن بعد هذا أو يكفر نسأل الله العافية.
إن من يدعون أن محمداً صلي الله عليه وسلم أتى بالقرآن من عند نفسه فليبينوا كيف له ذلك، وأنى له ذلك، وهو كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] .
إن المعلومات الموجودة في القرآن لا يمكن لبشر مهما أوتي من العلم أن يأتي بها بحال من الأحوال، حتى ولو توفرت له الأجهزة والآلات التي وجدت في العصر الحديث، وذلك لسبب واضح، وهو أنه لا يمكن للإنسان أن يحيط علماً بكل أنواع هذه العلوم المتنوعة الموجودة في القرآن، فالإنسان يمكن أن يكون فلكياً، ويمكن أن يكون عالما بطبقات الأرض ـ ويمكن أن يكون مؤرخاً، ويمكن أن يكون طبيباً أولغوياً، ونحو ذلك، لكنه لا يمكن أن يجمع هذه العلوم كلها.
ومن المحقق أن الذين تحدثوا عن إعجاز القرآن، ونبهوا على ذلك هم ذوي مستويات عالية في تخصصاتهم، وكل تحدث في تخصصه، وإذا أراد أن يتحدث في تخصص آخر نقل عمن هو متخصص في هذا الشأن.
فمن هنا نقول إنه لا يمكن لبشر مهما بلغ من العلم أن يأتي بهذه المعلومات والمعارف المتنوعة ويسوقها بهذا السياق، الذي يهدف إلى تأسيس اليقين وتقوية الإيمان والإقبال على طاعة الرحمن، في سياق متسق، وهدف واضح لا يتغير، وكلام منضبط لا يختلف، ومعلومات محددة دقيقة لا تخطيء.
стр. 41
إنه لا يمكن بحال من الأحوال كما قلنا لأعلم أهل الأرض أن يأتي بمثل هذا القرآن، وهذه المعلومات، فكيف برجل أمي عاش أربعين سنة بين أهله وعشيرته، لم يخرج من مكة إلا في رحلتين: إلى الشام في التجارة، وذلك قبل أربعة عشر قرناً من الزمان، لو جمع علم أهل الأرض كلهم في ذلك الزمان ما استطاعوا تحصيل شيء من العلم المذكور في القرآن، أقصد من الناحية العلمية، فضلاً عن غيرها.
ومن المعلوم والمتيقن أنه لا يمكن لأحد أن يتعلم علماً من العلوم إلا ويعرف الناس سعيه إلى ذلك العلم وتردده على ذلك العالم، أو تلك المدرسة، أو تلك الكتب يتعلم منها، فهذا ليس من العيب حتى يخفى، بل هو من الشرف، ولابد من ظهوره، فالعلم لا يتحصل عليه الإنسان بين عشية وضحاها، بل لا بد من إنفاق الأيام والليالي والشهور والسنين فيه.
فمن هو ذا المعلم الذي تعلم منه النبي صلي الله عليه وسلم؟ لاشك أنه لا يوجد له معلم من البشر، ولا يمكن أن يوجد، بل هذا مستحيل تمام الإستحالة، فلم يبق إلا العليم الخبير، بواسطة أمينه جبريل، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى , عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم:٤-٥] ، ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِي , نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِين , عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء:٩٢-٩٤] .
ونختم هذا بقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٢٢] .
هم كما سبق أن ذكرنا إنما يريدون عدم الإيمان، ولا يريدون الإيمان، ويريدون الدنيا وما يهوون، فليس لهم سبيل إلا التكذيب، أو دعوى التكذيب.
فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. ونسأل الله تعالى المزيد من الهداية والثبات عليه إلى أن نلقاه ﵎ وتقدس.
стр. 42
ثانيهما: إخباره عن أشياء من المستقبل:
إن الزمان ثلاثة أحوال: ماض وحاضر ومستقبل، أما الماضي فعلمه ممكن من خلال دراسة التاريخ، أما الحاضر فمعرفته مبنية على المشاهدة والسماع والمعايشة. أما المستقبل فلا يمكن لأحد معرفته، إذ هو من علم الغيب، ولا يدري عنه أحد شيئاً إلا الله تعالى، أو من علمه الله جل وعلا.
وسنشير في إختصار إلى أشياء مما ذكر الله تعالى في القرآن ١من أمور المستقبل٢، التي لا يعلمها إلا من علمه العليم الخبير.
١- قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ , فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ البقرة: [٢٣-٢٤] .
فهذه الايات صريحة في التحدي - وليس هذا فقط-، بل قطعت بالعجز حتى عن المحاولة في الحاضر والمستقبل، وأنهم لا سبيل لهم إلى ذلك، وهذا الذي كان، فلم يعرف أن أحداً استطاع أن يأتي بسورة من مثل القرآن، ويصدق ذلك على أقصر سورة فيه، وهي الكوثر، وهي تتألف من عشر كلمات فقط، ولا يعني ذلك أن يزن أحد على وزنها عشر كلمات كما كان يفعل مسيلمة الكذاب، فيما قيل عنه إنه عارض سورة الفيل، فقال "ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى أخرج منها نسمة تسعى ما بين صفاق وحشا"."٣"
стр. 43
فهذا كلام فارغ لا معنى له، وإنما عليه أن يأتي بالخبر الصادق، والتشريع الصحيح، والعلم النافع، وسائر ما يتصف به النص القرآني، ويكون ذلك في قالب من الكلمات بليغ، مؤثر في النفوس، آخذ بمجامع القلوب والألباب، فأنى لأحد من البشر ذلك.١
والمهم من ذلك كله أنه لم يعارض القرآن أحد معارضة صحيحة، ولم يتقدم إلى ذلك أحد على تعاقب الليالي والأيام، واستمرار الكفار وتتابعهم في العداء لهذا الدين، وابتغاء اندحاره، والاجتهاد في حربه بكل وسيلة ممكنة، ومع ذلك كله عجزوا عن أن يأتوا بمثل سورة من القرآن، فمن أخبر النبي صلي الله عليه وسلم ذلك؟ ومن أعلمه بذلك؟، ومن أين للنبي صلي الله عليه وسلم أن يأتي بشيء لا يستطيعه الأولون ولا الآخرون؟! هذا لا يمكن أن يكون إلا من الله العليم الحكيم.
٢-قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥] .
وقد حقق الله لنبيهصلي الله عليه وسلم وأصحابه وأمته من بعده ما وعد، ففتحت البلاد، ودخل الناس في دين الله، وتمكن الدين، وتبدل الخوف أمناً، وانتشر دين الله في الأرض، حتى بلغ في أقل من مائة سنة هجرية حدود فرنسا من الغرب، وحدود الصين من الشرق "٢".
فمن أين للنبي صلي الله عليه وسلم علم ذلك؟
٣- قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً , فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً , ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ
стр. 44
بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً. إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً. عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾ [الإسراء:٤-٨] .
لقد ذكر العلماء في تفسير هذه الآيات أن المرتين قد وقعتا على بني إسرائيل، وعلى هذا أكثر المفسرين. ويجعلون المرة الأولى هي قضاء بختنصر عليهم، وذلك قبل الميلاد بما يقارب ٥٨٦سنة، والأخرى قضاء الرومان عليهم، وذلك في حدود ٧٠م أو ١٣٥م ولهم أقوال أخرى نحو ذلك.
ولكن الناظر في التاريخ، وما ذكره اليهود من تاريخهم في كتابهم يتبين أنه بعد قضاء بختنصر عليهم سنة ٥٨٦ق. م لم تقم لهم قائمة، ولا قامت لهم قوة البتة، وإنما وقعوا تحت الإستعمار، كما هو في التعبير الحديث، فكانوا أولاً تحت حكم البابليين، ثم الفرس، ثم اليونان، ثم الرومان، الذين طردوهم في سنة ١٣٥م من فلسطين وشردوهم منها إلى هذا الزمن، الذي بدأوا يتجمعون فيه.
ومنذ سقوط فلسطين بيد البابليين في حدود سنة ٥٨٦ق. م، لم تقم لليهود قوة ولا دولة، سوى دويلة ضعيفة هزيلة أيام المكابيين بعد المسيح ﵇، حيث قام مجموعة منهم، واستطاعوا أن يتحرروا من قبضة الرومان قليلاً، إلا أن الرومان جمعوا لهم جمعاً قوياً، ووطئوا به ديارهم، وقضوا عليهم قضاءً شبه مبرم، ودمروا بيت المقدس، الذي كانوا قد أعادوا بناءه قبل المسيح ﵇، وأزالوا كل آثاره، ولم يبقوا لهم إلا جداراً غرب بيت المقدس. وسمح لهم الحاكم الروماني أن يعودوا إلى بيت المقدس يوماً واحداً في السنة عند ذلك الجدار يبكون يتذكرون ما فعله بهم."١"
стр. 45
ومن المعلوم والمتيقن أن بعض فلولهم جاءوا إلى جزيرة العرب، واستوطنوا مناطق فيها في المدينة وفدك وخيبر، وكونوا لأنفسهم بذلك قوة، إلا أن الله سلط رسوله على تلك القوة، فدمرها، ولم يتوف النبي ﵊ ولليهود قوة قائمة في الأرض.
وهذا فيما أرى الذي جعل كثيراً من علماء المسلمين يقررون أن المرتين من القضاء المحتم على بني إسرائيل قد وقعتا.
ولكن من أدرك العصر الحاضر، ورأى انقلاب الحال، ورأى تمكن اليهود من العودة إلى فلسطين، وقيام مملكتهم فيها، وأنهم صار لهم فيها قوة مالية وعسكرية، وما تحقق لهم من تبعية أو نصرة كثير من الدول القوية في هذه الأزمان، حتى أنهم لو استنفروا تلك الدول، لقامت معهم، من رأى هذا أدرك معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾ .
تتحقق لهم خلال تاريخهم بعد الهلاك الأول على يد بختنصر إلا في هذا الزمن، وقد أخبر به العليم الحكيم.
ومن الجدير بالذكر أن بختنصر، ومن معه من البابليين يعتبرون من العرب، ثم إن الكرة ارتدت لليهود على العرب في هذا الزمن، وهذا حقيقة المواجهين لليهود، وأنهم معتزون بعروبتهم، ولا يتكلمون مع اليهود باسم الإسلام ولا المسلمين، والله أعلم بمعنى كلامه.
إلا أن في كلام الله تعالى بشارة واضحة صريحة، لا تقبل الجدل، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً﴾ .
فالآخرة المقصود بها المرة الأخيرة، او الثانية من علوهم وفسادهم، وقوله.
стр. 46
﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ صريح في أن الذين دخلوه أول مرة هم أصحاب النبي ﵊، زمن عمر بن الخطاب ﵁ "١"،وسيدخله المسلمون في الوقت الذي يشاء الله مرة أخرى، ويكون بذلك دمار اليهود وهلاكهم، كما تشير إلى ذلك الآيات السابقة، وكما هو صريح قول النبي صلوات الله وسلامه عليه، فيما روى أبو هريرةرضي الله عنه:" لاتقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبيء اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد "٢" فإنه من شجر اليهود "."٣"
فوقوع هذا من اليقين الذي لا يقبل الشك بحال من الأحوال، ولكل أجل كتاب.
فمن هنا نقول إن مثل هذه المعلومات لا يمكن أن يعلمها الرسول ﵊، وإنما أخبره بها الذي قدر وقوعها، وجعل لها أجلاً لا بد منه، ولكل نبأ مستقر.
стр. 47
المطلب الثاني
إبطال دعوى أن يكون النبي صلي الله عليه وسلم قد استفاد القرآن من اليهود والنصارى زعم بعض المستشرقين كما ذكرنا سابقاً أن النبي صلي الله عليه وسلم استفاد القرآن أو أشياء منه من اليهود والنصارى، وهذا كلام يضحك من قائله الصبيان، ويسفه صاحبه كل ذي بصيرة وعرفان. ونبين بطلانه من وجوه:
أولاً: أن المستشرقين اقتفوا أثر المشركين، الذين نسبوا القرآن إلى أناس من النصارى، وقد رد الله على المشركين الذين ادعوا ذلك، وهو رد على كل من ادعى هذه الدعوى بعد، وذلك في قوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل:١٠١-١٠٣] .
فمن الدليل الواضح على كذبهم في دعواهم أنهم عزوا القرآن إلى عاجز عن العبارة الفصيحة لعجمته، فهم كمن يعزو صنع لوحة فنية إلى مقطع اليدين، أو من يعزو قصيدة عصماء إلى أخرس أبكم.
ثانياً: أن النبي صلي الله عليه وسلم لا يمكن أن يكون أخذ القرآن من اليهود والنصارى، وذلك أنه ﵊ لم يلق اليهود، ولم يحتك بهم احتكاكاً مباشراً إلا بالمدينة، فعاداه اليهود، فقابلهم النبي صلي الله عليه وسلم بعداء مثله. وأخرجهم لما نقضوا عهودهم معه، وقاتلهم في جميع المواطن حتى قضى عليهم، وذلك بعد أن كفرهم الله ولعنهم، وأنزل الله تعالى على نبيه فيهم آيات تتلى في ذلك، ومنها: قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة: ٨٢] .
стр. 48
أما النصارى فقد كفرهم الله تعالى، وكفرهم رسوله، ووصف قولهم ودعوتهم بأنها من أقبح الأقوال وأفسدها في الله تعالى، وذلك في قوله جل وعلا ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً , تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً , أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً , وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ [مريم:٨٩-٩٢] .
بل دعاهم النبي صلي الله عليه وسلم للمباهلة، كما هو معلوم في السيرة، لما جاءه وفد نجران، وكانوا نصارى، وحاجوه في عيسى ﵇،فأنزل الله تعالى صدر سورة آل عمران، فلما لم يستجيبوا لدعوته أمره الله أن يباهلهم، فجبنوا عن ذلك، ورضوا أن يدفعوا الجزية."١"
وهذا إقرار منهم بنبوته، وأنه على الحق، وأنهم على الباطل. فإذا كان هذا حاله معهم، فكيف يمكن أن يكون أخذ عنهم، ولو كان أخذ عنهم فهل يمكن أن يخفوا ذلك ويسكتوا عنه وهو معاد لهم، وهم حريصون على تكذيبه ورد رسالته؟
ثالثاً: أن النبي صلي الله عليه وسلم كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، فكيف يمكن أن يستفيد من كتب اليهود والنصارى.
أما لو زعموا أنه حفظها منهم فإن ذلك ممتنع، لأنه لا يعرف للنبي صلي الله عليه وسلم صلة بأحد منهم لا من اليهود ولا من النصارى "٢"، ولم يكن قومه من أهل العلم بكتب اليهود والنصارى، كما قال تعالى بعد أن ذكر قصة نوحعليه السلام: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٩] .
стр. 49
رابعاً: أن ما عند اليهود والنصارى من العلم الموافق لما جاء في القرآن، وذلك مثل بعض القصص الواردة في التوراة، خاصة مما يتعلق بآدم ونوح وإبراهيم وموسى ﵈، وكذلك شيء من أخبار داود وسليمان ويونس وعيسى ﵈، وكذلك أشياء من العقائد الموجودة في التوراة، كالإيمان بالله وتوحيده والملائكة والجن، ونحو ذلك.
فهذا كله دليل لنبوة النبي صلي الله عليه وسلم، لأن أولئك أنبياء، ويقر اليهود والنصارى على الجملة بنبوتهم، فما جاء في القرآن موافقاً لما ورد عند اليهود والنصارى، فذلك دليل على صدقه، وأن مصدره من نفس المصدر الذي جاء منه علم الأنبياء قبله.
وقد استدل ورقة بن نوفل على صدق النبي ﵊ بهذا الدليل، أي بالتشابه بين ما جاء به النبي صلي الله عليه وسلم وما جاء به الأنبياء قبله، كما في البخاري، أنه لما أخبره النبي صلي الله عليه وسلم خبر نزول الوحي عليه أول مرة في غار حراء، قال: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى"١"، وكذلك استدل به النجاشي لما قرأ عليه جعفر بن أبي طالب ﵁ صدراً من سورة مريم بكى، وبكت أساقفته، حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي:" إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة "."٢"
ومن المهم أن نشير هنا إلى أن ورود هذه القصص في القرآن الكريم تصديق لها وتثبيت، لأن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي لا تطاله الشبهة في مصدره وصحته، سوى ما يقوله أعداؤه بأفواههم، ولا يستطيعون أن يقيموا عليه أي دليل أو برهان.
فعلى هذا فالتوافق دليل على صدق الرسول صلي الله عليه وسلم، وأنه ليس مفتر كاذب، وحاشاه، لو كان أولئك الكفرة يعقلون.
стр. 50
كما أنا نقول للنصارى: لو كان التشابه دليلاً على الكذب، لكان التشابه فيما عزوه إلى عيسى ﵇، مما يشابه التوراة دليلاً على كذب عيسى ﵇، وحاشاه.
خامساً: أن المدقق في المعلومات الموجودة في القرآن الكريم، والمعلومات الموافقة لها، الموجودة في التوراة والإنجيل يجد فوارق جوهرية أساسية، وفوارق مهمة، يتميز بها النص القرآني، ويعلو بها على سائر النصوص الأخرى، وفيها دلالة على عبث اليهود والنصارى بنص التوراة، وسلامة نص القرآن وصحته.
ومن المثال على ذلك:
١-أنهم وصفوا الله تعالى بالنقائص.
فمن ذلك زعمهم أن الله ﵎ استراح لما خلق السموات والأرض."١"
وزعموا أن الله ﵎ يبكي "٢"- تعالى الله عن قولهم، وأنه يندم "٣"، وأنه يجهل "٤"، ولا شك أن هذا كله تنقص لرب العزة والجلال، بخلاف النص القرآني في هذه ألأبواب، فيصف الله بالكمال المطلق.
стр. 51
بل ابتدأت كثير من السور بالتسبيح ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ ، ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ . والتسبيح: هو التنزيه لله تعالى عن النقص.
وأثبت السلف بناءً على نصوص القرآن والسنة اتصاف الله تعالى بصفات الكمال، التي لا يشوبها نقص بوجه من الوجوه.
٢-التوحيد.
اليهود زعموا في كتابههم أن الله تعالى إلههم وحدهم دون الناس، ووصفوه في مواطن كثيرة من كتابهم أنه إله بني إسرائيل دون الناس. وفي هذا قالوا في سفر التكوين "٢٨/٢١" من قول يعقوب "يكون الرب لي إلهاً"، وفي سفر الخروج "٢٤/١٠" ورأوا إله إسرائيل، وفي "٢٩/٤٥" اسكن في وسط بني إسرائيل وأكون لهم إلهاً فيعلمون أني أنا الرب إلههم الذي أخرجهم من أرض مصر لأسكن في وسطهم أنا الرب إلههم"، وفي "٣٢/٣٧" فقال لهم هكذا قال الرب إله إسرائيل، وفي التثنية "١٠/١٤" هوذا للرب إلهك السموات وسماء السموات والأرض وكل ما فيها ولكن الرب إنما التصق بآبائك ليحبهم فاختار من بعدهم نسلهم الذي هو أنتم فوق جميع الشعوب كما في هذا اليوم.
فهذه النصوص ونحوها كثير يصفون بها الله تعالى أنه ربهم ومعبودهم، وأنهم شعبه دون الناس، وليس لأحد حق في عبادته سواهم.
أما النصارى فشأنهم شيء آخر من الشرك والكفر، وعبادة غير الله تعالى، وادعاء الولد.
أما القرآن فلا شيء فيه أظهر من التوحيد، ولا أصفى منه، وأنه رب العالمين، والواجب على الخلق كلهم عبادته وحده، وهو أول أمر في ترتيب القرآن، موجه إلى الناس كافة.
стр. 52
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١] .
٣- طعنهم في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وصف اليهود أنبياء الله تعالى بأوصاف قبيحة، ونسبوا إليهم فعل الرذائل والفواحش، فزعموا أن نوحاً ﵇ سكر "١"، ووصفوا إبراهيم ﵇ بالدياثة "٢"، وزعموا أن لوطاً زنا بابنتيه "٣". وحاشا الأنبياء ﵈.
وغير ذلك كثير من دعاويهم التي يتيقن العاقل من الناس أن هذا لا يمكن أن يقع من أولئك الصفوة من البشر، بل إن كل أصحاب ديانة ليعظمون أئمتهم ويشعرون أنهم يجب أن يكونوا على حال كاملة، أو قريبة من الكمال، من ناحية النزاهة والترفع عن الرذائل والدنايا، فضلاً عن الأنبياء الذين كملهم الله وشرفهم.
وما ذكره اليهود ووصموا به أنبياء الله تعالى يختلف تمام الاختلاف عما في القرآن الكريم، الذي جعل الرسل ﵈ في قمة الكمال البشري، وخصهم بالاصطفاء.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة:١٣٠] ، وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ , وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلّاً هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ , وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ ,وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلّاً فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ , وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ
стр. 53
وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ , ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ , أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ , أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٨٣-٩٠] .
فهذه الآيات وغيرها كثير في أولئك الصفوة من البشر تظهر الفوارق الكبرى بين نصوص القرآن، وتحريفات اليهود في كتبهم، فكيف يمكن أن يكون القرآن مقتبساً من التوراة لو كانوا يعقلون.
٤- اليوم الآخر والبعث والجنة والنار.
لا يوجد لدى اليهود في كتابهم التوراة وكتبهم الملحقة به ذكر للبعث واليوم الآخر، لهذا ظهر ضلالهم في الإيمان باليوم الآخر، بل لم يذكروا الجنة إلا في قصة آدم، وما عدا ذلك لم يذكروها البتة. وعندهم نص يتيم يشير إلى البعث إشارة من طرف خفي، وذلك قولهم في سفر دانيال "١٢/٢" كثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار والازدراء الأبدي.
أما النصارى فلا يعتقدون أن فيها نعيماً حسياً، بل هو رؤية الله فقط. "١"
أما القرآن فهذه أظهر قضاياه بعد التوحيد، ولا يكاد تمر صفحة من المصحف إلا وفيها ذكر الآخرة أو النعيم أو العذاب، تصريحاً أو تلميحاً.
فهذا كله دليل على أن القرآن لا يمكن بحال أن يكون مأخوذاً من اليهود والنصارى، لأنهم فاقدون للعلم الصحيح، وفاقد الشئ لا يعطيه. كما جرت العادة أن الصورة تكون أضعف من الأصل، إلا أن القرآن الذي يزعم فيه أولئك الضلال ما يزعمون لا يمكن بحال أن يقارن بتلك الكتب، التي عبثت بها أيدي البشر وسامتها تحريفاً وتخريما.
стр. 54
وفي ختام هذا الرد نبين:
أنه لم تسجل حياة رجل في التاريخ، وتحصى عليه كلماته وحركاته وسكناته في حله وترحاله، في بيته وخارج بيته مثل النبي صلي الله عليه وسلم، فقد كان الناقلون ينقلون، بل ويتعبدون بنقل كل شيء عنه، صغر أو كبر، فرجل كما يقال: تحت المجهر إلى آخر لحظة من حياته، هل يمكن أن تقع الجهالة بحقيقة مصدره في العلم، وهل يمكن أن يكون عنده من يختلف إليه ليأخذ عنه العلم، ولا يشعر به أصحابه؟، ومن هو هذا الرجل الذي يمكن أن يكون أعلم الناس، بل لا يدانيه في علمه أحد، ومع هذا يخفي نفسه، ويذهب بالحمد والشهرة غيره؟!
إن دعوى كهذه لاشك أن مدعيها لا يعي ما يقول، وإنما مراده أن يقول شيئاً.
ومما يدل أيضاً على كذب دعوى كهذه:
أن الرسول ﵊ عاش حياته الأولى، بل الجزء الأكبر من حياته في مكة، وغادرها وهو في الثالثة والخمسين من العمر ﵊، وعاش فيها بعد البعثة ثلاثة عشر عاماً، وخلال هذه المدة نزل عليه جملة كبيرة من القرآن.
ومن المعلوم أن مكة ليس فيها يهود ولا نصارى، ولا كانوا يختلفون إليها حجاجاً ولا زائرين، لأنها لا تشكل شيئاً بالنسبة لهم، فبالتالي دعوى أنه تعلم من اليهود أو من النصارى دعوى فارغة، خالية من أي مضمون، وإلا فليكشفوا عن هذا اليهودي ذو النفس العظيمة والمتواضعة وذو العلم الجم والمحبة الفائقة ونكران الذات الذي علم النبي صلوات الله وسلامه عليه. وليكشفوا عن ذلك النصراني الذي علم النبي ﵊. لاشك أنهم لم يجدوه، ولن يجدوه، لأنه لا وجود له في الحقيقة.
стр. 55
وإذا انتفى وجود هذا الرجل في مكة، فكذلك في المدينة هو منتف أيضاً، لأن اليهود بمجرد مجيئه إلى المدينة عادوه بعد أن عرفوه، واستمروا على هذا العداء الشديد، حتى أجلى من أجلى منهم، وقتل من قتل منهم، وهم على حالهم في العداء، مما يجعل دعوى أنه أخذ منهم شيئاً منتفية انتفاءً كاملاً، ولا يمكن وقوعها.
هذا بيان مختصر في رد دعوى أن الرسول صلوات الله وسلامه عليه استفاد مادة القرآن الكريم من اليهود والنصارى، وأنها لا تعدو أن تكون من باب الخرص والتخمين الباطل، والاتهام الكاذب، الذي دأب عليه أعداء الرسول صلي الله عليه وسلم في كل زمان ومكان، وحقيقته أنها دعوى لتبرير تكذيبهم له، وعدم متابعته والإيمان به.
стр. 56
الخاتمة
الحمد لله يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، ولا يهلك على الله إلا هالك، وبعد:
فهذه خاتمة أبرز فيها أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث السابق:
١-أن من أعظم أهداف المستشرقين هدم الإسلام، وتقويض أركانه.
٢- أن المستشرقين أعداء الله وأعداء رسوله، حاولوا أن يغلفوا ذلك كله باسم العلم والتحقيق.
٣-أن المستشرقين لم يأتوا بشيء جديد في هذا، بل رددوا ما ردده أبو جهل وأبو لهب والوليد بن المغيرة وغيرهم، جمعهم الكفر والحسد، وفرقهم الزمان والمكان.
٤-أن زعم المستشرقين أن النبي صلي الله عليه وسلم افترى القرآن من عند نفسه دعوى باطلة ومستحيلة لعدة أسباب:
أولاً: أنه قال إنه من عند الله، وهو الصادق الأمين، وشهد له أعداؤه بذلك.
ثانياً: أن القرآن لم يكن متيسراً للنبي ﵊ في كل حال.
ثالثاً: أن الله تعالى عاتبه في القرآن في عدة مواطن.
رابعاً: أن القرآن حوى علوماً فلكية وبحرية وعلم الأجنة وغير ذلك، مما لا يمكن لبشر أن يعلمها، وخاصة في زمان النبي صلي الله عليه وسلم.
خامساً: أن القرآن حوى نصوصاً عن حوادث حدثت بعد وفاة النبي صلي الله عليه وسلم علمها اللطيف الخبير.
٥-أن المستشرقين زعموا أن النبي صلي الله عليه وسلم اقتبس القرآن، واستفاد مادته أو جزءاً كبيراً منها من التوراة والإنجيل، أو من اليهود والنصارى، وهذه دعوى باطلة لعدة أسباب:
стр. 57
أولاً: أن النبي صلي الله عليه وسلم لم يلق أحداً من اليهود والنصارى قبل البعثة، وإنما لقي اليهود في المدينة، ووقع بينه وبينهم العداء، فلا يمكن أن يعلموه شيئاً مما علمهم الله، وهم أهل الكبر والحسد.
ثانياً: أن النبي صلي الله عليه وسلم كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، فكيف له أن يستفيد من كتبهم.
ثالثاً: أن ما عند اليهود من العلم، وهو يوافق ما جاء في القرآن، فهذا دليل على أن المصدر واحد، وهو الله تعالى.
رابعاً: أن هناك فوارق جوهرية بين ما ورد في القرآن، وما ورد في التوراة، مما يدل على أنه لا يمكن أن يكون استفاد منها، وإلا وقع في نفس أخطائها وأغلاطها.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 58
مصادر ومراجع
...
قائمة المراجع
١- أبحاث في الفكر اليهودي. حسن ظاظا."بدون بيانات نشر".
٢-اختلافات في تراجم الكتاب المقدس: اللواء/أحمد عبد الوهاب، مكتبة وهبه القاهره، ط الأولى ١٤٠٧هـ
٣-آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره. د.عمر إبراهيم رضوان. ط١.الرياض. دار طيبة/١٤١٣هـ.
٤-الإستشراق والتاريخ الإسلامي. د.فاروق عمر فوزي. ط١.الأردن. الأهلية للنشر والتوزيع/١٩٩٨م.
٥-إظهار الحق: الشيخ رحمةالله الهندي، تحقيق د/ محمد ملكاوي، دار الحديث، القاهرة.
٦-إعجاز القرآن للباقلاني. تحقيق: عماد الدين حيدر. ط١.بيروت. مؤسسة الكتب الثقافية/١٤٠٦هـ.
٧-البداية والنهاية: الحافظ ابن كثير، الناشر: مكتبة الفلاح الرياض، مطبعة الفجاله القاهرة.
٨-تاريخ بني إسرائيل من أسفارهم: محمد عزه دروزه، المكتبه العصريه، بيروت، ط جديده ١٣٨٩هـ.
٩-تاريخ الشعوب الإسلامية. كارل بروكلمان. ط١٣.بيروت. دار العلم/١٩٩٨م.
١٠- تاريخ الطبري: طبعة دار المعارف، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.
١١-تاريخ العرب العام. ل.أ. سيديو. نقله إلى العربية: عادل زعيتر. القاهرة. دار إحياء الكتب/١٣٧٦هـ.
١٢-تأصيل الإعجاز العلمي. رابطة العالم الإسلامي. من أبحاث المؤتمر العالمي الأول للإعجاز العلمي في القرآن والسنة المنعقد في باكستان/١٤٠٨هـ.
стр. 59
٣-تفسير الألوسي "روح البيان". بيروت. دار الفكر/١٩٧٨م.
١٤-تفسير ابن جرير الطبري: مكتبة ومطبعة البابي الحلبي، ط الثانيه ١٣٨٨هـ.
١٥-تفسير القرطبي "الجامع لأحكام القرآن".بيروت. دار الفكر.
١٦-تفسير ابن كثير: الحافظ ابي الفداء اسماعيل بن كثير مطبعة المنار ١٤١٠هـ.
١٧-خلق الإنسان بين الطب والقرآن. د.محمد علي البار. ط٦.جدة. الدار السعودية للنشر والتوزيع/١٤٠٦هـ.
١٨-دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية. سعود بن عبد العزيز الخلف. ط٣.الرياض. مكتبة
أضواء السلف.
١٩-الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي. بيروت. ط١/١٤٠٣هـ.
٢٠-روعة الخلق أسرار كينونة الجنين. ترجوة ماجد طيفور. ط١.بيروت. دار العلم/١٤١٢هـ.
٢١-شرح القصائد العشر. يحي بن علي التبريزي. ط١.مكة. دار الباز/١٤٠٥هـ.
صحيح مسلم بشرح النووي. مسلم بن الحجاج. ط٢.دار إحياء التراث/١٣٩٢هـ.
٢٢-علم اللاهوت النظامي: مجموعة من اللاهوتيين النصارى - دار الثقافة المسيحية.
٢٣-العهد الجديد: دار الكتاب المقدس، القاهرة ١٩٨٢م.
٢٤-العهد القديم: دار الكتاب المقدس، القاهرة ١٩٨٢ م.
٢٥-فتح الباري شرح صحيح البخاري: الحافظ ابن حجر العسقلاني، نشررئاسة البحوث العلميه والافتاء، الرياض.
٢٦-فضح التلمود. الأب. آي. بي. برانايتس. إعداد: زهدي الفاتح. ط٢.دار النفائس/١٤٠٥هـ..
٢٧-القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم: موريس بوكاى، دار المعارف بمصر.
стр. 60
٢٨-القرآن والمبشرون. محمد عزة دروزة. ط٣.بيروت. المكتب الإسلامي/١٣٩٩هـ.
٢٩-قصة الحضارة: ول ديورانت، ت. محمد بدران إدارة الثقافة في جامعة الدول العربية.
٣٠-الكتب المقدسة بين الصحة والتحريفزد. يحي محمد علي ربيع. ط١.مصر. دار الوفاء/١٤١٥هـ.
٣١-الكنز المرصود في قواعد التلمود: د/ روهلنج، ترجمة يوسف نصر الله، دار القلم، ط الأولى ١٤٠٨هـ.
٣٢-مباحث في إعجاز القرآن. د.مصطفى مسلم. الرياض. دار المسلم. ط٢/١٤١٦هـ.
٣٣-مجموع الفتاوى لابن تيمية. جمع: عبد الرحمن بن محمد الحنبلي وابنه محمد. ط١/١٣٩٨هـ.
٣٤-المدخل إلى العهد الجديد: القس/ فهيم عزيز، اصدار دار الثقافة المسيحية، مطبعة دار الجيل.
٣٥-مسند الإمام أحمد بن حنبل: أحمد بن حنبل، بيروت، نشر دار صادر.
٣٦-المعجم الوسيط. مجمع اللغة العربية. تركيا: المكتبة الإسلامية.
٣٧-المفردات في غريب القرآن: الراغب الأصفهاني، دار المعرفة، بيروت.
٣٨-مناهج المستشرقين في الدراسات العربية والإسلامية. مطبعة مكتب التربية العربي لدول الخليج. الرياض/١٤٠٥هـ.
٣٩-النبأ العظيم. د.محمد عبد الله دراز. ط٦.الكويت. دار القلم/١٤٠٥هـ.